الصراع على الزعامة المارونيّة في لبنان (3/3)



حازم صاغية - كاتب لبناني  
۲۳ ديسمبر ۲۰۱۸
كان “النظام” الذي أقامه بشير الجميّل في مناطق سيطرته صارماً وإن لم يكن حديديّاً. ضبطُ الأمن بدا شاغله الأوّل، ما استدعى درجة من القمع لم يحدّ منها إلاّ التأييدُ الشعبيّ الذي أبداه خائفون من “الآخر”، المسلم والسوريّ والفلسطينيّ، ظنّاً منهم أنّ بشير هو الحامي. معارضوه خلدوا على مضض إلى السكينة، وكان منهم طامحون سياسيّون وعائلات أحسّت أنّ القطار فاتها. قليلون غادروا المنطقة، التي سبق أن فرغت إبّان حرب السنتين من اليساريّين الأرمن وسواهم من شيوعيّين ومن قوميّين سوريّين. مَن لم يغادرْ لزم المنزل واهتمّ بهوايات انقطع عنها، أو تعلّم هوايات جديدة.

ضبط الأمن و”توحيد البندقيّة المسيحيّة” امتحنتْهما بلدة الصفرا الساحليّة، عام 1980. هناك صُفّي مقاتلو “نمور الأحرار”. عشرات الجثث نقلتها الشاحنات قبل أن تطمرها في البحر الذي يسمّيه أهل الصفرا “نبع الحسّون”. لكنّ قائد “النمور” داني شمعون، نجل كميل، لم يُصفَّ، كُرمى لأبيه الذي كان ساحر المسيحيّين قبل عقدين فحسب. الأب عضّ على جرحه وبايع الكتائبيّ الصاعد قائلاً إنّه خلاف بين أخوة هم كلّهم أبناؤه. مسيحيّون كثيرون قالوا: ما حدث في الصفرا مكروه، لكنّ بشير هو الذي لا يُحمَد على مكروه سواه.

لقد أضاف استتبابُ الأمن رصيداً إلى رصيده، لا سيّما قياساً بالانفلات الذي كان يعيشه الشطر الغربيّ من العاصمة حيث عاثت الميليشيات اللبنانيّة والفلسطينيّة والأجهزة السوريّة فساداً.

مواجهة بشير الأخرى كانت في زحلة حيث امتدّت من أواخر 1980 حتّى صيف 1981. مقاومة الحصار السوريّ للمدينة البقاعيّة، غير البعيدة من سوريّا، رسمته قائداً أوّل لا يُنافَس للمسيحيّين اللبنانيّين.

بشير الجميل
الغزو والرئاسة

في 1982 أتى الغزو الإسرائيليّ ببشير رئيساً للجمهوريّة. النوّاب تعرّضوا لضغطين جدّيّين، واحد يطالبهم بأن يحضروا الجلسة، وآخر يريدهم أن يغيبوا عنها. يومذاك كان كامل الأسعد السياسيّ الأشجع بإطلاق: رفض الإذعان للرئيس السوريّ حافظ الأسد، معتبراً أنّ إحدى مهامّه، كرئيس للمجلس، منع الموقع الرئاسيّ من الشغور. يوم 23 آب (أغسطس)، حضر 62 نائباً وانتخبوا قائد “القوّات اللبنانيّة” رئيساً لجمهوريّة بدت على حافّة الانهيار العصبيّ.

كان في الإصرار على بشير الجميّل صلفٌ ومكابرة نافران. لقد استُبعد سياسيّون ينتمون إلى خطّه السياسيّ، أكبر سنّاً منه وأقلّ استفزازاً، ككميل شمعون ووالده بيار الجميّل. حتّى شقيقه أمين استُبعد، هو النائب الذي رطّبتْه الحياة البرلمانيّة ووضعَه الطموح في منافسة مع أخيه الأصغر.

“إلاّ بشير”…، هذه كانت صرخة الأكثريّة المسيحيّة الكبرى تُطلقها من حنجرة واحدة.

وبشير كان الرئيس غير المدنيّ الثاني في التاريخ اللبنانيّ الحديث، مع فارقين كبيرين ميّزاه عن الأوّل: ذاك أنّ فؤاد شهاب كان قائد جيش، وقد اختير لأنّه لم يقاتل. بشير قائد ميليشيا، اختير تحديداً لأنّه قاتَل. هذا كان من تقلّبات الأزمنة والأمزجة ومن مفاعيل انتشار السلاح التي جعلت المتطرّف أكثر تطرّفاً والمتعصّب أكثر تعصّباً والخائف أكثر خوفاً.

