نساء محمود درويش

يناير 31, 2019 اضف تعليق
محمد حجيري
|خلال فترة وجيزة، انشغل الرأي العام بموضوعين يتعلقان بحياة الشاعر الفلسطيني محمود درويش الحميمة. الأول، ما قيل عن "اكتشاف" حبيبته ريتا اليهودية من خلال الفيلم الوثائقي "سجل أنا عربي"، والثاني كتابة رنا قباني (زوجة درويش السابقة) أجزاء متفرقة من مذكراتها وتجربتها معه في صحيفة "القدس العربي"، وما زالت تكتب بشكل متقطع.

وبين ريتا (اليهودية) التي بقيت امرأة مجازية لعقود، وأصبحت حكاية ممجوجة منذ اكتشفتها وسائل الإعلام، ورنا قباني الدمشقية، ومحمود درويش الشاعر، ثمة مجموعة من الأفكار يمكن التأمل في حيثياتها ومقاربتها، تتعلق بحياة الشاعر والنساء العشيقات في حياته وعالمه المجازي. فعشق الشعراء المعلن يبدو نادراً في العالم العربي، بل يتسم بالعقد والمشكلات بدءاً من عقد السياب مع المرأة مروراً بعلاقة خليل حاوي مع ديزي الأمير.

وأن يلجأ البعض إلى الاهتمام بالجانب الحميم من حياة درويش، فهو يدرك من أين تؤكل الكتف. ومن يراقب مطالبة القراء لرنا قباني بكتابة المزيد عن علاقتها بمحمود درويش يدرك سحر هذا الشاعر. فهو، الراسخ في الوجدان الشعبي والثقافي، يصبح لسيرته وقع مختلف إذا ما تعلق الأمر بالمرأة والحب. ومن يتأمل الاهتمام الواسع بفيلم "سجل أنا عربي" عن ريتا اليهودية، يعرف أن العنوان التسويقي يغلب الجوهر. فبمجرد أن يقال إن الفلسطيني، حامل لواء القضية الفلسطينية، أحب يهودية، تصبح المفارقة نارية (رغم أن المعلومة قديمة ومعروفة لكنها ضاعت مع الوقت في الأدلجة)، كأنها سيناريو متخيل لفيلم يروجه "دعاة السلام" والأفكار الرومانسية.

وفي جانب منها، تذكرنا علاقة ريتا اليهودية بدرويش بالعلاقة الغرامية بين الإسرائيلية الصهيونية المتطرفة غولدامائير، والبرجوازي اللبناني الفلسطيني عاشق الخيول ألبير فرعون، وقد كتبها الروائي اللبناني سليم نصيب في رواية "العشيق الفلسطيني". كذلك نتذكر العلاقة العاطفية التي كانت تربط (النازي) هايدغر بالفيلسوفة الألمانية (اليهودية) حنا أرندت، بين العامين 1925 و1930. ولعل أمر هذا الحب ظلّ غامضاً بل لم يكن معروفاً إلى حين تمّ نشر رسائلهما المتبادلة، للمرة الأولى، العام 1998.




ثمة تناقضات تحيط علاقة درويش بريتا. ثمة بلبلة وتوجس، خصوصاَ لدى بعض محبي الشاعر. فريتا "لا وجود لها في الواقع، كانت نسيجاً شعرياً من وجوه كثيرة" بحسب رئيس تحرير "الكرمل" حسن حضر الذي يضيف: "لا معنى لريتا الواقعية، أو المتوهّمة، خارج حضورها المجازي باعتبارها علاقة مستحيلة، على أنقاض بيت العائلة". كان خضر مستاءً من استغلال اسم محمود درويش وإحدى أشهر قصائده من أجل موضوع مجازي لا يتعدى الصورة التذكارية. لكن الأمور ليست مجازية فحسب، بل فيها الكثير من الواقع. ثمة بُعدٌ تأويلي لدى حسن خضر، وإشارة إلى مغزى نجومية أو زعامة الشاعر في النسيج الاجتماعي. هذه "الزعامة" يُستلّ منها الكثير من المواضيع التي تغوى الجمهور، لكن هذا لا ينفي أن في حياة محمود درويش امرأة يهودية اسمها المجازي "ريتا" واسمها الواقعي تماري. ففي العام 1995 اعترف للمرة الأولى أنه أحبَّ في شبابه فتاة يهودية، من أب بولندي وأمّ روسية، من دون أن يكشف عن شخصيتها الحقيقية. وبعد ذلك بعامين، ألحَّت عليه الصحافية الفرنسية لور إدلر في مقابلة تلفزيونية كي تعرف حقيقة "ريتا" التي كتب عنها "ريتا والبندقية" و"شتاء ريتا الطويل"، فأجاب: "لا أعرف امرأة بهذا الاسم، فهو اسم فني، لكنه ليس خالياً من ملامح إنسانية محددة. وإذا كان يريحك أن اعترف أن هذه المرأة موجودة".

تقول المخرجة ابتسام مراعنة إنها سعت في فيلمها الوثائقي "سجِّل أنا عربي" إلى التعرف إلى شخصية "ريتا" الشاعر محمود درويش الحقيقية، إلى أن التقت بها في برلين حيث تعيش الآن، واسمها الحقيقي هو تماري بن عامي، كانت تعمل راقصة، التقى بها درويش للمرة الأولى وهي في السادسة عشرة من عمرها بعد انتهائها من أداء رقصتها خلال حفلة للحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان درويش أحد أعضائه قبل استقالته منه. كانت العلاقة قائمة بين الشاعر والراقصة، بين العربي واليهودية، "لكن حرب 1967 غيَّرت الأمور. دخلت الحرب بين الجسدين بالمعنى المجازي، وأيقظت حساسية بين الطرفين لم تكن واعية سابقاً". بحسب ما ذكر درويش في مقابلة مع الشاعر عباس بيضون، "حرب 1967 خلفت قطيعة عاطفية في علاقات الشبان العرب والفتيات اليهوديات". وفي المقابل، يزعم الفيلم أن تماري هي من تركت درويش بعدما التحقت بالخدمة في سلاح البحرية الإسرائيلي رغم توسله إليها البقاء. الحرب إذن فككت العلاقة المجازية، دمرت لغة القلب لصالح لغة القتل وعلت الجدران بين الشعبين (الفلسطيني والإسرائيلي) كما بين القلبين (الشاعر والراقصة).

رنا قباني
في قصة درويش وريتا اليهودية "غموض واضح"، والضجيج ليس بسبب العلاقة بذاتها، بل على هوية العاشقين في خضم الصراع العربي الإسرائيلي. وفي قصة درويش ورنا قباني هناك "وضوح غامض" يتجلى في شكلانية الزواج وسرعته. تروي رنا مذكراتها أو ذكرياتها، كجزء من الكتابة في محيطها العربي وبطريقة أقرب إلى سيناريو فيلم وثائقي أيضاً، وربما يكون جوهر المذكرات وأساسها وروحيتها، زواجها من الشاعر محمود درويش... هذا الزواج الذي يحمل الكثير من الأسرار، تروي بعض تفاصيله بطريقة سلسلة لكن خالية من الدراما والسيكولوجيا والنميمة والنفس الوجودي. لا نستطيع أن نحكم على مذكرات قباني الآن، بانتظار أن تصدر في كتاب، وهي حتى الآن اختارت أن تبوح بالأمور الإيجابية واللطيفة والجذابة، مكتفية بذلك، بعيداً من لغة الشحن وتصفية الحسابات مع الماضي. واللافت في زواجها من محمود درويش طريقة الانجذاب وطريقة التعارف وطريقة الزواج التي تمت من دون مقدمات.

