وداعًا... يا تحيّة!

سبتمبر 30, 2018 اضف تعليق
 ادوارد سعيد

المرة الأولى والأخيرة التي رأيتها ترقص فيها على خشبة المسرح كانت صيف 1950 في كازينو بديعة في الجيزة، مباشرة تحت موقع فندق شيراتون حاليًا، بعد أيام رأيتها قرب دكّانة خضر في حي الزمالك، وكانت لا تقل إثارة وجمالاً عن حضورها على المسرح، لكنها هذه المرة كانت ببذلة أرجوانية فاتحة وحذاء بكعب عال، وواجهتني بنظرة صريحة إلى العينين أخجلتني كان عمري 14 عامًا وقتها وأجبرتني على اشاحة نظري عنها.
عندما أخبرت عائدة، زوجة ابن عمي، عن تصرفي البائس تجاه تلك المرأة العظيمة قالت باستخفاف: "كان عليك أن تجيبها بغمزة!"، وكأن هذا ممكن ليافع خجول مثلي، إنها تحيّة كاريوكا، أروع فنّانات الرقص الشرقي في العالم العربي وأطولهن عهدًا، إذ استمرت حياتها الفنية نحو ستين سنة، من أوائل الثلاثينات عندما ظهرت على مسرح كازينو بديعة في ساحة الأوبرا، مرورًا بعهد الملك فاروق الذي انتهى في 1952، ثم المرحلة الثورية بقيادة جمال عبدالناصر، فعهدي أنور السادات وحسني مبارك.
وأرسلها كل من هؤلاء عدا مبارك كما اعتقد مرة أو أكثر إلى السجن، بتهم مختلفة غالبيتها سياسية. وإضافة إلى الرقص فقد مثّلت في مئات الأفلام وعشرات المسرحيات، كما شاركت في التظاهرات ونشطت ربما لدرجة العدوانية في نقابة الممثلين، ثم تحولت إلى الدين في سنينها الأخيرة، واصبحت تعرف بـ"الحاجة" لدى الاصدقاء والمعجبين، لكنها بقيت على صراحتها المعهودة في التعبير عن رأيها. وكان عمرها 79 عامًا عندما توفيت بنوبة قلبية في مستشفى في القاهرة في 20 من الشهر الماضي.

قبل نحو عشر سنوات قمت بزيارة الى القاهرة خصيصًا لمقابلتها، بعدما شاهدت العشرات من افلامها ومسرحياتها، من بينها مسرحية "يحيا الوفد" البالغة الرداءة من تأليف زوجها آنذاك فايز حــــلاوة، الأصغر سنًا منها والذي شاركها في البطولة، وأخبرتني لاحقًا أنه كان انتهازيًا سرق كل أموالها وتصاويرها وافلامها وتذكاراتها. ورغم تحجبها وثوبها الأسود اثناء المقابلة فقد توهّجت حيوية وذكاء مثلما كانت دومًا كراقصة أو ممثلة أو شخصية عامة.

ونشرتُ مقالة تقديرية لها في مجلة "لندن ريفيو اوف بوكس" حاولت فيها ايفاءها حقها كراقصة ورمز ثقافي ليس فقط في مصر، وهي لم تعمـــــل خارجهـــا، بــــل في كل العالــــم العربي. فهي معروفة لكل العـرب من خلال السينما أولاً ثم التلفزيون، بفضل مهارتها المذهلة التي لم ينافسها فيها أحد كراقصة، وأيضاً فتنتها المصرية وما فيها من التلاعــب الساحـــر بالكـــلام وتلك الايماءات وروحية المناكفة والغزل، وهي تماماً الصفات التي جعلت العالــــم العربي دوماً يعتبر مصر عاصمته في مجال الملذات وفنـــون الاغــراء والقــــدرة التي لا مثيـــل لها على المـزاح والألفـــة.
أعتقد أن غالبية عرب المشرق يتفقون، ولو في شكل عام، على أن السوريين العبوسين واللبنانيين الأذكياء وعرب الخليج الذين لا يخلون من خشونة والعراقيين زائدي الجدية لا يستطيعون مقاومة اغراء ما تقدمه مصر منذ قرون، وبأعداد هائلة، من الفنانين والمهرجين والمغنين والراقصين. وباستمرار تترافق اقسى التهم السياسية التي قد يوجهها فلسطينيون او عراقيون الى الحكومة المصرية مع الاعتراف بلطف مصر والمصريين عموماً، وبخاصة عندما يتمثل بتلك اللهجة الأخّاذة بنبرتها السريعة وايقاعها المتراقص. واحتلت تحية، رغم كل نواقصها وتقلباتها غير المفهومة احياناً، بل ربما بسبب تلك النواقص، موقعًا متميزًا ضمن هذا الوسط المليء بالنجوم والنابض بحب الحياة، إذ كانت يسارية راديكالية في بعض الأمور، وانتهازية خانعة في غيرها، ولا تتماشى عودتها المتأخرة إلى الإسلام إلاّ بصعوبة مع نواح اخرى من حياتها، مثل اعترافها انها تزوجت 14 مرة ان لم يكن اكثر وحرصها اثناء حياتها الفنية على اصطناع سمعة فضائحية لنفسها.