فوق ذلك، هناك إسرائيل التي رعت، باجتياحها العسكريّ، هذا التحوّل السياسيّ الكبير. أكثريّة المسيحيّين لم تر مُنكراً في هذا: لمَ لا؟ قبل ستّ سنوات دفعَنا الحصار والتهديد بأنّ “الطريق إلى فلسطين تمرّ من جونيه” إلى الاستنجاد بالحكم السوريّ، ومَن الذي قال إنّ مناحيم بيغن أبعد وأخطر من حافظ الأسد؟

 
الحجج هذه لم تكن كافية لتطبيع الانتخاب الرئاسيّ. بالنسبة إلى كثيرين، بقي الأمر كسراً غير مُتَخيَّل للمُحرّمات. ومع أنّ دمشق تاجرت بالحدث وراحت تعبّىء اللبنانيّين ضدّه، فهذا لا يلغي تعارضه مع التركيب اللبنانيّ ومع أهواء جماعاته المتباينة، ناهيك عن تنازع تواريخها الفرعيّة. إنّه يطيح فكرة التسوية التي لا يقوم لبنان، إذا قام، إلاّ عليها.

ما ضاعف الاستفزاز أنّ الكثير ممّا رشح عن الرئيس الجديد، في الكلام والسلوك، نمّ عن ميل فرانكويّ ودولة جبروتيّة مصحوبين بتبجّح مُتخَم بالظَفَر. هذا ما لا يمكن أن يطيقه تركيب لبنان، ولا يمكن إلاّ أن يخيف ديمقراطيّيه وتعدّديّيه. لقد خاطب بشير الشابُّ مُسنّين وأصحاب تجارب، وكذلك أصحاب سوابق، كما لو كانوا كلّهم تلامذة في صفّ ابتدائيّ. في وجوههم رفع سبّابته ووعدهم بأن يضمنهم ويقود خطاهم إلى المستقبل.

بيد أنّ بشير الذي مثّل نوعاً من القطع مع “الصيغة والميثاق” اللذين لم يكتم عداءه لهما، مثّل أيضاً نوعاً من الاستئناف: فهو سليل بيت سياسيّ دخل، منذ 1960 على الأقلّ، نادي التقليديّين، وعضوٌ في حزب يتباهى بدوره في الاستقلال وبالتعاون مع سياسيّين مسلمين كرياض الصلح، وهذا ناهيك عن توفيره “الغطاء المارونيّ” للتجربة الشهابيّة المكروهة مارونيّاً. صعود بشير في طائفته، إذاً، لم يشبه الصعود الموازي لنبيه برّي، مثلاً لا حصراً، في الطائفة الشيعيّة. في الحالة الأخيرة نحن أمام بُعد جيليّ يلازمه بُعد طبقيّ. هذا لا يَسري على الحالة الأولى. وإذا صحّ أنّ الحرب والميليشيا شقّتا للمناطق المسيحيّة الطَرَفيّة وللفئات الأدنى في الهرم الاجتماعيّ طريقاً إلى الشأن العامّ، ففي وسع بشير، “ابن البيت”، أن يضبط هذا الطموح ويمنع انفلاته.  

هكذا رأيناه، كرئيس مُنتخَب، يعتدل في أمرين قال سابقاً إنّه لن يعتدل فيهما: طالبَ الإسرائيليّين بمنحه فرصة أطول كي يوفّر إجماعاً لبنانيّاً حول معاهدةٍ كالتي عقدَها الرئيس السادات قبل أربعة أعوام. في الآن نفسه، شرع ينتقل تدريجاً من الرعاية الإسرائيليّة إلى الرعاية الأميركيّة، مثيراً استياء تلّ أبيب المتمسّكة بالضابط سعد حدّاد في ازدراء واضح لرئاسته. من جهة أخرى، راح يتحدّث عن المصالحة بين اللبنانيّين، و”بين شهدائهم”، ويمدّ الجسور مع زعامات ومراتب تقليديّة في سائر الطوائف.

في 14 أيلول (سبتمبر) اغتيل بشير بعبوة زرعها قوميّ سوريّ، ليس بعيداً من المخابرات السوريّة، في مقرّ حزب الكتائب بالأشرفيّة. 26 حزبيّاً قضوا معه. لكنْ قبل العبوة، تراءى لمَن هم أعرف وأوفر تجربة أنّ في المشروع العتيد خللاً قاتلاً: المسيحيّون صاروا، بنتيجة الحرب كما بفعل التحوّلات الديموغرافيّة، أصغر عدداً وأضعف من أن يُنهضوا مشروعاً مسيحيّاً جدّاً كالذي يرمز إليه الجميّل الشابّ.

