728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 15 يناير 2019

    في ذكرى ويستن هيو أودن


     | حنة أرندت 
    | ترجمة: شادي خرماشو


    التقيت بأودن عندما كان قد بلغ من الكبر عتياً وكنت أنا في سن يصبح من الصعب فيه التوصل إلى تلك الحميمية السهلة التي تصبغ علاقات الصداقة التي تتكون في عمر الشباب، حيث لا يعود قد بقي في العمر بقية تُذكر، أو تُنتظر، لتشاركها مع غيرك. وهكذا كنا صديقين تربطهما علاقة قوية لكننا لم نكن صديقين حميمين. علاوة على ذلك كان هناك شيء من التحفظ في شخصيته لا يشجع على تلك الألفة، وهذا لا يعني مطلقًا أنني حاولت اختبار ذلك، بل احترمت عن طيب خاطر هذا التحفظ واعتبرته نوعاً من التكتم الملازم لشاعر عظيم... شاعر لقّن نفسه في وقت مبكر من عمره ألا يتحدث كثيراً بلغة نثرية، أو بتساهل أو عشوائية عن تلك الأشياء التي يعرف تمام المعرفة كيف يقولها بأريحية أكبر عبر التكثيف الموجز الذي يوفره له الشعر. قد يشي التحفظ بعيب مهني يعاني منه الشاعر. وفي حالة أودن، يبدو هذا أكثر ترجيحاً لأن ما يميز الجزء الأكبر من شعره أنه ينبع، وبأسلوب مطلق البساطة، من الكلام المحكي، وينشأ من العبارات التي نلوكها في حياتنا اليومية، مثل: "ضعي رأسك الناعس يا حبي كإنسان يستلقي على ذراعي الخائن." هذا النوع من الكمال بالغ الندرة، ولا نراه إلا في بعض من أعظم القصائد التي خطها غوته، ولا بد أن يكون الكمال نفسه قد وُجد في أعمال بوشكين، لأن السمة التي تصبغ أعمال هذين الأخيرين هي أنها غير قابلة للترجمة*!

    منذ اللحظة التي يتم فيها حرف قصائد من هذا النوع عن مسارها وإخراجها من مقامها الأصلي، تختفي في سحابة من الابتذال والسخافة. هنا يعتمد الأمر كله على "الإيماءات الفصيحة" لـ"الارتقاء بالوقائع اليومية من الركاكة إلى الشاعرية" وهذه نقطة شدد عليها الناقد كليف جيمس في مقالته عن أودن في مجلة "كومينتاري" في ديسمبر 1973. عندما يتم التوصل إلى هذا المستوى من الفصاحة، ننساق بقوة سحرية إلى الاقتناع بأن كمّاً كبيراً من الشاعرية يكمن في أحاديثنا اليومية، وبتلقين من الشعراء تُفتح آذاننا لتستوعب ألغاز اللغة على حقيقتها. تعذُّر الترجمة هذا بحد ذاته في إحدى قصائد أودن هو ما أقنعني، منذ عدة سنوات، بعظمته كشاعر. ثلاثة مترجمين ألمان جرّبوا حظهم في ترجمة أعماله ليغتالوا بذلك، وبلا رحمة، إحدى أحب القصائد على قلبي، التي تحمل عنوان If I Could Tell you " لو كان بإمكاني أن أخبرك لقلت لك"، وذلك في العمل المعنوّن"مجموعة قصائد قصيرة 1927-1957"، والتي وُلدت من عبارتين متداوَلتين هما "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً" و "قلت لك":



    Time will say nothing but I told you so.
    Time only knows the price we have to pay;
    If I could tell you I would let you know.
    لن يقول لك الزمن شيئاً سوى "قلت لك"

    لا يعرف الزمن إلا الثمن الذي عليك أن تدفعه

    لو كان بإمكاني أن أخبرك لقلت  لك.



    If we should weep when clowns put on their show,
    If we should stumble when musicians play,
    Time will say nothing but I told you so. . . .
    أعليك أن تبكي عندما يهرج المهرجون؟

    أعليك أن تتخبّط عندما يعزف العازفون؟

    لن يقول لك الزمان شيئاً سوى " قلت لك"...  