تقول رنا إنها حضرت أمسية شعرية لدرويش في أميركا، و"في اللحظة التي جلست أثناءها، كانت عينا محمود تحدقان بالأسود الطاغي المتنافر مع بياض جلدي. كان ينظر بفضول واستغراب، وحين رفع عينيه، وجد أنني أمسكته متلبساً بالنظر إلى ساقي، فضحكت. حينها، بدأ هو الآخر بالضحك اللاإرادي، ثم التثاؤب من دون توقف". ولا يكتفي الأمر على البصبصة المرحة والمحببة، فبعد انتهاء الأمسية، والتقاء الشاعر برنا التي كانت طالبة جامعية، وبعد كلمات قليلة، قال لها: "اسمحي لي بسؤالك على انفراد للحظة". ابتعدنا عن الجمع لمدة خمس دقائق، فقال مباشرة: "هل تقبلين الزواج مني؟". تقول رنا: "أجبت بنعم، أقبل الزواج منك"... وحصل ذلك على وجه السرعة، بعد السفر إلى باريس والحديث عن الفنادق والمطاعم والوضع الفلسطيني العربي، تحط الطائرة في بيروت في خضم الحرب، يعود العريسان إلى بلد وفي قلبيهما شوق العودة، وهنا تروى رنا فظائع زمن الحرب الأهلية اللبنانية: "وصلنا إلى مبنى دبوس، وأبلغني محمود حينها أنه يسكن في الطابق الثامن، وأن الكهرباء مقطوعة منذ أكثر من سنة. فحملت إحدى الحقائب الثقيلة، وبدأت الصعود إلى حياتي الجديدة، ليبلغني، على عتبة الطابق الرابع وهو يلهث، أن الماء مقطوع من وقتها أيضاً، والتدفئة غير موجودة". ويدخل الشاعر وزوجته إلى "شقة شاعري التي كانت تخلو من أي شاعرية"، بحسب وصف رنا، وتضيف: "وفي الأيام التي تلت وصولنا إلى لبنان مدمر، لم يخرج بعد من حربه الأهلية، ازدحمت شقتنا الصغيرة بعدد هائل من الزوار، قادهم فضولهم ليأتوا للمباركة لمحمود بزواجه المفاجئ. لم يفهموا كيف ولماذا "كتب كتابه" على فتاة شامية تصغره بست عشرة سنة، أعادها معه من رحلة قصيرة إلى واشنطن"...

أبلغ ما كتبته رنا قباني هو بعض التفاصيل في سلوكية محمود درويش، بدءاً من الهدايا التي كان يقدمها، مروراً بأشياء منزله المتواضعة. ربما تقول أموراً جديدة في أجزاء جديدة من سيرتها أو مذكراتها. المهم أن الشاعر والطالبة تزوجا لثلاثة أعوام أو أربعة، غير أنها تركته لتحصل على شهادة الدكتوراه في جامعة كمبردج وكان مستحيلاً الاستمرار. تزوج درويش لاحقاً لنحو عام، منتصف ثمانينات القرن العشرين بالمترجمة المصرية، حياة الهيني، ولا تفاصيل عن هذا الزواج. تقول حياة الهيني عن انفصالهما: "التقينا محبين وافترقنا محبين". ويقول درويش: "لم نُصب بأية جراح، انفصلنا بسلام، لم أتزوج مرة ثالثة ولن أتزوج، إنني مدمن على الوحدة. لم أشأ أبداً أن يكون لي أولاد، وقد أكون خائفاً من المسؤولية، ما أحتاجه استقرار أكثر، أغيّر رأيي، أمكنتي، أساليب كتابتي، الشعر محور حياتي، ما يساعد شعري أفعله وما يضره أتجنبه".

يعترف درويش بفشله في الحب كثيراً، "أحب أن أقع في الحب، السمكة علامة برجي (الحوت)، عواطفي متقلّبة، حين ينتهي الحب، أدرك أنه لم يكن حباً، الحب لا بد من أن يعاش، لا أن يُتذكر". هناك الكثير من العلاقات في حياة درويش تبقى في دائرة السرية ولا ترقى إلى أن تكون تجارب ثقافية.
العقل التقليدي ما زال أقوى في العالم العربي.
حتى محمود درويش نفسه كان تقليدياً في علاقته بزوجته، بحسب ما ينقل مقربون منه.

"حلاق دمشق" لدانا السجدي.. المدينة بين التصوف وبائعات الهوى

يناير 30, 2019 اضف تعليق


محمد حجيري  
  

ثمة كتب اجتماعية هامشية، فجأة نكتشف أنها باتت مرجعاً ومتناً في ثقافتنا اليومية، ومرتكزاً في بعض دراستنا ومقالاتنا، وتدخل في دائرة "الكتب الأيقونية"، وتحاك حولها الكثير من الروايات والتأويلات وحتى الأساطير. ومن هذه الكتب "حوادث دمشق اليومية" للشيخ أحمد البديري الحلاق، الصادر في دمشق العام 1959، والذي يصنف ضمن خانة ‏"التاريخ الشفاهي"‏. والكتاب، بحسب محققُه، أقربُ ما يكون إلى تاريخ الغَزّي عن حلب، وتاريخ الجبرتي عن القاهرة، أو إلى كتاب ‏"مطالع السعود" عن بغداد.

كتاب البديري أعيدت طباعته العام 1997، ومرة ثالثة العام 2008، سجّل فيه ما رآه أو سمعه أو لمسه في المدينة السورية، وظلت هذه المدونة ضائعة لفترة طويلة تناهز القرن ونصف القرن، لكنها وصلت بطريقة ما إلى مكتب الشيخ طاهر الجزائري. استعار الشيخ محمد القاسمي، الكتاب، من الشيخ الجزائري، ومن ثم حققه ونشره بعنوان جديد العام 1959، ونشر أحمد عزت عبد الكريم طبعة جديدة للمدونة بعد دراسة النسخة الأصلية ونسخة القاسمي.

وثمة روايتان تتحدثان عن كيفية الحصول على المخطوط. الأولى تقول إن القاسمي الكبير، جَد المُنَقِّح، كان قد اشترى شيئاً من أحد دكاكين الحارة، مصروراً بورقة، وحينما وصل البيت فتح الورقة فوجد فيها كلاماً نفيساً، فعاد إلى الدكان وأقنع صاحبه بأن يبيعه هذا الورق الذي يستخدمه للصر، ففعل، وهكذا استطاع أن يحمي المخطوط من الضياع. والرواية الثانية هي أن الشيخ طاهر الجزائري اشترى المخطوط من مزاد أقيم لبيع مخطوطات قيمة، بثلاثمئة قرش (يوم كان سعر المخطوط لا يزيد عن خمسة وعشرين قرشاً)، واحتفظ به. وبعد زمن بعيد اطلع عليه الكاتب والمؤرخ محمد كرد علي، فأورد ذكره بوصفه أحد مراجع ‏كتابه "خطط الشام"، مع إشارة منه إلى أن المخطوط موجود في مكتبة الشيخ طاهر الجزائري، وهذا ما دفع النساخ إلى نسخه، وصار منه أكثر من نسخة.

عاش ابن بدير، المعروف بالبديري الحلاق، بين سنة 1701 و1762، وكانت عائلته تقطن ضاحية القبيبات على طريق الحج الى مكة، وهو لا يبعد كثيراً من دمشق المسورة. كان ابن بدير سليل الطريقة القادرية التي شاعت بين المدرسين ذوي الميل إلى التصوف. عمل حلاقاً في محل صغير قرب قصر أسعد باشا العظم - حاكم دمشق حينذاك. ورغم أنه لم يكن سليل أدب وعلم، لكنه متأدب وحافظ للقرآن، شهد أحداث دمشق  فانكب على أوراقه يسجلها بحبر أسود استجابة لهواية الكتابة والتعبير عن المشاعر وخشية النسيان، واستمر على هذه الوتيرة 21 عاماً، (أي من 1741 إلى 1762). ولأنه حلاق، فهو من أكثر أصحاب المهن الحرة احتكاكاً بالناس، ومقدرة على كسب ثقتهم وسماع حكاياتهم وأخبارهم، تناول جوانب قد تبدو ثانوية عند مقارنتها بالأحداث المحيطة بقصور الملوك والعلاقات الدولية والحروب، لكنها لا تقلُّ عنها أهمية عند النظر إليها من حيث دلالاتها الثقافية والاجتماعية. تناول فيها الأحداث اليومية في دمشق تحت حكم آل العظم المنسّبين من قبل الدولة العثمانية، كان يكتب بشكل يومي عما يجري في حارات الشام من احتفالات، وسفرات، ويقص عن تشييد أبنية باذخة قام بها الوالي أسعد باشا العظم، كبناء قصره والخان الكبير حيث استغل موارد البلد ونهبها للقيام بذلك. دوّن الحلاق ما يقاوم به الحواة، والمتصوفة، والدراويش من أذكار وموالد وعراضات، ولا ينسى أحداث موت العلماء والتجار ووجوه البلد، وأفعال اللصوص والثوار وقطاع الطرق. وذكر احتفال المومسات في حارات الشام، وطريقة لبسهن وطقوسهن في الأزقة والساحات.

