728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

    دعني أتحسس عرقًا يكتبُ قصائدي..


    غادة سعيد
    ونحن في الكراسي الخلفية للسيارة، كنت في سعادة لا تتصور. منتشيّةً ساخرةً من "خوانيتا" صديقتي المستعربة والتي تعشق لغة الضاد حدّ الهبل. كانت قد هجرتْ عشيقها في صيف مدريدي قائظ، وفي عز الليل، بعد أن اكتشفت خيانتهُ وهم على سرير الحب. 

    ساعة خروجها من شقّتهِ، لم تِذرف دمعًا بل كانت عاريةً مثل قصيدة حبلى ومفعمة بالنشوة والرغبة في الحياة.

    كنتُ وبلسان عربي فصيح، مشيرةً لها برأسي غامزةً بعيني نحو "الأسمر الرجيم" الذي كان في المقعد لأمامي قرب دليلنا وسائقنا. خِلتُ نفسي أُنشدُ لها ابياتًا بصوت خفيض وحركات يدي تصوّرُ وترسمُ لها مشاهدًا وصورًا شعريّة فاضحة:
    ......
    اراني أعلوكَ كذئبةٍ أمازيغية..
    تغدركَ كل حين..
    أطلبكَ عابثة بزغيبات صدرك..
    وتتلون.. و تصرخ..
    ليعلو صياحكَ.. 
    أراكَ تستجدينني لاتوقف..
    وأتمنع عنكَ... كحزينة...
    مُمسكة بشراشيف هيامي.. راجيةً..
    أن أنصفكََ ..لتتركني..
    ويحي.. لو تركتني..
    و أنتَ أسكرت روحي..
    وأثملت.. وخدرت اوصالي..
    وجنونكَ يجدد انشودتي..
    رحماك سيدي.. فأنا..
    اتعطش بجنون لترمي دلوك ببئري..
    ذبحتني..
    فويلي.. لو تركتني.. الان..
    احبك ... دونكََ ما اشقاني..
    فأراني اقبلهُ.. 
    وامتص رحيقهُ ..
    ورغبتي تجتاحني بجنون..
    اتلوى.. وبه.. اتغنى كحرف ثائر..
    فلا تتركني.. فأنا اريدك..
    فلا تتركني..
    بل أنّي..
    اقسم انكَ قاتلي..
    فاكمل.. فقد وصل السيل الزبا..
    ألما.. قاسيا.. موجعا..
    به دفئي.. و حنيني..
    فأنا... أرى يدي على الفطاء...
    والاخرى تمخر عباب جلدكَ .. 
    واظافري تدميك..
    وأنت معي.. مسكين..
    حبيبي..
    استويت بموت ذا ماءٍ...
    جاءني في ظهري..
    زللاً...
    لأتمتمَ : 
    الله يسمح لي من عرقك...

    ابتسم كسكير حكيم، وأرسل شعره الأسود الفاحم الطويل إلى الخلف، ومرر أصابعه ليثبته خلف أذنه، وهو يطل علينا من المرآة الجانبية للسيارة التي تمخر عباب الطرق البدائية نحو سلسلة جبال "الأنديز" وتحديدا نحو جبل "حافة العالم" المطل على سواحل جمهورية "البيرو" ومحيطها الهادئ الهادر الشاسع :

