نوفمبر 28, 2018 اضف تعليق
 واسيني الأعرج 


العقاد كاتب كبير ملأ عصره وزمانه شعراً وفكراً وحضوراً، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون كاتباً إشكالياً، أي مثيراً لأسئلة كثيرة تستحق كل الاهتمام، ربما قتلتها سلطته الكبيرة في عصره، فلم تثر بالشكل الذي كان يجب أن تثار به، بالخصوص موضوع المرأة الذي وصل حد تأليهها ورفعها إلى المقامات العليا، ثم إنزالها إلى الحضيض لدرجة التماهي مع الشيطان. هذه الرؤية الديكوتومية المانيكية لم تنبع من فراغ، لهذا نظن أن الدراسات النفسية مفيدة ومهمة جداً في مثل هذه الحالات للكشف عن بعض خفايا الإنسان في مختلف وضعياته.

ليست لدى الإنسان ردود الفعل نفسها في الانتصار وفي الهزيمة أمام الحرية التي يريدها الجميع، لكن هل الجميع مستعد لدفع ثمنها القاسي؟ العقاد الذي كان يريد الحرية بقوة، وكانت سبباً في فراقه عن مي، كان يخاف في الوقت نفسه من الحرية المطلقة التي اختبرت بها أليس داغر أعماق الكاتب قبل أن تغادره. أين موقعه إذن؟ هل هو من المحافظين الذين يخافون من المجتمع ومن خسران الموقع الاجتماعي والسمعة؟ أية حرية كان العقاد يريد؟ حتى في شعره لم يغب عنه المفهوم الملتبس للحرية.

استعمل القصيدة الكلاسيكية ليقول عصره، يعني احترم نظام الكتابة العمودي المتسيّد شعرياً، ولم يخترقه، وحاول أن يقول عصره وداخله، ويلتقي في هذا بنازك التي حاولت أن تتجرأ على قداسة النظام قبل أن تعود له بعد أن كانت قد قيدت الحرية بنظام لا يخرج في الجوهر عن نظام التفعيلة. ويبدو واضحاً من خلال تجربته الحياتية أن العقاد لم يحسم قط علاقته بالحرية، فهو كأي رجل شرقي يريدها على مقاسه المشروط بسلسلة من القيم الثقافية المتحكمة، حرية نفعية لا يدفع فيها المتحرر أو الداعي للحرية أي ثمن. وربما كانت هذه سمة تحكم عصرنا أيضاً إلى حد بعيد. بينما ثمن الحرية غال جداً، بالخصوص بالنسبة لامرأة في ذلك العصر الذي لا يزال مستمراً فينا.

المرأة هي الضحية الأولى في مجتمعات الظلم. فهذه رواية العقاد الوحيدة (سارة) تشكل خزاناً فعلياً للعمل النفسي على العقاد. لماذا انتهى به المطاف إلى كره المرأتين اللتين أحبهما، في حين اختارتا الحرية بطريقتيهما، ووفق معطياتهما الثقافية وتاريخهما الشخصي؟ كره مي زيادة لأنها كانت تحبه، لكنها كانت تتمنع في علاقتها الجنسية. ويقول في إحدى رسائله كلما حاولت معها قالت أخاف. ممن؟ تنظر إلى السماء، من الله. لم تتحمل غيرته من جبران التي كانت تحرقه داخلياً، ورفض أن يأتي مع الجميع لصالونها يوم الثلاثاء، فخصصت له يوم الأحد. بشرقيته المرضية لم يفهم العقاد داخلها وخياراتها، لأن جبران العاشق لنساء كثيرات لم يكن بالنسبة لها أكثر من صديق يمكنها أن تتكئ عليه في محنها، وروحياً أيضاً، لقد كان امتداداً لوالدها، والدها وأمها. وكره أليس داغر، وهي أديبة وصحافية كان لها اسمها وقتها ومن عائلة ثقافية كبيرة. كانت على العكس من مي، حرة جداً، فقد خرجت من تجربة زواج قاسية. أحبته وأعطته كل ما اشتهاه فيها، لكنه لم يتحمل حريتها، فقد ظل محروقاً من علاقاتها مع أصدقائها. غيرته من محيطها كانت مدمرة، كان متملكاً أكثر منه محباً.

انصب النقد العربي على سلسلة من المغالطات لا تبررها رواية (سارة)، باعتبار البطلة هي مي، لكن القراءة الكاشفة تقودنا نحو أليس، فهي أقرب في حريتها إلى أليس منها إلى مي، بينما صفات هند تكاد تتطابق مع مي. جمعهما العقاد في نص واحد لا ليقول أدباً، ولكن ليصفّي حسابات تتبطنها الغيرة القاتلة، وحرية المرأة التي لم يستطع تحملها، سارة وهند. عناوين فصول سارة تبين هذه المفارقة: الشكوك، الرقابة، كيف الرقابة، مضحكات الرقابة، القطيعة، ومن هي، وجوه، كيف عرفها، أيام، لماذا هام بها، حبان، لماذا شك فيها، جلاء الحقيقة.

العقاد في النهاية لم يحب أليس، بل أحب نفسه فقط. أليس امرأة افترض العقاد أنها ستكون سهلة ورهْن نزعته الشرقية. بينما ظلت مي وفية لثقافة المجتمع الشرقي ولثقافة الأديرة، مع احتفاظها بحقها في الحرية كما عاشتها مع ابن عمها جوزيف، أو مع صديقتها المثلية حتى وهي في دير عينطورة. ولم يكن العقاد الشخص الذي رسمته عاشقاً. لم تستنجد به يوم انغلق أمامها كل شيء، ولكن بحبها الأول الذي قتلها، جوزيف زيادة. وظل العقاد حاقداً عليها بسبب غيرته وحميميتها اللغوية مع جبران. فتنكر لها، ولم يشارك في جنازتها، وإن رثاها بقصيدة عصماء، وكان من الذين اتهموها بالجنون. الغيرة العمياء قلبت الحب إلى كراهية. وكان أن انتقم منها شر انتقام، والتقى في ذلك مع سلامة موسى الذي لم يرحمها، فوصفها بعد موتها بأبشع الأوصاف، لدرجة أن قال إنها كانت تسير في الشوارع متسخة وتتبرز على نفسها، بينما وثائق مستشفى المعادي تقول إنها أخذت من بيتها واقتيدت إلى المستشفى وهي في كامل قواها العقلية.

لم يجد العقاد ما أراده في مي لفك عقده، في حين وجده جزئياً في امرأة أخرى كانت تحبه، أليس داغر. بمجرد ذبول علاقته بمي، ركض نحو أليس داغر التي كانت تعاني من خيبة زواجها الأول، ولكنه لم يتحمل ثقافتها ولا خياراتها ولا حتى حريتها كما فعل مع مي. فتركته وانسحبت نهائياً من حياته. رواية العقاد اليتيمة هي مرثية له ولأعماقه وخياراته ولشرق كان يتحول بعنف لم يتحمله العقاد، بل لم يفهمه.

العقّاد ضحية شرقيته… امتحان مي زيادة وأليس داغر؟

نوفمبر 26, 2018 اضف تعليق
 واسيني الأعرج 


العقاد كاتب كبير ملأ عصره وزمانه شعراً وفكراً وحضوراً، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون كاتباً إشكالياً، أي مثيراً لأسئلة كثيرة تستحق كل الاهتمام، ربما قتلتها سلطته الكبيرة في عصره، فلم تثر بالشكل الذي كان يجب أن تثار به، بالخصوص موضوع المرأة الذي وصل حد تأليهها ورفعها إلى المقامات العليا، ثم إنزالها إلى الحضيض لدرجة التماهي مع الشيطان. هذه الرؤية الديكوتومية المانيكية لم تنبع من فراغ، لهذا نظن أن الدراسات النفسية مفيدة ومهمة جداً في مثل هذه الحالات للكشف عن بعض خفايا الإنسان في مختلف وضعياته.

ليست لدى الإنسان ردود الفعل نفسها في الانتصار وفي الهزيمة أمام الحرية التي يريدها الجميع، لكن هل الجميع مستعد لدفع ثمنها القاسي؟ العقاد الذي كان يريد الحرية بقوة، وكانت سبباً في فراقه عن مي، كان يخاف في الوقت نفسه من الحرية المطلقة التي اختبرت بها أليس داغر أعماق الكاتب قبل أن تغادره. أين موقعه إذن؟ هل هو من المحافظين الذين يخافون من المجتمع ومن خسران الموقع الاجتماعي والسمعة؟ أية حرية كان العقاد يريد؟ حتى في شعره لم يغب عنه المفهوم الملتبس للحرية.

استعمل القصيدة الكلاسيكية ليقول عصره، يعني احترم نظام الكتابة العمودي المتسيّد شعرياً، ولم يخترقه، وحاول أن يقول عصره وداخله، ويلتقي في هذا بنازك التي حاولت أن تتجرأ على قداسة النظام قبل أن تعود له بعد أن كانت قد قيدت الحرية بنظام لا يخرج في الجوهر عن نظام التفعيلة. ويبدو واضحاً من خلال تجربته الحياتية أن العقاد لم يحسم قط علاقته بالحرية، فهو كأي رجل شرقي يريدها على مقاسه المشروط بسلسلة من القيم الثقافية المتحكمة، حرية نفعية لا يدفع فيها المتحرر أو الداعي للحرية أي ثمن. وربما كانت هذه سمة تحكم عصرنا أيضاً إلى حد بعيد. بينما ثمن الحرية غال جداً، بالخصوص بالنسبة لامرأة في ذلك العصر الذي لا يزال مستمراً فينا.

المرأة هي الضحية الأولى في مجتمعات الظلم. فهذه رواية العقاد الوحيدة (سارة) تشكل خزاناً فعلياً للعمل النفسي على العقاد. لماذا انتهى به المطاف إلى كره المرأتين اللتين أحبهما، في حين اختارتا الحرية بطريقتيهما، ووفق معطياتهما الثقافية وتاريخهما الشخصي؟ كره مي زيادة لأنها كانت تحبه، لكنها كانت تتمنع في علاقتها الجنسية. ويقول في إحدى رسائله كلما حاولت معها قالت أخاف. ممن؟ تنظر إلى السماء، من الله. لم تتحمل غيرته من جبران التي كانت تحرقه داخلياً، ورفض أن يأتي مع الجميع لصالونها يوم الثلاثاء، فخصصت له يوم الأحد. بشرقيته المرضية لم يفهم العقاد داخلها وخياراتها، لأن جبران العاشق لنساء كثيرات لم يكن بالنسبة لها أكثر من صديق يمكنها أن تتكئ عليه في محنها، وروحياً أيضاً، لقد كان امتداداً لوالدها، والدها وأمها. وكره أليس داغر، وهي أديبة وصحافية كان لها اسمها وقتها ومن عائلة ثقافية كبيرة. كانت على العكس من مي، حرة جداً، فقد خرجت من تجربة زواج قاسية. أحبته وأعطته كل ما اشتهاه فيها، لكنه لم يتحمل حريتها، فقد ظل محروقاً من علاقاتها مع أصدقائها. غيرته من محيطها كانت مدمرة، كان متملكاً أكثر منه محباً.

انصب النقد العربي على سلسلة من المغالطات لا تبررها رواية (سارة)، باعتبار البطلة هي مي، لكن القراءة الكاشفة تقودنا نحو أليس، فهي أقرب في حريتها إلى أليس منها إلى مي، بينما صفات هند تكاد تتطابق مع مي. جمعهما العقاد في نص واحد لا ليقول أدباً، ولكن ليصفّي حسابات تتبطنها الغيرة القاتلة، وحرية المرأة التي لم يستطع تحملها، سارة وهند. عناوين فصول سارة تبين هذه المفارقة: الشكوك، الرقابة، كيف الرقابة، مضحكات الرقابة، القطيعة، ومن هي، وجوه، كيف عرفها، أيام، لماذا هام بها، حبان، لماذا شك فيها، جلاء الحقيقة.