وفي الكتاب لن نعثر على وقائع سنة واحدة، لا يشكو فيها الدمشقيون من غلاء فاحش في أسعار السلع، والتي يُفصّلها في كل موضع. ولا يُهمل الحلاق، كذلك، ربط الغلاء بفساد المسؤولين وظلمهم للعباد. ولا يغفل ابن بدير عن تسجيل احتجاجات أهل دمشق في وجه هذه المظالم، والتي يمكن دراستها في سياق مستقل، ومنها خروج العامة العام 1745 من قلّة الخبز وغلاء الأسعار، فهجموا على السرايا، مذكّرين والي دمشق أسعد باشا بأنه مسؤول عند الله عنهم وعن هذه الأحوال، فأخبرهم باللجوء إلى المحكمة. وهناك، أمر القاضي بضربهم بالبارود فقتَل منهم مَن قتل، فما كان من المحتجّين إلا أن قتلوا بعض أعوانه بمساعدة بعض الانكشارية (الجند) وخرّبوا المحكمة ونهبوا أموالها وأغلقوا الشوارع.

ويستخدم ابن بدير أسلوباً تعبيرياً يمزج العامية بالفصحى، ولا يلتفت كثيراً للأخطاء الإملائية في كتابة نصوصه. والكتاب مميز "لأنه لم يُكْتَبْ بتكليف من حاكم أو ملك"، لم يُدون ‏المؤلف تاريخه لأجل تحقيق منفعة، أو شهرة، بدليل أنه لم يَسْعَ إلى نشر الكتاب بين الناس في زمانه. ثم يموت ابن بدير الحلاق، ويختفي المخطوط لمدة قرن ونيف تقريباً، إلى أن يعثر عليه واحد من المحققين. وتبين أن التدقيق والتحقيق الذي أنجزه محمد سعيد القاسمي للكتاب لم يكن سوى مجزرة فكرية، وتاريخية، وأخلاقية، نتجت، كما تقول الباحثة دانة السجدي*، عن العجرفة الاجتماعية، وانحياز المدقق إلى السلطات العثمانية، وممثليها من آل العظم وورثتهم. أزال المحقق أي نبرة تذمر تجاه الحكام من اليوميات، وأي فكرة دلل بها الحلاق على طموحه في رفع نفسه من طبقة الفقراء والمهملين إلى طبقة العلماء، والكتّاب، والمؤرخين. وتمثل أحداث الكتابة لدى ابن بدير لغويّا (في استخدامه الألفاظ العامية)، أو اجتماعياً (في عرضه لعلاقاته مع النخبة من العلماء)، أو سياسياً (في اعلاناته المزلزلة المناهضة للأعيان) وهي ما أزعج القاسمي بعد قرن من الزمان.

وأقرت السجدي في مقدمتها بأنها كتبت الكتاب على دفعات، واستغرقت كتابته ردحاً من الزمن، طافت خلالها بين مدن عديدة في غير قارة، والتقت بباحثين من مختلف الثقافات، ونبشت في مخطوطات لا تحصى توزعت في المكتبات العالمية. أنجزت كتابها النفيس المعنون "حلاق دمشق". أهمية البحث المنشور لا تقتصر على قراءة ما أجراه المحقق من حذف وإضافة وتبويب فقط، بل تناولت مخطوطات موازية كتبها أشخاص ثانويون في تاريخ مقارب ليوميات البديري الحلاق. ومن بينهم قس أرثوذوكسي، وجندي من الانكشارية العثمانية، وخياط، وموظف محكمة من حمص، لم يعرف عنهم أي اهتمام أدبي في تدوين التاريخ، وهم من سمتهم بمحدثي الكتابة، على غرار محدثي النعمة. ورأت الباحثة في هذه الظاهرة دلالة على تغيّر مفهومي واجتماعي واسع في المجتمعات العربية في القرن الثامن عشر، ومن أبرز تلك التغيرات خروج فئة من البسطاء على نسغ التدوين التاريخي القديم المهيمن، وتنكبهم طريق اليوميات، والسير، المنبثقة من رحم الطبقات المهمشة وحياتها بلغة بسيطة فصيحة تستفيد من العامية المعبرة عن هواجس العامة وأحلامهم.

ولعل تأخر صدور الكتاب هو ما يفسر لنا تأخر الاهتمام بشخصية الشيخ أحمد البديري الحلاق في كتب التاريخ، وسببَ عدم ورود اسمه في كتاب "الطبقات والأعيان" للمرادي الذي احتفل بأعلام القرن الثامن عشر. وفجأة تحول كتاب البديري كتاب الكتب. تحكي السجدي: "شعرت بالغيرة من كتابات التاريخ الأوروبية الحديثة، التي اشتهرت لنجاحها في إبراز تاريخ الطحان "مينوكيو الفريولي، الذي عاش في القرن الـ16، وكشفت نظرته وثقافته، لذا أردت إحياء سيرة بعض العوام في تاريخ بلاد الشام الوسيط، وحذرني من هم أكثر مني حكمة مما سأواجهه من عوائق، فمصادرنا الرئيسة، ولعلها الوحيدة عبر العصور الوسطى، هي كتب تاريخ ألفها العلماء، وفي سياق عصور ما قبل الحداثة، العلماء بالضرورة هم علماء الدين، أي من درسوا واهتموا بالعلوم الدينية والشرعية، ولكونهم الفئة الوحيدة القادرة على الكتابة والقراءة، كتبوا بالأغلب عن أنفسهم ولأنفسهم، فلم يبق للباحث في التاريخ الاجتماعي، سوى نافذة نصية واحدة تطل به على التاريخ الاجتماعي للقرون الوسطى، ونافذة العلماء هذه ضيقة للغاية".

وتقول السجدي: "قضيت عاماً كاملاً في قراءة النتاج التاريخي لعلماء الشام في العصور الوسطى، آملة أن أتمكن من البحث عن دور العامة من الناس، ولكن دون نتيجة. كنت أشعر باحباط شديد إلى أن وقعت عيناي بمحض المصادفة على الحاشية الرقم 13 في كتاب "الفكر التاريخي لدى العرب في العصر الكلاسيكي" لطريف الخالدي، ونص الحاشية "التأريخ الشعبي" لمؤلفة الحلاق الدمشقي في القرن الثامن عشر، او الرّكيني، المزراع في جنوب لبنان في القرن الثامن عشر".


ويعتبر اكتشاف السجدي للمخطوطة الأصلية الوحيدة للحلاق الدمشقي، حدثاً مهماً، كون تأريخ ابن بدير هو المؤلف الوحيد في التاريخ العربي والإسلامي الذي كتبه حلاق، جرأة صاحب "حلاق دمشق" الحقيقية تكمن في فعله البسيط والمذهل في آن واحد، أنه كتب كتاباً! لقد وجد الثقة الكافية في نفسه لاكتساب سلطة مكنته من التمثل بالعلماء على الرغم من أنه لم يتمتع بعلمهم وإجازتهم له، فألف كتاباً في التاريخ، وأبرز تحرك قام به هو تجاوز حدود عمله كحلاق إلى حقل نصي أدبي ثقافي لم تطأه قد حلاق من قبل.