    - أنتِ وقصيدتكِ من طينة "الحسن بن هانئ". 
    لم يكذب الأسمر الرجيم، فقط كان يسخر من شاعرة خمرة وامرأة ليل ومجنونته الدائمة ودومًا..
    - شِعركِ حانة بأكملها.. بل ماخورٌ في الهواء الطلق...
    يستطرد الأسمر الرجيم.
    لتقمعهُ "خوانيتا" بشكل حاسم:
    - وأنتَ مالك... كلام "نواعم".. وأذنكْ لم تتخلص بعد من موروثها "العربي"..
    كم شهَرْتَ عليه مسدسًا في الخلف، رفع يديه للأعلى دون أن يلتفت، ثم أجاب:
    - يلعن ربي.... وربّ العرب.. آسف سيداتي الجميلات.. اسف.. وبشدّة.. على أذنايَ الطويلتان..
    لننفجر ضحكًا...
    كنّا في رحلة شتوية لمدينة "ليما" عاصمة جمهورية "البيرو". دعتنا "ماريا" لنزور مناطق قروية من حضارة "كارال" الغابرة، منذ ٤٢٠٠ سنة قبل الميلاد وإحدى أقدم المدن التي احتوت على أهرامات حجرية شبيه بأهرامات "الفراعنة" وساحات عامّة للاحتفالات على الطراز "الروماني" ومذابح حول "النار المقدسة" الشبيهة بحضارة "أوغاريت" البائطة. كما تحتوي على تصميمات وهندسة معقدة تُظهر حضارة "الهنود الحمر" واستغلالهم للمساحات الفارغة، وعزف سكانها للموسيقى على مزامير ذات فُتحتين، مما ادى لظهور تقاليد ثقافية مهمة لدى تلك الحضارات القديمة.. 
    كما ان الزيارة والرحلة كانت هديةً من "الاسمر الرجيم" احتفالا بتوديع سنة ١٩٩٩ وحلول سنة ٢٠٠٠؛ وتكريمًا لشهادة "الماجيستر من جامعة "السربون" الفرنسية العريقية التي حصلت عليها بميزة مشرفة والتي فتحت لي آفاقا شاسعا ومكنتني من الحصول على منحة من جامعة "مدريد" لأكمل مشوار الدراسة في الأدب الموريسكي او ما يعرف عند العرب بالادب الاندلسي..
    بقدر ما كان المناخ قاسيًّا ببرده وثلجه، بقدر ما كانت المنطقة ذات هدوء شاعري وراحة نفسية ساحرة..
    توقّفتْ السيارة، وترجّلنا قليلا. قلت ل"ماريا":
    - الآن أعرف لماذا تتّسم رقصات "الهنود الحمر البيروفيون اللاثينيون" بكلّ هذا التأمل الحالم..
    اشارت إلى أشجار الأرز والسرو التي تغطي المكان بأكمله، وإلى القمم المجلّلة بالثلوج والمياه المنحدرة من الأعلى، وقالت:
    - لو كنتِ تعرفين لغة "الإنكا" لتمتعتِ بكلّ هذه المشاهد الخضراء في أشعار "الهنود الحمر".
    ظللتُ مندهشة. من "ليما" إلى "كارال" وإلى "جبل النار او حافة العالم". كنتُ منغمسة داخل قصيدة رعويّة عذراء. لم يترك "الأسمر الرجيم" الفرصة تمرّ، فقال بسخريّته اللاذعة:
    - كيف تتعرى "نساء الهنود الحمر" في طقس بارد، وتتحجّب "العربيات" في طقس قائظ..!؟
    ردّت عليه "خوانيتا" وهي ترفع عاليا قنينة "البيرة" التي ترتشفها:
    - نخبُ "حور العين".. أو "عاهرات ضفة بعد الموت"..
    لننفجر ضاحكين.. عليها وهي التي اسرفت في الشرب جراء البرد القارس.
    طلبتُ من "ماريا" أن تقرأ بعضًا من أشعار "الهنود الحمر البيروفيين" ونحن نقف على جبل يطل على "حافة العالم"، غير قادريين على لمس المياه المتدفقة من فرط برودتها.
    قالت "ماريا" بإسبانية أقرب إلى "الدنكيشوتية":
    - بل نطلب ذلك من "الأسمر الرجيم" .. هيّا يا نوّاسي* المغرب.. !؟
    (* نسبة الى ابو نواس)
    قال لها:
    - "شوفي غيرو.. راه الشُعرا عطا الله"**.. ما سرّ ولعكِ بتلقيبي بالنوّاسي..؟
