عيسى الحجيري... عرسال تطرق باب الكتابة والتأليف

الضيوفُ الكرام

الأخواتُ والأخوة، الأهلُ الأعزاء، أيها الحضور المحترمين، 
السادةُ الأفاضل:
عرسالُ المدينة الشامخة الأبيّة، هذه البقعةُ الغالية من لبنان؛ العصيّةُ على القهر والإذلال، المتغلبةُ على صروفِ الدهر ونوائبه، عرسال المعمَّرة بتعبكم، بسواعدكم وعرق جباهكم جيلاً بعد جيل، المُصانةُ بقوة إرادتكم وصبركم، وبقلوبكم وعقولكم، وإيمانكم بعون الله ورعايته، والمحصّنةُ بفلذاتِ أكبادكم من العسكريين والأمنيين ومن الشبابِ الغُرّ الميامين؛عرسال هذه سعيدة اليوم بلقائكم هذا.

اسمحوا لي بداية أن أن أرحبَ بكم أحرّ الترحيب... في هذه المناسبةِ الثقافية الفكرية المباركة، الجديدة، وأن أشكرَ حضورَكم وجهودَكم في إنجاح هذا اللقاء المميّز لأهل العلم والمعرفة، والتربية والفكر والثقافة .

وأسمحُ لنفسي أولاً بالمسارعة إلى التصريح عن الغاياتِ والأهدافِ من وراء هذا اللقاء، فهو لقاءٌ قصدنا من ورائه تسليطَ الضوءِ على الوجه الآخرِ المهمّشِ لمدينة عرسال، ذلكم هو الوجه الوضّاء النيّر، وجه العلمِوالمعرفة، والعمل الفكريّ-الثقافي والأدبي الفنيّ... وإبرازَ الجانب العقليّ – الروحيّ لعرسال؛ ففي هذه البقعة العزيزة من لبنان، عاشَ سابقاً ويعيشُ فيها الآن دكاترةٌ مثقفون، وعلماءُ ورجالُ أدبٍ وشعر وفنون، وأهلُ شرعٍ وفقهٍ وسياسة، وعقلاءُ أهلُ رأي وحكمةٍ ودراية، ففيها يوجد الأساتذةُ والتربويون، والأطباءُ والمهندسون، والمعلمونوالمزارعون والمحترفون من مختلف الأعمال والمهن والحرف والصناعات اليدوية، من الحياكة والنقش والنحت والتزويق والتزيين، وهم ثروة نفيسةٌ لا تقدر بثمن، وها نحن نفخرُ اليوم بأسماء لامعة في مجالاتالبحث العلمي والتأليف الأدبي والتربوي، والمنطقي العقلاني، أمثالِ: البروفيسور محمد يوسف الحجيري، والدكتور الشيخ سميح عزالدين والكاتبُ البارع محمد محمود الحجيري وغيرهم.

لقد نالت عرسالُ شهرةً وسمعةً طيبتين بصفتها بلدة عربية الهوية والانتماء والمصير، وبرزت في مجالاتٍ عديدة: سياسية ونضالية وفي المقاومات الوطنية بمختلف مراحلها واتجاهاتها، فعرسال كما تعلمون فدت أرض لبنان الغالية من جنوبه إلى شماله بكوكبة كبيرة من خيرة أبنائها؛ ولذلك فشلت كل المحاولات الأخيرة البائسة لإلباسها لبوس التطرف حيناً والتعصبِ والتمذهب حيناً آخر، وكلُّكم يعرف مدىالجهود الهائلة، الخبيثة، التي بذلت لشيطنتها ووصمها بالإرهاب حيناً، أو بالتخريب أو الخروج عن القانون والشرعية أحياناً، ولا تَخفى على أحد تلكالمحاولات العديدة التي جرت للإيقاع بينها وبين السلطات الشرعية أو بينها وبين أبناء الجوارفي السنوات الماضية، لكن وعيَ وتنبه أبناء عرسال وحكمائها وجهود المخلصين من كل الجهات الرسمية والمدنية وفي مقدمهم أصحاب الفخامة الرؤساء السابقون والحاليون، ودولة رئيس المجلس النيابي ودولة رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري، كلتلك الجهود الخيّرة هي التي أفشلت تلك المحاولات؛ كما لا يمكن نسيان دور قيادة الجيش اللبناني الحكيمة، وقوى الأمن الداخلي الساهرة على الأمن والنظام في هذا المجال، ثم جاءت كل مجريات الأمور علىأرض الواقع خلال الانتصار المؤزر في معركة تحرير الجرود وما سبقها وما تلاها لتدحض كل تلك التخرصات والمزاعم.