    The winds must come from somewhere when they blow,
    There must be reasons why the leaves decay;
    Time will say nothing but I told you so. . . .
    أيجب أن تبلغك الرياح إذا هبّت من مكان ما؟

    أيجب أن يكون هناك سبب لذبول الأوراق؟

    لن يقول لك الزمان شيئاً سوى "قلت لك"...





    Suppose the lions all get up and go,
    And all the brooks and soldiers run away;
    Will Time say nothing but I told you so?
    If I could tell you I would let you know.
    تصوّر أن تنهض الأسود كلها وترحل

    وأن تهرب كل الأنهار ويفر كل الجنود

    هل سيقول الزمن حينها شيئاً سوى "قلت لك؟"

    لو كان بإمكاني أن أخبرك لقلت لك.



    التقيت بأودن في خريف العام 1958، ولكنني كنت قد صادفته من قبل. حدث ذلك في آواخر الأربعينيات في حفل أقامه أحد الناشرين. لم نتبادل كلمة واحدة حينها، إلا أنه بقي ماثلاً في ذاكرتي لم يفارقها. كنت أتذكره كسيد إنجليزي محترم بمعنى الكلمة... أنيق المظهر، بهي الطلعة، ودود يتحدث ويتصرف بكل راحة. لم أتمكن من التعرف عليه بعد ذلك بعشر سنوات... كان وجهه محفوراً بتلك التجاعيد الغائرة التي اشتهر بها، وكأن الحياة نفسها قد نقشت على وجهه وجهاً آخر لتُظهر من خلاله ما خفي من "انفجارات القلب اللامرئية". ولو كان قد حالفك الحظ واستمعت إليه يتحدث يوماً لعلمت ألا شيء يمكن أن يكون أكثر تضليلاً من مظهره هذا. مراراً وتكراراً، عندما لم يعد قادراً على مجاراة الزمن، أو تحمله في كل تجلياته، وعندما أصبحت شقته البائسة باردةً لدرجة لم تعد معها المواسير صالحة للعمل، وكان عليه أن يذهب إلى متجر الكحول على الناصية إذا ما احتاج إلى استخدام دورة المياه، وعندما أصبحت بزّته مغطاة عن آخرها بلطخات متعددة، وباتت مهترئة ومتهتكة لدرجة ان سرواله كان ينشق من عاليه إلى سافله على حين غرة (لم يستطع أحد أن يقنعه بأن الإنسان يحتاج إلى بدلتين على الأقل ليتمكن من ارتداء واحدة عندما يغسل الأخرى، أو زوجين من الأحذية كي لا يبقى حافياً في حال احتاج إلى أن يضع أحدهما عند الإسكافي: كان هذا موضوع جدالات لا تنتهي بيننا على مر السنين التي جمعتنا)  – باختصار، عندما وصل إلى هذا الدرك، وهو في قمّة بؤسه، كان كلما حلت به مصيبة جديدة أمام عينيك، يرتل على مسامعك إحدى العبارات التي تحمل معنى "احمد الله على نعِمه". بما أنه ما كان ليتلفظ بأي هراء أو يقول شيئاً سخيفاً حتى في الظاهر- وبما أنني كنت حينها لا أزال مدركة أن هذا الصوت يصدر عن شاعر عظيم لا يُشق لقلمه غبار – استغرقني الأمر سنوات طوالاً قبل أن أدرك أنه في حالة أودن لم يكن المظهر هو مصدر الخداع، وأنه كان خطأً لا يُغتفر أن أعزو ما رأيته من طريقة عيشه إلى غرابة الأطوار التي يتميز بها أي سيد إنجليزي نمطي.

