من رباعيات جلال الدين الرومي

فبراير 28, 2019 اضف تعليق
/ ترجمة محمد عيد إبراهيم

طوال النهار والليل لحنٌ
نيرٌ .. هادىء
غناء مزمارٍ
لو خبا نذوي .
———
مناخل هي الأيام كي تصفّي الروح
تكشف النجس و كذا
تُبين النور لثلةٍ يرمون
بهاءهم إلى الكون .
———-
لا رفيق سوى العشق
طريق دون بدء أو نهاية
يدعو الرفيق هناك :
ما الذي يمهلك حين تكون الحياة محفوفة بالمخاطر .
———-
لو أن روحا لديك .. أحتسبها
أرخ لها أن تعود بكلمة واحدة
من حيث جئنا .. الآن .. آلاف من الكلمات
ونأبى أن ننصرف .
———–
هل الحياةُ لتفنى ؟ يهب الله أخرى !
مجّد المطلق ! وسلّم بالمقيد
العشق نبع فانغمر
كل قطرة تنفصل عمر مستجد .
———–
حسبت أني حكمت نفسي
فتأسّيت على زمان قد مضى
آخذاً في اعتباري شيئاً واحداً أعلمه
لست أدري من أنا .
———–
تتلكأ بعض الليالي حتى الشفق
كيما يُؤذن القمر للشمس أحيانا
فكن مثل قادوس مُترعٍ جرَ دروب الظلام
من بئره ثم يصعدها إلى النور .
———–
لا حب أفضل من حب بدون حبيب
ليس أصلح من عمل صالح دون غاية
لو يمكنك أن تتخلى عن السوء والحذق فيه
فتلك هي الخدعة الماكرة .
———–
الرفيق يهل على جسدي
باحثاً عن مركزه .. حين يعجز
أن يجده .. يستل نصلاً
نافذاً في أي موقع .
———–
ممتليء بك
عقلاً وروحاً
لا مكان لنقص رجاءٍ .. أو للرجاء
ليس بهذا الوجود إلاك .
———–
واصل التجوال رغم أنه لا مكان لكي تصل
لا تجرب أن تروم مرامي الأبعاد
ليس هذا لآدمي .. فارحل إلى باطنك
ولا تمل لطريق الخوف بجريك تمضي عليه .
————
عيوننا ما تراك
لكن عُذراً لنا : فالعيون ترى مظهراً
لا حقيقة .. ولو أن لطيفة هذه المنزلة
ترجى دواماً .
———–
أدرج على الأرض عاري القدمين وأذهلها بالدوار
فهي حبلى بالمرح و البراعم
ربيع مصطخب يرتقي نحو النجوم
والقمر ينشده مما يدور .
———–
لا تُسْدِ نصحاً كريماً إليّ
لقد ذقت من شر الحادثات
واحتجزتني في مكان غير معروف
ليس لها أن تعقلَ ما حزتُ من عشق جديد .
————
حين تُقيد أنعتق
لو تُوبخ أحتفي
نصلك المشقوق عشق
أنينك أغنية .
———–
أنصت إلى الأطياف داخل القصائد
دعها لتأخذك حيث تريد
اتبع تلك الإشارات الباطنية
ولا تُخلف مقدمة منطقية .
———–
يرجع الليل حيث أتى
كلهم عائد عند وصولك
احْكِ لهم كم أحبك .
———–
جسمي صغير حتى أن تراهُ بجهد
كيف يمكن لهذا الحب الكبير أن يوجد بي ؟
أنظر إلى عينيك .. صغيرتان
ويمكنهما أن يُبصرا أشياء هائلة .
————
لو تخليت عن عقل
لأمكنني تسطير مائة رواية لك
ليس من سائل مثل دمعة
همت من مقلة لحبيب .
———–
أجلُ من يحاولون
الخلاص بأنفسهم عن أيما رقود
يُخلونَ في الذات
جاعلين هناك كينونة الصفاء فحسب .
———–
كل يوم بهذا الألم ! إما أنت مستغنٍ
أو أنك لا تدري الحب
أدون حكاية حبي
تشهد المكتوب لكنك لا تقرؤه .
———–
افتتانٌ كثيرٌ لدى بابك
كل العناية تربح تلك الطريق
فتذكر , رغم أني قد ارتكبت أفعال سوء
بأنني لا أزال أرى العالم برمته فوق وجهك .
————
لا تدخل علينا دون أن تجلب الألحان
نحن في صخب على طبلٍ وناي
والمدامة لا تسقى من كروم
في مكان لست تحدس ما هو .
————
السر الذي أفشيت , أفشِه ثانية  !
لو أنك تأبي , سوف أشرع في الدموع
ومن ثم سوف تبوح : السكوت , و استرق السمع تواً
لسوف أفشيه مراراً .
————
كنت الوحيد فجعلتك كي تُغني
كنت ساكتاً فجعلتك تحكي الحكايات الطوال
لا أحد يدري أين كنت
لكن الآن يدركون 

خالد يوسف ولعبة الابتزاز الجنسي المرِيحة

فبراير 28, 2019 اضف تعليق
دلال البزري

العربي الجديد
الموضوع: السلطات المصرية تفجِّر فضيحة فيديو جنس جماعي، بطلها ومنتجها المخرج خالد يوسف، والكومبارس فيها شابتان جميلتان. طبعاً، كانتا تطمحان إلى الفوز بدور في واحد من أفلام المخرج المشهور. قالت واحدةٌ منهما أمام المحقّق: "خالد يوسف معروف مش بيِدّي (لا يعطي) دورا لفنانة إلا لمّا يقيم علاقة جنسية ويصوِّرها". أما خالد يوسف، فردّ على الفضيحة بأنه إنما يتعرّض لحملة "تشويه" بسبب "مواقفه السياسية"، حيث انتقد التعديلات المرتقبة على الدستور المصري التي تؤبِّد حكم عبد الفتاح السيسي؛ والأهم من ذلك كله أنه سيأتي يوم يكتشف فيه الجميع "براءته". براءته من أي ذنب؟ ذنب معارضة السيسي أم ذنب الابتزاز الجنسي؟ 
الذنب الأول، سوف يعرف طريقه إلى الغفران. طريقٌ متعثر ربما، واهٍ، غامض. لكنه سوف يجده. لن نعرف تماماً ماذا سيحصل خلف الكواليس بين السلطة الحاكمة وواحد من أبناء نخبتها الفنية. ولنتذكّر فقط أن لخالد يوسف رصيدا كبيرا لدى السيسي؛ هو كاتب سيناريو "ثورة 30 يوليو" التي أطاحت "الإخوان المسلمين"، هو الذي أخرج فيلم "ثورة الثلاثين مليون مصري"، بقيادة السيسي، ينقلبون عليهم. مأثرةٌ قبضَ ثمنَها "كاش"، بأن نال مقعداً في البرلمان بصفة "نائب الأمة"؛ وذلك بعدما انتخب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية، معتذراً لصديقه، المرشح المعارض، رفيق درب المعارضة، حمدين الصباحي... المهم أنه لن يصل إلينا الكثير بعد "مصالحةٍ" تتم بين خالد يوسف والسلطة الحاكمة. ولكن "براءة" الأخير سوف تظهر، ويعود إلى الوطن من "منفاه" الباريسي الفاخر، مجلّلا بغار المعارضة السلمية الشريفة.. إلخ. 

""تأديب" خالد يوسف على يد السيسي لن يطول. الإثنان "براغماتيان"، وسوف يجدان طريقهما إلى الصُلح" منهما، ودُمّرت حياة من حولهما، بعدما تعرّضتا لابتزازٍ جنسيٍّ موصوف. وأغلق الملف بعد ذلك، بقدرة قادر، وسُحِب الشريط الفاضح من التداول الشَبَكي. والسبب ليس تستيراً على عرْض الشابتين، إنما لسببيَن غير مرتبطَين تماماَ: الأول أن الفضيحة - القنبلة أدّت واحدةً من وظائفها، فمرّت الموافقة البرلمانية على التعديلات الدستورية، بغطاء دخانها، من دون شوْشرة. والثاني أن فضيحةً أعظم كادت أن تطل برأسها مع تقدّم التحقيق، وقد طاولت خيوطُه "شخصياتٍ" من عالم "البزْنس" والفن. وهذه "الشخصيات" هي، كما نعلم، معصومةٌ، لا ينالها قانون. 
أما الباقي، فطبيعي، لا غُبار عليه. لماذا؟ لأن المناخ في الوسط الفني القاهري هو مناخ تحرّش وابتزاز جنسي بامتياز. الشابة التي قالت كلماتها في أولى الأسطر لم تنطق من فراغ. الجميع يعلم في الوسط الفني المصري، الجميع يعمل حسابه، على أساس أن الغنيمة الجنسية حاضرة على يد من هو أعلى. ومهما كان هذا الأعلى: فهناك العالي، ثم الأعلى، ثم الأعلى. والمخرج يحتل مرتبة الشرف في هذا الهرَم المصغَّر. ومن حقه بالغنيمة الأغلى، وأحيانا أية غنيمةٍ تمرّ أمامه. وليس من الضروري أن تكون الغنيمة من الجنس الآخر، أي النساء؛ فالمطلوب أحياناً شباب طموحون وسيمون يافعون.. يسيلون لُعاب المخرج المثْلي، فيمارس عليهم الابتزاز الجنسي المعهود. الكلام عن هذا السوق ليس سرّاً، في القاهرة. تسمع عنه شهادات، وترى الأفعال أمام ناظرَيك، فتظن للوهلة الأولى أنك أمام استثناء؛ وإذا بكَ أمام حالة معمّمة، "طبيعية". 
أما خالد يوسف بالذات، فهو أكثر من نظرائه "كفاءة" في حفلات الإبتزاز الجنسي هذه. محظوظٌ بمساره مع يوسف شاهين، بتحدّره من الوجاهة القروية. محظوظٌ بحبه الهائل نفسه، و"وسامته"، وحرّيته شبه المطلقة بضرب أرقام قياسية بعدد الشرائط الجنسية التي صوّرها بنفسه مع نساءٍ يرغبن بالتمثيل في أفلامه (يقال أكثر من 300 شريط). ومحظوظٌ فوق ذلك كله بأخلاقه التي تسمح له بالغرف من رصيد "اشتراكه بالثورة"، من دون حساب. 
وقد بلغ به مقام إعتزازه بالتحرّش أنه أخرجَ فيلمين، "دكانة شحاتة" (2009) "حلاوة روح" (2014)، لهما سمةٌ مشتركةٌ واحدة: بطلةٌ ذات مواصفاتٍ جنسيةٍ هائلة، يسمّونها "صاروخ"، متبرّجة ومحزّقة، في وسط شعبي محروم، يتحرَّش بها الجميع، وتمتعكَ الكاميرا بهذا التحرّش. ولو كنتَ من هواة هذه الرذيلة سوف تخرج من الفيلمين بمزيد من الشجاعة والإقدام عليها. 
"تأديب" خالد يوسف على يد السيسي لن يطول. الاثنان "براغماتيان"، وسوف يجدان طريقهما إلى الصُلح. أما التحرّش، أما الابتزاز، فعودة إلى العبارة العامية: "فرْفور، ذنْبو مغفور" (الفرفور هو الغلام الشاب..). ليست هذه أول مرة تخترق فيها السلطة الحاكمة عالم الفن - الإعلام، تفضح وتنشر، بواجهةٍ أخلاقيةٍ، مضمونها ابتزاز آخر، سياسي. ولا هي أول مرةٍ تكون فيها نساء هذا الوسط، والذي يدور في فلَكَه، الضحية المسحوقة مسبقاً، لهذه المناورات شبه العسكرية. ولكن، هذه أول مرةٍ تحصل فيها فضيحةٌ من هذا القبيل في زمن الانتفاضة النسائية التي اندلعت مع فضيحة هارفي وينستين، المنتج الأميركي المغتصب المتسلْسل. وهي  
"كأن قضية نساء مصر، وقضية حرية إعلام مصر، قد تراجعا أميالاً إلى الوراء" انتفاضةٌ لاقت رواجاً عالمياً تحت هاشتاغ "مي تو" (me too)، ورمت بطلها في السجن والتحقيق، ولحقَه عدد من نظرائه. وهي ما زالت جارية، بل بدأت تشهد فصولاً من المغالاة. 
وهذه مصادفةٌ تسمح على الأقل بالمقارنة والاستنتاج. أولاً، النساء والصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة، أقوى من أباطرة هوليوود القدماء، وأقوى من رئيس الجمهورية الأميركي نفسه. الصحافي الذي أشعل هذه الانتفاضة، رونان فارو، ابن ميا فارو، وليس أي جهاز مخابراتي. ولحقته مباشرةً ممثلةٌ إيطاليةٌ شبه مغمورة، بإعلانها عن تعرّضها للاغتصاب على يد هارفي وينستين ذاته. وهكذا انطلق، منذ عامين، هذا الذي نعرفه الآن. والموجة، دعَمَها أهل هوليوود أنفسهم، وحملتها لم تتوقف عن الغمز في قناة الرئيس دونالد ترامب، المعروف باحتقاره النساء ومعاملتهن معاملة جنسية صرفة. 
ثانيا، بالتالي، النساء في مصر هن الأضعف مرتين وثلاث مرات: مرّة بالتحرش بهن، ومرّة بتخريب كل حياتهن، بعد التحرّش بهن؛ ومرّة بفرض الصمت عليهن بشتى الطُرق. فيما الجاني يغرِّد من بعيد، في أحضان الرخاء، لا ينقصه سوى رؤية الوطن. وسوف يعود إليه مسلّما بقوة الطاغية الذي لا شريك له.. يسنده إعلامٌ لا مكان فيه إلا لمدّاحيه، فالإعلام قاعدة أساسية في هيكل هرمي، على رأسه فرعون؛ هو جزءٌ من نخبةٍ فنية و"بزنسية"، موالية له. بالتأكيد لن يكون عهد فرعون إلا "متسامحا" مع المبتزّ والمتحرّش والمغتصب، الذين تنتمي إليهم هذه النخبة. 
وكأن قضية نساء مصر، وقضية حرية إعلام مصر، قد تراجعا أميالاً إلى الوراء...

