728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 7 نوفمبر 2018

    الفن الإسلامي: الفن بوصفه تداولًا (2 من 3)


    شربل داغر
    (في ثلاث تدوينات متتابعة، توطئة كتابي الجديد: "الفن الإسلامي: بين اللغة والصورة"؛ هنا، الثانية منها).

    يتعالق الحديث عن "التداول" حكمًا مع منهجَين معروفَين، بل بين دلالتَين متباينتَين للفظ عينه: بين "التداولية" وفق الاقتصاد السياسي، وبينها وفق المنظور اللساني لـ"استعمالية" اللغة. فقد عنت "التداولية"، عند كارل ماركس وعدد آخر من الاقتصاديين، البحثَ في "قيمة" اللوحة (على سبيل المثال)، بوصفها "سلعة" أو "بضاعة"، ما جعلَها في نطاق "قطاعي" وضيق، ولم يدرجْها في الوجود الاجتماعي الكلي، مثلما تنبهَ إلى ذلك علماء أناسة، مثل مارسيل موس وغيره. فالأعمال الفنية، مثل مصنوعاتٍ غيرها، تنتقل بين عيون البشر وأيديهم، مثل "الأشياء الاجتماعية (التي هي) قيد الحركة"، ما يجعل قيمتها بالتالي تتعدى الشأن المالي الصرف، وعلاقات الاستهلاك والحاجة. 
    كما عنت "التداولية" معنى مختلفًا في اللسانيات، وفي الجماليات أيضًا، إذ أشارت إلى منهج متبع، موسوم بـ"الفلسفة التحليلية" (ابتداء من إنكلترا)، ويقوم على فحص المسائل الجمالية بوصفها مسائل لغوية في المقام الأول، كما يكتب أحد منظريها هارولد أوسبورن: "إن إضاءة (أو "إراءة") المفاهيم تتحقق في صورة أساسية في الانتباه إلى الممارسة اللغوية، ذلك أن عدة اشتغالنا المفهومية تَظهر في اللغة، والمفاهيم لا تعدو كونها "متحجِّرة" في أشكال الكلام التي نقوى بواسطتها على التحاور". وإذا كنتُ قد تعاملتُ مع مفاهيم هذه المدرسة، إلا أنني ابتعدتُ عن منحاها "المنطقي الخالص"، ما دام أنها "لا تلتفت إلى تحقق القول في وضعية اجتماعية مخصوصة، ولا ضمن إطار ثقافة تاريخية، هي غير الثقافة الأوروبية بالضرورة"، كما كتبتُ في كتابي: "مذاهب الحُسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية".

    أخذتُ، إذًا، بهذَين المنهجَين الفلسفيَّين، من دون أن أتقيد بهما، بل قام اتكالي عليهما وفق قراءة نقدية، ليس طمعًا بالجدل الفلسفي، وإنما تلبيةً لما يستوجبه البحث ويطلبه في حاصل "المعاينة التكوينية". كما لم أقصر المنهج على فهم لغوي محض، وإنما عاملتُ الأبنية اللغوية بوصفها "حاملةَ" معانٍ ودلالاتٍ متعيِّنة في الاستعمالات والقيم التاريخية-الاجتماعية. 
    هكذا وجدتُ أن أعمال الفن هي، قبل أي تعريف، "أعمالٌ يتمُّ تناقلها"، وإن ينتهي بعضها إلى "الحفظ الختامي" (في المتحف)؛ وهي مصنوعات بالتالي تشترط، في المنهج، مقاربات تأخذ بأسباب النظر الأناسي والاقتصادي السياسي وغيرها. وقمتُ لهذا الغرض ببناء سبيل دراسي تعيَّن في مسارَين: مسار الملكية، ومسار المعنى. وإذا كان هذا الحديثُ وردَ عند بيار بورديو في عمليتَين متباينتَين، فإنه اتخذ في درسي سبيلَين متباينَين ومتعالقَين، فضلاً عن أنني تبينتُ وأقمتُ ثلاث محطات في كل مسار منهما.
    هكذا يكون "الفن" – بعيدًا عن تعريفاته المجردة أو "التقنية" – هو ما يبلغه من "صفة"، وفي التداول حكمًا.
    إن التوصل إلى بناء هذا المنهج لم يستقم بالتالي من دون قراءة نقدية (وتاريخية ضمنًا) للخطاب الفلسفي في الفن، وللخطاب التاريخي في الفن؛ وهو ما أدى إلى بناء خطة بحثية وفق حاصل "المعاينة التكوينية" تمثلتْ في ثلاثة استهدافات: 
    - إعادة النظر: تقوم على نقد تكوين المتن والخطاب الغربيَين عن الفنون القديمة، الإسلامية وغيرها، على أنه البداية اللازمة لهذه الخطة البحثية؛
    - توسعة النظر: درسُ الفن والخطاب القديمَين ضمن إطارهما الاجتماعي والفلسفي المخصوص، من دون قصره على الجانب التقني وحسب؛
    - قلبُ النظر: درسُ الفن والخطاب القديمَين بما يتعدى نطاقاتهما وتعريفاتهما المتأخرة بلوغًا إلى ما كانه الفن، أو الخطاب عنه قديمًا، ما يقيم البحث في حدوده القديمة، لا الظاهرة وحسب، وإنما الخافية أيضًا.