بعد مصرعه، وسّعت الأحداث الداخليّة والإقليميّة التفاوت بين قدرة المسيحيّين، والموارنة خصوصاً، وبين رغباتهم: من حرب الجبل التي قصفت حضورهم في لبنان إلى المناخ المجنون الذي أطلقته الثورة الإيرانيّة.


انتُخب أمين الجميّل رئيساً للجمهوريّة يوم 22 أيلول 1982. المحامي، الذي حلّ في 1970 نائباً عن المتن في انتخابات فرعيّة أعقبت وفاة خاله موريس، ثمّ انتُخب للمقعد نفسه عام 1972، لم ينافسه أحد. شمعون فكّر بالترشّح في وجهه ثمّ تراجع. فأمين، ككتائبيّ وشقيق لبشير يُرضي المسيحيّين، وقد يستطيع إقناع الإسرائيليّين، مقابل ثمنٍ ما، بالانسحاب من لبنان. وهو كسياسيّ معتدل قياساً بأخيه، قد يلقى ترحيباً من المسلمين واستعداداً سوريّاً للانسحاب.

لكنْ ساذجاً كان هذا الحساب. الحساب الصائب كان يقول إنّ حافظ الأسد الذي أدمتْه وأهانتْه حرب 1982 وما أعقبها من انتخاب بشير، مصمّم على انتقام حقود. وفي أواخر 1982 وصل إلى سدّة السلطة السوفياتيّة يوري أندروبوف الذي بدا مستعدّاً لأن يعطيه ما يطلبه من أدوات القتل. حرب العراق وإيران كانت، من ناحية أخرى، قد شقّت طريقها إلى لبنان. فمن خلال مسلّحين، ما لبثوا أن صاروا “حزب الله”، جُعل البلد ملحقاً بتلك الحرب. لقد تولّى أتباع إيران اللبنانيّون تصديع بعض الأسس العميقة لوجود البلد السياسيّ. في الآن نفسه، كان معظم المساحة الوطنيّة محتلاًّ تتقاسمه سوريّا وإسرائيل وجيوب فلسطينيّة مسلّحة.

في 17 أيّار (مايو) 1983، وبعد 32 جولة تفاوض، وتدخّل مباشر من وزير الخارجيّة الأميركيّ جورج شولتس، أمكن التوصّل إلى اتّفاق مع إسرائيل أقرب إلى عدم اعتداء منه إلى سلام. تلّ أبيب زرعت لغماً في الاتّفاق، هو ربط تنفيذ انسحابها بالانسحاب السوريّ. دمشق، التي كانت بيروت تطلعها على كلّ خطوة يخطوها التفاوض وتنال موافقتها قبل التقدّم خطوة أخرى، فجّرت جميع الألغام المخبّأة وأضافت إليها ما تيسّر. هكذا، ما أن وُقّع الاتّفاق حتّى سمّاه الأسد ومريدوه “اتّفاق الإذعان” و”اتّفاق العار”. “إسقاط 17 أيّار” صار مثل “الوحدة والحرّيّة والاشتراكيّة” مع فارق واحد: إنّه وحده شعار للتنفيذ.

والجحيم فتح بوّاباته: فبالاعتماد على تناقضات الطوائف، وعلى أخطاء الجميّل الذي أُخذ عليه الاستعلاء والمحاباة والمحسوبيّة، واتّهمه خصومٌ بالفساد، وإن كان معظمهم فاسداً، اشتعلت الحروب ضدّ السلطة المركزيّة وووحدة الجيش، لا ضدّ الجميّل وحده: حرب الجبل في 1983 وحربا بيروت والضاحية في 1984. الجيش تشرذم. تهجير المسيحيّين تمدّد إلى شرق صيدا عام 1985. هناك، كما في الجبل قبلاً، سَوّغتْ جلافة الميليشيات المسيحيّة وعدوانيّتها حيال السكّان المسلمين إعمال العقاب الجماعيّ بكتل مسيحيّة وازنة.

الوعي التآمريّ استولى على مسيحيّين كادوا يؤمنون بأنّ الله نفسه ضالع في المؤامرة عليهم، خصوصاً وأنّ الضربتين الإيرانيّتين الموجعتين للقوّات الأميركيّة والفرنسيّة سبق أن أدّتا إلى انسحابهم من لبنان. الإسرائيليّون، في ضغطهم على الجميّل، تخلّوا عن علاقتهم الحصريّة بالمسيحيّين عاقدين صلة موازية بخصومهم الدروز.