عن جمالِ نساءِ نيم وآرل، مع استقصاءٍ عن نظام الاستعمار عند الفينيقيين

فبراير 27, 2019 اضف تعليق
 – تيم كرابّه

ترجمة محمد رشو

كانت قبيحةً جداً إلى درجة أنها كانت ستلفتُ انتباهي أنا حتّى، هناك خلف صندوق الكاشير في متجر هيما. لم يكن مفهوماً ما الذي كان يدفع بها إلى المقهى حيث كل امرئٍ هناك يقف محتداً فارضاً نفسه على الآخرين كي يبدو جميلاً. الشيءُ الوحيدُ الذي كان مألوفاً فيها كان شعرُها البرتقاليُّ المحلوقُ بشكلٍ قصير جداً. كان طولها يبلغ متراً وتسعين سنتيمتراً وكانت على شيءٍ من الضخامة. أحياناً كانت ترتدي فستانَ دانتيل وأحياناً بدلةً رياضيّةً رثّة ربما كان من الممكن أن تكون قد ظهرت كبيجاما في موضةٍ جديدة في عام 1960. كانت لديها خدودٌ كبيرةٌ مثيرة، لكن على أحد الخدين كان هناك نوعٌ من حُفر الوجه التي تخلّفها البثورُ وراءها، أما على فمها فكانت هناك ابتسامةٌ دائمة ولكن فارغة تماماً.

كانت تفتنني. كنتُ أنظرُ إليها كبطلة، إذ أنها إضافةً إلى كونها قبيحةً، كانت وحيدةً أيضاً على الدوام. لم تكن تسعى هي بنفسها إلى علاقةٍ مع أحد، وما من أحد كان يسعى إلى صلةٍ معها. بشجاعةٍ مبهمة ومثيرةٍ للإعجاب في الآن ذاته كانت ولساعاتٍ طويلة تتبارى مع وحدتها، مع التهكّمِ، مع الازدراء الذي كان يحيط بها بصمت. من بين كل روّاد المقهى، الثرثارين، العلاّكين، كانت هي مثالاً مدرسياً للسلوك العدواني، ولكن من دون أن تحرّك أصبعاً. هل كانت أجنبيّة؟ صمّاء؟ أو كانت مجرّد معتوهة؟ كانت تشربُ النبيذ الأبيض. هل كانت ترى نفسها قبيحةً إلى درجةِ أنها كانت تريد أن يُشتكى عليها بسبب شيءٍ كان أشدّ سوءاً مما عليه الحال؟ – كما لو أنه بإمكانك أن تتناسى ألمَ أسنانك بكسرِ ساقك؟

كنتُ بحاجةٍ إلى أن استجمعَ كلَّ شجاعتي كي أستطيع أن أتحدث إليها، بعد أن رأيتها حوالي أربع مرات وهي تظهرُ قوّة عزلتها. «إنه شهرُ آب،» قلتُ، «ألن تذهبي في إجازة؟» لم أكن قد قلتُ أبداً أنني كنت أشعرُ حينها بالخجل: لقد كنتُ قد أكدّتُ على قبحها بنطقي لهذه الجملة الافتتاحية الجوفاء. لكنها وبصوت لطيفٍ، بدأت تتكلم عن إجازتها التي كانت في شهر تموز – رحلةٌ بحريّة مع والديها وعبر البحر الأبيض المتوسط. لقد كانت في إيبيزا وفي قبرص، في فرنسا، تونس، في اليونان وتركيا، وكانت ذروةُ عطلتها زيارتها لبيروت المدمّرة، بيروت التي كانت لا تزال تعاني من نيران الرشاشات. عندما بقيتُ استفسرُ عن كلّ المدن ذات الموانئ البحرية والتي كانت قد قامت بزيارتها، قالت، إنه فيما إذا كنتُ أجد ذلك مثيراً للاهتمام إلى هذا الحدّ، فإنها تودُّ أن تريني صورَ إجازتها في تلك الرحلة البحرية. ولمَ لا، الآن وعلى الفور. بعد أن كنتُ قد تحدّثت معها وبنصف ساعة، قادتني إلى غرفتها – كان لديها شقّةٌ في إحدى المنازل الكبيرة المطلّة على القنوات. كان مدهونةً بالأبيض وبشكلٍ لا تشوبه أيّةُ شائبة. على أحد الجدران كانت هناك صورةٌ معلّقة لمارلين مونرو وفي إحدى الزوايا كانت تركنُ هناك ثلاثةُ أزواج من أحذية التزلج وبألوانٍ مختلفة عن بعضها البعض. «على الرغم من كلِّ إعاقاتها، فإنها تطالبُ بحقّها في أن تنافس أيضاً،» فكرّت «إنها حقّاً شُجاعةٌ.»

سكبتْ النبيذَ واقتربتْ ومعها ألبوم صور لتجلسَ قبالتي. بدأتْ بالهبوط في فرنسا. رأيتُ رصيفَ ميناء مرسيليا، ولكن بعد ذلك كان هناك عددٌ قليلٌ من المدرّجات الأثريّة القديمة. لقد كانوا قد خرجوا في «نزهةِ يومٍ رومانيّ» وزاروا نيم و آرل.

للحظةٍ كنتُ في حيرة من أمري إذ أنها بنفسها لم تكن تظهر في أية صورة، وثم وفي لحظةٍ تالية فكّرتُ: ياله من أمرٍ مأساوي، إنها ترى نفسها، إذن، قبيحةً للغاية إلى درجة أنها تفضّل أن تحتفظ بصور أختها، لا صورها. حينها علّقتْ بشيءٍ ما أدركتُ من خلاله أنها كانت هي نفسها. لقد كان ذلك تحوّلاً مذهلاً: كان شعرُها طويلاً، وكان لديها ثديان جميلان وترتدي ملابس جميلة، كانت تبدو مرحة مبهجة. ما من بثرةٍ كانت لتُرى على وجهها حينئذٍ، أو ربما أنها كانت قد بَوْدَرَتْها كي لا تُرى.

كانت صوراً كاشفة بحقّ: لقد كانت جميلةً فيها، كانت امرأةٌ جذابة بحقّ. كنتُ مصدوماً – ما الذي حدث لها خلال هذه الفترة، بين ذلك الحين والآن؟ «لماذا قصصتِ شعركِ؟» سألتُ.

أوضحتْ لي أن كلّ واحد منا يحاول دائماً أن يبذل قصارى جهده ليكون جميلاً، وأن يشعر بالانتماء إلى شيءٍ ما، وأنها كانت قد أصبحت مرهقةً من ذلك. «كنتُ أرغب أن يتقرّب الناسُ إليّ لأجل مَنْ أنا في حقيقتي، وليس من أجل مظهري. الخارجُ ليس مهماً.»

حولتُ بصري عن الصورِ لأنظرَ إليها ومن ثم ومرّة أخرى عنها لأنظرَ إلى الصور. لقد كانت هي بالضبط. هي تماماً. كانت وبكلّ بساطة امرأةً جميلة. عندما تجلّى هذا لي، شعرتُ بالقرف، بإشمئزازٍ قوي، ومن ثمّ وبذريعةٍ كانت أوْهَى من التي كنتُ قد ابتدأت بها حديثي معها، هربتُ من منزلها.

مجلة دي خيدس
(1984)

تيم كرابّه (1943) واسمه الكامل هانس مارتين تيموثي (تيم) كرابه، كاتب هولندي يكتب الشعر والرواية والمقالة والعمود الصحفي، وإلى جانبها يكتب أيضاً عن شغفيه الآخرين: سباق الدراجات والشطرنج الذي كان هو من أفضل أبطالها. من أعماله الروائية: البيضة الذهبية 1984، الكهف 1997، طاولةٌ مليئةٌ بالفراشات 2009.

كنوت هامسون، وخصوصية التجربة الذاتية

فبراير 27, 2019 اضف تعليق

 أحمد الحقيل
ككاتب، أستطيع أن أخبرك بأقسى ما يمكن أن تختبره، وهو أن يكون لديك شعور عميق تجاه شيء ما، ثم حينما تكتبه، يظهر مبتذلا! إنه شكل من الألم، أن ترى عاطفتك النبيلة تتحطم هكذا، دون أن تعلم لماذا بالضبط.
كيف يحدث الأدب الرديء؟
يحدث لأسباب عديدة طبعا، ولكن من أهمها في رأيي هو أن الكاتب يثق في انطباعية عواطفه الشفهية أكثر من اللازم.

إنطباعات الإنسان الحميمية خاصة جدا، إنها نتاج تجربة حسية وعصبية تفاعلية. ولذا فإن نقلها إلى خارجه يكون في الغالب مبتذلا لأنها تخسر أهم مواصفاتها: الخصوصية، زاوية الرؤية الشخصية. كيف تقنع شخصا خارجك بقدسية تجربتك الشعورية هذه؟ كيف تبيعه هذا الشعور؟ أعظم مهمة للأدب/الفن هو نقل هذه الحميمية بخصوصيتها. العواطف في حد ذاتها نتاج فائض، في كل مكان، متوفرة لدى رجل الشارع البسيط، لدى الطفل، لدى الجاهل، لدى المثقف، على حد سواء. ستجدها نبيلة حميمية مندفعة لديهم جميعا. العواطف – إذا جاز لنا إصدار حكم وعظي – لا تصنع أدبا عظيما. ما يصنع أدبا عظيما هو السياق الذي تعيش فيه هذه العواطف. وهنا يأتي أهم عنصر في أدب القرن العشرين: التجربة. أنت لا تقرأ، ولكنك تعيش. أنت لا تفكر، ولكنك تحس. أنت لا تُلقَّن، ولكنك تجمع.

في كل العصور تقريبا منذ "اختراع" الأدب، ستجد رأيا يقول أن الأدب استهلك نفسه. في رواية البريطاني جورج جيسينج المهمة new grub street عام 1891 ستجد تجسيدا لهذه النبوءة المتجددة في صراع مثقفين "يحترفون" الأدب – كتاب نقاد أكاديميون ناشرون – ويعيشون نوعا من اللاجدوى في ظل تلك التخمة التي كان يمر بها النشر عموما. إنه أسلوب دفاعي يستخدمه محترفوا الأدب مهما اختلف زمنهم لتبرير “فشلهم” المحتمل في إضافة شيء “جديد”، على اعتبار أن الجِدّة هي معيار القياس المتفق عليه تقريبا، إعطاء أنفسهم زخما دراميا بافتراض أنهم يعيشون زمنا صراعيا ضيقا يفصل علاقتهم بمهنتهم ويجعلهم هامشيين. وأنت تقرأ الرواية، ستشعر أن هذه النبرة لم تتغير، وأن الرواية قد تكون مكتوبة في 1991 وليس العكس. ولذا وأنت تقرؤها لن تصدق أنها كانت على أعتاب أهمّ ثورة أدبية/سردية توشك أن تحدث: هامسون وستريندبرغ هنري جيمس وموزيل وبروست وجويس وتوماس مان وكافكا وفوكنر. أكثر عمل يجوز القول أنه استهلّ هذه الثورة، هو رواية "الجوع" لهامسون. إنها مانيفستو الحداثة، أو كما يقال: أول روايات القرن العشرين التي كُتبت في القرن التاسع عشر!

ولكن لأشرح شكلية هامسون الثورية في الجوع تحديدا وما بعدها، يجب أن أتكلم عن ماهية هذا الشكل.

