728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الجمعة، 15 فبراير 2019

    إبنة المصّور تخاف من الصور (2)






    محسن أ. يمّين
    صغيرةً كانت السيّدة ماري القارح الكوسا، حين قرّر والدها المصّور كميل القارح (1897-1952) ترك البيت الصيفيّ الذي يملكه في إهدن، والإنتقال بأسرته للسكن في بيت مستأجر قرب كنيسة مار جرجس، تلبيةً للحاجة المتعاظمة الى التصوير عند قاعدة تمثال يوسف بك كرم (1833-1889).
    فإحتضان باحة الكنيسة، المعروفة بساحة "الكتلة"، للتمثال منذ ال1932، سيعطي قوّة دفع لمهنة التصوير الفوتوغرافي في البلدة، وسيشكّل لكميل القارح فرصة ثمينة لمضاعفة وتيرة عمله اليوميّ، وأسباب إرتزاقه. ووجوده قرب التمثال المجسّد لعنفوان "بطل لبنان"، ولمهارة الفنّان يوسف الحويك، رائد النحت في لبنان، سيخفّف من صعوبة تنقّله الدائم، ومشقّة حمل المعدّات الثقيلة، والعمل لساعات طويلة. فإقامته في جوار المزار الديني والوطني ستمكّنه من إلتقاط أنفاسه كلّما أدركه التعب، ومن الإبتعاد أمتاراً معدودة عن "ساحة المعركة" لأكل لقمة على عجل. وستنوب منابه لافتة إعلانيّة موضوعة في المكان. وسيتّكل على أهل النخوة من أبناء البلدة لمناداته كلّما أطلّ راغبون جدد في وقفة تذكاريّة تؤبّدها الصورة.
    وفي غمرة هذا الإندفاع المحموم للعمل، بما كان يتخلّله، أو يعقبه، من دخول الى الغرفة السوداء، وتظهير للصور، لا بدّ أن تكون إبنته السيّدة ماري قد ألفت منظر الوالد وهو ينهمك بأخذ صور زبائنه، في الهواء الطلق، فرادى وجماعات، شيباً وشباباً، مقيمين ومغتربين، اهدنيين ولبنانيّين. فالعدسات بين أيدي الهواة لم تكن قد إنتشرت إنتشارها الواسع بعد. والرغبة في عدم حرمان النفس من صورة للذكرى والتاريخ، في ظلال تمثال البطولة، لا تنفكّ تتصاعد. إلفتها للمسافة الضئيلة الفاصلة بين مسكنهم الجديد والكنيسة التي تقصدها، غير مرّة في النهار الواحد، للصلاة.
    وحدث ذات يوم، أن قادتها خطاها الى الكنيسة فيما الشمس تميل الى المغيب. وكان المؤمنون يدخلون، ويخرجون، وهي عنهم في شغل، تصلّي مطيلة الصلاة، قرب المذبح، وتدعو مطيلة الأدعية. حتى إذا فرغت من هذا كلّه، وتوجّهت الى باب الكنيسة، للخروج، لتجده مقفلاً. فعلمت للحال أن القندلفت لا بدّ أن يكون جاء قبل قليل وظنّ أن الكنيسة خالية، فأوصد الباب على عادته كلما حلّ المساء. وقد قام بذلك في غفلة عنها، والاّ لكانت سمعت صفقة الباب. فسرت رعدة خوف في أوصالها وهي تهرع لقرع درفاته الكبيرة، بكلّ ما أوتيت من قوّة، سعياً منها للفت انتباه أحد المارة، أو المتنزّهين. إنما دون طائل. وكان خوفها يشتدّ مع إشتداد الظلمة التي لن تخفّف منها الإنارة الخارجيّة المنسربة من النوافذ الأشبه بالمرامي، سوى النزر اليسير، ولا الأنوار الخافتة، والمتراقصة، للشموع المشتعلة التي لن تلبث أن تنطفئ.وكان تحديقها في لوحات داود القرم الثلاث، الكبيرة الحجم، وما تولّده في ذهنها المضطرب من أخيلة متوهّمة، يزيدها هلعاً. فاستسلمت للبكاء بمرارة، وقتاً طويلاً، خالته دهراً وهي تطلق لسانها في الإبتهال قبل أن يأخذها النوم.
    وكان قد مضى طرف من الليل أمضاه أهلها متراكضين في كل صوب بحثاً عنها، وبخاصة في بيوت الحارة التي بارحوها، عندما رأى القندلفت، فيما يراه النائم، شخصاً يلكزه، ويستحثّه على فكّ أسْر أحدٍ ما محتجز في الكنيسة. فجاء وفتح الباب ووجدها غافية ومستلقية على أحد المقاعد الخشبيّة. أيقظها فأفاقت مذعورة، وردّت على أسئلته بألفاظ متقطّعة بالدمع، وبصوت متهدّج بالإنفعال. وما تصوّرته في تلك اللحظة نهاية لن يكون سوى بداية.
    فالساعات التي مرّت كانت كافية لتتسبّب لها بذعر شديد مرضيّ من الصور واللوحات الكبيرة لن تعرف الشفاء منه أبداً. وقد روت لأهلها الذين أصابهم غيابها المفاجئ بالرعب بأنّ كرماً بالذات تراءى لها، في منامها، وجلس قربها، بثيابه الشرقيّة، على المقعد، مُهدّئاً روعها، ريثما يصل من ينقذها مّما هي فيه.
    وبعد، فسواء سلّمتَ بروايتَيْ القندلفت والسيدة ماري، أو لم تفعل، فإن شيئاً لن يحول دون تسليمك بنتيجة ما حصل: وهو رُهاب إبنة المصّور من الصور واللوحات الكبيرة الذي سيدوم ما دامت. حتى في أكثر الأمكنة إلفةً: بيتها حيث كانت تشترط على نجليها جوّاد وكارلوس نزع صور الممثلين والممثّلات كي تنظف حجرة نومهما، ودارة النائب الراحل يوسف بك كرم التي كانت دائمة التردّد عليها، وتتوجّه توّاً الى غرفة الجلوس فيها، متجنّبة الصالون لإزدحامه بصور البكوات الكبيرة المعلّقة على جدرانه. سوى أن هذا الرهاب لن يمنعها من المثول أمام العدسات لحاجتها الى الصور في معاملاتها الرسمية. وإلاّ لكانت إكتفت بصورها المطبوعة في قلوب ذويها ومحبيّها وهي تلبّي نداء ربّها.

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: إبنة المصّور تخاف من الصور (2) Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top