728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

    أنا، وفيروز، وتعا ولا تجي


    عبد العظيم فنجان
    يسأل كثير من القراء عن تلك المرأة الملهمة التي تقف وراء قصائد الحب التي أكتبها، فأتلعثم لأن الموضوع يصعب شرحه، لكنني في المقال أدناه الذي كتبته قبل سنوات حاولتُ أن أعطي الشيء الأهم من الجواب، وها أنا أعيدُ نشره، بعد تحريره وتنقيته مما لا يخص سؤال الكتابة، راجيا أن يكون التعامل معه كنص أدبي ينطوي على الكثير من الخيال العراقي المخضب بالدموع وبالشجن! 

    1

    كم حاولت أن أمسك بتلك اللحظة الأولى التي سمعت بها فيروز، وأنا أحبو في عالم الكتابة والحب والشعر: عبثا حاولت. إنها بلا شك لحظة خاصة وجوهرية في حياتي، فليس ثمة يوم - على ما أحسب - إلا وكانت أغنيتها تشق طريقها إلى وجداني وروحي: تغسلني بحنينها وصوتها ومعانيها، فأعود جديدا، مقبلا على الحياة بكل ما فيها من طاعون بشري قاتل، بكل ما في الأرواح بطيئة الفهم من حقد وتفاهة: كل شيء مع فيروز يصبح مستساغا، حتى وأنا أصافح يد مَـن لا يودني..
    كم من الضروري أن أمسك بتلك اللحظة البكر التي اكتشفت فيها نفسي عاشقا لفيروز، منذ أول أغنية: إنها أختي التي تصفّف لي شَعري قبل أن أذهب إلى المدرسة: مدرستنا الابتدائية في باب الشطرة، أيام كان العالم أكثر براءة من الآن، وأيام كنت واقعا في غرام صبية تكبرني بسنة اسمها: نجمة.

    كانت هناك مفارقة غريبة في البيت: بيتنا، ففيما كان أشقائي الأكبر يعشقون صوت أم كلثوم، كنت أنا مغرما بفيروز: والدي الرجل الريفي كان ينظر إلي بتقطيبة حزينة، وهو شبه يائس في أن أكون ولدا صالحا، فهو يريدني طبيبا وأنا أريد أن أكون شاعرا، ولذلك كان يمنعني من كل شيء يحول بيني وبين حلمه الذي لم أحققه له إلا بمفارقة لا دخل لي فيها، بقدر ما كان للآيديولوجيا، والصراع بين الحزبين البعث والشيوعي دخل بها، لكن تلك قصة أخرى..
    أجل، ربما كانت الرسائل بيني وبين محبوبتي الأولى “نجمة“ سببا في ترسيخ فيروز في ذاكرتي، ومن ثم تحولها إلى حلم خاص: هو حلم المرأة المستحيلة، والدة العصور، والتي من شدوها تولد العصافير والغيوم الماطرة بالفرح، وقصائد الحب التي أكتبها: 

