معجزة سبينوزا

ديسمبر 28, 2018 اضف تعليق

حسونة المصباحي 

خلال السنوات القليلة الماضية، صدرت في فرنسا عن دور نشر كبيرة،  كتب كثيرة عن باروخ  سبينوزا(1632-1677)، وعن فلسفته ، إلا أن كتاب فيليب لونوار الصادر هذا العام عن دار "فايّار" تحت عنوان:" معجزة سبينوزا" صُنف من ضمن أفضل الكتب مبيعا. كما صنف  من قبل النقاد كواحد من أفضل الكتب المحيطة بفلسفة سبينوزا الذي  لا يزال يعتبر الى حد هذه الساعة مرجعا أساسيا في مجال الفلسفة، شأنه في ذلك شأن "آباء الفلسفة"، أي فلاسفة  الاغريق. ولعل الانتشار الهائل الذي حظي به هذا الكتاب لدى القراء، وأحبّاء  الفلسفة، هو أن المؤلف اختار التبسيط، متمكنا من توضيح أهم الركائز التي تقوم عليها فلسفة سبينوزا الذي كان غالبا ما يلجأ  الى العقيد والغموض خشية مقص الرقابة.  
وكان الألماني هيغل يقول بإنه لا فلسفة من دون سبينوزا. أما نيتشه فكان يعتبرهّ رائد الفلسفة الحديثةّ.  وأقر غوته بأنه أكثر الفلاسفة تأثيرا عليه من الناحية الفكرية. ولقبه الفرنسي  جيل دولوز ب"أمير الفلاسفة".  وبالنسبة لاينشتاين، تمثل فلسفة  سبينوزا مفهوما للعالم أصبح "الفضيلة المشتركة بين الأحياء الذين يسعون إلى بذل جهد روحاني" . وهو أيضا "نموذج"، وب" بطل روحاني عميق". وذات مرة كتب اينشتاين الى فيلي آرون الذي كتب  سيرة سبينوزا يقول :"أنت على حق عندما تقول إن الهوة العميقة التي تفصل سبينوزا عن الديانة اليهودية سحيقة بحيث  لا يمكن القفز عليها. مع ذلك يبدو لي أن طريقة سبينوزا في التفكير ومفهومه للعالم  يهوديان". ومعبرا عن اعجابه بسبينوزا، كتب اينشتاين قصيدة صغيرة فيها يقول:
كم أحب سبينوزا
أحبه أكثر مما تقدر الكلمات أن تبوح به
مع ذلك أخاف أن يظل وحيدا
بصحبة هالته الساطعة !
وكان سبينوزا يقول بإنه "لا يخضع لأي سلطة فلسفية" بما في  ذلك سلطة أفلاطون وأرسطو. ويشهد  المتأثرون به أن قيمته  الحقيقية تعود إلى أن ظهر  في عصر التزمت والفتن الدينية، والاستبداد السياسي ليضيء للناس  طريق الحرية.  وحين يستحضره  الفلاسفة راهنا فلكي يعتمدوا عليه لإثبات قيمة الحرية مجددا في هذه الفترة التي  يشهد فيها العالم بأسره أنواعا مختلفة من التهديد ضد حرية الانسان، وضد حرية الفكر، وضد حرية المعتقد. كما يستحضرونه لأنه  لم يكن مفكرا حرا فقط،وإنما لأنه أيضا حكيم  "يعمل على تغيير نظرتنا لأنفسنا وللعالم لكي نكون أحرارا وسعداء" .
وينتسب باروخ سبينوزا المولود عام 1632 إلى عائلة يهودية تم طردها من اسبانيا عام  1492. وبعد أن أمضت فترة في البرتغال، انتقلت إلى أمستردام لتسقر هناك نهائيا وذلك عام 1632. وكان والده تاجر ثمار مجففة،  وزيت زيتون. وكان يتمتع بثقافة واسعة.  وفي المدرسة تعلم سبينوزا العبرية، والأرامية، وتعمّق  في قراءة الانجيل والتوراة.  كما تعلم اللغة  الإسبانية والبرتغالية والألمانية والايطالية والفرنسية والهولندية .  وستساعده هذه اللغات المتعددة على اكتساب ثقافة واسعة، وعلى قراءة أعمال أدبية وفلسفية في لغاتها الأصلية. وفي عام 1647، حضر سبينوزا جلد ابن عمه الفيلسوف اوريال دو كوستا الذي ولد  يهوديا، ثم اعتنق المسيحية. وفي  عام 1652، شرع في تعلم اللغة اللاتينية وبها سيكتب في ما بعد مؤلفاته.  وفي نفس الوقت أخذ يتردد على دروس المفكر الحر فرانسيكوس فان اندن الذي سيعدمه ملك فرنسا عند غزوه لهولندا عام  1672 بتهمة القيام بأعمال تخريبية. وبمساعدته اطلع على مؤلفات كبار الفلاسفة أمثال  هوبز، وبايكون، وديكارت الذي  ألف عنه أول  كتاب له، وكان بعنوان :"مبادئ  الفلسفة الديكارتية".  وفي عام 1656، وهو يغادر أحد المسارح في قلب أمستردام،  تعرض سبينوزا الى محاولة اغتيال من قبل مجهول حاول أن يطعنه  بخنجر إلا أن الخنجر اخترق المعطف وولم يصل الى الصدر. ولكي يثبت أن التزمت الديني قد يفضي في النهاية الى جنون العنف، والجريمة،  احتفظ بمعطفه المثقوب سنوات طويلة. وفي ما بعد سيعتبر  المتشددين دينيا "برابرة جددا". ومُتّهما  من قبل  رجال الدين بالإلحاد، فصل سبينوزا عن الطائفة  اليهودية  ليعيش  منبوذا طوال حياته. وخوفا من بطش خصومه وأعدائه، ترك أمستردام  ليعيش  متنقلا بين مدن مختلفة، منصرفا الى القراءة  والتأليف، ومكتفيا بمهنة صانع نظارات لتأمين رزقه. وفي هذه الفترة، شرع  في كتابة مؤلفاته الهامة. وأولها كان بعنوان :" رسالة في تهذيب العقل" ،وفيه بحث في طبيعة المعرفة وأنواعها، وفي السبل المناسبة للوصول  الى الفهم الصحيح، ولكل ما يمكن أن يوفر السعادة للإنسان. ولا  يمكن أن يتم ذلك إلا بتخليص  النسان من أوهامه، وأخطائه، ومعتقداته الباطلة والمزيفة، وتطهيره من حب المجد والسلطة والثروة.  وفي هذا الكتاب، أثبت سبينوزا وحدة العقل والطبيعة، مبينا أنه ليس هناك انفصالا بين الروح والجسد، وبين الفكر والمادة، مقوضا بذلك تلك الثنائيات التي سيطرت على فلسفة ديكارت. وفي كتابه الآخر :" رسالة في اللاهوت والسياسة"، أبرز سبينوزا أن الفلسفة والايمان  الديني منفصلان، وأن العقل لا يمكن أن يكون خادما  للدين، ومبررا  للمعتقدات  الدينية.  وعن ذلك كتب يقول :"  الحرية التفلسف لا تهدد مطلقا التقوى الحقيقية، ولا السلام ضمن المجموعة  الانسانية. والغاؤها ، عكس ما يتصور، يؤدي الى انقضاء السلام والتقوى".
وقد حققت مجمل  مؤلفات سبينوزا الفلسفية " ثورة"  في المجال الفلسفي، والسياسي، والديني، والأخلاقي، والسايكولوجي، والأنثروبولوجي إذ أنه اعتمدت على العقل وحده  للوصول الى الحقيقة، ولتوفير السعادة. وهذه "الثروة" كانت تحديا كبيرا لعصر تميز بالفتن والنزعات  الحروب الدينية، محررة الانسان من التقاليد  التي تحرض على التزمت والانغلاق ورفض الآخر سواء دينيا أم سياسيا أم عنصريا

موسى الحجيري... الحريرية السياسية الى أين؟

ديسمبر 26, 2018 1 تعليق
 (الشاويش)
 ما عشناه خلال المرحلة الماضية، يدل على تراجع نسبي في جمهور تيار المستقبل نتيجة لعدة عوامل، لعل السبب الأبرز فيها هو ما شهدناه من تنازلات عديدة، أقدم عليها الرئيس الحريري للحفاظ على الوطن على شتى المستويات اهمها الاقتصاد والأمن...

ولكن والى حد ما تنازلات الرئيس الحريري المتكررة أفقدته الكثير من جمهوره والدليل الأكبر هو انتخابات ٢٠١٨ والتي أظهرت تراجعا ملحوظا في عدد نواب كتلة المستقبل... وما يمكن قوله هنا إن الرئيس الحريري دفع من جيبته الخاصة رغم أن مختلف الأطياف السياسية ربحت من هذه التنازلات...

كان شعار الرئيس الحريري دائما وعند كل مبادرة الوطن أهم شي ولبنان بيستحق كل شيء، ولكن الجهود التي بذلها الشيخ سعد كانت تبادل بالخذلان دائما من الاطراف السياسية عامةـ وكان هدفهم كسياسيين ضرب وتقليص دور الحريري أكثر فأكثر على الرغم من كل ما قدمه كرئيس حكومة اولا وكرئيس كتلة نيابية ثانيا...

أما اليوم فموقف الرئيس الحريري تغير وأصبح أكثر صلابة عما كان عليه سابقا، بوضعه خطا احمر عريضة يمنع تجاوزها من أي مكون سياسي، وكل الاطياف الحليفة تجد في هذا الموقف موقفا شجاعا يعارض كل انواع التمادي والتطوال على دور رئيس الحكومة، وما شهدناه في الاسابيع القليلة الماضية هو خير دليل على أن الحريرية السياسية، بدأت بتضميد جراحها ولم شملها والعودة مجددا كقوة سياسية وبرلمانية وازنة لها موقفها الحر والعودة ايضا الى الجمهور الجريح الذي لا طالما إنتظر هذه المواقف منذ فترة طويلة...

الكل اليوم يرصد مواقف الحريري من قضية تشكيل الحكومة ...
فهل نحن ذاهبون الى فراغ حكومي طويل؟
فهل نحن بصدد عودة أمجاد ٢٠٠٥؟
وهل نرى اصدقاء الحريرية المنشقين في بيت الوسط؟
وماذا عن موقف الحريري من ما يتعرض له من حملات اعلامية وضغوطات واسعة للتراجع والتنازل من جديد؟
                           
                                                          خواطر سياسية

عيسى الحجيري والطريق الى الفلسفة

ديسمبر 24, 2018 اضف تعليق



الحضور الكريم
في هذا اللقاء الذي يجمعنا الآن، ربما قبل الحديث عن كتاب "العقل المستقيل والقطيعة المعرفية، قراءة منهجية – نقدية مع الجابري في الفلسفة العربية" للاستاذ عيسى الحجيري، وهو رسالة ماجستير في الجامعة اللبنانية، ينبغي الحديث عن فلسفة الحياة نفسها، بل عن حكمة الحياة ودورها، فاجتماعنا هنا في نشاط ثقافي في عرسال، وفي البقاع الشمالي، ليس أمراً عادياً، ويعتبر حدثاً ينبغي تسجيله في الذاكرة في هذه الظروف. واحتفالنا بكتاب فلسفي مؤلفه من عرسال، ليس أمراً عادياً أيضا، فهو قد يبدل قليلاً من نمطية اجتماعتنا السائدة والتي تتراوح بين الاجتماعية، وفي أحسن الظروف الانتخابية. ينبغي التذكير أيضا أن الأستاذ عيسى خلال سنوات الحرب وانقطاعه عن الدراسة عمل في الصحافة كتب في الصحف اليسارية، تناول مجموعة من الملفات المحلية، بمعنى آخر أن شغف القراءة والكتابة كان مبكرا لديه، وهذا قبل أن يسرقه العمل الحزبي والسياسي إلى مجالات أخرى، وهو أمضى سنوات طوال في هذا المجال، كانت محطة بارزة في حياته، فيها من الصعود ما يكفي وفيها من الهبوط ما يكفي، وإن كان يتجنب أو لا يحبذ الحديث عن تلك المرحلة. والمفارقة هنا، أن الأستاذ عيسى الذي كان "رفيقاً"، وبعد نهاية "زمن الرفاقية" ونهاية جنون الحرب وعبثيتها، عاد إلى مقاعد الدراسة والجامعة، درس الفلسفة في عمر متأخر مقارنة بالطلاب الآخرين، وهذا يسجّل له في مسيرته، فالتقدم في العمر ليس مشكلة أمام الشخص الهادف إلى التعلم والبحث عن المعرفة، وكان مسك ختام الدراسة الجامعية كتابه "العقل المستقيل" فضلا عن قطيعته عن الماركسية وانشقاقه عنها، بعد خيبة أمل من العمل مع الرفاق. لكن الأستاذ عيسى أنهمك في التدريس الثانوي، ولم يتابع جهده في الأبحاث والدراسات والأفكار، قد يكون روتين الحياة غلب على مسيرته، وبعد تقاعده في التدريس، عاد وأصدر رسالته. والسؤال ماذا لو أكمل الأستاذ عيسى في إنتاج أفكاره في مرحلة ما بعد رسالة الماجستير، ماذا لو حصل على الدكتوراه، أسئلة كثيرة ينبغي طرحها، وان كان الزمن لا يعيدنا إلى الوراء.