في 5 آذار (مارس) 1984 ألغيت اتّفاقيّة 17 أيّار تمهيداً لانعقاد مؤتمر لوزان لـ “الحوار الوطنيّ”، بعدما سبقه في 1983 مؤتمر في جنيف. في لوزان، استسلم الجميّل للأسد لبنانيّاً، وإن لم يسلّمه المناطق الشرقيّة التي سوف يتصارعان لاحقاً عليها. خطفُ الأجانب في الضاحية الجنوبيّة وبيروت، وانهيار الليرة، ثمّ اندلاع حرب المخيّمات الموحى بها سوريّاً، كانت كلّها عناوين مختلفة لرسالة واحدة مدارها الاحتضار الوطنيّ.



العالم الصقليّ – الانقلابيّ

أنهى أمين الجميّل عهده الكئيب، عام 1988، بلقاءات متكرّرة مع الأسد، حاول من خلالها التوافق حول رئيس جمهوريّة للسنوات المقبلة. ريتشارد مورفي، نائب وزير الخارجيّة الأميركيّ للشرق الأوسط، شارك في هذه العمليّة التي انتهت إلى فشل محض. الجميّل كلّف قائد الجيش ميشال عون تشكيل حكومة تحلّ محلّ حكومة سليم الحصّ القائمة، لكنّ الحكومة العونيّة، التي ضمّت ستّة عسكريّين، ظلّت عرجاء بسبب امتناع مُسلميها الثلاثة عن المشاركة فيها. الجميّل تصرّف كأنّه غسل يديه بعدما أدّى قسطه إلى العلى، ثمّ هاجر هجرة طويلة إلى فرنسا وسويسرا والولايات المتّحدة. في هذه الغضون، في 1992 تحديداً، حلّ في المقعد المارونيّ عن دائرة بيروت الأولى، الذي ارتبط منذ 1960 باسم والده بيار، غسّان مطر. مطر سوريّ قوميّ ينتمي إلى الحزب الذي ينتمي إليه حبيب الشرتوني، قاتل بشير الجميّل. حين عاد أمين إلى لبنان في 2000، وجد أنّ سلطة الوصاية استكملت “سرقة” حزبه، وحزب أبيه، واضعةً على رأسه قيادة مطواعة لها.  

لكنّ عهد أمين الجميّل شهد تطوّراً آخر لم يكن قليل التداعيات. مع انحسار سلطته عن مناطق المسلمين، أبدتْ مناطق المسيحيّين برَمَها بهذه السلطة: من لا يستطيع أن يحكمـ”ـهم”، لماذا ندعه يحكمـ”ـنا”؟. القادة الشبّان الذين صعدوا مع بشير، ولم يستسيغوا أصلاً ما اعتبروه رخاوة في أخيه الأكبر، انقضّوا على قيادة “القوّات اللبنانيّة”. وفي عالم من المكائد والعنف، اجتمعت أفعال العائلات الصقَليّة وأفعال الضبّاط الإنقلابيّين. هكذا تمرّد القياديّان القوّاتيّان إيلي حبيقة وسمير جعجع على فؤاد أبي ناضر الذي مثّل خالَه أمين الجميّل على رأس “القوّات”، ثمّ انقلب حبيقة على جعجع ليوقّع، أواخر 1985، “الاتّفاق الثلاثيّ”، المرعيّ سوريّاً، مع نبيه برّي ووليد جنبلاط. ولأنّ هذا الاتّفاق لم يكتف باستثمار الانهيار المسيحيّ، بل حاول تكريسه ومأسَسته، انقلب جعجع على حبيقة وأخرجه من المناطق الشرقيّة، فحين حاول العودة صدّه جعجع و”جيش أمين الجميّل” معاً، وأسقطا “الاتّفاق الثلاثيّ”.

في هذه الغضون، رحل رموز جيل الآباء. في 1984 توفّي بيار الجميّل، وفي 1987 كميل شمعون. أمّا جيل الأبناء، مرموزاً إليه بحبيقة وجعجع، فنمّ عن تحوّلات طبقيّة ومناطقيّة تواكب التغيّر الجيليّ داخل الزعامة المارونيّة، تحوّلاتٍ لم يعد يضبطها ضابط بعد رحيل بشير. حبيقة المولود في 1956 ينتسب إلى طبقة وسطى دنيا لا تختلف إلاّ قليلاً عن المنبت الاجتماعيّ لسمير جعجع المولود في 1952. الأوّل تعود عائلته إلى بسكنتا في المتن، لكنّه تربّى في ضواحي بيروت الشرقيّة. الثاني من بشرّي في الشمال، عُرف عن شبابه الأوّل نفور من “الإقطاع” و”العائلات التقليديّة” بما فيها عائلة الجميّل نفسها.