كتب كثيرون عن تحية منذ وفاتها، لكن أود ان أضيف ثلاث نقاط اعتقد انها تستحق الذكر، النقطة الأولى هي أنها جوهريًا ظاهرة لا تقبل الترجمة الى الثقافات الأخرى، فقد بقيت مجهولة خارج العالم العربي رغم شهرتها المذهلة فيه، وليس من فنان يقارنها في هذا المجال سوى مرتلة القرآن الكريم العظيمة والمغنية الرومنسية أم كلثوم التي توفيت في 1975، التي لا تزال تسجيلاتها تحظى باعجاب المستمعين في أنحاء العالم، ربّما أكثر حتى مما في حياتها عندما كانت تحيي حفلات الخميس الشهيرة في القاهرة لتتردد اصداؤها من المحيط الأطلسي الى شواطئ المحيط الهندي.

وهي الآن محط اعجاب وتقدير كل محبي الموسيقى الهندية والكاريبية وما يسمى "موسيقى العالم". لكنني بعدما استمعت الى موسيقاها في طفولتي الى حد التخمة، أجد انني لا استطيع تحمل اغانيها التي تستمر الواحدة منها اكثر من اربعين دقيقة، ولا اتقبلها ذوقياً كما يتقبلها أولادي الذين يعرفونها من التسجيلات فقط. لكنها، بالنسبة الى الذين يميلون الى النمذجة الحضارية، تمثل شيئاً يعبر في شكل جوهري عن الثقافة العربية الاسلامية، بتكراراتها المتراخية الطويلة ونبضها البطيء وايقاعاتها الزاحفة وأحاديتها الصوتية المضجرة وأغانيها الدامعة أو الدينية الخ - وهي عناصر تطربني احياناً لكن لم استطع التآلف معها، ولا أزال أشعر بأنني لم استطع اكتشاف سر قوتها، وربما كنت الوحيد بين العرب الذي يشعـر بذلك.
أما تحية فهي تكاد تكون مغمورة على الصعيد العالمي مقارنة بأم كلثوم، ولا تنجح حتى افلامها القديمة في اثارة اهتمام المشاهد الأجنبي استثني من ذلك فنّانات الرقص الشرقي، وغالبيتهن حالياً غير عربيات - الكثير منهن من روسيا وأميركا واوكرانيا وأرمينيا وفرنسا - اللواتي يعتبرنها ملهمتهن الرئيسية.
ويختلف الرقص الشرقي بنواحٍ كثيرة عن الباليه، نظيره بين فنون الرقص الغربي. ذلك ان الباليه يدور على التحليق والخفة وتحدي ثقل الجسد. أما في الرقص الشرقي، كما مارسته تحية، فنجد الراقصة وهي تثبت موقعها بشكل متزايد في الأرض، بل تبدو كأنها تحفر مكاناً فيها، ولا تتحرك الا بالكاد، من دون محاولة للتعبير عن انعدام الوزن كما لدى راقص او راقصة الباليه. واذا كان رقص تحية العمودي يوحي بسلسلة من الملذات الأفقية، فهو يوحي في الوقت نفسه بنوع من المراوغة اللطيفة التي تستعصي على التحديد العقلاني. وقامت عروضها في سياق عربي اسلامي، لكن من خلال علاقة التناقض والتأزم مع ذلك السياق. وكانت تنتمي الى تقليد "العوالم"، الذي تكلم عنه كبار عارفي مصر الحديثة مثل فلوبير وادوارد لاين، اي المحظية التي تجمع الثقافة الى فنون الغواية الجسدية. ولم يمكن ابداً اعتبارها جزءًا من فرقة، مثلاً كما في رقص الكاثاك، بل كانت دوماً تلك الشخصية المتفردة، الخطرة نوعاً ما، التي تجذب حركاتها، وفي الوقت نفسه تصد عن طريق الاباحية الصرفة التي توحي بها الرجال والنساء على حد سواء. وليس في الامكان اخراج تحية عن سياقها الطبيعي في كاباريهات القاهرة ومسارحها وأعراسها .
فهي "محلية" تمامًا ومستعصية على النقل وغير متاحة تجاريًا الاّ في تلك الأماكن، وللفترات القصيرة لا أكثر من 20 الى 25 دقيقة التي تستغرقها وصلاتها. ان لكل ثقافة ركنها الخفي عن الثقافات الاخرى، ولا شك ان تحية كاريوكا، رغم حضورها الواسع القوي، تحتل واحدة من تلك الأمكنة في ثقافتنا.
النقطة الثانية التي فكرت بها بعد موتها هي ما يبدو لي من الضياع والتخبط في حياتها الشخصية. وربما كان هذا ينطبق على كل فنّاني العروض، الذين ما ان يقضون الفترة القصيرة التي نراهم فيها على المسرح حتى يختفون. واذا كانت التسجيلات الصوتية والبصرية تعطي العروض نوعاً من الديمومة فلا يمكن للتسجيل الميكانيكي أن يضاهي ما في العرض الحي، الذي ينطلق مرة واحدة والى الأبد، من اثارة ومخاطرة. وقضى الموسيقي غلين غولد السنين الـ16 الأخيرة من حياته محاولاً البرهنة على خطأ هذا الرأي، الى حد الادعاء ان المستمع او المشاهد الذي يملك اجهزة عرض راقية يمكن ان يشارك "في شكل خلاق" في تسجيل العرض الذي يقدمه الفنان. أي ان الاستعادة من خلال التسجيل