728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأحد، 4 نوفمبر 2018

    "نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانيّة"... المنسيات والباقيات


    محمد الحجيري (كاتب من لبنان)

    في خاتمة كتاب "نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانيّة" لمحمود الزيباوي وأسعد مخول(*)، يقول الباحث الموسيقي إلياس سحاب، لا يمكن دراسة أحوال الغناء في بلدان المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين إلا إذا تنبهنا إلى ذلك التضارب الشديد بين الحدود السياسية والحدود الثقافية لهذه البلدان (لبنان، سوريا، فلسطين، والعراق وحتى مصر). لم تستطع الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو بعد انهيار السلطنة العثمانية، إلغاء الطبيعة الثقافية للمنطقة باعتبارها منطقة ثقافية واحدة، على رغم التنوع التفصيلي لكل بلد. وظلت النهضتان الموسيقيتان في القاهرة، الأولى في القرن التاسع عشر، والثانية (على أيدي الفنان سيد درويش وتلامذته) في القرن العشرين تمارسان تأثيراً مباشراً على المدن الكبرى في كل بلدان المشرق العربي مع بقاء التمايز الفولكلوري محصوراً في المناطق الداخلية للبلدان المشرقيّة نفسها.
    ولم يكن غريباً بالنسبة إلى لبنان بالذات، أن تتأخر الولادة الأولى للألوان الغنائية الجديدة حتى الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين. وأن تأتي ولادة الألوان الجديدة متأثرة بطغيان اللون الكلاسيكي الآتي من مصر من جهة، إضافة الى النكهة البدوية المتداخلة مع اللون الفولكلوري في لبنان وسائر بلدان المشرق. وما كتبه الياس سحاب يتقاطع مع ما كتبته الباحثة اللبنانية ديانا عبّاني في مقالتها "طرب بيروت زمن الانتداب، بين مشرق ومغرب" في مجلة "بدايات" (خريف 2017)**، اذ اعتبرت أنه خلال الانتداب الفرنسي، وجدت بيروت نفسها أمام مشروع بناء مجتمع جيد يسعى إلى التحضّر والتمدّن. فتأثرت الحياة الموسيقيّة والثقافية والفنية بتلك التغييرات السياسيّة والاجتماعيّة وبرزت الموسيقى الى جانب أدوات أخرى كوسيلة للتقدّم والتنميّة. في ظل هيمنة فرنسا على الصعيد السياسيّ والاقتصادي وهيمنة مصر على الصعيد الفنيّ والموسيقيّ، اضحى ايجاد هوية موسيقية محلية أمراً ملحّاً وأساسياً لبناء هوية لبنانيّة مختلفة عن محيطها المشرقي والعربيّ.



    ويتألف كتاب الزيباوي - مخول من قسمين: الأول بعنوان "نجمات الغناء" (كتبه الزيباوي، الباحث في تاريخ الفنون والأيقونات)، والثاني عنوانه "نجوم التلحين"(كتبه أسعد مخول العميد المتخصص في الموسيقى)، ويلقي "أضواء على مرحلة مجهولة من بدايات ولادة الأغنية اللبنانيّة"، قبل انطلاق النهضة الموسيقية والغنائية الكبرى في منتصف الخمسينات. إذ بقيت البدايات الأولى للون الغنائي الجديد في لبنان لفترة قصيرة، تعتمد على الكلمات المكتوبة باللهجة العامية المصرية، أو بخليط من العاميتين المصرية واللبنانية. 

    وفي الأربعينات ظهرت في سماء الغناء العربي أصوات لبنانية عديدة، أشهرها تلك التي لمعت في مصر. تركت هذه الاصوات نتاجاً فنياً كبيراً حفظت السينما بعضاَ منه، غير أن الجزء الأكبر منه دخل في النسيان وبات اليوم مجهولاً أو مهملاً. كانت نور الهدى(الكسندرا بدران) أول الأصوات اللبنانية التي لمعت على الشاشة المصرية في الأربعينات قبل أن تبدأ مشوارها السينمائي في القاهرة. وبعد نور الهدى، حطّت في القاهرة في العام 1944 جانيت فغالي (صباح) الفنانة الوحيدة من جيل الأربعينات التي استمرت حاضرة بفنها حتى وفاتها عام 2014، وهذا الأمر يحتاج تحليلاً بحد ذاته. وشهدت الأربعينات ظهور أصوات لبنانية اخرى لم تعرف النجاح نفسه، فقد سبقت لور دكاش نور الهدى الى مصر، وزارتها للمرة الأولى في خريف 1930، ودخلت الإذاعة المصرية بعد بضع سنوات، وقامت عام 1946 ببطولة فيلم "الموسيقار". أيضاً ظهرت مطربة اسمها نورهان في فيلمين منسيين، "الخير والشر" و"ابن الشرق"، ولم تحقق النجاح الذي حلمت به. في الحقبة نفسها، وصلت مغنية أخرى لتشارك في فيلم "عودة الغائب"، هي سهام رفقي، التي انطلقت من طرابلس، وغنت في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق قبل ان تصل الى القاهرة، واشتهرت بأغنية "يا ام العباية".

