محمد بنيس يترجم ميشيل دوغي




أصدرت مؤخراً دار توبقال للنشر بالدار البيضاء، منتخبات شعرية موسعة بترجمة محمد بنيس، تحمل عنوان كالحب، كالحياة للشاعر ميشيل دوغي (من مواليد 1930)، أحد أهم الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية. يشمل الكتاب قصائد ونصوصاً من إنتاج الشاعر وتجربته عبر مراحلها المختلفة، من خلال دواوين "شبه الجزيرة" (1962)، "أنهار بين شلالات" (1964)، "إشاعة" (1965)، "إعطاء ما يعطي" (1981)، "ممددون" (1985)، "إلى ما لا يطاق" (1995)، "لو لم يكن القلب" (2011)، ويختتم بقصيدة "نثر الكفن" (2015)، مرثية للشاعر عبد الوهاب المؤدب، كانت صدرت في كتاب ومترجمة إلى عشرين لغة. يقع الكتاب في 260 صفحة من الحجم الكبير، وقد خص المترجم المنتخبات بمقدمة مفصلة تعرف بالشاعر وبشعريته، التي تؤالف بين بناء القصيدة والتأمل الفلسفي.
و كمدخل لعوالم هذا الشاعر و قصيدته تقتسِمُ صفحة محمد بنيس في الفايسبوك، مع متتبعيها، هذه الفقرات من مقدمة كتاب : "كالحب ، كالحياة " معززة بنماذج أولى من منتخبات شعر ميشيل دوغي ، تلحقها نماذج أخرى ، تنشرها الصفحة ، على امتداد شهر يناير الجاري :

كالحب، كالحياة *
ميشيل دوغي في قصائد
محمد بنيس

1.
مثل بركان ينفجرُ من أعماق سحيقة، حاملاً آثاراً تتراصُّ فيها وتتوحّدُ طبقاتٌ من الثقافة الأروبية : شعراً، نثراً، فلسفة، منذ العهد اليوناني، متموّجةً بترانيم وتراتيلَ مسيحية (كاثوليكية رومية)، مع تمرداتٍ عليها تظهر في النصوص حيناً بعد حين. بهذا يمكن لي أن أوجزَ الصورةَ التي أرى من خلالها شعر ميشيل دوغي، أحد أهمّ الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية.

2.
ميشيل دوغي باريسي معاصر (حسب نظرية الشاعر المفتوحة إلى المعاصرة)، من مواليد عام 1930. ابن عائلة برجوازية، متديّنة، تحترم الطقوس والشعائر في البيت كما في الكنيسة. أما تعليمه فقد تلقاه في المدرسة العمومية، اللائكية. حرص في تكوينه الشعري والثقافي على التجذر في الثقافة الأروبية والتمسك بها. يُديم الرحيل، في كتاباته، بين أزمنة هذه الثقافة وأرْوقتها. وفي ظلالها تمتد أعماله وتتشعّب. فهو ينطلق من مبدإ استمرارية الماضي في الحاضر، لا من رفضه أو "محو آثاره"، كما يقول بريخت مثلاً. " لا نقاشَ في محو الآثار. يكتب ميشيل دوغي، ولستُ أنا الذي يخترعها : فالفترة الزمنية تلفّ، تُعيدُ تدْوير جميع البقايا. يجبُ تحويل كلِّ شيءٍ إلى آثار، وهو ما نعيشه في كل لحظة."
يعتبر ميشيل دوغي نفسه مُخْفقاً، تبعاً لما كتبه ستيفان ملارمي هو الآخر : " مُخْفقون، نحن كذلك جميعاً." فهو أخفق في مباراة الالتحاق بالمدرسة الوطنية للإدارة، فيما كان جميع رفقائه متأكداً من نجاحه. ويعطي هذا الإخفاق بُعداً وجودياً. كما أنه لم يكن، على مستوى الالتزام السياسي، مثقفاً منخرطاً في قضايا زمنه، مثل حرب الجزائر، أو منتمياً إلى الحزب الشيوعي، على غرار عامة المثقفين الفرنسيين، منذ العشرينيات حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. كان إلى حد ما سارترياً، وقريباً من فلسفة مارلو بونتي. ثم كان بين 1953 و1954 يميل، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، إلى مانديس فرانس "الدوغولي اليساري". لكنه شارك في مظاهرات 1968، وعندما طُلب منه أن يلتحق بجامعة فانسين، معقل الحركات اليسارية، وافق على التدريس فيها، رغم أنه لم يكن من المنتسبين إلى حركة 68. على أنه، كما يصف نفسه، لم يكن رجعياً على الإطلاق.