العقاد في النهاية لم يحب أليس، بل أحب نفسه فقط. أليس امرأة افترض العقاد أنها ستكون سهلة ورهْن نزعته الشرقية. بينما ظلت مي وفية لثقافة المجتمع الشرقي ولثقافة الأديرة، مع احتفاظها بحقها في الحرية كما عاشتها مع ابن عمها جوزيف، أو مع صديقتها المثلية حتى وهي في دير عينطورة. ولم يكن العقاد الشخص الذي رسمته عاشقاً. لم تستنجد به يوم انغلق أمامها كل شيء، ولكن بحبها الأول الذي قتلها، جوزيف زيادة. وظل العقاد حاقداً عليها بسبب غيرته وحميميتها اللغوية مع جبران. فتنكر لها، ولم يشارك في جنازتها، وإن رثاها بقصيدة عصماء، وكان من الذين اتهموها بالجنون. الغيرة العمياء قلبت الحب إلى كراهية. وكان أن انتقم منها شر انتقام، والتقى في ذلك مع سلامة موسى الذي لم يرحمها، فوصفها بعد موتها بأبشع الأوصاف، لدرجة أن قال إنها كانت تسير في الشوارع متسخة وتتبرز على نفسها، بينما وثائق مستشفى المعادي تقول إنها أخذت من بيتها واقتيدت إلى المستشفى وهي في كامل قواها العقلية.

لم يجد العقاد ما أراده في مي لفك عقده، في حين وجده جزئياً في امرأة أخرى كانت تحبه، أليس داغر. بمجرد ذبول علاقته بمي، ركض نحو أليس داغر التي كانت تعاني من خيبة زواجها الأول، ولكنه لم يتحمل ثقافتها ولا خياراتها ولا حتى حريتها كما فعل مع مي. فتركته وانسحبت نهائياً من حياته. رواية العقاد اليتيمة هي مرثية له ولأعماقه وخياراته ولشرق كان يتحول بعنف لم يتحمله العقاد، بل لم يفهمه.

«ذرُومُوس» معاذ الآلوسي: طائر الجمال الذي حلق بعيدا

نوفمبر 25, 2018 اضف تعليق
 
خالد مطلك
2018/11/25

لست بصدد تأكيد فرضية سابقة، بشأن علاقة العمارة بتلك القشرة المدنية التي تحركت عليها مدينة بغداد لبضعة عقود من الزمن، قبل أن تتهشم تدريجياً، وتتحول الى قرية كبيرة، تشظت بدورها إلى مجموعة من القرى البائسة. أقول قرية، ولا أقصد أي مقاربة مع طبيعة حياة الريف، المرتبطة بنمط معيشة الفلاحين، وإنما أرمي، إلى تلك الفوضى العمرانية، والسلوك الإجتماعي الهجين، الذي يمارسه قسم كبير من سكانها بعيداً عن أي إنضباط، تمليه صرامة الحياة في المدن.
قصة العمارة البغدادية، وبالمعنى الحداثي، هي تقريبا قصة تأسيس المملكة العراقية في مطلع عشرينيات القرن الماضي. ولفترة طويلة، بقي عصياً على فهمي، تفسير تلك العلاقة، التي ربطت الملك فيصل الأول، بوظيفة غريبة على الهيكيلية الحكومية التقليدية، هي وظيفة معمار الحكومة ( Architict Govrnment) والتي شغلها حتى تاريخ الغائها عام ١٩٤٠ المهندسون ميسون وكوبر وجاكسون ومساعده باكستر، وكلهم من الإنكليز، ثم آلت إلى معماري عراقي، هو أحمد مختار حسب الدكتور خالد السلطاني.
وضع (معمار الحكومة) المقترحات الأولى، لما بات يعرف بعمارة الحداثة العراقية، وأصبحت فيما بعد، بعهدة تلك النخبة من المعماريين العراقيين، الذين أنهوا دراستهم على دفعات في الغرب، وعادوا مدفوعين بحماس شبابهم وشباب الدولة الفتية، لأقتراح أساليب تصميمية حداثية، صارت الأدبيات المحلية، لا تتردد في نعتها ب (مدرسة بغداد للعمارة).
في واجهة هذه المدرسة، برز معماريان كبيران هما؛ محمد مكية ورفعة الجادرجي، الذين جاوز دورهما تصميم البنايات الحكومية والأهلية، إلى تأسيس أول قسم لدراسة العمارة، وتقديم جهد نظري بالغ الأهمية، في تأطير المنجز المعماري، بحاضنة معرفية ذات أسس واضحة، تستطيع الدفاع عن رؤيتها فلسفياً. وبذلك، أصبح لدينا تقليد محلي نادر على مستوى المنطقة، هو أن كتب العمارة البغدادية، تندرج في المتن الثقافي والمعرفي، إلى جانب التشكيل والمسرح وسائر المنتجات االجمالية، وإن كانت بدرجة أقل شعبية، لأن العمارة، ومنذ فتروفيوس هي هم نخبوي بالدرجة الأساس. من هنا يكون حضور معماري وناقد متميز، من مستوى خالد السلطاني، ليس أمراً غريباً وهو يتمتع بهذه الإستثنائية والفرادة.
إلى جانب مؤلفات السلطاني ومن قبله المشروع النظري للأستاذ الجادرجي، صدرت كتب وأطروحات مهمه، ولكنها ولاسباب عديدة، لم تشكل تراكماً واضحاً وإستمرارياً يخرج عن دائرة التخصص الأكاديمي، حتى ظهر كتاب نوستوس لمعاذ الألوسي، والذي أعقبه بكتابين آخرين، هما توبوس وذروموس (صدر مؤخراً) لينقلنا إلى حيز جديد تاريخياً ومفهومياً في تتبع مسيرة هذا الفن، وفي فترة ملتبسة سياسياً، هي فترة مابعد الجمهورية الأولى، وما تلاها من إرباكات وهزات مجتمعية، تراوح فيها الجهد العمراني والمعماري بين مستويات متذبذبة وقلقة. وجدت العمارة نفسها، تكافح من أجل الحفاظ على طابع المدنيّة الوليدة.
ففي كتبه الثلاثة، ينشغل معاذ الألوسي بـ(نمط عيش يسود فيه الجمال والإحساس الإنساني الرفيع). فالعمارة لديه، تعني تأسيس فضاء حميم للإنسان بالدرجة الأولى. وفي مناسبات سابقة، توقفت عند كتابيه الأوليين في قراءة إحتفالية الطابع، ومراجعات سعيدة بمنجز متميز، وأود التوقف هنا، بما يسمح به المجال، عند إنشغال آخر في كتابه الأخير، هو العلاقة مع " الإستشاري العراقي " وشخص مؤسسه رفعت الجادرجي، ذلك لان الكاتب خصه هذه المرة، باربعة فصول مستقلة من مؤلفه، بالإضافة إلى صفحات كاملة في مناسبات متفرقة.
* * *
في عالم الكتب التي تختص بفن العمارة، يتقدم الألوسي بأسلوب مميز بعيداً عن اللغة التخصصية بجهازها المفاهيمي المعقد، ليضعنا أمام عمارة حياة، ترسم وتصمم وتنفذ بأنفاس البشر الذين يصنعونها. فإلى جانب الشواخص الإنشائية، يتحرك الإنسان بنبله، وتلقائيته، وخياله، وغضبه، وآلية إنتاج أفكاره التصميمية، بالإضافة إلى رغباته الحياتية، وإقباله بشهوته العارمة لتكييف الواقع. نحن مع الألوسي بأزاء كتب في العمارة، يصعب تصنيفها وتجنيسها أدبيا وتقنياً، فهي تتحرك بلغة يومية رشيقة، صادمة ومشوقة، تسحبك إلى نهايات غير متوقعة، كما لو أنك تقرأ رواية تم بناء أحداثها وشخوصها، مثلما يجري تصميم بناية مختلفة ومشاكسة عند حافة نهر مضطرب. تتداخل فيها الحياة البغدادية بمباهجها وإحزانها وهمومها، مع ملذات وتطلعات أبطالها. وغير ذلك، فهي دراسة معرفية لطبيعة المكان، البيئة، المواد، والتراث، تجري تحت سطح مياهها قراءة إنثربولوجية، تمضي بشكل غير مفتعل، لتكشف عادات وتقاليد وأزياء ومطبخ ومراسم إحتفالات المجتمع، الذي تنشغل به فصول هذه الرواية.
مؤلفات الألوسي الثلاث، هي سيرة حياته منذ طفولته، بل منذ لحظة سقوط رأسه في كرخ بغداد، حتى لحظة تجوله بين منصة أنابيب، زرعت في مياه البحر الأبيض المتوسط قبالة شواطىء ليماسول، كواحدة من توقيعاته الإنشائية، لبناء حوض تربية أسماك في المياه العميقة. وبين تلك اللحظة وهذه اللحظة، هناك قصص، تنسرح متساوقة لتروي حكاية بغداد من مركزها مرة، ومرة من ضواحيها الشعبية الفقيرة، وتتوقف طويلاً عند " الإستشاري العراقي " ذلك المكتب ـ الأكاديمية، الذي أسسه رفعة الجادرجي، كمختبر يومي لحياة معمارية صاخبة، تناوبت على العمل فيه، اسمآء لامعة من أجيال وتخصصات مختلفة، لتشكل الحصة الأكبر من الرصيد الذي تفخر به بغداد من خلاصتها المعمارية. ولئن كان رفعة الجادرجي، قد أطلعنا بنفسه على بعض ملامح سيرته الشخصية، إنطلاقاً من صورة والده السياسي الوطني المعروف كامل الجادرجي في كتابه (صورة أب) ومن ثم رؤيته الفنية الجدلية في ( شارع طه و هامرسمث) و ( الأخيضر والقصر البلوري) ودراسته الإنثربولوجية في (مقام الجلوس في بيت عارف آغا) ، لكن كتب معاذ الألوسي، عملت على نحت تمثال حضور رفعة الإنساني، بطريقة تجعل منه شخصية مألوفة وحميمية، بعيدة عن المثالية التي يراه الآخرون فيها. فحديثه جاء عن معرفة عميقة، بمعلم وصديق وشريك ومنافس، وأخيرا كإنسان أكثر منه كرائد في مدرسة العمارة البغدادية، وأهم نجومها وألمع منظريها. وهذه الحال، تنطبق على أغلب رموز هذا المعترك الفني، الذين بث الألوسي في صورهم نوعاً من الحيوية، تدعنا نتعرف عليهم بعيداً عن حضورهم التقني والأكاديمي.
في مسيرة العمارة البغدادية، شكّل " الإستشاري العراقي " أكثر علاماتها نضجاً وحداثة ومهنية، وفيه تدرب خيرة معماري هذا البلد بعد مرحلة الرواد، وفي قاعاته وعلى مناضده، ظهرت مجموعة من أهم التصاميم لاجمل البنايات، التي أبدعها معماريون شباب، لديهم أحلام وطموحات شخصية، معجونة بحس إنتمآء عميق للمكان، وعرفان منقطع النظير لرفعة الجادرجي. وقصة معاذ الألوسي مع " الإستشاري العراقي " التي أمتدت لأكثر من (١٣) سنة موظفاً وشريكاً، هي قصة تبلور الحياة المدنية لبغداد، التي أدمنت شخصياً مراجعتها على ضوء بروجكتر العمارة، لأنني، ومثل الكثيرين من أبناء جيلي، أقترنت لديه الحداثة كمفهوم مع ثورة الشعر الحر، وتعلم تجييل الأدب على حقب تاريخية، أمد كل واحدة منها عقد من الزمن. متجاهلاً عن نقص في المعرفة، أن الشعر لا يمثل حداثة المجتمع، وإنما هو مجرد تبدل في الأمزجة الذوقية في الأدب، لا تمس جوهر الحياة اليومية للناس، كما هو حال الأبنية التي يعيشون بداخلها، أو تلك التي تفرض عليهم، نمطا سلوكيا من خلال تأثيرها المباشر والإرغامي إلى حد ما.
ومن خلال قراءتي المكثفة، لكل ما أنتجته أدبيات العمارة البغدادية، وبخاصة كتب الآلوسي الثلاثة، تيقنت أن مدنية بغداد، هي مقترح معماري بالدرجة الأساس، وأن معاذ الألوسي، هو أفضل من فسر لي، الترابط بين المنتج الفني والجمالي والوظيفي للعمارة، مع مجريات حياة الناس من مستهلكي هذه العمارة. وهذا، بالنسبة لي في الأقل، ليس بالأمر الهين، فقد وفر علي إجابة الكثير من الأسئلة، التي شغلتني في فهم المدينة التي ولدت فيها، وأحببتها مثلما يحب أي أنسان مسقط رأسه، وشوارع مراهقته وطفولته، خاصة بغياب الدراسات الإنثربولوجية، والسيوسيولوجية، وصناعة السينما، والدراما التلفزيونية غير المتكلفة.
* * *
(أنا غير ضليع بلغة الحكي، وكثيراً ما أتأتىء، وقليلاً ما أتحدث بلغتي المهنية، بمعنى الكلام والشرح، لأن هذه اللغة، حسب عاداتي وتكيفاتي، لا يتحدث بها بل تجسد بعمارة ذات انتساب واضح، فهي بنت بيئتها المحلية. وهذه كانت لغة رفعة الجادرجي ويموازاتها ظهرت لغتي .... معلذ الألوسي ـ ذروموس ٢٠١٨).
اتفق بنسبة ليست قليلة، مع هذا الإقتطاع من كتاب الألوسي الأخير، خاصة فيما يتعلق بلغته المختلفة عن لغة رفعة الجادرجي، فلغة معاذ هي أقرب إلى الفن الروائي كما اسلفت، بينما لغة الجادرجي، هي لغة تقنية بتأملات فلسفية، تنهل من معرفته الشخصية، وأيضاً من طروحات أخرى لمفكرين وفلاسفة في علم الجمال. ومع ذلك، لا يمكننا رسم حدود فاصلة، بين هذين المستويين من الخطاب. فكثيرا ما نعثر لدى الجادرجي، على سرد عاطفي، وحكايات تستمد جمالها من بلاغات غير أكاديمية. وفي نفس الوقت، فان معاذ الألوسي، يغادر في بعض الأوقات، لغته الحميمة ليخوض في اللغة المعمارية الصرف ببلاغة الفنان المفكر. تبقى لغة الأول، بتقنيتها الرفيعة مرجعاً في فن العمارة، سواء التجربة المحلية منها أو العالمية، وهي لا تقل أهمية عن طروحات فنتوري وجارلس جينكس في سبيل المثال، مع مراعاة فارق الموضوعات المتناولة لكل منهم. وشخصياً أعد مؤلفات الجادرجي، بخاصة في ( من شارع طه إلى هامر سمث) و ( حوار في بنيوية الفن والعمارة) أكثر عمقاً من فنتوري وجينكس. لكنني، وربما بسبب من خلفيتي الأدبية، أستمتع كثيراً في قراءة ثلاثية الألوسي، لانه، وكما وصفه أستاذه الجادرجي نفسه ( لمعاذ جاذبية في خلق الألفة والوئام مع حلقة العاملين معه. فاصبح المكتب لهذا السبب، ولاسباب أخرى، مركزاً للفعاليات في محتلف الممارسات .... ومعاذ ينشط بين ظهرانيهم يشجع هذا ويؤنب ذاك، كاللولب الدؤوب، يفرح مرة ويغضب أخرى أنساناً على الدوام).
معاذ الألوسي إنسان على الدوام، فهو عندما يؤلف كتباً عن العمارة، تتخذ هذه العمارة موقعها كخلفية لحركة الإنسان، الذي يتحدث عنه بلغة خاصة، تشبه طريقته في إنتاج التكوين المعماري، كما يصفه الجادرجي (يقوم بعجن التخطيطات الجامدة في الورقة الزرقاء عجناً بالتكوين، فتدب فيه رويدا رويدا تلك الروح المستقطرة من عصارة الشكل التجريدي. وهكذا يكتسب التكوين حياة).
هذه اللغة طورت جمالياتها من روح المعمار. بحنين طاغ، وعاطفة مترفعة، ودموع لها صوت خفي بين السطور، أنه لا يكتب مجده الشخصي، ولا يؤسس تاريخاً لمنجزه، على العكس تماماً، أنه يكتب عن ضياع الآمال، عن خديعة الآوهام، والأحلام، والتطلعات، التي كانت تسكنه في رؤية مدينته، وهي تنبثق عاصمة جميلة، تنافس برشاقتها عواصم الدنيا ( من المؤكد أننا كنا نحلم. لم نكن ندرك أن التخلف كان بنيوياً، مركباً ما بين التنظيم العشائري والنظام السياسي. ستظهر مجهوداتنا كأننا كنا نعيش في برج عاجي متوهمين).
اعتقد أن هذه العبارة تكررت نصاً، في كتابيه الثاني والثالث، ذلك أنها الحقيقة المؤلمة، التي تحركه بشأن مراجعة الماضي.
في "الإستشاري العراقي" الذي دخل إليه شاباً متحمساً، بعد أن عاد من المانيا وهي تنفض عنها غبار الحرب العالمية الثانية، متسلحاً بذلك الإنضباط المهني الصارم، حيث يُبذل جهد هندسي ليس بيسير، حفاظاً على كرامة طابوقة واحدة، ليجد استاذه يفكر على النحو الذي تعود عليه وتعلمه ( إن الكثير مما أعتقد به الأستاذ رفعة الجادرجي وتعلمته منه، يوازي ما تعلمته في تركيا من الأستاذ عبد الله گوران، السكولار الشهير).
هذا الإطراء المتبادل بين شخصيتين تتمتعان بثقلهما في ميدان العمارة، يعكس أخلاقيات نادرة، لم يخدشها الإفتراق الوظيفي، ولا يكدرها التنافس المهني، فشخصية الألوسي الذي عرفناه متمردا في (توبوس) وهو يتطلع إلى حريته الفردية، بعيداً عن سلطة العائلة الصغيرة، يكون ليس من المستغرب، أن نراه وهو ينشد حريته المهنية، بعيدا عن البيت الذي ساهم في نجاحه وتطوره (١٣) سنة من حياته. ليخوض مغامرته الشخصية، بعناد وصلابة وإعتداد بالنفس، جعل من سيرته الشخصية درساً، ومن سيرته المهنية مدرسة للشباب، الذين يحيطون به أينما حل، كما لو أن ثمانينه هي قمة عطائه وهو يفيض بهذه الحيوية والحضور الكاريزمي.
في تفاصيل كتابه الجديد، الذي هو كتاب تفاصيل بامتياز، تعيش قصة المدنية التي تحدثت عنها، حيث لحظة اصطدام المركز المدني مع الهامش المتريف، الذي بذل له الألوسي جهداً لا يقل أهمية، إن لم يكن أكثر، مما بذله للمركز. كان يدافع عن الجمال في التخوم، في الضواحي الفقيرة، وهو يجهد في العثور على حلول جذرية لمشكلاتها المستعصية، دون شعور طبقي متوحش، ولا ترفع مديني على الهامش، كانت المدينة بالنسبة له هي كل سكانها، الذين ولدوا فيها، وأولئك الذين دفعهم الفقر نحوها. وعندما ينهزم فأنه يلوم الحكومات والخطابات الثورية التي تتاجر بأوضاعهم.
في بغداد، عاش الألوسي في بيت يطل على نهر دجلة، لذلك فهو عندما يتحدث عن هذه المدينة، تتدفق لغته بإندفاع رشيق وإنسيابية لذيذة، كأنها بلا نهايات، وفي قبرص، يعيش الألوسي قبالة شاطىء المتوسط، لذلك تتحول لغته إلى تدافعات من الأمواج المضطربة، تتقدم نحوه بشراسة مثل آمال قديمة.
كان النهر يمضي من أمامه بهدوء، بينما يدفع البحر أمواجه نحو حافة قدميه. وبينهما يقف هذا الفنان ـ الإنسان كشاخص لذكرى مدينة أرهقها التعب.
كان كونديرا يقول أن "آنا كارنينا" انتحرت عندما وجدت الجمال يذوي أمامها، حين لاحقها القبح في عربة القطار، ويقول الألوسي لقد غادرت بلدي، حين رأيت الجمال يسحق ويتشوه. والجمال لديه هو غياب الحلم بمدينة عصرية متحضرة، من حقها أن يتطابق سحر آسمها مع واقعها. في (ذروموس) قصة هزيمة المدنية البغدادية المؤلمة، التي يرويها أكثر الناس صدقاً بشهادته.
http://alaalem.com/index.php?aa=news&id22=50673

