الصراع على الزعامة المارونيّة في لبنان (2 من 3)





حازم صاغية - كاتب لبناني 
۱۹ ديسمبر ۲۰۱۸- موقع درج

في انتخابات 1968 اكتسح “الحلف الثلاثيّ” جبل لبنان. الملائكة استُنزلت، وقيل إنّ مريم العذراء نطقتْ ونبّهتْ من مخاطر الشهابيّة والناصريّة. رجال ونساء. صغار وكبار. أغنياء وفقراء…، الكلّ عصفت بهم تعبئةٌ تحمل في تضاعيفها ناراً تنذر بالحريق. إنّها تعبئةٌ تعبق بالمقدّس ولا ترتدع عن المدنّس.

الزلزال، لا سيّما في حالة حزبٍ حديث وممتدّ وطنيّاً كالكتائب، تجاوزَ قلب الجبل إلى حدوده: جورج عقل نجح في زحلة، وإدمون رزق في جزّين، وجورج سعادة في البترون. أمّا بيروت الأولى نفسها فلم تنجُ من مفاعيله: الشهابيّان، الأرثوذكسيّ  فؤاد بطرس والكاثوليكيّ أنطون صحناوي، رسبا. الشمعونيّان ميشال ساسين ونصري المعلوف، فازا.

وكمثل جيشٍ أسقط الحصن الأوّل لعدوّه، تقدّم “الحلف الثلاثيّ”، يغطّيه “تكتّل الوسط”، لدكّ الحصن الثاني والأخير الذي هو رئاسة الجمهوريّة. لقد عبّأوا وحشدوا للانتخابات الرئاسيّة التي ستُجرى في 1970 مثلما عبّأ خصومهم، المعروفون بأنصار “النهج” الشهابيّ، مدافعين عن ذاك الموقع المهدّد بالسقوط.



الشهابيّة لزوم ما لا يلزم

لكنْ بين 1968 و1970، انفجر تطوّر آخر، أعرض وأعمق من أن تستوعبه الحياة السياسيّة ومؤسّساتها. فقد انقسم اللبنانيّون بين أكثريّة مسيحيّة كبرى اعتبرت نفسها نصيرة للجيش الذي كان يواجه النُوى الفلسطينيّة المسلّحة والمتّسعة بإيقاع يوميّ، وأكثريّة مسلمة كبرى رأت نفسها نصيرة لتلك النُوى، تعامِلُها بوصفها “جيش المسلمين”. التسلّح الفلسطينيّ، لا سيّما في المخيّمات الواقعة في مناطق السكن المسيحيّ، في ضواحي بيروت الشرقيّة، كان يؤجّج النزاع الذي عرف انفجارات صغرى كان أكبرها تظاهرة 23 نيسان (أبريل) 1969 وما تلاها. الضربات الإسرائيليّة الموجعة ردّاً على العمليّات الفدائيّة من الجنوب، وتوسّع النزوح الجنوبيّ إلى العاصمة، كانت عنصر تأجيج آخر. الموارنة خصوصاً، والمسيحيّون عموماً، أحسّوا أنّهم بدأوا يخسرون البلد الذي كانوا أوّل الداعين لإنشائه، وفي الوقت نفسه، بدأوا يفقدون السيطرة على مناطقهم التي يتحكّم بها سلاح لا سيطرة عليه.

هكذا تحوّلت الشهابيّة لزومَ ما لا يلزم: الطرفان الفاعلان على الأرض تصرّفا كأنّهما متوافقان، من موقع الخصومة، على إزاحة هذا العازل. لقد بدا الالتحام المباشر مطلوباً. الجيش تحديداً جابهه عداء إسلاميّ وفلسطينيّ قاتل، مثلما عانقه حبّ مسيحيّ هو من الصنف الذي يقتل. ذاك أنّ المسيحيّين، وفي تكرار موسّع لما حصل في 1958، أرادوه قوّةً موحّدة كالله في دفاعها عن “الدولة”، ولو استدعى الأمر صدامه بالمجتمعات الأهليّة المسلمة. ولأنّ مطلباً كهذا مستحيل، في ظلّ تكوين لبنانيّ لا يجمع بين مُكوّناته إلاّ القليل، ساد التفكير بـ “جيوش” بديلة وموازية اسمها الميليشيات.