وبالعودة إلى الكتاب الذي يحتاج قراءة منهجية وفكرية، ليس مجالها الآن، فهو مكتوب بسلالة ولغة مكثفة ويطرح الكثير الاسئلة بين الماضي والحاضر، يقوم أساسا على قراءة نقدية تتناول أبرز قضيتين مثيرتين للجدل والنقاش في المشروع الفلسفي – النقدي "نقد العقل العربي" للجابري، هما مسألة القطيعة بين فلسفة المشرق والمغرب، ومشكلة العقل العربي المستقيل الذي تلبس بالثقافة العربية والاسلامية والفلسفة أبان مرحلة النهوض والازدهار.

هو بحث قصد منه المؤلف الدعوة الى الاهتمام بالفلسفة وتشجيع التأمل العقلي والشك والنقد، فهو بالتالي دعوة إلى طلب المعرفة والبحث عن الحقيقة، وإلى الالتزام العقل بالبرهان في مواجهة متطلبات العصر والحداثة، هو دعوة الى افاق الحياة ولغة الحياة، ونبذ التمييز والعنصرية والتعصب ونهج الموت، بالرجوع الى إحياء فضيلة التسامح والانفتاح الحضاري الذي أسس نهضة العرب الأولى. وإذا كان أخطر ما نواجهه اليوم هو سيطرة هذا اللامعقول، وهذا الفكر الأسطوري البدائي، تغذيه استعادات لصراعات ماضية، وخلافات عقدية وكلامية تمخضت عنها أشكال من الاستبداد والتسلط السادي والفئوي، والغرائز الهمجية، المستعادة من عصور ما قبل المدنية، فيما عالم اليوم الذي نعيش على هوامشه، ننعم بنتائج أعمال يبدع آفاقا من الفتوحات العلمية، 
أن الدعوة إلى فلسفة نقدية اليوم واجبة وملحة، لكن إعادة أحياء حكمة العرب بوصفها فلسفتهم الأصلية والبحث بشكل مبدع وخلاق في الشذارات والحدوس والحكم والأشعار التي مهدت الطريق والعقول والنفوس للانقلاب العظيم الذي أحدثه الإسلام في واقع العرب وطبيعتهم، هذه أمر يحتاج نقاشا خاص،فالفكر العربي يتشكل من مشارب متعددة.
والكتاب يتناول باقتضاب بعض القراءات المختلفة لتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية والبنى الفكرية التي تأسس عليها العقل العربي في مراحله الاولى والتبعات التاريخية لهذه البنى ومواقف بعض المؤرخين من القدامى والمحدثين والمستشرقين، وذلك اثر عرض اشكالية البحث وموضوعه. 
ويتطرق إلى منهج الجابري في قراءات التراث والثقافة العربية الإسلامية ونظم المعرفة المتصارعة , المعقول والديني والمعقول العقلي,العرفان والبرهان ,ابن سينا وابن رشد، وما آلت إليه من تأسيس ملامح القطيعة المفترضة. ويعرض لمسألة القطيعة المعرفية في الرؤية والقراءة والمفاهيم من خلال منهج الجابري في قراءة تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية في كتابيه "نحن والتراث" و"تكوين العقل العربي"، ويعرض للانتقادات والمواقف التي تناولت الجابري وملاحظات أساسية حول مشروعه.
ثمة الكثير من الأسئلة النقدية تطرح حول الكتاب ومن خلال الكتاب، سواء في ما يتعلق بالتراث وحكمة العرب، والشعر العربي وسجع الكهان والقول الفلسفي بالعربية، ونفعية الفلسفة ودورها، هل هي مشروع للتغيير أو للتفسير؟ وما هو العقل العربي؟ وهل هناك فلسفة اسلامية ام هناك فلسفات وما بينها من قطائع معرفية؟
هل التراث العربي هو المشكلة ام ان فهم التراث هو المشكلة وهل العربي هو كائن تراثي ام كائن له تراث؟
كيف نقرأ التاريخ العرفاني الاشراقي ؟ وهل القطيعة المعرفية هي الحل للذهاب مع العالم الحديث ؟ وان لم يكن الحل فأي المعارف يجب الاستناد عليها , لتقديم الزمن العربي الموغل في تراثيته؟

في النهاية فان النقد الجيد للجابري هو استكمال لمشروع ابتدأه واخرون للنهضة والتحديث.

كلمة #منتدى_عرسال_الثقافي خلال توقيع كتاب "العقل المستقيل" للاستاذ #عيسى_الحجيري في صالة العرايش(عرسال) وقد ألقاها المهندس #علي_الحجيري.

عيسى الحجيري... عرسال تطرق باب الكتابة والتأليف

ديسمبر 24, 2018 اضف تعليق
الضيوفُ الكرام

الأخواتُ والأخوة، الأهلُ الأعزاء، أيها الحضور المحترمين، 
السادةُ الأفاضل:
عرسالُ المدينة الشامخة الأبيّة، هذه البقعةُ الغالية من لبنان؛ العصيّةُ على القهر والإذلال، المتغلبةُ على صروفِ الدهر ونوائبه، عرسال المعمَّرة بتعبكم، بسواعدكم وعرق جباهكم جيلاً بعد جيل، المُصانةُ بقوة إرادتكم وصبركم، وبقلوبكم وعقولكم، وإيمانكم بعون الله ورعايته، والمحصّنةُ بفلذاتِ أكبادكم من العسكريين والأمنيين ومن الشبابِ الغُرّ الميامين؛عرسال هذه سعيدة اليوم بلقائكم هذا.

اسمحوا لي بداية أن أن أرحبَ بكم أحرّ الترحيب... في هذه المناسبةِ الثقافية الفكرية المباركة، الجديدة، وأن أشكرَ حضورَكم وجهودَكم في إنجاح هذا اللقاء المميّز لأهل العلم والمعرفة، والتربية والفكر والثقافة .

وأسمحُ لنفسي أولاً بالمسارعة إلى التصريح عن الغاياتِ والأهدافِ من وراء هذا اللقاء، فهو لقاءٌ قصدنا من ورائه تسليطَ الضوءِ على الوجه الآخرِ المهمّشِ لمدينة عرسال، ذلكم هو الوجه الوضّاء النيّر، وجه العلمِوالمعرفة، والعمل الفكريّ-الثقافي والأدبي الفنيّ... وإبرازَ الجانب العقليّ – الروحيّ لعرسال؛ ففي هذه البقعة العزيزة من لبنان، عاشَ سابقاً ويعيشُ فيها الآن دكاترةٌ مثقفون، وعلماءُ ورجالُ أدبٍ وشعر وفنون، وأهلُ شرعٍ وفقهٍ وسياسة، وعقلاءُ أهلُ رأي وحكمةٍ ودراية، ففيها يوجد الأساتذةُ والتربويون، والأطباءُ والمهندسون، والمعلمونوالمزارعون والمحترفون من مختلف الأعمال والمهن والحرف والصناعات اليدوية، من الحياكة والنقش والنحت والتزويق والتزيين، وهم ثروة نفيسةٌ لا تقدر بثمن، وها نحن نفخرُ اليوم بأسماء لامعة في مجالاتالبحث العلمي والتأليف الأدبي والتربوي، والمنطقي العقلاني، أمثالِ: البروفيسور محمد يوسف الحجيري، والدكتور الشيخ سميح عزالدين والكاتبُ البارع محمد محمود الحجيري وغيرهم.

لقد نالت عرسالُ شهرةً وسمعةً طيبتين بصفتها بلدة عربية الهوية والانتماء والمصير، وبرزت في مجالاتٍ عديدة: سياسية ونضالية وفي المقاومات الوطنية بمختلف مراحلها واتجاهاتها، فعرسال كما تعلمون فدت أرض لبنان الغالية من جنوبه إلى شماله بكوكبة كبيرة من خيرة أبنائها؛ ولذلك فشلت كل المحاولات الأخيرة البائسة لإلباسها لبوس التطرف حيناً والتعصبِ والتمذهب حيناً آخر، وكلُّكم يعرف مدىالجهود الهائلة، الخبيثة، التي بذلت لشيطنتها ووصمها بالإرهاب حيناً، أو بالتخريب أو الخروج عن القانون والشرعية أحياناً، ولا تَخفى على أحد تلكالمحاولات العديدة التي جرت للإيقاع بينها وبين السلطات الشرعية أو بينها وبين أبناء الجوارفي السنوات الماضية، لكن وعيَ وتنبه أبناء عرسال وحكمائها وجهود المخلصين من كل الجهات الرسمية والمدنية وفي مقدمهم أصحاب الفخامة الرؤساء السابقون والحاليون، ودولة رئيس المجلس النيابي ودولة رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري، كلتلك الجهود الخيّرة هي التي أفشلت تلك المحاولات؛ كما لا يمكن نسيان دور قيادة الجيش اللبناني الحكيمة، وقوى الأمن الداخلي الساهرة على الأمن والنظام في هذا المجال، ثم جاءت كل مجريات الأمور علىأرض الواقع خلال الانتصار المؤزر في معركة تحرير الجرود وما سبقها وما تلاها لتدحض كل تلك التخرصات والمزاعم.

فها هي عرسال، عرسال التي زينت مباني وعمارات وبيوت لبنان بحجارتها الرائعة الجمال ومنحوتاتها المميزة، مثل ما زينت الأسواق اللبنانية وغير اللبنانية بخيراتها الطبيعية النظيفة الطيبة من ثمار جبالها من الكرز والمشمش والعنب والتفاح والإجاص، وبخضرواتها الطبيعية الخاليةِ من التلوث الكيماوي أو الأدوية السامة،  خيراتها تلك المشبعة بالشمس والهواء من التربة الجردية البكر، وهي كذلك أغنت الموائد اللبنانية بالألبان واللحوم ومن المؤونة التقليدية اللذيذة الطبيعية، وكما صدّرت المصنوعات الحرفية والفنية من السجاد اليدوي والمنحوتات ولوحات التزيين الرائعة الجمال، وها هي اليوم تطرق باب الكتابة والتأليف لتصدّر الحرف والكلمة المكتوبة، والمعرفة والعلم والأدب بلغتنا العربية العريقة، اللغة العربية الأصيلة الجميلة... أن نحافظَ على هذه الثروات ونطوّرها ونحسّن من مستواها تلك هي المهمة المستقبلية الصعبة ولكنها الممكنة، فكيف؟
إن طموحَنا لا يقتصرُ على تنشيط حركة المطالعة والقراءة والكتابة فقط، بل التأسيس لحركةٍ ثقافية– إجتماعية جديدة، والتشجيعِ على قيامحالة إجتماعية عمادُها حركة العلم والتربية والأدب، ولا يتمُ ذلك إلا عبر دعوة جيل الشباب إلى أخذ دورهم في الإهتمام بالثقافة، وإلى الأخذِ بالنظر العقلي والمنطق العلميّ والعملي، والتخلي عن اللهو الفاسد والانحراف، والابتعاد عن الصغائر والأحقاد، والتحرر من الأوهام والخرافات واللّامعقول، ونبذِ التعصب والصراعات المذهبية والعقائدية المضللة؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، إننا ندعو  جيل الشباب العرسالي اليوم إلى المبادرة وبسرعة قصوى إلى قيام حركة شبابية ناشطة، تعمل على تأسيس جماعاتٍ وفرقٍ للهواة الشباب تهتم بالثقافة والمطالعة والتدوين، والنقاش والبحث الفكري والعلمي والأدبي، وتتوجهُ إلى إنشاء وتنظيم جماعات حماية الطبيعة ونظافة المياه والبيئة، وتأسيس الفرق الرياضية والكشفية، وجماعات إعادة تشجير الجرود وحمايتها، وتحويلها إلى محميّات بيئية طبيعية للتنوع النباتي والحيواني، وإلى مراكز للسياحة الطبيعية والبيئية،  وبذلك نأمل بولادة حركة شبابية ناهضة، تنأى عن الشرور والمفاسد، وتلتزم بقيم الأخلاق والمبادئ السامية، تؤهلنا للالتحاق بركب التقدم اللائق والحضارة الراقية، وقيم الإنسانية المعاصرة، حركة شبابية تؤسس لمسيرة  ثقافية واجتماعية منفتحة، معاصرة ومتحررة من الاهتمامات الغرائزية والبدائية البالية؛ وذلك هو وجه عرسال الذي نطمح إليه وندعوكم إليه، و هو ما يجب أن نعمل له ونسعى في سبيله، ولا نجد مخرجاً غير هذا ينقذنا  مما نحن فيه من لامبالاةوضياع وفوضى.ولا بد أن يتم ذلك بالتنسيق والتعاون مع الإدارة البلدية المحلية والوزارات ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات والمنظات المحلية والدولية.

أما عن كتابي هذا فهو بحثٌ استند على قراءة نقدية منهجية عن رؤية المفكر المغربي القدير المرحوم محمد عابد الجابري، الباحث في العقل العربي و في نقد هذا العقل، وفي تحليل تاريخية التراث العربي- الإسلامي والفلسفة العربية.