فيروز في عيد ميلادها إستعادة ضرورية

نوفمبر 22, 2018 اضف تعليق
نصري حجاج

يمكن القول، بجرأة وبلا وجل، إن النكبة الفلسطينية ساهمت الى درجة عميقة في التأثير بولادة فيروز مطربةً لها كل صفات الملاك، كما عرّفته قواميس اللغات ومنعرجات الكتب المقدسة. في الخمسينيات من القرن الماضي، كانت خيم اللاجئين طازجةً في علاقتها مع الفضاء الأليم، وكان صوت فيروز، بأغانيها الحزينة، يتسلل من خيمة إلى خيمة، يهبط أحياناً، ويعلو أحايين، واللاجئون ملتصقون ببعضهم، على أرضٍ جديدة، يحملون ذكرياتهم عن أرضٍ لا يزال دمها حاراً في أجسادهم، يأخذهم صوت فيروز إلى ما يشبه وجعاً لذيذاً، حين تقفز الأشجار والساحات والخيول والأغنام والدجاجات والسهول التي تُركت في زمن الهزيمة والتشتت.
جاءني صوت فيروز أول مرة في أثناء ولادتي. هكذا قالت جدتي. ربما كانت تهذي في آخر أيامها، وربما كانت واهمةً، فلم يكن هناك من يمتلك راديو في عين الحلوة في السنوات الأولى للجوء.
أحبَّ العرب جميعاً فيروز، لكن الفلسطينيين أحبوها حباً امتزج فيه الحنين لبلادهم حين كانت ملكاً لهم ولأحلامهم الماضية والآتية. وأحب القرويون الفلسطينيون فيروز، كما لم يحبها أحد، فقد كانت تغني عن الضيعة وساحتها وعرزال الحقول والورد على الأسيجة، وعن المختار والصيادين في العشيات الهادئة. وكانت فيروز ابنة المختار التي يحلم بها كل شباب الضيعة التي امّحت من الوجود والفعل الكائن. ومن أكثر رغبةً من الفلسطينيين المشرّدين في مخيماتهم في استعادة ذلك الوجود والفعل الكائن بعد نكبتهم.
كنا نسمع فيروز في مراحل لاحقة على الخيمة، ونحن قابعون تحت بطانيات وكالة الغوث ترتجف أطرافنا برداً، وضجيج المطر على سقوف الزنك، يصّاعد مع الألحان، ليؤلف معزوفة جديدة تجعل ألم اللجوء خليطاً من البؤس والمتعة التي يستدرجها الصوت الملائكي الرحيم. ولم يكن ممكناً، في تلك السنوات التي كانت أم كلثوم مثلاً معشوقة العرب، أن تجد لها مكانة في قلوب اللاجئين القرويين، فأم كلثوم مطربة أهل المدن المستقرين في حياتهم، في منازلهم العامرة يمضون وقتهم مع أغانيها الطويلة عن الحب ولوعته. ظلت فيروز لنا ملاكاً محبطاً وحزيناً ورقيقاً وشفيف الروح، ابنة مختار الضيعة، ضيعتنا التي ضاعت، والتي حلمنا بها. كانت فيروز بلا جنس، حتى عندما احتار الفقهاء في جنس الملائكة، لم يلتفتوا إلى ذلك الملاك الذي أراد له عاصي الرحباني أن يكون ملاكاً، يترك الحيرة في العقول والأرواح. عندما رحل قدّم لها القدر الذي كان دائماً إلى جانبها زياد الرحباني الذي أنزلها نزولاً مستحباً إلى مكانة الأنثى في داخلها. قام في التجارب الأولى بتكريم عاصي، وكأنه قصد أن يكون ألبوم التكريم تنويعاً موسيقياً يأخذ من الذاكرة ما تختاره الذاكرة، وليس كل شيء في خزائنها. ثم بدأ يشتغل على صوتها، لينزع عنه صفة الملاك بلا جنس، ويدخله إلى عالم الصوت الأنثوي الناضج. أدخلها إلى موسيقى الجاز، إلى عالم النوادي الليلية والدخان والشراب، ولم تعد قادرة على الرجوع مع زياد إلى سطوح القرى وساحاتها، وضوء القمر الوديع مشعاً على الطرقات الترابية والليلك والسرو والزنزلخت والشربين، فالقرى، بعد كل الدماء التي فاضت في لبنان، لم تعد بريئة، ولم تعد مكاناً آمناً يحتضن الملائكة والقرويين البسطاء، وشفافية أرواحهم.
صارت فيروز مع زياد أنثى تغني وتضحك، وتسوق دلالاً يليق بالأنثى التي فيها، وهذا يُحسب لزياد الرحباني، فقد نجح، بحسب التحليل الفرويدي، بقتل الأب، وانتزاع الأم من سلطته الطاغية التي وضعتها في المكان الأثير لديه. ولم يعد اللاجئون الذين أحبوها كلّ هذا الحب، بعد أكثر من ستة عقود من ألم الحنين إلى قراهم، قادرين على البقاء في تلك الزاوية من الحنين الذي فتكت فيها الهزائم والانكسارات.
وعلى الرغم من هذا كله، لم يكن ممكناً لنا أن نتخيل عمرنا الشقي الذي أمضيناه مقتلعين من المكان، بلا فيروز. كأنها خلقت، كما شاء لنا عمرنا.

