البكاء المموسق.. ورقة الحزن العراقية الخضراء أبداً

ديسمبر 31, 2019 اضف تعليق

نص أول من مجموعة نصوص تُقدم الغناء العراقي، تُناقش تميّزه المعترف به، وخصوصيته، وعلى ذلك دوره في حياة مجتمعه.

زاهر موسى
شاعر وإعلامي عراقي


عرف العراق الحزن مبكراً. الصوت الجميل كان تجربة لتحويل اتجاه الحزن لا أكثر. غالباً، كان الأمر يتعلق بتجسيد مأساة مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب كي لا تمحوها الذاكرة العجلى. ذهب العراقيون منذ العصر العباسي نحو تحويل رثاء أقدس شهدائهم، حفيد الرسول، إلى فن صوتي. وحينما جاء البويهيون شاع الأمر ووجد مناخاً مناطقياً له، لكن شيئاً ما دفع بهذا الترنم الحزين إلى واجهة الصراع السياسي، ليدخل حيز التعبير عن المعارضة عبر المزج بين واقعة الطف من الماضي وما يمد لها بصلة من وقائع الأزمان اللاحقة بها.


فن الحزن

تحتفظ ذاكرة شيعة العراق بغالبية الأسماء المؤسِّسة لهذا الفن الذي صار له أنماط وقواعد، وانقسم لاحقاً إلى ثنائية الأصالة والتحديث. وعلى الرغم من انشغال تيار الأصالة في صياغة "اللطمية" بحسب مقاسات الفاجعة الحسينية، إلا إن هذا التيار كان شغوفاً بمساحة الشعرية على حساب اللحن المؤدَّى. ومع ستينيات القرن الماضي بدأ الرواديد وهم منشدو حلقات الحزن هذه بالمغايرة. تشترط اللطمية الانتظام في لطم الصدور بتناغم يسيطر عليه الرادود عبر آدائه المتزن، الذي تختلط فيه مزايا الناعي بالمنشد حتى يصعب التمييز بينهما، قبل هذا يكون الشاعر والرادود قد وجدا روحاً تجمع موهبتيهما في بوتقة الحزن والولاء لقضيتيهما. يكون هذا سابقاً لتقويم التراجيديا الشيعية والذي يبدأ من محرم الحرام وحتى ما بعد منتصف شهر صفر فيما سبق.. أما اليوم فقد اتسعت مناخات الحزن لتستحضر غالبية المآسي التاريخية لهذه الطائفة على طول العام.
ترتبط اللطمية بالمحاضرة الحسينية التي تسبقها عادة. وبعد أن ينهي خطيب المنبر وعظه وتذكيره السردي بواقعة الطف، يشرع الرادود بالإنشاد ويعضده الحضور بترديد مطلع القصيدة المموسقة ولطم صدورهم. وحتى سبعينيات القرن الماضي كان العزاء الحسيني لا يغادر المقامات الموسيقية الرتيبة والفخمة. حينها برز اسم حمزة الصغير كوريث لأسلافه من"الرواديد" في الإنشاد الأصيل الذي يليق بقدسية الواقعة والحزن ضمناً. حمزة اليتيم والمولود في أزقة كربلاء الملتوية على شجنها الخاص امتهن أعمالاً كثيرة في شبابه كالعطارة وصناعة الأحذية، وحين أصبح اسماً معروفاً في مواسم العزاء أخذت صوته الأشرطة التي لم تكن آنذاك جزءاً أصيلاً من حياة الرواديد. كان حمزة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بشاعر كلاسيكي اسمه كاظم المنظور، وكلاهما نجح في تطوير منظومة اللطميات نحو أفق أكثر التزاماً بالتصوير الشعري والمغايرة الموسيقية الهادفة. تبع حمزة الصغير في شهرته رادود آخر هو ياسين الرميثي واختلفا في سياق قصائدهما حيث ذهب الأول باتجاه تطوير المقامات، أما الثاني فكان أميل إلى تحديث المضامين وإشاعة الروح السياسية في لطمياته. ارتبط اسم ياسين الرميثي والشاعر رسول محيي الدين بقصيدة "يحسين بضمايرنه" التي أصبحت نشيد الشيعة المقهورين بفعل السلطة عبر عقود. كانت ميول الرميثي في قصائده سبباً في اعتقالات طالته هو وأبناءه، الذين أُعدم منهم ثلاثة، ومن ثم هجرته من العراق بعد انتفاضة عام 1991.



تحديث الحزن

وفي الثمانينات والتسعينيات من القرن الفائت تعرّف العراقيون داخل وخارج العراق ــ على الرغم من فرض السلطة رقابة متزمتة ــ على شابين سيكونان الأشهر عبر السنوات في هذا الفن الصوتي، جليل وباسم الكربلائي. كانا ممن هربوا من العراق عقب ما يُعرف بانتفاضة صفر عام 1977 والتي حرّم فيها النظام الشعائر الحسينية، وأفرزت مواجهة مع السلطة أُعدم فيها الكثيرون. جليل الأكبر سناً كان معروفاً من الشيعة في دول الخليج وكذلك المنفيون العراقيون في سوريا وإيران، وكان باسم الكربلائي، الذي سيغدو الأشهر، ملازماً له. كان من الواضح تأثير ثقافة الكاسيت على شيوع هذين الاسمين وكيف كان تسرب صوتيهما المسجلين إلى العراق يمثل تمسكاً بروح الشعائر الملغية قسراً.
  

أسباب كثيرة حدت بشيعة العراق وآخرين إلى التشبث باللطمية كفعل معارض، وأهمها بث الحزن والنواح على سيل المصائب الذي لحق بهم عقب إعدام المرجع محمد باقر الصدر عام 1980. جليل الكربلائي كان ملتزماً بالمقامات ذات الجمل الموسيقية الرتيبة غير أنه بدأ بتحديث موسيقاه وقدراته في الإنشاد عقب انتفاضة 1991، أما باسم الكربلائي فقد كان ميّالاً إلى تحديث لا تحده حدود منذ بروزه، وهو ما جعله يتسيّد هذا الفن لاحقاً. وفي ظل تلك الأجواء بدأ الشباب الشيعة يتحسّسون حناجرهم في كل مكان. كان من الواضح أن القصائد تكتب وأن الرواديد ينشدون في عتمات البيوت داخل العراق في التسعينيات. وغلب على هذه المرحلة التعريض بالسلطة عبر كنايات تربط بين يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي، وبين صدام حسين، على خلفية حملات القمع الممنهجة ضدهم. وبدأ نظام صدام حسين يجد في هذه الأنماط أمراً بسيطاً لا يؤثر عليه بعد أن أعدم المرجعيات الدينية والاجتماعية، وأباد المنتفضين ووضعهم في مقابر جماعية. كانت أشرطة التسجيل تتسرب إلى العراق عبر التجارة الخاصة التي ازدهرت مع سوريا والأردن في ظرف الحصار، وباتت سوريا مشغلاً أساسياً لمؤسسات الهندسة الصوتية التي تنتج هذا الفن الصوتي إلى جوار المحاضرات الدينية، بالإضافة إلى بث الاذاعات العابرة للحدود.
كانت تجربة السيد محمد محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر، أمراً مهماً في سياق تنامي ظاهرة اللطميات، إذ كان الصدر الثاني ــ كما يصفه الشيعة ــ مهتماً بهذا الفن باعتباره شكلاً من أشكال المعارضة لنظام البعث. وقد وصل الأمر بالرجل الذي تم اغتياله وابنيه عام 1999 إلى إنشاد لطمية بصوته في إحدى خطب الجمعة وهو أمر لم يعرفه الوسط الشيعي مسبقاً. فالغالب على علاقة المرجعيات بالعزاء الحسيني منذ قرون اقتصارها على الحضور. ومنذ تلك اللحظة التي وقف فيها محمد الصدر لاطماً صدره ومنشداً قصيدة للشريف الرضي من على منبر مسجد الكوفة، غدت هذه التجربة تعزيزاً لوظيفة اللطمية السياسية والتي تمثل إضافة لأنماط المعارضة في منطقتنا بشكل حقيقي وواسع.


عودة الشعائر
عقب احتلال العراق عام 2003 وعودة الشعائر بعد حظرها على مدى عقدين ونصف، انشغل شيعة العراق بتنظيمها، وغدا المشي إلى المراقد هاجساً يقود الجموع، خصوصاً مع تحديات الهجمات الإرهابية التي قتلت الآلاف. في البداية، كان بروز الشباب طاغياً كرواديد ينشدون في كل مكان بأصوات تتلمس طريق الشهرة، ومثلّت عودة جليل وباسم الكربلائيين انتصاراً لمن ينتظم في هذا المسلك الفني. حينها لم يكن للتيار القديم من الرواديد حضوراً وباتت قصائدهم الرتيبة لا تجد متلقين كثر. الرادود وطن النجفي وهو من جيل حمزة الصغير وياسين الرميثي، حضر موسم العزاء الأول بعد الاحتلال وحاول المحتفون به اتاحة الفرصة له داخل ضريح الإمام الحسين في كربلاء، غير أن الجموع الكثيرة لم تكترث لنمطه القديم.
وقد ساهم البث الفضائي وبروز الفيديو كليب في نشر اللطمية إلى مساحات أوسع وتقديم المنتج الفني بطريقة جاذبة إلى حد بعيد. غير أن طبيعة المواقف السياسية للتيارات الشيعية أفرزت أنماطاً متعددة تصنف جميعها تحت خانة الإنشاد الديني.. التيار الصدري الذي قرر مواجهة الاحتلال عسكرياً وجد في أصوات مجموعة من شبابه المندفعين، مثل أحمد الساعدي وعلي الدلفي، ترويجاً لمشروعه عبر نمط تتميز موسيقاه بالسرعة وبإدخال عناصر موسيقية عديدة بالإضافة لأصواتهم الشجية. بدأت الموضوعات والأنماط الموسيقية تتعدد فمن مواجهة الاحتلال، إلى الأحزاب الشيعية في السلطة، إلى مواجهة الإرهاب، ومن الأداء السريع إلى المقامات الأصيلة المتداخلة بتنويعات رشيقة.
امتدت الأيام بالإنشاد الشيعي حتى مرحلة مواجهة "داعش" وهو يمتلك زخم مواجهات عديدة في الأفق السياسي والاجتماعي. وكعادة هذا الفن الموسيقي، فقد وضع نفسه في مرحلة تصد واضح لكل التحديات التي تحيق بشيعة العراق. فضائيات ومواقع الكترونية ومنابر تزدحم اليوم بالرواديد في اتساع لمشهد العزاء الذي كان لا يتسع للكثيرين، وأهواء سياسية تدفع باتجاه دعم بعض الشعائر غير المتفق عليها كالتطبير والترويج الطائفي في متن القصيدة المموسقة كإجراء دعوي وترويجي.
عبر عقود متلاصقة وضع الشيعة في أصواتهم حزناً كثيفاً مطعماً بنبرات سياسية لا تخفي الانتماء لشعور الاضطهاد الثقيل، مرّت السنوات والأصوات تزدحم في أذن المجتمع مرة بحفيف المعاناة ومرة بصخب المواجهة دون انقطاع.
عن السفير العربي

-كلمات حُبّ- روبير ساباتيي

ديسمبر 18, 2019 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط


--------------------------
كلماتُ الحبّ أبدا لن أسمعَ موسيقاها مستقبلاً.
سأشعرُ بالخوف من الصّمت، أنا الذي كنتُ أحبُّ أنْ يَرِين!
أوشوش أحياناً لأعطيَ انطباعًا بأنّ آخَرَ هو الذي يتكلّم، 
أتكلّمُ وحدي مُحَاوِلاً أَنْ أكون اثْنين.
الجدار عارٍ.
عليه أتملّى ظلّي.
شُكرًا يا ظِلِّي. يا رفيقي اللطيف! 
وأنتِ أيّتُها الذّاكرة، أنْعِمي عليّ بِذِكْرَى
فأرى حياتي كحلم: 
كلّ ذلك الماضي أتخيّله مستقبلاً.

---------------------------
رُوبير ساباتيي:
شاعر، روائيّ وكاتب فرنسي (1923-2012). ألَّفَ: "تاريخ الشِّعر الفرنسي"، في تسعة أجزاء. من مجموعاته الشِّعرية: "الأعياد الشّمسيّة"، "إهداءُ سفينة"، "الأسماك الشَّهِيّة"، "إيكارْ وقصائد أخرى"، "ضوء حيّ"... وفي مجال الرّواية، عُرِفَ خاصّة برائعته: "أعواد الثّقاب السّويديّة"، التي يتناول فيها طفولته في حيّ مونمارتر الباريسي - وهي الأولى من سلسلة روايات- وإثْر صدورها، اكتسبَ صاحبها شعبيّة كبيرة في فرنسا وخارجها .