حبيقة لم تعمّر “زعامته” طويلاً. سمعتُه لم تعمّر أيضاً. لقد أطلّ اسمه على الدنيا بوصفه منفّذ المذبحة التي نزلت بمخيّم صبرا وشاتيلا بُعيد مقتل بشير الجميّل. تلك المذبحة المهولة التي أشرف عليها أرييل شارون، زاد في دناءتها حصولها بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيّين لبنان. العنوان الثاني في سيرة حبيقة كان “الاتّفاق الثلاثيّ” الذي لجأ إلى زحلة بعد إسقاطه، والسلطة الفعليّة في زحلة للأمن السوريّ. في عهد الوصاية، بُعث نائباً عن المتن الجنوبيّ ووزيراً. لقد كان مقرّباً جدّاً من ذاك العهد ومُدلَّلاً بالتقديمات الممنوحة له كي يوطّد زعامةً شغلها من قبل إدوار حنين ونديم نعيم. في 2002 اغتيل بتفجير كثرت التكهّنات في صدد منفّذيه. بين حلفائه الجدد قلّةٌ ظلّت حتّى النهاية تمسّه بأطراف الأصابع.

سمير جعجع
سمير جعجع ارتبط الظهور الأوّل لاسمه بالمشاركة في جريمة إهدن عام 1978. على مدى عمله السياسيّ والعسكريّ اتُّهم بجرائم كثيرة، في عدادها مقتل رئيس الحكومة رشيد كرامي عام 1987. بعض هذه التّهم بُرّىء منها، بعضها لا يزال مُشكَلاً. في مطالع 1990، وبعد موافقته على “اتّفاق الطائف”، نشبت بين قوّاته وبين ميشال عون وجيشه “حرب الإلغاء”. حين عزف عن المشاركة في سلطة ما بعد الطائف سيق إلى السجن الذي بقي فيه حتّى 2005.

جعجع حوّل “القوّات” إلى حزب سياسيّ، كما لو كان يقطع مع ماضيه المليشياويّ. ومع قيام 14 آذار، بعد اغتيال رفيق الحريري، بدا أنّه أكثر السياسيّين اللبنانيّين قابليّة للتغيّر. كان الأكثر آذاريّةً والأشدّ جذريّةً في التزامه بالسلم الأهليّ وفي رفضه المساومة مع “حزب الله” وفكرة الدولة الموازية. مارونيّته صارت أقلّ قليلاً ولبنانيّته أكثر قليلاً. صوفيّته، أكانت حقيقيّة أم مفتعلة، تراجعت. مواقفه السياسيّة وتعبيره عنها باتت تتّسم بعقلانيّة أعلى. موقعه الأهليّ في بشرّي يعطيه قاعدة انطلاق صلبة.

حينما نشبت الثورة السوريّة اندفع في تأييدها بلا تحفّظ، وحين تحوّلت مسألة السوريّين في لبنان موضوعاً للمزايدات العنصريّة السخيّة مال إلى الاقتصاد في التعبير.

إبّان سجن جعجع، غادر “القوّاتِ” قواتيّون كثيرون اعترض معظمهم على دور زوجته، النائب لاحقاً، ستريدا جعجع. ثمّة من تحدّث عن ميل توريثيّ عند “الحكيم” لا ينسجم مع مزاعم عصريّة وديمقراطيّة يزعمها. نتائج الانتخابات الأخيرة التي منحت “القوّات” كتلة نيابيّة من 15 نائباً همّشت هذا النقد وسلّطت الضوء على فعاليّة قواتيّة غير مألوفة في باقي القوى السياسيّة. أمّا في حدود القدرة على التكهّن بأوضاع شديدة الزئبقيّة، فيتبدّى أنّ جعجع أكثر الزعامات المارونيّة الحاليّة قابليّة للبقاء، وربّما التوسّع.