أولا، هنالك حدث مفصلي في حياة هامسون يجب الاستهلال به. فحينما كان في الخامسة والعشرين من العمر، تم "الحكم عليه بالموت" حين تم تشخيصه بمرض السل، إلا أنه تم إعادة تشخيص المرض كالتهاب شعيبي. في رسالة مهمة أرسلها هامسون إلى إريك سكرام في يوم البوكسينج داي عام 1888، نجده يصف ردة فعله بعد سماعه الخبر “لقد ألهمتني برغبة يائسة في أن أذهب إلى بيت دعارة في المدينة وأُذنب، أُذنب بفخامة وأقتل نفسي بفعل ذلك. أردت أن أموت في الخطيئة، أهتف منتصرا وألفظ أنفاسي في الفعل” ولكنه لم يفعل ذلك، وإنما وجد متنفسه في الضوء والنار، وهو أمر سأستفيض فيه أكثر في نقطة مهمة آخر المقال. فمن هذه الحادثة، ربما “تغذّت” – ولم تنشأ – تلك الرغبة الضمنية الغامضة في الخطيئة، التي هي متأصلة في كل روايات هامسون، كردة فعل احتقارية على الاقتراحات الميتافيزيقية/الشعرية التي يحاول الدين/الأخلاق تقديمها للإنسان. هامسون الرافض لكل الأجوبة، يجد ملاذه في الحس والذاتية، التي تكون منطلقا لكل روحانية أو صوفية لديه، كما سأشرح لاحقا.
في مقال سابق عن بيرنهارد، تحدثت عن سلم كرونولوجي يتكون من: دوستويفسكي-هامسون-كافكا-بيكيت-بيرنهارد. وقد يضاف ستريندبرغ بين دوستويفسكي وهامسون. فبينما انطلق معظم الأدب السردي مما يحدث خارج الإنسان ثم إلى داخله، استهدف هؤلاء تقديم الإنسان من داخل تجربته النفسية ثم إلى خارجه. كل ما يحدث يحدث أولا في الداخل، ولأن داخل الإنسان وجودٌ شاسع، وغامض، والأهم من ذلك مضمر، وما دام مضمرا فهو مشبوه، فإنه معرض دائما لأن يكون غريبا، والغرابة مفردة معقدة، فوجودها ينفي دلالتها: ما دامت تحدث بكثرة فإنه لا يجوز تسميتها بالغرابة! الواقع يحتكره ظاهرٌ اختزالي يقدم نفسه على أنه نمط اعتيادي “طبيعي”. وبالتالي: ما هي الغرابة إذاً؟ أو بمعنى أصح: أين هي؟ الغرابة بالنسبة لهم هي الذاتية، هي الإنسان في حقيقته المضمرة، التي هي – بنِـسبٍ تزيد أو تقل – في كل واحد منا، ولكنها تختبئ في الهامش، إنها ليست في الهامش لأنها بالضرورة منبوذة، ولكن لنقل منفية، مطالبةٌ دائما بتبرير نفسها. هذا السلم الخماسي يجد شعريته المتحجرة الجافة في الغرابة، ويقدمها على أنها الحالة المزاجية للإنسان الحديث، ولذا هامسون كان يقول “إنني أرى أشياء أغرب مما كتبت وأنا أسير في الشارع”. أبطال هامسون في الجوع وأسرار وبان ليسوا غريبين، ليسوا نتاج واقع شاذ، وإنما هم وجود ينافح عن حقيقيته وطبيعيّته. ولكن لأنهم غالبا يفشلون في إقناع الآخرين بذلك، فإنهم يندحرون، إما يموتون أو ينهزمون أو يهربون. العصر الذي جاء فيه هامسون لم يكن عصر شك وسوداوية فحسب، ولكنه عصر البحث عن منافذ جديدة، عصر كيركغارد ودوستويفسكي وداروين ورامبو وستريندبرغ ونيتشه وفرويد وكونراد. الأخلاقيات/السلوكيات النمطية لإنسان الحضارة الغربية يتم تجريدها، إعادة صياغتها، غربلة البديهيات التي تعيد تشكيل الإنسان ككائن نفسي قبل أن يكون كائنا اجتماعيا، كائن فردي قبل أن يكون كائنا تفاعليا. ولهذا هامسون كان معجبا بدوستويفسكي وستريندبرغ، إنهما أبرز الأمثلة على الأدب النفسي، أدب التجربة الفردية، الذي يعيد الإنسان إلى فرديته، وبالتالي يعيد تبرير أخلاقياته ودوافعه ونزعاته وفق معطيات مختلفة. ولهذا كان يجد مشكلة مع تولستوي مثلا، ومن يشبهه. الأدب الذي يقدم أخلاقياتِ/سلوكياتِ الإنسان الغربي وفق ملحمية الخير والشر، التيه والوصول، البداية والنهاية، الوضوح واللاوضوح. في أغلب روايات هامسون، لا يوجد بداية أو نهاية بالمعنى الفاصل الحتمي، لا يوجد إجابات صريحة، أو حتى أسئلة، لا يوجد وضوح حاد، أو مباشَرة وعظية. كل ما يوجد هو الإنسان، الفرد، وداخله اللانهائي، الذي يتجدد في رصده ومونولوجاته وتجاربه وانفعالاته. ولأنه يتحدث عن الإنسان كفرد، برزت أهم ميزة في رواية الجوع وروايات هامسون عموما. فعندما كان يكتب الرواية أرسل رسالة إلى إدفارد براندز يخبره فيها أنه لا يريد أن يكتب للنرويجيين فحسب، وإنما “للبشر” بشكل عام أينما وَجدوا أنفسهم. الجوع سببت ضجة بسبب هذا، إنها قدمت التجربة الإنسانية من داخل الإنسان، بكل خصوصيتها وصداميتها. إنها رواية لاشفهية، محدودة المباشرة. رواية لاقصصية، محدودة القصة. رواية كيركجاردية بامتياز، رواية الحقيقة الذاتية الاكتفائية. رواية “محاولة وصف حياة العقل الغريبة الفريدة، غموض الحركة العصبية في جسد جائع” كما يصفها هامسون نفسه. رواية بطل، ولكن أي بطل؟ من يكون؟ من أين أتى؟ إلى أين يذهب؟ هذا لا يهم، كل هذا لا يهم. ما يهم، هو التجربة الآنية، هو ما يحدث الآن. ولكن ما الذي يحدث الآن؟ لاشيء في الحقيقة. بالضبط، لاشيء، ورغم ذلك: كل شيء. فكل شيء يظل يحدث حتى وإن لم يكن ثمة حدثٌ ما. كل شيء يحدث في نفس الوقت الذي لا يحدث فيه شيء. ومن هذه اللاشيئية/الشيئية النفسية يخلق هامسون بطلا ورواية وعمقا. من أول الرواية، وإلى نهايتها، أنت لست تقرأ، ولكنك – كما أسلفت – تعيش. إنك تعيش في “حالات غموض العقل” كما يسميها هامسون. الحياة – وهي كلمة معقدة – تجربة نفسية ذاتية. الإنسان من الداخل أولا كما تُصر وجودية كيركجارد ودوستويفسكي، وليس من الخارج. إنك تتنقل مع الشخصية في المدينة التي اكتسبت وجودا حسيا بوصفها الدقيق، أنت ترى الشوارع المرصوفة، أنت ترى الأزقة، أنت ترى الأوجه، البيوت الحجرية، الجوع، الهيام. ولكنك  ترى كل هذا من زاوية رؤية البطل، البطل الذي يتّحد جسده الهازل المستنزف بداخله الفوضوي اللاغائي. أنت تهيم، بالضبط كما يهيم البطل. دون هدف، دون غاية، دون وضوح. يروقني أن أفكر أنّ الرواية صراع بين الفردية والشمولية، بين الداخل والخارج، بين البطل الفنان ومدينة كريستيانيا (أوسلو حاليا). فالشخصية الأخرى الوحيدة الحاضرة بقوة، هي مدينة كريستيانيا. فالمدنيّة التي ظلت تتطاول في أوروبا القرن التاسع عشر صارت جزءا من الصراع الإنساني. ستجدها في سان بطرسبرغ عند دوستويفسكي من ناحية الجريمة والأخلاق، وقبلها في باريس عند بلزاك من ناحية الطبقية والنجاح، والآن عند هامسون وكريستيانيا من ناحية فردية الفنان وخصوصيته المعرضة للاستلاب. الإنسان كوجودٍ غامض لامعرف يواجه وجودا غامضا لامعرفا. الإنسان شبيه بالمدينة، فسيح، متعدد، ملموس، ولكنه أيضا متعذر، خفي، متغير. كريستيانيا موجودة في الرواية بكل تفاصيلها، وكأنها موازية للبطل، وكأن البطل يعيش مرة من خلال نفسه ثم يخرج منها ليعيش مرة أخرى من خلال المدينة والمجتمع التي تمثله بطبقاته وتنظيماته وقوانينه. ومن خلال هاتين الحياتين المتداخلتين يضيع الفرد، يتفكك، بل ويُسلب. الإنسان كحشرة كما يصف البطل نفسه وككائن عبثي في صراع لامتوازٍ مع قوى خفية. ربما هو يتخلص من أمواله، يهيم، يجوع، لأنه لا يريد من المدينة أن تسيطر عليه، لا يريد أن يخسر نفسه كفنان وكشخص. إنه يحتقر الخارج، ويرفض كل شيء يقدمه له. إن فيه نزعة فوضوية، ساخرة وناقمة. ولكن لأن المدنية طريق إجباريٌّ مسدود، حشدٌ عدائي احتكاري، فإنه يخسر، ويهرب إلى البحر. ولكنه لا ينهار، وهنا تبرز فرادة بطل هامسون، إنه يواصل، مثل سيزيف كامو – كما أشار لذلك سْفير لينجستاد – الذي يمثل صورة البطل الحداثي، يواصل دحرجة الصخرة، يواصل تأليف قصة وراء قصة، بل ويواصل الهرب من مكان إلى مكان. إنه لا يخضع لفكرة ميتافيزيقية، لا يبحث عن ترويض وجداني مثل أبطال دوستويفسكي، إنه يواصل، بكل عبثية ولاجدوى. لا إجابات، ولا حتى أسئلة. الفعل نفسه فقط، مكررا.
في مقالي عن برنهارد أيضا، تحدثت عن مفهوم التعددية، وهو مفهوم مهم جدا عند هذا السلم الخماسي تحديدا. التناقض التعددي الذي تقوم عليه تركيبة الفرد، وكيف أن تعدد النسخ جزء أساسي من تكوين الإنسان. هامسون أكثر تعقيدا في هذه النقطة. فمن ناحية، هامسون هو كل شخصياته تقريبا، على الأقل في رواياته المبكرة (وهو ما سأركز عليه لاحقا في تجربة الجوع)، مثل برنهارد، ولكن الفرق هو أن لكل شخصية “نبرة” خاصة جدا، تتغير ليس بتغير المكان فقط (كريستيانيا في الجوع، القرية في أسرار، الغابة في بان) ولكن أيضا في السَّـمْت، في صوت السارد نفسه، في إيقاع وصياغة النثر. شخصيات هامسون منصهرة في ذات السرد، في بنيته وطريقته وموسيقيته. وهو ما يصنع شيئا غريبا: جميع هؤلاء متشابهون تماما، ولكن لكل واحد منهم خصوصية متفردة تبعا لخصوصية الإيقاع في كل نص. وهي بذلك تتجاوز التعددية الخاصة لكل شخصية في روايتها الخاصة بفوضويتها واعتباطيتها إلى تعددية شاملة تجمعها بكل الشخصيات الأخرى في الروايات الأخرى ليشكلون جميعا بناء هرميا يعود إلى صوت واحد، ولكنه رغم ذلك يختلف في كل مرة اختلافا خصوصيا منفردا. وهو بذلك أعقد من برنهارد – أو كافكا – اللذان لا تختلف نبرة صوتيهما في رواياتهما. هامسون ينطبق ولا ينطبق عليه في نفس الوقت مفهوم: رواياته عبارة عن كتاب واحد، لأنها فعلا تتشابه ولكنها أيضا لا تتشابه!

ولأنه يهتم بآنيّة التجربة الذاتية لشخصياته، فإنه لا يهتم كثيرا بالإرهاصات والتاريخ، بل أنه أحيانا يعمد إلى تضليلنا، وهو في هذا يختلف نوعا ما عن دوستويفسكي، الذي يجنح إلى التبرير والشرح والبناء المنطقي لكيف وصل هذا إلى هنا وكيف صار ما هو عليه. وهامسون يبدو في هذه الناحية أشبه بكافكا المنفصل، المجتـزَأ، الذي “يحدث” فجأة .. كافكا بالفعل هو الامتداد المثالي لهامسون، ولا غرابة أنه تأثر به كثيرا.
ثمة فرق آخر بين دوستويفسكي وهامسون، ويربط هامسون بكافكا وبيكيت وبرنهارد: النبرة الساخرة. هامسون يصور عجز الفرد في كثير من الأحيان كشيء مضحك، مسل. العجز الذي يعيشه الفرد في صراعه مع المجتمع، مع خياله، مع متطلباته الشخصية، كلها تدعو إلى نوع من السخرية، ولكنها سخرية لا تهدف إلى الضحك، بقدر ما تهدف إلى الاستهزاء، ولذا هو مثل برنهارد لا يجب أن يؤخذ بجدية دائما. ففي أسرار، البطل يجد متعة في تحقير قناعات الآخرين، يهاجم ويتناقض ويتلاعب ويُحدث بذلك استخفافا ساخرا بكل ما هو عزيز على هؤلاء الأشخاص، لا عن قناعة بالضرورة، ولكن أحيانا لأسباب تافهة، ربما الملل! وفي الجوع، البطل تستفزه تقريبا جدية الآخرين، هذه الآلية المتناسقة التي تسير عليها حيواتهم الاستهلاكية المبتـلَعة في جوف المدنية/الخارج الجشع، ولذا يسخر منها ويسخر أثناء ذلك من نفسه أيضا حينما يُـقدِّم نفسه كأضحوكة، يتخلص برضى من كل شيء يربطه تقريبا بهذا الشكل من المعيشة، بأن يتشرد ويجوع ويفتقر ويصير مهرجا تعيسا، بل يجوز القول أنه “فخورٌ” بجوعه، إنه “يُعرّفه”، من دونه هو مثل غيره.