    2

    كانت رسائلي الغرامية إلى “نجمة“ تحمل في سطورها أغاني فيروز التي التقطها خلسة من مذياع مقهى أبي، في الفجر، عندما كان يصطحبنى في البرد المرير، إلى حيث المتعة التي اشتاق إليها كل يوم، حتى الآن، وأنا على أعتاب عمر لم تبق فيه إلا الذكريات عزاءً، إزاء السخام الأسود الذي يلف الأغنية والشعر والصداقة والحب، من كل جانب.
    حسنا. 
    لقد أخفقتُ، بعد محاولات عديدة، أن استرد تلك اللحظة البكر، لكني لم أخفق في اصطياد ذكرى تلك الصديقة التي تبين لي - بعد أن فارقتها - بأني كنت أحبها إلى حد الجنون، ولكنه حب أسطوري، لا يمكن إلا تغذيته بالشعر ليدوم، وأنا في كل قصيدة أشبعه بعثا وألقا، حتى وإن كان موضوع قصيدتي يسير في اتجاه آخر.
    سأختار اسما مستعارا لها. سأقول إنها: “مناهل“ وقد كان سبب تعرفي بها هو فيروز لا غير: حبنا لهذه الملائكية القلب كان هو السبب في أن نكون أصدقاء: ولكن ذلك لم يجذبني إليها في الأول، كما أنها لم تنجذب لي بداية إلا لكوننا كنا زملاء في مرحلة جامعية واحدة: الشيء اللافت فيها كان سعة عينيها بشكل لا يصدق، مع حاجبين كثيفين، ولون حنطي يشع من عينيها إذا وقفت قبالة الشمس، أما الشيء اللافت فيَّ - بنظرها - فهو عصياني الدائم ولا أباليتي في الدوام: لا أتذكر أنى حضرت بشكل كامل دروس يوم واحد: كنت أجلس في نادي الجامعة، وحولي شلة من العصاة أمثالي، التي تضم ذكورا وإناثا، وكانت مراسم تلك الجلسات الضالة تبدأ بالنكات وتنتهي بالمواعيد الغرامية، عداي أنا الذي كنت مخلصا إلى امرأة لم أرها إلا في حلمي، وتلك أسطورة أخرى، سيأتي ذكرها في رواية “صانع الأحلام“ لكن ذلك لم يمنع من أن أكون لصيق بعض الحبيبات اللواتي يعشقن لهجتي الريفية، وحبي اللامعقول لفيروز، الذي سرعان ما غزا “مناهل”، فبدأت شيئا فشيئا تقترب من “شلتنا“ ومن ثم تصطفيني من دون الباقين، لأكون صديقها الخاص، الذي تصطحبه في جولات فاتنة مع أغاني فيروز، إذ كان صوتها يحمل تلك البحة الذهبية، عندما تغني:

    “تع ولا تجي .. وأكذب عليه

    الكذب مش خطيه

    أوعدني انو راح تجي

    وتعال... ولا تجي“

    كنـــــت أرى دموعها تطفر من عــــينيها وهي تـــــغني، فــــأســـــألــــها عن صــاحب النـــصيب الذي مزق قــــلبها، إلا أنها كانت تكنس سؤالي بضحكة استفزازية، تجعلني في حيرة من أمري: “هل تعرف بأني صابئية؟“ تقول ذلك، ومن ثم تطلق عنان صوتها

    “ يا حلو شو بخاف إني أسألك..

    قدش وكم بتحبتي

    قد البحر قد الدني“

    تتوقف لحظة عن الغناء، ثم تسألني: “وأين هو هذا.. الحلو؟“ فأصيح بها مازحا: “ألا ترين الدنيا.. إنها مليئة بالحلوين “فتنظر لي بجدية: “أنا أريد واحدا.. مثلك“ فتفحمني: “لكن يا مناهل..“ تضحك: “أنا صابئية.. لا أنفعك“ ثم تعقب:

    “قدش كان في ناس

    ع المفرق تنطر ناس

    وتشتي الدني

    ويحملوا شمسية

    وانه بأيام الصحو ما حدا نطرني“

    غارقا كنت بصوتها.. لكنني كنت “أعور“ حسب تعبيرها عندما تريد أن تسخر مني، سيما عندما أشرح لها حبي لامرأة لم أرها قط في حياتي، فتقول: “الحب ليس أعمى عندك.. إن حبك أعور“ ثم تطلب مني سيجارة: “هنا في النادي؟“ أصيح بها مستنكرا ، فتومئ برأسها نحو ممر بعيد أطلقنا عليه شارع العشاق، وهناك، بعيدا عن أعين الرقباء، تفتح شهيتها للتدخين، ومن خلال الدخان المتصاعد كنت أرى روحها تحلق بعيدا بعيدا، ولم يفتني بعد عشرين عاما أو أكثر أن استخدم هذه الصورة، لأجعلها عنوانا لقصيدتي المعروفة: “سلة الرحيق“ فقد كان وجه “مناهل“ هو المرسوم على أحد جوانب حافلة، رأيتها في مدينة إسلام آباد: انبعث هناك من لجة الغيب لاستعيد من جديد حضورها وبكثافة، بعد يأس وقنوط شديدين، ولقد كان ذلك الحضور مدعاة لمواصلة رحلة الإبحار عميقا في فيروز، عندما صدحت أغنيتها “لا انته حبيبي ولا ربينا سوى“ بصوت مطرب تركي، حافظ على اللحن لكن الكلمات كانت بالتركية: يومها كنت ضيفا على شاب عراقي مقيم في اسطنبول، وكانت مناهل - المقيمة في أحد الدول الاسكندنافية - حاضرة بروحها تلك الليلة، مع عرق الهبهب العراقي، الذي لا أعرف من أين جلبه مضيفي..
    غنينا تلك الليلة أغاني أعادتنا جددا، وفي الصباحات، طوال طريق العودة، من جبل إلى آخر، وصولا إلى زاخو كانت “مناهل” وفيروز في حقل مخيلتي، مثل زهرتين أتنشقهما غير عابئ بما قد يحصل لي، لو أمسكت بي سيطرات جندرمة الجيش التركي، وأنا استعيد، بين مرة ومرة، قفشات “مناهل“ ونكاتها التي تصنعها بي، في أحلك الظروف، فمما آلت إليه الأمور، نتيجة عدم انتظامي في الدوام، أن أكون من أشهر كسالى الجامعة، ولم يكن أمامي طريق للنجاح غير الغش، ولكن بطريقة لم يفكر بها حتى الشيطان نفسه، إذ عمدت “مناهل” إلى كتابة المواد المحتمل مجيئها في الأسئلة الامتحانية، أقول: عمدت إلى كتابة نلك المواد على فخذيها، وقد ارتدت تنورة سوداء طويلة: هكذا كانت عبقريتها الشعرية قد تجلت بشكل واضح، فهي ترفع أطراف تنورتها إلى الجواب المطلوب، فالتهب من حرارة ساقيها، وأتلعثم أكثر: ليتها لم تفعل ذلك، أقول لنفسي، فهل أنظر إلى ساقيها أم إلى الأجوبة؟
    عندما ظهرت نتائج أول امتحان وقد كنت راسبا فيه، حدست ما الذي حصل لي فقالت: “في التجربة التالية سارتدي جوربا يقيك حرارة ساقي، أيها السافل"، وهنا كانت المصيبة الحقيقية، فيوم الامتحان كنت قد أقسمت بأعظم الأديان والمقدسات أن لا أمس ساقيها بنظرة سوء، إلا أن مفاجأة أخرى كانت بانتظاري، فبعد توزيع الأسئلة، رفعت "مناهل" تنورتها، وظهر لي ما كتبته: تخيلوا ماذا كان مكتوبا؟.. ببساطة: كانت تلك الشقية التي لن أنساها ما حييت، قد كتبت على فخذيها جميع أغاني شريط جديد لفيروز عنوانه: "حديث أيلول": لم أستطع أن أكتم تأوهاتي، سيما في المقطع الفيروزي، الذي يقول:

    “إذا رجعت بجن.. وإن تركتك بشقه

    لا قدراني فل.. ولا قدراني أبقى..

    وشو بكره حياتي لما شوفه عندك

    يا بتحرمني منها.. يا بسرقها سرقه

    وشو قالوا عنك يا عمر حلو وما ذقتك

    باريت..“.

    3

    “حديث أيلول“ كان شريطا لافتا في كلماته، التي كتبها الشاعر جوزيف حرب، وأحسب أن أغانيه هي الأقرب دائما إلى نفسي، فقد اقترن ظهوره زمنيا مع حدث سياسي خرّب بهجتنا، نحن العراقيون، حين اشتدت قبضة البعث تماما حول أعناقنا، فبدأت تضرب كل الحركات الوطنية في العراق، ابتداء بالحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامية، مرورا بالحركة الكردية: 

    هكذا كان هذا الشريط عزاء لي ولقلة من الأصدقاء، الذين هجروا معاهدهم وكلياتهم، وانحدروا إلى الشوارع الخلفية باحثين عن ملاذات آمنة، وفي جيوبهم “أمنا فيروز“ - التعبير للشاعرة منى كريم - هذه الأم التي كانت مناهل تذوب فيها كليا، سيما عندما تنسل من دموعنا وقلقنا لفتة فيروزية فاتنة:

    “لو بقدر لفتش عليك ولا ألاقيك

    الكذبي، الغيم المارق والمنفى اسميك..