رؤساء وعائلات

بعد عهد أمين الجميّل، انتُخب رينيه معوّض رئيساً للجمهوريّة. لكنّ الرئيس الشهابيّ الجديد الذي وُصف بأنّه “يريد تطبيق الطائف”، قضى بانفجار بعد 17 يوماً على انتخابه. لم يكن من الصعب، سياسيّاً على الأقلّ، اعتبار المتضرّرين من تطبيق الطائف المستفيدين من تفجير معوّض. بعده، وعلى اختلاف في الظروف، انتُخب للرئاسة الياس الهراوي ثمّ قائد الجيش إميل لحّود. كان واضحاً أنّ الميل السائد في عهد الوصاية يفضّل أبناء المناطق الطرفيّة، الأقرب جغرافيّاً إلى سوريّا، على أبناء الجبل الذين شكّلوا تقليديّاً القاعدة الأوسع والأصلب للفكرة والدولة اللبنانيّتين. مع إميل لحّود، جيء بمارونيّ جبليّ، لكنّه عارٍ من كلّ تأييد في طائفته، ناهيك عن الطوائف الأخرى. الذين فرحوا بـ “لا طائفيّة” لحّود كدليل على محاربة الطائفيّة في عهد الوصاية فاتَهم أنّ الأوصياء طائفيّون جدّاً، في سوريّا كما في لبنان. بعد العهد المذكور، لم تنتج التوازنات الدقيقة، بل القاتلة، أكثر من ميشال سليمان، وهو الآخر قائد جيش، رئيساً للجمهوريّة.

في ظلّ الهراوي ولحّود وسليمان حلّ انفصال كامل بين الزعامة السياسيّة المارونيّة ورئاسة الجمهوريّة. الرئيس لم يعد بذاته حدثاً سياسيّاً. لقد صار، في أحسن أحواله، مناسبة الحدث.

تخبّط العائلات السياسيّة التقليديّة لم يعد خافياً. معظمها وجد في 14 آذار طريقاً إلى استعادة الماضي، لكنّ ما فعله كان يضاعف الجرعة الماضويّة في 14 آذار نفسها. كارلوس إدّه الذي ورث عمّه ريمون، لم يكمل الطريق. بعد حياة مديدة في البرازيل وعدم تمكّن من العربيّة، انخرط في السياسة بأفكار دستوريّة حديثة. لم يحالفه الحظّ في انتخابات 2005، كما أخذ على 14 آذار نقص جذريّتها لدى القبول بتسوية ميشال سليمان، فابتعد. داني شمعون، نجل كميل الأصغر، قضى في أواخر 1990، في جريمة مروّعة أخرى من جرائم الحرب. تلك الجريمة التي اختُتمت بها الحرب، بمعنى ما، أودت أيضاً بزوجته وطفليه. الاتّهامات تكاثرت وتعارضت. شقيقه الأكبر دوري حلّ محلّه على رأس “حزب الوطنيّين الأحرار” الذي كاد يغدو اسماً بلا مُسمّى. دوري انتخب في 2009 نائباً عن الشوف، وهو ما لم يتكرّر بعدذاك. هو الآن في السابعة والثمانين. ابنه كميل دوري شمعون خاض انتخابات 2018 عن الشوف لكنّه لم ينل سوى 1084 صوتاً.



آل الجميّل وآل فرنجيّة قصّة أعقد. بيار أمين الجميّل خاض الانتخابات عن المتن وفاز في 2000 و2005 كما تولّى مقعداً وزاريّاً، لكنّ جريمة أخرى أودت به هي إحدى الجرائم التي بدأت باغتيال رفيق الحريري واستهدفت وجوهاً من 14 آذار. شقيقه سامي حلّ محلّه. سامي كان قد أسّس “حركة لبناننا” التي ذكّرت البعض بالتمايز المبكر لعمّه بشير عن التسوويّة الكتائبيّة. بعد اغتيال شقيقه انتُخب عن المتن في 2009 وفي 2018. ابن عمّه نديم بشير الجميّل انتُخب في 2009 نائباً عن بيروت. بعض المعلّقين ذكّرهم ثنائيّ سامي ونديم بثنائيّ أمين وبشير، لكنْ إذا صحّ أنّ في الأمر تكراراً فهنا يقف التكرار. لقد تولّى سامي رئاسة “حزب الكتائب” بعد أبيه، ووُصف بأنّه يحمل مشروعاً لتجديد الحزب لا تموّهه الوراثيّة التي وفّرت له الصعود.