هؤلاء الشبّان المتلهّفون للدفاع عن عالمهم الأهليّ الحميم، الراغبون ببلد مستقرّ لا يتحكّم به النزاع العربيّ – الإسرائيليّ ومُجرياته، ولا يعني لهم تحرير فلسطين أو الصلاة في القدس أكثر ممّا تعنيه الأغاني الرحبانيّة، فرزوا جيلاً سوف تبدأ أسماء أصحابه باللمعان بعد حرب السنتين. حججه كانت بسيطة وآليّة: في مواجهة السلاح الفلسطينيّ نتسلّح. في مواجهة القضيّة الفلسطينيّة نطرح قضيّتنا اللبنانيّة. المهمّ الحصول على السلاح. من إسرائيل؟ لا بأس.

وكما يحصل حين تأتلف قلوب المؤمنين، انضوى في هذا الموقف مَن يريد الدفاع عن مألوفه، ومَن يريد الدفاع عن مصالحه، ومن يؤيّد بقليل من التحفّظ، ومن يتحفّظ بكثير من التأييد. إنّ مصير الطائفة وبشرها مطروح على المحكّ.

حدث آخر استجدّ معزِّزاً تلك الوجهة: إنّه اتّفاقيّة القاهرة أواخر 1969 التي أقرّت للمقاومة الفلسطينيّة بالسيادة على جزء من لبنان. إذاً خسرت الدولة احتكارها للعنف واحتكارها لقرار الحرب والسلام. يكفي أن يطلق مسلّحان في العرقوب، لا سلطة للدولة عليهما، قذيفة باتّجاه إسرائيل حتّى تحترق قرى وتتهدّم بيوت كثيرة. لكنّ معارضة اتّفاقيّة القاهرة، ولم يكن عرّابُها وراعيها أقلّ من جمال عبد الناصر، لم تجد بطلها: بيار الجميّل أيّدها بتحفّظ وكذلك كميل شمعون، ظنّاً منهما أنّها الثمن الذي لا بدّ منه لتلافي الحرب الأهليّة. لقد قلّدا في موقفهما هذا موقف الملك حسين حين انخرط في حرب 67 لتجنّب الحرب الأهليّة. بيد أنّ تقليد حسين ما لبث أن تبدّى نسجاً على وهم: فشمعون والجميّل ما إن وافقا على اتّفاقيّة القاهرة حتّى اندلعت الحرب الأهليّة في الأردن، بعدما كان الإسرائيليّون قد احتلّوا، في 67، الضفّة الغربيّة. لا من هذه إذاً ولا من تلك.

ريمون إدّه، في المقابل، اتّخذ موقفاً مغايراً: عارض الاتّفاقيّة بقوّة لكنّه، هو المعارض لكلّ تسلّح، مُسلّحاً بحساسيّة مدنيّة مشوبة بقرف أريستوقراطيّ، طالبَ ببوليس دوليّ على الحدود مع إسرائيل. وإذ انهالت عليه الشتائم والتعيير بالخيانة، مضى “عميد الكتلة الوطنيّة” يردّ على الكلام بالكلام.

إدّه، الذي يأنف السلاح والتسلّح، بات رمزاً لإضاعة الوقت وللاّجدوى في نظر شبّان قليلي الصبر رأوا أنّ الكلام لا يحمل حلّاً وأنّ ما من حلّ سوى البنادق.



فرنجيّة رئيساً

في 1970، ووسط توتّر استولى على “شوارع” الطوائف، انتُخب سليمان فرنجيّة، بفارق صوت واحد، رئيساً للجمهوريّة. المهزوم كان المرشّح والموظّف الشهابيّ الياس سركيس. لم يفرح كثيرون بفرنجيّة لكنّهم فرحوا بالسقوط الأخير للشهابيّة، ولم يحزن كثيرون على سركيس لكنّ فرح خصومهم أحزنهم.