وكانت دانا سجدي قد كشفت في دراستها عن صورة شيقة من التحولات الاجتماعية في مدينة دمشق؛ إذ ركّزت بشكل خاص على دراسة الثقافة الأدبية الشعبية، التي برزت في تلك الفترة من خلال كتابات أفراد من العوام، من خارج الطبقة التقليدية للعلماء والأعيان. وفي محاذاة هذا الظهور لتلك الشريحة على المستوى الأدبي، كان هناك ظهور لطبقة وسطى تنامت ثروتها ضمن التغيرات الاقتصادية، وبدأت بمضاهاة طبقة الأعيان من خلال عمارة القصور والمساجد، ووقف السبل في أرجاء المدينة. هذا بالاضافة إلى ترسيخ ثقافة التنزه واللهو في المجتمع الدمشقي، بين مختلف الطبقات، وتطور طقوسها وممارساتها الاجتماعية، من خلال عادات جديدة رافقت انتشار شرب القهوة والتدخين، وتنامي حضور النساء في فضاءات المدينة العامة.

روايات
وانبثقت حول "التاريخ المصغّر" الذي تناوله البديري، دراسات عديدة مثل "يوميات شامية" لسامر عكّاش، وأخرى استندت إليه في مراجعها الأساسية كـ"ثقافة الترفيه والمدينة العربية في الأزمنة الحديثة، دمشق العثمانية" لمهند مبيضين، لتقديم صورة أوضح عن حضور التسلية واللهو بين مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، وتطوّر ممارساته. يكتب الروائي العراقي شاكر الانباري في فايسبوكه "قرأت الكتاب (حوادث دمشق اليومية) بمتعة، وكنت أقيم آنذاك في مساكن برزة، ودهشت لقدرة الحلاق على رؤية تفاصيل ذلك الزمان، بعين ذكية، وروح حساسة، وذائقة انتقاء عالية. دهشت من قدرة حلاق على الكتابة الصادقة والثرية، رغم الأخطاء الإملائية وتفشي اللهجة العامية في المرويات. كنت أفكر بكتابة رواية الراقصة ضمن مستويين زمنيين، الحاضر التسعيني والماضي القريب، أيام الستينيات الدمشقية وكان أبرز وجوهها حياة شارع شيكاغو، الواقع وسط المدينة، وبقي مكانا للسهر والحانات والراقصات والمعارك بين شقاوات العاصمة حتى السبعينيات. حين قرأت يوميات البديري الحلاق عمدت، بسبب تأثيرها واقترابها من أجواء الرواية، إلى إعطاء بعد ثالث للرواية، الراقصة، هو زمن البديري الحلاق، وآل العظم، والحكم العثماني، وإن كان ذلك البعد لم يشكل دعامة أساسية في أحداث الرواية. لكنه على أية حال، وعبر يوميات البديري الحلاق، أعطى للرواية جذورا تاريخية أغنت الأحداث وشخصياتها".

وذكرت سجدي، في هوامش البحث، أن الروائي ابراهيم نصرالله، استفاد من نسخة منقحة من يوميات البديري الحلاق في روايته "قناديل ملك الجليل"، التي صدرت في بيروت عن الدار العربية للعلوم 2012، وكذلك قالت ان نسخة القاسمي استخدمت كنص رئيس للمسلسل التلفزيوني "الحصرم الشامي" الذي عرض العام 2007. كانت كلمات المقدمة في الحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل كالتالي "مائة عام مرت على احداث الجزء الأول، ولم يتغير شيء في المشهد العام للمدينة ما خلا بعض اسماء المنتفعين واصحاب النفوذ والسلطة".

وثمة جانب مثير للانتباه في كتاب البديري ويتمثل في رصده فتيات الهوى في دمشق. وفي حين تقبل معظم الباحثين رواية البديري هذه بحرفها وتبنّوا موقفه، فإن سامر عكاش، أستاذ التاريخ في جامعة أدلايد في أستراليا، في كتابه الصادر بالعربية "يوميات شامية.. قراءة في التاريخ الثقافي لدمشق العثمانية في القرن الثامن عشر"، يدعونا قبل تحليل هذا المشهد، إلى الوقوف على شخصية البديري وحياته، للتعرف على خلفيته الثقافية وبيئته الاجتماعية والدينية.  بالتالي يقول الكاتب السوري محمد تركي الربيعو في تعليق على الكتاب "إذا اعتبرنا ثقافته الشعبية وخلفيته الدينية الصوفية المحافظة، ومصادر رواياته بحكم مهنته، وطرق تركيبها وسردها، فعلينا من البداية ـ وفقا لعكاش ـ أن نكون حذرين في أخذ كلام البديري بكل تفاصيله وبحرفيته على محمل الجد، وفي اعتباره تصويراً أميناً وحقيقياً للواقع الاجتماعي لمدينة دمشق". و"من الأسباب الأخرى التي تدفعنا إلى التحفظ في التعامل مع نص البديري"، يقول الربيعو، أولاً: "عدم تواتر أخبار انتشار الفسق وبنات الهوى في المدينة من المصادر المعاصرة له، أو التي سبقته، أو التي تلته، وهي كثيرة". يلاحظ عكاش أن لدينا ستة نصوص لا تقل أهمية عن نص البديري، خمسة عن دمشق وواحد عن حلب. وكتّاب اليوميات هؤلاء ينتمون إلى طوائف متعددة، ويمثلون شرائح اجتماعية مختلفة، مما يعطينا صوراً وروايات متعددة للمقارنة والتحليل. في كل تلك الروايات لا يوجد ما يؤكد رواية البديري حول انتشار بنات الهوى. والسبب الثاني للتحفظ، هو سجلات المحاكم الشرعية التي تتضمن الدعاوى المقامة على أصحاب الممارسات اللاأخلاقية والمخلّة بالآداب العامة. يرى عكاش أن الصورة السابقة لا يمكن قراءتها بوصفها تعبّر عن انحلال أخلاقي داخل المدينة، بل عن ولادة تحولات عميقة وغير مسبوقة في المجتمع الدمشقي العثماني، أهمها الانفتاح الاجتماعي وتزايد الأجواء الاجتماعية المتغيرة وغير المستقرة.

(*) "حلاق دمشق/ محدثو الكتابة في بلاد الشام إبان العهد العثماني".
ترجمة البحث: سرى خريس، الأستاذة في جامعة البلقاء الأردنية، ومراجعة المترجم والباحث العراقي سعيد الغانمي، وقد نشر عن "مشروع كلمة" 2018.

آبيل ميروبول: فاكهة غريبة

يناير 30, 2019 اضف تعليق

ترجمة: آمال نوّار


منذ أيام (في 15 يناير) احتفلت أميركا بالذكرى السنوية لميلاد "غاندي أميركا"؛ مارتن لوثر كينغ الابن؛ الزعيم الأميركي من أصول إفريقية؛ صاحب الحُلْم والحِلْم، والمناضل الرافض للعنف، والناشط الأشهر في حركة الحقوق المدنية، المناهضة للتمييز العنصري ضدّ السود، والمطالبة بالحرية والمساواة؛ تلك الحركة التي انطلقت في عام 1954، وذهب هو ضحيتها في عام 1968.
في هذا العام، ومع مرور تسعين عامًا على ميلاد كينغ (1929)، تصادف أيضًا ذكرى مرور ستين عامًا على رحيل مغنية الجاز الأميركية الإفريقية الأشهر: بيلي هوليداي (1915- 1959)، الملقبة بِ "لايدي داي" Lady Day، التي عاشت في فترة جحيم التمييز العنصري، وغنّت عن معاناة السود في بلدها ومآسيهم. في هذه المناسبة، رأينا أن نترجم إحدى أشهر أغانيها عن مرارة الألم الأسود: "فاكهة غريبة"، وهي قصيدة لشاعر الأغاني الأميركي "آبيل ميروبول:، الذي كان يكتب باسم مستعار (لويس آلان)، والذي لم يكن معروفًا من قبل أن يصدح صوت هوليداي بكلمات قصيدته هذه، والتي كان كتبها في عام 1937، وغنتها هي للمرة الأولى في عام 1939.
  