غييوم أبولينير الحاضر بعد قرنٍ على رحيله

نوفمبر 22, 2018 اضف تعليق
أنطوان جوكي



بصمتٍ مُعيب، حلّت هذا الشهر مئوية وفاة الشاعر الفرنسي الكبير، وأحد روّاد الحداثة الشعرية، غييوم أبولينير (1880 ـ 1918). صمتٌ لم تقطعه في فرنسا سوى بعض الإشارات القليلة هنا وهناك إلى حلول هذه المناسبة، على رغم قيام دار "غاليمار" الباريسية بإعادة نشر كامل أعماله الشعرية وجمعها في مجلّدٍ ضخم، وبإصدار أنطولوجيا مصوَّرة تتضمن خمسين قصيدة له تقابل كلّ منها لوحة أو رسم لأحد أصدقائه الفنانين الذين دعمهم في بداية مسيرتهم الفنية وكان خيرّ معرِّف بمسعى كلّ منهم.
لكن مَن يعرف أبولينر وإنجازاته يدرك أن هذا العملاق لا يحتاج إلى مثل هذه المناسبة كي يبقى فارضاً نفسه كعلامة فارقة ومنيرة في سماء الشعر الحديث. ولو أن لمَن غادر باكراً عالمنا القدرة على مراقبة ما يدور فيه، لما اكترث إطلاقاً لإهمال الوسط الشعري في وطنه حدث مرور قرنٍ على رحيله، وذلك لسبب بسيط: لم يحبّ أبولينير يوماً لا التواريخ ولا الرزنامات ولا المناسبات. فعلى مفكّراته مثلاً، لم يكن يدوّن واجباته الاجتماعية ومواعيده بقدر ما كان يخطّ، دون أي ترتيب، كلمات، نصوصاً، أفكاراً، خربشات قلبت مفهومنا للشعر وثوّرت كتابته. وحين مارس الصحافة والنقد لكسب قوته، تلاعب دائماً بالأحداث الراهنة التي قاربها عبر إسقاطها في زمنيات أخرى، زمنيات مخيّلته وانفعالاته.
وهذا ما يفسّر من دون شكّ افتتانه بالأساطير والميثات أكثر منه بالتاريخ. ومع أن انخراطه في الحرب العالمية الأولى كجندي جاء استجابةً إلى الإيعازات التي أملتها عليه حقبته، لكن على القتال والمآثر الحربية كان يفضّل الوشاح الزهري للغيوم العابرة، خَبَبَ جواده، دروب أحلامه وقوسَ مذنّبٍ في سماءٍ منجّمة. وداخل أتون الحرب، لم يترقّب سوى السلام، منتظراً ذلك الموعد المشوِّق مع نفسه الذي سمّاه صديقه، الفنان السورّيالي أندريه ماسون، "ساعة أبولينير".
صحيحٌ أن كل واحدة من قصائده تشكّل ـ باعترافه ـ احتفاءً بلحظة من لحظات حياته، لكن هذه النصوص الجوهرية لم تأخذ يوماً شكل حَوْليّات أو شهادات. فتلك التي نقرأها في ديوانه الأشهر والأهم، "كحول" (1913)، ألّفها كأصداء وتداعيات وخطوط فرار. وتلك التي يتألّف منها ديوانه الآخر، "كاليغرامات" (1918)، وإن شكّل تسلسُلُ الأحداث الشخصية والجماعية بوصلتها، تبقى تواريخها خاطئة على رزنامة الأيام وصحيحة على رزنامة حياته الشعرية. وحتى في جحيم المعارك أو في غرفة المستشفى، بعد إصابته الخطيرة بشظية في رأسه، فرض الشاعر على الزمن قياس أبياته، إيقاع خطاه وفضائل نشيده، فدعى ماضيه "أسفاً"، "ندماً"، "ذكرى"، ومستقبله "غداً"، "ربيعاً"، "لغزاً من زهور"، وحوّل حاضره إلى "حكاية"، إلى "انتظار"، إلى "نهرٍ وتلّ"، وترك نبضَ شعره يطغى ـ برهبةٍ ـ على كل شيء.
صحيحٌ أيضاً أن ثالوث الحداثة الشعرية (بودلير ومالارميه ورامبو) سعى قبله إلى تجديد القصيدة، شكلاً ومضموناً، لكن التحديث الذي أجراه أبولينير عليها في مطلع القرن العشرين هو الذي مهّد براديكاليته القصوى إلى انبثاق مختلف الحركات الطليعية (التكعيبية، الدادائية، المستقبلية، السورّيالية...)، وأدّى إلى تفجير الحدود التي كانت تفصل الفنون عن بعضها بعضاً. وما ساعده على تأدية هذا الدور المحوري والمرجعي هو كرهه للعادات والمسارات المطروقة، بما في ذلك تلك التي فتحها وطرقها بنفسه، ولم يتوان عن الهزء منها بتلك الضحكة المدوية التي تخرج من أفواه القلِقين العِظام.
لكن هاجس الحداثة الذي تسلّط على أبولينير لا يعني أنه احتقر التقليد ومكتسباته. ومن هذا المنطلق، تناول في بعض قصائده موضوعات ثابتة في تاريخ الشعر، كالعبور السريع للزمن أو حزن الخريف أو كآبة العزلة بين الجموع. لكن في كل واحدة من هذه القصائد، تحضر صورةٌ صاعقة، بشحنتها الساخرة وغرابتها، تزلزل النمطية أو الابتذال، فيصبح القلب مثلاً "قفا امرأة دمشقية"، أو يحضر القمر "مقلياً مثل بيضة في صحن". وحين عبّر عن ألمٍ من حبٍّ ضائع ـ وما أكثر قصص الحب الفاشلة التي اختبرها! ـ ثمّة دائماً كِسْرٌ أو دوّارٌ يزعزع نغم أنشودته ويمنحها نبرةً جديدة وغير مألوفة. بعبارةٍ أخرى، ما أن كان يضبط محرّكات غنائيته، حتى يعمد إلى هدم أساساتها. هكذا نتلقى نصّ "نهار الاثنين في شارع كريستين" الذي كتبه بعد نشوة "ليلة على ضفة نهر الرين" و"أبواق الصيد"، وهو عبارة عن رهان على قصيدة مجرّدة من الشعر والجمال، على عملٍ فنّي "لا يمتّ إلى الفن بصلة"، كما كان يمكن أن يقول صديقه مارسيل دوشان.
باختصار، كان أبولينير دائماً مختلفاً، دائماً متعدداً ودائم الحركة. وهكذا كان شعره. قادرٌ على توسيع أيّ أفق، على عبور أي حدود، وعلى تحويل أي طريق عن وجهتها، فاتحاً فضاءات شاسعة تلمع العتمة داخلها. فضاءاتُ أصواتٍ وصورٍ جريئة مدوّخة وملتبَسة، تأسرنا، وفي الوقت نفسه، تفلت منّا، وتتجسّد في كلمات موزونة موسيقياً، حين لا تتجسّد في قصائد مرسومة أو تصويرية (كاليغرامات)، لدى التحام قريحة الشاعر بقريحة الرسّام.
ولا عجب في ذلك، بما أن عَيْنيّ أبولينير المفتوحتين "مثل زهور تريد دائماً تأمّل الشمس"، اعتادتا استقصاء الهوّة وألوان الزمن النيّرة والقاتمة. فمن جهة، لدينا السحر السامّ لنظرته الملعونة، ومن جهة أخرى، لدينا رؤاه المرعبة التي تقترب من رؤى العرّاف تيريزياس والشاعر هوميروس. وبين هذين الضريرَين البصيرَين، لطالما تخيّل نفسه كما يشاء، فانزلق تارةً تحت جلد أورفيوس، وتارةً تحت جلد جانوس، وتارةً تحت جلد إيكار... محافظاً على حالة تقلّبٍ دائم تحول دون إمكانية الإمساك به في مكانٍ ما أو تحت صفة محدَّدة، وتجعله بالتالي عصيّاً على أي تصنيف.
ولأن الكلام عن أبولينير، مهما طال وجهد، يبقى ما دون عبقريته، نختمه هنا بالإشارة إلى أهمية الأنطولوجيا الصادرة حديثاً له بعنوان "كل شيء، بشدّة"، وهي عبارة مستقاة من قصيدته التصويرية "الجواد"، وتشكّل بذاتها مشروعاً شعرياً كاملاً وبرنامج حياة. أهمية لا تكمن فقط في المختارات التي تتألف هذه الأنطولوجيا منها وتختصر على أفضل وجه تجربة الشاعر الحداثية، أو في الأعمال الفنية التي تجاورها وتستحضر علاقاته الحميمة بالفنون الأخرى وأبرز وجوهها الحداثية، وبالتالي نشاطه كناقد فني ورسّام معاً، بل خصوصاً في الحوار الخصب الذي نستشفّه بين هذه الأعمال ونصوصه. فسواء تعلّق الأمر بمخلوقات أسطورية أو ملتبَسة لبيكاسو، أو بمناظر يصعب تقويمها لهنري روسو، أو بفضاءات ميتافيزيقية صامتة لجورجيو دو كيريكو، أو بهندسات منيرة لروبير دولوناي، أو ببرقشات لمارك شاغال... تتكلّم جميع هذه اللوحات لغة واحدة، لغة أبولينير، لغة الرغبة والقلق التي تُنشَد دائماً بصيغة الحاضر.

أنا، وفيروز، وتعا ولا تجي

نوفمبر 21, 2018 اضف تعليق

عبد العظيم فنجان
يسأل كثير من القراء عن تلك المرأة الملهمة التي تقف وراء قصائد الحب التي أكتبها، فأتلعثم لأن الموضوع يصعب شرحه، لكنني في المقال أدناه الذي كتبته قبل سنوات حاولتُ أن أعطي الشيء الأهم من الجواب، وها أنا أعيدُ نشره، بعد تحريره وتنقيته مما لا يخص سؤال الكتابة، راجيا أن يكون التعامل معه كنص أدبي ينطوي على الكثير من الخيال العراقي المخضب بالدموع وبالشجن! 

1

كم حاولت أن أمسك بتلك اللحظة الأولى التي سمعت بها فيروز، وأنا أحبو في عالم الكتابة والحب والشعر: عبثا حاولت. إنها بلا شك لحظة خاصة وجوهرية في حياتي، فليس ثمة يوم - على ما أحسب - إلا وكانت أغنيتها تشق طريقها إلى وجداني وروحي: تغسلني بحنينها وصوتها ومعانيها، فأعود جديدا، مقبلا على الحياة بكل ما فيها من طاعون بشري قاتل، بكل ما في الأرواح بطيئة الفهم من حقد وتفاهة: كل شيء مع فيروز يصبح مستساغا، حتى وأنا أصافح يد مَـن لا يودني..
كم من الضروري أن أمسك بتلك اللحظة البكر التي اكتشفت فيها نفسي عاشقا لفيروز، منذ أول أغنية: إنها أختي التي تصفّف لي شَعري قبل أن أذهب إلى المدرسة: مدرستنا الابتدائية في باب الشطرة، أيام كان العالم أكثر براءة من الآن، وأيام كنت واقعا في غرام صبية تكبرني بسنة اسمها: نجمة.