ويتناول الكتاب مجموعة من الأسئلة الإ شكالية، كمشكلات في النقد والحضارة والفلسفة، وهي أسئلة واجهت النهضويين العرب والمسلمين ولا زالت تواجه المهتمين في النظرالعقلي والبحث الثقافي، المعرفي والعلمي والفلسفي، ممن يشتغلون في الثقافة والفكر والتراث، ومن الباحثين في هموم التقدم وفي النهضة العربية المرتجاة، أومن العاملين على اجتراح الحلول والمخارج الممكنة من الوضعية الصعبة والمقلقة التي تواجهنااليوم، نحن أمة العرب والمسلمين. فهل حقاً استقال العقل العربي - الإسلامي من دوره ووظيفته أمام اللاّمعقول وسلّم مهماته إلى الماورائي  الأسطوري والخرافي، وفي المراحلالمبكرة من نهضة الحضارة العربية-الإسلامية؟ وهل وصل التنافس بين المشرق العربي ومغربه في مرحلة الإنشقاق الحضاري العربي إلى حالة وقوع القطيعة في السياق المعرفي والعقلاني أيضاً. ثم ما هي فلسفة العرب الحقيقية؟ هل هي ما نُقل عن الأقدمين أم أن لهم حكمتهم الخاصة؟ على اعتبار أن الفلسفة هي طلب الحكمة والبحث عنها؛ فأين هي حكمة العرب تلك ؟ وأين موقعها قبل ظهور الإسلام وبعده؟ وماهي حقيقة المشكلة الفلسفية التي شغلت بال الفلاسفة العرب المسلمين؟ وأخيراً اليوم: ما هو السبيل الصحيح للخروج من الحال المتردي، الخطير في الثقافة  والحضارة والقيم والأخلاق؟ وهل من دور لمنهج النقد والشك ومطلبِ إعادة النظر في الموروث التقليدي النقلي في إيجاد الحلول المستقبلية؟، ثم بعد، إلى متى نبقى نعيش في الماضي وندمّر الحاضر ونتجاهل المستقبل؟بعضٌ من هذه الأسئلة والمشكلات النقدية الموروثة والراهنة يتناولها هذا الكتاب، أما القصد من طرحهذه القضايا القديمة – الجديدة مجدداً، فهو محاولة إنقاذ العقل العربي والفكر الإسلامي من عطالتهما، ومن سيطرة الماضي عليهما، وإنعاشهما عبر الدعوة إلى تحريرهما من نفقالأوهام وادعاءات الجهلة الخرافيين وتفريعاتهم، ومسعى إجتهادي إلى فك أسر العقل من تقوقعه داخل أطر تراثية بدائية متخلفة، و العمل على إخراج الفكر التراثي من خلافات وصراعات الماضي وأحقاده الموروثة؛ وجعل التراث والماضي عبرة تفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا بدل البقاء أسرى له و سجناء في ماضيه. وأفترض أن تحقيق هذه الطموحات لا يحصل الاّ بإحداث نقلة كبرى، نقلة تفتحمجالات وميادين أخرى للاهتمام والفعل، نقلة تفرض عناوين أخرى للبحث والنقاش والجدل والاهتمام، تلكم هي مجالات البحث النقدي الحر المتفتح الذي عليه أن يحرثَ ويبذرَ فيحقولِ العلوم والحضارة، والحكمةِ والفلسفة، وينشغلَ بالاجتماع والاقتصاد، والطبيعةِ والحياة، ويغوصَ في أعماق كنوز العقل حاضره وماضيه، فيضيء في نفوسنا وأرضنا، منارة العلم الوضعي التجريبي – العمليّ الحديث، وهو ما قد يؤهلنا إلى اللحاق بالمسارالحضاري الإنساني المعاصر، ويمكننا من استعادة شيء من حضارتنا المفقودة. ويحفظ لنا مقعداً في الصفوف الأمامية للأمم والشعوب الراقية.

مرة أخرى أرحبُ بكم وأشكر حضوركم. عشتم وعاش لبنان.

كلمة الاستاذ عيسى الحجيري في حفل توقيع كتابه"العقل المستقيل" في عرسال

فصامات الواقع والوعي لدى المثقفين العرب!

ديسمبر 02, 2018 اضف تعليق

رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

انتظرت كل شيء إلاّ أن يخرج علينا أستاذنا طه عبد الرحمن بأُطروحة عن «مقاومة» الظلامية الغربية الشريرة. فطوال أكثر من ثلاثة عقود كان الشيطان الأكبر لديه هو العلمانية الفظيعة الهول. ثم عندما انتشرت ظواهر العنف باسم الإسلام، ازداد إغراق الرجل في الروحانيات، وعرض في عدة كتب مقاربة متكاملة للنزعة «الائتمانية» كما سماها، والتي تُحيل الدين وقوته الناعمة إلى أخلاق تمتنع على التبعية وعلى التطرف. ولأنني كنتُ وقتها أُقابل الراحل عبد الوهاب المسيري، وأمزح معه بشأن كتابه في «التحيُّز»، وموسوعته في اليهودية والصهيونية؛ فقد قلت له: يا رجل، حتى إدوار سعيد ما بلغ مبلغك في لعن الغرب وتهويده، ألا تتخلق ببعض الأخلاق الصوفية، وتلتفت إلى «القوة الناعمة» في الدين التي يحاول الأستاذ طه عبد الرحمن اكتشافها؟! وأجابني المسيري يومها وقال إنّ الأستاذ طه مفكر عظيم، ويكفيك دليلاً على ذلك أنّ كلَّ زملائه اليساريين في الجامعة يكرهونه لصلابته في الوقوف مع دين الأمة وأخلاقها، لكنّ مقاربته يا رضوان غير كافية ولا تشكّل غير حلٍ فردي، إذ إنّ الاعتدال في الدين أو استعادة السكينة كما تحبُّ أن تقول يحتاج في إحقاقه في النفوس والمجتمعات والنصوص إلى «عدلٍ» في العالم، وفي الأمة والدولة! وقلت: لكنك هنا تتحدث عن شروطٍ للاستقرار الداخلي والسلام العالمي، فهل يضطرب الدين بسبب الاختلالات وعليه الاعتماد؟ إنّ ما تذهب إليه يا أستاذ يتجه لأحد نوعين من الاستهواء: جماعات الإسلام السياسي، أو جماعة الجهاديين، ولو كنا في ظروفٍ مختلفة لقلت: أو اليسار المتطرف! وكلا النوعين من الأسلمة (بداعي التأثير في دولنا وفي العالم) هو خداعٌ للنفس، ومُعاداة للعالم، كمن يلحس المبرد: التمرد الانتحاري والاتجاه إلى التطرف الديني أو الثقافي أو السياسي هو انتقامٌ من النفس والجماعة، قبل أن يكونَ انتقاماً من العالم المتآمر والأنظمة غير الصالحة!
لقد بدأ الأمر لدى اليسار الغربي الجديد، وضمنه بعض أساتذة الاقتصاد والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، فانصرفوا لنقد ما سمَّوه الخطاب الاستعماري، وليس في الاستراتيجيات السياسية فقط؛ بل وفي التاريخ والثقافة والعلاقات الحضارية والدينية بين الغرب اليهودي - المسيحي وأُمم العالم وشعوبه ودياناته خصوصاً المسلمين والإسلام. وكان مرتكز راديكاليي اليسار هؤلاء الليبرالية الغربية بالذات، واستظهارهم أنّ القادة السياسيين والمفكرين الغربيين لا يصْغون ولا يطبقون المعايير التي قامت عليها الدولة الحديثة، دولة حكم القانون والديمقراطية. إنهم يمارسون منذ قرنٍ وأكثر ازدواجية في المعايير فاقعة في صلافتها ونفاقها، ولذلك فهم ومثقفوهم واستراتيجيوهم ومستشرقوهم (أو خبراؤهم في التعامل مع الشرق) يستحقون الإدانة بالمعايير ذاتها التي اخترقوها وناقَضوها. وهم يُنذرون الساسة الغربيين والاستراتيجيين والمفكرين من صُنّاع «صِدام الحضارات» أنّ ردود الفعل ستكون قاسية وكارثية؛ وإنْ عجزت عنها الحكومات الحليفة لكم في الأصل؛ فلن تعجز عنها الشعوب التي يحمل راديكاليوها الجدد شعاراتٍ دينية، ومن «القاعدة» إلى «داعش» إلى البوذيين قاتلي الروهينغا فإلى مؤمني الإله راما الهندوس! وقد كتب بعض هؤلاء بالفعل - بعد وفاة إدوارد سعيد الذي يمارسونه ضد ضحاياهم وضد التحضر والحضارة، وكل ما يرمز إلى الغرب ومقدساته الدينية والثقافية. وما برر الليبراليون الجدد العنف الأعمى لكنهم حاولوا أن «يفهموه»!
إنّ الجيل الذي جاء بعد جيل إدوارد سعيد من الراديكاليين الغربيين، ما عاد يمكن تسميته يسارياً أو ليبرالياً، بمعنى أنه يريد سياسات ليبرالية صادقة ونزيهة في الدولة (الغربية) والمجتمعات. بل هو يُدينُ الدولة الحديثة ذاتَها باعتبارها حتى في أشدّ لحظاتها «ليبرالية» كياناً للتسلُّط وانتهاك الطبيعة الإنسانية، والتغرب عن مجتمعاتها واستهوائها واستغفالها واقتيادها في عمليات استغلال البشر واستعبادهم.
وفي الوقت الذي تفاقم فيه لدى هؤلاء المثقفين الإنسانويين الإحساس باليأس من مسارات إدارات الدول في أوروبا وأميركا وأستراليا، واستيلاء اليمين الشعبوي عليها، بدأت ردود الفعل على الأحداث الهائلة في الشرق الأوسط لدى المثقفين العرب تتعاظم، وبخاصة بعد غزو العراق، واستشراء التطرف والإرهاب، وتعملُق القوة الإسرائيلية. فقد مضى بعضهم - وقد سبق أن تعرضْنا لهم - باتجاه إدانة الأرثوذكسية السنية واعتبارها مسؤولة عن العنف، فتابعوا دعوتهم للتخلص من الموروث الديني. وانشعب منهم فريقٌ للنواح على صدّام والقذافي، والمطالبة بدعم بشار الأسد باعتباره آخر القوميين العرب، ونصر الله باعتباره آخر المقاتلين لإسرائيل! بيد أنّ الفريق الأكثر جذرية وراديكالية، مضى رأساً باتجاه الدولة الغربية، شأن الإنسانويين العدميين الغربيين؛ فأدان الدولة الحديثة بعُجَرها وبجَرها، وعاد فذكّر الإبادات التي اقترفتها ضد الشعوب في أوروبا وأميركا، وأكثر في آسيا وأفريقيا. فالأستاذ وائل حلاّق، وهو من أصول عربية فلسطينية، وهو أكبر المتخصصين الأحياء في تاريخ الفقه الإسلامي، وأستاذ كرسي الدراسات الإسلامية بجامعة كولومبيا، أصدر أخيراً مجلداً ضخماً بعنوان «مراجعة الاستشراق»، واحزروا مراجعة أي استشراق؟ مراجعة استشراق إدوارد سعيد (1977). فبحسب حلاّق يتضمن كتاب سعيد ثماني مقولات، يعمل هو على نقض أربعٍ منها، وقَود الأربعة الأُخرى إلى نهاياتها. ونهاياتُها أنه لا أمل في الغرب الحديث، ولا في دولته الليبرالية الديمقراطية حتى لو كانت دولة جون راولز ونظريته في العدالة! وكنتُ قد لخّصتُ كتاب الأستاذ حلاّق «الدولة المستحيلة» (2013) وكتبتُ ملاحظاتٍ عليه فأغضبه ذلك كثيراً. وسأعود بالطبع لأناقشه في كتابيه العظيمين: «الشريعة» (2009)، و«الاستشراق» (2018) في إحدى المجلات الأكاديمية. ثم ظهر الآن كتيب أستاذنا طه عبد الرحمن ودعوته للمقاومة للغرب ولأعوانه بديارنا. وإلى ذلك تظهر كل يومٍ تقريباً كتب مترجمة أو مؤلَّفة من دُور نشرٍ معينة تسير في مسار: التكريه بالغرب ودولته الحديثة غير الإنسانية، وتنتهي إلى نتائج تُضرُّ بشعوبنا المصابة، وإنساننا المُتعَب ودولنا المتعِبة والمتعَبة. إذا قلنا للأكاديمي الكبير: الغرب مُدان، ودُولُنا الوطنية مُدانة، فإلى أين نذهب؟ فيجيبك: أنا باحثٌ مدقِّق ولستُ مُرشداً ولا داعية. وإذا قلنا للمثقف العربي المسيَّس: إلى أين نذهب؟ فيجيبك من دون تردد: إلى خامنئي ونصر الله وبشار الأسد. فالأكاديمي جرّاحٌ محايد، والمسيَّس حوثي يرفع الشعار المنافق: الموت لأميركا والموت لإسرائيل!
قلتُ لأحدهم عندما كان يسخر من ثلاثيتي: استعادة السكينة في الدين، واستنقاذ الدولة الوطنية، وتصحيح العلاقة مع العالم: كيف تريدنا أن نُوالي إيران بسبب خصومتها مع أميركا وإسرائيل، وهي تسلِّط ميليشيات طائفية علينا فتقتل الناس وتخرّب العمران، وتحاول تغيير دينهم وقوميتهم؟! لماذا لا نتساعد نحن المثقفين في الإصلاح الديني وفي الإصلاح السياسي العربي؟ فقال: إنه لا أمل إلاّ في إيران لأنها الوحيدة الواقفة في وجه أميركا! وقلت: لكنْ سواء انتصرت إيران أو خسرت في المواجهة، ماذا نستفيد نحن إذا بقيت ميليشياتها في ديارنا، وظلت شعوبنا منقسمة ومنفية أو مهجَّرة؟! فقال وهو ينصرف: تساؤلاتك تعجيزية وجدالية، وأنت داؤك الخوف من الثورة! فقلت: وأنت داؤك كراهية مصر والسعودية، وإلاّ فكيف تفكّر في هذا الحلّ لنا والذي بالتأكيد لا مصلحة لك فيه ولا ضرر منه عليك، لأنّك تونسي، فقال: بل جزائري، قلت: وهذا أبعد وأقل معقولية!
معظم المثقفين بل والسياسيين العرب في حالة يأسٍ أو شقاءٍ أو ضلالٍ في الوعي (Discontent, Resentment). وهم يسترون ذلك كلّه بالاستخذاء والركض وراء الأَوهام. أفظع ما يصيب الواحد منا الإحساس بالعجز ووضع المسؤولية على الغير أو إيكالها إلى الغير.