يمكن الاستماع إلى هذه القصيدة المترجمة والمرفقة بنصّها الإنجليزي الأصل، بصوت بيلي هوليداي، في فيديو على موقع يوتيوب، من إعداد  صادق آل غانم وترجمة آمال نوار، وذلك على الرابط التالي: https://youtu.be/D7CggKNaCXQ


يا لها فاكهةً غريبة تحملُها أشجارُ الجنوب؛
دماءٌ على الأوراق ودماءٌ عند الجذور،
جثثٌ سُود تتأرجحُ في نسيمِ الجنوب،
إنّها لثمارٌ عجيبة تتدلّى من الحَوْرِ الممشوق.

يا للمشهدِ الريفيّ من الجنوب الشَّهم، 
بتلكَ العينين المتورمتين والفم الملتوي،
حيثُ تفوغُ رائحةُ مَغْنُوليا طيَّبةٌ ومُنعشة؛
وإذ ذاك تسطعُ الفوعةُ الصاعقةُ لاحتراقِ اللَّحْم.

هنا فاكهةٌ للغربانِ تنقرُها،
للمطرِ يجنيها، وللريحِ تنهشُها،
للشمسِ تُفسِدُها، وللشجرِ يطرحُها،
هنا غَلَّةٌ عجيبةٌ ومُرَّة

شوفي أبي شقر... خطوات الملك*

يناير 30, 2019 اضف تعليق


فوزي يمين 
سُررتُ كثيراً عندما دعاني الصّديق الدكتور محمّد ناصر الدين، باسمِ مُنتدى شهرياد، إلى قولِ كلمة في الشّاعر شوقي أبي شقرا. وبصراحة، من حين أبلغني ذلك، منذ أسبوع تقريباً وفي هذا المكان بالذات، وأنا أفتح كتُبَ شوقي في غرفتي وأفلفشُها، صفحة صفحة، ويكدُّني العرق. وكنتُ، كلّما أفتح كتاباً، أدفنُ وجهي بين دفّتيه وأتمتمُ بشفتيْنِ متلعثمتيْنِ: ماذا أقول؟ ماذا أكتب؟ ماذا أقول؟ ماذا أكتب؟ خطرَ لي أنّ أفضلَ ما أفعلُه هو أن أسكت. أسكت، وأتسلّل. دخلتُ أوّلاً من "أكياس الفقراء" المفخوتة، مُتتبّعاً آثار "خطوات الملك" المُبتعثرة، ومن دون أيّ تفكير رميْتُ نفسي ... تزحلقْتُ على منعرجات الصّفحات، و"كالسّنجاب" "وقعْتُ" من شاهِق "أبراجها"، وكرَجتُ "كالماء إلى حصان عائلتها"، طرطشتُ الصّفحةَ وجِلدة الكتاب والطاولة أمامي حيث "تجلس حَيرتي تفّاحة" عليها، والكلمات، عربات تلو عربات، "كالسّائق" الأخوت صعَدْتُ إليها و"نزِلْتُ منها"، ثمّ قذفتُ روحي في الهواء وتركتُها تسقط وتتهدّل كشرشف يصلّي على "سرير الوحدة"، ثمّ توغّلتُ أكثر، "تابِعاً السّاحر رَكْضاً" على طول السّطر "كاسِراً السّنابل"، وتجرّأتُ أكثر فنزعتُ عن "سهرة الواحة والعشبة ثيابها"، و"كنوتيّ مُزدهِر القَوام" اقتحمتُ "الهيكل" وسرقتُ "تاجَ الفتى"، ثمّ عدتُ أدراجي، في يدي "أبجديّة الكلمة والصّورة"، ورائي "الثمار والطيور تتساقط وليس الورقة"، آخذاً معي كلّ شيء، تاركاً فقط "الكلمة وحدها، راعية، أقحوانة في السّهول، ولا تخجل أن تتعرّى".

وكنتُ كلّما أتعب في رحلتي الطويلة والشاقّة هذه، أطلع من الكتاب لاهثاً لآخُذَ نفَساً، ولو للحظة، ثمّ أعود لأدفنَ وجهي من جديد، مُتمتِماً في سرّي: ما هذا الكوكبُ العجيبُ الذي حطَطْتُ على سطحه؟ ما هذه الغرابة التي تبدو أليفة كحواضر البيت، هذه الطفولة تركض ولا تتعب، الإنسياب الشّاسع الهائل، التلاعُب الحرّ بالصّوَر والكلمات، الدَّفق الشعوريّ، الشَّحن اللغويّ، الكَرّ اللفظيّ، الجُملة كيف تُبرَم كيف تُفتَل وهي مربوطةٌ برِجل أختها بخيط حرير كخلخال إيقاعيّ شفّاف، وكيف هذه اللغة المُغايِرة الطازجة الخلنج، من أيّة شجرة فتّاكة قُطفتْ، وعلى أيِّ تنّور خُبزتْ، وفوق نار أيّ حطب تقلّبتْ، بغريزة مُلتَقَطة من زاوية حادّة، وسَليقة مُطعَّمة بثقافة عالية كارجة كشمس على دولاب، ربّي، وما كلُّ هذا العشقُ المحمومُ لِلُغة طالعة منها النّيرانُ، ضاربة سقف حَلق السّماء؟

ثمّ، شيئاً فشيئاً، أعود وأنهض لألتقط أنفاسي من جديد، أتمشّى قليلاً في الغرفة، باتّجاه الشبّاك هذه المرّة، أفتحُه، وأسهو، متذكّراً: أوّلَ ما التقيتُه في بيروت، في شارع الحمرا، في مبنى النهار على بُعد تقاطُعيْن من هنا. دخلتُ. كان غارقاً بين كدسات الأوراق والكتب، ما كان لِيظهر منها لو لم يكن فارع الطول، حاجباه عاليان مشرقِطان، وأصابعه طويلة رشيقة يعربش بهما- وهو يحكي- على سُلَّم الهواء الخفيّ، مُمسِكاً بقلم بيك أحمر ينقرُ به، من وقت لآخر، رأسَ الكلمات أمامه فترنّ وتلتمع. وفجأة ابتسم لي، لم أعرف لماذا، ضيّفَني كلمات فيها شمسٌ وماء، وعزَمَني إلى حبر الجريدة. ما كنتُ أعلمُ يومَها أنّه، من وراء دفّة مكتبه الحديد القديم ذاك، كان يغيّر مسار الكتابة العربيّة.

ثمّ، كخيط في كنزة، كرّتِ الأيّام... وأنا أفكرّ بهذا الإنسان، كيف استطاع، على مدى نصف قرن وأكثر، من الشّغل الشعريّ والصِحافيّ المُضني في حُمّى المدينة، وأحداثها الفوّارة، وتوابلها الحارّة، أن يزمطَ بين عجلات السّنوات، وندوب الحروب، وقَسوة الأعراض والأمراض، وصخَب التغيّرات والتحوّلات، ويبقى شاعراً ساحراً، أنيقاً لمّاعاً، نظيفاً شريفاً، خَلوقاً سَموحاً، صامداً عنيداً، لا يساوم ولا يهادن في كلمة، على قامة صلبة كالسّنديان، مُستقيمة كالرّمح، وفيه من شفافيّة النّور وعمق الظّلال والتماع الجوهر ما لا غبارَ عليه...؟!

أخيراً، حين لم أستطع أن أقول شيئاً ولا أن أكتب شيئاً عنه، قرّرتُ أن أخرجَ من غرفتي وآتي إليه الليلة بلا أيّ شيء، مع صديقيْن يُحِبَّانَه مثلي، نهيد وسميح. أُقسم بالله، ونحن في السيّارة وعيني على المرآة، أبصرتُ الكثير من الأشياء تهرول وراءنا على طول الطريق من زغرتا إلى بيروت، وتتقافز بفرح عظيم. صحيح عتمة، لكن استطعتُ تمييزَها: القنطرة، والكنيسة العتيقة، والطّلميّة، والخبز، والدّهن، والكشك، ورأس البقرة، واللوزة، والقنديل، والدّرج، والعتبة، والعلّية، والعقرب، والتّينة، والعريشة، والهندباء، والكستناء، والفرن، والملح، والعدس، والبصل المفروم، والدّيك، والدّجاجة، والعوسج، والبنفسج، والمسطرة، والبطّيخة، والملفوفة، والبطاطا، واللِفت، والشمندر المُرّ، والشّورباء، والتفّاحة، والسجّادة، والعنكبوت، وقرن اللوبياء، والرّيح وأوراق الصّفصاف...