كانت هناك مفارقة غريبة في البيت: بيتنا، ففيما كان أشقائي الأكبر يعشقون صوت أم كلثوم، كنت أنا مغرما بفيروز: والدي الرجل الريفي كان ينظر إلي بتقطيبة حزينة، وهو شبه يائس في أن أكون ولدا صالحا، فهو يريدني طبيبا وأنا أريد أن أكون شاعرا، ولذلك كان يمنعني من كل شيء يحول بيني وبين حلمه الذي لم أحققه له إلا بمفارقة لا دخل لي فيها، بقدر ما كان للآيديولوجيا، والصراع بين الحزبين البعث والشيوعي دخل بها، لكن تلك قصة أخرى..
أجل، ربما كانت الرسائل بيني وبين محبوبتي الأولى “نجمة“ سببا في ترسيخ فيروز في ذاكرتي، ومن ثم تحولها إلى حلم خاص: هو حلم المرأة المستحيلة، والدة العصور، والتي من شدوها تولد العصافير والغيوم الماطرة بالفرح، وقصائد الحب التي أكتبها: 

2

كانت رسائلي الغرامية إلى “نجمة“ تحمل في سطورها أغاني فيروز التي التقطها خلسة من مذياع مقهى أبي، في الفجر، عندما كان يصطحبنى في البرد المرير، إلى حيث المتعة التي اشتاق إليها كل يوم، حتى الآن، وأنا على أعتاب عمر لم تبق فيه إلا الذكريات عزاءً، إزاء السخام الأسود الذي يلف الأغنية والشعر والصداقة والحب، من كل جانب.
حسنا. 
لقد أخفقتُ، بعد محاولات عديدة، أن استرد تلك اللحظة البكر، لكني لم أخفق في اصطياد ذكرى تلك الصديقة التي تبين لي - بعد أن فارقتها - بأني كنت أحبها إلى حد الجنون، ولكنه حب أسطوري، لا يمكن إلا تغذيته بالشعر ليدوم، وأنا في كل قصيدة أشبعه بعثا وألقا، حتى وإن كان موضوع قصيدتي يسير في اتجاه آخر.
سأختار اسما مستعارا لها. سأقول إنها: “مناهل“ وقد كان سبب تعرفي بها هو فيروز لا غير: حبنا لهذه الملائكية القلب كان هو السبب في أن نكون أصدقاء: ولكن ذلك لم يجذبني إليها في الأول، كما أنها لم تنجذب لي بداية إلا لكوننا كنا زملاء في مرحلة جامعية واحدة: الشيء اللافت فيها كان سعة عينيها بشكل لا يصدق، مع حاجبين كثيفين، ولون حنطي يشع من عينيها إذا وقفت قبالة الشمس، أما الشيء اللافت فيَّ - بنظرها - فهو عصياني الدائم ولا أباليتي في الدوام: لا أتذكر أنى حضرت بشكل كامل دروس يوم واحد: كنت أجلس في نادي الجامعة، وحولي شلة من العصاة أمثالي، التي تضم ذكورا وإناثا، وكانت مراسم تلك الجلسات الضالة تبدأ بالنكات وتنتهي بالمواعيد الغرامية، عداي أنا الذي كنت مخلصا إلى امرأة لم أرها إلا في حلمي، وتلك أسطورة أخرى، سيأتي ذكرها في رواية “صانع الأحلام“ لكن ذلك لم يمنع من أن أكون لصيق بعض الحبيبات اللواتي يعشقن لهجتي الريفية، وحبي اللامعقول لفيروز، الذي سرعان ما غزا “مناهل”، فبدأت شيئا فشيئا تقترب من “شلتنا“ ومن ثم تصطفيني من دون الباقين، لأكون صديقها الخاص، الذي تصطحبه في جولات فاتنة مع أغاني فيروز، إذ كان صوتها يحمل تلك البحة الذهبية، عندما تغني:

“تع ولا تجي .. وأكذب عليه

الكذب مش خطيه

أوعدني انو راح تجي

وتعال... ولا تجي“

كنـــــت أرى دموعها تطفر من عــــينيها وهي تـــــغني، فــــأســـــألــــها عن صــاحب النـــصيب الذي مزق قــــلبها، إلا أنها كانت تكنس سؤالي بضحكة استفزازية، تجعلني في حيرة من أمري: “هل تعرف بأني صابئية؟“ تقول ذلك، ومن ثم تطلق عنان صوتها

“ يا حلو شو بخاف إني أسألك..

قدش وكم بتحبتي

قد البحر قد الدني“

تتوقف لحظة عن الغناء، ثم تسألني: “وأين هو هذا.. الحلو؟“ فأصيح بها مازحا: “ألا ترين الدنيا.. إنها مليئة بالحلوين “فتنظر لي بجدية: “أنا أريد واحدا.. مثلك“ فتفحمني: “لكن يا مناهل..“ تضحك: “أنا صابئية.. لا أنفعك“ ثم تعقب:

“قدش كان في ناس

ع المفرق تنطر ناس

وتشتي الدني

ويحملوا شمسية

وانه بأيام الصحو ما حدا نطرني“

غارقا كنت بصوتها.. لكنني كنت “أعور“ حسب تعبيرها عندما تريد أن تسخر مني، سيما عندما أشرح لها حبي لامرأة لم أرها قط في حياتي، فتقول: “الحب ليس أعمى عندك.. إن حبك أعور“ ثم تطلب مني سيجارة: “هنا في النادي؟“ أصيح بها مستنكرا ، فتومئ برأسها نحو ممر بعيد أطلقنا عليه شارع العشاق، وهناك، بعيدا عن أعين الرقباء، تفتح شهيتها للتدخين، ومن خلال الدخان المتصاعد كنت أرى روحها تحلق بعيدا بعيدا، ولم يفتني بعد عشرين عاما أو أكثر أن استخدم هذه الصورة، لأجعلها عنوانا لقصيدتي المعروفة: “سلة الرحيق“ فقد كان وجه “مناهل“ هو المرسوم على أحد جوانب حافلة، رأيتها في مدينة إسلام آباد: انبعث هناك من لجة الغيب لاستعيد من جديد حضورها وبكثافة، بعد يأس وقنوط شديدين، ولقد كان ذلك الحضور مدعاة لمواصلة رحلة الإبحار عميقا في فيروز، عندما صدحت أغنيتها “لا انته حبيبي ولا ربينا سوى“ بصوت مطرب تركي، حافظ على اللحن لكن الكلمات كانت بالتركية: يومها كنت ضيفا على شاب عراقي مقيم في اسطنبول، وكانت مناهل - المقيمة في أحد الدول الاسكندنافية - حاضرة بروحها تلك الليلة، مع عرق الهبهب العراقي، الذي لا أعرف من أين جلبه مضيفي..
غنينا تلك الليلة أغاني أعادتنا جددا، وفي الصباحات، طوال طريق العودة، من جبل إلى آخر، وصولا إلى زاخو كانت “مناهل” وفيروز في حقل مخيلتي، مثل زهرتين أتنشقهما غير عابئ بما قد يحصل لي، لو أمسكت بي سيطرات جندرمة الجيش التركي، وأنا استعيد، بين مرة ومرة، قفشات “مناهل“ ونكاتها التي تصنعها بي، في أحلك الظروف، فمما آلت إليه الأمور، نتيجة عدم انتظامي في الدوام، أن أكون من أشهر كسالى الجامعة، ولم يكن أمامي طريق للنجاح غير الغش، ولكن بطريقة لم يفكر بها حتى الشيطان نفسه، إذ عمدت “مناهل” إلى كتابة المواد المحتمل مجيئها في الأسئلة الامتحانية، أقول: عمدت إلى كتابة نلك المواد على فخذيها، وقد ارتدت تنورة سوداء طويلة: هكذا كانت عبقريتها الشعرية قد تجلت بشكل واضح، فهي ترفع أطراف تنورتها إلى الجواب المطلوب، فالتهب من حرارة ساقيها، وأتلعثم أكثر: ليتها لم تفعل ذلك، أقول لنفسي، فهل أنظر إلى ساقيها أم إلى الأجوبة؟
عندما ظهرت نتائج أول امتحان وقد كنت راسبا فيه، حدست ما الذي حصل لي فقالت: “في التجربة التالية سارتدي جوربا يقيك حرارة ساقي، أيها السافل"، وهنا كانت المصيبة الحقيقية، فيوم الامتحان كنت قد أقسمت بأعظم الأديان والمقدسات أن لا أمس ساقيها بنظرة سوء، إلا أن مفاجأة أخرى كانت بانتظاري، فبعد توزيع الأسئلة، رفعت "مناهل" تنورتها، وظهر لي ما كتبته: تخيلوا ماذا كان مكتوبا؟.. ببساطة: كانت تلك الشقية التي لن أنساها ما حييت، قد كتبت على فخذيها جميع أغاني شريط جديد لفيروز عنوانه: "حديث أيلول": لم أستطع أن أكتم تأوهاتي، سيما في المقطع الفيروزي، الذي يقول:

“إذا رجعت بجن.. وإن تركتك بشقه

لا قدراني فل.. ولا قدراني أبقى..

وشو بكره حياتي لما شوفه عندك

يا بتحرمني منها.. يا بسرقها سرقه

وشو قالوا عنك يا عمر حلو وما ذقتك

باريت..“.

3

“حديث أيلول“ كان شريطا لافتا في كلماته، التي كتبها الشاعر جوزيف حرب، وأحسب أن أغانيه هي الأقرب دائما إلى نفسي، فقد اقترن ظهوره زمنيا مع حدث سياسي خرّب بهجتنا، نحن العراقيون، حين اشتدت قبضة البعث تماما حول أعناقنا، فبدأت تضرب كل الحركات الوطنية في العراق، ابتداء بالحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامية، مرورا بالحركة الكردية: 

هكذا كان هذا الشريط عزاء لي ولقلة من الأصدقاء، الذين هجروا معاهدهم وكلياتهم، وانحدروا إلى الشوارع الخلفية باحثين عن ملاذات آمنة، وفي جيوبهم “أمنا فيروز“ - التعبير للشاعرة منى كريم - هذه الأم التي كانت مناهل تذوب فيها كليا، سيما عندما تنسل من دموعنا وقلقنا لفتة فيروزية فاتنة:

“لو بقدر لفتش عليك ولا ألاقيك

الكذبي، الغيم المارق والمنفى اسميك..

اعطني اهرب واقلك .. ساعدني انساك

اتركني شوف الأشياء ومتذكرني فيك“

وكنا - أنا وهي - ننخرط ببكاء مجنون، سيما وقد ضاق العالم كله، فصرنا لا نلتقي إلا صدفة، وفي أماكن غير متوقعة، لكن.. كان أغرب ما في علاقتنا تلك هو أننا لم نقل لأحدنا الآخر أننا نعشق بعضينا: 

إنني الآن بعد أكثر من ربع قرن أتساءل عن معنى ما كان بيننا: هل هو الحب، أم هو شغفنا بأشياء مشتركة، تتمحور كلها في فيروز؟

كانت مناهل كانت تحب من فيروز كل أغانيها، ولكنها دائما تبدأ وصلتها بالغناء بأغنية:

“تع ولا تجي“ ومن بعدها ينحدر نهر الأشواق والطفولة والحنين، دافئا في تلك الممرات الخالية من المارة، سيما ساعة سقوط المطر، لكنني كنت لاهيا عنها، عن مناهل، ليس لأني ضمنتها كحصة من حصص الحب، لا.. وإنما لأنها أصبحت مثل ثيابي: صنوي: أختي وصديقتي وأمي وصديقي وعشيقتي وكل شيء.. إلا حبيبتي، وتلك معضلة لم أستطع تفسيرها لحد اللحظة: كنت آخذ مصروفي من حقيبتها، وأكلفها بنسخ المحاضرات، وأحيانا بالدوام مكاني، على الكرسي الذي يحمل رقمي، وكانت مطواعة بشكل غريب: هل لأنها كانت كذلك، لم أركع أمامها، كما ركعت من بعدها أمام قلوب من حجر، وأعلنت حبي؟ لا أعرف:

“بحبك ما بعرف 

من يومها صار القمر..“.

وأقطع عليها الأغنية صائحا: “أعور“ فترميني بأي شيء تحمله يداها ساعتذاك، مغنية:

“يبقه حنا السكران..