ولأن هامسون عاش متشردا طوال الشطر الأول من حياته، فقد افترض الكثيرون أن هذا البطل ليس سوى هامسون. فقد كتب عدة رسائل ما بين 1880-1888 يصف كيف أنه يتعرض للجوع، كيف أنه رهن كل شيء يملكه، كيف أنه يعيش في عليّة تهب الريح من خلال جدرانها، كيف أنه يتصبر بمضع أعواد ثقاب منطفئة. حتى أن الناشر إدفارد براندز الذي استقبل هامسون وقد جاءه بمسودة الفصل الثاني من رواية الجوع – والتي ستنشر لاحقا تحت اسم مجهول في 1888 – وصف هامسون بأن في وجهه تعبيرا مستنزفا من التشرد والرثاثة والسفر، لدرجة أنه لم يستطع أن يمحوه من ذاكرته. إن هذا عنصر أساسي في كثير من أدب القرن العشرين، الكاتب صار متورطا في كتاباته، ولكن ليس كأفكار، فهنا يكمن الاختلاف عن رواية القرن التاسع عشر الحافلة بحضور المؤلف فكريا/تلقينيا، ولكن كتجربة، كشخص، مما يجعل الرواية عملا يتراوح بين الذاتي والرصدي. هامسون من أوائل من قدموا هذه التجربة، هذا المزيج المشوه، الذي يشتبك فيه ما هو خيالي بما هو حقيقي، أن يضيع المؤلف في احتمالية أن يكون هو بطله وأن لا يكون هو بطله في نفس الوقت (وستكون حاضرة بشكل أقوى في the wanderer). سمةٌ رأيناها عند ستريندبرغ وسنراها كثيرا عند كافكا وبرنهارد.
رواية الجوع تحديدا، وغالبية روايات هامسون عموما، هي روايات تجارب، ولذا فهي روايات نفسية. إنها لا تؤدي إلى شيء، لا تتحدث عن شيء، تعوم، تطرق أبواب كل شيء، ولكن لا تستقر في مكان. تذهب إلى مسارات عديدة، ولكنها لا تنتهي عند نقطة ما. وهو ما يقود إلى أهم سمات أدب هامسون: الإيقاع.
أعود لأكرر أهم ثيمة في هذا المقال، والتي سأعود لأكررها لاحقا، ولذا تحملوني: هامسون لا يُقرأ فقط، ولكن يُعاش. في الجوع مشهد عظيم، وثوري. حينما يسجن البطل في زنزانة مظلمة تماما، ويبدأ العقل بممارسة “حالاته الغريبة” بأن يخترع كلمة غامضة: كوبواا. هذه الكلمة المجهولة، التي تأتي من مصدر مجهول، ودون سياق معين، تعبر عن الظلمة التي يجلس فيها، “كلمة سوداء بما فيه الكفاية لتناسب الظلمة”. ربما سيلاحظ القارئ، وربما لن يلاحظ، ولكن الكلمة تساوي الظلمة، إيقاعيا. ولكن لماذا؟ ربما لأن اللغة ليست سوى مرادف شفهي للأجواء، للحس. لغة هامسون – مثل بيكيت وبيرنهارد – حسية، إن لها تركيبا موسيقيا ونمطا حركيا/سمعيا خاصا بها. في كل رواية، يصنع هامسون لغته متوازية إيقاعيا مع أجواء الرواية. ففي الجوع كان الإيقاع مزيجا من الهذيان والرصد، فوقية الرصد الذي يتميز به متسكع بلا جدوى يعيش رغم تسكعه في داخله ونرى العالم من خلال عينيه، إنه اعتباطي، “حالة عقلية” في متحرك مادي، يتفكك ولا يتَّسق في مسار تراتبي واحد، ولذا اللغة حادة ومبعثرة ولكن موحية، الراوي لا يتورط بل يُشتت، يفتح لك المسارات سطحيا وينتقل اعتباطيا وفوضويا إلى غيرها ويترك لك الحرية لتتورط بنفسك، ولذا هي – إذا أردنا استخدام تعبير رومانتيكي – لانهائية، أنت تتسكع اعتباطيا في أزقة الرواية، بالضبط كما يتسكع البطل في أزقة كريستيانيا، وتصل إلى لانتيجة، مثله تقريبا. وفي أسرار كان إيقاعه مونولوجيا متورطا، ولكنه يعمد عن طريق الكشف إلى التغميض، أي أنه بكشفه يزداد غموضا، ولذا لغته متناقضة متموجة متلاعبة ومتخمة، فيها الكثير من الكلام ولكن القليل من الوضوح، الكثير من الصور ولكن الكثير من الضبابية، يقطع ويتنقل ويتوقف ويسهب ويقتضب، فوضى خلاقة تبدأ من لاشيء (لماذا توقف نايجل في هذا المكان) وتنتهي عند لاشيء (لماذا اختار ما اختاره في النهاية). إنه من أوائل من فعلوا ذلك بإتقان، وقد ساعده في ذلك دقة وحدّة مقاصده، أنه ليس تلقينيا يعتمد على نثرية قصصه وأفكاره، وإنما على تصميم وشكلانية العمل. هامسون، رغم بساطته الظاهرة، إلا أنه من أعقد الكتاب الذين ستقرأ لهم من ناحية تصاميم عمله، في كل مرة تقرأ له تكتشف شيئا جديدا، ليس فكريا فقط، ولكن كطعم، كتذوق، كإحساس. وهنا يتكامل السحر الهامسوني في هذا المقال: الاندماج بين تلك الذاتية اللاغائية الفوضوية التي ينطلق منها غالبا وبين الإيقاع الشكلي المناسب الذي يبني عليه رواياته، يُـنتج: التجربة. تكاد تكون حسية. عواطفها، مشاعرها، روحها (نعم، سأستخدم كلمة إشكالية مثل هذه على مسؤوليتي). حينما تقرأ أسرار وبان والمتجول مثلا، ستجد أن هنالك حضورا عاطفيا طاغيا يكاد يكون محسوسا، رغم أن هامسون لا يصرح كثيرا بهذه العواطف على ألسنة أبطاله، وإن صرح بها فهي تكون مُمَنتجة ومشبوهة، إنه متقشف، وحاد، وذكوري. ولكنك ستشعر بحضور كل عاطفة، الإيقاعات الشكلية التي يستخدمها ليُخرج – لاشفهيا – كل ما يحس به أبطاله، هو شيء لا يمكن استنساخه.
ولهذا ربما ستجد عند هامسون ارتباطا وثيقا بالمحسوس واللامحسوس، بطريقة تكاد تكون صوفية، أو وثنية بعبارة أدق. تلك الرابطة مثلا في الضوء والنار كـ”حب حسي محض، شبق شهواني” كما يصفها هامسون في رسالته تلك لسكرام التي ذكرتها في أول المقال، والتي جعلَـته يفهم هوس نيرو بـ”التمجيد المتأتي من إحراق روما”، والتي ترتبط بشكل آيروتيكي جنسي في رواية الجوع بحالة البطل الذي يرى في الضوء خطيئة شبقية توحي بنار جحيمية، ولهذا – وهنا استكمال رسالته تلك – لم يقم هامسون بالموت في الخطيئة حينما اكتشف أنه سيموت، ولكنه عوضا عن ذلك وجد متنفسه في النار، حيث أحرق ستائر غرفته ذات يوم، “وبينما جلست هناك أراقب اللهب، شعرت – حرفيا وبكل حواسي – أنني كنت أذنب”. الضوء يرتبط بالنار، والنار جحيمية توحي بثنائية الخطيئة/العقاب.
وهنالك الارتباط بالطبيعة في رواية بان، التي تقدمها كصنم، كوثن، كشيء إلهي ولكنه مفرغٌ من الآيديولوجيا الإلهية، شيء محسوس، إله محسوس، يتعامل معه البطل كصنم، لا يعبد فحسب، ولكنه يُعشق، بل وربما يضاجع!
كخاتمة مناسبة للمقال، ربما يجوز القول أن هامسون لن يسقط في فخ امتهان عواطفه حينما ينقلها كتابيا، فهو من أبرع من ينقل حميمية التجربة الذاتية بكل خصوصيتها. ولهذا يستحيل أن تقرأ له عاطفة مبتذلة، كل شيء شيء يأتي حميميا، خاصا، والأهم: حسيا.

موقع حكمة

"الجنس في العالم العربي": تحدي الإبهام الهائل

فبراير 26, 2019 اضف تعليق


محمد حجيري

السبت 14/03/2015
يقول الباحث والأكاديمي سمير خلف في اختتامه أو تذييله لكتاب "الجنس في العالم العربي"(*) أنه "على الرغم من الحجم الضخم بلا رحمة للأبحاث والكتابات التي تناولت النوازع الجنسية، بمعالجة اكاديمة رائعة، تستمر قضايا تتعلق بالنوازع الجنسية (...) في إثارة الريبة والاضطراب والقلق الاخلاقي، ويبقى الإبهام الهائل يكتنف محاولات كشف غموض هذه المصادر الإنسانية الأشد بدائية". 

لقد فاقمت العولمة وعصر ما بعد الحداثة من الاحساس بالشك والاضطراب الأخلاقي. وازدادت وتيرة الاضطراب مع رواج العوالم الرقمية المتوفرة بنقر الماوس، ورغم كل ما يحصل من تحولات جنسية في ما يخص الشباب والجسد والموضة "تُنكر النوازع الجنسية الانثوية الجامحة بوصفها فتنة"، وتعتبر مصدراً لـ"الغواية والعماء في المجتمع"، يتجلى هذا الأمر في "جرائم الشرف" وختان النساء و"رتق" غشاء البكارة، على اعتبار ان العذرية هي "الرأس المال" الأعز للمرأة في المجتمع الشرقي، وبحسب سمير خلف انه على الرغم من المضامين المؤلمة لتلك النوازع "لم يجر أي جدال عام صريح ينطوي على معرفة هذه القضايا"، و"بعض الصور المعاصرة للطبيعة الثنائية للمرأة وللنوازع الجنسية العربية تستمر في تخليد المفاهيم الخاطئة نفسها التي نشرها الرومانسيون والأوروبيون والاستعماريون"، وقصدهم "أن النساء المسلمات إما شرهات وشبقات جنسياً او خانعات مقهورات ومكبوتات"...

وهذه المفاهيم لم تبق بلا تحدٍّ. سعت حفنة من المثقفين المعاصرين، الى تعيين العناصر المحددة للنوازع الجنسية في الإسلام وتوضيح اثرها في البنية الاجتماعية للزواج، والجندر، والرغبة الجنسية، والحب الرومانسي، وقدم عدد من المثقفين العرب تحليلات ثاقبة للتفاعل بين النوازع الجنسية والاستعمار والامبريالية. إلأ ان هذا الاستكشافات "تبقى مشحونة سياسية ومنظمة ثقافيا"، وكتاب "الجنس في العالم العربي" هو ثمرة مؤتمر شارك فيه مجموعة من الباحثين انطلاقا من فكرة "إنّ المواقف من الحياة الجنسية تعكس حالة المجتمعات العربية، المرتبطة بدورها بالسياسة..."، "كما إنّ التذمّر من التطرّف الديني، أو انعدام الديموقراطية، لا ينفع إلا إذا فهمنا طبيعة المجتمع، لأن التغيير السياسي يتطلّب إصلاحاً اجتماعياً أيضاً...:.  

ذكورة
يتفحّص المساهمون في هذا الكتاب الذكورة والمخيّلة، الاستعمار والصحّة الجنسية، الفانتازيا والعنف... بحيث تغدو مظاهر الإبداع الأدبي، إلى جانب التاريخ وعلوم الاجتماع والنفس، مصابيح يدوية، تسلّط الضوء على واقع لطالما حجبته المحرّمات، "من دون نزع السحر عن الجنس كمصدر للإلهام والمكبوت. لكن الأمر يتعدّى الفضول البحثي، والتلصّص الرصين...".

يلقي الباحث جون غانيون، أضواء على النماذج المتغيرة، على هيئة بحث في الجنس، يكافح ليكتشف الطبيعة المتغيرة للنازع الجنسي، وللجندر وللحياة التناسلية. يبيّن غانيون التغيير الذي طرأ على نظرة الأوروبيين إلى الجنس وأنه كانت لهم أربع استراتيجيات مختلفة في ما يتعلق بالمستعمَر: أولاها، القضاء على كل النظم والثقافات المحلية واستبدالها بنظم سياسية بل حتى دينية أوروبية ثانيها، حصر السكان الأصليين في مناطق محدودة لإعطاء انطباع عن أرض قفرة كي يحتلها الأوروبي، الخيار الثالث كان خلق مؤسسات اصطناعية مع بذل مجهود لتبشير السكان المحليين ورابعاً، خلق ثقافات ثالثة كما في مناطق الشرق الأوسط والصين والهند.

من المقالات المتعلقة بلبنان تتناول اثنتان النوازع الجنسية في القرنين التاسع عشر وأول العشرين. فينس هانسن في "النوازع الجنسية، الصحة والاستعمار في بيروت ما بعد حرب 1860"، يظهر التباين بين الطبقة المتعلمة، من جهة، والنظام الذكوري والمحسوبية ومفاهيم الشرف من جهة أخرى، فضلاً عن تفاقم التوتر بين مدينة بيروت والجبل. ويذكر مفصلاً تقرير طبيب فرنسي أكد ضرورة عزل البغايا في منطقة خاضعة لتفتيش الشرطة والفحص الطبي خوف أن تتعرض الجالية الفرنسية الكبيرة في بيروت لأمراض جنسية. هنا تتضح العلاقة بين النوازع، الصحة والاستعمار والعنصرية التي خلفها. 