شارون أولدز/ جِماعٌ بلا حبّ

ديسمبر 18, 2019 اضف تعليق


ترجمة ريم غنايم

كيف يفعلونها، أولئك الذين يمارسون الحبّ
بلا حبّ؟ جَمالهم كَجَمالِ راقصين،
يتزحلقون فوق بعضهم مثل متزلجي الجليد
على الجليد، الأصابعُ كلاليبُ
مغروزة في الأجساد، الوجوهُ
حمراء كشريحة لحمٍ، نبيذ، رطبة
كأطفال لحظة الولادة، توشك أمّهاتهم على
تسليمهم. كيف ينتشون ويبلغون يبلغون الرّب يبلغون مياهًا راكدة، لا حبّ
من وصلوا معهم إلى هناك، ضوءٌ ينبلج ببطء من اللحم المتعالق؟ إنهم الأتقياء الحقيقيّون،
الطهرانيّون، المحترفون الذين لن يقبلوا بحبّ مسيح كاذب، ويحبّوا الكاهن بدلا من الرّب. هم لا يخطئون الحبيب من أجل مُتعتهم.
هم مثل عدّائين كبار: يعرفون أنّهم وحيدون
في الطريق، الصقيع، الريح،
ملاءمة أحذيتهم، عافية قلوبهم/رئاتهم—ليست إلا عناصر، مثل الشريك
في السرير، بينما الحقيقة هي أنّ
الجسد المفردَ وحيدٌ في الكَون
يواجه أفضل أوقاته.

(*)  من مجموعتها المَوتى والأحياء

المَربوء ليونارد كوهن

ديسمبر 09, 2019 اضف تعليق

ترجمة ريم غنايم

لأنك لن تدمّر حياتك. لا يمكنك أن تتنفّس. خشية أن تتشرّد. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك صرتَ تعبد الوقت. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك لن تحظى بالجميلة يومًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تبحر إلى الميناء الصغير وتدخل القرية. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن حزنك لن يعود إلى أصله. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تؤمن أنه ما كان عليك أن تكون بعيدًا جدًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا هو وادي ظل الموت. لا يمكنك أن تتنفّس. حملك القارب إلى هنا. خَتمَت الفراشة فرارَك. لأنك لا تقوى على أن تكون هنا. لا يمكنك أن تتنفّس. تحطّمت الفراشة في صينيّة فضيّة وختمت فرارَك مثل حجرٍ تدحرجَ في نفق. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تُبصر الآتي. لا يمكنك أن تتنفّس. لأن هذا العالم لكَ وليس لك. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك ترتاح، لأنك تكافح، لأنك لا تعمل. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك تجعل العالم يحول بيني وبينك. لا يمكنك أن تتنفّس. لهَجسٍ بالنّفس السّاكن. لا يمكنك أن تتنفّس. هنا لديهم أشجار البرتقال والليمون. هنا ثمّة حماماتُ مياه معدنية. لأنك تريد أن تختار طريقًا. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنّك تجد لغة لترحّب بي. لا يمكنك أن تتنفّس. تتلألأ الشمس في أرجاء المياه الزرقاء. الشاطئ الحجريّ يغسله البحر. ستائر صفراء تُمتص مقابل الكوى. المروحة ترغب في أن يخلد الجميع إلى النوم. تفصلُ نفسك عن امرأة مجهولة بسترة خضراء. لشغفك بالغَلبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لن تخاطبني مثل نظير لك. لأنك أوصيتَ الحراس بأن يوصدوا الأبواب ويسلبوا النّفَس. لأن العالم مدموغٌ بالنّظام، مثل ختمٍ بشمع ممسوخٍ. لأن لك إله عدل. لأن العدل فوريّ ولا تشوبه شائبة. لا يمكنك أن تتنفّس. لأنك لا تستطيع أن تصون انفصالك. لأنّ غربتك مهزومة. لأنك تسحب أنفاسك عبر قناع من العفة. لأنك تبعث إلى الموضوعية سترتها الخضراء، الجُزر المتوهّجة، المسافة التي تفصلك عن الحب، وجلّ مأزقك اللاهث. لا يمكنك أن تتنفّس.

عصفور فوق السّلك


مثل عصفورٍ فوق السّلك،

مثل سكّير في جوقة منتصف الليل

حاولت على طريقتي أن أكون حرًّا.

مثل دودةٍ في كُلاّبٍ،

مثل فارسٍ من كتابٍ قديم

صُنتُ لأجلك كلّ أَوشحتي.

إذا كنت، إذا كنت فظًّا،

أتمنّى لو تصفحين.

إذا كنتُ، إذا كنتُ كاذبًا

أتمنّى لو تعرفين أنّي لم أكن كذلك معك قطّ.

*

مثل رضيعٍ جهيض،

مثل حيوانٍ بِقَرنه

مزّقتُ عنّي كلّ من مدّ يده لي.

لكنّي أقسم بهذا النّشيد

وبكلّ خطأ اقترفته

أنّي سأعوّضك.

رأيتُ متسوّلاً يتوكّأ على عكّازه الخشبيّ،

قال لي: “لا تطلب الكثير”.

وامرأة جميلة تركن إلى بابها المعتم،

هتفت لي، “هيه، لم لا تطلب المزيد؟”
*

أوه مثلَ عصفور فوق السّلك،

مثل سكّير في جوقة منتصف الليل


حاولت على طريقتي أن أكون حرًّا.

العبقري

لأجلك
سأكون يهوديًا من الغيتو
وَسأرقص
وَسأضع جواربَ بيضاء
عند أطراف جسدي المقوّسة
وأُسمّم آبارًا
في أرجاء البلدة.
لأجلك
سأكون يهوديًا مرتدًا
وسأبوح للكاهن الاسبانيّ
بنذر الدم
في التلمود
وأينَ تتوارى عظامُ
طفلٍ
لأجلك
سأكون يهوديًا مصرفيًا
وسأدمّر
ملكًا صيّادًا عجوزًا مغرورًا
وأضع حدًا لسلالته
لأجلك
سأكون يهوديًا من برودواي
وسأبكي في المسارح
على أمّي
وأعقد صفقاتٍ رابحة
من تحت المنضدة
لأجلك
سأكون يهوديًا طبيبًا
وسأفتّش
في كلّ حاويات القمامة عن قُلَفٍ
لأعيدَ تَقطيبها
لأجلك
سأكون يهوديًا من داكاو
وسأرقد في الجير
بأطراف جسد مقوّسة
وبأَلمٍ مُنتفخ

لا يقوى عقلٌ على إدراكه

بوروز من الدّاخل والخارج

ديسمبر 09, 2019 اضف تعليق
شذوذ كاتب بورجوازيّ
عن الملعون العجوز بيل


ريم غنايم

شكّل العام 1997 ضربة قاسية لعشّاق جيل البيت ولِمن جايلهم، ففيه رحل وليام سيوارد بوروز، صاحب الرواية الشهيرة "الغذاء العاري" والأب الرّوحي لحركة جيل البيت، عن عمر ناهز ال 83، وهو نفس عام رحيل صديقه وشريكه في الأبوّة ألن غينسبرغ، صاحب “عواء” عن عمر ناهز ال 71. قبلها بأعوام قليلة، 1969، رحل جاك كيرواك صاحب رواية “على الطريق” والضّلع الثالث في هذا المثلث متساوي الأضلاع، عن عمر ناهز ال47. ثلاثة يقفون على رأس أهمّ حركة بوهيمية في منتصف القرن العشرين، وهم نفس الثلاثة الّذين غيّروا وجه الخريطة الأدبيّة الأميركيّة لأكثر من عقدين، كردّ فعلٍ مناهض لوجه الحياة الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة كما عاشها العالم وقتها.

السّؤال المطروح هنا، لماذا لا يزال العالَم يتذكّر، بنفس وهج الأمس، كتّابًا اتّهموا لسنوات طويلة بالفحش وارتكاب الجرائم والتّحريض على السّلطة والشذوذ والإباحيّة والمجون، الأمر الذي دفع الرقابة إلى مصادرة أعمالهم التي قلبت موازين المفاهيم الشّعريّة والنّثريّة في ذلك الوقت؟ الإجابة في رأيي تكمن في صدق الشّبان البيتنيكيّين في التّعبير عن مآزق راهنة يعرفونها ويألفونها، فوثّقوها بكلمات تشبهها تمامًا بدون بلاغة مستحيلة، واستعاروا عوالم بشريّة أخرى (كالانفتاح على البوذيّة والطاويّة، البوهيميّة، الجاز، البوب، الهايكو، السورياليّة، ولغة الشوارع وغيرها) احتضنوا رؤاها بحثًا عن ملاذات بديلة. إنّه الإيمان بالكلمات وبمن ينطق بها هو ما جعل جيلاً كاملاً يهتف مردّدًا وراء هؤلاء، فجاءت قصيدة عواء لألن غينسبرغ صرخة فظّة وخشنة وخادشة في وجه الاستبداد واليأس. وجاءت رواية كيرواك "على الطريق" مفتوحة وحرّة وعفويّة تسندُ مفهوم الضّياع كرديف للحريّة. وجاء بوروز برواياته "المدمن و"الغداء العاري" و"المثليّ" و "الآلة الناعمة" وغيرها، لوحات سورياليّة محسّنة الجينات، غائرة في فظاظة الواقع، والكتابة العفويّة بأسلوب التقطيع الدادائيّ. بهذه الأساليب وهذه الرؤية، كتب هؤلاء الشّبان ما فهموه وأدركوه وعاشوه دون أن يدخلوا في معاطف وأحذية السّلف، ودون اجترار شعريّة خاوية مفصولة عن عقائدهم وعن سياقهم المتفجّر برغبات الثورة والتمرّد والانفتاح والتغيير والتي تمثّلت في صعود الجاز، وثقافة البوب، والأزياء الهيبيّة وغيرها من مظاهر كانت بشكل أو بآخر الأذن الأخرى لجيل البيت.

هنا، وفي هذا السّياق، جاء بوروز.
لم يتجاوز رحيل بوروز أو العجوز بيل، قطيعة الجسد عن الرّوح التي خلقت معها رؤية مغايرة للعالَم والإنسان والتي سرعان ما تحوّلت إلى ثقافة جيل كامل رافض مثّله بوروز بتمرّده وثوريّته وموهبة الجنوح إلى أقصى اليمين وأقصى اليَسار دون أن يقيمَ وزنًا لمؤسسة حاكمة ولا لسلطة رادعة ولا لثقافة رسميّة. هذا الرّفض في حدّ ذاته سعيًا نحو الحريّة، هو ما جعل، من كتّاب جيل البيت، وثالوثه المقدّس "الأيقونات" العملاقة للثقافة المضادّة في الحياة الأدبيّة والفنيّة في الشارع الأمريكيّ والعالَم عمومًا.
لكن يبدو أن قدر الكاتب بوروز جاء بعَكس التوقّعات وبعَكس الحسابات المنطقيّة التي رَسمت للكاتب مسار المثقّف البورجوازيّ في عائلة مرفّهة لا يعوزها شيء، انسلَخ الطّفل عن جلده، وأصبح هذا الانسلاخ الاسم الآخر للحياة. لم ينقص الطفل بوروز شيئًا على صعيد حياته الأسريّة، فالطّفل كان ينتمي لعائلة بورجوازيّة مرفّهة عريقة الأصول، لم يكن له مبرّر ليختار مسار الانسلاخ الصّعب. لكنّ هذا البورجوازيّ المرفّه، والذي سيصبح شابًا متعلّمًا مثقفًا لاحقًا، قرّر عن طيب خاطر وبنيّة مبيّتة السّقوط من "قعر القفّة" ليتمدّد في حكايات قاع العالَم السفليّ. يعترف الكاتب بأسلوبه البوروزيّ، بهذه النيّة قائلاً:
“في الواقع، ذكرياتي الأولى مصبوغة بالخوف من الكوابيس. خفت من البقاء لوحدي، خفت من الظلام، وخفت من الذهاب إلى النوم لأني دائمًا حلمت برعبٍ خارق كان دائمًا على وشك أن يتحقق. كنت أخشى أن يأتي يوم أستيقظ فيه ولا ينقطع الحلم. أذكر أنّني سمعتُ الخادمة يوما تتحدث عن الأفيون وكيف أنّ تدخينه يسوق أحلامًا لذيذة، فقلت: “عندما أكبر سأدخّن الأفيون".
المتأمّل سيرة بوروز يلاحظ رابطًا خفيًّا قويًا بين رؤيته الاحتجاجيّة المتطرّفة للواقع، ومنصبه الاجتماعيّ كبورجوازيّ يمتلك كلّ صفات ومعايير النجاح للانخراط في المجتمع. ورغم ذلك، انحرف “الطفل” عن مساره. ربّما شيء ما يكمن في جوهر البورجوازيّة كحالة توفّر للفرد كلّ احتياجاته، إلى حدّ يصل الإشباع، هو ما يمهّد ويحفّز على التمرّد بامتياز. وربّما هي حالة الامتلاء التي شعر بها “الطفل”، هي ما جعلته ينحاز إلى “غريزة” الانحراف المبيّتة. إنّها نفس البورجوازيّة التي انحدر منها غينسبرغ وكيرواك، ونفس البورجوازيّة التي هيأتهم لمسارات أكاديميّة راقية. وربّما هو هذا الانضباط الزائد عن الحاجة، والأقدار المرسومة مسبقًا لأرواح متمرّدة، هي بالذّات ما هيّأ لهذا الطّفل ولع اللعب بالمسدّس وولع السّقوط كإيديولوجيا موجّهة للحياة. يُبَرهن نموذج بوروز هنا، أنّ البورجوازيّة هي النموذج الاجتماعيّ الأمثل والدّفيئة الحاضنة بامتيازاتها وتفوّقها، الذي قد يربّي، دون وعي أحيانًا، داخله أفرادًا يطيحون به وبقيمه.
لم يكن وليام بوروز كاتبًا عبقريًا تقرأ له نصًا فيهزّك بجماليّات النّثر والشّعر وفق معايير الأدب النموذجيّ. كان بوروز حالة أدبيّة، تقليعة حداثيّة سورياليّة فانتازيّة، أشبه بـ "كولاج" ينحت، ويصوّر ويُقحم وينشز، ويعمّق الواقعيّة بكلّ غثيانه وسفالته وجماله. هكذا جاءت روايته الشهيرة "الغداء العاري" وهكذا جاءت روايته الأولى "المدمن"، اعترافات جريئة لكاتب سقط في الإدمان بإرادة ورفض حبل النجاة بإرادة أيضًا.
وكنصّه الأدبيّ العفويّ، كان بوروز أيضًا خليطًا مفتوحًا على العالَم واتجاهاته. فكانَ ناثرًا، وشاعرًا، وكاتب مقالة، ورسامًا ومصوّرًا، وموسيقيًا، ومجرمًا، ومدمنًا ميئوسًا منه، وبوهيميًا، ومثليًا. كان خليطًا من الهارمونيا والنّشاز يشبه العصر الذي أفرزه وأفرز معه حالة من الغليان على المستوى الاجتماعيّ والفرديّ على حدّ سواء. هذا الخليطُ هو ما جعل منه “ماركة مسجّلة” حتّى وهو في الثالثة والثمانين.
عُرف بوروز في صباه فتى فظًا، بعيدًا عن المجتمع، قريبًا من هوايات الصّيد والقنص واللصوصيّة، بورجوازيّا سيّئًا يُعجَبُ بسير الكتّاب اللصوص، يقتحم المنازل، يحملُ سلاحًا وهو في الثامنة ويطلق النّار على الدّجاج، ويبحث عن صديق يشاركه الجريمة على الدوام. هذا الولع بالجريمة والرغبة في السّقوط تجسّد في سيرة الكاتب الإشكاليّة لاحقًا. ففي عام 1944، يرتبط اسم بوروز (وكيرواك) بجريمة قتل هزّت الأوساط الأدبيّة والإعلاميّة الأمرويكيّة، قام فيها لوسيان كار، أَحد الأصدقاء المقرّبين لبوروز وكيرواك، صديقًا له يُدعى ديفيد كاميرر وألقى بجثّته في نهر هدسون، ومثل كلّ من بوروز وكيرواك كشاهدَين تستّرا على الجريمة. وفي عام 1951 قتلَ بوروز زوجته جوان فولمر خطأً في لعبة تسلية بدأت بإطلاق الرّصاص على كأس زجاجيّة فوق رأس جوان، فأصابت الرّصاصة رأس جوان وأردتها قتيلة في الحال. تمكّن من الإفلات من المحاكمة بفضل أموال عائلته وحُكم عليه لمدّة عامَين غيابيا.