    وفي النهاية رأيت بؤسه، وأدركت إلى حد ما حاجته الملحة إلى الاختباء وراء دعاء "احمد الله على نعِمه"، وبالرغم من ذلك كان من الصعب علي أن أفهم تماماً لماذا كان بائساً إلى هذا الحد، وما الذي يجعله غير قادر على فعل أي شيء حيال تلك الظروف السخيفة التي جعلت تفاصيل الحياة اليومية لا تُحتمل بالنسبة إليه. من المؤكد أن ذلك لم يكن نتيجة نقص في تقدير الناس له. كان مشهوراً إلى حد ما، وطموح كهذا ما كان ليعني له الكثير، خاصة أنه كان أقل الكتّاب الذين عرفتهم غروراً – كان منيعاً تماماً ضد نقاط الضعف التي لا حصر لها والمتأتية عن الغطرسة المبتذلة. هذا لا يعني أنه كان متواضعاً، في حالته كانت الثقة بالنفس درعاً يحميه من أفخاخ التملّق، وهذه الثقة بالنفس وُجدت قبل الإدراك والشهرة، بل قبل منجزه الأدبي نفسه. ينقل إلينا جيفري جريجسون في ملحق صحيفة التايمز الأدبي هذا الحوار الذي دار بين أودن الشاب ومدرّسه في أكسفورد."المدرّس: وماذا ستفعل يا سيد أودن بعد أن تترك الجامعة؟ أودن: سأصبح شاعراً. المدرّس: في هذه الحالة ستجد من المفيد جدّاً أنّك قرأت ما قرأت من الكتب الإنجليزية. أودن: لم تفهمني جيداً. أنا سأصبح شاعراً عظيماً..." لم يفارق هذا الدافع نفسه، إذ أنه لم يسكنه نتيجة مقارنة نفسه بالآخرين، أو من خلال الفوز في سباق والتفوق في منافسة، كان دافعاً فطرياً أصيلاً متداخلاً، ولكن ليس متطابقاً، مع قدرته الهائلة على الإمساك بناصية اللغة وتطويعها وصنع بها ما يريد وبالسرعة اللازمة. (عندما كان أصدقاؤه يطلبون منه أن يجترح قصيدة بمناسبة عيد ميلاد أحدهم لتكون جاهزة عند السادسة من مساء اليوم التالي، كانوا على يقين بأنهم سيحصلون عليها... قدرة لا يمكن لأحد امتلاكها لو كان يعاني من أي نقص في الثقة بالنفس.)  حتى الكمال المطلق كان شيئاً لم يلقِ له بالاً، أو يدعيه، أو حتى يطمح إليه. كان يعدّل في أشعاره بصورة دائمة متسقاً في ذلك مع بول فاليري القائل: "ما من قصيدة تكتمل، بل تُهجر عند نقطة معينة." بتعبير آخر، كان مباركاً بتلك الثقة النادرة في النفس وبعدم الحاجة إلى تلقي الإعجاب وتسوّل الآراء الإيجابية من الآخرين، بل أنه علاوة على ذلك كان قادراً على تحمّل انتقاد الذات والاستبطان من دون أن يسقط في فخ عدم الثقة بالنفس. ليس لهذه الصفة أي علاقة بالغرور لكن من السهل الخلط بينهما. لم يكن أودن مغروراً أبداً إلا في تلك الحالات التي يُثير بها أحد حفيظته  بشيء من الفظاظة... حينها فقط كان يبادر إلى حماية نفسه متسلحاً بصورة خاطفة بأشد صفات المثقف الإنجليزي النمطي وقاحة وفظاظة.

    ستيفن سبيندر، صديقه الذي يعرفه حق المعرفة، يؤكد على أنه "طوال مسيرة تطور شعر أودن... كان الحب هو موضوع قصائده الثابث" (ألم يخطر له أن يغير نظرية ديكارات الشهيرة، أنا أفكر إذاً أنا موجود" التي عرّفت الإنسان على أنه "تلك الفقاعة المحيطة بالدماغ" ليقول بدلاً من ذلك "أنا محبوب إذاً أنا موجود؟")، وفي نهاية الخطاب الذي ألقاه سبيندر في ذكرى صديقه الراحل في كاتدرائية أكسفورد تحدث عن تلك المناسبة التي طُلب فيها منه أن يلقي بعضاً من شعره في إحدى الندوات الشعرية في أمريكا، قال: "أضاءت وجهه ابتسامة غيّرت معالمه تماماً، وقال، لم يعجبوا بي وحسب، لقد أحبوني..." هنا، أعتقد، يكمن سر تعاسته الاستثنائية وكثافة شعره وعظمته . الآن، وبالحكمة المصاحبة لعملية التذكر الحزين، أراه خبيراً مجرّباً تمرّس في مختلف أنماط الحب من طرف واحد، ولا بد أن تلوح من ضمنها بصورة واضحة تلك الاستعاضة المثيرة للغضب عن الإعجاب بالحب.  وتحت هذه المشاعر لا بد أن تكون قد وُجدت منذ البداية مسحة حزن بهيمية معينة لا يمكن لأيّ إيمان أو منطق أن يتغلّب عليها:





    he desires of the heart are as crooked as corkscrews,




    Not to be born is the best for man;
    The second-best is a formal order,
    The dance’s pattern; dance while you can.
    يرغب في أن يكون القلب ملتوياً متلوياً كلولب 

    عندما لا يولد في أفضل حال

    عليه بأفضل الموجود: النظام الرسمي.  