    (** التفتي لغيري.. فالشعراء وفّرهم الله) ( هو مطلع أغنية مغربية شعبية أطلسية والرجيم حوّرها.. (شوفي غيرو.. راه لعزار عطا الله .. أي التفتي لغيري فإن الشباب وفّرهم الله).
    صفّقتُ وضحكت "خوانيتا" صديقتي البرتغالية، بينما قرفص "الأسمر" ينتظر أن تبدأ.
    قرأت. لكنني لم أجد تناغمًا بين المكان وما قرأتْ.
    قلتُ:
    - الأفضل أن يغني لنا "الأسمر الرجيم" بعض المواويل المغربية الأطلسية القديمة التي كان يرددها على مسمعي ونحن في بلدتهم الجبلية ب"ايمنتانوت" نواحي مدينة "مراكش" المغربية.. فإني أجد فيها بعض ما يتشابه فيه الإنسان في هذا العالم.. فعلى الأقل نحن نقف على جبل يسميه"الهنود الحمر" ب "حافة العالم" وكذا عند الأمازيغ منطقة جبلية يسمونها نفس الإسم "ايمين الدونيت" اي "آخر الدنيا"..
    قضّبَ "الأسمر الرجيم" حاجبيه، وقال:
    - أواااااه.. يا حفيدة "زنوبيا"... اصبحتِ الآن تعرفين كل انواع الشعوب وكل إشعارهم وتقاليدهم.. برافوووو عليكِ.. لكن ماذا عنكم أنتم أيها "الفينقيون" الذين تنكرتم لتاريخكم واضحى كل شيء عندكم يرتبط ب"العروبة" و"آل البيت" وتناسيتم تاريخكم الجميل ورقصات النار والآلهات التي حكمت عالمكم القديم والحديث.. هاتِ لنا بعضا من مواويلكم القديمة حتى لو كانت ذات "جلد عربي" خشن..
    لم تتمالك "خوانيتا" و"وماريا" نفسيهما واجتاحتهنّ هيستريا الضحكِ والدموع وهنّ يمسكنّ بطونهن متراجعات للوراء بعيدا عن "حافة العالم"
    قلتُ له:
    - حااااااضر.. أيها "الشّلح المسخوط"***
    (*** الشلح .. هو الأمازيغي.. لكن حين يقولها العربي تحديدا للامازيغي تأخذ الكلمة بُعدًا قدحيا لها).
    غنّيتُ بعض المقاطع من "الموال السباعي" الاكثر شيوعا في "حماة وحمص" وكذا بعض من "القدود الحلبية" وآخر من "السوايحلي" المنتشر بكثرة على الساحل السوري واللبناني.. لكنني لم أكن في المستوى المطلوب وحوّلتها، مباشرة بعدما شعرت عدم تجاوبهم معي، إلى رقصات "الدبكة" وعلى أنغام "كاسيت" وحول النار كما يفعل "الهنود الحمر" رفقة "خوانيتا" و"ماريا"، بينما الأسمر متكئّا على السيارة، يدخن بشراهة ويحتسي من قنينة "الويسكي" التي تلازمه منذ أن وطئنا اراضي "البيرو" العالية والباردة حدّ التجمّد؛ فأحسسنا بفرح يرشح من نبض الأعالي.
    في الليل، تحلّقنا حول مواقد النار في "شاليه" صغير اكترته "ماريا" لنا. كانت "خوانيتا" ملتصقة بي، و"ماريا" نائمة في أحضان جلد حيوان "اللاّما" ودليلنا "البيروفي" من المنطقة منهمكا في وشوشة غير مسموعة مع نفسه، ومع دخان غليونه الكثيف. وحده "الأسمر الرجيم" كان يسهر على تجهيز العشاء ودفع الحطب داخل الموقد وإعداد الشاي المغربي وتقديم البيرة لمن يطلبها..
    الدفء داخل "الشاليه" يعطي لصوت الريح وسقوط الثلج مذاقًا أسطوريًا. "الشاليه" صغير ومبنيّ من حجر وخشب وقرميد أحمر. حجرتان صغيرتان وصالون دائري صغير كذلك ومطبخ بسيط وحمّام، ثم حديقة خارجية تبدو عليها علامات الإهمال.
    سمعتُ "خوانيتا" تقول لي بصوت خفيض:
    - أعرف يا "غادة" لماذا كانت قراءتكِ اليوم باردة..!
    وغمزت بعينيها.. 
    قلتُ لها:
    - ربّما لأن الجوّ بارد..
    ازدادت التصاقا بي، وازداد صوتها انخفاضًا:
    - ربّما لأن اللغة هي الباردة..!
    ابتسمت.. وغمزتها بعيني، وانا أحرقُ رأس السيجارة بوحشية مبالغة.