كيف يصنع حزب العمال الكردستاني أمته في سوريا؟ ... باربي المقاتلة

ديسمبر 01, 2018 اضف تعليق




نسخة باربي المقاتلة:
لطالما ادعى الكردستاني بأنه يعمل على تحرير المرأة من عبودية تلاحقها منذ خمسة آلاف عام. وطالما نادى بالحرية وإزالة الفوارق بين الجنسين.

أدبياته لا تخفي دعوته الصريحة إلى نسف نظام العائلة، ومحاربة العقلية والهيمنة الذكورية على حد وصفه. سياسية كانت أم اجتماعية. حتى أنه غير اسم دفتر العائلة في المناطق الواقعة تحت سيطرته، إلى دفتر الحياة التشاركية، في إشارة إلى إمكانية التشارك بين أي جنسين بشريين ليس بالضرورة أن يكونا مختلفين. ذكر مع ذكر أو العكس، وذلك في إشارة ضمنية الى المثلية الجنسية. لإعطاء صورة مبهرة عن مدى تطور منظومته الفكرية وتقبله لروح العصر. ولكن كعادته لا يسعى من ذلك سوى ذر الرماد في العيون ضمن ثقافة تسويق صورته في الغرب. لأن اللعبة كما قلنا سابقاً تكون في مكان آخر، ولغايات يصعب كشفها للوهلة الاولى، أو الوصول للمغزى إلا بعد فوات الأوان.
خلف هذه الصورة الساحرة تم إغواء الكثيرات للتطوع والعمل مع الكردستاني ليجدن أنفسهن سبايا لعبودية من نوع آخر. عبودية القائد وباقي قادة الصف الأول، كيف لا وحرية المرأة من حرية القائد. موضوع لا يمكن سبره بسهولة، ولدى مراجعتنا لكراسات القائد ونتاجه المتعلق بالمرأة وجدنا كيف أنه يشتم النساء الخانعات. المسحوقات. الراضيات بعبودية الذكورة (23). في أكثر من مكان، وكيف يرسم لهن طريق الخلاص. طريق واحد لا غير يمر عبر إيديولوجية الحزب وفلسفته. ومن تبقى منهن خارج هذا الإطار لا تستحق الحياة.




 بعد اعتقال القائد، بمنتهى البساطة، تحول نضال المرأة نحو تحرير القائد من سجنه. لا حرية للمرأة بدون حرية القائد. هذا الشعار لسان حال أغلب المنظمات النسوية التابعة للكردستاني، رغم أن هرم القيادات العسكرية والسياسية كلها ذكورية بامتياز، ولا نعثر على أي اسم نسوي في المواقع المتقدمة. كلهن في الصفوف الثانية والثالثة. حتى عندما تكون المرأة في شراكة القيادة كما في حزب pyd نرى الرجل يتصدر المحافل والمرأة ليست أكثر من إكسسوار لتزيين الموائد.
الكثيرون لا يعرفون أن آسيا عبد الله هي الرئيسة المشتركة لحزب pyd مع صالح مسلم الذي يتصدر الواجهة الإعلامية والسياسية. لا وجود حقيقي لآسيا عبد الله سوى في بعض المحافل الباهتة.  الأمر ذاته نلحظه في حرب مدينة كوباني (عين العرب). اذ تقصد الكردستاني أن يدفع ب "نارين عفرين" واسمها الحقيقي ميساء عبدو لقيادة المعارك. كوجه نسائي. ظهرت في بداية المعارك على بعض وسائل الإعلام لعدة أيام ثم اختفت، وفي لقاء معها في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 13 اكتوبر 2014 قالت إنها لا تجد حرجاً في قيادة المقاتلين، وهي من تضع الخطط العسكرية وأن لديها مئات المقاتلات في الصفوف الأولى للمعارك، كما وأضافت أنها قد حملت السلاح منذ سنة وشهرين فقط (24). تلك كانت الكذبة الفاقعة. لأن نارين عفرين كانت في صفوف الكردستاني بجبال قنديل، ودخلت سوريا بعد عام 2011.
ومع أن الكردستاني يتظاهر بمحاربة العقلية الرأسمالية التي تعاملت مع المرأة كسلعة جنسية، لم يتوانَ هو الآخر عن ممارسة نفس السياسة والعقلية، لكن بشكل مختلف. خاصة في الآونة الأخيرة بعد تمكنه من فرض سيطرته نهاية عام 2011 على الحياة العامة لكرد سوريا. تحولت المرأة الكردية إلى سلعة مربحة دخل عبرها الأسواق العالمية، عندما صنع نسخة باربي المقاتلة. في محاكاة للعبة باربي التي درت أرباحاً طائلة على منتجيها. باربي المقاتلة الكردية، ترتدي لباساً عسكرياً وتحمل الكلاشينكوف وتتباهى بصدرها المثقل بالقنابل والذخائر. تتحدى التطرف والإرهاب. تغني قبل المعارك وترقص الدبكة الكردية. لا وفوقها تشعل السجائر للنساء المحررات من قبضة داعش.



في الحقيقة الصورة التي قدم فيها الكردستاني نفسه للعالم. عن مدى تحضر منظومته عبر المرأة كانت أقرب للخيال. كانت خدمة العمر كما يقال. استطاع استثمار تحرر بعض الأوساط   الكردية الاجتماعية لصالحه بشكل كامل. كما هو معروف ثمة هامش معقول من الحرية داخل بعض الأوساط الكردية، وقد استفاد الكردستاني من هذا المناخ، لكنه سريعاً ما انتبه إلى نقطة مهمة. إلى فشله في كسب النساء المتعلمات أو المتمكنات. المنحدرات من طبقات متوسطة. اذ استطاعت هذه الشريحة بحكم المناخ الثقافي والاجتماعي أن ترفض سياساته في التجنيد. ضمن هذا الواقع توجه الكردستاني نحو نموذج آخر. حلقة أضعف يسهل اختراقها. تمتاز هذه الشريحة النسوية بجملة ميزات. صغيرات في السن. نسبة كبيرة منهن حرمن من التعليم نتيجة ظروف مادية أو اجتماعية. ضغط عائلي يدفعهن للزواج مبكراً. شعور هذه الشريحة بالظلم والقهر تجاه المجتمع والعائلة نتيجة عدم تحقيق الذات مقارنة بغيرهن من الفتيات. يضاف إلى ذلك مؤخراً ظروف الحرب واللجوء والتشرد وتفكك العائلات دفع بالبعض منهن للبحث عن محيط يستطيع احتوائهن. طبعاً مع عدم إسقاط دافع الحس القومي الكردي، والمخاطر الخارجية المحيطة بالمناطق الكردية خاصة تنظيم الدولة الاسلامية والجماعات السلفية المقاتلة الأخرى، ومع توافر كل هذه الظروف الموضوعية لم يكتفِ العمال الكردستاني، إنما ظل يمارس هوايته في خطف الفتيات والقاصرات وتجنيدهن لصالح حروبه المزعومة، وسجله حافل بتلك الانتهاكات، ولم يذعن للمطالب الدولية والمنظمات التي أكدت أكثر من مرة حقيقة تلك الخروقات.
والمتتبع لأرشيف الكردستاني ومنظماته يكتشف جملة المسببات التي ذكرناها كدوافع رئيسية نحو الالتحاق بجبهات القتال. وبهذا الصدد تقول إحدى صديقات المقاتلة الكردية ريفان. وهي فتاة من كوباني اسمها الحقيقي (مدينة ممو، 19 عاماً)، قامت بعملية قتالية في صفوف تنظيم داعش، كما زعم إعلام الكردستاني. تقول صديقتها روكان ولات في فيلم من إنتاج مؤسسة ypj الإعلامية، إن ريفان كانت ترفض طلب أهلها بالتزويج وترفض العقلية الذكورية (25). كذلك لدى متابعة صور وفيديوهات المقاتلة (فيان بيمان) من القامشلي. هي الأخرى ذات 19 عاماً. بدت وكأنها فتاة تبحث عن حضور لشخصيتها من خلال صوتها العذب والشجي. مزجت التراث الكردي بأغاني الكردستاني. وتظهر المواد المختلفة حولها. صور وفيديوهات، اهتماماً ملحوظاً بها. كثيراً ما تظهر مع سلاحها bkc وحولها حشد من مقاتلي الكردستاني. قتلت على يد داعش في معارك منبج حسب موقع ypj.
في مكان آخر من الموقع ذاته نجد صور مجموعة فتيات صغيرات من منبج. عرب وتركمان. كتب بجانب كل واحدة منهن نبذة قصيرة عنها وعن سبب التحاقها بصفوف الكردستاني. تقول أريان. اسم حركي، 12 عاماً حسب اعتراف الموقع نفسه "إن سبب انضمامي إلى وحدات حماية المرأة، يعود لكوني تأثرت بهنَّ وبقوتهنَّ، وبالشهيدات اللواتي دفعن أرواحهن ثمناً لحريتنا، ولكي أحارب داعش وأنتقم منه ومن جرائمه البشعة بحق جميع النساء". ثم يقول الموقع على لسان الطفلة. الآن تم فرزي إلى المركز الخاص للفتيات القاصرات لتلقي التدريبات المختلفة وتعلم اللغات. طبعاً يبدو أن الموقع نسي أن يخلع عن صدر الطفلة جعبة الذخائر والقنابل حتى تكون صورته محبوكة وذات مصداقية. بالإضافة إلى أريان يضع الموقع صوراً لعدة فتيات أغلبهن بين 15 و17عام. تسرد سلافا كوباني وهي تركمانية (15) عاماً. تتحدث عن سبب انضمامها لتلك القوات. نقلاً عن الموقع نفسه. حرفياً. "سبب انضمامي إلى وحدات حماية المرأة، هو لأن المرأة تمتلك ضمنها الحقوق ولها أهمية وشأن ولا تجبر على شيء مثلما كنا في المجتمع، حيث عانيت كثيراً على يد والدي منذ صغري، بسبب ذهنيته المتخلفة، وكان يعذبنا باستمرار من دون سبب، وعندما يرانا جالسين كان يطردنا من الغرفة، فنبقى تحت لهيب الشمس الحارقة في الصيف أو صقيع البرد في الشتاء، كما كان يقوم بضربنا بالخرطوم، بالإضافة إلى صعقنا بالكهرباء وغيرها من الممارسات الوحشية بحقنا، لدرجة أن ظلم داعش لم يشكل فرقاً لي؛ لأنني عشت هذه المعاناة قبلها على يد والدي".
هناك نموذج آخر من منبج أيضاً. أكثر قسوة. طفلة اسمها (روكن، 11 عاماً)، من قرية عرب حسن تقول: " انضممت إلى وحدات حماية المرأة لتأثري بقوتهن ومقاومتهن للتحرر من الظلم، وأيضاً تأثري الكبير بالشهداء الذين رفضوا البقاء تحت الظلم، وليس هذا فقط بل لأنتقم من زوج أختي الذي قتل أمي وطعن أختي أمامي، ولم أستطع فعل شيء، وهذا ما أثر على حالتي النفسية بشكل كبير، حيث لا يغيب عن ناظري ذاك المشهد ودم والدتي يسيل على الأرض. الرفيقات هنا يرشدوني إلى الطريق الصحيح وتعلمت منهن الاحترام والانضباط وأتعلم أشياء كثيرة (26).
مقر إقامة بعض المقاتلين ضمن الكردستاني في سوريا
                     
هذه بعض النماذج حسب مواقع تابعة للكردستاني، تبين إلى حد ما الدوافع التي يستفيد منها الكردستاني للإيقاع بهؤلاء القصر. وبالعودة الى باربي الكردية التي تجلت كصورة جيدة ومدخل أساسي نحو نجومية الكردستاني عبر المرأة الكردية. أو بالأصح كدمية حرب في مواجهة ظلامية تنظيم داعش وقسوته. خلال فترة قصيرة أنتج الكردستاني عدة نسخ من تلك المقاتلات اللواتي صنعن بطولات بعضها حقيقي لكنه مضخم كما قلنا، وبعضها الآخر من محض الخيال. لم تكن أكثر من إشاعات. كما في قصة ريحانة التي عرفت أيضاً باسم ملاك كوباني، في خريف 2014. فتاة في التاسعة عشر كما قيل. جميلة وتشبه إحدى نجمات هوليود. قام الصحفي السويدي كارل دورت بإجراء لقاء معها أثناء فعالية مدنية في كوباني/عين العرب، وأكد دورت أنها انضمت لقوات الشرطة التابعة للإدارة الذاتية بالمدينة لتثأر من مقتل والدها على يد داعش. فيما بعد تظهر صورة غير واضحة في تويتر لمستخدم حساب سعودي يحمل بيده رأس فتاة قال إنها لمقاتلة كردية. سرعان ما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي. ريحانة الجميلة التي قتلت المئات من تنظيم الدولة قد وقعت في الأسر ونحرت. بداية الخبر كان من موقع كردي باللغة الانكليزية بعنوان selmani times، موقع لم نعرف كنهه أثناء البحث عنه. ثم اجتاح هشتاغ ريحانة كل مواقع التواصل حول العالم خلال ساعات وتصدرت صورتها فيما بعد المواقع والصحف. حتى قناة bbc تحدثت عنها وصحيفة ديلي ميل، ومع أنهم شككوا بصحة القصة. لكنها صارت رمزاً للبطولة والشرف ولقوة العمال الكردستاني الذي التزم الصمت، ولم يكذب الخبر أو يؤكده (27). علماً أن من صنع هذه الأسطورة هم بعض إعلاميي العمال الكردستاني على صفحات التواصل. أشعلوا النار ووقفوا متفرجين عن بعد، لم يتبنوا القصة عبر صحافتهم الرسمية. تجاهلوا الموضوع وراقبوا مجريات الإشاعة وتفاعلها.