    القاعدة في الرقص: أرقص ما استطعت.

    هكذا كتب في "صدى الموت" الواردة في "مجموعة قصائد قصيرة". عرفته في وقت ما عاد يأتي فيه على ذكر الأفضل على الإطلاق، كان يحاول بحزم ودأب الحصول على "أفضل الموجود"، ذلك "النظام الرسمي"، أما النتيجة فكانت، كما أسماها تشيستر كالمان ببراعة، "الطفل الأكثر انعتاقاً بين كل الملتزمين بالضوابط." أعتقد أن مسحة الحزن تلك وعقيدة "ارقص ما استطعت" التي اعتنقها أودن هما ما جعله مفتوناً ويشعر إلى حد ما كأنّه في بيته خلال الأشهر التي عاشها في برلين عشرينيات القرن الماضي حيث مورِس مبدأ "انتهز كل فرصة" على نطاق واسع وبمختلف الأشكال والأنماط. أشار ذات مرة إلى "إدمانه على الأعراف والممارسات الألمانية" في شبابه كـ"مرض"، لكن الإدمان الأهم من ذلك، والذي كان الشفاء منه أكثر صعوبة، هو التأثر الواضح ببيرتولت بريشت، والذي أعتقد أنه كان يشبهه في نواحٍ كثيرة إلى درجة لم يكن مستعداً أبداً للاعتراف بها. (في أواخر الخمسينيات، وبالتعاون مع تشستر كولمان، قام بترجمة مسرحية بريشت "نشوء وسقوط مدينة ماهاجوني" – ولم تبصر هذه الترجمة النور أبداً وبقيت حبيسة صفحاتها لم تُنشر، أغلب الظن بسبب تعقيدات متعلقة بحقوق النشر. ما رأيت، حتى يومي هذا، أي معالجة متقنة لبريشت بالإنجليزية كما أبدع أودن في ترجمته الموؤدة تلك.)  في التعابير الأدبية وحدها ما يكفي كي يلمس المرء بوضوح تأثير بريشت في قصائد أودن. نرى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في واحدة من روائعه الأخيرة، "قصيدة عن بارنابي، وهي حكاية بهلوان بعد أن تقدم به العمر وأصبح متديناً "مجّد السيدة العذراء" بأداء ألعاب بهلوانية لها. أو في أولى أعماله:

    “little story / About Miss Edith Gee; / She lived in Clevedon Terrace / At Number 83.” 

    "قصة قصيرة

    عن آنسة تُدعى إيديث جي،

    عاشت في كليفدون تيراس،

    في البيت رقم 83."



    ما جعل هذا التأثّر ممكناً كان حقيقة أن كليهما ينتميان إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الأولى الذي تميز بذلك المزيج الغريب من اليأس وفرحة العي، واحتقار آداب السلوك التقليدية،  والولع بتقليعة "تصرف ببرود"، والتي تجلت في إنجلترا، كما أظن، بارتداء قناع الغرور والأنفة، بينما تجلت في ألمانيا في الانتشار الواسع لمظاهر ادعاء الشر، وهو ما نلمسه إلى حد ما في أجواء أوبرا البنسات الثلاثة" لبريشت. (في برلين كان يطلق أحدهم مزحة عن هذا النفاق العصري المقلوب، بالطريقة نفسها التي يمزح بها حول أي شيء آخر، فيقول: “Er geht böse über den Kurfürstendamm” أي ما معناه: "ربما يكون هذا كل الشر القادر على الإتيان به." لا أعتقد أن أحداً بات يطلق المزحات عن الشر أبداً بعد 1933).

