728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

    الفن الإسلامي: في تاريخ "فنون العالم" (3 من 3)

    شربل داغر 


    (في ثلاث تدوينات متتابعة، توطئة كتابي الجديد: "الفن الإسلامي: بين اللغة والصورة"؛ هنا الثالثة والأخيرة منها).

    يطلبُ هذا الكتاب وجهة دراسية تقوم على توسعة النظر التاريخي وتقويته إلى الفن الإسلامي؛ وهو أحوجُ ما يحتاجه درسُ هذا الفن. ويعني النظرُ التاريخي، في هذا المجال، الكشفَ عن مصادر للتاريخ أن ينهل منها، وأن يضعها في منظور موافق.
    هذا ما عنى منذ كتابي الأول، "مذاهب الحُسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية"، الانصرافَ إلى مواد اللغة والأدب، إلى جانب مواد الفن نفسها، لاستجلاء ما تشتمله من معطيات مناسبة لإقامة أسباب هذا النظر. ويزيد من هذه الحاجة كون الخطاب الغربي انصرف، في أحواله الغالبة، إلى منهج تتنازعه نزعتان: آثارية وتفسيرية على حساب النظر التاريخي (ما سيتمُّ تناوله في هذا الكتاب).

    يقيم أكثر من فصل في هذا الكتاب علاقات غير مسبوقة في الدرس الغربي تحديدًا للفن الإسلامي بين: الصورة والأدب، حيث إن هذا الخطاب "استقبل" مواد الفن الإسلامي وفق سياقه الدراسي الخاص، وجعلَه فنًا "تطبيقيًّا" لِما كان يتعيَّن في "عالي" البناء الفني في تجاربه، وهو: فن الرسم (وما انتهى إليه بعد ذلك في "الفنون التشكيلية"، ثم حاليًّا في "الفنون البصرية"). وما هو جدير بالانتباه في هذا المجال – بعيدًا عن صحةِ أو خطإِ التقابل بين فنَّين مختلفَي التكوين والمنظور – هو أن الخطاب الغربي راح يتعامل مع المادة الفنية الإسلامية حسب طرقٍ دراسية مشابهة لدرسه فن اللوحة (أو التمثال وغيره)، طمعًا بإنزال الفن الإسلامي في "تاريخ الفنون العام" ابتداء من اللحظة التي بلغتها تجارب "الفن" في أوروبا تحديدًا. 
    حصَّل "الفن الإسلامي"، في ذلك، رتبة ومكانة أكيدتَين، إذ جرى تعيينُه مثل فنٍّ "وسيط" و"انتقالي" بين فنون الحضارات القديمة وفنون أوروبا، أو بين فنون الشرق الأقصى وفنون المتوسط. كسبَ الفن الإسلامي في هذه العملية، إذ أُدخل (بمعنى ما) إلى "عالمية الفن"، وبات في عداد "الحضارات الكبرى"، التي باتت تتعين (منذ القرن الثامن عشر) في "فنونها" التصويرية خصوصًا (والتي تناسب سياسات الإظهار والعرض والقيمة، سواء في القصر أو في المتحف الناشىء). هكذا جرى الإقرار - بعد جدل مديد – بأن هذه المواد المتفرقة المجلوبة من البيئات الإسلامية ليست مواد طريفة وغريبة ومخالفة لما هو معروف في البلاط الأوروبي وحسب، وإنما باتت تتحدد في "متنٍ" جامعٍ لها، وأنها ترتقي إلى "الصنيع الفني" (objet d’art). بات هذا "الفن" بالتالي دالًا أو تعبيرًا عن "مجموع حضاري"، ممتدٍ وفق امتداد النفوذ الإسلامي في أربعة قرون، بين المغرب العربي والشرق الأقصى، بلوغًا إلى آسيا الوسطى. هكذا "نزل" الفن الإسلامي في منظومة، و"استقبلتْه"، في أمور تصنيفه ودرسه، مناهجٌ وقيم وأساليب متأتية من تبلور التجربة الأوروبية نفسها، في إنتاج الفن وتصنيفه ودرسه. هذا ما جعلَ الفن الإسلامي يتعيَّن في فن "دوني"، ثم "تطبيقي"، فأصبح بالتالي "ظلاً لغيره"، وعلى الرغم منه.