كلُّها، كلُّها، جاءتْ معنا إلى هنا، وهي واقفة الآن تحت على مدخل الأوتيل تسلّم عليه وتبوس خدّيه، وسلّمتني هذه الرسالة:



الشّاعر الحبيب الحبيب شوقي أبي شقرا،

أطال الله عمرك، وألف مبروك لك.

أمّا بعد، فشكراً من القلب لكلّ مَن يكرّمُك. لكنْ حَريّ أن تكرّمكَ اللغةُ العربيّةُ نفسها، لغتُنا، بكامل عصورها المجيدة الغابرة، لِما استطعتَ أن تفعل بها ولها، شاقّاً أرضاً بِكراً فيها، مُمَجِّداً سماءها، مُجدِّداً ماءَها، ناكِشاً ترابَها، ناقِفاً عصبَها، ضاخّاً في عروقها دماءً جديدة، مُشتقّاً منها الأعاجيب، حارقاً سلّافها، مُخربِطاً سياقها، مُقشِّراً حَرامها عن حَلالها، مُخلّصاً إيّاها من بلاغتها القديمة العفِنة، رافعاً إيّاها إلى ذروة الفرح واللعب والخفّة والطفولة والطرافة والسّحر والحلم، وكلُّ ذلك بذوق رفيع وحِرَفيّة عالية وجماليّة أخّاذة. نعم. ينبغي أن تُكرّمك اللغةُ العربيّةُ نفسها، لغتُنا، من محيطها إلى خليجها، ومن خليجها إلى محيطها، مروراً طبعاً وأكيداً بهلالها الخصيب، المُخصَّب اليوم بالأورانيوم، الهلال الخَصيب، الهلال الغَصيب، الهلال العَصيب، الهلال الصَّليب.

(*)  كلمة فوزي البارحة في تكريم الشّاعر شوقي أبي شقرا في شارع الحمرا في بيروت بدعوة من وزارة الثقافة ومنتدى شهرياد

(الصّور بعدسة الصّديق Samih Zaatar)

لماذا استهداف السنة؟

يناير 29, 2019 اضف تعليق


جان دبغي
 


ربما لم يفكر كثيرا باسيل برده على صحيفة الجمهورية حول أزمة الحكومة . هو دايما يبحث اصلا عن طريقة تبرز انه قوي ويفرض . قال في حال لا يتم تشكيل الحكومة هذا الأسبوع سيقلب الصفحة ! صفحة ماذا ومن وما هي بدائله ؟ وصلت قناعة العديدين ممن يتابع مفاوضات تشكيل الحكومة ، وذلك منذ ٨ اشهر ، ان لعبة الفرقاء ، التيار العوني وحزب الل ، وبشكل ثانوي حركة أمل ، هي لعبة غير واضحة تطرح العديد من الأسئلة حول نويا كل طرف على حدى . الأسئلة من نوع هل الكل متفق على ضرورة تشكيل الحكومة بأسرع وقت ؟ قد يقول البعض ان كل حزب وحركة مع تشكيل الحكومة بسرعة لان زبائنهم ( ناسهم ) بحاجة للتوظف . وقد يقول البعض الآخر ربما هناك قطبة غير معروفة ، داخلية او خارجية ، ليس المهم الا اذا كانت الأطراف المؤثرة جدا داخليا هي الملتزمة الأكثر بالخارج . غموض اللعبة يترك المجال بالشك بمواقف الأطراف حول ضرورة التسريع بالتشكيل او ضرورة حكومة اذا كان الوقت يسمح . الملاحظ ان المسيحيين لهم رئيس جمهورية ، والطائفة الشيعية لها رئيس برلمان ، الا ان الطائفة السنية ليس لها رئيس حكومة ، ومع ان الطائفين الشيعية والمسيحية يتفقان على دعوة البرلمان لتشريع الضرورة الا ان التيار والثنائية الشيعية ضد اجتماع حكومة تصريف الأعمال باسم الضرورة !
عن الفايسبوك

فورين بوليسي: هذه هي التداعيات غير المحسوبة للخروج الأمريكي من سوريا

يناير 29, 2019 اضف تعليق


إبراهيم درويش 

لندن ـ “القدس العربي”: بعنوان “التداعيات غير المقصودة لانسحاب ترامب من سوريا”، كتبت لارا سيلغمان في مجلة “فورين بوليسي “مناقشة أن قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا أدى لتقوية روسيا وإيران وإضعاف أكراد سوريا الذين يواجهون تهديدا وجوديا، فيما تعزز إيران من مواقعها في البلد بعيدا عن حدودها.

وترى الصحيفة أن هذه هي تداعيات لم تكن بالحسبان وجاءت بسبب القرار المتعجل للرئيس ترامب. وهو قرار أدى في الشهر الماضي لجدال داخل واشنطن ودفع باستقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس. ومع أن الإنسحاب ليس سريعا وربما لن يكون شاملا كما يتخيل ترامب إلا أنه أدى إلى تحولات في التحالفات والمصالح في البلد الذي حطمته الحرب الأهلية وتحول لساحة تنافس بين القوى الدولية والإقليمية.

ويقول جون ألترمان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، “عندما قال إننا سنخرج بدون شروط وحالا فإن كل الأطراف تقوم بعقد تحالفاتها. انخفض التأثير الأمريكي وقدرة الولايات المتحدة على ممارسة نفوذ طويل من معقولة إلى صفر”.

وقالت دانا سترول، الزميلة البارزة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن موسكو لديها مصالح قوية للحفاظ على التاثير في سوريا من الناحية الإقتصادية والسياسية. وظلت سوريا سوقا مربحة للسلاح الروسي وقطاع الأمن. وعلقت أن نجاة الأسد تعد انتصارا استراتيجيا لروسيا، خاصة أنها دعمت بقاء الديكتاتور. إلا أن المراقبين يخشون من  صعود تأثير روسيا في سوريا وتعبيد الطريق أمامها- ومن خلالها طهران- لتقوية تأثيرها في المنطقة واستعادة الأسد القوة التي خسرها قبل الحرب. فمنذ إعلان ترامب عن خطط الخروج تحولت روسيا إلى وسيط دبلوماسي بين تركيا ونظام الأسد وقوات سوريا الديمقراطية- حلفاء الولايات المتحدة حول مناطق شمال- شرق سوريا. وتنظر أنقرة لقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية بأنها فرع لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا كجماعة إرهابية. وأصبح مستقبل الأكراد معلق في الريح وعرضة للهجمات التركية عبر الحدود. وبنفس المثابة خسر الأكراد النفوذ الذي كان لديهم بوجود الأمريكيين في التفاوض مع نظام الأسد. وتقول سترول “يواجه الأكراد وضعا وجوديا الآن”. وزادت تركيا من سوء الوضع عندما قالت إنها ترغب بإنشاء منطقة عازلة بينها وبين الأكراد على الحدود بطول 20 ميلا. ويقول الخبراء إن هناك مخاوف من سيطرة تركيا على ذلك الجزء منم سوريا بشكل يترك مدنا حدودية مثل كوباني تحت رحمة الأتراك. وقامت القوات التركية والقوات السورية الموالية لها بدخول بلدة عفرين العام الماضي وهددت بدخول منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من القوات الأمريكية. وخشية الهجوم طلب الأكراد من موسكو والنظام السوري في دمشق الحماية. وتقول سترو “لقد قدمنا لروسيا الفرصة المناسبة كي تظهر بصورة البطل هنا”. ويبحث الرئيس فلاديمير بوتين عن بدائل للوجود التركي على التراب السوري. ففي اجتماعه الأخير مع الرئيس رجب طيب أردوغان حثه على إحياء المعاهدة الأمنية الموقعة بين تركيا وسوريا عام 1998. ويهدف بوتين بوضع الحدود تحت سيطرة الأسد. وطالب الإعلام الرسمي بانسحاب القوات التركية من سوريا قبل تفعيل الإتفاقية الامنية بين البلدين. ويرى الأكراد أن التعامل مع النظام والروس هما أحسن الخيارات بدلا من التعامل مع الأكراد. وتقول سترول “بين حتيمة العمليات التركية في الجيوب الكردية وعقد صفقة مع النظام فهم يفضلون الخيار الأخير”.

