728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الاثنين، 26 نوفمبر 2018

    العقّاد ضحية شرقيته… امتحان مي زيادة وأليس داغر؟

     واسيني الأعرج 


    العقاد كاتب كبير ملأ عصره وزمانه شعراً وفكراً وحضوراً، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون كاتباً إشكالياً، أي مثيراً لأسئلة كثيرة تستحق كل الاهتمام، ربما قتلتها سلطته الكبيرة في عصره، فلم تثر بالشكل الذي كان يجب أن تثار به، بالخصوص موضوع المرأة الذي وصل حد تأليهها ورفعها إلى المقامات العليا، ثم إنزالها إلى الحضيض لدرجة التماهي مع الشيطان. هذه الرؤية الديكوتومية المانيكية لم تنبع من فراغ، لهذا نظن أن الدراسات النفسية مفيدة ومهمة جداً في مثل هذه الحالات للكشف عن بعض خفايا الإنسان في مختلف وضعياته.

    ليست لدى الإنسان ردود الفعل نفسها في الانتصار وفي الهزيمة أمام الحرية التي يريدها الجميع، لكن هل الجميع مستعد لدفع ثمنها القاسي؟ العقاد الذي كان يريد الحرية بقوة، وكانت سبباً في فراقه عن مي، كان يخاف في الوقت نفسه من الحرية المطلقة التي اختبرت بها أليس داغر أعماق الكاتب قبل أن تغادره. أين موقعه إذن؟ هل هو من المحافظين الذين يخافون من المجتمع ومن خسران الموقع الاجتماعي والسمعة؟ أية حرية كان العقاد يريد؟ حتى في شعره لم يغب عنه المفهوم الملتبس للحرية.

    استعمل القصيدة الكلاسيكية ليقول عصره، يعني احترم نظام الكتابة العمودي المتسيّد شعرياً، ولم يخترقه، وحاول أن يقول عصره وداخله، ويلتقي في هذا بنازك التي حاولت أن تتجرأ على قداسة النظام قبل أن تعود له بعد أن كانت قد قيدت الحرية بنظام لا يخرج في الجوهر عن نظام التفعيلة. ويبدو واضحاً من خلال تجربته الحياتية أن العقاد لم يحسم قط علاقته بالحرية، فهو كأي رجل شرقي يريدها على مقاسه المشروط بسلسلة من القيم الثقافية المتحكمة، حرية نفعية لا يدفع فيها المتحرر أو الداعي للحرية أي ثمن. وربما كانت هذه سمة تحكم عصرنا أيضاً إلى حد بعيد. بينما ثمن الحرية غال جداً، بالخصوص بالنسبة لامرأة في ذلك العصر الذي لا يزال مستمراً فينا.

    المرأة هي الضحية الأولى في مجتمعات الظلم. فهذه رواية العقاد الوحيدة (سارة) تشكل خزاناً فعلياً للعمل النفسي على العقاد. لماذا انتهى به المطاف إلى كره المرأتين اللتين أحبهما، في حين اختارتا الحرية بطريقتيهما، ووفق معطياتهما الثقافية وتاريخهما الشخصي؟ كره مي زيادة لأنها كانت تحبه، لكنها كانت تتمنع في علاقتها الجنسية. ويقول في إحدى رسائله كلما حاولت معها قالت أخاف. ممن؟ تنظر إلى السماء، من الله. لم تتحمل غيرته من جبران التي كانت تحرقه داخلياً، ورفض أن يأتي مع الجميع لصالونها يوم الثلاثاء، فخصصت له يوم الأحد. بشرقيته المرضية لم يفهم العقاد داخلها وخياراتها، لأن جبران العاشق لنساء كثيرات لم يكن بالنسبة لها أكثر من صديق يمكنها أن تتكئ عليه في محنها، وروحياً أيضاً، لقد كان امتداداً لوالدها، والدها وأمها. وكره أليس داغر، وهي أديبة وصحافية كان لها اسمها وقتها ومن عائلة ثقافية كبيرة. كانت على العكس من مي، حرة جداً، فقد خرجت من تجربة زواج قاسية. أحبته وأعطته كل ما اشتهاه فيها، لكنه لم يتحمل حريتها، فقد ظل محروقاً من علاقاتها مع أصدقائها. غيرته من محيطها كانت مدمرة، كان متملكاً أكثر منه محباً.

    انصب النقد العربي على سلسلة من المغالطات لا تبررها رواية (سارة)، باعتبار البطلة هي مي، لكن القراءة الكاشفة تقودنا نحو أليس، فهي أقرب في حريتها إلى أليس منها إلى مي، بينما صفات هند تكاد تتطابق مع مي. جمعهما العقاد في نص واحد لا ليقول أدباً، ولكن ليصفّي حسابات تتبطنها الغيرة القاتلة، وحرية المرأة التي لم يستطع تحملها، سارة وهند. عناوين فصول سارة تبين هذه المفارقة: الشكوك، الرقابة، كيف الرقابة، مضحكات الرقابة، القطيعة، ومن هي، وجوه، كيف عرفها، أيام، لماذا هام بها، حبان، لماذا شك فيها، جلاء الحقيقة.

    العقاد في النهاية لم يحب أليس، بل أحب نفسه فقط. أليس امرأة افترض العقاد أنها ستكون سهلة ورهْن نزعته الشرقية. بينما ظلت مي وفية لثقافة المجتمع الشرقي ولثقافة الأديرة، مع احتفاظها بحقها في الحرية كما عاشتها مع ابن عمها جوزيف، أو مع صديقتها المثلية حتى وهي في دير عينطورة. ولم يكن العقاد الشخص الذي رسمته عاشقاً. لم تستنجد به يوم انغلق أمامها كل شيء، ولكن بحبها الأول الذي قتلها، جوزيف زيادة. وظل العقاد حاقداً عليها بسبب غيرته وحميميتها اللغوية مع جبران. فتنكر لها، ولم يشارك في جنازتها، وإن رثاها بقصيدة عصماء، وكان من الذين اتهموها بالجنون. الغيرة العمياء قلبت الحب إلى كراهية. وكان أن انتقم منها شر انتقام، والتقى في ذلك مع سلامة موسى الذي لم يرحمها، فوصفها بعد موتها بأبشع الأوصاف، لدرجة أن قال إنها كانت تسير في الشوارع متسخة وتتبرز على نفسها، بينما وثائق مستشفى المعادي تقول إنها أخذت من بيتها واقتيدت إلى المستشفى وهي في كامل قواها العقلية.

    لم يجد العقاد ما أراده في مي لفك عقده، في حين وجده جزئياً في امرأة أخرى كانت تحبه، أليس داغر. بمجرد ذبول علاقته بمي، ركض نحو أليس داغر التي كانت تعاني من خيبة زواجها الأول، ولكنه لم يتحمل ثقافتها ولا خياراتها ولا حتى حريتها كما فعل مع مي. فتركته وانسحبت نهائياً من حياته. رواية العقاد اليتيمة هي مرثية له ولأعماقه وخياراته ولشرق كان يتحول بعنف لم يتحمله العقاد، بل لم يفهمه.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: العقّاد ضحية شرقيته… امتحان مي زيادة وأليس داغر؟ Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top