    هكذا أختصرُ بجُملٍ قليلة ما سبق لي أن درستُه في كتب وبحوث، لكي أخلص منه إلى تبيان الناتج التالي، وهو أن ترتيب الفن الإسلامي، ولا سيما فهمَه، لم ينعما دومًا بما يناسبه ويحتاجه من درس موافقٍ لسياقه التاريخي.
    مع ذلك، نقع في الخطاب الغربي الدارس للفن الإسلامي على مساعٍ قامت على تدبير "تاريخ" له، لكن ما قامت به لم يتعدَ ما قام به مؤرخو الأدب العربي من الأوروبيين، وهو إيجادُ "تقابلٍ مُلزِم" بين العهد السياسي وبين العهد الأدبي: هذا ما نجده في كثير من المساعي التاريخية في فهم هذا الفن، ما يمكن أن نشير إليه في هذا التحديد اللافت للمؤرخ الفني الفرنسي جورج مارثيه، إذ يكتب في مستهل كتابه: "الفن المسلم": "إن تتبُّع هذا التطور الفني (للفن المسلم، حسب لفظه) يجد نسقه في التاريخ السياسي للعالم المسلم". هذا "التناسب" أوجدَ أسبابَ صلةٍ في عالي العلاقة (إذا جاز الوصف) بين الفن والتاريخ، لكنه أقام عمليَّا نظامًا توضيبيًا في الخصوص، وأبعدَ الفن عن جاري الحراك البشري: كما لو أن الدارس الأوروبي كان يُقدِّم للملك مرآة فنية يرى فيها إلى نفسه في صورة الغير (الملوك الآخرين)، وهو ما التقى مع مرآة أخرى، هي مرآة النخب المتعلمة والفنية كذلك.

    لستُ، في هذه الكلمة التمهيدية، في موضع كتابةِ نقدٍ للنزعة التاريخية الأوروبية (ثم الغربية) في درس الفن الإسلامي، وإنما كنتُ أريد من تناولها – السريع بالطبع – أن أشير إلى أن المناحي التاريخية المناسبة بقيتْ محدودة، واكتفتْ في الغالب بالمصادر المادية لهذا الفن، من دون المصادر الكتابية. هذا ما شدَّدتُ عليه في أكثر من كتاب وبحث، وهو أن الخطاب الغربي الدارس للفن الإسلامي قلما اعتنى باستبيان تاريخ الفن الإسلامي ابتداء من مصادر الثقافة العربية، ومن كتبها، بمن فيهم الفلاسفة المسلمون أنفسهم (...).
    لقد طاول الدرسُ في الكتاب نطاقات وتجارب وإنتاجات مختلفة في هذا الفن، ولا سيما في الخط والتصوير والمخطوط، ابتداء من مصادر كتابية عربية (إضافة إلى مخطوط صيني قديم ونادر)، فضلًا عن معاينة أعمال من الفن الإسلامي، ومنها مخطوط يمني يُكشف عنه للمرة الأولى. فيعمل غالب فصول الكتاب على إقامة علاقة درسٍ بين الأدب والفن: بين المَقامة والصورة، بين الحكاية والصورة، بين القصيدة والصورة؛ بل تنبهَ الدرسُ إلى وجود علاقات أعمق بين اللغة والفن، ما جعلني أتحدث عن "أساس لغوي" لهذا الفن، وأتبين وجود علاقات أعقد بين اللغة والوجود نفسه، حيث إن درس اللغة العربية نفسها في الخطاب (الفلسفي، الصوفي...)، قد يكون "العوض" أو "البديل" عن درس الوجود نفسه، كما هو عليه عادةً في الخطاب الفلسفي، ولاسيما الإغريقي، ثم الأوروبي. 
    كما توقف الدرس كذلك عند فنٍّ قلما انصرف إليه الدارسون وهو "خيال الظل"، لمعرفة أسباب اتصاله (أو عدمها) مع تجارب الفن الإسلامي الأخرى. إلا أن الدرس لم يكتفِ بتناول مواد هذا الفن، بل توقف كذلك عند الخطاب الذي عملَ على تفسيره، وعلى إدراجه في أنظمة التفكير والاعتقاد (...)
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الفن الإسلامي: في تاريخ "فنون العالم" (3 من 3) Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top