تخفف من ندرة وسرعة زوال الطاقة الفنية الحية. وفي حال تحية على سبيل المثال فإن افلامها مسجلة على الفيديو ومتاحة في انحاء العالم العربي، لكن ماذا عن الألوف من العروض التي قدمتها من دون تسجيل، في المسرحيات والنوادي الليلية والاحتفالات وما شابه. اضافة طبعاً الى العروض التي لا تحصى في السهرات وحفلات العشاء والجلسات الخاصة مع زملائها وزميلاتها من أهل الفن. وكانت احياناً تبدو ثورية، بل حتى ماركسية، فيما بدت احياناً اخرى متملقة للفئات المسيطرة، مثلاً عندما سخرت بشدة في واحدة من مسرحياتها من الخبراء السوفيات في مصر، بسبب سياسة عبدالناصر في اخذ مصر الى ذلك المعسكر.
ربما لا نبالغ عندما نقول عنها انها كانت شخصية هدّامة، بسبب عنادها وعجرفتها في علاقاتها مع الكل، من ضمن ذلك مع نفسها. لكن اعتقد ان علاقاتها الكثيرة مع الرجال، التي اتسمت دوماً بالاعتباطية واللامبالاة، وتبديدها لماضيها الفني بحيث لم يبق عندها سيناريو أو صورة فوتوغرافية أو عقد عمل اذا كانت عندها عقود اصلاً! أو ثوب رقص أو أي شيء آخر، يوحي ببعدها الكبير عن كل ما ينم عن الاستقرار البيتي او الحياة في شكلها المادي البورجوازي، أو حتى متطلبات الراحة التي يهتم بها الكثيرون من اقرانها.
وأذكر انطباعي عندما زرتها قبل عشر سنوات، بأنها شخصية مشابهة لـ"نانا"، التي أشبعت رغباتها ثم صرفت تلك الرغبات، لكي تستطيع الجلوس مع شخص غريب عنها تماماً وارتشاف القهوة معه والتدخين واستعادة الذكريات واختلاق القصص واطلاق الكليشيهات قالت لي بـ"فصاحة" اختلط فيها الجد بالهزل: "شعوري اثناء الرقص كان أنني في معبد الفن!"، هكذا اتذكرها خلال اللقاء، شخصية مرتاحة منطلقة لكن من دون التخلي عن المراوغة والمداورة. يا لها من امرأة!
النقطة الثالثة والأخيرة هي ان حياة تحية وموتها يرمزان الى ذلك الجزء الكبير من حياتنا في تلك البقعة من العالم الذي ينقضي من دون تسجيل او حفظ، رغم اشرطة الفيديو عنها التي لا شك انها ستنتشر في شكل اوسع الآن، والمواسم الفنية التي تستعيد افلامها، واحتفالات التأبين حين يتبارى المتكلمون في امتداحها، وهو ما حرمت منه منافستها العظيمة سامية جمال، التي حظرت السلطات جنازتها قبل سنوات.
وليس هناك، والأرجح اننا لن نرى مستقبلاً، سجل كامل بافلام تحية أو فهرس بالكتابات عنها او سيرة لحياتها. ولا يقتصر هذا النقص على حياة واعمال الافراد، لان كل البلاد العربية التي اعرف لا تملك دوائر حقيقية للمحفوظات او مكاتب للسجلات العامة أو مكتبات رسمية، كما ليست لها سيطرة كافية على معالمها وآثارها وتواريخ مدنها والاعمال الفنية المعمارية فيها مثل الجوامع والقصور والمدارس.
غير ان هذا لا يدعونا الى اتخاذ موقف الوعظ الاخلاقي، مثل العبرة التي استخلصها الشاعر شيلي ازاء حطام تمثال اوزيماندياس، بل نشعر ان تاريخاً متدفقاً غنياً يبقى خارج الصفحة، بعيداً عن الأعين والمسامع، بعيداً عن التناول، حيث يتعرض اكثره للضياع. ويبدو لي ان تحية تجسد هذه الحياة الهامشية التي يحياها العرب اليوم. ذلك ان معظم تاريخنا من كتابة الاجانب والباحثين الزائرين وعملاء الاستخبارات، فيما نكتفي بالعيش معتمدين في تقدمنا نحو المستقبل على ذاكرة شخصية وعامة يعتريمها الغموض والاضطراب، لدرجة انهما احياناً لا تتجاوزان تناقل الاشاعات، وفي كنف العائلة والمحيط الاجتماعي المحدود. الصفة العظيمة في تحية كانت شهوانيتها، او تلك الجذوة منها التي نتذكرها خالية من التعقيد ومتناسقة تماما مع نظرة المشاهدين اليها نظرة التشهي البدائي عند البعض، ونظرة التشـــوق الراقي عند متذوقــــي الرقـــص التي تشابهها في سرعة الزوال والبراءة مـــن التهديد. اللـــذة الآن، ثــــم لاشيء! اتساءل أحيانًا أي حياة ستكون لها بعـــد موتها.
.............................................
نشر هذا المقال لإدوارد سعيد، أستاذ الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، في العدد 450
من جريدة الأهرام ويكلي، بتاريخ 7 أكتوبر 1999، ونشرت جريدة الحياة اللندنية ترجمة للمقال في العاشر من أكتوبر 1999، لكنها لم تذكر المترجم.