    هذه الاستهدافات تتعالق مع الخطاب الفلسفي (وتعالج مسائله)، ومع الخطاب التاريخي (وتعالج مسائله) في درس الفن، ما يجعل الاستهدافات ترسم بناءها الخصوصي في النظر، وتخرج بالتالي على أنظمة الخطاب المقرَّة في العلوم الإنسانية، فتنتقدها ولا تتقيد بها، بل تقترح سبيلًا آخر لدرس قضاياها. 
    لهذا يمكن القول إن وجهتي في درس الفن الإسلامي تشترط قراءة "تكوينية" له، تُظهر العمليات التي "أنتجتْه من جديد"، بما يخالف وجوده الأول، سواء في متنه المادي أو في خطابه المناسب له. وهذا يعني أن للمنهج الدارس ألا يتناول متن الفن الإسلامي كما هو مصنَّفٌ في متحف، أو مدروسٌ في خطاب، وإنما أن يتبين ما كان عليه وما آل إليه. وهو ما يعني منهجيًا عدم التسليم المسبق بحاصل الخطاب في الفن الإسلامي، والعملَ على فحصه وفق مقاربة تتحقق من "تكوين" المتن، ما يجتمع في منهج "التداول". 
    فـ"حقيقة" الوجود الأول للفن الإسلامي مضتْ؛ وأقصى ما يطمحُ إليه الدارس هو الاقتراب التاريخي والفلسفي والمادي منه، آخذًا في عين الاعتبار أن "حقيقته" خضعتْ للتداول وانبنتْ فيه، ولا سيما في المتحف والخطاب الأوروبيَين. ولا يقوم هذا "الاقتراب" بالخروج على علوم ومناهج في الإنسانيات، وإنما على البناء معها وبها، ولكن وفق استهدافات بحثية تناسب طبيعة الموضوع البحثي نفسه. 
    لا يسع الدارس بالتالي - إن طلبَ الأمانة بالمعنى البحثي – أن يُسقط من درسه هذا التكوين المزدوج للخطاب الفلسفي في الفن (في مكوِّنيه الأوروبي، ثم العربي، تبعًا لما ندرس)، ولا أن ينتقل إلى محاججة أو اقتراح فلسفيَّين بهناءة الباني على أرض أكيدة. وهو تشكيكٌ لازمٌ أيضًا في الخطاب العربي، إذ قام على القبول والاتباع، وعلى "الاستقراض" واقعًا، ما يجعل السؤال ضروريًّا في نطاقه: أهناك قولٌ فلسفي ممكن في العربية في نطاق الفن بالاتكال على خطاب الغير؟ وهو سؤال لا يقوم على مخاطبة "عنصرية" أو "ماهوية"، وإنما يطلب التحقق المزدوج، لأن في هذا ما يبني "شرعيةَ" القول الفلسفي و"صحتَه". ويزيد من الحاجة إلى نقد هذا الخطاب الفلسفي كونه "قُبل" في الخطاب العربي من دون مساءلة في أحوال كثيرة؛ وهي مساءلة لازمة ما دام أن الخطاب المذكور نشأ في ثقافة، وفي سياق، وفي تداول، ما يحتاج إلى تبينٍ وفحصٍ من ناحية تكونه وانتظامه واشتغاله، من جهة، وإلى درسٍ من جهة تناسبه مع فنون الغير، بما فيها "الفن الإسلامي"، من جهة أخرى. 
    إن غياب هذا التحقيق قد يعني، في أحوال، "تدبيج" القول الفلسفي ليس إلا، أي انتظامه الشرحي أو التفكري المجرد، من دون انتظام علاقة لازمة بين "الفن" (متعينًا في وجودَيه التاريخي والاجتماعي) وبين "الخطاب" عنه. بل كشفَ درسي عن وجود ما أسميته بـ"مستور الفن"، أي ما يخفيه العمل الفني والخطاب الفني من عمليات جارية فيه، وسابقة عليه، و"تستقبلُه"، ما يمحضُه قيمتَه، أو أساسَ قيمته؛ وهو "المستور" الذي يُخفيه الخطاب عن الفن إذ يَنسب هذه القيمة إلى "التولدات الانبثاقية" لدى الفنان، أو إلى "ولعِ" المقتني بما يشتريه ويراكمه...

    لهذا اتجهَ مسعاي في الدرس إلى فحصِ تاريخِ تشكُّلِ "متنٍ" للفن الإسلامي؛ وهو ما جرى تاريخيًّا في بلدان أوروبية مختلفة؛ ويعود إلى جامعيها ومقتنيها وكُتابها دورُ بناءِ هذا المتن، المادي والخطابي، بين القرن الخامس عشر ومطالع القرن العشرين (على ما درستُ). فتسمية هذا الفن "الفن الإسلامي")، والإقدامُ على تجميع مواده وفرزِها وعرضِها وحفظِها، قاما وفق مبادرات وسياسات ومقترحات متعينة لدى مقتنيها ودارسيها المذكورين.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الفن الإسلامي: الفن بوصفه تداولًا (2 من 3) Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top