مع هذا، لم تعد أمزجة الطوائف تجد في ما يجري تحت قبّة البرلمان ضابطاً لها. لقد أفلتت الأمزجة من كلّ عقال مؤسّسيّ. هكذا ما أن أُنجز تفكيك الأجهزة الشهابيّة بوصفه المهمّة السهلة التي تشبه دفن الجثّة، حتّى ارتسم الصراع الكبير: الزعيم الدرزيّ كمال جنبلاط، في تحالفه مع المقاومة الفلسطينيّة وزجّها في القرار السياسيّ اللبنانيّ، كان يكسر الدولة من خارجها. رئيس الجمهوريّة سليمان فرنجيّة، الذي أزاح معظم العوائق بين الدولة والجماعة الأهليّة، كان يكسرها من داخلها. باقي الزعماء المسلمين لم يجرأوا على مواجهة جنبلاط المدعوم بالسلاح الفلسطينيّ وقضيّته الموصوفة بالقداسة. معظم الزعماء المسيحيّين راحوا يدفعون فرنجيّة، الذي أسّس إحدى الميليشيات المسيحيّة الأبكر، إلى مزيد من الجذريّة.

الصدام الذي بات الجميع يترقّبونه انفجر فعلاً في النصف الأوّل من أيّار (مايو) 1973، بعد أسبوعين على رحيل فؤاد شهاب عن واحد وسبعين عاماً، وبعد شهر وأسبوع على عمليّة فردان الإسرائيليّة التي أودت بثلاثة من القادة الفلسطينيّين. لقد استقالت حكومة صائب سلام الذي أصرّ على إقالة قائد الجيش اسكندر غانم، فيما رفض فرنجيّة “المسّ” بالجيش وقائده. الصداقة السياسيّة والشخصيّة بين رئيسي الجمهوريّة والحكومة بدت أوهن من أن تصمد لتحدّي الخلاف الطائفيّ الذي صاغه القادة السُنّة بشعار “المشاركة” في القرار.

يومذاك راحت تتصدّع محاولات مسيحيّة تحديثيّة شاءت أن تنأى بنفسها عن الطوائف وتؤسّس السياسة على المصالح والأفكار: “الحزب الديمقراطيّ” لجوزيف مغيزل وإميل البيطار وباسم الجسر، و”حركة الوعي” التي وُلدت حركةً طلاّبيّة في الجامعة اللبنانيّة، ومسيحيّون بشّروا بالمسيح بوصفه شيوعيّاً مبكراً، هؤلاء وسواهم طردهم ما سُمّي “القضيّة القوميّة” التي لم يروا فيها غير اسم مؤدلج للتنازع الطائفيّ. الشيوعيّون المسيحيّون جعلوا ينكمشون عن حزب أسّسه مسيحيّون في مناطق مسيحيّة.

عناصر أخرى كانت تغذّي هذه الميول اللبنانيّة العميقة. فمنذ أواخر الستينات، وقبل أن ينتقل المقاتلون الفلسطينيّون بعد هزيمة الأردن إلى لبنان، بدا أنّ النظام السوريّ يستخدم البراءة “القوميّة” لأغراض تصعب نسبتها إلى البراءة. ذاك أنّ الفدائيّين الذين كانوا أوّل المتمركزين في العرقوب، كما باشروا الصدامات الموضعيّة مع الجيش، كانوا من منظّمة “الصاعقة” التي أنشأها البعث السوريّ الحاكم. فحين انفجرت مواجهة أيّار، كانت سوريّا المبادرة إلى فرض حصار اقتصاديّ خانق على لبنان مرفق بشروط واقتراحات سياسيّة تضمن “عروبة لبنان” وتُديمها.

حرب تشرين (أكتوبر) 1973 بين إسرائيل وكلّ من مصر وسوريّا سرقت الضوء وسلّطته على موضع آخر. لكنْ بين الحرب اللبنانيّة الصغرى والحرب الإقليميّة الكبرى، تبدّى أنّ لبنان لم يعد قابلاً لأن يُحكَم، وربّما لم يعد قابلاً لأن يكون. هذا ما كانه الدرس الأوّل الذي نطقت به حكومة تقيّ الدين الصلح التي حظيت بإجماع ظاهريّ صحبه انهيار أمنيّ مفتوح ومتمادٍ. منظّمة التحرير الفلسطينيّة نشطت تسليحاً وتدريباً في منافسة ضمنيّة مع دمشق. “دولة المطلوبين” في طرابلس، التي سلّحها ياسر عرفات، راحت تتوسّع. فحين شُكّلت حكومة رشيد الصلح، التي جمعت سائر المتناقضات فيها، انفجر الوضع وبدأ ما عُرف لاحقاً بحرب السنتين.