وبينما كان هانسن يبدي اهتمامه بالانفصال بين التوقعات الجنسية للطبقة الوسطى الجديدة ومرونة الثقافة التقليدية، انتقل أكرم خاطر ("كالذهب الخالص: النوازع الجنسية والشرف بين المهاجرين اللبنانيين")، بتحليله الى معاناة المهاجرين اللبنانيين وأسباب قلقهم في صراعاتهم للتكيف مع متطليات "المهجر"، ويستشهد بما كتبه رجال لبنانيون في المهجر عن أن عمل المرأة يفسد أخلاقها وأن خروجها إلى الفضاء العام للعمل يقضي على قيم اللبنانيين او السوريين الأخلاقية والثقافية. فأحد الصحافيين كتب في مجلة "الهدى" يشجب عمل المرأة ويعتبره "مرضاً تصيب جراثيمه الأجساد"،  وخلال فترة الثلاثين عاما التاريخية، محط اهتمام خاطر(1890 - 1920) كانت الصحافة العربية في المهجر لا ترحم في التعبير عن القلق بشأن التهديدات التي يتعرض لها "شرف المرأة"، واصبحت عبارة "فتاة عاملة في مصنع" لقباً معادلاً للنساء الساقطات جنسياً. ويقدم مقالة غسان الحاج "الهجرة، الذكورة المهمشة" تحليلا علميا ودقيقا لكلام قروي لبناني مهاجر لتبين أنه أصيب بـ"خلل في الانتصاب" أو "الاخصاء الرمزي" بعد هجرته من لبنان وهذا ارتبط بفقدانه سلطة الذكر الاجتماعية التي كانت له في قريته، ويبرهن الحاج على "أنّ خسارة الجسد لقوته الجنسية بحد ذاتها هي رمز خسارته سلطته الاجتماعية". 

جنس الخادمات
وفي مقالة "النوازع الجنسية والخادمة" يركز راي جريديني على أن معظم الناس لا ينظرون إلى الخادمة على أنها إنسان بل "شيء" يمكن استغلاله، فيتناول شيوع العلاقات الجنسية بين الخادمات وذكور العائلة، ويظهر مواقف الناس المتناقضة من هذه الظاهرة: فقد تعتبر تهديداً لشرف العائلة، بخاصة إذا كانت العلاقة مع رب المنزل، أو وسيلة لإشباع غرائز الصبيان الجنسية. وتتناول كريستا سالاماندرا "عاصمة العفة (دمشق)"، في فصل مستمد من بحث ميداني اثنوغرافي اجري بين 1992 و1994 بين طبقات النخبة في دمشق، يبحث في الاستهلاك وحب الظهور والتمييز الاجتماعي بين النساء... والنساء الدمشقيات يحرصن على الاستفادة الفعالة من كل الخدع لجعل اجسادهن مثيرة جنسيا كجزء من لعبة التنافس لغواية وجذب الذكر وتحديقه. انهن أيضا يرسلن رسالة مربكة: هي أنه "يمكن للرجال أن ينظروا فقط، لا أن يلمسوا". وتستفيد الباحثة من تحليل بيير بورديو للتمييز، والتذوق، ووعي الصورة، لتستكشف كيف تتلاعب نساء الطبقة الوسطى السورية بمظهر النقاء والعفة الجنسية كشكلين من أشكال الرأسمال الاجتماعي...

نحافة
وتكتب إينجل م فوستر بحثاً بعنوان "في عين أي مشاهد" سيرة إلهام مع جسدها، انطلاقاً من سؤال "بأي طريقة تتكيف لفتيات في تونس مع الضغوط الاجتماعية للحفاظ على نحافتهن؟ على ان أعراض التوتر وانعدام المعايير الأخلاقية تلك لا تبرز فقط بين النساء في مجتمعات دمشق وتونس المغرقة في التقاليد والمحافظة، انها تسود ايضا في اواسط طلاب اكثر تحررا وتساهلا نسبيا في الجامعة الاميركية - بيروت... ان روزان خلف تشكل في دراستها برسم الورطة الغريبة التي واجهتها اثنتان من طالباتها لأنهما غير قاردتين على المشاركة في مناقشة الدرس الجريئة... وبكلمات روزان خلف"إن الطالبة المحافظة، التي يبدو عليها الخوف الخارجي، مع زميلتها المتحررة والجريئة، التي تتباهى بالحلقات المغروزة في لسانها وفي اجزاء اخرى من جسمها التي لا يغطيه الكثير من الملابس كأوسمة الشرف والجرأة تمثلان الانماط المتطرفة التي، الي تظهر، دون ادنى شك، في اماكن اخرى في العلم العربي".

ويقدم سفيان مرابط تحليلا حميما وذاتيا للمقومات المائعة والمتقبلة للمثلية الجنسية المهاجرة – بشائر مجتمع أو عالم سري في بيروت ما بعد الحرب. يركز مرابط على تيارات مختلفة في بيروت تقترب لتوجد ما يسميه عالم المثليين. وتوفرت لجاريد ماكورميك مواد ملموسة عن هذه الظاهرة وباتت علنية سواء من خلال الجمعيات أو المناقشات، لكنه يكشف ان معظم اللبنانيين لا يزالون يعارضون اعتبار اسلوب حياة المثليين مقبولا.

ولكي يرصد أسعد خيرالله المخيلة الجنسية في الشعر العربي ركز على شاعرين هما: أمجد ناصر صاحب "سرّ من رآك"، وعبده وازن مؤلف "حديقة الحواس".  أما ماهر جرار في بحثه "الجنوسة والرواية العربية"،  فيتبنى منظوراً شارحاً اقتطفه من جيفري ويكس وانتوني غيدنر، وهو ان النازع الجنسي لا يعطى او يعد مسبقا، ولكي يستكشف كيف تستخم الرواية الجنسية بعد الحرب النوازع الجنسية وتقديمها بلغة اكثر صراحة وحيوية للافصاح عن افعالها مع المشهد الاجتماعي الثقافي الذي يضمها، يستخدم جرار ابطال ثلاث روايات لبنانية تبين شيئا من الاحجام عن تصوير لقاءات جنسية حيوية، تقترب احيانا من الاخيلة المثيرة والاباحية القاسية. 

ولعل أفضل تكثيف للكتاب جاء في مقولة لجيفري ويكس، ترد في مفتتح الكتاب: "يبدو أن الصراع من أجل مستقبل المجتمع، بالنسبة الى الكثيرين، يجب أن يجري على أرض النوازع الجنسية المعاصرة.  والكتاب باختصار جزء من هذا الصراع...". 


(*) "الجنس في العالم العربي"، صدر في بيروت عن "دار الساقي"، إعداد: سمير خلف وجون غانيون، ترجمة: أسامة منزلجي.

كيف تكتب مقالاً: درس من جوزف سماحة

فبراير 26, 2019 اضف تعليق

إميل منعم 
ما الذي كان يميّز الراحل جوزيف سماحة عن غيره من المحللين السياسيين؟
أن تتفق معه، أو تتواطأ، أو تختلف، لم يكن في ذلك أهميّة. كان المهم أن يكتب جوزف سماحة، وألا يفوتك ما يكتب. فهذا الذي لازمته المرارة من فجر الطفولة إلى عتمة القبر، عرف مع قليلين، كيف يصنع من مقالة حدثاً ممتعاً.
لو لم يكن كاتباً، لربما لم يتذكره أحد، وحين نسترجعه بعد غيابه المديد، المديد حقاً، فإنما نسترجع الكتابة كفعل وممارسة نبيلين ونسترجع معها الصفحات الناصعة التي وقّعها بالكبرياء الذي يليق بمعلمي الأجيال.


لقد ورث من المِحَن خجلاً لم يفارقه، وحناناً فاض عن زملائه وأصدقائه وعارفيه، وانكساراً في نظراته عجز عن النيل من قوام المتمرّد الكاتب فيه، ولا من حرفة البنّاء الذي أقام في الصحافة صرحاً لا يدانى. كان باذخاً في عطائه، لم يعبر في أيامه عابرٌ الّا وأثرى من معرفته وشهامته طابعاً منه في ضميره بصمة صعبة الامّحاء. كانت كرامته حصناً أقامه فوق الاعتبارات جميعاً. ومن المحزن، في غيابه اليوم، أن نرى من يتمسّح بجدرانه العالية من منافقين ومتكسّبين ومزوّرين وعديمي المواهب، ساعين لاكتساب مصداقية لم تقطن يوماً في إهابهم أو لتغليف الدناءة بكرامة لم تحظَ في ديارهم بأية حصانة.
مقاله الحدث كان قبلة المناصرين كما الخصوم ولكل منهم غرضه. من باحث عن حقيقة، إلى راغب في حجة يوظّفها في سجال. ومن طالب فكرة ليبني عليها موقفاً، إلى مسيء في الظنّ يسعى لصيد ثمين. لكن قبل كل ذلك، وفوق كل ذلك، يجدر التذكير بأنّ المقال فنّ أتقنه جوزف سماحة وتجلّى فيه، فكان أحد أعلامه البارزين في الصحافة العربية المعاصرة، جاعلاً منه، إلى جانب وظيفته الإعلامية، فسحة للإمتاع والمؤانسة. وهذا الإنجاز اليومي الذي صِيغ لأن يكون عابراً، فظل محتفظاً ببريقه مع انقضاء الأيام، هو مأثرته ومأثرة أمثاله ممن أسهموا، بالكتابة الجليلة، في وضع السياسة موضع الفعل الثقافي بامتياز. وهذا ما اعتدنا المرور عليه بدون بال، أو تجاهله أو تناسيه في حمى التسارع طلباً لحقيقة، لا يسعها أن تتبدى الا كاحتمال، ونريدها رغم ذلك مكتملة مصقولة واضحة الحدود والمعالم، جاهزة للاستهلاك. حين تكون علاقتنا بالقراءة لا تختلف عن علاقتنا بالمخازن لن نكون شركاء في إنتاج أي معنى تتطلّبه القراءة كممارسة فعالة بجهد عقلي وبأقصى درجات التلذّذ. ليس بمقدور الكتابة أن تنطوي على أية حقيقة. كل ما تفعله هو صياغة بنية متماسكة تشرع نوافذ وتؤشر إلى مسالك وتحثّ على سؤال.

القراءة الممتعة أعظم ما يمكن أن يقدمه كاتب لقارئ. وشرط إنتاج هذه المتعة يتطلّب من الكاتب لا أقلّ من التصفّح الواسع للتجربة الإنسانية الوفيرة في شتى الميادين، ومطاردتها عند التخوم. هي ثمرة النشاط الذهني الخلاق للذي يتقن فنّ عرض حصاده من المعارف، ويعرف كيف يدفع بالحجة إلى مداها، وكيف ينسق منظومة الأفكار وكيف يرتّب سياقاتها وينتقي لها من الصيغ أكثرها جدارة، مجدداً بذلك نشاط العقل، مرهفاً ذائقة القارئ، موسعاً له مدى الرؤية، محفّزه على التفكّر والكشف والنقد، ممكّنه الصيد في أعالي البحار.
يسهل الوقوع على أخطاء في حسابات سماحة وتوقعاته، وتسهل مناكفته لمن يسعى إليها، ولكن يصعب بالمقابل النيل من صدقه. مقتنعٌ بما يفعل، صادقٌ بما يقول، ولم يكن الصدق بحال من الأحوال بضامن للحقيقة. كان جوزيف يدرك جيداً صعوبة اكتمال أية حقيقة أو تعيينها بالدقة المشتهاة. ويوقن أن الخطأ في التقدير والتسرّع في الأحكام والنزعات الشخصية والمعلومة الناقصة، كلها أمور تجعل من عمل الصحافي تمريناً دائماً على مواجهة ما يتربّص بعمله من نقصان. كان جوزف بحسه النقدي وبمسؤوليته ككاتب يدرك ذلك إلى حد كبير.
اعتادت إدارة صحيفة «السفير» أن تنتخب لكل من كتّابها مجموعة من مقالاته السنوية وتنشرها في كتب، ما عدا جوزف سماحة. خرجتُ إليه مرة، وكنت على يقين بظنه، وسألته عن السبب، فكان جوابه أن ما يكتبه هو عمل يومي تنقضي وظيفته بصدور مقاله التالي، وأعمال كهذه لا تستحق تكريسها في كتب. لم يكن جوابه المداور إلّا تعبيراً مهذباً عن هذا المأزق، الذي ما برح الكثيرون يرونه نقيصةً وعجزاً وسوء تدبير، بينما هو لا يعدو أن يكون توأم العمل الصحافي وملازماً له.