    وجذب نجاح نور الهدى وصباح وسهام رفقي العديد من اللبنانيّات إلى مصر، منهن جورجيت خوري التي عرفت باسم "تغريد"، وهي بحسب مجلة "صباح" فنانة لبنانية ظريفة، أعجب الموسيقار عبد الوهاب بصوتها عندما كان في لبنان، وحبذ لها الحضور الى مصر لدراسة الفن، وهكذا فعلت. وكذلك تحدثت مجلة "صباح" عن نشاط السورية الحلبية زكية حمدان، وهي احد ألمع مطربات الإذاعة اللبنانية، اتفقت مع بديعة مصابني للغناء في "كازينو اوبرا"، ولم يثمر هذا الاتفاق على ما يبدو، اذ لا يوجد أي خبر عنه في المجلات المصرية. وثمة مطربة لبنانية ناشئة هي سعاد محمد(المصري)، كانت تحلم بالانتقال إلى مصر لكي تحصل على بعض الألحان الخاصة من كبار الملحنين المصريين. تحقق هذا الحلم في العام 1948، وسافرت سعاد إلى القاهرة لتؤدي بطولة فيلم "فتاة من فلسطين"، تكررت التجربة في العام 1952 حيث شاركت سعاد في فيلم "انا وحدي" وغنت بصوتها الكلثومي من الحان السنباطي وزكريا أحمد ومحمود الشريف. في تلك الفترة استعدت للسفر الى مصر المطربة نجاح سلام، كان من المفترض أن تلعب من قبل دور البطولة مع سعد عبد الوهاب في فيلم "العيش والملح"، إلا أن المشروع تعثر، وجاءت الانطلاقة السينمائية في العام 1952 في فيلم "على كيفك".
     الى جانب هذه الأسماء، تحضر أصوات أخرى باتت نسياً منسياً. أغربها وأعجبها، المتكتمة، ماري شديد، وهي من المطربات اللواتي دخلن راديو الشرق، في أول عهدها في نهاية الثلاثينات، يتكرر ذكرها في المجلات الإذاعية، من دون نشر أي صورة لها. أيضا اشتهرت نازك وكهرمان وحنان وأوديت كعدو ونهوند وبهية وهبي التي حملت في ما بعد اقترانها بالموسيقي اللبناني توفيق الباشا اسم وداد(والدها حلبي وامها اسكندرانية وشهرتها في بيروت). تميزت نازك بصوتها الاسمهاني، وظلت سجينة هذا الشبه حتى الستينات، وعرفت كهرمان بأغنياتها البلدية ونتاجها اليوم مجهول، واشتهرت حنان بصوتها البلدي، ومثلت مع محمد سلمان في فيلم "عروس لبنان". أما أوديت كعدو، فهي كما تسميها مجلة الإذاعة في العام 1949 "شحرورة الارز"، ووصفَ صوتها بـ"رنّة الناي"، وتنتمي نهوند(لارا كيروز) الى هذه الفئة الغنائية، على مثال زميلاتها، سافرت الى مصر وغنت في فيلم "كأس العذاب" تحت إدارة حسن الإمام في العام 1952، ارتبط اسمها في لبنان بأغنية "وينه الحبيب وينه يسلملي نور عينه". وبشهادة الموسيقيين، تملك وداد "أحست صوت ميكروفوني".


    نستخلص مع مجمل ما سبق أن أبرز المغنيات اللبنانيات (وبعض السوريات "الملبننات بالغناء") اللواتي اشتهرن في الأربعينات، بدأت شهرتهن الحقيقية في مصر، ولا نعرف أن كنّ أسسن لأغنية لبنانية في تلك الفترة، فهن جميلات لهن حضورهن في السينما، وكن يقدمن ما يطلبه المنتج أو المخرج أو صاحب الملهى أو الإذاعة. أما البداية الحقيقية للأغنية اللبنانية فيعيدها الملحن نقولا المنّي في مقالة نشرت في الإذاعة في 14 آذار 1954، إلى مطلع ثلاثينات القرن الماضي، فمنذ تلك الفترة بدأت الأغنية تتجرد من الأوزان التراثية الثابتة، كما أنها بدأت تخفف من طابع اللوعة والحزن. وسعى نقولا المنّي منذ الثلاثينات الى صياغة اللغة المحلية، ونافسه في هذا المجال سامي الصيداوي وفيلمون وهبي في الأربعينات، وقدّم هذا الثالوث سلسلة طويلة من الأغاني، صنعت شهرة نجاح سلام وحنان وأوديت كعدو وصباح، في المقابل، اشتهر (السوري) عبد الغني الشيخ بألحانه البدوية الطابع التي ذاعت بصوت سهام رفقي. كذلك اتجه خالد أبو النصر إلى تلحين القصائد الحديثة، ورافق نور الهدى في بدايتها، ثم شكل ثنائياً فنياً مع زكية حمدان، وحضن نازك ونجاح سلام. في تلك الحقبة مال (السوري) محمد محسن الى لون الطرب المصري، ولحن من كلمات محمد علي فتوح مجموعة من الأغاني جعلت سعاد محمد المطربة الاولى في لبنان وسوريا.

    اعتمد الزيباوي ومخول في كتابهما على مراجع من مجلات ذلك الزمن، ويقدمان مسحاً ارشيفياً يستعرض تفاصيل سيرة كل واحدة من هذه المغنيات، والمواقع التي كانت مسرحاً لظهورهن الفني، كما لاحق اخبار من ظهرت منهن في أفلام سينمائية سواء أنتجت في لبنان، أو مصر، هو مسح يلقي الضوء على مرحلة غرقت في ظلام التجاهل، والكتاب "يسدّ فراغاً كبيراً في مكتبو التطور الغنائي في لبنان، ويصلح لأن يكون مرجعاً" بحسب إلياس سحاب، لكن الكتاب في جانب منه ينقصه التحليل والاستنتاجات والقراءة الاجتماعية والسوسيولوجية.

    (*)  صدر الكتاب عن جمعية عرب للموسيقى، مرفقاً بمجموعة من التسجيلات القديمة للمغنيات.
    (**)https://www.bidayatmag.com/node/916



    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: "نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانيّة"... المنسيات والباقيات Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top