    اعطني اهرب واقلك .. ساعدني انساك

    اتركني شوف الأشياء ومتذكرني فيك“

    وكنا - أنا وهي - ننخرط ببكاء مجنون، سيما وقد ضاق العالم كله، فصرنا لا نلتقي إلا صدفة، وفي أماكن غير متوقعة، لكن.. كان أغرب ما في علاقتنا تلك هو أننا لم نقل لأحدنا الآخر أننا نعشق بعضينا: 

    إنني الآن بعد أكثر من ربع قرن أتساءل عن معنى ما كان بيننا: هل هو الحب، أم هو شغفنا بأشياء مشتركة، تتمحور كلها في فيروز؟

    كانت مناهل كانت تحب من فيروز كل أغانيها، ولكنها دائما تبدأ وصلتها بالغناء بأغنية:

    “تع ولا تجي“ ومن بعدها ينحدر نهر الأشواق والطفولة والحنين، دافئا في تلك الممرات الخالية من المارة، سيما ساعة سقوط المطر، لكنني كنت لاهيا عنها، عن مناهل، ليس لأني ضمنتها كحصة من حصص الحب، لا.. وإنما لأنها أصبحت مثل ثيابي: صنوي: أختي وصديقتي وأمي وصديقي وعشيقتي وكل شيء.. إلا حبيبتي، وتلك معضلة لم أستطع تفسيرها لحد اللحظة: كنت آخذ مصروفي من حقيبتها، وأكلفها بنسخ المحاضرات، وأحيانا بالدوام مكاني، على الكرسي الذي يحمل رقمي، وكانت مطواعة بشكل غريب: هل لأنها كانت كذلك، لم أركع أمامها، كما ركعت من بعدها أمام قلوب من حجر، وأعلنت حبي؟ لا أعرف:

    “بحبك ما بعرف 

    من يومها صار القمر..“.

    وأقطع عليها الأغنية صائحا: “أعور“ فترميني بأي شيء تحمله يداها ساعتذاك، مغنية:

    “يبقه حنا السكران..

    على بيبان النسيان /

    يغني وتمرق بنت الجيران“:
    نعم كنت حنا السكران المغرم بالخمور والغناء الفيروزي، وهو لقب ظل أصحابي القدامى ينادونني فيه حتى هذه الساعة.. ومع ذلك فإن حنا السكران الذي كنته لم يقل لبنت الجيران “مناهل” أنه يحبها، ولا هي قالت له.. آه.. ماذا كنا ننتظر؟
    لا أدري.. ربما كنا ننتظر تلك الساعة من ذلك اليوم الصيفي، عندما وصلت ظهرا إلى الجامعة، ضاربا الدوام الصباحي، فوجدت من يبحث عني من “الشلة“: “أينك.. عبدو.. الدنيا مخبوصة عليك؟“ صاح بي، فضحكت: “ومن يسأل عني، أنا ابن الخائبة؟“ قلت له، غير مبال بالمفاجئة التي تنتظرني، فقال: “مناهل من الصباح، وهي تسأل عنك، وتبكي“.
    بسيطة: قلت مع نفسي، إنها في حالة من حالات القرف التي تشعر بها من اللجان الاتحادية التي تلاحقنا كي نكون بعثيين بالإكراه، ولكني حين التقيتها، حدست أن أمراً خطيرا قد وقع، ومع ذلك تظاهرت بالمرح: “أغني لكِ؟“ قلت لها، واسترسلت:
    “وحدن بيبقو مثل زهر البيلسان..
    وحدهن..“
    لكنها لم تستجب، أو في الحقيقة أن الاحمرار الذي كسا عينيها كان مثل موسى بدأ يجرح حنجرتي ويقطعها: “ما بالك مناهل؟“
    سنوات وسنوات وسنوات يامناهل مرت، ولم أنس تلك اللحظة الحزينة والقاتلة في عمري كله، حين قلت، ونحن نمشي في شارع العشاق الخلفي على انفراد: “اسمع عبدو.. أنا تبعية إيرانية، ومن المفروض أن تقوم الحكومة بتسفيرنا يوم غد أو بعده. لقد أبلغوا أبي، وسوف يأخذوننا إلى الحدود العراقية الإيرانية، ويرموننا هناك، كالكلاب..".