أفصحت لجوزف في ذلك اللقاء عن رأيي المخالف. وأنه لو أعدنا تعريف الصدق والكذب في الكتابة والأدب لما أخذ النقد المعاصر، بالخفة نفسها، قول القدماء إن أجمل الشعر أكذبه. ذلك أن الكذب عندهم، لا يتعدّى عدم التطابق مع الواقع. ولا إبداع في هذا التطابق. ليست قيمة الكتابة في ما تتضمنه بقدر ما هي في ما تستطيعه. وما الكاتب القدير إلا الذي يفلح في صياغة نص قادر على السيولة والجريان.
كان غودار يقول إن الأفلام الحقيقية عنده، هي تلك التي تحتوي على شيء آخر غير مرئي، والذي يمكن رؤيته فقط لأن الجزء المرئي قد تم ترتيبه بطريقة محددة. أغلب الظن أن صناعة الكتابة لا تختلف عن ذلك في شيء.
قلت له أخيراً إن قراره لم يكن صائباً وإنه كان عليه أن يسمح بإعادة نشر ما يكتب، مساهمة منه في أن يضع أمام طلاب الصحافة والكتاب الشباب ما يستندون إليه ويستنيرون به. فشرعية المقال تكمن في صناعته. وضمانته الأخلاقية تقوم على صدقه لا على ما يسوقه من حقائق.
عندما كنّا نعمل في «اليوم السابع» نشر جوزف سماحة في عام 1984 مقالاً طويلاً تحت عنوان «دموع الطبيب الأبيض». لقي المقال صداه الواسع في وقت لم تكن فيه وسائل التواصل على ما هي عليه اليوم. وأذكر كيف كنا نستنسخه بالمئات ونوزعه على طالبيه ممن فاتهم. كان المقال درّة حقيقية. يكشف في كاتبه قامة عالية وموهبة لا نزاع عليها وطاقة استثنائية في السجال والمدى الواسع الذي بلغه ثقافةً وانخراطاً في الكفاح. عملٌ يستحيل بلوغه لو لم توظَّف فيه حياة بأكملها. لا مبالغة في القول إن هناك مقالات تبدأها قبل أن تكتبها بزمن طويل وتصرف فيها تجاربك كلها قبل أن تنهيها. تنتمي كتابات سماحة إلى هذا الصنف من الكتابة. وفي المقال المذكور برهان ساطع. لقد ساجل فيه العشرات من كتّاب الغرب ومفكريه ممن أدركتهم التوبة، وانكفؤوا عن مناصرة الشعوب في سعيها إلى الحرية والتقدم. بعد أن كانوا صوتها الأكثر صخباً.

لو كنت في زمن النقّاد العرب القدامى ممن يطوّب واحدُهم فلاناً أشعر الشعراء لأنه قائل هذا البيت، لقلت بلا تردّد إن جوزف سماحة أعظم كاتب مقال لأنه كتب «دموع الطبيب الأبيض».
يحق لك أن تسأل متى قرأ سماحة كل هؤلاء؟ وهو، للذي لا يعرفه، لم يصدر ديوان هامّ في الشعر ولم يقرأه، ولا رواية جديدة لم يعطها حقها، ولا فيلم سينمائي لامع لم يحضره، ولا عمل موسيقي جادّ لم يكن أول مستمعيه، ولا كتاب خطير في السياسة أو الفلسفة أو التاريخ لم يكن من أوائل مقتنيه. وفوق ذلك لم يكن يتأخّر عن لقاء حول نقاش عام، أو نشاط سياسي لنصرة قضية عادلة. كان مع ذلك عاضّاً الحياة بأسنانه. مقبلاً عليها بوله لا يوصف. لا سهرة صاخبة مع الأصدقاء والمحبين إلّا يكون نجمها المشتهى بلا منازع.
كنت في باريس جاراً له، وكان يصدف معظم الأحيان أن نستقلّ الباص معاً في الصباح الباكر متّجهين إلى العمل. كان يصعد الباص متأبطاً رزمة من الصحف الإنكليزية والفرنسية والعربية يبدأ بتصفحّها في مقعده. وما أن نأخذ أماكننا في المقهى أسفل المبنى حتى يبدأ القراءة. لا يخرج إلّا ويكون قد أجهز على ما فيها.
لا يدخل جوزف قاعة الاجتماع في العاشرة صباحا إلا ويكون تصوّره لجدول الأعمال قد أصبح جاهزاً، فيشرع بتوزيع المهام على الجميع.
جنى من الصحافة خبرة في كل ميدان منحته قدرة استثنائية على التجرّؤ والمغامرة والتدخل ومواكبة كل جديد. الذين عملوا إلى جانبه يتذكرون كيف كان باستطاعته أن يملي على العاملين في الأقسام جميعها من السياسة إلى الرياضة، ومن الثقافة إلى الاقتصاد مروراً بالمجتمع والمنوعات، برامجَ عمل وأفكاراً جديدة لشهور مقبلة.
طاقة وموهبة كبيرتان وضعهما تحت إمرة قيمه التي لم يتزحزح عنها رغم ما مر به من صعاب وواجه من تحديات. قيمٌ اختبر معانيها في حياته وفي حياة الآخرين. أراد أن يكون فاعلاً وعرف أن الفعل ساحتُه المتن والهوامش، الصدر والحواف، المشهد وما يختفي وراء المشهد، المباح والمسكوت عنه، المعروض والمستثنى. ولأجل ذلك كانت حياته جهداً متواصلاً للمعرفة والكشف. رمت التجارب على كتفيه وشاح التواضع فأحناهما حتى أمام الصغار.
لم يناكف ولم يبحث عن طريدة سهلة. يحترم في قارئه الإنسان الذي فيه والقيم المشتركة التي تجعله شريك درب في رحلة النمو والارتقاء والتحرر. يتوجه إلى عقله بالإقناع لا باستخراج بقايا عصبيّة مدفونة في الأعماق السحيقة من قرون ليوظفها، كما يفعل الكثيرون، حطباً في أفران الطغاة أو شحماً في الجنازير. ولم يكن لينحدر بقارئه إلى حضيض الشعبوية الخسيس ليزين له ما تلف من عدّة الكفاح.
تقلّب في اليسار ولم ينقلب عليه. كان من أبناء ذلك الجيل الباحث عما يسعفه في اقتراح المفاهيم الجديدة وهزّ التقاليد وإعادة تعريف القيم، فوجده متاحاً في الفكر اليساري، يوم كان لا يزال هذا الفكر خصباً وجذاباً ومعبراً ضرورياً إلى الحداثة.
كان نبيلاً. وفي كل ما كتب ومارس، شاهد على ترفّعه وسموّه. لم يسفّ في مساجلة أعتى خصومه. فما نام على حقد ولا صحا على ضغينة. كان مقاله في جانب منه محاولة تضميدٍ لجرح في الكرامة لم يطوه على أناه، بل رآه في جيله، وفي شقاء شعوب بأكملها. هكذا لم يكن دفاعه عن الفلسطينيين أو عن أهله في الجنوب اللبناني أو عن المساجين الأحرار في زنازين الاستبداد أكثر أو أقل من إحساسه الراسخ بقيم العدالة والحرية وضرورة وضع الكرامة الإنسانية على سوية الوجود.
ينهض مقال سماحة فوق الكتابة، وحيث يضع كل ثقله في الممارسة التي أصبحت ديدن حياته ومعناها، يفيض مقاله بالدلالات ويكتنز بالمعاني. ودرسه الأول والأخير: حين لا يكون للكاتب وزن وثقل فلن يخرج من بين يديه سوى الخواء.

هدّاراً جريت ولم تلتفت. ومثل كل الأنهار ارتوى بمائك الورد كما الشوك. وعلى ضفتيك شربت معاً الذئاب والنعاج وبنات آوى وطيور الحب. إنه قدر الأنهار وقدر الغابات وعلينا أن نرتضيه. ولكن يا جوزف، يا صديقي الأحبّ، ما صعب علينا القبول به أن يكون نهرك بين المنبع والمصب قصيراً.
 (العربي الجديد) 25 فبراير، 2017 
    

جوزيف سماحة يكتب عن حافظ الأسـد

فبراير 26, 2019 اضف تعليق

نعيد في ما يلي نشر هذه المراجعة التي كتبها جوزيف سماحة لكتاب الصحافي البريطاني باتريك سيل عن الرئيس السوري حافظ الأسد. نشرت المراجعة في مجلة «زوايا» (العدد الأول، تموز ــ آب/يوليو ــ أغسطس ١٩٨٩، الصفحات ٢٦-٢٨). الجدير بلفت النظر في هذه المراجعة الخلاصة التي يتوصّل إليها سماحة عن أن عناصر القوة الخارجية للنظام السوري قابلة للانكشاف بفعل تطوّرات إقليميّة من دون أن يوفّر الوضع الداخلي للنظام الحصانة الكافية له. وهي خلاصة جديرة بالتأمّل العميق في مصير سياسات تطلّب القوة والاعتراف الخارجيّين، المسمّاة «ممانعة»، نظراً إلى ما انقلب إليه الوضع الحالي في سورية.
عن مجلة بدايات

لا يكاد ينتهي المرء من قراءة كتاب باتريك سيل «الأسد، الصراع على الشرق الأوسط» حتى يصاب بالحيرة.
الكاتب صديق للرئيس الذي يكتب عنه. وهو يسخّر قلمه في عدد من الصحف والدوريات للدفاع عن سياسات النظام السوري. يفعل ذلك بطريقة تحفظ له حداً من المصداقية هي، بالضبط، المصداقية التي افتقدها الكاتب الفرنسي لوسيان بيترلان بعد كتابه البائس عن الرئيس السوري ومن جراء أسلوبه الفجّ في تبنّي الأطروحات التي تدعو إليها دمشق.

مصدر الحيرة هو أنّ القارئ العربيّ يجد نفسه أمام مضبطة اتّهام بحقّ النظام السوري وسياساته وتركيبته «ومنجزاته» وثغراته. إنّه «قدْح في معرض المدح».
التفسير المقترح لهذه الحيرة التي وقع فيها كثيرون ممن طالعوا الكتاب هو «انتماء» باتريك سيل نفسه. فالرجل واحد من كتّاب السيرة الغربيين المهتمّين بقضايا الشرق الأوسط وقد عرفنا نماذج عنهم في شخصي مايلز كوبلاند مثلاً أو ألين هارت.

ففي كتاب كوبلاند «لعبة الأمم» حديث صريح عن أن الاستخبارات المركزية الأميركية كانت على علم مسبق بثورة تموز/يوليو مع إيحاء إلى دور لها في قيامها. وفي كتاب هارت «عرفات، إرهابي أم صانع سلام؟» دفاع حارّ عن المقاومة الفلسطينية بصفتها تمثّل شعباً عانى الكثير من اضطهاد... إخوانه العرب!
يعتبر هذا الجيل من الكتاب نفسه وسيطاً بين العرب والرأي العام الغربي. وينتدب نفسه لمهمّة مؤدّاها أنّ الرأي العام لم يفهم تماماً مشكلات العرب ولا توجّهات زعمائهم الوطنيين، وأنّ دورهم (أي الكتّاب) هو تبديد سوء التفاهم عن طريق إثبات أنّ لا مشكلة فعلية بين العرب والمصالح الغربية وأنّه كان بالإمكان التوفيق بين الجانبين لولا ضيق صدر عدد من المسؤولين الغربيّين وارتكابهم «هفوة» الذهاب في التحالف مع إسرائيل إلى حدّ لا يستطيع العرب تحمّله.

القراءة الغربية، أي من وجهة نظر مصالح الغرب، لنتاج هؤلاء الكتّاب تؤدي إلى هذه النتيجة وتنجح أحياناً في إقناع قطاعات من الرأي العام بأنه في قلب أي زعيم عربي يرقد «سادات» صغير ينتظر لحظة التعبير عن نفسه. بالمقابل فإنّ القراءة العربية، أي من وجهة نظر المصالح العربية، تقود إلى استنتاج مخالف لا بل توصل مباشرة إلى الاتهام.

بعيداً عن أيّ مقارنة بين كلّ من جمال عبد الناصر وياسر عرفات من جهة وحافظ الأسد من الجهة الثانية، يبقى أنّ الالتباس المشار إليه هو الذي يجعل السؤال مطروحاً: هل أراد باتريك سيل الإضرار، بين العرب، بصورة الرئيس حافظ الأسد؟ أم أنّ الرئيس الأسد أراد عبر باتريك سيل، إيصال رسالة إلى الرأي العام والمسؤولين في الغرب تقول إنّه غير معادٍ لهم بالقدر الذي يتخيّلون وأنهم يتحمّلون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الحالة التي وصلت إليها العلاقات بينهم؟

الميل هو إلى تبنّي الاحتمال الثاني، فباتريك سيل كتب ما كتبه بعد ساعات مطولة مع الرئيس الأسد. والذين تعاونوا معه وقدموا إليه المعلومات لم يفعلوا ذلك إلّا بناءً على توجيه رئاسي. وقد استمرّ يملك، بعد إصدار الكتاب، مداخله إلى مكاتب وغرف اجتماعات المسؤولين في دمشق ويكتب في الصحف استناداً إلى ما أبلغته إياه «مصادر سوريّة رفيعة المستوى».

لم يكلّف الكاتب نفسه، وهو الذي أمضى سنوات في إعداد مؤلفه، عناء الحوار مع معارض واحد. فهو يقول في الصفحة ٨٥ مثلاً «كان الحوراني عامل التغيير والقابلة التي ولدت على يديها سورية الجديد والتي قيّض للأسد أن يرأسها في ما بعد». وبما أنّنا نعرف جميعاً أنّ اكرم الحوراني لا يزال حياً يُرزق وهو يعيش في فرنسا، فإنّ من حقّنا التساؤل عن مدى الموضوعية في كتاب يتجنّب صاحبه اللقاء ولو لمرة واحدة مع «هذه القابلة»، ويقال الأمر نفسه عن كثيرين من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين والعراقيين والمصريين الذين رافقوا الرئيس الأسد واتفقوا أو اختلفوا معه والذين يملكون من دون شك روايتهم للأحداث. لقد تجاهل باتريك سيل كل هؤلاء من باب التوكيد أنّ كتابه هو، حصراً، رسالة موجّهة عبره إلى قارئي الإنكليزية وأنه غير مهتمّ لما يمكن أن يكون عليه موقف العرب وقرّاء العربية من الكتاب ومضمونه.
لو أراد أحد أن يحصي صفات المدح التي يسبغها باتريك سيل على الرئيس الأسد لوجد ذلك صعباً. فهو وطنيّ، وقوميّ، وديمقراطيّ، ومقاتل، واستراتيجي، من الطراز الأوّل، ومثقّف كبير، ووحدويّ، واشتراكيّ، ومحبّ لبلاده وشعبه، وحريص على الفلسطينيين واللبنانيين... ويأخذ المدح غالب الأحيان طابعاً مفتعلاً من نوع القول (ص ٢٨٩) «وكان الأسد يوقّع على الرسائل بخطّه وغالباً ما كان يكتب ملاحظات وتعليقات ذكيّة على الهامش تدل على حضور بديهته». ولا شكّ أنّ الرئيس الأسد بغنى فعلاً، عن هذا التقييم الذي يقدّمه سيل، لتذييله على المراسلات.
إنّ التدقيق في القراءة يقود إلى استنتاجٍ من نوع آخر. جمل المديح ترصّع الكتاب لكنّها لا تجد تعبيراً عن نفسها في سياقه. لا بل إنّ السياق يقود، غالب الأحيان، إلى استنتاجات معاكسة.