على بيبان النسيان /

يغني وتمرق بنت الجيران“:
نعم كنت حنا السكران المغرم بالخمور والغناء الفيروزي، وهو لقب ظل أصحابي القدامى ينادونني فيه حتى هذه الساعة.. ومع ذلك فإن حنا السكران الذي كنته لم يقل لبنت الجيران “مناهل” أنه يحبها، ولا هي قالت له.. آه.. ماذا كنا ننتظر؟
لا أدري.. ربما كنا ننتظر تلك الساعة من ذلك اليوم الصيفي، عندما وصلت ظهرا إلى الجامعة، ضاربا الدوام الصباحي، فوجدت من يبحث عني من “الشلة“: “أينك.. عبدو.. الدنيا مخبوصة عليك؟“ صاح بي، فضحكت: “ومن يسأل عني، أنا ابن الخائبة؟“ قلت له، غير مبال بالمفاجئة التي تنتظرني، فقال: “مناهل من الصباح، وهي تسأل عنك، وتبكي“.
بسيطة: قلت مع نفسي، إنها في حالة من حالات القرف التي تشعر بها من اللجان الاتحادية التي تلاحقنا كي نكون بعثيين بالإكراه، ولكني حين التقيتها، حدست أن أمراً خطيرا قد وقع، ومع ذلك تظاهرت بالمرح: “أغني لكِ؟“ قلت لها، واسترسلت:
“وحدن بيبقو مثل زهر البيلسان..
وحدهن..“
لكنها لم تستجب، أو في الحقيقة أن الاحمرار الذي كسا عينيها كان مثل موسى بدأ يجرح حنجرتي ويقطعها: “ما بالك مناهل؟“
سنوات وسنوات وسنوات يامناهل مرت، ولم أنس تلك اللحظة الحزينة والقاتلة في عمري كله، حين قلت، ونحن نمشي في شارع العشاق الخلفي على انفراد: “اسمع عبدو.. أنا تبعية إيرانية، ومن المفروض أن تقوم الحكومة بتسفيرنا يوم غد أو بعده. لقد أبلغوا أبي، وسوف يأخذوننا إلى الحدود العراقية الإيرانية، ويرموننا هناك، كالكلاب..".

“صعقني ما قلتِ، لكني أعرف ألاعيبك، فقلت مستنكرا: “ لكنكِ، ذات يوم، أخبرتني أنك صابئية“ فابتسمت بحزن: “تبقى ذلك الأعور دائما.. يا أخي كنت أمزح معك ساعتها“ فتأففت، متسائلا: “وما الحل؟“ فأجبتني: “اسألني أولا هل تريدين البقاء في العراق أم لا؟“ قلت: “أنا أريدك في العراق معي، فالعراق من دونك يعني لا حنا السكران ولا فيروز“ ضحكتِ: “اسمع هناك حل واحد“: فصحت: “ما هو؟“ أجبت فورا من دون تردد: “أن تتزوجني“
يا إلهي: أنا أتزوج؟
ولكن من أجل مناهل.. ربما أستطيع ذلك، فقلت: “بسيطة أنا موافق.. ولكن كيف؟ “فقالت: غدا نذهب إلى المحكمة ونجري معاملة عقد الزواج على بعضينا، لكننا نحتاج إلى شاهدين“: “شاهدان فقط؟.. تعالي “وفي طريق العودة رأيتها تمسح دموعها، ففكرت لأول مرة في حياتي أن أقبّلها.. لكني تراجعت: “هل أقبّل مناهل؟“ تساءلت مع نفسي: “مناهل هذه المقدسة.. تحتاج أكثر من أن أقبّلها..”، ولكن وصولنا إلى النادي قطع عليَّ تلك الأسئلة، فأخبرت الشلة بمشروعنا وبالمشكلة، فتطوع الجميع أن يكونوا شهودا، وهكذا.. عاد المرح، وعندئذ غنت مناهل، وغنت وغنت..
حتى انتهى الدوام فشيعتها إلى السيارة التي تقلها إلى أهلها - لماذا لم أصعد معها، يا إلهي؟ وقبل وصولنا إليها ترنمتْ بحزن غريب:

“أوعدني انو راح تجي..
وتع، ولا تجي“
ثم تحركت السيارة مع قبلات هوائية وتلويحات حنونة.. كان الموعد: موعد عقد قراننا في المحكمة، في الساعة التاسعة صباحا، وكان الشاهدان معي في القسم الداخلي: سكرنا تلك الليلة، وكانت فيروز هي أم الحفلة، حتى انبلج الفجر، فلم نسترح إلا لساعات، وفي اليوم التالي كنا أمام باب المحكمة في الساعة الثامنة والنصف تماما:
ومر الوقت..

سنوات كثيرة أحتاج لأن أفسر لِمَ غنيت في آخر دقيقة: “تع ولا تجي“ لأنك لم تجيئي ذلك الصباح، ولا الذي بعده، ومن ثم جاء مَن يخبرني أن الحكومة، في نفس ذلك المساء الذي ذهبت به فرحة بقبولي الزواج منك، رمتْ بكِ أنتِ وكل عائلتك في حوض شاحنة كبيرة، وقطعت بكم الليل إلى الحدود الإيرانية، تاركة أغنيتك في ممرات راسي تدور وتدور، وهي ترسخني يوما بعد آخر كـ:

“حنا السكران ملقي وعلى الحيطان /

عم بيصور بنت الجيران“

فيما مع كل صباح تصدح فيه فيروز بأغنية:

“ تع ولا تجي.. واكذب علي /

الكذب مش خطية /

اوعدني انو راح تجي /

وتع ولا تجي“

اكتشف نفسي عاشقا، يطاردك من أغنية إلى أغنية، ببركة أمنا الكبيرة فيروز.

دروس المعلم لويس عوض

نوفمبر 20, 2018 اضف تعليق

عواد ناصر

في روايته الوحيدة "العنقاء" أو "تاريخ حسن مفتاح" يدخل لويس عوض (1915-1990) المنطقة شبه المحرمة التي يشتغل فيها الشيوعيون العرب، منطلقاً من التجربة المصرية حيث كتب روايته تلك منتصف الستينات عما جرى عقب الحرب العالمية الثانية وتداعياتها على مصر وعموم المنطقة العربية. 

.. مرت الرواية على الكثير من أصدقائه وزملائه مستأنساً بآرائهم قبل نشرها، فانقسموا إلى أكثر من فريق بين مؤيد لنشرها ومعترض، بمن فيهم طه حسين الذي بقيت في أدراجه سنوات ثم متعللاً بأنه لم يجد الوقت لقراءتها!

الرواية، كما ذهب أحمد حمروش، وهو أحد قرائها قبل النشر، تمثل روايتين في رواية، فالمقدمة التي كتبها عوض لروايته بمثابة رواية تمهيدية، وهي مقدمة (أكثر من ثلاثين صفحة) ترسم خارطة مصر السياسية، خلفية لأحداث الرواية وحركتها الدرامية.
الدرس الأول: تلخصه الثيمة الأرأس في فكر عوض وهو ضد العنف: عنف السلطة ضد خصومها من الأحزاب والشخصيات المعارضة، من جهة، وعنف هذه الأحزاب والشخصيات ضد بعضها بعضاً، من جهة ثانية. 

الدرس الثاني: روح التسامح والرحمة والمهنية وخيال الفنان، إذ اجتمعت في روح هذا المعلم ووعيه تسامح النصراني ورحمة الإنسان ومهنية الأكاديمي المربي وتقنية الفنان، عند الكتابة عن الحرية الداخلية للفرد ورصده وحيداً وهو في عتمته الشخصية.
الدرس الثالث: شجاعة الشخصية الديمقراطية التي تماست مع الحركة اليسارية، بطبعتها المصرية الملتبسة، وتشظيها وانقساماتها، فرصدها عوض بعقلية الديمقراطي المحب والمحترِم للتجربة على صعيدها العملي والنظري، ونقدها بشعور المخلص والحريص.
الدرس الرابع: شدد المؤلف على موضوعة تمصير الفكرة اليسارية وجعلها في خدمة الواقع وليس لي عنق الواقع، بل جسمه كله، ليوافق الفكرة، كالأحذية الصينية.
يبدو لي أن السوڤييت، الذين ضمّنوا جملة غوته: "النظرية رمادية، يا صديقي، بينما شجرة الحياة خضراء" في كراريسهم الماركسية التي ترجموها لرفاقهم العرب، ندموا كثيراً بعد ذلك، لأنهم، لا غيرهم، من ورطوا رفاقهم العرب بمعضلة الخيانة والتحريفية التي وسموا بها كل من انتقد واختلف واجتهد وناقش، بغض النظر عن مدى إخلاصه للفكرة المقدسة.
لم تأت الشوارع العامة لأقدام الناس بل إن إقدام الناس، عبر التاريخ والجغرافيا، هي التي تذهب إلى الشوارع العامة.
يجادل عوض في أمرين، بين أمور أخرى، الجبر (=الحتمية) ودكتاتورية البروليتاريا ليخلص أن الجبرية نوع من الجمهوريات الفاضلة من الإغريقي أرسطو حتى البريطاني توماس مور، وما دكتاتورية البروليتاريا سوى دكتاتورية تسلب بقية الطبقات حقها في التعبير وحرية الفكر حتى لو شكلت 90% من فئات المجتمع، فثمة 10% مسلوبة الحقوق.
اختلفنا أو اتفقنا، فالرجل جريء حتى في ارتكاب الأخطاء، إن كان ثمة أخطاء.
الدرس الرابع: لم يكن "حسن مفتاح" وهو بطل الرواية سوى بطل من ذلك الزمان، وهذا الزمان أيضاً، فهو المناضل الذي نجح في توحيد المنظمات والحركات اليسارية المصرية، لكنه أخفق في حياته الخاصة: كان في غرفته الوحيدة، الفقيرة، يتحسس أعضاء جسده ليتأكد من أنه حي!
كان يهلوس ويحاور صديقه المنتحر "فؤاد منقريوس" وهو يراه على شكل نور ينبجس في مرآة الجدار.
ضاق عوض، كثيراً، بمن توقفوا عند الجانب الفكري، النقدي، لروايته الوحيدة هذه، بينما كان ينتظر من يكشف قيمتها الفنية.
الدرس الخامس: كتب عوض هذه الرواية بشجن إنساني ساحر وهو ينقل شخصياته، المتنقلة أصلاً، بين مختلف التجارب والأحوال والمرارات والخيبات، كاشفاً عن بيئة شديدة المحلية، لكنها تنفتح على تجارب في أبعد قرية على الكرة الأرضية.
عناية شديدة بربط الأحداث والتفاصيل وهندسة تقنية وإدارة ديمقراطية للشخصيات من البواب حتى سكرتير اللجنة المركزية "حسن مفتاح".
لغة سردية حارة لم تثقلها الفصحى إلا بمزيد من الطرافة والأريحية، حتى لكأنها عامية مصرية لفرط غناها وخفة دمها.
رواية يمكن أن تقارن، عدا جرأتها الفكرية، جمالياً بأفضل الأعمال الروائية العالمية التي قرأناها.
ثمة دروس أخرى من هذا المعلم والمربي، الباحث التاريخي والناقد الأدبي والفني، لا يمكن اختزالها بهذا العمود المسكين، ومنها إنه رائد من رواد النقد الماركسي سبق أقرانه بحوالي نصف قرن من الزمان، وإن كانت أفكاره، راودت البعض منا، شباناً أو شيوخاً، لكننا لم نجرؤ على التعبير عنها حتى في مجالسنا الخاصة، حتى اليوم.


عن مجلة "بين نهرين " العراقية.  