ويواجه المقاتلون المعارضون للنظام مصيرا غير معروف حالة توصل الأكراد إلى اتفاق مع النظام. وسيصبح المقاتلون السنة معزولين وعرضة للتجنيد كما حدث عام 2014 لتنظيم “الدولة” حسب تقييم سترول. وقالت “هم أساس تنظيم الدولة رقم 2”. وبدون دعم الولايات المتحدة فسيصبح مستقبل قوات سوريا الديمقراطية التي أنشأتها أمريكا لإخفاء الوجه الكردي السائد للقوات. وقد تتشرذم هذه القوات بشكل يدفع تنظيم “الدولة” لاستغلال نقطة الضعف. وقالت سترول “لست متأكدة إن ظلت قوات سوريا الديمقراطية فاعلة”. و” سيرفع الضغط عن تنظيم الدولة ولن يتم إكمال الحملة ضده بالطريقة التي سترضي أمريكا”. وفي الوقت نفسه تغض روسيا ونظام دمشق الطرف عن نشاطات إيران لبناء الممر البري العابر للعراق وسوريا إلى لبنان.

ويستخدم قادة إيران “القوة الناعمة”التي استخدموها في لبنان. ففي ورقة نشرها موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى كتبتها سترول مع حنين غدار “ليس القوة العسكرية فقط ولكن السياسية والدينية والثقافية”. وتقوم إيران بشراء العقارات وبناء القاعات والمساجد واستبدال السكان السنة بآخرين موالين لهم وللأسد. وحولت إيران المساجد السنية إلى حسينيات ومراكز دينية شيعية وبنت مدارس وافتتحت مراكز لتعليم اللغة الفارسية بل وعرضت وظائف برواتب عالية للسنة العاطلين عن العمل. وتم دمج بعضهم في الميليشيات الشيعية براتب 200 دولار في الشهر. وقالت سترول “لا يقف الإيرانيون متفرجين”. وتقترح سترول دق اسفين بين روسيا وإيران فمصالحهما ليست واحدة ولكنهما عملتا معا للحصول على تأثير في سوريا.

مايا دياب من دون فلتر

يناير 29, 2019 اضف تعليق

بدت الرفيقة مايا دياب في الصورة بلوك طبيعي، بعيداً عن مساحيق التجميل، والرموش الصناعية والعدسات اللاصقة، كما أنّها سجّلت هدفاً في مرمى الفنانات اللواتي يظهرن في صور بدون ماكياج، ويغالين في استخدام الفلتر، فأطلقت هاشتاغ #UnfilteredMayaDiab في إشارة إلى أنّ الصورة طبيعيّة ولم تخضع لأي فوتوشوب. 

وعلّقت مايا على الصّورة عبر حسابها على "انستقرام" "من دون فلتر، من دون فوتوشوب، لديّ الشجاعة والثقة لأكون أنا حقيقية وطبيعية".

علوان حسين... قصيدة البياض

يناير 29, 2019 اضف تعليق



طالما القصيدة في رأسي يمكنني كتابتها هناك في أحد مكاتب الجريدة . قلت ُ لنفسي وأنا أحث الخطى والأفكار تعبث ُ في رأسي . الطريق إلى مبنى الجريدة طويل وأنا أذهب ماشيا ً على قدمي َ , حذائي ممزق وبطني خاوية وجيوبي فارغة تماما ً حتى من أجرة الباص . كان الطقس حارا ً وأنا ألوذ في ظل البنايات محتميا ً من قيظ الشمس وكأني أحمل على كتفي موقد فحم ٍ مشتعل ٍ لا رأس لماذا شمس العراق تتبعني حتى وأنا في عمان اللطيفة الطقس غالبا ً ؟ بين مسافة ٍ وأخرى أجلس على مصطبة مواقف الباصات تلاحقني أصوات الباعة المتجولين وزمور السيارات وقرقرة بطن ٍ جائعة . القصيدة تدوي في رأسي كموسيقى وحشية لكني أشعر بتعب ٍ شديد وقليل من الدوار وأخشى لو أغمي علي َ أن تتلقفني تلك السيارة البيضاء التي تطارد الوافدين وبدلا ً من المشفى أجد نفسي مقيدا ً جاهزا ً للترحيل حيث الجحيم بإنتظاري .

سرت بضع خطوات ٍ كأنني ثمل ألم ٌ في الرأس داهمني وفي معدتي في ذات الوقت وشعرت بجفاف فمي وشعور بالعطش ورغبة عجيبة في أن أموت على الرصيف . لو فقط أصل إلى مبنى الجريدة أحدهم سوف يطلب لي شاي ربما أحصل على ساندويجة جبنة لو تجرأت وطلبتها , لا أحد يبخل على زميل حرف ٍ يتضور جوعا ً لا تزال الدنيا بخير وأنا أعيش وسط أشقاء لي . في الطريق كلما أبصرت ُ سيارة شرطة تمر ُ أمامي أشعر بالرهبة والخوف الغريزي وكأن شرطة العالم كلها تلاحقني ضجرت من هذا السجن الصغير الذي أحمله في رأسي وشبح الشرطي يلاحقني آنى ذهبت . أسير وأنا أتفقد جسمي وأحمد الله بأني لا زلت حيا ً وحرا ً وفي رأسي قصيدة مختبأة في مكان ما من تلافيف دماغي .

وصلت ُ مرهقا ً والعرق يتصبب بغزارة من كل مسامة ٍ في جسمي مع شعور بالدوار وألم في المعدة وشيء من الصداع فجأتني نسمة باردة تنعش ُ القلب وبصعودي درجات مبنى الجريدة إنتقلت ُ طبقيا ً من متشرد ٍ على الرصيف إلى زميل في مهنة الحرف .

كان مزاج مسؤول الصحفة الثقافية رائقا ً حدست ُ من إستقباله لي بإبتسامة مشرقة وترحيب ٍ لطيف أنساني الجوع والعطش وتعب المسير . سألني ها ماذا لديك ؟ قلت له قصيدة جديدة هي أفضل ما كتبت ُ . هاتها بسرعة مواد الصفحة لم تكتمل بعد . فتشت ُ في جيوبي ثم تذكرت ُ بأني لم أكتبها بعد . القصيدة في رأسي لم أكتبها بعد أخبرته وأنا في حالة إرتباك . قلت لي القصيدة في رأسك ؟ نعم هي في مكان ٍ ما في رأسي . ولكن كيف لي نشرها ولم تتحول بعد إلى كلمات ؟ قلت لا أدري ربما مع كوب شاي وكسرة خبز أستطيع إستدراجها من رأسي إلى الورقة . إليك هذه الأوراق وتلك الطاولة وسأوصي لك على كوب شاي قلت ُ وسندويجة من فضلك إني أموت ُ جوعا ً . تكرم عينك شاي وأحلى سندويجة وأرني قصيدتك الرائعة . أنهيت ُ السندويجة مع الشاي شعرت بأنها لم تسد رمقي والقصيدة تأبى على المجيء . الوقت ُ يمر والرجل ينتظر ُ وليس في رأسي سوى وليمة طعام ٍ شهية . تخيلت ُ أمامي وجبة أضلاع مشوية من لحم الظأن الشهي وأطباق مختلفة من المقبلات وعلى الطاولة زجاجة نبيذ جالسة كأنثى باهرة الجمال إنتبهت إلى أن هذه التخيلات التافهة تطرد القصيدة ولا تحملها على المجيء . حين إلتقت نظراتنا أنا والمحرر قلت له لدي َ فكرة قد تعجبك . وأنا مصغ لك أجابني . ما رأيك لو تترك مساحة فارغة وتضع عنوانا ً لها ( القصيدة المضمرة ) وتترك لخيال القارىء قرائتها كما يحب ؟ تعني قصيدة بلا كلمات ؟ نعم بعض الشعر تفسده ُ الكلمات . أكيد أنت تمزح معي . قلت لا أبدا ً أنا في منتهى الجدية , ستكون سبق صحفي لك صدقني . أصدقك لو كنا في باريس مثلا ً وقتها أستطيع القول بأنها قصيدة سريالية مثلا ً .