حرب السنتين

كان اليأس مُرشد المسيحيّين، ومع أنّ اليأس أستاذ سيّء فإنّ تجنّبه بدا صعباً: في 1970، رعى عبد الناصر الاتّفاقيّة التي تحاصرهم. في 1973، وقفت سوريّا ضدّهم إلى جانب المقاومة الفلسطينيّة. بعد ذاك، تفاوتت المواقف العربيّة بين ناصح بالتهدئة وداعٍ إلى قبول الأمر الواقع. الغرب كان مشدوداً إلى ما يحصل على الجبهتين السوريّة والمصريّة مع إسرائيل. أمّا في الداخل، فالجيش لا يُعوَّل عليه للحماية، وهو ما أكّده لاحقاً الانشقاق الذي رعته حركة “فتح” وأدّى إلى نشأة “جيش لبنان العربيّ”، ثمّ الانشقاق الثاني الذي رعته سوريّا وأدّى، هو الآخر، إلى نشأة “جيش الطلائع”.

فلسطينيّو لبنان كانوا أيضاً يائسين. المعاملة المُذلّة والعنصريّة التي عانوها في مخيّماتهم، سنةً بعد سنة، ساهمت في جعل هذه “الطائفة اللبنانيّة” تتسلّح. القضيّة، كما قُدّمت، تجيز كلّ شيء، وتأسيس “منظّمة التحرير”، أواسط الستينات، أوحى بضوء في آخر النفق. أمّا الأنظمة العسكريّة المجاورة التي لم تقتصد في بيع القضيّة وشرائها، فلم تقتصد أيضاً في توزيع السلاح على طالبيه.

الكلام المارونيّ عن خصوصيّة لبنان كبلد تعدّديّ وبرلمانيّ، بدا للفلسطينيّ المتوسّط لغواً يردّده أسياد يتلذّذون بإبقائه عبداً. الكلام الفلسطينيّ والعربيّ عن تحرير فلسطين، بدا للمارونيّ المتوسّط انتحاراً يبدأ بنحره هو. 

في هذه الغضون، تواصلت الحرب التي اندلعت في أواسط 1975. الشبّان المسيحيّون الذين حملوا السلاح جاؤوا من أحزاب كالكتائب و”الوطنيّين الأحرار” الشمعونيّ، لكنّ بينهم مَن جاء من تنظيمات صغرى نشأت للتوّ، ومن مبادرات فرديّة، أو من عسكريّين انشقّوا هم أيضاً. بعض هؤلاء كانوا أبناء الحواضر الغنيّة والبورجوازيّة، وبعضهم وفدوا من ضواحي المدن ومن أرياف نائية نسبيّاً لم يتسنّ لها أن تحتلّ في السياسة التقليديّة موقع الصدارة. وهناك، بالطبع، تابعون لسياسيّين حوّلوهم إلى ميليشيات كي يحفظوا مواقعهم ومواقع عائلاتهم في زمن متقلّب، وهناك أيضاً شبّان ناقمون على سياسيّيهم التقليديّين الذين “أوصلونا” إلى حيث نحن الآن.

هؤلاء وقفوا وراء “الجبهة اللبنانيّة” التي ضمّت شمعون وفرنجيّة والجميّل، وبعضاً من المثقّفين المسيحيّين الذين زاولوا السياسة، كشارل مالك وإدوار حنين وجواد بولس وفؤاد أفرام البستاني. الشبّان، وكما يحصل في الحروب غير النظاميّة، كانوا يستمعون إلى ما يقوله الشيوخ ثمّ يتصرّفون على هواهم، في انتظار اليوم الذي يُخلي فيه أولئك المسنّون الساحة محاطين بالتكريم. أمّا ريمون إدّه، الذي مضى يناكف حمل السلاح وحامليه، غير عابىء بحرب السنتين وما استوجبتْه من تعبئة، فداهمته محاولة اغتيال قبل أن ينتقل، في 1977، إلى باريس. هناك، في فرنسا، عاش حتّى وفاته عام 2000.