3.
إذنْ، هو شاعر خارج التصنيف اليساري لزمنه. نشر ديوانه الأول ثقوبُ رمْي السهام سنة 1959، وفي السنة الموالية توفّق في نشر ديوانه الثاني في دار غاليمار، أعرق دور النشر الفرنسية. ثم أصبح أحد أعضاء لجنة القراءة فيها، حتى جاءت لحظة طرده من اللجنة والقطيعة معها، كما تناول الموضوع في كتاب اللجنة، الصادر عن دار شان فالون، سنة 1988. هي قطيعة في سياق حياة مشحُونة بالصراعات الثقافية. لا ينتهي صراع حتى يتأجج صراعٌ جديد. حياة ذاق خلالها مرارة أساليب الحقد وخيانات الأصدقاء، مثلما ذاق مرارة الإخفاق. إخفاق بعد إخفاق. ولا يتراجع الشاعر عن تحمّل مسؤولية ما يقع له قائلاً : " لا آخذ مكانَ ولا وضعيةَ متابَع أمام القضاء، يدافع عن نفسه باعترافات؛ ولا مكانَ المحامي، أو الشاهد. بل مكان القاضي؛ الحكيم، العارف بخبايا الأمور." لكن الإخفاقات تخلق في أعماقه قوة متجددة، ومن حفرته ينتفض، يمشي، يواصل المشْي، في الشعر، في الكتابة، في الصراع وفي الحياة.

4.
لميشيل دوغى سلسلةٌ من دواوين ودراسات عن الشعرية، تجمع بين الشعر والفكر الفلسفي. ولديه أيضاً كتاباتٌ تؤكد على "الشغف بالتفكير" في الحياة والثقافة على السواء؛ وترجمات من الألمانية أولاً، ثم من الإنجليزية (الأمريكية). نشر ما يقرب من خمسين كتاباً. وهي، في تنوعها واتساع حقولها بين الشعر والنثر والفكر والترجمة، تتمنّعُ على الاختزال. 
أعمال تمتد رؤوسها نحو اتجاهات مختلفة. لا فرق بين قارئ مختص، دارس، وقارئ مُحب للشعر. فهي تعود بدون توقف إلى طرح العلاقة بين الشعر والفلسفة، أو بين بين الشعر والفنون المختلفة، أو بين الشعر والبيئة، أو بين الشعر والحياة. أعمال تعْبر الحداثة. والعُبور يتم من خلال "الشغف بالتفكير"، الذي يتجسّد في النص المفرد، مثلما يتجسّد في الكتاب، في النصوص المتعددة الأشكال، مجتمعة في كتاب واحد، كما هو الأمر، مثلاً، في الكتابين قبر دوبيللي و الحياة المباغتة. في الكتاب الواحد تلتقي القصائد والتأملات والتنظيرات. تتوالى أو تتقاطع. ما المانع؟ ليس هذا سؤال الشاعر المعاصر ولا سؤال الحداثة.
لا أعرف شاعراً فرنسياً، حديثاً أو قديماً، جمع بين الشعر والفلسفة على نحو ما جمعهما ميشيل دوغي. سقراط، أرسطو، باسكال، ديكارت، هيجل، نيتشه، هيدغر، حنا آرنت. أسماء فلاسفة تدور مع مختلف أصناف كتابات ميشيل دوغي دورتها الفلكية. تمضي لترجع، في عبارات، تعريفات، نظريات. هي نصفُ وجْه كتابته. وهناك، في المقابل، شعراءُ همْ في الوقت نفسه بمثابة آباء الشاعر وأصدقائه. هوميروس، لوكريس، دانتي، دوبيللي، شكسبير، هلدرلين، بودلير، رامبو، ملارمي، فاليري. فلاسفة وشعراء أروبيون جميعاً.

5.
شأن الشعراء، الواقفين على الحدود، واحدٌ، مهما كانت لغتهم وكان زمانهم، ما عدا المتصوفة الشعراء وشعراء الزن والبوذية. شأن هؤلاء الواقفين على الحدود هو نفسه شأن ميشيل دوغي، الذي دعا نقاداً فرنسيين إلى رفضه باعتباره شاعراً، وإلى رفض قصيدته باعتبارها شعراً. مع العمل ـ الأعمال، نحن أمام شاعر بأكثر من جناح. يكتب قصيدة ـ ديواناً تلو القصيدة ـ الديوان. لن أسقط في شرَك الجدل. ميشيل دوغي شاعر استثنائي، أو هو "شاعر قادم" حسب تعبيره، أو "الشاعر الذي أريد أن أكون"، كما يفضل أحياناً أن يقول.

عتَبــة
في المَساء عندما أدخلُ إلى غَابة نوْمي، ونظّاراتٌ من الظلّ فوقَ العيْنيْن المثْقلتيْنِ، مُنحّياً أشجاراً من الأضواءِ، عبْر مسالكَ مُعتمةٍ تُؤدّي إلى منْبع الدمُوعِ، تتقدّمني حُزْمةُ اللّيْل. ما يثْبتُ منَ النهار يتوجّهُ نحْو العيْنيْن الجامدتيْنِ.
ليلٌ كثيرُ الطَّرائدِ، أليْسَ هذا تقييداً ليدَيِ القصيدة ؟ وبودّي "لوْ أحبُّكِ" تُصبحُ "أُحبُّكِ"...
لكنْ عليْكَ بالأحْرَى أنْ تسْهرَ! لأن الأرضَ هي الطللُ الأكبرُ.
لا تُنقّبْ عن الأصْل الذي تحْتفظُ به، أوْ عن أثرٍ عظيمٍ يتحجّرُ فيه الغيابُ. يبوحُ الأملُ بأنّ بلداً ينتظرُكَ، فيه حبُّكَ للكتابةِ شهادةُ ميلادْ.