كبرت قصة ريحانة لدرجة أن معهد تاو سنتر التابع لجامعة كولومبيا بأمريكا أجرى بحثاً حول الموضوع، بإشراف البروفيسور كريغ سيلفر مان، وخرج بتقرير يقول إن قصة ريحانة ليست أكثر من كذبة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي (28). لكن القصة باتت واقعاً في الخيال الشعبي الكردي وبات من الصعب تكذيبها. في 3 حزيران 2015 ورد خبر في موقع كردي. شفق نيوز. يقول الخبر. إن ناشطين من سكان كوباني أكدوا أنهم شاهدوا ريحانة. ملاك كوباني في المدينة وأنها مازالت على قيد الحياة (29).
في حرب "كوباني" ظهرت العديد من هذه القصص، وبدت الحرب وكأنها فرصة الكردستاني لتقديم نفسه للعالم بوجه أنثوي جميل، لكسب سوق التمويل العسكري واستمالة الرأي العام الغربي للضغط على حكوماتها لتفتح لهم أبواب الدبلوماسية كلاعب يمتلك كل مقومات الحضارة في مواجهة الإرهاب. تكررت القصة ذاتها مع جيلان أوزلاب من مدينة باطمان في تركيا، حسب ما ذكرت بعض الصحف التركية. اسمها الحركي بيريفان ساسون. تتلخص قصتها أيضاً في كونها انتحرت برصاصة في الرأس حتى لا تقع في أسر تنظيم داعش بعد أن قام بمحاصرتها. لم أجد لها اسماً في قوائم شهداء الكردستاني. مع أنني وجدت اسمها مع اسم أرين ميركان ضمن بيان بتاريخ 9 اكتوبر 2014 حول الضحايا السوريين. صادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان (30)، وهو اتحاد يضم أربعة منظمات سورية حقوقية من بينها منظمة ماف الكردية. ربما انتحرت فعلاً أو قتلت، وتكتم الكردستاني وقتها على القصة نتيجة مخاوفه من ربط حزب pyd بالعمال الكردستاني، لأن أوزلاب من كرد تركيا، وبذلك لا يثير حفيظة تركيا وأوروبا التي تضع الكردستاني على لائحة الإرهاب. هذه القصة أيضاً أخذت مساحة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.
 هناك قصص أخرى. اعترف بها العمال الكردستاني. لا بل تباهى بها. لم يلتزم الصمت كما فعل في مرات عدة. مثل قصة آرين ميركان. واسمها الحقيقي ديلار كنج من ريف مدينة عفرين. قال عنها الكردستاني أنها فجرت نفسها وسط جمع من مقاتلي داعش بعد أن تم محاصرتها. لاحظوا دائماً القصة نفسها تتكرر. حصار وأسر من قبل تنظيم داعش ثم القيام بعملية انتحارية. لكن آرين هذه المرة فتاة حقيقية، من لحم ودم. نرى عائلتها في فيلم قصير من إنتاج وحدات حماية المرأة (31). لكن مع ذلك تلف القصة الكثير من الغموض والشكوك. ليس لأن المرأة الكردية مشكوك ببطولاتها. هذا كلام ساذج. ثمة الكثيرات ممن سطرن التاريخ منذ قرون طويلة وحتى يومنا هذا في مختلف المناطق التي يتواجد فيها الكرد. حتى ضمن منظومة الكردستاني هناك الكثيرات اللواتي أبدعن في التضحية والصمود. نتيجة قناعتهن بجدوى التنظيم في تحقيق الحلم الكردي الذي يتخذه التنظيم ستاراً لسياساته الغير معلنة. لكننا هنا نناقش قضية تحويل المرأة إلى سلعة لتحقيق مكاسب نفعية وسياسية. لذا وجب التنويه إلى أن قصة أرين ميركان وملابساتها التي سنأتي على الكشف عنها لا تنوي النيل من شخصها أو من عائلتها. للأمانة وجدت خلال البحث والتواصل مع بعض القريبين من العائلة أنها محل كل احترام وتقدير، وهي تمتلك حساً صادقاً في تبنيها لشعارات الكردستاني. بغض النظر عن خلافنا مع هذه الشعارات، البراقة. الخادعة، للإيقاع بضحاياها. أرين بالنهاية ليست سوى ضحية صادقة مع نفسها وأفكارها لكنها للأسف وقعت بين براثن منظومة المافيا التي استمرأت طيبتها وبساطتها، وحولتها إلى بضاعة لا أكثر.
البداية كانت للترويج أن آرين أم لطفلين. هكذا روجت المكنة الإعلامية الخفية للكردستاني. حتى أن موقع mail online الإنكليزي وموقع Spiegel online  أكدا هذه المعلومة. علماً، وكما هو معروف ممنوع على مقاتلات الكردستاني الزواج أو حتى الوقوع في الحب. تلك قضية محسومة النقاش. فيما بعد نشرت صحيفة liberation الفرنسية الخبر بتاريخ 6 اكتوبر 2014وقالت إن فتاة كردية تدعى آرين ميركان 20 عام فجرت نفسها بعدما تم محاصرتها من قبل داعش. كذلك فعلت صحيفة the daily telegraph بعددها الصادر بتاريخ 5 اكتوبر 2014. خلال أسبوع تحولت نارين ميركان إلى أسطورة. كتب عنها الشعراء الكرد العديد من القصائد وأقيم لها تمثال في ساحة كوباني/ عين العرب، وانتشرت سريعاً الحدائق والجمعيات التي تحمل اسمها حتى أن مخيماً للاجئين بتركيا، في سروج سمي بمخيم آرين ميركان، وأزيح الستار عن تمثالها الضخم في مدينة السليمانية بكردستان العراق بحضور كبرى قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني. نحته الفنان الكردي المعروف برزان هورامي. عدا عن هشتاغ بعنوان "ليس لدي سوى خيار ميركان". اجتاح هو الآخر وسائل التواصل. عملت المكنة الإعلامية التابعة للكردستاني ليل نهار على قصة آرين حتى أن صالح مسلم زعيم pyd جاء على ذكرها في مقابلاته أكثر من مرة، وتم التذكير بخيانة كل المختلفين مع سياساته من خلال مأثرة آرين ميركان ومقارنتهم بتضحيتها الكبيرة. لدرجة أن البعض من خصوم الكردستاني غير مواقفه بعد هذه العملية، واصطف معه. للأسف بعد البحث والاستقصاء وجدنا أن القصة تنطوي على قصة أخرى مختلفة، من حيث السرد والوقائع. قصة يشوبها الكثير من الغموض، أو لنقل مشكوك في صدقيتها. لماذا الشكوك؟
وقعت بين يدينا مادتين إعلاميتين عن حياة آرين، المادة الأولى فيلم مدته 16 دقيقة على موقع ypj. تتحدث في المادة الأم مع شقيقيها وإحدى أخواتها عن مأثرة آرين، أما المادة الثانية من إنتاج قناة sterk وهي تابعة أيضاً للكردستاني. من خلال مشاهدة المادتين نلاحظ أو نكتشف عدة أمور. تناقضات. تصل لحد التضارب بين الفيلمين. ربما لم ينتبه إليها القائمين على إعلام الكردستاني، ويمكن تلخيص هذه التناقضات بما يلي:

1- يقول شقيق ميركان وهو مقاتل في صفوف الكردستاني: "عندما كانت في الصف التاسع عام 2007 زارنا في إحدى الأيام المدعو جهاد، من كوادر الكردستاني وعندما غادر القرية اختفت ميركان". لم يقل إنه جاء لأخذها، رغم أن المذكور كان على علاقة حزبية مع العائلة كلها، ونكر جهاد وجود ميركان عندهم. فيما بعد اعترف وقال إنها صارت في جبال قنديل.
أي أن آرين عندما التحقت بالكردستاني كان عمرها 14 أو 15 عام في حال ثبتت رواية أن عمرها 22 عام لحظة قيامها بالعملية الفدائية، وهذا يدحض فكرة أنها مقاتلة في صفوف وحدات حماية المرأة التي تشكلت بعد عام 2012، عدا عن أنه دليل قاطع على كون قوات ypj جزء من الكردستاني. ناهيكم عن انتهاك قانوني. جراء إلحاق قاصر بقوة عسكرية.

2- يقول أيضاً شقيقها أن شخصاً من قوات الكردستاني زارهم في البيت قبيل استشهاد نارين بوقت قصير وقال لهم إنها موجودة الآن في كوباني، وعليهم الاتصال بها للاطمئنان عليها. وهذه واقعة نادرة الحدوث من قبل الكردستاني. لم يسبق وأن جاء أحد ما من قبلهم يطلب من أهل المقاتلين الاتصال بهم. بالعادة هكذا أمور يلفها الغموض وتتم بشكل سري للغاية. حتى الاتصالات ممنوعة على المقاتلين، والسؤال لماذا ألح هذا الشخص على أهلها ضرورة الاتصال بها قبل الحادثة. ثم يكمل شقيق نارين ويقول: "كأنه كان يعرف أنها كانت ستقوم بعملية فدائية". والسؤال المهم، لماذا طلب هذا الشخص ضرورة الاتصال بها. هل كان ينوي إنقاذها من مصيرها المحتوم. أم ماذا؟

3- في نفس السياق يؤكد شقيقها انه اتصل بالمسؤول عنها ثم تحدث مع نارين. إذن الاتصال كان مع المسؤول ونارين لم تكن تملك هاتفاً. وربما كان المسؤول يراقب أو يشرف على المكالمة. قال لها شقيقها أنه على استعداد للمجيء إليها وأخذها في حال كانت غير راغبة بمواصلة القتال. لأنهاكما أكد شقيقها، صغيرة وذات أربعة عشرة عاماً. لم يقل إنها ذات اثنين وعشرون عاماً، ولم يقل إنها شابة وبالغة وصاحبة قرار. قال إنها صغيرة، وكان ردها أنها مقتنعة بالقتال وبفلسفة القائد "آبو". ثم يكمل شقيقها أنه عندما سمع منها فلسفة القائد "آبو" تفاجأ بها، وأبدى استغرابه. كيف استطاعت رغم صغرها من استيعاب فلسفة القائد. أي أنه لم يعد هناك مجال لإقناعها بالعودة. ثم يقول في مساء اليوم ذاته كنت في دكانة القرية وقالوا لي أن شقيقتكم قد قامت بعمل بطولي خارق في كوباني. سمعوا ذلك من وسائل إعلام الكردستاني.

4- في مكان آخر من الفيلم يقول شقيق آخر لنارين، غير الذي جئنا على ذكره. يقول: "عندما اتصلت بها قالوا لي إنها في مهمة عسكرية وبعد ساعات سمعت نبأ قيامها بعملية فدائية".
الملاحظات السابقة تقودنا إلى كون العملية التي قامت بها نارين كان مخطط لها من قبل، ولم تنتج عن حصار. كما قيل، وأن ميركان كانت صغيرة بالعمر. كما أكد ذلك شقيقها. حتى زميلة نارين التي تظهر في الفيلم الأول قالت إنها كانت أصغر مني في العمر. هذا يقودنا إلى أن فرضية ميركان ذات 22 عاماً مشكوك فيها. بالإضافة إلى ذلك تظهر ميركان في صورة ضمن فيديو غنائي لمطرب يمجد بطولتها مع المدعو دوران كالكان وهو أحد القيادات العسكرية المهمة لدى الكردستاني. الصورة لم يعرف مكانها وربما كانت في سوريا، وتبدو نارين بملامح مطابقة لصور الفيديو التي انتشرت بعد عمليتها الفدائية. أي أن صورتها برفقة دوران كالكان حديثة العهد.
 ميركان مع القيادي دوران كالكان
كذلك الأمر بالنسبة للفيديو الذي ظهر على مواقع الكردستاني.  بدا واضحاً أنه تم تصويره بشكل خفي ودون أن تلحظ ميركان ذلك. متربعة على الأرض وأمامها كأس شاي، والتصوير يتم من مستوى ملاصق للأرض حتى لا يلفت الانتباه. من قام بتصويرها كان يعرف على الأغلب أن تلك هي لحظاتها الأخيرة.
بالنهاية يمكن تلخيص الموضوع. استثمار المرأة لصالح الكردستاني. كسلعة، حققت غنائم كبيرة بجملة واحدة وردت في موقع ypj تصف فيها إحدى شهيداتها. الجملة تعبر عن حقيقة ذهنية الحزب وطريقة تعامله مع المرأة. تقول الجملة. الشهيدة هيفيدار. إحدى شهيدات الكردستاني في سوريا. تحولت إلى شعلة نور حول القائد. أوجلان. أي خلاصة القول. المرأة، مهما علا شأنها في منظومة الكردستاني ليست أكثر من شعلة نور حول القائد. الذكر.
ومن المفارقات أن اوجلان في كتابه "كيف نعيش" يحتقر المرأة الكردية لدرجة يبدو فيها بعيداً كل البعد عن قيم التحرر ونظرة اليسار إلى المرأة. حيث يقول بالحرف الواحد. "جسد معظم الكرديات ميت، تنبعث منه رائحة كريهة، بارد وبليد. خمدت فيهن جذوة الروح ولا يتمتعن بقدرات فكرية"(32). تلك الرؤية ليست سوى جزء من الحكاية.
المراجع:
(23) - راجع كتاب اوجلان. مانيفستو. حرية المرأة في القرن الحادي والعشرين.
(24) - صحيفة الشرق الأوسط. 13 أكتوبر 2014.
(25) - أرشيف موقع وحدات حماية المرأة
(26) - موقع قوات حماية المرأة ypj.
(27) - العربي الجديد. ليال حداد. "ملاك كوباني": قصة المقاتلة الكردية ريحانة.
(28) - أورينت نت. قصة ملاك كوباني. 15-2-2015
(29) - شفق نيوز. ريحانة" تظهر في كوباني لتكذب مزاعم نحرها.3 جوني 2015
(30) -المصدر من موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان 9 اكتوبر2014.
(31) - الفيلم متوفر على موقع وحدات حماية المرأة ypj.
(32) راجع كتاب كيف نعيش. عبد الله أوجلان. 1996.