هل قتل بوروز زوجته خطأً أم أنّ جنونَ الكاتب لحظتها هو ما دفعه إلى القتل؟ في كلّ الأحوال، تظلّ هذه الحادثة، كما يقول بوروز، حدثًا موجّهًا في حياة الكاتب وفي رؤيته للكتابة والأدب لاحقًا (فقد نشر بوروز أوّل عملٍ أدبيّ سيرذاتيّ له هو المدمن عام 1953، أي فقط بعد عامَين على وقوع الحادثة).

نعم. كان بوروز إنسانًا “إشكاليًا” كما يبدو ظاهريًا، فلَم يترك طقوسًا “سافلة” إلاّ ومارسها وطال الانحراف كلّ جوانب حياة البطل السّيء. قتل الزوجة، الوقوع في الإدمان (المورفين، والهيروئين والماريحوانا والكوكائين والبنزدرين) والذي فلسفه بوروز كـ "أسلوب حياة"، الهويّة الجنسيّة الحائرة، الترحال بين عواصم العالَم : طنجة، باريس نيويورك، لندن، والضّياع كفلسفة جيل وعصر. حتّى في خنصر يده اليّسرى الذي قطعه ليثير إعجاب أحدهم، وحتى في هدوئه الغريب، هدوء من يبيّت خيانة العالَم لحظة بلحظة، وتشويه العاديّ بالصّخب، وحتّى في ممارسته للمثليّة كحال آخرين من أبناء هذا الجيل، كان بوروز منحرفًا بامتياز.

من يقرأ بوروز، يدرك بينه وبين نفسه أنّه لم يكن ناثرًا عظيمًا. وليست هنا النقطة الجوهريّة. كان بوروز تجسيدًا للعقل المنحرف الذي رأى في الحياة وفي الأدب وجهان لعملة واحدة. لذلك، تكمن أهميّته في رمزيّته كظاهرة عبّرت عن ثورة جيل كامل في الستينات والسبعينات. بيل هو ظاهرة اجتماعيّة احتجاجيّة في أدبه وفي حياته، وشأنه شأن تقليعات الهيبيز وموسيقى الجاز والبوب وشأن العالَم الذي كان ينتفضُ وقتها على الرأسماليّة وماكينة الاستهلاك، حاوَل بوروز أن يصرخَ بطريقته في وجه وحشيّة العالَم، فجاء الشّذوذ متطرفًا ردًا على تطرّف العالَم في هذه الوحشيّة.

أسْفار"جول سوبرفيال

ديسمبر 04, 2019 اضف تعليق
ترجمة مبارك وساط

----------------------

لا أعرفُ ما أفعله اليومَ بالأرض

بهذه القمّة الجبلِيّة

في أوروبا، بهذا السَّهل في

أستراليا.

وهذا الفيل الذي يخرج

مِنْ نهر "الغانج"

والماء ينساب منه

يبلِّلني لدى مروره لكن ليس لديه

ما يعلّمني إيّاه.

فما الذي تستطيعه عين فِيلٍ أمام عينِ

إنْسانٍ عاقل

له قوَّة شرخ الشّباب؟

لا أدري ما أفعله بهؤلاء النّسوة

المنتشرات في كلّ مكانٍ تقريبًا

على الأرض الأكثر منهنّ

استدارةً.

يا نِساءُ، امضينَ إلى أشغالكنّ

تفادين التأخّر.

ماري الخازن... تعيش في صورها ويموت القصر

نوفمبر 27, 2019 اضف تعليق


إذا كان الزمن المتغلغل في صور ماري الخازن، والبساطة التي يتّصف بها ناس صورها، قد شكّلا الدافع الأساسي لتوجيه الإنتباه إلى ما تركته كاميراتها الهاوية، والرائدة، فإنّ القصر الذي عاشت فيه هو الذي ضاعف، فيما أظنّ، الإهتمام بلقطاتها.
ربّما لتأليفه الخلفيّة للحياة اليوميّة المسجّلة داخله، وخارجه، وفي جواره القريب حيث كانت عدستها تطارد الشركاء الذين يعملون في أراضي آل الخازن الواسعة، ويكدّون في الحقول.
داخلني هذا الشعور وأنا أستقبل، فيما مضى، نادين توما (صاحبة دار قنبز للأطفال) وسيفين عريس اللتين جاءتا وصوّرتا البيت بالفيديو. حين كان القصر أفضل حالاً بالقياس إلى ما وصل إليه الآن. ولم يفارقني هذا الشعور وأنا أرحّب بالدكتورة ياسمين نشّابه طعّان التي شكّل نتاج ماري الخازن موضوعاً لدراستها الأكاديميّة. ولا غادرني وأنا أستضيف مؤخّراً الروائيّة اللبنانيّة جورجيا مخلوف المقيمة في باريس، لتأهّلها من فرنسيّ.
القصر الذي تعود رؤيته للنور إلى العالم 1887 كان بدأ في تشييده الشيخ فندي الخازن (من غوسطا – كسروان) لكنّ الموت حال دون إكماله لمشروعه الذي قدّر لنجلَيْه الشيخ بربر، "ميرالاي عسكر لبنان"، والشيخ سعيد الخازن، والد ماري، إتمامه، وزرعه على رأس التلّة المشرفة على حقول الزيتون في زغرتا، والكورة، والمعيصرة في أبي سمرا، وعلى كلّ ما يتخلّلها أو يُدانيها من تمدّد عمراني، وعلى كلّ تلك المساحات من التلال والجبال. وهو مكوّن من طبقتين أرضيّة وعلويّة كلّ منهما بمساحة 400 متر مربّع.
والإحساس بإستيقاظ الزمن يتضاعف في كلّ زيارة مهما تباعدت الأعوام التي تفصل الواحدة عن الأخرى. فكلاهما يستبطن الزمن الذي فات: القصر وصور ماري المستدعية لأيّام عزّه قبل أن تعبث به يد الإهمال. وقد سبق وأطلقت غير صرخة لإنقاذه من براثنه أوّلاً عبر "النهار"، ثمّ عبر "الأنوار" في مقابلة مع الإعلامي الصديق روبير فرنجية. وكنت كلّما أعدت الكرّة وزرته معايناً توجّعه البالغ من الإهمال الممعن في دكّه يساورني أنني أدلف إلى تاريخ، وتتجدّد فيّ مشاعر الأسف على شاهد معماري أصيل مهدّد بالغرق التدريجيّ في لجّة الخراب. مع أنّه يصلح أن يكون متحفاً. وما سلم من صور ماري كفيل بإستحضار الأطياف، والأصوات، والملامح، والروائح، والنظرات، بحميميّتها الأخّاذة.
كم تبدو مثل هذه الهموم ترفيّة، مؤجّلة، وبعيدة المنال وسط كلّ هذا الغليان في الأحداث الجارية في البلاد الآن.
محسن أ. يمّين
عندما يكون الهامش أوسع دلالة

عندما يكون الهامش أوسع دلالة

نوفمبر 24, 2019 اضف تعليق


 (المتن والهامش: تمارين على الكتابة الناسوتية)*

د. علي وتوت **

 في تمارينه على الكتابة (الناسوتية) كما يدعوها في العنوان الثانوي للكتاب، مخالفة بذلك للمعالجات اللاهوتية، يضعنا الأستاذ قبيسي وجها لوجه بإزاء تساؤلات مهمة في قضايا سوسيو ثقافية عديدة.

فالإشكاليات التي أثارها المؤلف في الدين والتاريخ واللغة والثقافة، وحاول تفكيكها، وإعادة تشكيلها لإخراجها من صيغة المسلمات أو البديهيات المسلم بها- والتي جرت التفسيرات والمعالجات اللاهوتية والميتافيزيقية على وضعها فيها قسرا- ومن ثم وضعها ضمن إطارها الاجتماعي التاريخي، هذه الإشكاليات ليس هناك أدنى شك في أهميتها على مستوى التخصيص في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، أو على مستوى الثقافة عموما.

إن القضايا المعقدة العديدة التي أثارها المؤلف في كتابه تجعل من الصعب اختزال قضايا الكتاب في هذا العرض البسيط، لكن الحقيقة أن هذه المعالجة هي فعل إشادة بالجهد الرائع للمؤلف، وفي إطار الإشادة لا بد من التنويه إلى أن الأستاذ القبيسي، وهو مختص بالانثروبولوجيا Anthropology (أو علم الأناسة كما يسميها هو) يتعامل مع الإشكاليات المعروضة بحس الباحث الموسوعي المتمكن من المقتربات Approaches العملية المناظرة بعيدها وقريبها، هذا أولا، وثانيا فإن عملية اختيار هذه القضايا وأسلوب طرحها وطريقة التعامل معها والمنهج المستخدم، كل ذلك يؤكد أننا أمام باحث مقمش من الدرجة الأولى، وبالتالي فإننا أمام جهد علمي له فرادته في الثقافة العربية الحديثة، وبخاصة عندما يثير الباحث إشكالية الهوية والأسئلة الحرجة المطروحة، ثالثا، فإن الكتاب ورغم انه- وكما أكد المؤلف- مجموعة مقالات سبق له أن نشر معظمها، مع ملحق احتوى ترجمات لثلاث دراسات (مقالات) لباحثين أجانب، كان المؤلف قد ترجم واحدة وقام بتصحيح وضبط الترجمتين الباقيتين، لكن القارئ سوف يدهش لهذا الترابط الذي يشد تلك المقالات التي أصبحت فصولا للكتاب، فثمة إبداع ملغز سوف يتملك القارئ مع تقدم القراءة وسوف تتسع الحيرة ويتضاءل الأمل بالقدرة على التغيير، وإذا كانت الناسوتية هي النهج الذي اختطه المؤلف في مناقشة القضايا المهمة التي أثارها في كتابه، فانه ركز بؤرة اهتمامه على تكون الثقافة المفارقة (المميزة) للجماعة الإسلامية الأولى، مثل قضايا الإنبناء الثقافي لهذه الجماعة وتباينها واختلافها عن ثقافات الجماعات الأخرى، مثلما ركز على قضايا أخرى كالتعامل العلمي مع التاريخ سواء كان مكتوب أو مرويا، فالمكتوب يحتاج إلى إعادة قراءة مثلما أن المروي منه يحتاج إلى التدوين، لكن قضايا أخرى أخذت حيزا مهما من فصول الكتاب، إن لم تكن في حجمها ففي ثقلها النوعي كقضايا الذات والهوية والأصالة والتقليد، مثلما أثار في الفصل الأخير مشكلة الترجمة في الثقافة العربية.