قهوة محمود درويش..

سبتمبر 29, 2018 اضف تعليق

القهوة هي هذا الصمت الصباحي الباكر المتأني
والوحيد الذي تقف فيه وحدك مع ماء تختاره بكسل و عزلة في ‏سلام مبتكر مع النفس والأشياء وتسكبه على مهل في إناء نحاسي صغير و داكن و سري اللمعان ، أصفر مائل إلى ‏البني ثم تضعه على نار خفيفة ، آه لو كانت نار الحطب…


والقهوة هي مفتاح النهار هي أن تصنعها بيديك لا أن تأتيك على طبق لأن حامل الطبق هو حامل الكلام والقهوة الأولى يفسدها الكلام ‏الأول لأنها عذراء الصباح الصامت، الفجر نقيض الكلام ورائحة القهوة تتشرب الأصوات ولو كانت تحية رقيقة ‏مثل صباح الخير وتفسد…. لأن القهوة فنجان القهوة الأول هي مرآة اليد واليد التي تصنع القهوة تشيع نوعية النفس التي تحركها وهكذا فالقهوة ‏هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.‏
أعرف قهوتي وقهوة أمي وقهوة أصدقائي أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها .. لا قهوة تشبه قهوة أخرى ليس ‏هناك مذاق اسمه مذاق القهوة فالقهوة ليست مفهوما وليست مادة واحدة وليست مطلقا لكل شخص قهوته‏ الخاصة إلى حد أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته، ثمة قهوة لها مذاق الكزبرة ‏وذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مرتبا، وثمة قهوة لها مذاق الخروب ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل وثمة قهوة ‏لها رائحة العطر ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء وثمة قهوة لها ملمس الطحلب في الفم ذلك ‏يعني أن صاحبها يساري طفولي وثمة قهوة لها مذاق القدم من فرط ما تألب البن في الماء الساخن ذلك يعني أن ‏صاحبها يميني متطرف وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة.‏

لا قهوة تشبه قهوة أخرى لكل بيت قهوته ولكل يد قهوتها لأنه لا نفس تشبه نفسا أخرى، وأنا أعرف القهوة من ‏بعيد تسير في خط مستقيم في البداية ثم تتعرج وتتلوى وتتأود وتتلوى وتتأوه وتلتف على سفوح ومنحدرات ‏تتشبث بسنديانة أو بلوطة وتتغلب لتهبط الوادي وتلتفت إلى ما وراء وتتفتت حنينا إلى صعود الجبل وتصعد حين ‏تتشتت في خيوط الناي الراحل إلى بيتها الأول.‏

رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشيء الأول لأنها تتحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين ‏وما زالت تعود، القهوة مكان القهوة مسام تسرب الداخل إلى الخارج وانفصال يوحد ما لا يتوحد إلا فيها هي ‏رائحة القهوة هي ضد الفطام ، ثدي يرضع الرجال بعيدا، صباح مولود من مذاق مر حليب الرجولة والقهوة ‏جغرافيا.
االشاعر محمود درويش

تغريبة الفهد: (في رثاء اسماعيل):

سبتمبر 29, 2018 اضف تعليق
محمد خضير

على الرغم من أنّ خبر رحيل إسماعيل فهد إسماعيل كان صادماً وصاعقاً، وهو يخلّف في يومه الخامس كدمةً في سويداء القلب، إلا أنّ للخبر تتمّة وامتداداً للحياة الباقية بعد الرحيل. فالأدباء الذين يجتمعون عمداً أو اختياراً يتضايفون ولا ينقطعون: حياةً تَخلِف حياة، وروحاً تسند روحاً، وعموداً من الكلمات يتصاعد من الأجداث الممتدة حتى أفق النهاية. أنتم اليوم هنا أيضاً لتوقيع معاهدة الوفاء للراحلين، أولئك الذين لا أول لهم ولا آخِر. وبين حين وحين حكاية رحيل، ووداع حزين.

بعد وفاة محمود عبد الوهاب، جُمِعت آثاره وأُهدِيت الى جامعة البصرة. احتفظت الجامعة بالكتب وأعادت الأشياء الشخصية الى ذويه؛ وهؤلاء استخلصوا من الأشياء أخلصَها وألصقَها بنفسه - أوراقاً ثبوتية وصوراً عائلية - ووزعوا ما تبقى منها على أصدقاء الراحل الذي انقطع أمله من العائلة والحياة. يملك بعضنا قسماً من آثار الراحل - عصاه وقبعته وساعته ونظارته وأقلامه - ويملك آخرون قصاصاتٍ من أوراقه وذكرياته المدونة عن دراسته ورحلاته، إضافة الى رسائله مع أدباء مدينته وجلاس مقهاه وأقراص مسجلة للقاءاته الصحفية والتلفازية. بعد محمود عبد الوهاب وآخرين توزّعتهم الغبراء، سيخلّف اسماعيل فهد اسماعيل من الأشياء أثمنَها وأرخصَها، ولا أعلم كيف ستُوزَّع هذه التركة على ذويه ومؤسسات الثقافة التي خدمها الراحل أو خدمته بطبع رواياته وتصوير نصوصه التلفازية والمسرحية. ما الذي يتبقّى من الإرث المتنازَع بين الأيدي والخزانات؟ بماذا يخرج المتشاركون في حياة اسماعيل؟ الصور، الذكريات، الجلسات واللقاءات والمحاضرات؟ ما الذي سيُكتم وما الذي سيُشاع؟ وما هو أفضل وأبقى وأكثر دلالة على وجودٍ دام ثمانين عاماً من الحركة والسكون؟ رباه! أيذهب كل هذا سُدى، كما ذهبت آثار الأولين، وتنوهِبت سرّاً وعلانية؟ 

لا أقوى على رسم بهاء الوجود الانساني والمباهاة بمسك طرفٍ منه. فبين كل السِّيَر المقروءة والمسموعة عن عظماء الكتاب والفنانين، قد تسكن طويتَنا صورةُ شخص اسمه طارش أو فرهود أو زهرة، لفظته أمواجُ الهجرة والغربة على قارعة الطريق. وهذا البهاء الخافت انطبع على نفسي عندما قرأت في كتاب لسِيَر الخطاطين عن حادثة وفاة خطّاط بغدادي شهير، استخدمه البلاط الملكي لكتابة إراداته، ثم لُفِظ آخِر حياته في زاوية مسجد قديم بأحد الأزقة؛ فلما مات الخطّاط جُمِعت أقلامُه ومحابِرُه ورِقاعُه وبيعت بثمن بخس في مزاد صغير بمكان وفاته.

لا ينطبق هذا الانطباع على آثار اسماعيل فهد إسماعيل الثمينة والشهيرة، لكنه قد ينطبق من زاوية ما على غربة اسماعيل الحياتية والاجتماعية؛ هذه الغربة المتسعة التي بدأت بخروج إسماعيل من العراق الى الكويت في أواخر الأعوام الستينية الماضية، مرورا بغربته "الفلسطينية"، ثم حنينه الراجع الذي عكسَه في رواياته لموقع ولادته في قرية "السبيليات" بالبصرة. 