عماد أبو صالح...عن فيروز

نوفمبر 17, 2018 اضف تعليق
عن " فيروز" كتب الشاعر الصديق "عماد أبو صالح".. هذا النص الصادم للبعض عنها . . وطلبه الشاعر الصديق السوري مروان على.. المقيم فى ألمانيا. . ومن هنا أرسله له.. ولكم.. يقول عماد أبو صالح: 
***
أنا لست مهووساً بـ "فيروز". أعتذر هنا لمريديها ومرضاها. سريعة وخفيفة وهشّة كما يليق بفراشة تعوم في النور. هي غصن، لا جذر. وردة، لا شجرة. صوتها صاف وشفّاف، لكن لا يشبعني، ولا "يبُلُّ ريقي". ينقصه عثرة، غلطة، نحنحة، ذرّة غبار، أو حبّة ملح تحدّ من حلاوته. صوت طالع من "الحلق" لا "العمق". صوت "فينيقي" وطنه الماء، بلا طين ولا رسوخ. صوت "نخبة" يرفل في الفرح والراحة. هو بيت من هواء، لا خيمة لكلاب السكك ومشرّدي الشوارع. شوكولاته، لا رغيف للجوعى. هو "جنّة" لا يدخلها المطرودون من رحمة الله. صوت طاهر ونظيف، حرام على الوسخ والتعاسة. "جارة القمر"، هل هذا مديح؟ لا طبعاً، هنا الأزمة. أزمتها في علوّها لا دنوّها، "ملائكيّتها" لا "إنسانيّتها". 
***
صوت "فيروز" يجسّد هويّة المكان اللبناني بامتياز. هشاشة صوتها هي مرادف لهشاشة الدولة اللبنانيّة التي لا يتعدّى عمرها بضعة عقود. قدر الثقافة اللبنانيّة عموماً، هو "التحليق" الإستطيقي فوق الأرض. خطر على اللبنانيّين زرع جذورهم في طين الواقع، لأنه ليس هناك "محاصصة" بين الأشجار. الحفر في الأعماق - لبنانيّاً- يعني إثارة نعرات وتناحر أعراق وصراع هويات. الهروب إلى الأعالي هو طيران أو "فرار" من أسئلة، إجابتها الوحيدة هي الدم. صوت فيروز "ملائكي" لا "إنساني"، بمعنى أنه يفتقر إلى وحل البشر. صوت الرومانسيّين والعاشقين والمرفّهين والمرتاحين، لا صوت البائسين والضائعين والفقراء والتعساء. صوت نظيف.. ومعقّم كمستشفى.
***
لا يمكن فهم صوت (وحالة) فيروز دون معرفة أبرز خصال الحضارة الفينيقيّة التي تلقي بمؤثّراتها- من قرون غابرة- على المكان اللبناني والشخصية اللبنانيّة. إن الترحال الدائم والمرور السريع والعلاقات العابرة، هي أهم ركائز ما يمكن أن نسمّيه "ثقافة الماء". هناك حذر من الارتباط بالمكان أو مدّ الجذور في "اليابسة"، لأن الجذور قيود تعوق متعة السفر. الحب أيضاً لابد أن يكون خفيفا (أو مؤقتا)، إذ ان العشق العميق يستدعي الاستقرار والإقامة. البيت "الفينيقي" هو "السفينة" والأرض هي "البحر"، والمحراث هو "المجداف". العوم على السطح هو "الأمان"، والغوص في القاع يجب أن يكون بحساب خشية مخاطر الغرق. صوت فيروز "فينيقي"، بمعنى أنه تجسيد حقيقي للخفّة والسرعة والآلام السطحيّة، حيث لا قبور أصلاً لدفن الموتى على السفن. لا معزّين ولا طقوس عزاء. لا وقت للحزن. إلقاء الموتى في عرض البحر، هو أول بند في ثقافة البحار، لأنهم "حمولة زائدة" تعوق الانطلاق إلى رحلة جديدة.. وفرح آخر! 
عماد أبو صالح
مجلة "عالم الكتاب" المصرية 2015

لو تركتَ امرأة في النسيان

نوفمبر 15, 2018 اضف تعليق
فيوليت أبو الجلد

لو تركتَ امرأة في النسيان،
في الخيبة البخيلة،
وليس لليل رنين 
ولا للفجر طريق.
لو تركتَ امرأة في جسدها 
وغادرتَ بكامل -وحدكَ -
لاكتمل سر الله في الغفران 
وسر الخلق في الخديعة .
لكن تحت قدميك جحيما،
في قلبك عاصفة 
وشاعرة تشتعل بالأغاني 
تدوخ بالمواويل .
كمن أضرم في الهذيان كلاما،
كمن أولم الكلام للتهاليل .

قصيدة قرصنتها الرومي عن الفايسبوك

سلطان الحب... الأقوى من نفوذ البكوات

نوفمبر 14, 2018 اضف تعليق
محسن أ. يمّين
إن بيت عتابا منسوب إلى شاعر من الشعراء العاميّين في ناحيتك، فاتك عنه، قد يردّك ما يزيد على المائة عام إلى الوراء.
خطر لي ذلك وأنا أفكّر في ما حصل معي البارحة حين إستوقفني، في بعض طريقي، إبن عائلتي الرئيس السابق لرابطة آل يميّن في زغرتا بدوي جبّور يمّين وأسمعني من العتابا ما كنت أجهله. فإستمهلته ريثما أتلقّف قلماً وورقة، وأتبعه إلى مشغله، كي آخذ العصفور وخيطه. أعني بيت العتابا وحكايته معاً. فقصّها عليّ " أبو سلمان"، بهدوئه ووقاره المعهودين، موضحاً، وهو يستهلّ الكلام أن كل ما سيخبرني إياه هو، للأمانة ، منقول عن المرحومة السيدة آنجيل عيسى يميّن، أرملة عزيز زخيا الدويهي.
وفي الحكاية أن يوسف بك كرم ( 1907-1885) ، إبن بطرس بك كرم (1898-1847)، وهو الثالث في تسلسل بكوات آل كرم حَمْلاً لإسم يوسف، بعد جدّ "بطل لبنان"، "وبطل لبنان" بالذات . أي يوسف المعروف في أوساط المؤرّخين بيوسف بك كرم الثالث هامَ ذات يوم بحسناء إهدنيّة من عامة الشعب. وقد حرص على كتمان أمره عن والدته السيّدة ماريا إبنة حنّا بك أبي صعب المعروف بحنّا بك الأسعد، أوّل من أنعم عليه العثمانيون بلقب البكويّة في جبل لبنان القديم. لأنها لم تكن لتتقّبل فكرة غرام شاب من سلالة بكويّة، ومن الميْلين، بفتاة دونه مقاماً في السلّم الإجتماعي، أو تتهاون، في حال تبينّ لها أن إبنها وقع في مثل هذا المحظور. خصوصاً وإن الآمال الكرميّة كانت معقودة على يوسف بعد وفاة عمّ والده "بطل لبنان" في إيطاليا، عام 1889، ومن ثمّ، إنقضاء أجل والده بطرس، بعد ذلك بقليل، سنة 1889، ويوسف لم يكن وحيد أهله فحسب، إنمّا كان وحيد البكوات جميعاً، في ذلك الحين. لأن عمّه أسعد بك (1852-1903) مات دون عقب، بعد زيجتين، وعمّه سليم (1854-1912) لم يكن قد رزق ولديه الآنسة ماري ويوسف بك الرابع (النائب الراحل) (1910-1972) بعد. ولكن البكوية ليست بمنجاة من الوقوع تحت سلطان الحبّ. والبرهان هذه الفتاة الإهدنية التي إمتلكت على "يوسفنا" فؤاده، وجعلته يتقلّب على جمر ولعه بها، وإنجذابه إليها . أمام هذا الوضع، إرتأى أصدقاء وخلاّن البك العاشق، ذات صيف، أن يجمعوه بالتي أحبّها قلبه عند "نبع
النواحير" ، في جرد إهدن العالي، وذلك بعيداً عن أعين الرقباء الذين قد يسرّبون خبره إلى والدته. وقد كان لهم ذلك. فصعدوا قاصدين النبع المذكور على دفعتين: أولى ضمّت الفتاة التي لا بّد أن يكون أفرحها إحساسها بإنها فتنت ألبك، وثانية كان يوسف في عدادها. وقد حكى أصحابه،بعدما إنطلت اللعبة على السيّدة ماريا، أنهم لم يروا وجه البك الذي كان عمره قصيراً، وقضى في ال22 ربيعاً، جّراء الزائدة الدوديّة، في عينطورة، متهلّل الأسارير كما رأوه، يومئذٍ، يضيئه ما كان يختلج في نفسه من شعور جامح. فسرى، مع النسيم، إحساس بالإرتياح شمل الموجودين كافةً، ومع مسيل مياه النبع سالت العتابا كالآتي : من الناحور سال الدمع وإنْهَلْ/ ورتي مني جديد الثوب وإن هَلْ/ بوجك زمهرير البدر وإن هَلْ/ يُونّس الغريب بعد الغياب/.
فمن الذي فاضت قريحته، حينئذ، في ذاك المكان العالي هل الشاعر الإهدني المعروف انطانيوس العاقوري الذي قضى نحبه في أواخر الحرب العالمية الأولى، أم "أبو شهيد الأهل"، فخلّدا بذلك ذكر الحبّ البكوي الممنوع؟
إذا كان الحَفَظَة إنقسموا في الرأي بهذا الشأن فإن السيدة آنجيل كانت تميل إلى ترجيح كفّة الثاني . "وأبو سلمان"، محدّثي، يكتفي الآن بنقل ما أصغى إليه، بكلّ تجّرد.
ومن قال، بعد هذا، أن "لذاتنا في الشوق لا في الوصال"؟!
فقليل من الوصال أثلج صدر البك المكتوي بنار الحبّ، في تلك النزهة، وهو على مقربة من ثلوجنا الأبديّة في "القرنة السوداء".

كاندينسكي... خطاطًا عربيًا

نوفمبر 10, 2018 اضف تعليق
شربل داغر


وقعتُ، قبل سنوات، على صورة عمل مفاجِئ للفنان فاسيلي كاندينسكي (1866-1944)، في دليل معرض يعود إلى صالة في "متحف لنباخهاوس" بمدينة ميونيخ. 
العمل يرجع إلى دفتر رسوم، قام بها الفنان الشهير أثناء رحلة إلى تونس، مع طالبته-صديقته غبريال مونتر، في العام 1905. قياس العمل : 16,5 × 11 cm.؛ وهو منفَّذ بالقلم الرصاص فوق ورق عادي. أما التعريف بالرسم فلا يخلو من مفاجئة: "خط عربي"، ما يدعو إلى التساؤل: كاندينسي خطاط عربي؟
ولقد نجحتُ في قراءة جزء من النص العربي الوارد في الرسم، وهو التالي: 
"(...) ثمن (...) فإنّني 
غريقٌ ببحر المغمضات غمَصا". 
مع العلم أن : المغمضات تعني : الذنوب العظام؛ و: غمص : غمصَ نعمةَ الله، أي كفرَ بها. ووجب ذكر التالي، وهو أنني لم أنجح في التعرف إلى أصل البيت الشعري، ولا إلى مكانه، على الرغم من إشارة إلى إمكان وجود ذلك في منطقة "البلفيدير" في مدينة تونس. إلا أن الأكيد هو أن البيت يشير إلى معنى ديني بين، ما يعني أن للموقع وظيفة دينيةة أكيدة.
هذا العمل يندرج وينضاف إلى أعمال جرى الكشف عنها قبل سنوات، بعد أن حافظتْ عليها زوجته الثانية، نينا، طوال العمر، قبل أن "تهبها" إلى ـ"المتحف الوطني للفن الحديث" في باريس. ولقد جرى التحقق من أن كاندينسكي أنجز في رحلة الشهور المعدودة إلى تونس: ما يزيد على 130 رسمًا تخطيطيًا في دفاتره المختلفة، وثلاثين عملًا ملونًا، وعشرة من الأعمال التمهيدية للوحات بالزيت، فضلًا عن 90 صورة فوتوغرافية... هذا ما أنجزه كاندينسكي على طريقة سابقيه من الفنانين الأوروبيين والمستشرقين، أي في تجواله في المدن والشوارع، منتقيًا زوايا للنظر والرسم، و"موضوعات" للتخطيطات التمهيدية، مثل سابقه الشهير أوجين ديلاكروا وغيرهم بالمئات. هذا ما قام به في مدينة تونس، وضواحيها المختلفة، وفي سوسة والقيروان وغيرها... إلا أن السؤال يبقى: هل رسمَ كاندينسكي ام خطَّ؟ بل نسأل بالحري: هل خطَّ؟َ ام نقلَ وحسب؟ 
لا أحتاج إلى أدلة كثيرة لكي أؤكد أنه... نقل، بدليل قسمة لفظ 'المغمضات" إلى جزئين. الا أن ما نقلَه، طلبَ منه أغراضًا فنية في قادم الأيام والتجارب الفنية. 
في هذه المسودات الفنية المتبقية من رحلته التونسية، نجد شبهًا بما يقوم به المصور الكلاسيكي من رسوم تمهيدية وإعدادية للوحات قادمة ومأمولة. وفي هذا أساسُ التصوير الكلاسيكي، أي الانتقال من المعروض للعين إلى المبني المعروض في لوحة.
نقل كاندينسكي خطوطًا عربية، وتفاصيل من زخارف إسلامية أو من أعمال فسيفسائية، وزوايا منتقاة لأشكال هندسية في أبنية تونسية قديمة. نتأكد، بالعودة إلى بعض هذه الرسوم، من أنها أفادت الفنان في تصوير غير لوحة من أعماله التونسية هذه. إلا أننا نتأكد أيضًا، بالعودة إلى ما ستنتهي إليه أعماله الزيتية بعد سنوات معدودة، من أمر مختلف، وهو أن كاندينسكي كان يفترق عن تصويره الكلاسيكي، ويُنهي تاريخه وتاريخ غيره معه. كما نتأكد، ضمن العملية ذاتها، من أن هذه التفاصيل الصغيرة، مثل رسم الخط أو الزخرفة، أو انحناءة في قبة مبنى تونسي، ستعلو لتصبح العمل الفني. أي أنه كان يفترق عن التصوير الكلاسيكي، فيما كان يحفظ أساسياته الإعدادية إذ يسجلهأ... ذلك أن إيلاء عناصر الشكل - في تفرقها، في قيامها كعناصر مكتفية بذاتها - مثل هذه الأهمية، سيعني بعد سنوات ثلاث افتراق كاندينسكي التام عن الفن التشبيهي صوب الفن التجريدي.
قيل، في رواية، أن الفنان دخل إلى محترفه، ذات يوم، فوجدَ لوحة موفقة، "منتهية"، من دون أن يتعرف إليها... إذ كانت لوحة سابقة له، لكنها كانت مقلوبة فوق الحامل المسندي.
تقول الرواية إن كاندينسكي بدأ منذ هذا اليوم من العام 1908 تجربته الرائدة قي التجريدية. هذه الروابة... مضحكة، وضعَها وروَّجَها - على ما أعتقد - من كان يسخرَ من التجريد، وأراد التعامل معه مثل "مقلوبِ" الفن التشبيهي، أو ضعيفِه (مثلما قيل في هذه البلاد عن أن من يكتب القصيدة بالنثر هو من يعجز عن كتابة الشعر العمودي).
كاندينسكي لم يقلب اللوحة، وانما قلبَ الفن نفسه، بعد أن وجد أن عناصر بناء اللوحة، في تفرقها، تقوم في كونِ كلٍّ واحد منها "قيمة" تشكيلية، مكتفية بنفسها. وهو ما وجدَه في تونس وغيرها من عناصر تستقيم بنفسها، مثل الخط الذي يعول على مقومات الشكل وحده، حيث الخط العربي يتحاور مع خط الرسم: انتهى "موضوع" اللوحة، وبدأت فنيتُها ترتسم فوق حاملها المادي؛ بدأت اللوحة تحتفي بعناصرها، على أنها قوام التشكيل وبهجة العين والعقل في اجتماعهما.
(مجلة "الإمارات الثقافية"، أبو ظبي، العدد 72، 2018).