والأستاذ قبيسي يتصدى لموضوعاته مستفيدا من كل الخلفيات النظرية والواقعية، إلا أنه يركز على التفسيرات التي يطغى عليها الحس البنيوي الوظيفي، فهو يبدأ المقالة الأولى الموسومة بتساؤل: (في الاستماتة... كيف نقرأ لمرسيل موس؟) بإيراد أمثلة من كتب تراثية عدة***، حول مسالة موت المحبين ضحية للعشق والحب والوجد أو كمداً وحسرة على من يحبونهم، وهو يعزز تلك الإشارات والأمثلة بحديث نبوي شريف يؤكد المرء يمكن أن يموت فرقا (أي خوفا)، ليدخل إلى فكرة الموت عند العرب الأوائل الذين عدوا انه يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة (كما يقول ابن منظور، ومن هذه الأنواع الموت حزنا وكمدا وفرقا وخوفا مكدرا للحياة أو موتا بالسحر (1). وفي معرض تعليقه على حديث نبوي شريف يقول فيه النبي (ص): (إن أول من مات إبليس لأنه أول من عصى)، يذكر المؤلف بان لا سبيل لفهم هذا الحديث إلا باعتبار الموت يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعصية. ألم يذكر ابن منظور أن المعصية من الأحوال الشاقة التي قد يستعار الموت لها. وهي إذا كانت تعتبر في الدين المسيحي (مميتة) بمعنى أنها قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك في الآخرة شأن الكبائر في الدين الإسلامي، فهي قد تكون (مميتة) فعلا، وفي هذه الدنيا لدى العديد من الأقوام التي تسمى بدائية. بل قد يصح الافتراض بان المعنى الأخروي الذي أضفى على الخطيئة المميتة في الدين المسيحي ما هو إلا تطوير لمعنى أصلي مأخوذ من الأولين. ولا يكتفي المؤلف بالأحاديث النبوية وقصص الأولين (2)، رغم أنه يركز عليها، بل إنه يستشهد من آية قرآنية، مؤكدا أنه يصعب فهم بعض الآيات القرآنية من دون هذا الافتراض الذي يجعل الموت نتيجة للمعصية، من ذلك قول موسى لقومه: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم} (البقرة،55)، أو {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} (البقرة،94)، مع أن (قتل النفس) و(تمني الموت) أمران محظوران مبدئيا والأحاديث النبوية الشريفة تترى كما يقال نهيا عن تمني الموت، ناهيك بقتل النفس (3).

إن هذه الأخبار التي يستطيع المرء أن يكثر منها إلى ما لانهاية نظرا لكثافة حضورها في الكتب التراثية (4)، ولا ينبغي أن تدرج بالضرورة إلى خانة الترهات والأباطيل خاصة وإنها تلقى تأكيدا، في قسم منها من جانب النصوص الدينية الأساسية، بل أن الأولى إن تعتبر بمثابة (الوقائع المجتمعية) الخوف، بالمعنى الذي يقصده موس. فإذا صح أن المرء يموت، في مجتمع معين، بسحر ساحر أو من شدة الخوف، فإن افتراض الباحث أنه حيال واقعة مجتمعية يكون افتراضا على نصيب مرتفع من الصحة. هذا الافتراض يصح اعتباره فرضية عمل تستمد جدواها من مدى صحتها للمساعدة على فهم أفضل لهذا السيل من الأخبار المتماثلة التي يحفل بها التراث (5). فإذا كان (موس) وجها بارزا بين الباحثين في الاجتماعيات فالأرجح إن ذلك يعود إلى أعماله حول السحر والأضحية والهبة وجملة من السلوكيات المجتمعية التي تحكمها تصورات غيبية لا أثر للعقلانية فيها، بل إن البحث هو الذي يكشف عن نمط المخصوص (6).

إن الاهتمام بهذه الأخبار- الوقائع على ضوء مقالتي موس وكانون، ينتمي إلى مهمة إضفاء المعنى، بل المعنى العميق أحيانا على جوانب ثقافية تبدو للعقل التعليلي خالية من أي معنى وذلك باتجاه رصد الوظيفة المجتمعية لما يبدو في ظاهره نافلا أو عبثيا أو ضربا من ضروب الهبل وقلة العقل، ثم أن الاهتمام بهذه الوقائع الأخبار ليس اهتماما بها بذاتها فقط، بل مدخلا للتوقف عند غيرها من الوقائع المجانسة لها. فالوقائع المذكورة التي تشهد على حالات موت ناشئ عن عوامل نفسية ومجتمعية إنما تبلور حالة أخرى. لكن الموت بحد ذاته قد لا يكون موضوع الاهتمام الأساسي لهذه المقالة الضرورة. فإذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد الموت، فهي بالأحرى قادرة على إحداث تأثيرات جسدية أدنى من حيث الدرجة، وان تكون مجانسة للأولى من حيث الطبيعة(7). فالمؤلف الذي اتخذ الحالة القصوى- الموت أو الاستماتة كما سماها- مدخلا من خلالها إلى فرضية البحث. فمن خلالها المقالين اللذين يؤيدهما بالواقع، فما ذلك إلا طريق لبلورتها كأنموذج أو موديل يصل من خلالها إلى فرضية البحث. فمن خلال تلك الوقائع الأخبار يخلص المؤلف إلى فرضيته الأساسية في هذه المقالة/ البحث وهي: (إذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد تعطيل وظائفه الحياتية تعطيلا كاملا، فإنها قادرة بشكل أولي، على أحداث استجابات وتحديد ضوابط جسدية بحيث ينتج عن ذلك قولبة معينة للسلوك مجتمعيا وفرديا (8) ).

ولنسأل: ماذا يعني المؤلف بهذه الفرضية، وإلى ماذا يريد أن يصل؟

إن الأستاذ قبيسي يحاول أن يفسر كيف أن تصنيف الأفعال إلى مسموحات ومحظورات، أي إلى مجموعة من الأوامر والنواهي التي تحفل بها ثقافة جماعة من الجماعات تحدد سلوكها والتزاماتها وتميزها عن غيرها من الجماعات، وهو يريد أن يصل إلى بيان كيف جرى تثبيت قواعد السلوك (الجسدي) لدى المسلمين الأوائل، ما هو دور الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية في تثبيت القواعد التي ميزت الجماعة الإسلامية الأولى عن غيرها من الجماعات المحيطة بها من يهود ونصارى ومشركين؟

والمؤلف يميل إلى الاعتماد على السنّة النبوية في تفسير ذلك التميز مؤكدا هذا بقوله (أن ثمة ميلا كبيرا إلى اعتبار القران، بما هو كلام إلهي، المصدر الأول لتكون الجماعة الإسلامية الأولى، ولكن ربما كان على الباحث المقمش أن لا يلتفت كثيرا إلى هذا الميل، وان يخص السنّة لا القرآن، باهتمام أكبر. إذ إن السنّة، بما هي أحكام لتحديد السلوك حتى بدقائقه الجسدية أحيانا، هي التي تفسر بالدرجة الأولى تكون الجماعة الإسلامية الأولى، بما هي جماعة متميزة عملياً عما كان حولها من الجماعات(9). ثم يضيف غير أن هذا التميز بالذات حصل بناء على تثبيت طائفة متكاملة من قواعد السلوك، وخاصة الجسدي منها، والتي لعبت في ترسيخها القوى الغيبية والخفية، بما هي جزء من المعتقدات الجماعية الموروثة دورا أساسيا(10). وبناء على هذه الاستنتاجات يقوم بتحليل العديد من السلوكيات المميزة للمسلمين.

أما مقالته الثانية (من قضى ومن ينتظر) فهو يبتدئها بعرضه (متهكماً) كتابات صدرت في عام 1987 تشي بتشاؤم كبير بأوضاع مجتمعاتنا، ناهيك بمستقبلها، ويبدو أكثر ما تشكك فيه هذه الكتابات هو (حداثة) هذه المجتمعات.

من هذه المقدمة عن جمود المجتمعات العربية، وعدم تغيرها (من وجهة نظر كتاب ومفكرين عرب لهم ثقلهم****)، يقودنا الأستاذ قبيسي إلى رؤيته للتغير عبر مناقشته لمقالة الانثروبولوجي (الفريد مترو)، (المترجمة من قبله في ملاحق الكتاب) والموسومة (ثورة الفأس)، والتي يشير فيها إلى ما أحدثه دخول الفأس الحديدي على حياة بعض القبائل التي لم تكن تعرف الحديد من قبل، ناهيك بالفأس الحديدي، إذ كان دخول هذه الفأس مدعاة لتخريب ناظم مجتمعي بكامله، ونسف نمط حياة كان ما يزال صامدا في وجه أسباب التغير منذ قرون. فقد تغيرت وتيرة الحياة وطبيعة القيم والتبادلات والعلاقات المجتمعية والاقتصادية، بل ونصوص أساطير متوارثة منذ آلاف السنين. مما أدى إلى حالة تسيب كامل، ما لبثت أن أدت إلى انهيار فعلي تفككت على أثره القبائل وتاه أفرادها في الفيافي، وما لبثوا أن انقرضوا، شأنهم ربما شان جديس وطسم وأهل الرس(11).

وإذا كان تبني الفأس الفولاذية رغم كونها تقنية أشد فعالية من الفأس الحجرية، قد أدى إلى انهيار التنظيم المجتمعي والى تفسخ الجماعة، فلا شك أن تبني منظومات ثقافية أو مجتمعية جديدة سوف يؤدي إلى ذلك وأكثر في مجتمعاتنا، فالجماعات البشرية لا تبني كل يوم نظاما (System) مجتمعيا متكاملا، فهي إذ تفلح بعد لأي في بناء مثل هذا وتلمس بالتجريب عبر العقود، بل والقرون، أنه بات يفعل فعله ويقوم بدوره في تنظيم حياة الجماعة وتأمين حد معقول من الطمأنينة لأهلها حتى تتمسك به وتحافظ عليه، وتحرص على حمايته من غير الزمان ومتقلباته، ومن هنا هي (مُحَافِظة). من هنا نفهم كل تلك الأمثلة التي ترد في دراسات الأناسيين، والتي يتبين منها (عناد) بعض الشعوب وتمسكها بتقنيتها المخصوصة، مثلا، على الرغم من اقتناعها في كثير من الأحيان بأن تقنيات جيرانها ربما كانت أجدى وأفعل (12).

لا يكفي إذا أن تتوفر تقنية أفضل من تلك المرعية الأجراء في تنظيم مجمعتي ما، حتى تتهافت على استقبالها الجماعات الأخرى. فالجماعات البشرية مهما كان شأنها تدرج بالأصل على تنظيماتها ومعتقداتها، بل وأشخاصها أفضل ما يمكن أن ينوجد في الوجود، ويروي الأناسي (نيمو ونداجو)، الذي تبنته إحدى القبائل بعد أن تزوج إحدى نسائها، كيف أن أهل القبيلة كانوا ينتحبون شفقة عليه كلما ذهب ليزور بلاده الأصلية، نظرا لتلك الأهوال التي لابد أن يعانيها عن المكان الوحيد- قريتهم- الذي يستحق عناء العيش فيه (13).

ومن خلال هذه الإلتقاطات وغيرها، يعمل المؤلف جهده ليصور لنا كيف أن مجتمعاتنا لم تبق جامدة أبدا، بل تغير الكثير من تقنياتها، لكنها لم تتخل عن تقنياتها، ولا هي أغرمت من النظرة الأولى بالحداثة التي لم يترنم بذكرها الآن الكثير من المترنمين، لقد ظلت شعوب هذه المنطقة تتحلى برجاحة الموقف وأناته طوال قرون. ولعل تلك الرجاحة والأناة يعودان إلى نوع من الاطمئنان إلى تنظيم مجتمعي كان فاعلا أو ما زال فاعلا منذ زمن(14). وهو يسوق لنا العديد من الأمثلة ليؤكد مقولته تلك.