فها هي عرسال، عرسال التي زينت مباني وعمارات وبيوت لبنان بحجارتها الرائعة الجمال ومنحوتاتها المميزة، مثل ما زينت الأسواق اللبنانية وغير اللبنانية بخيراتها الطبيعية النظيفة الطيبة من ثمار جبالها من الكرز والمشمش والعنب والتفاح والإجاص، وبخضرواتها الطبيعية الخاليةِ من التلوث الكيماوي أو الأدوية السامة،  خيراتها تلك المشبعة بالشمس والهواء من التربة الجردية البكر، وهي كذلك أغنت الموائد اللبنانية بالألبان واللحوم ومن المؤونة التقليدية اللذيذة الطبيعية، وكما صدّرت المصنوعات الحرفية والفنية من السجاد اليدوي والمنحوتات ولوحات التزيين الرائعة الجمال، وها هي اليوم تطرق باب الكتابة والتأليف لتصدّر الحرف والكلمة المكتوبة، والمعرفة والعلم والأدب بلغتنا العربية العريقة، اللغة العربية الأصيلة الجميلة... أن نحافظَ على هذه الثروات ونطوّرها ونحسّن من مستواها تلك هي المهمة المستقبلية الصعبة ولكنها الممكنة، فكيف؟
إن طموحَنا لا يقتصرُ على تنشيط حركة المطالعة والقراءة والكتابة فقط، بل التأسيس لحركةٍ ثقافية– إجتماعية جديدة، والتشجيعِ على قيامحالة إجتماعية عمادُها حركة العلم والتربية والأدب، ولا يتمُ ذلك إلا عبر دعوة جيل الشباب إلى أخذ دورهم في الإهتمام بالثقافة، وإلى الأخذِ بالنظر العقلي والمنطق العلميّ والعملي، والتخلي عن اللهو الفاسد والانحراف، والابتعاد عن الصغائر والأحقاد، والتحرر من الأوهام والخرافات واللّامعقول، ونبذِ التعصب والصراعات المذهبية والعقائدية المضللة؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، إننا ندعو  جيل الشباب العرسالي اليوم إلى المبادرة وبسرعة قصوى إلى قيام حركة شبابية ناشطة، تعمل على تأسيس جماعاتٍ وفرقٍ للهواة الشباب تهتم بالثقافة والمطالعة والتدوين، والنقاش والبحث الفكري والعلمي والأدبي، وتتوجهُ إلى إنشاء وتنظيم جماعات حماية الطبيعة ونظافة المياه والبيئة، وتأسيس الفرق الرياضية والكشفية، وجماعات إعادة تشجير الجرود وحمايتها، وتحويلها إلى محميّات بيئية طبيعية للتنوع النباتي والحيواني، وإلى مراكز للسياحة الطبيعية والبيئية،  وبذلك نأمل بولادة حركة شبابية ناهضة، تنأى عن الشرور والمفاسد، وتلتزم بقيم الأخلاق والمبادئ السامية، تؤهلنا للالتحاق بركب التقدم اللائق والحضارة الراقية، وقيم الإنسانية المعاصرة، حركة شبابية تؤسس لمسيرة  ثقافية واجتماعية منفتحة، معاصرة ومتحررة من الاهتمامات الغرائزية والبدائية البالية؛ وذلك هو وجه عرسال الذي نطمح إليه وندعوكم إليه، و هو ما يجب أن نعمل له ونسعى في سبيله، ولا نجد مخرجاً غير هذا ينقذنا  مما نحن فيه من لامبالاةوضياع وفوضى.ولا بد أن يتم ذلك بالتنسيق والتعاون مع الإدارة البلدية المحلية والوزارات ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات والمنظات المحلية والدولية.

أما عن كتابي هذا فهو بحثٌ استند على قراءة نقدية منهجية عن رؤية المفكر المغربي القدير المرحوم محمد عابد الجابري، الباحث في العقل العربي و في نقد هذا العقل، وفي تحليل تاريخية التراث العربي- الإسلامي والفلسفة العربية.