    “صعقني ما قلتِ، لكني أعرف ألاعيبك، فقلت مستنكرا: “ لكنكِ، ذات يوم، أخبرتني أنك صابئية“ فابتسمت بحزن: “تبقى ذلك الأعور دائما.. يا أخي كنت أمزح معك ساعتها“ فتأففت، متسائلا: “وما الحل؟“ فأجبتني: “اسألني أولا هل تريدين البقاء في العراق أم لا؟“ قلت: “أنا أريدك في العراق معي، فالعراق من دونك يعني لا حنا السكران ولا فيروز“ ضحكتِ: “اسمع هناك حل واحد“: فصحت: “ما هو؟“ أجبت فورا من دون تردد: “أن تتزوجني“
    يا إلهي: أنا أتزوج؟
    ولكن من أجل مناهل.. ربما أستطيع ذلك، فقلت: “بسيطة أنا موافق.. ولكن كيف؟ “فقالت: غدا نذهب إلى المحكمة ونجري معاملة عقد الزواج على بعضينا، لكننا نحتاج إلى شاهدين“: “شاهدان فقط؟.. تعالي “وفي طريق العودة رأيتها تمسح دموعها، ففكرت لأول مرة في حياتي أن أقبّلها.. لكني تراجعت: “هل أقبّل مناهل؟“ تساءلت مع نفسي: “مناهل هذه المقدسة.. تحتاج أكثر من أن أقبّلها..”، ولكن وصولنا إلى النادي قطع عليَّ تلك الأسئلة، فأخبرت الشلة بمشروعنا وبالمشكلة، فتطوع الجميع أن يكونوا شهودا، وهكذا.. عاد المرح، وعندئذ غنت مناهل، وغنت وغنت..
    حتى انتهى الدوام فشيعتها إلى السيارة التي تقلها إلى أهلها - لماذا لم أصعد معها، يا إلهي؟ وقبل وصولنا إليها ترنمتْ بحزن غريب:

    “أوعدني انو راح تجي..
    وتع، ولا تجي“
    ثم تحركت السيارة مع قبلات هوائية وتلويحات حنونة.. كان الموعد: موعد عقد قراننا في المحكمة، في الساعة التاسعة صباحا، وكان الشاهدان معي في القسم الداخلي: سكرنا تلك الليلة، وكانت فيروز هي أم الحفلة، حتى انبلج الفجر، فلم نسترح إلا لساعات، وفي اليوم التالي كنا أمام باب المحكمة في الساعة الثامنة والنصف تماما:
    ومر الوقت..

    سنوات كثيرة أحتاج لأن أفسر لِمَ غنيت في آخر دقيقة: “تع ولا تجي“ لأنك لم تجيئي ذلك الصباح، ولا الذي بعده، ومن ثم جاء مَن يخبرني أن الحكومة، في نفس ذلك المساء الذي ذهبت به فرحة بقبولي الزواج منك، رمتْ بكِ أنتِ وكل عائلتك في حوض شاحنة كبيرة، وقطعت بكم الليل إلى الحدود الإيرانية، تاركة أغنيتك في ممرات راسي تدور وتدور، وهي ترسخني يوما بعد آخر كـ:

    “حنا السكران ملقي وعلى الحيطان /

    عم بيصور بنت الجيران“

    فيما مع كل صباح تصدح فيه فيروز بأغنية:

    “ تع ولا تجي.. واكذب علي /

    الكذب مش خطية /

    اوعدني انو راح تجي /

    وتع ولا تجي“

    اكتشف نفسي عاشقا، يطاردك من أغنية إلى أغنية، ببركة أمنا الكبيرة فيروز.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: أنا، وفيروز، وتعا ولا تجي Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top