وعلى الرغم من أننا لا نتفق مع المؤلف في تقسيمه لتاريخ البشر إلى ثورتين حاسمتين (هما الثورة الحجرية والثورة الصناعية)، إذ إن التاريخ البشري ضم ثورات لها نفس تأثير الثورة الأولى- على الأقل- إن لم تكن أعمق تأثيرا. إلا أننا نؤيده فيما ذهب إليه من أن عاما واحدا من إنجازات الثورة الصناعية وفعلها في العالم الحديث يعادل عقودا كثيرة مما تعده أحداث الإمبراطورية الرومانية أو الخلافة العباسية على صعيد التغيرات الفعلية في نمط حياة الشعوب وأنماط معيشتها (15).

والمؤلف يدهشنا في رؤيته لتنبؤات (ماركس) حول الإمبريالية والاستعمار، إذ يؤكد أن الرجل لا يطرح البتة على ما يبدو (حق) الإنكليز في استعمار الهند ولا (حق) الهند في أن تكون بلادا قادرة على التصرف بحياتها واقتصادها ومعتقداتها على نحو ما يحلو لأهلها، بل إن ماركس يطرح المشكلة على اشد ما يكون الطرح الأوربي المحوري من نزق، ففي رأيه أن المسالة ليست في معرفة ما إذا كان يحق للإنكليز أن يستولوا على الهند أم لا. بل في معرفة ما إذا كنا نفضل هندا مستولى عليها من قبل الأتراك أو الفرس أو الروس، أم هندا مستولى عليها من قبل البريطانيين (16).

ثم أن المؤلف يعود في المقالين الثالث والرابع الموسومين (في أصول مخالفة اليهود. دراسة ناسوتية) و (قراءة ناسوتية في أحكام السنة النبوية) إلى موضوعه الأثير الذي بحثه في المقال الأول ليشبعه بحثاً ويزيده عمقا واتساعاً في هذين المقالين، فهو يعرض المثل تلو الآخر عن كيفية الإنبناء الثقافي للجماعة الإسلامية الأولى في السني الأولى للهجرة إلى المدينة المنورة.

أما في المقالين الخامس والسادس فإنه يتناول قضية العلاقة بين التاريخ والثقافة والمجتمع مستشهدا بتنظيرات مؤرخين مختصين في علم التاريخ لهم شانهم محاولا قراءة ماهية التاريخ في مجتمعاتنا العربية في ضوء مقالات هؤلاء المختصين، ففي المقال الخامس الموسوم (التاريخ والعقل التقليدي) يؤكد المؤلف صحة ملاحظات المؤرخ الهندي (ساتيش شاندرا إقبال) عن هذا الفرع المعرفي بل ويشككون في قيمته، فهذا الاهتمام المبالغ به بالتاريخ من قبل العالم الثالث، في الوقت الذي بدأ فيه مفكرو البلدان الغربية يهونون من أمر هذا الفرع المعرفي بل ويشككون في قيمته، فهذا الاهتمام بالتاريخ كما يشير إقبال يلعب دورا واضحا في ترسيخ مفهوم القومية ويساعدهم على النظر في شؤون وحدة بلدانهم المجزاة ويعزز لديهم التطلع نحو الحداثة ونحو التطور المجتمعي (17). والنتيجة المترتبة على هذه الملاحظة- كما يشير إليها الأستاذ القبيسي- هي إن الغاية من التشديد على التاريخ عندنا غاية تنتمي إلى الدعاوى وهو يفترض خطأ هذه الغاية الواضح ثم انه من جهة أخرى يعود ليميز بين الفكر التاريخي والفكر التقليدي (الذي تتسم به مجتمعاتنا). وذلك في ضوء تمييز المؤرخ الفرنسي الكبير (فرانسوا شاتليه)، ويضرب المثل على كيفية تعامل العقل أو الفكر التقليدي مع المحادثات التاريخية اليومية، ويستمر الأستاذ القبيسي في المقال السادس الموسوم (الفكر التاريخي والأسطورة) بمناقشة افتراض شاتليه في كتابه (ولادة التاريخ) والذي يؤكد فيه أن الوعي بالكينونة السياسية ينطوي على وعي بالكينونة التاريخية (18)، كما أن الوعي بانحلال الكينونة السياسية ينطوي على انحلال الوعي بالكينونة التاريخية، محاولا الإجابة فيه عن تساؤل ليس عن شروط نشأة الوعي التاريخي فقط، بل التساؤل عن طبيعة الشأن السياسي المخصوص في مجتمع لا يقيم اعتبارا في غياب شروطه؟ ولنا أن نتصور كيف أن المؤلف حاول قراءة تلك الافتراضات عن (ولادة التاريخ) العربي.

تنطلق ملاحظات المقال السابع الموسوم (المنهج العلمي والنظرية المأزومة) من تصور يعتمد آراء (كارل بوبرK. Popper) عن المنهج العلمي مفاده أن المعرفة العلمية ليست يقينية. وإن العلم بالشيء سواء كان طبيعيا أو مجتمعا ليس نظاما System من المقولات الأكيدة أو المتقنة الصياغة، ولا هو يتقدم باضطراد وانتظام نحو غاية معلومة أو نهائية. وإن العالم لا يبحث عن الحقيقة ولا يستطيع الوصول إليها ولا هو يدعي ذلك. فالجهد المبذول في هذا السبيل. إنما يبذل من اجل الوصول إلى معرفة ما نسبية ومؤقتة دائماً. فهو يؤكد أن الباحث أو العالم الذي يستحق بالفعل هذه التسمية هو الذي لا تسلبه نظريته أو فرضيته العلمية، بحيث يعتبر أن عمليته تقتضي الدفاع عنها دفاعا إيمانيا أو عقائديا، بل يسعى خلافا لذلك إلى محاولة تهديمها وتقويضها. فهو في سياق بحثه العلمي يستعمل كل ما لديه من حيل منطقية أو رياضية أو تقنية ليبرهن- إذا كان الأمر يقبل برهانا- على أن فرضياته وتخميناته كانت خاطئة أو ناقصة بغية استبدالها بفرضيات جديدة. قد تفتقد لأي تبرير عقلي أو غيره، بل إنها قد تكون أحيانا كناية عن أحكام مسبقة أو استباقات متهورة ومبسترة للأمور (19).

والمؤلف لا يكتفي بعرض ومناقشة آراء (بوبر) فقط، بل إنه يستعرض آراء العديد من المفكرين والباحثين الذين شكلت القضية جزءا من اهتماماتهم أو شغلتهم حينا، من أمثال هيوم وكنط ودوركهايم وبرتراند راسل مثلما يعرض بشكل جديد لآراء أبو حامد الغزالي.

أما في المقال الثامن الموسوم (نظرة ثانية إلى ابن خلدون) فإن الأستاذ قبيسي يبتدئ اسطر مقالته بتعجب ساخر عن عدم مقارنة صاحب (المقدمة) و (دارون) صاحب نظرية التطور الشهيرة!! فيشير إلى أن جميع من كتب عن ابن خلدون تقريبا، ورغم اختلافهم حوله، فهو عند كاتب ليس بصاحب نظرية علمية أصلا، وإنما هو مجرد واصف طوبوغرافي لأحداث المغرب في عصره، وهو عند دارس آخر رائد للمادية الجدلية والمادية التاريخية، وهو عند دارس ثالث مجرد امتداد للمدرسة المشائية والافلاطونية في الفكر العربي الإسلامي، وهو عند رابع مناقض لهاتين المدرستين وامتداد للفكر الأشعري أو الغزالي خاصة، وهو عند دارس خامس انقطاع كامل عن المنطق الصوري الارسططالي، وهو عند دارس سادس زنديق يتخذ من الدين تقية أو إن الدين عنده على الأقل ليست له الصدارة في تفسير نظرياته، بل لعله يتركه عند عتبة نظريته العقلانية. وهو عند دارس سابع متدين عميق التدين، وليست نظرياته التاريخية الاجتماعية إلا امتداد وتجسيدا لرؤيته الدينية، وهكذا... وهكذا(20). إلا أنهم جميعا- أو يكادون- يؤكدون انه مفكر عقلاني، والأستاذ قبيسي يناقش هذه (العقلانية) بشيء من التفصيل مستندا في ذلك ليس على آراء نقاد ابن خلدون المفترضة، لكنه وعبر مناقشة مستفيضة لمدى إيمان ابن خلدون بالسحر يبين عدم دقة استخدام المصطلحات العلمية الوصفية الحديثة (مثل العلمية والعقلانية والجدلية والمادية) على طروحات المقدمة. ورغم إنه يؤكد أن ابن خلدون وبمقارنته بالعديد من الاثنوغرافيين ابتداء من أفلاطون في شرائعه مرورا بـ (فرجيليوس) و (المجريطي) و (أبو حيان التوحيدي) وسحرة القرون الوسطى، وانتهاء بـ (مارسيل موس) في نظريته العامة حول السحر والمحاولات العديدة والمتفرقة التي نجدها في الدراسات الاناسية الحديثة حاول إيجاد نظرية في السحر أو تاريخا له(21). والأستاذ قبيسي يستعرض محاولة ابن خلدون تلك ويناقش فيها مطولا.

أما في قراءته لكتاب (ادوارد هال) البعد المستتر يعود المؤلف في المقال التاسع إلى موضوعة البنية الحضرية ممثلة في بيئة المدينة، وعلى الرغم من أن الكتاب قد صدر في ستينات القرن الماضي، إلا أن قبيسي يؤكد أهميته. وذلك لان مؤلفه يعتمد منظورين جديدين لدراسة المدينة، إذ إن هال يعكف على دراسة المدينة ومشكلاتها من خلال عالمين قد يبدوان غريبين عنها: عالم الرموز والإشارات وما تتخذه موضوعا لها، وعالم الحيوان وما اجري عليه من تجارب لسبر أغوار البعد الحيواني في الإنسان (22).

فضمن العالم الأول كانت الأبحاث اللغوية جسرا يمر عليه الباحثون وخاصة في علم الأناسة من أمثال بواس برتشارد إلى أبحاث أخرى ما لبثت أن استقلت من حيث موضوعها ومنهجيتها وكونت ما سمي بعد ذلك بعلمي الدلالة والسيمياء، وهكذا يعتبر هال أن (فرانس بواس) كان قد سبقه منذ خمسين عاما، للبحث في هذا الموضوع الذي يقوم على اعتبار التواصل بين البشر بمختلف أشكاله أساساً للثقافة بل أساساً للحياة نفسها.

وبعد أن كانت اللغة تعتبر الشكل الرئيس بلا منازع من أشكال التواصل هذه. أخذ الباحثون يهتمون بأشكال أخرى تشكل موضوعا لعلم قائم بذاته: السيميولوجيا ومن بين هذه العناصر السيميائية ثمة عنصر لم يحظ باهتمام الباحثين إلا منذ فترة وجيزة، إنه ذلك العنصر المسمى بلغة الغرب، والذي يصطلح الأستاذ قبيسي على ترجمته بـ (المجال) وصار النوع المعرفي الذي يتخذ المجال موضوعا للدراسة، بوصفه عنصرا من عناصر التواصل بين البشر، مكرسا تحت اسم المجالية PROXEMIQUE هي جزء من السيمياء تدرس كيفية استخدام المجال من قبل الكائنات الحية وخاصة منها الإنسان (23).

إن كتاب هال لا يقصر على البعد الثقافي وحده. فهو إذ يؤكد أن الأنظمة الثقافية تؤثر في بنية السلوك تأثيرا كبيرا، فإن الذي لا يقل صحة هو أنها متجذرة في الكيان البايولوجي والفيزيولوجي للإنسان، فقد أوجد الإنسان لنفسه (امتدادات) مكنته من تحسين وتخصيص عدد من الوظائف، فالحاسبة الالكترونية كجزء من الدماغ، والهاتف امتداد للصوت، والعجلات امتداد للساقين، واللغة امتداد للتجربة عبر الزمان والمكان، لكن الإنسان أوصل امتداداته هذه إلى مستوى من التبلور بحيث كدنا ننسى أن إنسانيته متجذرة في طبيعة الحيوانية، حتى إن الإنسان أصبح قادرا على أن يبني محيطه الذي يعيش فيه من ألفه إلى يائه، وإن دور البعد الطبيعي أخذ بالتضاؤل إلى حد التلاشي. لكن الإنسان إذا يبني محيطه على هذا النحو يحدد في الوقت نفسه معالم الكائن العضوي كما سيكون عليه في المستقبل. وهذا ما يعتبره هال منظورا معلقا وأفقا قائما في ضوء معرفته بالوضع اليائس الذي يطغى على المدينة (24).

وإذا كان هال- كما يقول الأستاذ قبيسي- يشكو من مدن تحاصرها بيوت التنك والصفيح، وتحفل بمستشفيات للمعالجة العقلية، وبسجون وسيارات تضيق الخناق على البشر وتنذر بولادة إنسان مختلف غير معروف المعالم، فماذا نقول عن مدننا(25).