 عبدو خليل



كاتب وباحث في الشأن السوري والكردي
عن معهد العالم

الجسد الأنثوي والحراك المحلي العربي: في استعادة التواريخ المحجوبة

ديسمبر 01, 2018 اضف تعليق


 
في المقاربة:
كان من المفهوم، على مستوى الأداء السياسي الميداني العام، في بلدان الحراك العربي، أن يتمّ الانجراف مع الشعار ــ الزلزال: "الشعب يريد إسقاط النظام".
وكان مفهوماً، على مستوى التعاطي المقارباتي الغالب، أن يتمّ التشديد على الشعار نفسه الذي كان وراء الحدث التاريخي الذي صنعته الشعوب التي نزلت دون أدنى خوف إلى الشوارع والساحات والميادين... مناديةً بالإصلاح الذي بلغ حدَّ مطلب "إسقاط الأنظمة". وذلك كله، أداءً وتحليلاً، في دلالة على مطمح التطلّع التاريخي إلى "القطيعة السياسية" مع أنظمة تغوّلت إلى حد غير مسبوق في الفساد والاستبداد والطغيان؛ مما جعل منها، في مرآة ومخيال شعوبها، العدو الذي لا يعلو عليه عدو آخر. وحتى الاستعمار من قبل، مقارنة مع الحاكم العربي المتغطرس، كان ــ وإن في حدود ــ قد ميّز بين "الأخضر" و"اليابس" في سياقات الاستحواذ وسياسات الإخضاع وممارسات النهب والاستغلال.
 
والظاهر أن مقاربةً من هذا النوع وبطابعها السياسي الحدّي، في حال الحراك العربي تعيينا، وعلى أهميتها التي لا تنكر، لا بد من أن تنأى عن مواضيع قد تبدو من منظور الطرح الفكري العربي القومي بسيطةً أو جانبيةً أو عرَضية... مع أنها قد تبدو من منظور أكاديمي، مغاير، على قدر عالٍ من الأهمية المعرفية؛ إضافة إلى ما تنطوي عليه، من المنظور الأخير، من دلالات جديرة بتفسير جانب ممّا حصل وممّا لا يزال يحصل في سياق الحراك المتواصل حتى الآن في أكثر من بلد عربي رغم سياق الفتور والشكوك المتزايدة التي عادة ما تلي السنوات الأولى بعد الهزّات والأحداث التاريخية الكبرى مثل حدث الاستقلال، والذي لا نعتقد أن هناك حدثاً يوازيه في العالم العربي مثل حدث الحراك الثوري الذي تفجّر أواخر عام 2010.
 
وفي هذا الصدد بدا لنا اعتماد مفهوم غير مطروق بالشكل المطلوب ضمن سيل الأبحاث والدراسات... التي عنيت بموضوع الحراك العربي. ونقصد، هنا، إلى موضوع الجسد؛ وعلى وجه التحديد الجسد الأنثوي بالنظر لخلفية "الجندر" (Gender) التي نستند إليها في تدبّر الموضوع رغم أن المفهوم (وبثقله النظري الذي ينبغي التنصيص عليه) يصل ما بين المرأة والرجل معاً حتى لا نسقط في تفسير ميكانيكي تبسيطي يخلّ بعناصر التبادل والتشارك... بين الطرفين (1)؛ مما يجعل من موضوع الجسد، في النظر الأخير، وهو غير المنظور الذي نعتمده، عنواناً عريضاً على المرأة بمفردها في قلاع البحث. وكما أن الفهم التبسيطي، والتحقيري للجسد، يسهم بدوره في هذا الاختزال.
 
ومن وجهة نظر تاريخية وسوسيولوجية، لا يبدو غريباً في حال الثقافة العربية المعاصرة، كما في حال تعامل هذه الأخيرة مع أغلب المواضيع الحارقة والضاغطة تحت "إرث الضغط الإيديولوجي" كما يصطلح عليه، أن يتمّ الاستناد إلى صنوف محدّدة من التاريخ مثل التاريخ الوضعاني والتاريخ السياسي الوقائعي والتاريخ البيوغرافي... دون اشتغال بصنوف أخرى من التاريخ مثل تاريخ الجنس وتاريخ المتخيّل... وتاريخ الجسد (2).
 
وحتى إن كنّا لا نرغب في أن نجعل من المجتمع (بمجالاته المتنوّعة والمختلفة) جسداً ومن الجسد مجتمعا، وفي دلالة حصرية على مفهوم "المجتمع الجسدي" تبعاً للاصطلاح الجامع الذي استحدثه السوسيولوجي براين ترنر (Bryan S Turner)، فإن ذلك لا يحول دون التأكيد على أهمية الموضوع في السياق العربي. وأهمية الموضوع، من ناحية أولى، من منظور التاريخ ذاته وعلى وجه التحديد "التاريخ الآني" الذي يتأطر الحراك العربي داخله... وعلى ما يطول هذا الصنف من التاريخ من قوة هي في الوقت نفسه من ضعفه؛ ذلك أن المؤرّخ الآني، على عكس المؤرّخ، يجهل نهاية الحدث كما يقول المؤرخ والصحافي جان لاكوتور (Jean Lacouture) الذي يعدّ من بين أهم من كتبوا في موضوع التاريخ الآني (3). وأهمية الموضوع أيضا، من ناحية ثانية وغير أخيرة، من انفتاحه، علاوة على التاريخ الاجتماعي، على السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا إلى جانب معارف ونظريات وتخصّصات أخرى. فالجسد موقع بحث وتنظير وتنافس... ثقافات وعلوم وتكنولوجيا وأديان.
 
الموضوع شائك ومتفرّد، متشعب وإشكالي، ولا يخلو من صعاب عدّة؛ ونحن، بخصوصه، "لا نملك إلا بعض عناصر الحكاية" كما يقال. وصفوة القول، على مستوى المقاربة التي تهمنا، وعلى نحو ما تفيد موسوعات السوسيولوجيا، أن موضوع الجسد ينبغي أن يحمل على محمل الثقافة وليس الطبيعة (4)؛ بكلام آخر: أن ينظر إليه في ضوء خطاطات "الثقافة والمجتمع" بدلاً من مقولات البيولوجيا الاختزالية. ومن ثم فهو، كما يقول دافيد لوبورتون (David Le Berton)، "مادة لا تنضب للممارسات الاجتماعية، للتمثلات، للمتخيّلات"(5). وعلى الباحث السوسيولوجي الذي يتخذ الجسد كمرجع لأبحاثه، كما يواصل صاحب الكتاب، "أن لا ينسى أبداً التباس وزئبقية موضوعه، وصفته كمحفز على التساؤل أكثر من كونه ضامنا لليقينيات"(6). وهكذا إلى أن نخلص معه إلى أن "الجسد اتجاه بحثي وليس واقعا في حد ذاته"(7). وعندما يؤكد المفكّر والمؤرّخ الهندي ما بعد الكولونيالي ديبيش شاكرابارتي (Dipesh Chakrabarty)، في "صحوة التابع"، على "أن المجتمعات لا توجد كما توجد الموضوعات"(8) فهذا لا ينفي، كما في موضوعنا، إسهام الجسد في تشكيل المجتمع في إطار الثقافة. وحتى بين الثقافات المتماثلة مثل ثقافة شمال أوروبا وجنوبها فإن اختلافات كبيرة في التعامل مع الجسد والجسدية بيّنة للعيان (9). ودافيد لوبورتون (David Le Berton) (الذي أحلنا عليه قبل قليل)، إلى جانب جان ميشال برتلو (L.M.Berttelo)، من أهم من عملوا على تقديم الأساس النظري لسوسيولوجيا الجسد(10).
                                                         
ممارسات الجسد الأنثوي (تشابك الدلالي والرمزي):
 
في حال الحراك، ومهما اختلف التقييم، لا يمكن ردّ الموضوع إلى نوع من "الحريرة" على حد تعبير الراحلة فاطمة المرنيسي في سياق تقديمها لكتاب "الجسد الأنثوي" (Corps en Féminin)(11)، وذلك في دلالة على وجبة مغربية (صنف من الشوربة أو الحساء) التي لا تبلغ الحال المتقاربة في مخرجات الطبخ رغم توفّر جميع مواصفاتها المطلوبة؛ ذلك أن "غودو" حطّ بأقدامه في البلاد العربية هذه المرة، وذلك لأن الرد أيضاَ كان بواسطة الجسد/ الجسد الأنثوي. لقد أشَّـر الحراك على صعود أجيال جديدة بمرجعيات مغايرة، أجيال كبرت وراء منتجي الأفكار التقليدين وعمَّال السياسة الكلاسيكيين. وقد أسهم الطابع الفردي (التلقائي) للحراك في تحفيز المرأة للتواجد في الشارع وفي كل هامش مجالي متاح. وكان هذا الطابع منتظرا، ومطلوبا، نتيجة عياء الأحزاب التقليدية واستقالة القلة المفكرّة وغياب الحركات النسوية... وغير ذلك من الأطراف والهيئات التي كانت تحتكر مجالات التوسـَّط بين الدولة والمجتمع أو النظام والشعب بقاموس الحراك. وموازاة مع الطابع الفردي هناك ما يمكن نعته، في نطاق "المجال الموَحَّد"، بالتصعيد الميداني الذي وجدت المرأة نفسها تسهم فيه بنسبة 20%. 
 
ومن ثمّ بدا لافتاً تحمّس المرأة وخروجها ومشاركتها في الحراك. لأوّل مرّة ستشعر هذه الأخيرة بعدم استغلالها في هذا المنعطف غير المسبوق؛ لأنها كانت من قبل، في جميع المحطات، سواء من قبل اليساريين أو الإسلامويّين فيما بعد، مجرد ديكور أو وقود أو أرقام... حسب طبيعة المحطة والهدف المتوخّى منها والآليات المعتمدة في التشحين والتجييش. 
 
في الحال التونسية، التي كانت في أساس شرارة الحراك العربي، وعلى وجه التحديد لمّا بدا أن هناك تغيّرا محتوما يلوح في الآفاق وأن "الرئاسة الملكية" بجوار مقصلة التاريخ، لم يملك الديكتاتور التونسي ــ الذي سيجبر على الهروب بعد أيام ــ إلا التهديد بفزاعة البديل الإسلامي المتشدّد... وكأن البوعزيزي تلقى التدريب، على حرق جسده النحيف، في تنظيم القاعدة. وكان الردّ السريع، في تونس دائما، من خلال تلك الصورة الفوتوغرافية التاريخية الشهيرة التي بدت فيها فتاة محمولة فوق الأكتاف في تظاهرة صاخبة من التظاهرات التي شهدها شارع الحبيب بورقيبة. ومن وجهة نظر تاريخية بدت الصورة دالة على مرحلة مفصلية في تاريخ تونس الحديث.                       
 
 
فالجسد الذي تم إنهاكه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، والجسد الذي تمّ نخره بجنون السلطة، هو الذي سيبدو لافتاً في الصورة التي خاطبت العالم بأجمعه. وهي الصورة التي لم يملك الديكتاتور أي وسيلة لمحاصرتها، وبالتالي منعها من تبليغ رسالتها، على نحو ما كان يفعل سابقاً من خلال التلفزيون (الوطني) الذي برع في تطويعه لتثبيت حكمه الاستبدادي الأفظع. لقد بدا عاجزاً أمام ما ينعت بـ"المرور عبر الشاشة". وقبل ذلك بدا أمام نوع محدّد من التاريخ هو تاريخ المغلوبين والنساء والفقراء... أو "التاريخ من الأسفل" كما ينعته الأكاديميون الهنود في نطاق ما يعرف بـ “دراسات التابع" (Subaltern Studies). وتاريخ من هذا النوع يربك ما يصطلح عليه، في التحليل السياسي، بـ "السلطة المتصلة التي تتم من الأعلى إلى الأسفل (Top – down)".
 