رامبو..عربياً

نوفمبر 09, 2018 اضف تعليق
عواد ناصر
… وماذا بعد كل الذي كُتبَ وقيل، علناً أو سراً أو مواربةً وارتياباً، في حياة المهر الفرنسي الجامح، المدعو آرثر رامبو؟
ماذا، سيضيف مثلي، أو غيري، من ضوء إلى تلك الومضة المبهرة التي خطفت أنظار العالم، ولم تزل، منذ خربط ذلك المهر الجامح خريطة المجتمع الثقافي في باريس فور وصوله قادماً من شارلفيل ولم يبلغ بعد سن الرشد، الشعري والفسلجي؟
وصل رامبو إلى باريس بدعوة بعد تردد، من بول ڤيرلين، أحد الشعراء الذين تأثر بهم، إلى جانب شارل بودلير وڤيكتور هوغو ولوترياميون.
رحل رامبو في السابعة والثلاثين من عمره (1854-1891)، بعد ان توقف عن الكتابة قبل عشر سنوات من رحيله، في باريس، جراء السرطان، بعد رحلات مثيرة عبر ثلاث قارات، آخرها أفريقيا، وعبر إثيوبيا واليمن، تاجراً ومهرباً للسلاح والقهوة.
أهم الكتب التي ترجمت له، حياته وشعره، في القاهرة وبغداد، الأول صدر عن دار الهلال والثاني عن وزارة الثقافة والإعلام العراقية بين نهاية ستينات القرن الماضي وبداية سبعيناته.
صدر عدد مهم من مجلة الآداب الأجنبية، في دمشق، بعنوان "رامبو والكومونة"، منتصف السبعينات، كما أتذكر، وما زلت أتذكر غلافه الأخضر.
مثل بقية ثقافات العالم، حتى اليوم، أصابت لعنة ذلك "الطفل المعجزة" أرثر رامبو، ثقافتنا العربية، ولم يخرج ذلك الشيطان الهائم، عبر العالم، من جسدها، ولكن التأثير ليس واحداً في جميع الظروف والأحوال والأزمنة والأماكن.
والتأثير، أيضاً، اختلف من جيل إلى جيل، حيث قراءتي ومتابعتي لشعرنا العراقي، مثلاً، تتيح لي القول إن ذلك "الطفل المعجزة" لم يجد تأثيره في تجارب رواد الشعر الحر المعروفين، السياب ونازك والبياتي، أو من لحقهم من جيلي الخمسينات والستينات، فلا رسائل السياب، مثلاً، حملت إشارة ولو غائمة، عن رامبو، قدر ما حملت بعض هوامش قصائده، أسماء شعراء إنكليز (إديث ستويل).
السبعينيون في العراق، على وفق معايشتي لأغلبهم، كانوا يلهجون به كثيراً، لكن تأثيره السلوكي المتمرد، في حياته اليومية، أكثر من تأثيره الشعري في نصوصهم الإبداعية.
ما زال لهذا الشاعر العابر والجوال، المثير للجدل، تأثيره في
الثقافة الفرنسية، بعامة، والفن الفرنسي، من ضمنه الشعر، أبناء مدارس وحركات فنية شهيرة كان مهدها باريس: التكعيبية والسريالية والدادائية.. ترسيمات فرنسية، وليس من حركة فنية شهيرة وصلتنا من الإنكليز، ربما يعود الأمر إلى "حرارة" البحر المتوسط، والروح المحافظ في التفكير الإنگليزي.
الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير تقصى، خلال عمله في اليمن مديراً لفرع اليونسكو، تقصى خطوات "العابر في نعال من ريح" وأشار إلى أن الشاعر الفرنسي طلب في إحدى الرسائل التي بعثها إلى أخته ايزابيل من اليمن: "ابعثي لي بنسخة قرآن الوالد ذات الشروحات" .
ويقول الباحث الأمير إلى أنه، عندما نُقل رامبو إلى المستشفى بمرسيليا، كتبت شقيقته بأنها كانت عندما تأتيه بالقس ، كان يرفض بقاءه إلى جانبه. وفي لحظات موته، اضطرت عائلته إلى إحضار القس لتعميده، لكن الأخير خرج من غرفة رامبو، كالمضروب على رأسه، مخاطباً عائلة الشاعر الفرنسي: هذا الشخص لم يكن يسمعني، بل كان يُتمتم بكلمات غريبة، كان يقول"الله كريم، الله كريم".
ويؤكد الأمير بأن رامبو غير اسمه في عدن إلى "عبد ربُو". ويستدرك: "أنا لا أهدف من ذلك لتأكيد إسلام رامبو، لكني اذكر حقائق لا أخشى منها أو أخفيها"!.
أمضى صاحب "المركب السكران" حوالي أربع سنوات متقطعة في عدن(1880-1891) لا أعتقدها كانت كافية لئن يتعلم رامبو العربية، لكنه، وفق كتاب عرب ارتبط بالسكان المحليين بعلاقات ودية.
من الكتابات العربية الصادرة حديثاً ما وضعه الشاعر العراقي سامي مهدي في كتابه "أرثر رامبو: الحقيقة والأسطورة-قراءة مختلفة لسيرة رامبو وشعره وتفوهاته النظرية" والكتاب واضح من عنوانه.
إنه مسعى نقدي يثير الاستغراب لما تضمنه من نيل صارخ لتجربة رامبو الشعرية والثقافية لم أجد لها مسوغاً سوى أنها نقد ثقافي معادٍ للإبداع والحريّة والتحدي بعد أن كفت طاقة النقد المسلح عن العمل، بطبعتها القومية المتطرفة.
أرثر رامبو، رغم حياته المتوترة، المشوبة بالعدوانية والتشرد والغطرسة، وما يمكن أن يصدر من شاعر في مثل سنه، لم يزل أحد الرواد المؤسسين لنادي الغبطة الشعرية وأجرأ مخترعي مفاتيح الحرية في الشعر والحب، حتى بين أولئك النجوم، من شعراء فرنسا وفنانيها الذين كانوا يحيطون به.

ثلاث قصائد/ للشاعر السويديّ: توماس ترانسترومر

نوفمبر 09, 2018 اضف تعليق

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

(أغنية قديمة)

ورثتُ غابةً معتمةً أذهبُ نادراً إليها. لكن سيحينُ يومٌ يُبدِلُ فيهِ الموتى والأحياءُ موضعَهم. ستشرُع الغابةُ في الحركةِ. ولسنا فاقدي أملٍ. الجرائمُ الأشدُّ عنفاً ستظلُّ غامضةً على الرغمِ من جهودِ كثيرٍ من الشرطةِ. بالطريقةِ نفسِها، هناك مَحلٌّ في حياتنا لغرامٍ غامضٍ كبيرٍ. ورثتُ غابةً معتمةً، لكني أسيرُ اليومَ في الغابةِ الأُخرى، تلكَ المنيرةِ. وتغنّي الكائناتُ الحيةُ، تتلوّى، وهي تتهادى، وتزحفُ. هو الربيع، والهواءُ منيع. لقد تخرّجتُ في جامعةِ السُلوانِ، وخاوي الوِفاضِ كقميصٍ على حبلِ الغسيلِ. 
***

(جنةٌ شبه منتهية)

يقطعُ اليأسُ مجراهُ. 
يقطعُ الكَربُ مجراهُ.
يقطعُ النَسرُ حومانَهُ. 
يقطعُ نورُ الشوقِ جريانَهُ، 
حتى الأشباحُ تقطعُ سريانَها. 
وترى لوحاتُنا ضوءَ النهارِ، 
فحيواناتُنا الحمرُ من مراسمِ العصرِ الجليديّ. 
يبدأُ كلّ شيءٍ في التطلّعِ حولَهُ. 
نسيرُ في الشمسِ بالمئاتِ. 
كلّ امرئٍ بابٌ شبهُ مفتوحٍ 
يفضي إلى غرفةٍ للجميعِ. 
تحتَنا أرضٌ لا نهائيةٌ. 
يتلألأُ الماءُ وسطَ الشجرِ. 
البحيرةُ شبّاكٌ على الأرضِ. 
***

(نواح)

نحَّى عنهُ قلمَه. 
لا يزالُ مرتاحاً على الطاولةِ. 
لا يزالُ مرتاحاً بالحجرةِ الفارغةِ. 
نحَّى عنهُ قلمَه. 
كثيرٌ يعجزُ أن يسطّرَه وكثيرٌ عليهِ أن يصمتَ! 
يُعجزهُ أن يحدثَ شيءٌ بعيدٌ 
معَ أنَ حقيبةَ السفرِ البديعةَ تخفقُ كالقلبِ. 
بالخارجِ، أولُ الصيفِ. 
صَفِيرٌ بينَ الخُضرةِ ـ من ناسٍ أم طيورٍ؟ 
وشجرُ الكَرزِ يانعٌ، يطوّقُ الشاحناتِ وهي تعودُ. 
تكرُّ أسابيعُ. 
يهبطُ الليلُ في رَويّةٍ. 
وتحلُّ الفراشاتُ على زجاجِ النافذةِ: 
كبرقياتٍ باهتةٍ صغيرةٍ من العالمِ. 
.................................
(*) اللوحة، للفنان الإنكليزيّ/ من أصل ألمانيّ: لوسيان فرويد (حفيد عالم النفس الشهير)