في المقالين العاشر والحادي عشر يعمد المؤلف إلى مناقشة إشكالية هوية المثقف العربي، وذلك خلال الأسئلة الحرجة المطروحة على هذه الهوية. ففي المقال العاشر الموسوم (هوية بمنزلة الصفر) والمقصود بالهوية هنا هو الانتماء فرديا كان أو جماعيا. إذ يؤكد الأستاذ قبيسي سلفا أن الباحث في ذلك هو مجلبة للهم وانشغال البال (26). وربما تكون هذه المجلبة للهم هي التي دفعته إلى أن يحاول أن يجيب عن سؤال (ماهية هويته) والذي يبدو أن من سأله كان يرجو منه محاورة النفس قبل كل شيء، لعل الأسئلة تعود عليه بما يشفي الغليل أو يسد الرمق، وبهذا المعنى كثيرا ما يكون المسؤول مرآة السائل، تحت طائلة توازي المرايا وتناسل الصور إلى ما لا نهاية (27).

والأستاذ قبيسي يبتدئ إجابته بالتمهيد (فإذا كان لابد منه بد فربما كان على العاقل أن يهون الأمور على نفسه فتهون، فيزين لها أن هذا التمرين الإنشائي ليس عميقا بالقدر الذي نتخيل (28). وهو يبادر إلى الإجابة مدفوعا باليأس مرة وبالخشية مرة أخرى (وحتى لا نطيل أمر هذه المحنة التي ابتليتني بها فاطرح معك السؤال عن هويتي الفردية والحق إنني أخشى في هذا المجال أن يكتشف جوابي عن جهل مطبق إذ أتساءل من أنا (29).

وهو ينطلق في إجابته عن هويته الفردية (الذاتية) التي هي- كما يقول- (عبارة عن جسدي وآرائي وسلوكي وكلامي وذوقي وعلاقاتي وطائفة من مثل هذه العناصر لكنها كلها عناصر متغيرة بفعل مرور الزمن وتغير المعطيات فضلا عن أن علاقة هذه العناصر بعضها ببعض هي الأخرى علاقة متغيرة بفعل العاملين المذكورين إياهما)(30). فالجسد الذي يتغير بشكل مستمر وهو مسيطر عليه من قبل الدماغ والجهاز العصبي هذا الجهاز الذي لا نكاد نفقه من قوانينه شيئا يتحكم في السلوك إلى حد كبير مثلما يفبرك ما يسمى الآراء والمعتقدات والأفكار أيضا إذ يذكر المؤلف انه تغير من قومي التوجه يهتف بعروبة الجزائر إلى ماركسي مناضل لا يقل مشروعه طموحا عن تغيير العالم ثم إلى طوباوي يعتبر أن الأمة التي لا تأكل مما تزرع أمة ضحكت من جهلها الأمم. وهو يفترض مضطرا صحة القول بان المبادئ الثابتة لا وجود لها إلا في الديانات السماوية ليؤكد أن من الممكن أن يغير قناعته في أي لحظة قادمة. فقد تكون لدي (الآن) أفكار عظيمة وقد يكون اطمئناني إليها وثقتي بها على نحو اطمئناني إلى أفكاري السابقة أو يزيد. فالمسالة ليست هنا وإنما هي في أن هذا كله لا يجدي في تحديد (هوية) إذ ما القياس الذي نحدد به مدى هذه (الآن)؟ ومن يضمن لي أن لا أغير هذه الآراء غدا أو بعد غد؟ (31).

ثم ينتقل إلى الهوية القومية فيقول (فلا اخالك إلا منتظرا مني بصبر أن أحدثك عن هويتي بحكم انتمائي إلى قوم، أي عن هويتي (القومية)، وربما كنت اشتبه في أنك تنتظر مني كلاما مفيدا حول ماهية انتمائي إلى ذنيك العاملين اللذين ملئا دنيانا وشغلا ناسنا طوال تاريخنا وآننا، واللذين هما العروبة والإسلام. إذ إنني لا اخالك تعول أهمية كبيرة على التماهي بالتيارات الفكرية أو الأيديولوجية الأخرى التي عرفتها هذه المنطقة في أزمنتها القديمة أو الحديثة.

فاعلم أيها الأخ أن من أسهل الأمور وأريحها أن يقول المرء أنا عربي وأنا إسلامي فيتماهى والحالة هذه بهوية اجتماعية (سوسيولوجية) موروثة ويكفي نفسه وأنفس المؤمنين شر السجال وما يبحثون (32). إذ إن الهوية المجتمعية (نسبة إلى المجتمع) أو القومية (نسبة إلى القوم) أمر لا ينتمي من حيث وجوده إلى حيز التأكيد بقدر ما ينتمي إلى حيز (إعادة البناء الدائمة) وإن كل استعمال لمقولة الهوية إنما يبدأ بنقد هذه المقولة بالذات أي بتجزئتها إلى عناصر شتى (33). هذا ما كان قد توصل إليه مجموعة من الباحثين الفرنسيين في الحلقة الدراسية التي عقدت في الكوليج دي فرانس والتي صدرت أعمالها في كتاب صدر عام 1977، فقد لاحظ هؤلاء الباحثون أن جميع المجتمعات أو الثقافات التي درسوها بعيدة كل البعد عن توكيد هوية جوهرية لها، بل إنها أقرب في تناولها لهويتها إلى القيام بتحليل تتناثر الهوية بموجبه أجزاء وشظايا، ولنقل إلى عناصر مختلفة، وعليه فإنهم افترضوا أن أزمة الهوية تتقوم في أمرين كلاهما أدعى إلى القلق من الآخر هما:

1- إنها وظيفة غير مستقرة (من حيث أنها ليست واقعا جوهريا).

2- إنها عبارة عن مكان وزمان (غير مستقرين هما الآخران). تتضافر فيهما المعطيات وتتبادل وتتنازع (فلا يشترك فيهما إلا قوى الطبيعة والتأريخ التي تترفع ممن عليائها عن اجتهاداتنا الفكرية المكرورة (34).

يعود المؤلف بعد عرض هذه الحلقة الدراسية إلى محاولة البحث في الهوية القومية فيقول باندهاش: (لا أخال أن أحداً ما زال يعتقد أن هناك قوما عربا حافظوا على نقاوتهم كعنصر أو كعرق عبر كل هذه العصور وبعد كل هذا الاختلاط الذي شهدته المنطقة (العربية) ولابد من تسمية- بين أعراق وشعوب وجماعات شتى).

بل الأصح أن يقال أن أولئك العرب الذين انتشروا في المنطقة- وعلى افتراض أنهم يشكلون عرقا واحدا- قد تلاحقوا وذابوا في خضم خليط من الشعوب. فلا معنى لأن يتحدث المرء عن عرب ما، رغم علمه مثلا أن خلفاء الدولة العربية في عصرها الذهبي- العباسي- لم يكن بينهم إلا ثلاثة فقط ممن كانت أمهاتهم عربيات. أما سائر الباقين أي الأكثرية الساحقة- فقد كانت أمهاتهم (سراري) روميات أو تركيات أو فارسيات.. الخ(35).

هذا عندما لم يبح الحكام أنفسهم من أعراق أخرى من بني بويه أو السلاجقة أو كالمماليك ومحمد علي باشا الكبير. وهذا الذي يصح على الخاصة يصح على العامة أيضا: (لا لأن أسواق النخاسة كانت تملأ المدن العربية بمختلف أنواع العبيد نساء ورجال وإن الجواري كن يلدن كما تلد الحرائر أو يزيد وحسب، بل لان التسري كان قد غدا مبدأ فاعلا منذ زمن مبكر من عمر المجتمع الجديد. وكان من شان الاختلاط المذكور أن لم يبق من سؤدد العرب- باستثناء السلطة- إلا لغتهم التي سادت وطغت على سائر اللغات، لكن العربية منها ما لبثت أن ساهم في تقعيدها أناس لم يكونوا عربا فأدخلوا في نحو اللغة العربية قواعد تنتمي إلى بنية لغتهم الأم وطعموها بالألفاظ الدخيلة.

أما الثقافة العربية بما فيها مجمل السلوك المعيوش من عادات وتقاليد ولباس ومسكن ومأكل وشعائر.. الخ، فقد كانت هي الأخرى من صنع شعوب شتى (36).

ثم أن السلطة نفسها ما لبثت أن صارت غير عربية وإذا كانت التسمية- عربية- ظلت تطلق عليه في معرض الحديث عن الدولة والحضارة فما ذلك إلا لأن الكلام لا يقوم في أحيان كثيرة على مجاراة تطور الوقائع. وذلك من قبيل القول بأن الشمس أشرقت وأغربت وهي بالواقع لا تشرق ولا تغرب، وإنما هي أرض تدور.. وأيام تتداول بين (الناس) (37).

ويضيف المؤلف أن إلقاء اللوم على الاستعمار- وهو ملوم ولا تكفي تجزئة الأمة العربية الواحدة ليس من الحق في شيء، إذ يذكر في هذا الشأن انقسامات الأمة التي تحدرت أقطارها منذ أمد بعيد، وحروبها مع بعضها وحروب هذه الأقطار مع بعضها البعض في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، وهو يسال أيضا، هل أن فهم العرب لمقولة (العدو) تقتصر على العدو الصهيوني وحسب؟ أم أن هناك من لا يزال يعتقد أن الجهل عدو، والأمية عدو، وأزمات السكان عدو، واستشراء أجهزة الرقابة والمخابرات عدو، والصحافة المكممة عدو، والارتهان بالغذاء للغير عدو، والعجز عن إنتاج أبرة أو مسمار عدو، وتبذير الدخل اليومي على شراء أسلحة تدمر كل عقد أو يكاد عدو، وعلى شراء المصانع و (المفتاح باليد) لأغلقها بعد أقل من عقد؟ وبيع مخزون النفط لتعزيز اقتصاد (العدو) بل و (الأعداء) أجمعين..

..(ثم تسألني من نحن؟ في الحقيقة لم أعد أدري على وجه التحديد) (38).

وتأتي المقالة الحادية عشرة التي هي عبارة عن أجوبة لأسئلة وجهها أحد الصحفيين إلى المشتغلين بالفلسفة تخص التوجهات الفكرية، التي يحاول المؤلف فيها أن يشير إلى قضايا مهمة عديدة في هذا المجال (منها قضية التوجه أو المدرسة الفكرية والمنهج المستخدم و... ما إلى غيرها من القضايا).

أما في المقال الأخير الموسوم (لغتنا والترجمة: بحث العلة وتسكينها) يخص المؤلف واقع الترجمة في اللغة العربية بدراسة كانت الأطول على مستوى فصول الكتاب (بلغت 48 صفحة) وانتهت بثلاث ترجمات مهمة. إذ يفتتح المقالة بالإشارة إلى النقص الواضح الذي تعانيه المكتبة العربية من أدبيات العلوم الاجتماعية المختلفة التي تتسارع خطى تطورها بعيدا جدا عنا، فيقول: (ليس من الضروري أن يجتهد المرء اجتهادا كثيرا ليتبين له أن ما هو متوفر باللغة العربية من الكتب الأساسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يفي بحاجات الثقافة العربية الراهنة، ناهيك بشروط تطورها المستقبلية) (39). وهو يعرض الإنجازات المتواضعة لقطاع الترجمة العربية في هذا المجال، مثلما يعرض لأراء أكثر الخبراء والباحثين في الترجمة باستعراض أرائهم في الندوتين اللتين أقيمتا لهذا الغرض*****. ثم إنه يضعنا بإزاء علة القضية وذلك بالتأكيد على أن طرح القضية على هذا المستوى العام يجعلها بالتالي مشكلة حضارية معقدة تضاف إلى بقية المشكلات المعقدة الأخرى، لذا فهو يخرج باستنتاج مفاده أننا لا نبالغ إذا قلنا إن هذا ما آلت إليه شتى المعالجات لمشكلة العلاقة بالنتاج الفكري والغربي بما هو الفكر الذي يبلور في عصرنا هذا نظرة معرفية لشؤون العالم (40). ولكن المؤلف يحاول أن يعرض للمشكلة من كافة جوانبها معززا ذلك بالأمثلة والإستشهادات أينما وجدت، وكل ذلك من أجل التوصل إلى حلول ناجعة بعيدا عن الشعارات الكبيرة والرنانة التي لا تغني ولا تشبع.

ضمن هذه الإشكالات السيوثقافية وأخرى غيرها تأتي مساهمة حسن قبيسي الرائعة لتضيف مبدأ جديدا لانفتاح الوعي العربي، وتعكس بالتالي سعيه الحثيث لإنتاج ثقافة أصيلة أساسها قراءة الذات، وقد كان هذا العرض دعوة للقراءة.

______________________________________________________________________________

** باحث من العراق: رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب/ جامعة القادسية.

*** كالمستظرف للابشيهي وطوق الحمامة لابن حزم الاندلسي ومصارع العشاق للسراج وتزيين الأسواق للانطاكي.

1- حسن قبيسي: المتن والهامش، تمارين على الكتابة الناسوتية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص 12.

2- نفسه، ص 12.           3- نفسه، ص 13.

4- نفسه، ص 14.           5- نفسه، ص 16.

6- نفسه، ص 16.           7- نفسه، ص 17.

8- نفسه، ص 17.           9- نفسه، ص 18.

10- نفسه، ص 19.

**** برهان غليون في كتابه (مجتمع النخبة)، هشام شرابي في كتابه (البنية البطريريكية)، جورج قرم في كتابه (انفجار المشرق العربي).