    في حالة أودن، كما هو الحال بالنسبة لبريشت، سُخّر النفاق المقلوب لإخفاء الميل الجارف إلى فعل الخير وكون من يرتكبه ذا طبيعة خيّرة – أمران كان الاعتراف بهما يدعو إلى الخجل، فما بالك بالإعلان عنهما. يبدو هذا منطقياً في حالة أودن لأنه أصبح في النهاية مسيحياً، لكن قد يشكل صدمة في البداية في حالة بريشت. إلا أنني عندما قرأت أشعاره ومسرحياته بتمعن رأيت فيها ما يبدو وكأنه إثبات على ذلك. وهذا جانب لم أره فقط في مسرحيات مثل (شخص طيب من سيشوان) و(القديس جون من المسلخ)، لكن، وربما بصورة أكثر إقناعاً، نراه في هذه الأبيات الواردة في منتصف ذلك المقطع الساخر من "أوبرا البنسات الثلاثة":  



    Ein guter Mensch sein! Ja, wer wär’s nicht gern?
    Sein Gut den Armen geben, warum nicht?
    Wenn alle gut sind, ist Sein Reich nicht fern.
    Wer sässe nicht sehr gern in Seinem Licht?
    كن شخصاً خيّراً! نعم، من ذا الذي لا يحب ذلك؟

    ساعد الفقراء، ما المانع؟

    عندما يعم الخير لا تكون مملكته بعيدة.

    من ذا الذي لا يحب أن يحيا في نوره؟



    الذي قاد هؤلاء الشعراء البعيدين كل البعد عن السياسة إلى التورط في هذا المشهد السياسي الفوضوي الذي شهده عصرنا. كان "الحماس الرحيم" الذي أشار إليه روبسبيير، والمتجسد في الدافع القوي لمساعدة "البؤساء" الذي يتمايز بصورة واضحة عن أي حاجة للعمل من أجل "سعادة" الجميع، أو أي رغبة في تغيير العالم. أودن، الأكثر حكمة، ولكن ليس الأكثر ذكاءً، من بريشت، علِم في وقت مبكر جداً أن "الشعر لا يؤدي إلى حدوث شيء." بالنسبة إليه، كان هراءً أن يدعي الشاعر امتيازات، أو أن يُطالب بمزايا خاصّة تُسعده مشاركتها مع الآخرين تعبيرًا عن امتنانه لهم. ما من شيء يثير الإعجاب في أودن أكثر من عقلانيته المطلقة وإيمانه الراسخ بالاتزان... في رأيه كل أنماط الجنون شكل من أشكال عدم الانضباط.  "بذيء، بذيء..." كما اعتاد أن يقول. الأمر الأساسي بالنسبة إليه كان عدم التمسك بأي أوأهام وعدم تقبّل أي أفكار – الأنظمة النظرية مرفوضة – فهي ستعمي عينيك عن رؤية الواقع. كان قد انقلب على الأفكار والمعتقدات اليسارية التي اعتنقها في شبابه، لأن الأحداث (محاكمات موسكو، واتفاقية هتلر-ستالين، والتجارب خلال الحرب الأهلية الإسبانية) أثبتت له أن الأفكار اليسارية "مخادعة... بصورة مخزية"، لذا، وكما قال في تصديره لـ"مجموعة قصائد قصيرة"، راوياً كيف أنه أنكر ما كتبه ذات مرة:





    History to the defeated
    may say alas but cannot help nor pardon.
    قد يقول التاريخ للمهزومين

    وا أسفاه، لكنه لا يعينهم ولا يتأسف لهم.

    بقوله هذا، لاحَظ أنه "يساوي بين الخير والنجاح." وقد اعترض على ذلك متذرعاً بأنه ما آمن يوماً بـ"هذه العقيدة الآثمة" – تصريح أشك في مصداقيته، ليس فقط لأن الأبيات غاية في الروعة والدقة ليكون قد خطّها فقط في سبيل "الجمالية والبلاغة" بل لأنها العقيدة التي آمن بها الجميع في العشرينيات والثلاثينيات. ثم أتى ذلك الوقت عندما:



    In the nightmare of the dark
    All the dogs of Europe bark . . .


    Intellectual disgrace
    Stares from every human face—


    في كابوس الظلام

    تعوي كل كلاب أوروبا...