ويتناول الكتاب مجموعة من الأسئلة الإ شكالية، كمشكلات في النقد والحضارة والفلسفة، وهي أسئلة واجهت النهضويين العرب والمسلمين ولا زالت تواجه المهتمين في النظرالعقلي والبحث الثقافي، المعرفي والعلمي والفلسفي، ممن يشتغلون في الثقافة والفكر والتراث، ومن الباحثين في هموم التقدم وفي النهضة العربية المرتجاة، أومن العاملين على اجتراح الحلول والمخارج الممكنة من الوضعية الصعبة والمقلقة التي تواجهنااليوم، نحن أمة العرب والمسلمين. فهل حقاً استقال العقل العربي - الإسلامي من دوره ووظيفته أمام اللاّمعقول وسلّم مهماته إلى الماورائي  الأسطوري والخرافي، وفي المراحلالمبكرة من نهضة الحضارة العربية-الإسلامية؟ وهل وصل التنافس بين المشرق العربي ومغربه في مرحلة الإنشقاق الحضاري العربي إلى حالة وقوع القطيعة في السياق المعرفي والعقلاني أيضاً. ثم ما هي فلسفة العرب الحقيقية؟ هل هي ما نُقل عن الأقدمين أم أن لهم حكمتهم الخاصة؟ على اعتبار أن الفلسفة هي طلب الحكمة والبحث عنها؛ فأين هي حكمة العرب تلك ؟ وأين موقعها قبل ظهور الإسلام وبعده؟ وماهي حقيقة المشكلة الفلسفية التي شغلت بال الفلاسفة العرب المسلمين؟ وأخيراً اليوم: ما هو السبيل الصحيح للخروج من الحال المتردي، الخطير في الثقافة  والحضارة والقيم والأخلاق؟ وهل من دور لمنهج النقد والشك ومطلبِ إعادة النظر في الموروث التقليدي النقلي في إيجاد الحلول المستقبلية؟، ثم بعد، إلى متى نبقى نعيش في الماضي وندمّر الحاضر ونتجاهل المستقبل؟بعضٌ من هذه الأسئلة والمشكلات النقدية الموروثة والراهنة يتناولها هذا الكتاب، أما القصد من طرحهذه القضايا القديمة – الجديدة مجدداً، فهو محاولة إنقاذ العقل العربي والفكر الإسلامي من عطالتهما، ومن سيطرة الماضي عليهما، وإنعاشهما عبر الدعوة إلى تحريرهما من نفقالأوهام وادعاءات الجهلة الخرافيين وتفريعاتهم، ومسعى إجتهادي إلى فك أسر العقل من تقوقعه داخل أطر تراثية بدائية متخلفة، و العمل على إخراج الفكر التراثي من خلافات وصراعات الماضي وأحقاده الموروثة؛ وجعل التراث والماضي عبرة تفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا بدل البقاء أسرى له و سجناء في ماضيه. وأفترض أن تحقيق هذه الطموحات لا يحصل الاّ بإحداث نقلة كبرى، نقلة تفتحمجالات وميادين أخرى للاهتمام والفعل، نقلة تفرض عناوين أخرى للبحث والنقاش والجدل والاهتمام، تلكم هي مجالات البحث النقدي الحر المتفتح الذي عليه أن يحرثَ ويبذرَ فيحقولِ العلوم والحضارة، والحكمةِ والفلسفة، وينشغلَ بالاجتماع والاقتصاد، والطبيعةِ والحياة، ويغوصَ في أعماق كنوز العقل حاضره وماضيه، فيضيء في نفوسنا وأرضنا، منارة العلم الوضعي التجريبي – العمليّ الحديث، وهو ما قد يؤهلنا إلى اللحاق بالمسارالحضاري الإنساني المعاصر، ويمكننا من استعادة شيء من حضارتنا المفقودة. ويحفظ لنا مقعداً في الصفوف الأمامية للأمم والشعوب الراقية.

مرة أخرى أرحبُ بكم وأشكر حضوركم. عشتم وعاش لبنان.

كلمة الاستاذ عيسى الحجيري في حفل توقيع كتابه"العقل المستقيل" في عرسال

ليست هناك تعليقات