وإزاء هذا التوزّع الهوياتي الذي أنتج غزارةً في الروايات، ومواقفَ إنسانية صادقة قلَّ مثيلها بين الروائيين العرب، كنت حائراً في تفسير الرؤى التي تراودني عنه في منامي. ففي مرة حلمتُ أنني كنت محتجزاً في قُطر غريب مع مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، وأنّ الشخص الذي يحقق في هوياتنا هو اسماعيل المتنكر في زيّ مرقّط غريب. ولم أملك من تعبير لهذه الرؤيا المحرّفة إلا نسبتها الى الروح المشتركة بين صديقين، أحدهما مقيَّد ومقيم، والآخر حرّ ومرتحِل؛ وأنهما يودّان حقاً في تثبيت المكان ورسم حدوده الجغرافية، فمَن ينجح فعلاً في تحويل الرؤيا الى حقيقة ابداعية قبل الآخر؟

نعم. لقد نجح القِسم المتحوّل عن مكانه وهويته المكتسبة في أن يغدو روائياً عظيماً، مخلصاً لوطنه الجديد، فيما لم يستطع الآخر المقيم إلا مراودة الأحلام عسى تعوّضه بطلاقتها عن قيود الجسد واللسان. وكنت أخشى أن يحدّ الحنين من تغريبة "الفهد" وسرعته في قطع قوس الرمال الممتدّ، وأن يتبعثر بيدر العمل المضني الذي جمعه، هنا في مكان النشأة وهناك في بلد الاقامة الثانية. وكلّنا مقيم وكلّنا مرتحل، بصورة من الصور، أو حالة من الحالات.

لكنني أعترف اليوم بطبيعة اسماعيل الحساسة، المجبولة على حب الانسانية المعذبة وشمولها حالات عربية متفرقة يستطيع الانغمار في أتونها وامتصاص تأثيرها المدمر على طبيعته. فهو في مقتبل حياته احتملَ عذابَ الخروج الدراماتيكي من العراق وأفرَغَه في رباعيةٍ روائية رائدة لأسلوب تيار الوعي؛ ثم شارك التغريبة الفلسطينية بثلاثية "النيل" إضافة الى الثنائية اللبنانية؛ وليس سهلاً عليه أن يغضّ الطرف عن زمن الغزو والاجتياح فخصَّه بسباعية "إحداثيات زمن العزلة" تتأمّل المتغيرات من زاوية آسيوية بعيدة لجأ اليها. وخلال هذا الاتساع الروائي كانت الغربة تحفر لها نفقاً في الروح المرهونة لأحلام النشأة في "السبيليات" موطن النشأة الأولى؛ فقد يكمن وراء ظهره ظلّ لشخصية مغمورة تضاف الى شخصياتٍ "بدون" هوية تطلب إظهارها للنور. وفوق هذا قد تكون بقية من رفقة وذكريات تطلب استنقاذها من ظلمة الوعي وأعماقه البعيدة.

أيّ غِنى، وأيّة خطوة بعيدة، ولمسة حانية أدّتها هذه الروح الخفيفة المبتعدة دوماً عن ركود المدن وانشطار الهويات واندحار الآمال!
لترقد هذه الروح مطمئنة راضية!

* (فحوى الكلمة التي ألقيت في تأبين إسماعيل فهد إسماعيل باتحاد أدباء البصرة صباح اليوم السبت ٢٩/٩/٢٠١٨)
_ اللوحة للفنان عباس يوسف _