بشير الجميّل

بنهاية حرب السنتين حلّت في لبنان قوّات الردع “العربيّة”، التي ما لبثت أن تقلّصت إلى سوريّةٍ فحسب. رافق ذلك انتخاب الياس سركيس في 1976 رئيساً للجمهوريّة والذي صادق عليه مؤتمرا قمّة عربيّان في الرياض والقاهرة. اختيار سركيس جاء إعلاناً عن بعثٍ شهابيّ سيحقّق هذه المرّة النجاح الذي خانَه قبلاً. الحجّة كانت النسيان: فمَن مات مات وما فات فات، وساعة إعمار ما تهدّم هي التي أزفت. لقد استعادت الخدمة العامّة والنزاهة والكفاءة والتخصّص بريقها، خصوصاً مع تكليف موظّف كبير آخر، جمعه بسركيس العمل في القطاع المصرفيّ، هو سليم الحصّ، تشكيل الحكومة. الصديقان سركيس والحصّ وعدا ضمناً بدولة موظّفين تتعالى على الطوائف وسياساتها، واستكملا ثنائيّهما بثالث ليس سوى الشهابيّ فؤاد بطرس الذي سُلّم وزارة الخارجيّة.

لكنّ قدرات الموظّفين امتحنتْها أوضاع لا يذلّلها إلاّ السَحَرة. في مواجهتها، انهارت صداقة سركيس والحصّ مثلما انهارت من قبل صداقة فرنجيّة وسلام. كلٌّ منهما عاد، وإن بتدرّج ومُداوَرة، إلى طائفته.

ففي 1977 انتهى شهر العسل السوريّ – المسيحيّ القصير الذي كانت ذروته معركة مخيّم تلّ الزعتر الفلسطينيّ. ذاك أنّ الرئيس المصريّ أنور السادات توجّه إلى إسرائيل أواخر ذاك العام، فصار مطلوباً أن تتصالح سوريّا والمقاومة الفلسطينيّة، جارّةً وراءها “الحركة الوطنيّة” اللبنانيّة. أمّا القصد فليس من ورائه سوى “الصمود” أمام إسرائيل و”التصدّي” لهجمتها التي استمالت مصر. ذبحُ المخيّم ثمّ قتل كمال جنبلاط لم يردعا المتصالحين عن مصالحتهما التي سريعاً ما امتحنَها اجتياح إسرائيليّ عُرف بـ “عمليّة الليطاني” تصرّف حيالها الجيش السوريّ كأنّها تحصل في أدغال بعيدة. ذاك أنّ الاتّفاق الذي دخل بموجبه إلى لبنان لا يجيز له التوغّل جنوباً إلى حيث قد يتوغّل الإسرائيليّون. وبالفعل ما لبث الأخيرون أن أنشأوا دويلة، أو “شريطاً حدوديّاً”، ولّوا عليه الضابط المنشقّ سعد الحدّاد.

العام 1978 سخا بحدثين دمويّين آخرين وثيقي الصلة بأحوال الزعامة المارونيّة وتقلّباتها. في 13 حزيران (يونيو) شهدت بلدة إهدن في الشمال إحدى أبشع الفظاعات التي عرفتها الحرب اللبنانيّة: لقد أقدم مقاتلون كتائبيّون على قتل النائب والوزير السابق توني فرنجيّة، نجل سليمان، كما قتلوا زوجته وابنته وبعض مرافقيه. سبق تلك المقتلة إقدام عناصر تابعة لآل فرنجيّة على تصفية أحد الكتائبيّين، في سياق الحدّ من “تغلغل” الأحزاب في عالم العائلات المقفل. أمّا ما مهّد لذاك الصدام فأنّ فرنجيّة كان قد بدأ يخلط أوراقه ويقترب من دمشق مبتعداً عن حلفائه في “الجبهة اللبنانيّة”. الأهمّ، أنّ ذاك الصدام نفسه سوف يمهّد لقطيعة، مشوبة بالعنف والتهجير، بين مارونيّة الجبل ومارونيّة الشمال.

الحدث الآخر كان مسرحه الأشرفيّة. فبعد مناكفة مع جنود سوريّين، تعرّضت تلك المنطقة لقصف متواصل ومركّز على مدى أشهر الصيف. الكتائبيّون وحلفاؤهم سمّوها “حرب المئة يوم” التي خاضوها بقيادة بشير الجميّل، نجل بيار الأصغر، والذي كان أسّس، قبل عامين، “القوّات اللبنانيّة” كجسم ينصهر فيه مقاتلو الأحزاب المسيحيّة. 

الأشرفيّة التي انطلق منها بشير كمناضل كتائبيّ فتى وشابّ، والتي قضى فيها بانفجار، بعد أعوام قليلة، هي التي جعلته، بحربها تلك، نجماً وبطلاً. الموارنة عثروا على القدّيس المحارب الذي بحثوا عنه.



ليست هناك تعليقات