ما العمل مع النصب التذكارية التي تمجد العنف؟

  رشيد الخيون


​​أعادت دار أي. بي. تورس الإنكليزية نشر كتاب"النصب التذكارية. الفن والابتذال والمسؤولية في العراق" للكاتب العراقي كنعان مكية. ويستعرض الكاتب تاريخ النصب التذكارية خلال العقود الماضية ويطرح السؤال عن التعامل معها اليوم. عرض رشيد الخيون

قدم كنعان مكية لكتابه بنبذة مختصرة عن تاريخ بغداد، وهو إذ يوشح صفحتي الكتاب الأولى والأخيرة بتخطيط مصور لمدينة المنصور المدورة يشير إلى عودة بغداد، رغم اتساعها، إلى معسكر مدور محاط بالقصور والجيوش.

المركز هو قصر الخليفة والدوائر التي تحيطه بشكل دائري تشغلها حسب الترتيب قصور أولاد الخليفة ودواوين الحكومة، ثم مساكن الحاشية، فالفضاء الداخل والفضاء الخارجي، مخترقة بأربعة أبواب كل منها يفضي إلى أمصار الخلافة المترامية الأطراف، وهي: باب البصرة وما بعدها الخليج والهند، وباب الكوفة وما بعدها الحجاز، وباب الشام وما بعدها الأنبار والبلاد الشامية وباب خراسان وما بعدها إيران وما وراء النهر. وهو حلم راود صدام حسين أن يتخذ من هذا القصر مركزاً لمد الجيوش إلى حيث تصل، فكانت البداية بالعراق نفسه ثم إيران ثم الكويت.

خندق حول المدينة

أطلق كنعان مكية على هذا التكوين البغدادي الدائري المتقن بحلقة من نار "وذلك بالمعنى الحرفي تماماً". فأبو جعفر المنصور، حسب الكتاب، "كلف عماله بحفر خندق قليل العمق في التراب يقتفي أثر محيط الدائرة المنشودة، وصب في الخندق خليطاً من الزيت وبذور القطن ثم أُضرمت فيه النيران". وبغداد أُحيطت في كل سنوات الثمانينيات والتسعينيات بجيوش جرارة مثل حلقة خندق النار، مخافة إنقلاب عسكري أو تمرد شعبي.

تناول الكتاب قصة نصب النصر ذي السيفين العملاقين، الذي أوكل عمله إلى الفنان خالد الرحال، لكنه توفي فأكمل العمل الفنان محمد غني، وهو نصب غير متوازن لا في فنه ولا في حجمه، ومصممه الأول هو صدام حسين، طبع رسمه البدائي على بطاقة دعوة افتتاح النصب.

يتكون النصب من أرض متفجرة من مادة الكونكريت المسلح، نثرت عليها بشكل غير منتظم مئات من خوذ الجنود الإيرانيين الأعداء. تبدو أوزان مكونات النصب هائلة، فالساعدان والقبضتان الحاملتان السيفيين صبتا من مادة البرونز بوزن عشرين طناً لكل منها، وثبتا على هيكل من الحديد بوزن عشرين طناً أيضاً، والسيفان صنعا من مادة الحديد غير القابلة للصدأ، صهرت من سلاح القتلى العراقيين، بوزن أربعة وعشرين طناً لكل منهما، أما قبضتا السيفيين فصبنتا من مادة البرونز بوزن أربعة أطنان لكل منهما أربعة أطنان. وشبكة الخوذ صبت من ألفين وخمسمائة خوذة إيرانية.

إشارة تحذيرية إلى المعارضين

إن نصباً بهذه المواصفات والأحجام العملاقة يشير إلى ضآلة الإنسان مقابل عظمة القائد. فالساعدان الحاملان السيفيين هما ساعدا صدام حسين المنتصر دائماً، وضآلة الإنسان العراقي مقابل النظام البعثي، وهو إشارة تحذيرية لكل معارض ومختلف مع النظام.

يُذكر هذا النصب العراقيين يومياً، وهم يمرون تحت عظمته، بالخضوع للقدر والقوة البعثية، فهم ما أن يمرون تحت السيفيين العملاقين إلا وتواجههم صورة القائد وتماثيله وهو يركب الحصان الأبيض ويحمل سيف سعد بن أبي وقاص، وسيواجهون القائد في الدائرة والمنزل عبر الملصقات المفروضة وشاشة التلفزيون، ويسمعونه ويسمعون تمجيده عبر الإذاعة صباح مساء.