واقع كهذا طرح، ويطرح، أسئلة مشروعة يعزّزها ضمور الكتائب وانكماش تمثيلها النيابيّ: فماذا يعني تجديد حزب بات عمره 82 سنة؟ وباستثناء ولاء عائليّ ومتنيّ لآل الجميّل، هل تملك الكتائب اليوم ما يكفي من مبرّرات تميّزها عن كلّ من “القوّات اللبنانيّة” و”التيّار الوطنيّ الحرّ” لميشال عون؟

هموم آل فرنجيّة من نوع آخر. لقد توفّي سليمان الجدّ في 1992، بعدما رشّح نفسه في 1988 لرئاسة الجمهوريّة. حفيده سليمان توني تولّى قيادة العائلة وتنظيم “المردة” الذي أسّستْه إبّان الحرب. الوريث أظهر عن حنكة في سياسات القسوة والمكائد التي اشتُهرت بها تلك المنطقة. استفاد من خدمات نظام الوصاية وتقديماته، هو الذي كان أحد أقطابه، وضمّ هذا الرصيد إلى خدمات كان وفّرها، في السبعينات، جدّه كرئيس جمهوريّة ووالده كوزير. سلّم الراية في انتخابات 2018 الأخيرة لنجله توني سليمان فرنجيّة.

آل فرنجيّة لم يتوسّعوا ولم ينكمشوا. إنجازهم هو الحفاظ على النفس، لا بفعل الخدمات والتنفيعات التي أتيحت لهم فحسب، بل أيضاً بسبب تماسك التركيب العشائريّ في الشمال الذي يمنح أسياده أعماراً سياسيّة أطول. هذا ما لا يصحّ في الجبل طبعاً.

في المجمل، يبقى أنّ المهنة الدمويّة المتوارَثة، المسمّاة زعامة طائفيّة، مسكونة بالكثير من نداءات الماضي ومن أشباحه. جدود وآباء وأبناء وأخوة وأعمام…، شخصيّات شكسبيريّة وقضايا مأسويّة تحضّ الورثة على أداء واجب مقدّس. إنّه جلد الأحياء بموتى لا يموتون. الراحلون يُراد استنطاقهم، والماضي يراد تكراره، وهذا مستحيل.



العونيّة والرئاسة “القويّة”

ميشال عون أنجبه تاريخ الإخفاق المسيحيّ وفصول تراكمه. صحيح أنّه، بعد نجاحه في بلوغ الرئاسة، أعاد بناء الصلة التي انهارت بين رئيس الجمهوريّة والزعامة المارونيّة. فهو صاحب الشعبيّة الأقوى بين الموارنة وسائر المسيحيّين. وصحيح أيضاً أنّه أحدثَ تغييرات عميقة وغير مسبوقة، خصوصاً بعد “تفاهمـ”ـه مع “حزب الله”، في المزاج والحساسيّة المسيحيّين. لقد صارا أبعد عاطفيّاً عن الغرب وأقرب، ولو لفظيّاً، إلى بشّار الأسد وحسن نصر الله وإيران.

لكنّ البشيريّة التي استعيدت مع عون بوصفها “قوّة”، جاءت برهاناً صارخاً على المعضلة التي لا علاج لها للبشيريّة وللعونيّة. فتجربة 1982 كشفت أنّ في وسع عبوة زرعها سوريّ قوميّ أن تنهي حياة رئيس مُنتخَب وأن تقضي على مشروعه. هذا كان كافياً لكي يبثّ في المسيحيّين، الأعرف والأذكى، حيرة عميقة في صدد “القوّة”، كما في صدد التموضع حيال الدولة والمجتمع.

عون، لا سيّما بعد بلوغه الرئاسة، أراد أن يعيد المعادلة إلى بساطة ما قبل بشير: “الرئيس القويّ” و”العهد القويّ”. كان واضحاً أنّ الغثّ، هنا، أكثر كثيراً من السمين، وأنّ استعادة البشيريّة بوصفها “قوّةً”، لن تغدو، في زمن الضعف، غير نسخة باهتة عن أصل باهت. الزجل حلّ بدلاً عن ضائع.  

أبعد من ذلك: نجمت العونيّة، إلى حدّ بعيد، عن هذا الضعف الذي عزّزه ميشال عون نفسه بـ “حرب التحرير” و”حرب الإلغاء” قبل لجوئه المديد إلى فرنسا. بالحربين هاتين تمكّن نظام الأسد من دخول المناطق التي منعه أمين الجميّل وسمير جعجع من دخولها. تناقضٌ آخر أقام في الاستخدام العونيّ لـ “القوّة”: ذاك أنّ “شرعيّة المقاومة” و”شرعيّة البندقيّة” كتائبيّتان وقوّاتيّتان أكثر كثيراً ممّا هما عونيّتين. هذا ما يفسّر الالتباس، بل الارتباك، حيال البشيريّة بوصفها القوّة – المثال مسيحيّاً، لكنْ بوصفها ذات أصول كتائبيّة وقوّاتيّة كذلك. إنّه يفسّر أيضاً ذاك الاستئجار الموسميّ العونيّ لمقاومة “حزب الله”، على طريقة الصلعاء المتباهية بشعر جارتها.