الرّيح
ريحٌ تهبُّ على القرْيةِ ! خشبُ البيوتِ يرْتجُّ، والماءُ المتجمّدُ فوق الزجاج يتفرْقعُ بفعلِ خُطواته القويةِ. كلُّ شيْءٍ قابلٌ لأنْ يكونَ مادّةَ خُرافةٍ، ويكونَ بالنسبة لي قليلاً منَ القصَائدِ. أمامَ العيْنيْن الجاحظتيْنِ يدور الشريطُ الوثائقي.
كيْفَ تكونُ في هذا العالم الجديدْ ؟
شجرةٌ ورأسٌ ودمٌ وريحٌ وثُقبٌ وتجاعيدُ ووشْوشاتٌ، والأذنُ تقْرعُ تحتَ ريح الدّم. رأساً لرأسٍ يضجّانِ، حفيفٌ، شجرتانِ تائهتانِ في لطخاتٍ منْ فراغٍ، مُسْتودعاتُ العظام الضّخْمةُ في المدَارات الألْفِ. عصْفُ الريح يحركُ شبَاك صُور الأشْجار فوق الصّخُور.
عصْفُ الريحِ... يوقدُ كلاماً...
هناك الريحُ !
ريحٌ تُغري الجذْرَ، وهي تكْتشفُ الفضاءَ من غيْر تبصُّرٍ !
ترفعُ الأذنيْنِ وهي تعْبُرُ
شجرةٌ تغرسُ في الترابِ ذهُولي وتمْضي هاجمةً على محْور اللّيْلْ

الخَائن
رياحٌ إقطاعيةٌ ضخمةٌ تُطاردُ الأرضَ
مُطاردةٌ خالصةٌ. تُميل الرياحُ القمحَ، تُغيّرُ مجْرَى الأنهارِ، تُطيّرُ التِّبنَ وتنزعُ ألواحَ الأرْدوازِ، رياحٌ سيِّدةٌ، ومجموعُ الناس ينْصبُ لها الفخاخَ من الحُور الرجْراجِ، يرفعُ أوتاداً من السّرْوِ، ويضعُ شبَاكاً من البامبُو في عرْض مسَالكها، ويعْترضُها بالنواعيرِ الهوائيّةِ.
الشاعرُ هو الخائنُ الذي يغذّي ريحَ الجنوبِ العاصفةَ ، يضبطُ إيقاعَها ويشدّها إلى قُدراتهِ الإبداعيةِ، يدلّها على مَسالك الأطرافِ والممرّاتِ الجبليّة.

شجرةُ التفّاح
انتظرتُ، كعاشق للحُقول يتواعدُ تحتَ شجَرةِ التفّاح الصَّلبةِ، وفي العشْب الذي يصْفرُّ ينتظرُ طيلةَ ما بعد الظُّهْر أسفلَ أطنانٍ من السُّحب. لا تأتي العشيقةُ.
ما هو تافهٌ، يمكن تطويقُه ـ حافةُ الأرْساغ الملتويةِ تضفرُ عيوناً بدوائرَ عديدةٍ، حلزونٌ منْ نعيقٍ يهْجمُ؛ حلَقةُ أصْواتٍ؛ ألَمي ألَمي، سمُوٌّ ينادي، وهْو يُلْقي على الأرْض هنا المنْهوكَ المتأوّهَ، لهذا النداءِ، عوليسُ ريفيٌّ (يصْطادُ الدجاجَ المرْعوبَ) ذو عيْنيْن لحِيمتيْن، وجهٌ مُعرّضٌ للريحِ، مغْشيٌّ عليْه ـ لا يتوقفُ عن "أين أنَا ؟"، ذاكرةُ هبَة الأشْياءِ الحذرةِ تتلمّسُ طريقهَا فوق طبقةٍ رقيقةٍ لجليدِ العالمِ.
تحتَ شجَرةِ تُفاحٍ فاتنةٍ، يتمدّدُ الشاعرُ لكن يثرثرُ بمُبالغةٍ تمنعُ كتابةَ قصيدةٍ (مع ذلك يتسلّق التيارُ العنيفُ أغصاناً خفيضةً، بحثاً عن عُشٍّ في مأْمن أخضرَ) هل قسْمتُنا ألاّ يخْطرَ على بالنَا بعدُ سوَى صراعَاتِ البشَرْ ؟

*.عنوان مختارات شعرية موسعة للشاعر ميشيل دوغي، ترجمها وقدم لها محمد بنيس. 
( يُتبع)

ليست هناك تعليقات