    خوانيتا ذات ملاحظة عميقة وماكرة. أحسّتْ أن لغتي العربيّة المحمّلة برمال الصحراء وجفاف البدو عاجزة عن الوصول إلى خضرة الأشجار وماء الأعالي ونمير الينانيع في جبال "البيرو" الشاهقة. 

    وافقتها على ملاحظتها وكانت "البيرة" تتكفّل بإخراجي من تحفّظاتي.
    وجدتني في الفراش داخل الغرفة المجاورة للصالون حيث تسامرنا، ألعق صدر "الأسمر الرجيم" المزغب، وأتلوى فوق بطنه الرشيق. كانت رائحة "الويسكي" تنبعث من فمه بشكل مهيّج. قبّلتهُ على عنقه، لينقلبَ فوقي ثم قبّلني من الرقبة إلى القدمين، واعتلاني مثل فرس في حالة حرارة جنسيّة. 
    - أيها النوّاسي الرجيم.. كيف تجرؤ على الفحولة..!؟
    قلت له
    - لم أفهم..!؟
    قال..
    لكنّه صمت عندما وصل إلى قمّة "الأورجازم".. تراخى فوقي بكامل جسده. أراد الانفكاك عنّي، قلتُ له:
    - "بيلز"... لا تُخرجه.. دعني أتحسس عرقًا يكتبُ قصائدي..
    بقينا ملتصفيْن. لم نسمع سوى مفاصل جسمينا، ولم نشمّ سوى روائح عرقنا. ثم فجأة ترك جسدي وتمدّد جانبي. أحسست أنه يريد أن يقول شيئا:
    - هيّ تكلم.. 
    vas-y .. crache le morceau..
    كما يقول الفرنسيون. التفت نحوي. وكان وجها صادقًا في نظراته:
    - لماذا تتعمّدي أن تكوني غامضة.. يا غادة..!؟
    قال لي.
    أجبته:
    - كيف أكون غامضة وقد ظل قضيبكَ رهينة بفرجي.. وأنا التي طلبتُ ذلك.. أيها الفاجر اللعين..
    قرص أذني، سوّى شعره الطويل الفاحم وراء أذنيه، ثم قال:
    - لا أقصد ذلك يا "مريم العذراء" .. بل أني أحسستُ وراء شِعرك ومواويلكِ ونظراتكِ شيئا ما.. ليتني أصل إليه.. 
    في الغد أعطيته أجندة مذكراتي، وطلبت منه ألّا يقرأها إلّا حين نعود إلى شُقتنا في "مايوركا" باسبانيا..

    يتبع...

    مقتطف روايتي: "غادة : امرأة من زمن الشرق المتسخ" هذا فصل هو ٣٥ بعنوان : "ليما.. عاصمة الشعر والجنس في جمهورية البيرو.
    *******

    بورتو - البرتغال

    15/10/2018
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: دعني أتحسس عرقًا يكتبُ قصائدي.. Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top