الإحباط المستمرّ

يعترف باتريك سيل بمسؤوليّة النظام السوري عن الدفع باتجاه حرب ٦٧ وتوريط جمال عبد الناصر، ويعترف أيضاً بـ«نصيب من المسؤوليّة» لوزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد ويبدي استغرابه من سلوك النظام الذي لم يحارب، ويشير، مع ذلك، إلى أنّه يوم ١٢ حزيران / يونيو ١٩٦٧ «لم يكن الأسد قادراً على النوم فوقع مغشياً عليه من التعب في وزارة الدفاع» (ص ٢٣٥)، ويستنتج أنّ هذه الصدمة أيقظتْ الأسد «أكثر من أيّ شيء آخر وحوّلته من انقلابيّ محدود الأفق إلى مخطّط ومفكّر استراتيجيّ في ميدان السياسة الدولية».

الدروس التي استقاها الأسد من هذه الحرب هي «ضرورة بناء قاعدة شخصية له في القوّات المسلّحة على غرار ما يفعله زعماء القبائل»، لذلك «راح يستقطب الولاء لنفسه عن طريق تقديم الخدمات والمنح...» (ص ٢٣٨) (طريقة غريبة بعض الشيء في الردّ على الحرب!)، وكان هذا يحصل معطوفاً على مواقف سياسيّة جديدة بات الأسد يدعو إليها في مواجهة المسؤولين الآخرين: السلبية حيال الفدائيين، إعادة النظر بالصراع الطبقي والانفتاح العربي.

هذه هي المعالم الأولى للبرنامج الذي شرع الرئيس الأسد في تطبيقه بعد انفراده بالسلطة في الحركة التصحيحية ١٦ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٧٠: المصالحة الوطنيّة، الانفتاح على الطبقة الوسطى، ضمانات للقطاع الخاص، الديمقراطية الحزبية، وإنعاش المنظّمات الشعبية والمجالس المحليّة...

لقد وصل الأسد إلى السلطة وهو يملك هذه النوايا الطيبة كلّها، ويريد العمل على تطبيقها. ولكن منذ ذلك الوقت لم يكفّ الآخرون عن خداعه وإغلاق الأبواب في وجهه. لقد خاض حرب أكتوبر مع أنور السادات، لكنّ هذا الأخير خدعه في خلالها وكان هنري كيسنجر على علم بالخديعة. ثمّ فوجئ بفكرة فصل القوّات في سيناء. ثمّ اتّفق مع السادات على خطّة مشتركة لمؤتمر جنيف فنقضها الرئيس المصري بناءً على نصيحة كيسنجر. ومع أنّ سيل يقول إنّ الأسد كان قد أصبح في عام ٦٧ مفكراً استراتيجياً في ميدان السياسة الدولية فإنه يغيّر رأيه تماماً عند الحديث عن علاقة الرئيس السوري بهنري كيسنجر، وهي علاقة لا بدّ من التوقّف عندها بعض الشيء.

١٣٠ ساعة مع هنري كيسنجر

يقول سيل في الصفحة ٣٧٢ إنّ الرئيس الأسد «كان يجهل الولايات المتحدة بل تنقصه المعلومات عن الغرب كلّه». ولا يعقل أن يكون هذا الكلام مدحاً لرئيس دولة يعجب به الكاتب وينسب إليه أنّه داخل منذ سنوات في اشتباك سياسي مع واشنطن. يضيف سيل في الصفحة التالية «لم تكن لديه فكرة واضحة عمّا يسعى إليه كيسنجر... رأى في تركيز كيسنجر المفاجئ على الشرق الأوسط بادرة أمل... كان الأسد مستعدّاً لإعطاء وزير الخارجية الأميركية ثقة لا يستهان بها»... كلّ هذه المقدّمات هي الأساس الذي يستند إليه ليؤكّد لقرّائه الغربيين أنّ باب الصداقة الأميركيّة ــ السوريّة كان مفتوحاً على مصراعيه وأنّ كيسنجر هو الذي أغلقه. ففي ١٩٧٤ كان الوزير الأميركيّ يريد حلّاً جزئياً في الجولان من أجل تطوير الاتفاق المصريّ ــ الإسرائيليّ (بعد فكّ الارتباط الأوّل) وفي المقابل كان الأسد لا يزال يثق بالولايات المتحدة الأميركيّة معتبراً أنها تبحث حقاً عن صداقة العرب «إنّ دفء صوت كيسنجر وحضور بديهيته وإخلاصه الظاهري قد كسبت الأسد واجتذبته، أمّا حقيقة كون كيسنجر يهودياً، أي من أبناء عمومه العرب نوعاً ما، فقد كانت من عناصر جاذبيّته» (ص ٣٨٦).

توطّدت العلاقة بين الرجلين إلى حدّ أنّهما أمضيا معاً في الفترة الممتدة من ٢٩ نيسان/ أبريل إلى ٢٩ أيار/مايو ١٩٧٤ حوالى ١٣٠ ساعة، وأنّ كيسنجر سجّل ٢٦ وصول ومغادرة إلى مطار دمشق، وأنّ الأسد كان «متشوّقاً لتعلم الكثير عن العالم ووجد كيسنجر معلّماً خصوصياً جاهزاً».
أعلن الأسد في تلك الأيام أنّه يوافق على قرارات الأمم المتحدة وهي لا تدعو إلى «تفكيك دولة إسرائيل» (مقابلة مع «نيوزويك»)، وأبدى الثقة بقدرات كيسنجر. لكنّ آمال التسوية انهارت عند الأسد مع التوقيع على اتفاقية فصل القوات الثانية في سيناء. إن انهيار آمال التسوية لم يؤثّر كما يبدو، على إمكانات كيسنجر وعلى طاقته الإقناعية لدى الرئيس السوري. فالوضع في لبنان يتطوّر بسرعة. وسيل يقول «إنّ الأسد قد ملأته بالفزع احتمالات وجود لبنان متشدّد ومغامر عند خاصرة سورية يستفزّ إسرائيل ويجعل الغرب يجفل من إطلاق العنان للمتصلّبين الفلسطينيين» (ص ٤٥٦)، كما أنّ الأسد «رجل نظام ولم يكن يريد الإطاحة بالمؤسسة المارونية» (ص ٤٥٦). ولهذا كانت خطّة كيسنجر تقضي بتخويف الأسد من تدخّل إسرائيلي من أجل دفعه هو إلى التدخل، ولا بدّ أنّه ــ أي كيسنجر ــ قد استطاب المفارقة الهائلة لموقف يضطر فيه الأسد إلى سحق الفلسطينيين بدلاً من حمايتهم وذلك لمنعهم من التسبّب في ما كان يخشاه أكثر من أيّ شيء ــ أي الغزو الإسرائيلي (ص ٤٥٢). وهكذا أمكن استدراج سورية إلى لبنان وأمكن إقناعها باحترام «الخطوط الحمر» الإسرائيلية، لا بل، يقول سيل، «إنّ اتفاقيّة الخط الأحمر كانت دعوة للسوريين كي يتدخّلوا وليست تحذيراً كي يبقوا خارجاً. وهكذا صار بإمكان سورية أن تتحرّك ضدّ الفلسطينيين في لبنان مع الفهم بأنّ إسرائيل لن تتدخّل».

 إذا كانت الضجّة تقوم في بعض العواصم الغربية، من وقت لآخر، بسبب ما يسمّى «الممارسات السورية» في لبنان، فإنّ باتريك سيل أوصل الرسالة التي تحمل، كما الكتاب كلّه، الإشكاليّة التي أشرنا إليها آنفاً. لا يحقّ لأحد، في الغرب، أن يلوم الرئيس الأسد الذي نفّذ خطة كيسنجر. وبالمقابل فإنّ هذه السياسة نفسها، وكما يلاحظ سيل، قد أسيء فهمها ولم تكن لها شعبية بين الجماهير العربية. ويخلص الكاتب إلى القول إن «حسابات كيسنجر أثبتت صحّتها، وأدّى تحريكه للخيوط سراً وبتحفّظ ليجعل سورية، من بين جميع البلدان، تضرب الفلسطينيين وتحطّم آمال السوفيات». ولكلّ طرف من أطراف الصراع أن يستنتج، من هذه الخلاصة، ما يريد.

لا اعتراف ولا مكافأة
مسلسل الإحباط سيستمرّ في عهد جيمي كارتر. «إنّ الشيء الذي كان الأسد يتطلّع إليه هو الحصول من الإدارة الأميركيّة الجديدة على الاعتراف، بل وحتى على مكافأة سياسية. فإذا كان سيشترك في اللعبة فإنّ مصالحه يجب البحث فيها، وكانت المصلحة الأهّم من بينها حاجته إلى بسط نفوذه على جيرانه: لبنان والأردن والفلسطينيين». وإذا كان الأميركيون مستعدّين لنوع من الاعتراف فإنّهم بعيدون جداً عن تقديم مكافآت لأنّهم يريدون، هم ثمناً كبيراً مقابل هذا الحدّ الأدنى. ولعلّ العبارة المفتاحية التي تلخّص الكتاب كلّه، إذا جاز التعبير، هي تلك الموجودة ص ٥٠٠ ــ ٥٠١: «لقد عانى الأسد كثيراً من خيبات الأمل المتكرّرة على يد الولايات المتحدة».
ما إن جرى توقيع مذكّرة التفاهم الأميركية ــ الإسرائيلية حتى «نظر إليها الأسد بكآبة وقنوط، إذ أدرك أنّه لا يمكنه الاعتماد على واشنطن للمحافظة على السلام. كانت تلك لحظة إحباط كبيرة» (ص ٦٠٦). عندما أدرك، الأسد هذه الحقيقة وشعر بالكآبة والقنوط، كانت معاهدة كامب ديفيد تدخل عامها الثالث وكانت الحكومة الإسرائيلية قد ضمّت الجولان، وكانت الاستعدادات جارية، علناً، من أجل غزو لبنان!
«لم يكن الأسد يتوقّع أو يريد أن يقاتل في لبنان» (ص ٦١٤)، ومع ذلك حصل ما حصل ونجح المبعوث الأميركي في خداع الأسد غير مرّة (ما هو السر في الدفاع الحارّ الذي يقوم به باتريك سيل عن فيليب حبيب؟). وعندما يدافع الكاتب عن الرئيس يقول إنّه «كان مُحرجاً ومهيناً للأسد أن يرغَم على الجلوس جانباً بينما إسرائيل تهاجم عاصمة بلد عربيّ على مرمى حجر منه» (ص ٦٢٦)، وينسى أن يقول إنّ الرئيس الأسد هو المسؤول الأمنّي والسياسيّ عن هذه العاصمة. وقد استمرّ «شقاء الأسد من البيئة العربية» بعد غزو لبنان وبسببه (ص ٦٤٢)، لكنّ «أعمق شكوى مؤلمة للأسد كانت ضدّ الولايات المتحدة» (ص ٦٤٣) (برضه!!).
السياسة التي اتّبعها الرئيس الأسد، في عرف باتريك سيل، هي السياسة التي اضطر إلى اتباعها. إنّها الوجه الآخر للإحباط الذي شعر به كلّ مرّة وضع ثقته في الولايات المتحدة فأدارت له ظهرها.
لقد كان الأسد «مثل معظم السوريين، ينظر إلى الاتحاد السوفياتي بشيء من الريبة بسبب إلحاده العلنيّ ولأنّه سارع إلى الاعتراف بإسرائيل في ١٩٤٨». لكنّ علاقته مع السوفيات هي ثأره من علاقته المحبطة مع واشنطن: تتطوّر بعد «خديعة» فكّ الارتباط الثاني في الجولان وبعد خديعة غزو لبنان في ١٩٨٢.