    عار فكري

    يحدق فينا من كل وجه بشري

    ذلك الوقت الذي بدا فيه وكأن الأسوأ على وشك أن يقع والشر الصرف قد يصبح قصة نجاح. شكّلت  معاهدة هتلر – ستالين نقطة تحول بالنسبة إلى اليسار... توجب على المرء حينها أن يتخلّى عن كل معتقداته ويسلمها للتاريخ منصّباً إياه حكَماً فاصلاً في القضايا الإنسانية. كثيرون انقلبوا على معتقداتهم القديمة في الأربعينيات، لكن قلة قليلة فقط أدركت الأخطاء التي شابت تلك المعتقدات. لكي يتحاشوا التخلي عن معتقداتهم للتاريخ ومقاييس النجاح، قاموا ببساطة بتبديل القطار، ذلك أن قطار الشيوعية والاشتراكية كان يسير على الدرب الغلط، فترجلّوا منه واستقلوا قطار الرأسمالية أو الفرويدية أو الماركسية المشذَّبة، أو خليط معقّد من الثلاث معاً.

    أما أودن فقد أصبح مسيحياً ليغادر بذلك قطار التاريخ بكل ما فيه مرة واحدة وإلى الأبد. لا أدري إذا ما كان ستيفن سبيندر على صواب عندما أكّد أن "الصلاة استجابة لحاجة صميمية لديه" –أشك في أن حاجته الصميمية هي فقط أن يجترح القصائد ويكتب الأشعار، فأنا واثقة إلى حد ما بأن اتزانه وقدرته العظيمة على التمييز، اللذين أنارا كتاباته النثرية (مقالاته ومراجعات الكتب التي ألّفها)، قد جاءتا، وبقدر لا بأس به، نتيجة درع الحماية الذي منحته إياه الأرذوكسية وما فيها من استقامة متشدّدة. معناها الأزلي الشامل لا يمكن إثباته أو نفيه بذلك العقل الذي زوده، كما كان قد زود تشيستيرتون، بملجأ مُرضٍ فكرياً ومريح عاطفياً يقيه من انقضاض ما أسماه "الهراء"، والذي قصد به الحماقات التي لا تُعد ولا تُحصى في عصره.  



    بإعادة قراءة أشعار أودن بترتيب زمني وتذكره في السنوات الأخيرة من حياته حين تنامى البؤس والتعاسة إلى درجة لم تعد تُطاق من دون أدنى تدخّل يأتي عبر هبة إلهية أو براعة ميمونة تتأتى من الموهبة،أصبحت أكثر يقيناً من أي وقت مضى أنه قد "جُرِح في شعره" بصورة أكثر مضاضة حتى من ييتس القائل "أيرلندا الغاضبة تجرحك في شعرك"، وأن الظروف السياسية العامة، بالرغم من ميله إلى التعاطف والشفقة، لم تكن لتجرحه بالضرورة في شعره. ما جعل منه شاعراً كان براعته الاستثنائية في التعامل مع الكلمات وحبه الكبير لها، لكن ما جعل منه شاعراً عظيماً كان الرغبة الجارفة التي استسلم بها لـ"اللعنة" المتأتية من الضعف في وجه "الإخفاق الإنساني" على كل مستويات الوجود البشري –  الضعف في وجه انحراف الرغبات، الضعف في وجه خيانات القلب، الضعف في وجه ظلم العالم.



    Follow, poet, follow right
    To the bottom of the night,
    With your unconstraining voice
    Still persuade us to rejoice;
    اتبع، أيها الشاعر، اتبع الصح

    حتى تصل إلى قعر الليل

    بصوتك الطليق

    الذي ما زال يلاحقنا ليبهجنا 



    With the farming of a verse
    Make a vineyard of the curse,
    Sing of human unsuccess
    In a rapture of distress;
    كلما بنيت بيتاً من الشعر

    انصب كرمة لّلعنة

    غنِّ للإخفاق البشري

    في نشوة الألم





    In the deserts of the heart
    Let the healing fountain start,
    In the prison of his days
    Teach the free man how to praise.
    في صحارى القلب

    دع ينبوع الشفِاء يتدفق 

    وفي سجن أيامه

    علّم الإنسان الحرّ كيف يحمد.