صورة تظهر، من ناحية مركزية الجسد الأنثوي في نهر بشري، كما لو أنها من خارج الزمن الذي ظل يحكم الديكتاتور في غفلة منه. صورة محكومة بسياق ضاغط مثلما هي مسنودة بـ "خطاب" جارف. ولعل الأهم فيها هو ردّها، ودفعة واحدة كما يقال، على التخويف من "تنظيم القاعدة". فالجسد الأنثوي لا علاقة له بالتنظيم الأخير ولا يمكن أن تكون له علاقة بتيار من تيارات الإسلام السياسي التي فاجأها بدورها الحراك الفجائي. المظهر الجسدي، أو الممارسة المظهرية الجسدية، دالّة على النمط المجتمعي التونسي المتحرّر ــ نسبياً ــ مقارنة مع بلدان عربية. والجسد ذاته، من ناحية "رأس المال - المظهر"، ومن حيث هو رهان اجتماعي، مثقل بالدلالة الثقافية الرمزية التونسية التي تتأكد من خلال اللباس المعاصر بعامة ومن خلال الطربوش التونسي الأصيل بخاصة. والطربوش، هنا، من خارج تأثيرات الموضة. هو ليس علامة على الاستهلاك، وإنما هو علامة على "الاندماج الطقوسي" وعلى النمط المجتمعي التونسي بصفة عامة كما أسلفنا. فلا مجال، هنا، لما يصطلح عليه بـ "الجسد الزائد" أو "الجسد المنفصل" أو "الجسد المتحوّل"... إلخ. ومن ثمّ الحاجة إلى مثل هذا الرمز من أجل تعضيد دلالة الرسالة.
 
وكما أن الجسد الأنثوي، هنا، قرين متخيّل متعيّن يفهم في سياق ثقافة متعينة. وقبل ذلك كل ثقافة لها متخيّلها (12). وهذا "المتخيل الاحتجاجي" (باصطلاح ميشال فوكو) هو متخيّل "الشارع" (بمعناه المصاغ في العلوم الاجتماعية). الشارع الذي حرَص الديكتاتور على طمسه في سياق طمس الوعي السياسي الصاعد وسياق منع أخذ الكلمة في الفضاء العام. ومن ثم كانت رسالة الجسد المسيّج بالصمم والاضطهاد والإخضاع... رسالة التحدّي لـ"ترابط أنظمة الاضطهاد" من منظور "دراسات الجندر" ورسالة "هزيمة سياسات الخوف" كما أكدّ عليها المؤرخ الفرنسي الشهير والمختّص في الشؤون المغاربية بنيامين ستورا (Benjamin Stora) في كتابه المنشور في عزّ الحراك العربي (13) والذي تصدّرت غلافه الأمامي صورة فوتوغرافية لشاب تونسي فوق الأكتاف بدوره رافعا قفصا تعلوه راية تونس. ورسالة الجسد السابق أيضا، كما يمكن تأويلها، هي أنه لا تحرّك نحو الديمقراطية بدون ثورة. وإسقاط النظام معناه إسقاط الاستبداد والطغيان من أجل استعادة الكرامة المهدورة.
 
ولعلّ ما زاد في التوسيع من دوائر الدلالة التاريخية الثورية للصورة اعتمادها، على نطاق واسع، في وسائل الإعلام. والظاهر أن ما يهمنا ليس الصورة في حد ذاتها، وإنما ما تنطقه من دور للجسد الأنثوي في الحراك الثوري من مواقع التنظيم والإسهام في التحويل الملموس. يمكن التعامل مع الصورة، إذا جاز أن نوظّف لغة الأنثروبولوجيين، كنص أي "تدوين للفعل"(14). إجمالا لقد ارتقى الجسد الأنثوي في الحال التونسية إلى "البراديغم" على مستوى التعاطي التحليلي السوسيولوجي... و"المعيار" على مستوى تقويم أو تقدير التغيير المجتمعي الدينامي. 
 
وكان من المفهوم أن يكون للحراك التونسي الأسطوري، ضد الاستبداد السياسي، "تأثير المتوالية". وكما كان لإجبار الديكتاتور التونسي على الفرار، بطريقة ذليلة، تأثير على مستوى فتح شهية الشعوب العربية المتعطشة للحرية والكرامة... وإسقاط الأنظمة الفاسدة. وكانت بداية المتتالية من مصر التي تثور على رأس كل مائة عام كما يقال عنها. ومن ناحية الجسد الأنثوي، الذي يهمنا، كانت مواطنة مصرية، لكن من قلب لندن هذه المرّة، في غمرة بدايات ثورة مصر، تصرخ كأنثى وبشكل هستيري في قناة "الجزيرة": "لقد ولدت في عهد حسني مبارك، وأنهيت دراستي في عهد حسني مبارك، وتزوجت في عهد حسني مبارك، وأنجبت في عهد حسني مبارك". وليس من شك في أنها تقصد إلى "نظام مبارك" الذي كانت ستموت في عهده أيضا (عهد المباركية التي تمّ ترسيمها قانونيا ودستوريا).
 
كان للمرأة عموما حضورها في الثورة المصرية، حتى وإن لم يبرز الجسد الأنثوي بالشكل الثقافي الطقوسي التونسي بالنظر للتراجع الحاصل في مجال التحرّر والحريات العامة خلال العقود الأخيرة بمصر وبالنظر لخيار التصعيد عبر التجمّع في ميدان التحرير على نحو ما اقتضاه تكتيك الحراك. والنظام حتى وإن وفّر هامشا للثورة، تحت تأثير الضغط الدولي والرصيد المصري ذاته، فإن بعض الفروق مع الحال التونسية واردة. ومن ثمّ الإصرار على العناد والتقتيل. ومن ناحية ميدان التحرير ذاته لم تكن الأمور بمعزل عن آلة التقتيل الفاغرة فاها في أكثر من اتجاه. واللافت مخاطرة بعض المثقفين بأجسامهم في الميادين. والمثال على ذلك الكاتبة والنسوية الشهيرة نوال السعدواي التي غامرت، بعظامها الهشة، في "موقعة الجمال والبغال والبلطجية" في اليوم الثاني والثالث من فبراير العام 2011. وكادت أن تفقد حياتها، في هذه الموقعة الرهيبة، لولا حمايتها من قبل شباب إسلاميين في تلك اللحظة الصعبة.
 
واللافت أنه على امتداد شهور بأكملها لم تسجّل حالات تحرّش جنسي داخل ميدان التحرير الذي يشهد حالات متكرّرة وكثيرة منه في الأيام العادية. لذلك، وبعد أن ارتقى الميدان إلى مصاف الجسد الموحَّد، لجأ النظام إلى الأطروحة الاستشراقية المكرورة والمترهّلة التي بموجبها إما أن تكون المرأة "شريفة" بعد أن تكون محبوسة في "الحريم" أو أن تكون "متهتكة" بعد أن تكون خارج الحريم. ومن ثم سلاح الترويج، عبر القنوات الرسمية وعبر كل وسيلة متاحة، لـ"أرخص ليالي" (حتى نحيل على عنوان المجموعة القصصية ليوسف إدريس) في خيام الميدان بدافع الافتراء والتدمير والتلطيخ...  للهوية الأنثوية.
 
وقد بلغ التعنيف، بعد إسقاط "حكيم الشرق الأوسط"، حدّ تعرية إحدى المتظاهرات وجرّها من شعرها وسحلها في ميدان التحرير من قبل الجيش، وعلى النحو الذي جعل مصر نفسها تتعرّى ــ في الوقت ذاته ــ أمام الرأي العالمي. وقد يظهر السحل أقل إذلالاً وتحقيراً من التحرّش الفعلي ومن إجراء آخر فظيع وغير مسبوق وهو فحص عذرية المتظاهرات في مراكز الشرطة العسكرية للتوقيف. وفي كلتا الحالتين فالمقصود هو المرأة وعلى وجه التحديد جسدها الذي هو مصدر أنوثتها/ كرامتها ومصدر دفقها الثوري. ويمكن تأطير هذا "الإجراء البدائي"، من وجهة نظر السوسيولوجي ودارس الجسد والهيمنة الذكورية بيير بورديو (P. Bourdieu)، ضمن "رُهاب الأمكنة" (Agoraphobie) الذي يدفع النساء إلى إقصاء أنفسهن عن الساحة العامة (Agora)"(15).
 
غير أن ما حصل في مصر أجّج استعمال الجسد الأنثوي، في بلدان عربية، بل كان وراء تحويله إلى موقع عارٍ لتعابير لم يخل بعضها من جرأة زائدة بلغت حدّ الانزلاق والتطرّف نتيجة العري المفرط. وهذا في الوقت الذي رأت فيه ناشطات نسويات أن "سياسة الجسد" لا يمكنها تمرير رسالتها إلاّ من خلال الطابع الإيروتيكي المقصود والمستثَمر. وحصل ذلك بوجوه مكشوفة وأسماء معلن عنها. والمفارق أن إيران لم تسلم من التأثير من خلال الممثلة الشابة فرحاني التي ظهرت في صورة جريئة وكاشفة عن الجانب الأعلى من جسدها (16).
 
في الحال السورية كان بإمكان الجسد الأنثوي التعبير عن تمظهراته ورمزياته... بالنظر لمخزون الثقافة الذي عادة ما يبرز من لحظات الحراك الأولى...  خاصةً عندما يتعلق الأمر بشعب له ما يكفيه من "الارتكاز" (بالاصطلاح الأنثروبولوجي) في ثقافة بحجم تاريخه وتراثه وهويته وذاكرته؛ غير أن طبيعة النظام الدموية والطائفية كان لها تأثيرها الحاسم على مستوى بدايات التلقّف الجنيني لأصداء الحراك الثوري. وفي ظل نظام مصرّ على محو الجسد ذاته من خلال وطء الرؤوس وبتر الأصابع وبقر البطون... وصولاً إلى القتل العمد والتنكيل بالجثث والإلقاء بها في الأنهار والخنادق... ووصولاً أيضا، وهذا هو الأخطر، إلى تجريف مدن بأكملها... لم يبق خياراً من غير النزوح إلى أمكنة أخرى داخل سوريا أو الرحيل إلى بلدان الجوار أو البلدان البعيدة نجاة بالأرواح.
 
إن الجسد الأنثوي، الذي كان من المفروض إشراكه من قبل المرأة في إبداع الثورة، هو ما صار موقع عنف جنسي واغتصاب همجي سواء في الداخل أو في منعرجات المجهول إلى الخارج حيث المهربون وتجّار الجنس و"الداعشيون" ومخاطر الطريق... وصولاً إلى الملاجئ ومراكز الاستقبال حيث الظلام والاحتشاد وجرائم الاغتصاب. صار الجسد الأنثوي عملة يتمّ تصريفها من أجل النجاة والبقاء على قيد الحياة. و"الاغتصاب هو أكثر جرائم العنف التي لا يبلّغ عنها كثيراً حتى في زمن السلم" كما نقرأ في مبحث "النساء والحرب" في كتاب "مدرّبون على القتل"(17). و"تقريبا كل الرجال في العالم سيّئون" كما قالت سورية من اللواتي اكتوت بالاغتصاب.
أجل لا نعدم، في سوريا، حالات تعبير تحوّل فيها الجسد الأنثوي إلى موقع للدعم الفني والمقاومة السياسية. وفي هذا الصدد تتوجّب الإشارة إلى الصورة الشهيرة للسورية لبنى عويدات التي ظهرت في موقع (Souria Houria) (12 يونيو 2012) والتي بموجبها تحوّل ظهرها الغض والناعم إلى لوحة فنية آسرة تحثّ فيها المرأة السورية على الحضور والتحدّي. ومن ثمّ عبارتها: "قومي وأنهضي قبل أن تنقرضي" التي بدت مثيرة في إخراج فني في نسختين من جسدها الخلفي. وهي الصورة التي تمّ تداولها بشكل كبير في العالم الافتراضي الذي أتاح تمثيل وإعادة تعريف للهوية الأنثوية مقارنة مع المجال العالم المقنّن والدموي. فالظهر المجبر على الضرب والمنذور للمداعبة... يقوم بوظيفة مغايرة لم تكن تخطر على ذهن الجلاد.
 
 وأما الجسد الأنثوي الذي اعتمده النظام، عن تمييز وتدقيق، فهو نموذج بثينة شعبان المتصدّر لما يصطلح عليه بـ “نساء النظام" وتحديداً لمهام الترويج الدعائي للنظام من خلال التلفزيون الرسمي ومن خلال المناسبات والمواجهات المتاحة في الخارج. ولذلك كان الردّ على الأصولية العسكرية العمياء، في إطار من المواجهة الدموية ذاتها، وفي إطار من الأصولية الدينية في صنف من صنوفها الراديكالية. ومن هذه الناحية كان حضور الجسد الأنثوي في إطار "تنظيم جهاد الدولة الإسلامية" (في العراق والشام) بتنويعاته الفرعية وضمنها "جهاد النكاح" أو "نعيم جهاد النكاح" الذي لم نسمع عن صيغته الحدّية إلا في المثال السوري. وهكذا بعد أن كانت النساء هامشيات في الحرب، متفرّجات ومشجّعات، أو مساعدات في مهام غير قتالية في أحسن الأحوال، وهكذا أيضاً بعد أن كانت فكرة الحرب في أساس "الفروق الجندرية" بين الرجل والمرأة، ها هي الحال السورية تدفع النساءَ إلى الصفّ الأمامي من المواجهة والاقتتال والانتحار. شابّات مقاتلات في مقتبل العمر، بلافتات هوجاء ولباس أسود، من بلدان مختلفة ضمنها بلدان أوروبية، حرصن على صياغة أجساد مفارقة لهنّ في متخيّل الجهاد والإسلام التخييلي الراديكالي، وبالتالي التضحية بها في وهاد حروب ضارية وغير معتادة. حروب حتى وإن كانت تستبق فيها الهوية (الجهادية النسوية العالمية) أساليب أو استراتيجيات الحرب... فإنها تهدف إلى تحقيق دولة الخلافة بفضائها المجتمعي على أرض الواقع. ومن ثمّ الجسد لا كوسيلة للجهاد فقط بل كمرادف للجهاد ذاته والهوية بصفة عامة (18).
 