يطرق المؤلف تاريخ الحركة الفنية العراقية، التي بدأت بعيدة عن السياسة، وتمتلك قرارها، فرغم الرغبة في إضافة صورة الزعيم عبد الكريم قاسم إلى نصب الحرية لكن الفنان جواد سليم استطاع الرفض، ليكون نصب الحرية خالياً من الإشارات الشخصية، التي لو تحققت ما سلم من التدمير، وعكس النصب مسيرة حضارة وعطاء أرض.

وأن طوال الفترة الملكية لم تحل ببغداد غير ثلاثة نصب تذكارية هي: نصب الملك فيصل بعد وفاته يمتطي حصاناً عربياً، وتمثال مود عند بوابة السفارة البريطانية، وتمثال عبد المحسن السعدون، والأخير لم يظهر راكباً الحصان مثل فيصل ومود، وربما كان هذا سبباً في عدم تحطيمه، لأنه لم يظهر فارساً مواجهاً إرادة الثائرين!

ما العمل مع النصب؟

يرى كنعان مكية أن يحتفظ بنصب السيفيين بعد سقوط النظام، فهو وإن كانت غايته تمجيد العنف والقوة إلا أنه سيتولد عند العراقيين إنطباع أنهم سيواجهون أنفسهم ويراجعون بجدية ما حل بهم من كوارث رمزها هذا النصب.

قال المؤلف: "هذا النصب لا بد من مواجهته يوماً وليس إزالته، فنير الاستعمار قد زال، وكذلك عرش الملك المفرط في التسامح مع أبناء الأقليات، فالعراقيون الآن لا يواجهون غير أنفسهم. والمسؤولية عنه سواء كانت فردية أم جماعية، هي قضية تثير كل إشكالات ما حدث في العراق تحت حكم البعث".

لكن السؤال يطرح نفسه: كيف يمكن لهذا النصب أن يصبح رمزاً لبغداد وهو مكرس لفكرة العنف؟ وهل يتحمل العراقيون المسؤولية الجماعية عن تفاهة وسوقية مثل هذا العمل الفني، ثم يعقبها الشعور بالكآبة عند مواجهة هذه الحقيقة، أم أن صدام حسين يتحمل وحده المسؤولية؟

لكن في كل الأحوال لا بد من التذكر عبر هذا النصب أنها فترة مؤلمة من تاريخ العراق لا يتحمل العراقيون تكرارها، وأن على الفنان تقع مسؤولية التورط بمثل هذا العمل.

مسؤولية الفنان والمواطن

فصدام حسين ورط الفنان والمواطن على السواء في لعبة العظمة وأكاذيبها، فالهيمنة وصلت ذروتها بقول صدام حسين الموجه إلى موظفي التربية والتعليم:

"عليكم بتطويق الكبار عن طريق أبنائهم، بالإضافة إلى الروافد والوسائل الأخرى. علموا الطالب والتلميذ أن يعترض على والديه، إذا يسمعهما يتحدثان في أسرار الدولة. عليكم أن تضعوا في كل زاوية ابناً للثورة، وعيناً أمينة وعقلاً سديداً يتسم تعليماته من مراكز الثورة المسؤولة. إن الطفل في جانب من علاقته مع المعلم، كقطعة المرمر البكر في يد النحات، حيث يملك القدرة على إعطائها الشكل الجميل المطلوب، دون أن يتركها للزمن، وتقلبات عوامل الطبيعة".

بدأ العمل بنصب النصر قبل تحقيق أي نصر، وهي مفارقة أخرى أن يجسد العمل الفني قضية، مجرد تدور في رأس القائد لم تتحقق، أو كذبة مفادها النصر دائماً. وما ينطبق على نصب النصر ينطبق على نصب الشهيد ذي القبتين المفتوحتين لأرواح الشهداء إلى السماء، الذي صممه الفنان إسماعيل فتاح الترك، ونصب الجندي المجهول الهائل بجبروته العسكري، وصممه الفنان خالد الرحال.

أثار الكتاب عبر تفاصيل دقيقة قصة خمسة وثلاثين سنةً لا نجد أفضل شهادة عليها من النصب التذكارية، التي تحمل في أحجارها ومعادنها أوجاع ضحاياها.

بقلم رشيد الخيون

حقوق الطبع قنطرة 2004

صدرت الطبعة الإنكليزية الأولى للكتاب عام 1991، وصدرت الترجمة العربية عن دار الساقي في لندن وبيروت.

ليست هناك تعليقات