في الحالات كافّة، لم يعد المسيحيّ المتوسّط، بعد اتّفاق الطائف الذي غيّر المعادلات وأضعف الرئاسة المارونيّة، قادراً على قراءة السياسة اللبنانيّة وتعقّلها. لقد فقد أدوات تحليلها فصارت عنده لغزاً عجائبيّاً يعالجه بالسذاجة الفولكلوريّة أحياناً، وبالعنتَرة الفارغة في أحيان أخرى. العونيّة، بمعنى ما، هي اجتماع السذاجة والعنتَرة اللتين تقودان معاً إلى تحويل حسن نصر الله إلى فُرجة مثيرة للانبهار.  

بسبب الضعف واستحالة الاستعادة البشيريّة، كان لا بدّ أن تتضخّم تلك الظاهرة بالمعاني السلبيّة والدلالات الضدّيّة: ضدّ السنّة لأنّهم، من خلال رفيق الحريري، انتزعوا الدور التقليديّ للمسيحيّين حيال الغرب. ضدّ الدروز بسبب حرب الجبل. ضدّ “القوّات” لأنّهم ميليشيا صادمت الجيش وصادمها. فاقم هذه الضدّيّة وألبسها ثوب المظلوميّة أنّ “الشركاء في الوطن” من المسلمين لم يكترثوا بتهميش المسيحيّين إبّان عهد الوصاية. أكثر من هذا: استفاد “الشركاء” من هذا التهميش وملأوا الفراغات التي خلّفها. استمرّ هذا النهج إلى ما بعد 2005 كما نمّ عن ذلك إنشاء “التحالف الرباعيّ”. أوضاع مسيحيّي العالم العربيّ واللجوء السوريّ الكثيف بعد الثورة والحرب الأهليّة السوريّتين فاقمت السلبيّة والضدّيّة.



والعونيّون يشبهون العونيّة. إنّهم جمهور ضئيل التسيّس، جزء أساسيّ منهم تساقط من أحزاب مسيحيّة تعرّضت للتآكل، ومن عائلات أفلَ نجمها، تجتمع على كراهية الكتائب والقوّات وزمن سيطرتهما، وعلى “حبّ الجيش” الذي لم يعد الجيش الذي أحبّوه قبلاً. جزء آخر مهنيّون ومتعلّمون جاؤوا إلى السياسة من سذاجات عامّة غير سياسيّة ومن “حِكَم” أو تصوّرات إنشائيّة عن “العصريّة” و”النزاهة” و”العداء للفساد”. هؤلاء رفدتْهم بيئةٌ غالبها أرثوذكسيّ، كانت على صلة ما بقوميّة سوريّة وشيوعيّة جفّت شرايينهما ولم يبق منهما سوى رفض غامض وغاضب لـ “لبنان المارونيّ – السنّي” الذي كفّ بدوره عن الوجود. لهذا يبدو أحياناً أنّ العونيّة حرب على أشباح وتقديس لأشباح أخرى.   

هذا البناء السياسيّ ليس مُرشّحاً لحياة مديدة بعد رحيل المؤسّس البالغ اليوم 83 عاماً. ركيزة العداء للفساد تصدّعت قليلاً بسبب الصهرين، الوزير والنائب، كما بسبب روائح غير مُستحبّة، لا سيّما إبّان الانتخابات الأخيرة وصفقات لوائحها. العونيّون الذين ناضلوا كشبّان في عهد الوصاية ضُحّي بمعظمهم لمصلحة رجال أعمال ومتموّلين. ركيزة “القوّة”، عهداً ورئيساً، باتت أيضاً تخلّف إحباطاً كان يمكن، بقليل من التواضع، تفاديه. ركيزة “الدولة” و”الجيش” تفضحها يوميّاً دولةُ “حزب الله” وجيشه.

إنّ ضخامة الإحباط الذي تسبّبه العونيّة نابعة من ضخامة التوقّعات والآمال التي تطلقها.

ما الذي يتبقّى على مدى متوسّط؟ الصهر الصاعد جبران باسيل قد يحجز لنفسه موقعاً ضيّقاً في دائرته الانتخابيّة، البترون. القدرة على تقديم الخدمات قد تتيح ذلك. التخويف من الغريب والتحريض على الآخر يمنحانه الصوت والصدى. لكنّ هذا لا يكفي لزعامة و”تيّار” مُستدامَين.

ليست هناك تعليقات