    الحمد هي كلمة السر في هذه الأبيات، ليس الحمد على "أفضل ما يمكن" - وكأن أمر تبرير ما خلَقه الخالق بيد الشاعر "أو الفيلسوف" – بل الحمد الذي يمارس نفسه ضد كل ما هو غير مرضٍ للإنسان في وجوده على الأرض... الحمد الذي يمتص قوته من جرحه نفسه: المقنع إلى حد ما، كما كان حال شعراء الإغريق القدامى، هو أن الآلهة كانت تصب لعناتها وشرها على البشر ليصبح لديهم قصص يروونها وأغانٍ ينشدونها.



    I could (which you cannot)
    Find reasons fast enough
    To face the sky and roar
    In anger and despair
    At what is going on,
    استطعت (وهو ما لا تستطيعه أنت)

    أن أجد أسباباً وبالسرعة الكافية

    لأواجه السماء وأزمجر

    بغضب ويأس

    على ما يحدث،





    Demanding that it name


    Whoever is to blame:
    The sky would only wait
    Till all my breath was gone
    And then reiterate
    As if I wasn’t there
    That singular command
    I do not understand,
    مطالباً باسمه

    باسم المُلام أياً يكن:

    جل ما تفعله السماء هو انتظار

    أن تنقطع أنفاسي 

    لتردد بعدها

    وكأني غير موجود

    ذلك الحُكم الواحد الأحد

    الذي ما فهمته يوماً





    Bless what there is for being,


    Which has to be obeyed, for
    What else am I made for,
    Agreeing or disagreeing?
    مباركٌ الموجود لمجرد وجوده

    من يجب أن يُطاع

    وهل لغير ذلك خُلقت؟

    أعجبكَ هذا أم لم يعجبك!

    وانتصار هذا الشخص كان أن صوت الشاعر العظيم لم يُسكت أبداً ذلك الصوت الواطئ، إنما الحاد النقي، للحس السليم الذي غالباً ما يكون فقدانه هو الثمن الذي تدفعه مقابل الهبات الإلهية. لم يسمح أودن لنفسه بأن يفقد عقله – أي، بمعنى آخر، أن يفقد "الألم" في قلب "النشوة" التي تنبع منه:



    No metaphor, remember, can express
    A real historical unhappiness;
    Your tears have value if they make us gay;
    O Happy Grief! is all sad verse can say.
    لا مجاز، تذكّر، يمكن أن يعبّر

    عن حزن تاريخي متأصّل حقيقي.

    لدموعك قيمة فقط إذا أطربتنا...

    ما كُتِب شعرٌ حزينٌ لا يقول إلا: يا لحزني كم هو سعيد!

    يبدو، وهذا مؤكد، أن أودن الشاب، عندما قرر أنه سيصبح شاعراً عظيماً، لم يعرف ما هو الثمن الذي سيترتب عليه أن يدفعه، واحتمال كبير، كما أعتقد، أنه في النهاية – عندما تلاشت رويداً رويداً، لا كثافة مشاعره ولا هبّة تحويلها إلى حمد وشكر، بل القوة الجسدية الخالصة التي تخوّل القلب تحمّل تلك المشاعر ومكابدتها ومعايشتها – اعتبر أن هذا الثمن كان باهظاً جداً. نحن، على أي حال، جمهور قرائه ومن يستمع إليه، لا يسعنا إلا أن نكون ممتنين لأنه دفع الثمن المترتب عليه حتى آخر فلس ليمنح اللغة الإنجليزية ذلك المجد الأزلي. وقد يجد أصدقاؤه بعض العزاء في تلك المزحة الجميلة القائمة ما وراء موته – وذلك لأكثر من سبب، كما قال سبيندر " لا وعيه الذاتي الحكيم اختار يوماً مناسباً للموت." حكمة أن تعرف "متى تحيا ومتى تموت" لا تُمنح للبشر، لكن ويستن، قد يميل المرء إلى التفكير، ربما يكون قد حظي بها كمكافأة مجزية تمنحها آلهة الشعر  القاسية  لأكثر تابعيها سمعاً وطاعة.

    ----------------------------

    *يورد المترجم النص الانجليزي الأصلي ليشارك القارئ ما إذا كان أودن غير قابل للترجمة أم لا؟  وتحديداً إلى العربية طالما أنه فعل.




    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: في ذكرى ويستن هيو أودن Rating: 5 Reviewed By: alrumi.com
    Scroll to Top