11- نفسه، ص 37.

12- نفسه، ص 38.

13- نفسه، ص 39.

14- نفسه، ص 39.

15- نفسه، ص 40.

16- نفسه، ص 42.

17- نفسه، ص 117.

18- نفسه، ص 135.

19- نفسه، ص 160.

20- نفسه، ص 189.

21- نفسه، ص 196.

22- نفسه، ص 211.

23- نفسه، ص 213.

24- نفسه، ص213.

25- نفسه، ص214.         26- نفسه، ص227.

27- نفسه، ص228.         28- نفسه، ص228.

29- نفسه، ص228.         30- نفسه، ص229.

31- نفسه، ص230.         32- نفسه، ص230.

33- نفسه، ص231.         34- نفسه، ص232.

35 - نفسه، ص233.                36 - نفسه، ص234.

37 - نفسه، ص235.                38 - نفسه، ص256.

39 - نفسه، ص257.

***** المقصود بهما:

1- أعمال الندوة التي عقدها مركز الدراسات العربية (بيروت) ونشرها عام 1982 بعنوان (التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي).

2- الندوة التي نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (تونس) بعنوان (واقع الترجمة في الوطن العربي)، وذلك عام 1985.

40- نفسه، ص258.

عبد الوهاب الملوح... سيرة محارب بطاسة حلاقة

نوفمبر 21, 2019 اضف تعليق

تتراجع آنا كارينينا عن نواياها وعوض أن تبوح لدولي أخت زوجها فرونسكي بهمومها تبرح المكان، تلقي بنفسها في أول عربةو تُفسح المجال لدواخلها... تهيم مع أفكارها؛ تسرح؛ تتذكر؛ تفكر؛.. في مشهد مونولوغ من أقوى مشاهد التي حققتها الكتابة عموما... تنزل آنا من العربة آملة لقاء فرونسكي الذي يعلمها إنه لن يعود؛ ليبدأ مونولوغ آخر في عربة أخرى؛يتواصل في مقصورة القطار الذي ستنزل منه آنا لتذهب بهدوء إلى انتحارها؛ يتقاطع المونولوغ مع لقطات متفرقة من الخارج اللامبالي مع حركة العربة مع حركة القطار مع انزياحات هذيانات آنا وسوف تمثل كل هذه الحركات مشهدا واحدا.. نهاية آنا كارينينا... ازدحام فارغ في أكثر من حركة واحدة في وقت واحد ولا رابط بينها غير تشتت وتمزق حالة هذه المرأة التي لا شيء يفيد إنها مكسورة العزيمة أو أنها منهارة تماما دونما لجوء إلى دراماتيكية تستبق لحظة الانتحار.. انتحار البطلة الذي لن يمثل نهاية الرواية... هو نهاية القصة وليس نهاية الكتابة.. يتمرد تولستوي على بعض قوانين الكتابة الروائية السائدة في عصره
من أجل تحقيق الجمال ليس من الضروري الانضباط للقاعدة وشروط الجنس الأدبي.. سوف يرى بعضهم إن هذا المشهد يستبق ما سوف ينجزه جيمس جويس بعد نصف قرن في رائعته عوليس بشكل أكثر تحررا وأكثر وعيا بمنهجية الهذيان... غير إن مونولوغ آنا هو استرداد أو امتداد لمحاولات أخرى كانت تهجس بالتجاوز في أشكال الكتابة السردية والخروج من مأزق الجنس وإعلاء شأن سيرة محارب بطاسة حلاقة... قبل ذلك بقرن تجرأ لورانس شتيرن 1713/1768أن يكسر القاعدة؛ يخوض المغامرة / المقامرة يكتب رواية بشكل متحرر من كل التشريعات والقوانين.
وسط ازدهار الرواية كجنس أدبي جديد يتمرد لورانس شتيرن من أجل كتابة رواية بلا قصة كما يقول هو.. حيث ضبابية الخط السردي ومقاربات تيبوغرافية مختلفة عما هو سائد؛ مزقت وحدة النسيج النصي للأثر من ذلك : صفحات سوداء؛ صفحات بيضاء؛ إدماج علامات الطباعة كجزء من المتن؛ رسوم مصغرة؛ أشكال هندسية.. مع التركيز أساسا على التفاصيل الدقيقة وخلال فصول مطولة سيتوقف لورانس عند أعمال هي في منتهى الدقة ويسلط الضوء على الحدث التافه البسيط.
أصل حكايةتريسترام شانداي إن تريسترام هذا يكتب سيرته بينما هو الغائب الوحيد في الأحداث التي تصنعها الكلمات... وليس ثمة غير الكلماتتصنع الأحداث وتشكل الوجود؛ وهو ما فتح الأفق لشتيرن لامتياح مادة كتابته من منابع متعددة؛ النحو؛ فن الحرب؛ فن الطب؛ فن الطبخ؛ الحكايات الشعبية..
ليس لأن لورانس شتيرن كتب خارج سقف الجنس تابع أثره ليون تولستوي في ما سبق ذكره بشأن مشهد انتحار آنا كارينيا ولكن لأن الإبداع هو هذا التحرر الدائم وإرادة التجاوز والكتابة خارج القاعدة الكتابة بوعي مسلح بالتحرر لذلك سيهتف فلوبير مرة قائلا أريد أن أكتب الفراغ لن يمر وقت طويل لتأـي فرجينيا وولف1882/1941لتقطع نهائيا مع قوانين السرد المعتادة فإذا السرد يؤسسه المونولوغ ويدفعه روايتها الأمواج التي تستعصي على التصنيف حتى أن بعضهم يميل إلى تسميتها بالقصيدة الرواية.. هي الأثر الأكثر إثارة للجدل للخرق العظيم الذي تعمدته؛ فليس الخط السردي هوالعمود الفقري للرواية ومعمارها لا يكاد يتخذ هيأة محددة بقدر ما هو كتابة متحررة بوعي؛ والشخصيات مائعة تتميز باللامبالاة اللانهائية ولم تكن فرجينيا وحدها في إعلان الانقلاب على دساتير الكتابة الروائية بل لعلها كانت متأثرة بمارسيل بروست في روايته البحث عن الزمن الضائع وجويس في عوليس هذا العمل الذي طالما اشمأزت منه ورفضت نشره في الدار التي أسستها صحبة زوجها ولم تكن وولف وحدها من رأى أن أعمال جويس ليست مِؤهلة للنشر؛ بدءا من عمله الأول ناس دبلن ثمصورة الفنان في شبابه وسوف يتطلب الأمر ناشرا أمريكيا ليوصل ستيفن ديدالوس إلى القراء.. كانت حجة رفض الناشرين لأعمال جويس أن أسلوب كتابته لا يستجيب لتطلعات القراء لما يتعمده من إيغال في الهذيان وعدم وضوح خط السرد واهتمامه المبالغ بالتفاصيل الدقيقة والتافه اليومي واستطراداته المطولة ونسفه للدراماتيكية القائمة على الصراع بين الأضداد وما يتطلبه هذا من شخصيات وشخصيات مضادة ولغته التي تنزع نحو الشعرية.. سيثير صدور عوليس سنة 1924 ضجة كبرى في جميع الأوساط بما فيه الأوساط غير الثقافية.. تقنيات مغايرة في بناء الشخصيات؛ مقاربة مختلفة تماما للسائد في البناء المعماري للرواية وتأويل الزمن السردي؛ اتكاء السرد على حالات الذات وهواجسها ومزاجاتها المتقلبة وعدم التعويل على الأحداث لدفع السرد وإعطاء الأولوية للهذيان والحوار الداخلي والمادة الحلمية وهو ما استدعى معجما لغويا مختلفا تماما؛ لغة إشارية إيحائية مكثفة وهو ما سيقتضي تركيبة مغايرة للجملة؛ سيتواصل الآحتفاء بالطاسة في
يقظة فينجان التي رغم أنها لم تنل نفس نجاح عوليس لكنها واصلت نفس التمشي نحو التحرر من انضباطية الجنس الأدبي سيقول عنها بارت:
quot;هو كتاب يفتقر للحسم يعمد إلى إنتاج مشهد لغوي من حيث إنه يحتفي بالدوال على حساب المدلولات؛ إنه شعر النثر
لحق الحلاق الذي سرق منه كيخاد ا طاسته للحلاقة وقال له هات الطاسة فأجابه دون كيشوت هي خوذتي التي سأحارب بها.
جعل جويس من محاولة الاختراق دينا جديا تفشى وجاءت كتابات بروست لترسخ هذا التوجه مما جعل ناتالي ساروت وهي بصدد صاحب البحث عن الزمن الضائع لقد فتح عصر الريبة
فعلا؛ تتالت الأعمال السردية المتمردة؛ سيجيء البولوني فيتولد غمبروفيتش يكتب نصوصا روائية بالقدر الذي لا تتوسل فيه الغنائية تحتكم إلى الواقع عبر فتنة مخيلة متجاوزة ورواياته فيرديدورالأدب الإباحي هي بمثابة شذرات تشردية يتهيَّأ إنها حكايات ولكنها مقاربات نثرية مختلفة ذات منزع شعري و ستأتي رواية السائرون نيامالهيرمان بروخ لتمزج بين خمسة أجناس مختلفة رواية.. قصة.. شعر.. دراسة؛ وستاتي أعمال لولكليزيو الذي يمزج بين أكثر من جنس وينسف القاعدة موظفا كل طاقات الكتابة من اجل إنجاز عمل أكثر تحررا؛ ولعل ما قاله الكاتب الكبير ميلان كونديرا بشأن مائة عام من العزلة لغابريال ماركيز يؤكد فعلا ما قالته ساروت هو عصر الريبة وعدم الاطمئنان ليقين النظريات
إنها واحدة من اعظم النتاجات الأدبية الشعرية التي عرفتها ولم يقل النتاجات الروائية.
عبد الوهاب الملوح