وأما اليمن فيطرح حالاً مغايرة وفريدة في الوقت ذاته؛ ذلك أنه رغم البنية القبلية الذكورية والطابع التقليدي المحافظ للمجتمع... كشفت الأنثى عن إصرار مذهل وغير مسبوق في سجلّ المشاركة السياسية في الحراك العربي، بل بدت كأنها "خلقت لاجتياز الخطوط الحمراء". وكان للجسد الأنثوي حضوره من خلال طالبات جامعيات حريصات على التأكيد على استقلالية جيلهن على نحو ما فعلت شابات وشباب 1968 بفرنسا كما يقول المؤرّخ الفرنسي بنيامين ستورا (Benjamin Stora)(19). وبدا شعرهن المصفّف بعانية ملحوظة وراء "الفولار"، شأن هندامهن ككل، لافتاً للأنظار ودالاً على الحجاب بمعناه الإسلامي الثقافي وليس الديني الأصولي المتعصّب. بدا اللباس، في إطار من التواجد في الفضاء العمومي الذكوري، علامة على الجسد الأنثوي.
 
نساء يمنيات أثناء الاحتجاجات داخل مدينة صنعاء
 
وكما أن عدم انجراف الحراك، من انطلاقته، إلى العنف... حفّز الأنثى على مزيد من الحضور وبالتالي ممارسة "القوة الناعمة" تبعا لتوصيف المفكر اللبناني علي حرب(20). وذلك كلّه في تنويع من تنويعات الجسد الأنثوي الخلّاقة التي بلغت حدّ تلقي الناشطة والأيقونة توكُّـل كرمان (مؤسسة منظمة "صحفيات بلا حدود") مكالمة هاتفية تخبرها بنبأ حصولها على جائزة نوبل للسلام (2011) وهي مترابطة مع بنات جنسها في خيمتها في الميدان الذي لم تفارقه منذ انطلاق الثورة اليمنية.
 
أما في بلد مقفر سياسيّاً ومتصحّر ثقافياً، وقبل ذلك ظهر فيه "ملك الملوك" القذافي، فلا يبدو غريباً ألاّ نرى أثراً للأنثى في الحراك الثوري الليبي ولو من باب التأكيد على "مرئية" الجسد فقط وليس "تقنياته" سالفة الذكر. وبما أن المثال الليبي لا يسمح حتى بنوع من النظام بموجبه يمكن الإشارة إلى "نساء النظام" فإن النموذج الوحيد المكرّس والمعتمد والقسري هو نموذج "عائشة القذافي". وفيما يخصّ الجسد الأنثوي الوحيد، الذي اعتمده ملك الملوك، فإنه لم يفارق مربّع الحاكم المباشر. وهو جسد الحارسات الأمازونيات للحاكم، الجسد الذي بدا للاستعراض والارتجال والحماقات والغراميات... وليس لأداء وظيفة محدّدة.
وهذا الجسد بزيّه العسكري وبطلعته الإفريقية، وهذا الجيش من "الراهبات الثوريات" كما كان ينعتهن القذافي، لن يظهر له أيّ أثر مع إطلاق أوّل رصاصة في ليبيا القائد. وكان من المفهوم أن يسقط القائد في أقرب وقت بل كان سقوطه مسألة وقت لا أكثر بخلاف المثال السوري الذي ما يزال مختبراً لأصناف من الحرب في مقدّمها الحرب بالوكالة وعلى النحو الذي أفسح لـ"ردلكة جندرة الجهاد" سالفة الذكر. ومهما كان فتجليات الجسد الأنثوي من أشكال التمثلات الثقافية والترميزات السوسيولوجية؛ وهو ما كان قد شطبه القذافي بـ"كتابه الأخضر". وإذا كان "الاستقلال لا يختصر بعلم يُرَفْرَفُ" كما يقول رضا مالك (21) فإنه في الحال الليبية كان لا بد من الرجوع إلى هذا العلم ذاته الذي بدا الجسد الأنثوي متلفعا به بعد سقوط خرقة القذافي الخضراء. 
 
في مطلب الجندر:
نختم بأن مصدر الإدهاش، في الحراك، كان من الجسد الأنثوي إلى جانب عوامل أخرى. الجسد الأنثوي في حضوره المتفاوت من بلد إلى آخر دون أن تفوتنا الإشارة إلى بلدان أخرى لم نذكرها مثل المغرب والأردن والبحرين ولبنان. وذلك كلّه في أشكال من "تقنيات الجسد" التي هي في حاجة إلى "خزانة تاريخية" من أجل توثيقها وضمان مواقع لها في "أماكن الذاكرة". واللافت أن هذا الحضور للجسد كان لا يحوم، سواء على مستوى التضمّن أو اللزوم، حول "ديناميات الاستدامة والتغيير في الحركة النسوية"؛ ومن ثم ابتعاده ــ المقصود ــ عن مطالب المرأة في مرحلة بدا فيها التغيير بمعناه الشامل المطلب الذي لا يعلو عليه مطلب آخر. واللافت كذلك أنه لولا مشاركة الأنثى لكان الحراك ناقصا. ثم إن جسد الأنثى الذي تناقلته فضائيات ومواقع إلكترونية، والذي تصدَّر واجهات صحف عربية وعالمية وأغلفة كتب ومجلات في جهات العالم الأربع، جدير بأن يؤكـِّد على نوع من التحوّل الذي حصل في الوعي العربي بصفة عامة بالنظر إلى المكانة التي وجدتها هذه المرأة ــ تلقائيا ــ في الحراك. لقد زحزح جسد الأنثى الصورة الغربية النمطية (السكونية) للمرأة العربية، مثلما زحزح التنميطات الاستشراقية المتزايدة التي كانت تحاط بها. وذلك كله لم يكن بدون ضرائب، ولذلك فإن ما ناله الذكور من قتل وتعذيب وتنكيل... نالته الأنثى بدورها إن لم نقل كان نصيبها أوفر في أحايين كثيرة بخاصة من ناحية تقشير كرامتها بشكل متوحّش.
 
أجل إن موضوع العتبة ومعدلات المشاركة السياسية وأرقام الاستحقاقات لما بعد الثورات، وموضوع الارتدادات عن مكاسب كانت متحققة للنساء قبل الحراك في تصوّر البعض، وارد وملح. وأما التفسير، كما تقول الكاتبة والباحثة السوسيولوجية اللبنانية نهلة الشهال، فيكاد يكون جاهزاً: "هذا ما حصل بعد الثورة الجزائرية، على الرغم من جميلة بوحيرد والآلاف من رفيقاتها"(22). وهل نخلص، من جهة موضوعنا، إلى هكذا جسد يسحل في ميدان مصر العاري وآخر يبقر ويفتّت في أبوكاليبس سوريا... وآخر يحظى بهالة تتويج عالمية في اليمن؟ وبذلك نقفل الحكاية. الظاهر أن هذا موضوع آخر؟ لكن ذلك لا يحول دون تأطير الجسد ضمن الحراك الذي لا يحول بدوره دون تأطيره ضمن مفهوم "الثورة متعدّدة المراحل" (Protracted Revolution) الذي يطرح صعابا بنيوية ملازمة لأهداف الثورات الكبرى على طريق الأنظمة التسلطية ذات الجذور الاجتماعية.
 
ولذلك فإن ما يهمنا هو الثقافة التي عكستها المرأة من خلال جسدها الأنثوي، والتي كانت في أساس تميّزها في الحراك، وفي دلالة على "طرح الجندر". والرهان هو على هذا الصنف من الثقافة، من خلال جسد أنثوي موسوم بالثقافة والتاريخ وليس في شكل سطح مقعّر ومنهك بزوائد الموضة والإشهار والاستهلاك، خاصة في ظل ممارسات وسياسات وسياقات... يتغلغل فيها "خصوم بدائيّون" كما نعتتهم الكاتبة التونسية الجريئة رجاء بنسلامة في كتابها "بنيان الفحولة"(23) و"مدربّون على القتل" تبعا لعنوان الكتاب الذي أحلنا عليه من قبل. ومرّة أخرى يطرح النسق الذي يميّز بين النموذج الذكوري والنموذج الأنثوي من منظور تسليعي استهلاكي، ذلك أن التمييز بين النموذجين ليس من الطبيعة ذاتها بل من المنطق التمييزي الكامن في النسق ذاته كما يقول السوسيولوجي جان بودريار (J. Baudrillard) في كتابه "مجتمع الاستهلاك"(24)؛ ممّا يزيد في تعميق التعامل مع المرأة كمجرد جسد للاستهلاك وليس الإنتاج. ومن ثم مواصلة تهشيم الجسد الأنثوي في ظل أحداث تظهر كأقواس وشقوق وليس كهزات وقطائع في التاريخ.    
 
إحــــــــــــــالات:
 
1 ــ انظر: يحيى بن الوليد: دراسات الجندر ــ في ذاكرة المصطلح/ موقع "ضفة ثالثة/ العربي الجديد": 12 أكتوبر 2016.
2 ــ انظر: جاك لوغوف (مشرف): التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.
3 ــ جان لا كوتور: التاريخ الآني/ التاريخ الجديد، ، ص380.
4 ــ انظر: مادة "جسد" (Corps) في:
Dictionnaire de Sociologie/ Le Robert Seuil, Paris, 1999, PP117-119.
5 ــ دافيد لو بون: كتاب سوسيولوجيا الجسد، ترجمة: عياد أبلال وإدريس المحمدي، روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص10.
6 ــ م ن، ص65.
7 ــ م ن، ص56.
8 ــ ــ ديبيش شاكرابارتي: مواطن الحداثة ــ مقالات في صحوة دراسات التابع، ترجمة: د. مجيب الرحمان، هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2011، ص117.
9 ــ كريستوف فولف: علم الأناسة ــ التاريخ والثقافة والفلسفة، ترجمة: أبي يعرب المرزوقي، الدار المتوسطية للنشر، كلمة، أبو ظبي، 2009، ص216.
10 ــ للمزيد من الاطلاع على النقاش بخصوص الجسد، وفي المدار الذي يستحضر ميشال فوكو وبيير بورديو... انظر: كرس شلنج: الجسد والنظرية الاجتماعية، ترجمة نجيب الحصادي ومنى البحر، مشروع كلمة، أبو ظبي، دار العين للنشر المصرية، الطبعة الأولى، 2009.
11 ــ فاطمة المرنيسي (تقديم): الجسد الأنوي، نشر الفنك، الدار البيضاء، (د ت)، ص7.
12 ــ إفلين باتلاحين: تاريخ المتخيل/ التاريخ الجديد (مرجع مذكور)، ص481.
13- Benjamin Stora, Le 89 arabe, réflexions sur les révolutions en cours, dialogue avec Edwy Plenel Ed. Stock, Paris,  2011, P50.
14 ــ آدم كوبر: الثقافة... التفسير الأنثروبولوجي، عالم المعرفة، العدد 349، مارس 2008، ص121.
15 ــ بيير بورديو: الهيمنة الذكورية، ترجمة: سلمان قعفاري، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، ص46.
16 ــ لأخذ فكرة جامعة ودقيقة عن الموضوع، بصور منتقاة ودالة وكاشفة عن اطلاع في الموضوع، نحيل على المقال المكثف للسوسيولوجية والناشطة النسوية نادية العيساوي:
Nadia Aissaoui: Quand le corps féminin fait la révolution (samedi 23 juin 2012).
17 ــ تيودور نادلسون: مدرّبون على القتل، ترجمة: فاطمة نصر، دار سطور، القاهرة، 2006، ص264.
18 ــ انظر: كاثرين إي براون: الجندر ومواجهة ردْكلة الدولة الإسلامية (داعش)، ترجمة: يسرى مرعي/ موقع "معهد العالم للدراسات" (06 حزيران/ يونيو 2017. وانظر أيضا: مصطفى زهران: التجربة النسوية المسلحة في سوريا والعراق: بين المقاتلات الكرديات وجهاديات تنظيم الدولة الإسلامية / موقع معهد العالم للدراسات (30 آب/أغسطس 2016).
19- Benjamin Stora: Le 89 arabe, P107.
20- علي حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي ــ من المنظومة إلى الشبكة، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، طبعة ثالثة، 2013، ص47.
21 ــ رضا مالك: تقليد وثورة ــ الرهان الحقيقي، ترجمة جوزف أبو رزق، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 2003، ص 119.
22ــ نهلة الشهال: النساء في الثورات، نحو إعلان نسوي جديد/ بدايات (ملف: الثورات بشبابها)، العدد: 1، شتاء، ربيع 2012، ص10.
وانظر أيضا: هيفاء زنكنة: المرأة والمشاركة السياسية في العالم العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص32.
23 ــ رجاء بنسلامة: بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث، دار بترا للنشر والتوزيع، سوريا، 2005، ص10.
24- Jean Baudrillard: La société de Consommation, Folio, 1970, P139.
 يحيى بن الوليد


ناقد ثقافي وباحث أكاديمي ، وأستاذ التعليم العالي. حاصل على دبلوم الدراسات العليا (1998) والدكتوراه (2002) في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.من إصداراته: "التراث والقراءة ــ دراسة في الخطاب النقدي عند جابر عصفور" (القاهرة، 1999)، "الخطاب النقدي المعاصر بالمغرب" (القاهرة، 2003)، "الوعي المحلق ــ إدوارد سعيد وحال العرب" (القاهرة، 2010)، "سلطان التراث وفتنة القراءة" (الأردن، 2010)، "صور المثقف" (الرباط، 2013)، "الدار البيضاء... الهوية والمعمار 1912 ــ 1960" (2016) (بالاشتراك مع الباحث المعماري رشيد الأندلسي)، ".