تستطيع القول بأنها قصيدة البياض مثلا ً , قصيدة بلا كلمات . لو فعلت ما تقوله أصبح متشردا ً مثلك , لا وقت لي ولا مزاج لمزحة ٍ من هذا النوع هل لديك القصيدة أم لا ؟ الحقيقة كما قلت لك هي معي في رأسي وليست على الورق . أنسى الموضوع يا صاحبي لا قصيدة بلا كلمات .

عتمة الكلمات تذكرت ماريكا

يناير 28, 2019 اضف تعليق



الياس خوري

JUNE 15, 2015 - القدس العربي

اسم هذه المرأة اختفى من المكان. شارع المتنبي الذي كان بيتها محته جرافات «سوليدير» ومشروع إعادة إعمار المدينة. القباب العثمانية التي كانت تحفة للناظرين، والشرفات المسورة بالحديد المشغول بالزهور أخلت مكانها لساحة شاسعة يملؤها الفراغ.

تذكرت يوم ذهبت اليها مع مجموعة من الأصدقاء لالتقاط صور خراب بيروت، من أجل إعداد ملصق لمسرحية مقتبسة من رواية «رحلة غاندي الصغير»، وكيف وقفنا مشدوهين أمام اسمها الذي كان يتدلى معلقاً على لافتة من النيون تكاد تسقط عن الشرفة. أحسست أن ما يسقط عن الشرفة ليس الاسم وحده، بل المرأة اليونانية التي أشعلت خيال الناس في بيروت، بجمالها الساحر، وبيتها، والحكايات التي رويت عنها، وصارت أشبه بالخرافة.

ماريكا لم تكن بيروت، مثلما كتب بعض الأدباء الذين مزجوا بين المدينة وأحد أسمائها التي لا تحصى. فالمدينة التي فتحت ذراعيها للاجئين كانت أرض لقاء. بيروت ليست مومسا. إنها مدينة، وماريكا لم تكن سوى مومس عرفت ان تميز بين مهنتها وقلبها. قلبها كان للمدينة أما جسدها فكان نصباً للرغبات. عرفت ماريكا كيف تميز بين الجسد والقلب، ولم تعط جسدها وقلبها إلا لرجل واحد أحبته، وأتت اليوم تبحث عنه في التراب المغطى بالأسفلت.

الاسم الذي كان عنواناً للرغبة، حيث تنحني فيه الألف على الياء، صار ظلاً للوحة الجسد الأنثوي عندما يتسع للكون، ويصبح مفتوحا على الحياة مثل حرف النون.

تذكرت ماريكا لأنها ليست بيروت، وهذا هو سرّ المرأة وسرّ المدينة. ولا مجال للخلط بين السرين. كل سرّ يحمل في داخله عوالمه الشاسعة التي لا تحد، وتنمو على ضفافه طفيليات تدّعي الانتماء اليه، لكنها تظل خارجه، لأنها ليست من طينة من يحمل عبء الأسرار وجماليات المعاني.

تذكرت ماريكا لأن بيروت خانتها، المدينة التي خانها الجميع تخون نفسها، وكانت خيانة بلا جمال. قالت إنها كانت تتوقع الخيانة بل تنتظرها، فالإنسان خائن بطبعه، لكن المدينة التي خانت ماريكا، وهدمت قناطر بيتها، وحطمت اسمها، وجرفت شارع المتنبي، كانت تعرف انها تخون نفسها أيضاّ، وهنا تقع خطيئتها التي لا تغتفر.

قالت ماريكا انهم جميعا يدّعون حب المدينة والانتماء اليها، لكنهم يكذبون. فالذي يحب المكان لا يدوس الذاكرة. «الذاكرة يا ابني كالبشر تمشي، وكالبشر تتنفس الهواء، وكالبشر ترفض ان تُهان».

قالت ان الذين لا يعرفون ان بيروت كانت مدينة اللاجئين اليها من الخوف والقتل والاضطهاد، لن يعرفوا بيروت، وسيدوسون على ذاكرتها، وهم يعتقدون انهم يعيدون بناءها.

«اليها لجأ سكان جبل لبنان خلال الحرب الأهلية الطائفية الأولى عام 1860، واليها نزح الدمشقيون في العام نفسه خوفاً من المذابح، انها مدينة الأرمن والفلسطينيين والسوريين مثلما هي مدينة اللبنانيين، ومن يقل غير ذلك فهو يخون بيروت ويدوس على ذاكرتها وعلى ذاكرة موتاها».

و»لكنك مومس»، قلت، «منذ متى تعظ القحبة في الأخلاق»؟

قالت انها لا تعظ، ولا يهمها الأخلاق، «الأخلاق يا صديقي هي ابنة الحقيقة، وانا مضطرة اليوم للدفاع عن الحقيقة ، بعدما استبيح كل شيء».

«أما مهنتي فلا علاقة لك بها، انها مهنة بنات الفقراء والغرباء، هل تعرف من أنا وكيف وصلت إلى بيروت؟ انت لا تعرف ولن أخبرك، لكن تأكد انني ما كنت لأمشي اليوم وحيدة في عتمة ليل بيروت، لو رأيت فيكم إنساناً واحداً يدافع عن حقيقتكم وحقيقة مدينتكم. أعرف انكم أولاد هذا الخراب، لكن مأساتكم وذلكم ليسا مبرراً مقنعاً لتشويه مدينتكم وقذفها من الحقيقة إلى الأسطورة، أساطيركم هي بلواكم، وبدل ان تروا في بيروت مدينة الغرباء الباحثين عن فضاء الحرية، تقومون بتحنيط المدينة في الأسطورة، وتدفنون ذاكرتكم في جثة الكلمات».

لم أستطع أن أقول شيئاً، نظرت إلى المرأة كي أجيب فلم أعثر عليها، كأن الظلام ابتلعها، وأخذها إلى حيث لا أدري. ثم اكتشفت انني كنت كمن يحاور نفسه، أنا التائه وليست هي، انا من يبحث بين التراب عن أرواح الموتى، كي يستظل بها ويأنس اليها، أنا من يشعر بالخيانة. داسوا على ذاكرتي، وها أنا أقف وحيداً على رصيف العتمة.

بيروت اليوم لا تملك ذاكرة، ذاكرتها مدفونة مع الموتى ومغطاة بالإسفلت، وسوداء بأضواء براقة تحجب الرؤية عن العيون.

ماريكا ليست الموضوع، فهذه المرأة هي مجرد ذاكرة، وقد تكون من صنع الخيال، لكنها حاضرة من أجل ان تمنعنا من النسيان.

خيالنا بنى لها هالة محاطة بمصابيح صغيرة، تدلنا على كاتدرائية القديس جاورجيوس أو سيدنا الخضر، وهناك في سماء الكنيسة الذي تضيئه عيون أيقونات القديسين المفتوحة على الدهشة أمام سر الموت، هناك علقت ماريكا أجمل ثريا يشتعل فيها النور.

نور هذه الثريا التي دمرتها الحرب لم ينطفئ يوما، لا لأن ماريكا كانت قديسة، بل لأن الحقيقة تضيء وتبدد عتمة الكلام.

قالت إنها ترى العتمة في كلامنا.

كنت اعتقد أن الأصوات لا ألوان لها، إلى أن وقفت ليلة أمس وحيدا قي ساحة البرج، والتقيت بتلك المرأة التي شرحت لي أن العتمة الكبرى هي عتمة الكلمات.