رواية للكاتب المغربي محمد خير الدين: وقائع أسطورة مغربية

نوفمبر 18, 2019 اضف تعليق


ظهرت الآن باللغة الألمانية آخر رواية كتبها الكاتب المغربي محمد خيرالدين تحت عنوان "صراعه الأخير". رواية تدور أحداثها حول شخصية أغون شيش الأسطورية وتزخر بالذكريات الشخصية والذاكرة الجماعية. مراجعة للرواية كتبتها رغينا كايل
عز الظهيرة (High Noon) في عمق الجنوب المغربي: عمل شبيه بفلم ويسترن قاتم الأجواء ذلك الذي يمنحنا إياه رامبو المغربي محمد خير الدين(1941-1995) بهذه الملحمة العائلية من إقليم الأطلس الصغير والتي تدور وقائعها حول شخصية أغون شيش الذي يهيم باعتباره فارسا متوحدا عبر المناطق الجبلية المحززة بالأجراف والأودية في الجنوب المغربي؛ طالب ثأر وحيدا، صعلوكا بدافع الشرف يتقفى آثار قبيلة قتَلة أخته داخل وسط طبيعي واجتماعي نموذجي القسوة موسوم منذ عهود ضاربة في القدم بمياسم الفقر والمجاعات ووقائع الثأر الدموية والتقاتل القبليّ وتجارة الرقّ والمعتقدات الخرافية والعنف والجهل؛ وسط يتأرجح بين الجحيم والجنة:
عبر الجنوب الخرافي
"لقد أنبأه أسلافه من قبل بأن الأموات سيظلون يرافقونه حيثما حلّ ومضى، ولن يستطيع منهم إفلاتا."
أغنون شيش المطارِد المطارَد تؤويه المغاور ليلا وأضرحة الأولياء ومقابر مهجورة وخرابات القلاع الحربية المتداعية خلال رحلته كفارس محمل برسالة من العصور الماضية تتجسد لديه في شكل هلوسات ورؤى أحلام وفي لقاءات بالأرواح والجنّ...
تبدو الرواية في مواقع عديدة في هيأة دليل أسفار يتنقل بالقارئ عبر الجنوب الخرافي العتيق داخل مثلث تافراوت-تيزنيت-تارودانت، تلك المنطقة التي هي موطن محمد خير الدين والتي ما فتئ يستحضرها في كل كتاباته، لكن قلما وردت في أي عمل من أعماله السابقة بمثل هذا الطابع الفاتن الملحّ والمؤثر و المثير كما جاءت عليه في رواية Vie et légende d’Agoun’chich : حياة أغون شيش ووقائعها الأسطورية، روايته السابعة والأخيرة، وأول رواية يكتبها فوق أرض المغرب ما بين سنتي 1979 و1983 بعد عشرات السنين من حياة المنفى:
"أي مذاق لذيذ لإبريق اللبن الممزوج بطحين الزعتر بعد الخمور الحادة في أرض الغربة!"
طقوس إحتفالية
الذكريات الشخصية والذاكرة والجماعية، التاريخ العام ووقائع المسيرة الحياتية للأفراد تنصهر جميعها معا داخل صورة نموذجية للجنوب الذي كان منذ ذلك الزمن الذي تدور فيه أحداث الرواية (الثلاثينات من القرن الماضي) موسوما بظاهرات النزوح والفرار من الأرياف والهجرة والالتقاء الأليم بعالم الحداثة الاستعمارية.
بلمسات تصويرية فنيّة ساحرة يحفظ محمد خير الدين لغة البربر وعاداتهم، ويصور تقاليد حياتهم اليومية وطقوسهم الاحتفالية، ويخلّد أقاصيص الخلق وأساطير البدء، ويروي وقائع من حياة الأولياء مثل سيدي حَمد وسيدي موسى وللّه تيعازتْ تاسملالتْ، أو حكايات البطولات وشخصيات خرافية من أمثال حمَد ونمير التي تتماهى معها شخصية أغون شيش وترى نفسها نسخة منها:
"بيتي كان إحدى النجوم وأنا كنت حَمد أو نمير: جنيّا... من مادة الكواكب كنت...وكان جسمي يروي الأرض بعرقه، ذلك أنني كنت أعمل في ملكوت المنفى السماوي..."
في انتظار المنفى
ليس شيئا أقل من ملكوت السماء هو المنفى الذي غدا أغون شيش ينتظره في آخر الرواية: وما ابتدأ على هيأة Ethno-Western –سيرة إثنوغرافية من الغرب الأميركي، على غرار رواية on the road (إحالة على رواية "على الطريق" لجاك كيرواك)، أو بعبارة أفضل off road (خارج الطريق) مع لمسات سريالية، سيفضي بالنهاية إلى وثيقة تقريرية عن صدام الحضارات(clash of civilisations) والمصادمة مع السلطة الاستعمارية التي سيجد أغون شيش "ملك الجبال" وروح الجنوب نفسه مندحرا فيها أكثر فأكثر إلى موقع دفاعي كلما تقدمت به مسيرته باتجاه الشمال.
وعندما تدهس شاحنة نقل بغلته المحبّبة ورفيقة دربه الوحيدة، عندها فقط سيجد أغون شيش نفسه أمام صراعه الأخير؛ الصراع الذي يحيل عليه عنوان الترجمة الألمانية للرواية، والذي كان ضمنيا في النص الأصلي وقد تركه الكاتب لخيال القارئ.
ليس بالسلاح تكسب المعركة
"وفي اليوم نفسه وارى سلاحه التراب إلى جانب بغلته وركب الحافلة باتجاه الدار البيضاء." ذلك أنه قد غدا واضحا لديه: ليس بالسلاح يمكن كسب هذه المعركة التي هي "معركة حضارية"، وليست الجبال هي ركح هذه المعركة إذنْ.
والرواية بكليتها هي في الحقيقة، مثلها مثل كل تركة خير الدين الأدبية، جزء من هذا الصراع بالنهاية. وكون هذه الرواية لم تنشر في الدار البيضاء إلا سنة 2002، أي بعد مرور 18 سنة عن صدور طبعتها الأولى بباريس، وسبع سنوات بعد وفاة محمد خير الدين، إنما يعد لوحده مؤشرا على أن رواية أغون شيش ومن ورائها مجمل الثقافة البربرية العريقة التي ينتمي إليها حوالي 50 إلى 60% من الشعب المغربي، والتي كانت ترى نفسها على الدوام مندحرة إلى مواقع دفاعية، تظل بالفعل كيانا قادرا على الصمود وعلى تجديد نفسه مثلها مثل شجرة الأرغان الشهيرة التي يرد ذكرها في مستهل الكتاب والتي تعتبر الرمز الطبيعي الحي لتلك المناطق الجنوبية.
إعادة الإعتبار الى الثقافة الشعبية
عن "اللغة المقاتلة" كعلامة مميزة في كتابة خيري الدين..
تلك هي اللغة التي أعلنها خير الدين في سنوات شبابه ومارسها في العديد من كتاباته، بدءا برواية أغادير التي مثلت بدايته الروائية العنيفة وحاز بها سنة 1967 على جائزة الفتية الشرسين التي أسسها جون كوكتو. تبدو روايته هذه من الوهلة الأولى وكأنها قد ابتعدت في الأثناء عن هذه اللغة المقاتلة.
لكنها، حتى وهي تكرس عودة إلى النمط السردي الذي تأسس خلال الثمانينات وغدا نمطا مميزا سائدا لدى كتاب جيله (نذكر منهم الطاهر بن جلون على سبيل المثال)، فإنها في تلك المقاطع التنظيرية تعيد الربط مع مواقف مجلة أنفاس (1966-1972).
وكانت تلك المجلة الأدبية والثقافية الطلائعية التي أسسها بمعيّة كتاب مغاربة نذكر منهم عبد اللطيف اللعبي والنيسابوري (قبل أن تقع تحت طائلة الرقابة) هي التي أطلقت نداء شديد اللهجة يدعو إلى "تحرير الوعي". أو بكلمة أخرى إلى إعادة الاعتبار إلى الثقافة الشعبية العربية الأمازيغية التي مارس عليها التيار السائد للصفويّة العربية الإسلامية قمعا قد يكون أشرس مما مارسته الهيمنة الاستعمارية من قبلها.
رمز النهضة البربرية
"عالمي قد تمّت مواراته التراب مثل بغلتي..."
... هكذا يعلن أغون شيش قبل أن يرتحل باتجاه الدار البيضاء. إلا أن محمد خير الدين نبّاش القبور(إحالة على رواية له تحمل هذا العنوان) الذي كانت له منزلة الشاعر الملعون قد كان أول من نبش عن هذا العالم المطمور وأعاده إلى الحياة، وذلك في اتجاه معاكس لروح العصر الرسمية السائدة.
واليوم قد غدا الشاعر الملعون يحتل منزلة رمز النهضة البربرية، نهضة قد غدت منذ خمس سنوات تجد مساندة ودعما حتى من الجهات الحكومية وذلك عن طريق تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM) الذي يعمل في الاتجاه الذي كان يحلم به الراوي على تمهيد الطريق نحو المستقبل الشامل لثقافة يقدّر عمرها بثلاثة ألاف سنة: "ثقافة يتقاسمها المرء مثل الخبز والماء مع رفاق دربه."
بقلم رغينا كايل
ترجمة علي مصباح
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2007
ِ
رغينا كايل مترجمة وأستاذة أدب فرنسي في جامعات هايدلبرغ، رباط وبركسل.

الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين

نوفمبر 18, 2019 اضف تعليق

اليوم حلت الذّكرى الرابعة والعشرون لوفاة الشاعر والروائي المغربي محمد خير الدّين (1995-1941)، وهذا مقتطف من روايته "أگادير" (الصادرة عن دار نشر سوي - 1967):
ترجمة: مبارك وساط

(...)

البرْد الرّاتع في غرفتي التي تنفتح على الشّارع، ونافذتي التي لا تنغلق... مخّي السّارح الحاضِر متى إذنْ ستكون بَغْلا بشكل أقلّ؟ رأسي، لُقْيَتِي، حافظةُ أوراقي، وجدّي الذي نبشتُ قبره لأعرف إن كان قد غيّرَ مكَانَه، الموتُ الذي يَرفضني، أنا عَفِن، أنا لِحاءُ الشّجرة العجوز المهووسة، دمي أو بالعكسِ لِمْفايَ ضاربة إلى السّواد، دمٌ عَدَمٌ، دمُ نحلةٍ، دمي الهائل، دمي بلا اسْمٍ، دمي الذي هو ليلٌ دائما... أُفْرِغُ لوحدي بنوكَ الدّم، دمٌ هو هياجُ حشرة تجوسُ الحديقة حيث الصّداقة معقودة بين المصاطب، دمٌ مُمَلّحٌ مُدَخَّنٌ، دمٌ زلزال يَنطلقُ من إبهام قدمِي... دمٌ نقود مزيّفة، أنْسَلُّ وليس بدافع الخطأ يُسلّمني الدّم كأني جانٍ، أمضي إلى ضوضاء المدن من دون اسم حقيقي، وفي كلّ مكان ألاقي سُحُبًا من الذّرّات... لا أتوجّه إليكَ بالكلام إلا لأننا نبقى غير منفصلين، تقول نحن غير قابلين للانفصال، نحن قابلان للانفصال، أجيب أنا الذي استُحْلِفتُ في اللحظة التي تمّ خلالها اغتيالي، لقد شكّلْتُكَ كما اقتضتْ لياقتي، وبحسب مهارة الفخاخ، دون إسقاط شيء من سحر إله الفودو الذي أطاح به الأوربي ذو الأسنان المشحوذة جيدا واليدين الطّويلتين، الحائزُ معارفَ العظاية الباسمة، وهنالك أبو الآباء، أبو السمكة العجوز التي صنعتْها الرُّتيلاء المُسِنّة أمام أبِي الآباء وأمّ الآباء... طبعا أنا أختفي، أيها الدّم- المحرقة الدّم- البنزين الدّم- المعركة ... شهدتُ عمليات فَصْدٍ من العنق والعانة، كان ذلك على عرش من الحجر المتبلّر وعلى الفراغ الذي يتوسّط الهذيان، وكانت العانس المحتدّة المزاج سبب مشاقّ العمل في الحقل وحَفْرِ الآبار تغرز رأسَها نفسَه في الحجر وتضحك شِبْهَ نائمة فيما أعْلَى منها بلْ على جلدها ترسُمُ الدّكتورةُ الطّوفانَ، الدّخانَ، الثّلجَ، الحَرْبَ، كانت المنيّة حاضِرة، قلْتُ لنفسي، فهل لها قلب ودمٌ وجسدٌ يمكنه أن يسحرني؟ كلّا.

ربّما تَعود في ليلة ما وهي لن تنبثقَ من أحشائي، وستُصَفّق ومن بعيدٍ تناديني يا سيّدا كأنّي قيصر، يا بومةُ كأني القُرصان أو الإعصارُ حاملاَ هذا الاسم، تعال لأسمّمك، تعالَ لأكسوَك لباسَ رومانيٍّ قديم، لباسا أبيضَ مذهلا، تعالَ أيّها النّسيان، ولْأكُفّ عن الظّنّ. علاماتٌ مُشاةٌ سائقو سيّارات راكبو درّاجاتٍ مُلوكٌ أفّاكون كتّابٌ أنساقٌ منطقيّةٌ جماركُ غزواتٌ، المساءُ يفتحُ المقاهي، المصابيح تقتات من الشّمسِ، الإنسان يُتلف كبده، إنّهم يُرَقّعون دمي، وأشعر بالألم في الأماكن التي تحمرّ من جسدي... وأنا دوما أسائل دمي الذي أنعتُه بمطرح نفايات المدينة، بالفأر المُصاب بالطّاعون، بوباء أقمارٍ نتنة، بنقيضِ كُلِّ ما يمنحنا الهناء فنتشبّثُ به أثناء تهاطل المطر إذْ يُصبح الفحم الحجريّ بثمن الدّم، دمي الذي تقيّأتُه، دمي الذي لا يمضي لتناوُلِ الكَرْكَنْدِ مُضمّخََ الشّارب بالطِّيبِ مُصفَّفَ الشَّعر على الطّريقة الإيطاليّة، دمي الأعرجُ... دمي الجُذامُ، دمي مثل سانْ جوستْ على منصّة الإعدام، دمي إنّكَ ترتجف، دمي إنّك تُتَوِّجُ شِرّيرا حقيقيا، دمي إنّك تُطْلِقُ النّار...

-------------------



من أبرز الشخصيات الأدبية المغربية الأمازيغية، كتب باللغة الفرنسية فقط ، ولم يكتب مطلقاً بالعربية أو بالأمازيغية، وبذلك ظل مجهولاً عربياً. ترك الدراسة مبكراً وعمل في العشرين من عمره مندوباً بالضمان الاجتماعي من عام 1961 إلى 1963 في أكادير ثم في الدار البيضاء، واستقال سنة 1967 من منصبه وهاجر إلى باريس هارباً من الملاحقة القانونية لاشتراكه في انتفاضة مارس 1965 ليلتحق هناك بعد ثلاث سنوات في ثورة طلاب فرنسا (مايو 1968). كان من بين الطلاب الذين احتلوا مسرح الأوديون بباريس. نشر له سارتر قصيدة “الملك” في افتتاحية مجلته الشهيرة “الأزمنة الحديث”. صدر كتابه الأول في لندن سنة 1964 بعنوان “غثيان أسود” وقد ضم قصائد تشي بيأس وجودي متأصل. في سنة 1967، نشرت له دار سوي الفرنسية رائعته “أغادير” التي كتبها في أعقاب الزلزال الذي دمر المدينة المغربية سنة 1960، وكانت المخطوطة تحمل عنوان “التحقيق” قبل أن يقترح الناشر تغيير الاسم إلى “أغادير”. توفى في 18 نوفمبر عام 1995.

النتاج الروائي:
•”أغادير”، 1967
•”الجسد السالب”، 1968
•”أنا المر”، 1970
•”النباش”، 1973
•”حياة وحلم شعب دائم التيهان”، 1978
•”أسطورة وحياة أغونشيش”، 1984

•”كان يا مكان زوجين سعيدين”، 1993