السياسة «اليسارية» في الداخل ما هي إلّا الجواب على مؤامرة «الإخوان المسلمين» وهي المؤامرة التي اضطرت الرئيس الأسد إلى «انعطافة» وضعت حداً لسياسة الانفتاح التي يريدها سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي (ص ٥٤٥).
العلاقة مع الفلسطينيين ما هي إلّا محاولة مستمرّة لضبطهم باعتبارهم «أدوات مفيدة في الصراع غير المتكافئ والمليء بالإحباط وخيبة الأمل مع إسرائيل» (ص ٢٠٥)، وعندما يمتنع الفلسطينيون عن أنْ يكونوا كذلك لا يمتنع الرئيس الأسد عن مقاتلتهم بشراسة (ص ٦٦٧). أمّا عن موقف الأسد من «الإرهاب»، وهذه قضيّة حسّاسة جدّاً في الغرب، فإنّ باتريك سيل يُبرز عدم التطابق بين النظام السوري والمتطرّفين الشيعة، ويحتفل بإقفال مكاتب أبو نضال في دمشق ويتبنّى قصّة الاختراق الإسرائيلي للأجهزة الأمنية السورية عند الحديث عن «قضيّة الهنداوي»!
وحتى في موضوع التحالف مع إيران، فإنّ باتريك سيل يعتبر ذلك رداً من الرئيس الأسد على «الخديعة» الأميركيّة له المتمثّلة في كامب ديفيد. لا بل يزيد من عنده أنّ «الأسد باتخاذه آية الله صديقاً كان يبحث أيضاً عن مساعدة ضد أخطر جيرانه: العراق» (ص ٥٧٥). وهكذا لا تعود إسرائيل أخطر الجيران بل العراق، وحتى لا يصادف الكاتب البريطاني أيّ مسؤول غربيّ يأخذ على صديقه الرئيس الأسد العلاقة الخاصّة مع إيران، يدخل سيل في مطالعة طويلة حول «تسابق سورية وإسرائيل على كسب ودّ إيران» (ص ٥٩١)، والقصد من هذه المطالعة استخدام الرصيد الإسرائيلي في الغرب وتوظيفه من أجل الدفاع عن التحالف السوري مع إيران تحت حجّة «ما التهمة في ذلك إذا كانت إسرائيل، أيضاً، تقوم به؟». لكنّ ما يمكن اعتباره دفاعاً عن النظام السوري، في الغرب، يتحوّل إلى إدانة من وجهة نظر عربيّة. لذلك نجد أنّ سيل يقفز فوق ردّة الفعل السورية عند اكتشاف «إيران غيت» ويتجاهلها تماماً.

تغييب المشكلات الداخلية
سبق لباتريك سيل أن وضع كتاباً بعنوان «الصراع على سورية»، وهو إذ يعنون كتابه الأخير «الصراع على الشرق الأوسط» فالقصد واضح. يريد أن يقول إنّ الفترة التي أمضاها الرئيس الأسد في السلطة كانت فترة استقرار حوّلت دمشق من مسرح للعبة الصراع في الشرق الأوسط إلى واحد من الأطراف اللاعبة، أي طرف إقليميّ فعّال، وهذا، بمعنى ما، صحيح.
ما يتجاهله سيل هو التأثير الذي تركه غياب مصر منذ منتصف الخمسينيات، وغياب مصر والعراق منذ مطلع الثمانينيات، على تضخيم الدور السوري (إضافة إلى دخول سورية إلى لبنان ومحاولتها وضع اليد على الثورة الفلسطينية).
يقود هذا التجاهل إلى ارتكاب خطأ ربما يكون الأكبر في كتاب سيل الأخير، وهو خطأ مرتكب من باب الإسقاط والتجاهل: ليس طبيعياً أن نقرأ كتاباً من ٩٠٠ صفحة عن رئيس وبلد من دون أن نعرف فعلاً، ماذا صنع الرئيس في بلده. لم يتعامل سيل مع سورية بصفتها وطناً مثل سائر الأوطان ومع السوريين بصفتهم شعباً مثل سائر الشعوب. وإذا استثنينا صفحات قليلة تطرّق فيها الكاتب إلى أحوال سورية في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة والإنتاج والتوزيع والضمانات الاجتماعية والتعليم (وهو تطرّق إليها في معرض الإشارة غالباً إلى الفساد)، نكون أمام كتاب لا يتحدّث في الواقع، عن سورية.
لا توفّر هذه الإشارات القليلة أيّ فكرة واضحة عمّا حصل في سورية في خلال العقدين الأخيرين ولا أيّ فكرة عن كيفية تطوّر المجتمع السوري بعيداً عن صراعات أطراف السلطة وعن صراعات السلطة مع القوى العربية الأخرى.
الجميع على علم بأنّ سورية في أزمة. والجميع على علم أنّ هذه الأزمة تطاول التموين والإنتاج، والتضخّم، وانهيار سعر العملة وازدهار السوق السوداء، وتدمير الريف، ونموّ القطاعات الطفيليّة، والاعتماد على الريع والمساعدات العربية والإيرانية، ونهب لبنان، وتعزيز العلاقات مع الأسواق العالميّة الرأسمالية، إلـخ. أي إنّ الأزمة تطاول مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية في سورية، ومع ذلك فإنّها بالكاد تستدعي أيّ اهتمام يُذكر من الكاتب.
هذا النقص مهمّ في حدّ ذاته، وهو مهمّ أكثر طالما أنّ الموضوع هو «الصراع على الشرق الأوسط»، وفي اعتقادنا أنّ طرفاً يعيش أزمة من هذا النوع وبهذا الحجم يستحيل عليه أن يكون طرفاً أصلاً في الصراع على الشرق الأوسط، وأنّ دوره في هذا الصراع، طالما هو على هذه الحالة، هو دور مؤقت ومرهون بشروط خارجية. ولعلّ ما نشهده اليوم، من تراجع في هذا الدور بفعل تطوّرات إقليمية، يؤكّد أن عناصر القوة الخارجية للنظام السوري غير ممسوكة من جانبه، وأنّه قابل للانكشاف في أيّ لحظة من دون أن يوفّر له وضعُه الداخلي الحصانةَ الكافية.

لن يموت الشعر

فبراير 25, 2019 اضف تعليق
 حسونة المصباحي

الثلاثاء 2019/02/26
كثيرون هم الذين "يبشّرون" الآن، خصوصا في عالمنا العربي، بـ"موت الشعر".. سندهم في ذلك أن الناس لم يعودوا يقبلون على قراءته أو سماعه مثلما كان حالهم في الزمن القديم، أيام كان الشعر زهرة المجالس والعكاظيات، ونجمة المهرجانات والاحتفاليات الكبيرة، وأيام كان الشاعر سيدا في قومه، به يستعينون للرفع من شأنهم، وبكلماته يهتدون لمعرفة واقعهم، وفك ألغاز الحياة والوجود.

سندهم الآخر أنك حين تدخل مكتبة من المكتبات بما في ذلك الكبيرة منها، فإنك تلاحظ أن الجناح المخصص للشعر غالبا ما يكون في مكان قصي، أو في زاوية معتمة لا يهتدي إليها أحباء الشعر إلا بمساعدة من العاملين فيها. ثم إن الشعراء في زمننا الراهن، بحسب رأيهم، باتوا يفضلون الانزواء في عالمهم الخاص، محتمين بذواتهم بحيث أصبحت قصائدهم صدى له ولها.

ويضيف "المبشرون بموت الشعر" أن الرواية طغت الآن على كل فنون القول فما عاد الشعر يستهوي الناس، أو يثير اهتمامهم. لذلك انصرفوا عنه غير آسفين. وظني أن هؤلاء السادة وقعوا ويقعون في خطأ جسيم.

يساندني في ما قلت المبدع المغربي الراحل عبدالكبير الخطيبي الذي ردّ على الذين طرحوا عليه السؤال التالي: من يقرأ الشعر الآن؟ وأين حضوره بين فنون القول؟ قائلا "اطمئنوا أيها السادة. الشعر لم يمت. فمنذ زمن بعيد انسل الشعر في غفلة من الجميع إلى مجالات أخرى من اللغة، ومن الفنون الأخرى". ويضيف عبدالكبير الخطيبي "منذ زمن بعيد، وبعيد جدا، أصبح الشعر سريّا. والدليل على ذلك أنه أصبح يسكن الأعمال الكبرى في الأدب الكوني. وهو في قلب النثر بمثابة القنديل الذي يضيء عتمة الكهف".

الشعر تمكن منذ أن شرع البعض في "التبشير بموته" في تطوير "أسلحة صموده وانشقاقه الإيجابي" ضد اللغة الرسمية الجافة، والسطحية التي تروّجها وسائل الإعلام، والأحزاب الفاقدة للعمق الثقافي والفكري

وأعتقد أن عبدالكبير الخطيبي كان محقا في إطلاق مثل هذا الكلام. فالشعر موجود وحاضر بقوة في أعمال روائية عظيمة مثل "أوليسيس" جيمس جويس الذي بدأ مسيرته الأدبية شاعرا، وفي جل أعمال ويليام فوكنر الذي كان قد كتب في سنوات شبابه العديد من القصائد البديعة، وفي "تحت البركان" لمالكون لاوري الذي كان شاعرا هو أيضا. كما نجده في نثر فرانز كافكا، وتوماس مان، ولوي فارديناند سيلين، وكارلو إيميليو غادا، وخورخي لويس بورخيس. وتبدو رواية "مئة سنة من العزلة" لغبريال غارسيا ماركيز أو "بادرو باراما" شبيهتين بتلك القصائد الملحمية العظيمة التي كتبت في زمن الإغريق.

والشعر حاضر أيضا في لوحات وتماثيل ورسومات الفنانين الكبار منذ العصور القديمة وحتى هذه الساعة. كما هو حاضر في السينما، وفي الموسيقى، وفي الرقص، وفي صمت الحكماء أمام محن العالم، وتقلبات التاريخ، وغطرسة الطغاة وأعداء الكلمة الجميلة والحرة.

ويرى عبدالكبير الخطيبي أن الشعر تمكن منذ أن شرع البعض في "التبشير بموته" في تطوير "أسلحة صموده وانشقاقه الإيجابي" ضد اللغة الرسمية الجافة، والسطحية التي تروّجها وسائل الإعلام، والأحزاب الفاقدة للعمق الثقافي والفكري.

لذلك لا يمكن مواجهة "الخراب" الذي يهدد اللغة العربية راهنا، والذي ازداد استفحالا بسبب تنامي الأصوليات التي شرّعت "ثقافة الموت" إلاّ بالشعر. كما أن الرواية العربية لن يكتب لها النجاح والانتشار والصمود أمام الزمن إلاّ عندما يكون فيها الشعر مضيئا مثل قنديل في الظلمة.

بورخيس بين الواقع والخيال

فبراير 24, 2019 اضف تعليق
حسونة المصباحي

بالنسبة للكاتب الفرنسي أنطونيو بيلو، كان الأدب قبل الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس ينطلق من الواقع، ومنه يستوحي المواضيع التي يتطرّق اليها. فمالفيل مثلا يصوّر في روايته الشهيرة "موبي ديك" صيد أسماك القرش. وتولستوي يهتمّ بحروب بونابارت في "الحرب والسلام". وفلوبير يصف الحياة اليومية في مدينة صغيرة تخون فيها مدام بوفاري زوجها الطبيب. وراسين وجين اوستن يعالجان خفايا الحب اللامتناهية. ويحاول البير كامو أن يصف لنا مواقف الناس أمام كارثة الطاعون. وجويس يصف أحداث يوم كامل في دبلن. ومعنى هذا ان الواقع هو مادة الكاتب. أما خورخي لويس بورخيس فينطلق منذ البداية سابحا ضدّ التيّار. فالنصّ عنده هو مصدر، ومنبع كلّ شيء إذ أن الكلمة هي بداية كلّ شيء: "في البداية كانت الكتابة". والواقع كان قد كُتب قبل أن نكتبه. لذلك فإن الواقع هو الخيال. وفي قصته "الخرائب الدائرية" التي نشرها بورخيس في عام 1946، نحن نجد أنفسنا أمام رجل يحلم برجل آخر ليكون مثله تماما. وفي النهاية ينتبه هذا الرجل أنه مجرّد وهم، وأن هناك رجلا آخر يحلم به. ويقول بيلو بإن العالم بالنسبة لبورخيس هو في الحقيقة عوالم مختلفة ومتنوعة. وجميع هذه العوالم تخضع للغة. والأدب متفوّق على الحياة. ولأن الكاتب يتحكّم في الواقع فإنه يكون بمثابة الاله. وهذا ما يعبّر عنه بورخيس في واحدة من أجمل قصصه، وهي "مكتبة بابل"، وفيها يكتب قائلا: "الكون (الذي يسميه آخرون مكتبة) يتكون من عدد لا محدود، وربما لانهائي من الأروقة المسقوفة، المسدّسة الزوايا، في وسطها آبار واسعة للتهوئة تحدها حواجز واطئة للغاية(...). وكلّ واحد من جدران المسدّس يحمل خمسة رفوف. وكلّ رفّ يحتوي على 32 كتابا. وجميع هذه الكتب لها نفس الشكل. وكلّ كتاب يضمّ 410 من الصفحات. وكل صفحة بها 40 سطرا. وكل سطر يتكون من 80 حرفا باللون ألأسود". ويعنى هذا أن بورخيس يريد أن يوحي لنا بأن المكتبة الهائلة التي يتحدث عنها هي الكون. وهي تحتوي على كلّ ما يحتويه الكون. وكلّ كائن، سواء كان واقعيّا ام خياليّا، يقابل كتابا يشرّع موهبته وأفكاره. ويعتقد بيلو أن فقدان البصر عند بورخيس قد يفسّر ميله لهذا الأدب الذي تكون فيه الكلمات بمثابة الرابط الوحيد بالعالم الخارجي. وفي قصته "الآخر" هو يكتب: "سوف أصبح أعمى. لكن لا تخش شيئا. فالأمر بمثابة نهاية طويلة لمساء صيفي جميل".