حين ضاع صلاح عبدالصبور في باب الخلق

سبتمبر 29, 2018 اضف تعليق

عبد المنعم رمضان


عندما مات صلاح عبد الصبور كان في الخمسين من عمره، صوره الفوتوغرافية تكشف عن عمر أكبر بكثير، كأن السنوات أيضا تتعرض لفروق العملة وفروق التوقيت، بدلته وملابسه وحزنه ومسئولياته وريادته وبقية شئونه، كلها كانت تلعب دورا في إثقال كتفيه بسنوات مضافة، قبله مات جمال عبد الناصر في الثانية والخمسين، وكأنه في السبعين، الشعراء الشباب في أيامنا يكاد عمر الواحد منهم يفوق عمر صلاح أو عمر جمال، وتكاد إنجازاته تكون أقل بكثير من إنجازات أيهما، سواء من حيث الكم أو من حيث القيمة، إذا ذهبت والتاء تاء المتكلم، إلي حي المهندسين بالقاهرة، ومشيت في شارع شهاب، رأيت فورا صلاح عبد الصبور يسبقني ويدخل في أحد الشوارع الجانبية، حيث يوجد بيته، وإذا جلست والتاء تاء المتكلم، علي كرسي بمقهي زهرة البستان بقلب القاهرة، ورأيت إحدى ابنتيه، معتزة أو مي، تذكرت أنهما في حياته مارستا الشعر والرسم، تذكرت أنني لم أتعرف عليه مباشرة، لم أقابله مرة واحدة، أنني سمعته يتلو شعره، ولم يكن من الذين يبهرونك بتلاوته، هل لأنني سمعته عبر الراديو أو التليفزيون، أم لأنه كذلك، تذكرت أنني تقريبا الوحيد بين زملائي الذي لم يذهب إليه ليتعرف عليه، سمعت أنه كان يرتاد كافيتريا لاباس، وأنه يقابل أعضاء جماعة الأمناء، وأنه يوجد بمكتبه في هيئة الكتاب، ويستقبل كل شاعر بحفاوة، ومع ذلك لم أذهب لأتعرف عليه، كأنني كنت أخشي أن يترك اللقاء أثرا علي محبتي، أن يخدش محبتي، همس صلاح عبد الصبور في شعره فتعلمت الهمس، وباح فارتبكت وخشيت من البوح، وتصوف فسعيت وراء شيوخه ووراء غيرهم، لهث خلف سيدي بشر الحافي وكتب عنه، فبحثت عن سيدي بشر في الإسكندرية وتوسعت وذهبت إلي مرقد الإمام البوصيري، وقرأت البردة داخل ضريحه، لهث خلف كفافيس الشاعر السكندري اليوناني، ومازلت ألهث خلف كفافيس، لم يقل مع الحلاج "ما في البردة غير الله"، ولكنه قال ما هو أعذب، فصاحبت الحلاج وماسينيون وعبد الرحمن بدوي والمغني عابد عازريه، عذبته النساء حتي قضي آخر أيام عمره تحت أشجار الليل، فتخيلت أنه يجب أن تعذبني النساء لأصبح مثله، و مازلت أتخبط بين أشجار الليل، علني أصبح مثله، علني أصبح مثل نفسي، علني أتبدد، حمل مخلاته المليئة بالشكوك والوساوس وذهب إلي الهند، فاشتريت مخلاة وملأتها بالشكوك والوساوس، وحلمت بالذهاب إلي الهند، ولكنني لم أذهب بعد، جلست تحت أقدام طاغور، وإلي جوار عنزة غاندي، ولم أذهب بعد، كتب المسرحيات، وعلي الرغم من أنني لم أقدر أن أفعل إلا أنني بسببه، وبسبب توفيق الحكيم تعلقت بالمسرح كنص أدبي، وليس كنص يلعبه الممثلون علي الخشبة، كانت خشبة المسرح بالنسبة له هي الخشبة الأخيرة بالنسبة للمسيح، أنفه الكبير أصبح هكذا كبيرا، لأنه تعود أن يشم روائح الأعماق، ويكتمها ولا يعطس، بينما أنف جمال عبد الناصر أصبح هكذا كبيرا، لأنه تعود أن يشمخ به، أن يصبح بطلا فوق الجميع، ورغم أنوفهم، خياشيم صلاح غير المرئية كانت تمنع عنه فساد أعماقه، لم يستطع عبد الناصر أن يمنع فساد بطولته لأنه كان بلا خياشيم، في أعراف صلاح، وفي أحلامه، وفي كوابيسه، رأي أن عبد الناصر هو الرجل ذو الوجه الكئيب، أما أعراف عبد الناصر، التي كانت غامضة وسرية، لم تظهر فيها صورة صلاح، عندما صادفت أحلام الفارس القديم، وقرأته، واستظهرته، احتفلت بكل حرف فيه، ساعدني الناس الأكثر معرفة وشرحوا لي شيفرة الإهداء، قالوا:


نون يعني نبيلة، وياء يعني ياسين، قالوا لي نون ياء هي نبيلة ياسين، لم أعرف امرأة بهذا الاسم، لولا أن سليمان فياض كتب عنها فصلا في أحد كتبه، أرهقتني رقة صلاح، وأرهقني ما يحكونه عنه، ذهبت معهم كامل الشناوي وفتحي سعيد وصلاح إلي منزل نجاة الصغيرة، ووقفت في الجانب المظلم من الشارع، رأيت كامل يدخل المنزل ويختلي بنجاة، ويقرأ عليها لا تكذبي، رأيت صلاح يختلي بسعاد حسني في بير السلم، وقرب الباب يقف فتحي ينتظر العاشقين، سألت فتحي سعيد: هل انتظرت طويلا؟ قال نعم، أرهقني شيوع شعر صلاح في مصر، وعدم شيوعه بالقدر اللازم في سواها من البلدان، وهو الجدير بالطيران إلي كل الدنيا، عندما أحب المازني أحببته أكثر، في الجامعة أحاطني زملاء كثيرون يعشقون شعره ويحفظونه، السيدة ملك عبد العزيز، ذكّرني ديوانها الجميل (أن ألمس قلب الأشياء) بعذوبة صلاح، تخيلته يقابل تلاميذه ويمنحهم قلبه، تخيلتهم يفتحون القلب وينهلون منه، ويأخذ كل شاعر منهم ما يساوي دقة قلب واحدة ويتشبث بها، ومع ذلك، ولذلك، لم يصبحوا شعراء راسخين، لم يتركوه لنا، لم يتركوه علي حاله، صديقه أبو العلاء المعري ليس صديقي تماما، لكن أغلب أعدائه أعدائي تماما، نظر صلاح إلي السلطة نظرة استخفاف، فطاردته، كانت تريده معها وتسعي وراءه، تولي كل المناصب، ومع ذلك كان وحيدا، فتح الباب واسعا ليمرق الذين سبقوني، ولنمرق نحن، وليمرق الذين أتوا بعدي، هناك من أتي وأغلق هذا الباب ثانية، هناك من انحشر رأسه، الشعراء من آخر الأجيال اعتبروه شاعر الحياة اليومية لأنه شرب الشاي في الطريق ولعب بالنرد، ورتق نعله، السفهاء لم يدركوا أن شاعرا مثل صلاح يعيش مشدودا من أطرافه جميعا، مشدودا بين الخفاء والتجلي، فالخفاء الكامل موت، والتجلي الكامل موت، وإتقان إدخال الخفاء في التجلي، وإدخال التجلي في الخفاء، هو لعبة الفن الصعبة، ظنوه يقف في ميدان عام، ويصيح: يا أصدقائي إنني حزين، فهتفوا: ها هو يتجلي، ظنوه يقف في غرفته ويقرأ مأساة الحلاج، فهتفوا: ها هو يتخفي، السفهاء من أجيالنا قالوا إنه برجوازي صغير، قالوا إنه شجرة خروب، بعد ثلاثين عاما من موته، بعد ثمانين عاما من ميلاده، أحاطه الصمت، كأننا وحوش نخاف من الإطلال علي مرايا الذاكرة، فعلنا الشيء نفسه مع يوسف إدريس، فعلناه مع الرومانسيين جميعا، فعلناه مع سعد مكاوي ويحيي حقي وتوفيق الحكيم ولويس عوض، ولولا تلامذة طه حسين لفعلناه معه، وفعلناه مع زكي نجيب محمود لأنه بلا تلامذة، نوبل حفظت نجيب محفوظ، كان صلاح عبد الصبور رئيسا لهيئة الكتاب، لكنها أساءت إليه بعد موته، نشرت أعماله كاملة ناقصة، أوكلوا الإشراف عليها لأشخاص لا يعرفونه، أهمية صلاح هي أهمية التأسيس والرؤيا، الكلاسيكيون لم يعجبهم عدم التزامه اللغوي وفضلوا أحمد حجازي عليه، الناصريون لم يعجبهم عدم التزامه الناصري وأيامها فضلوا أحمد حجازي عليه، واليساريون الرافضون لم يعجبهم عدم التزامه اليساري وفضلوا أمل دنقل عليه وعلي حجازي، والغامضون لم يعجبهم عدم التزامه الباطني وفضلوا عفيفي مطر عليه وعلي حجازي وعلي أمل دنقل، والمراهقون السذّج لم يعجبهم عدم التزامه المراهقة والسذاجة وفضلوا فاروق جويدة عليه وعلي حجازي وعلي أمل وعلي الجميع، الستينيون هدموه، وحولوه إلي تراث ليصنعوا تمثال صاحبهم، لكن كل الشعراء من كل الأجيال رأوه معلقا إلي جوار الحلاج ولم يكترثوا بعذابات جسمه، وقالوا: تكفينا روحه، لويس عوض قال هو الأعمق، لكن حجازي الأشعر، محمد مندور أنشأ دعوة أسماها دعوة الشعر المهموس، لا تنطبق إلا عليه أولا قبل أن تنطبق علي بعض الآخرين، جابر عصفور قال: اثنان علماني، صلاح علمني الثقافة وأمل علمني الحياة، أبناء جيلي أنشأوا عنه الرسائل العلمية، أبناء الأجيال التالية استعانوا به وبأمل ووضعوا علي لسانيهما شهادة نبوغهم التي لم ينطقاها صلاح وأمل ونشروها ضد الخصمين حجازي وعفيفي، ولا نعرف هل كان الخصوم سيصبحون أربعة لو ظل الشاعران الميتان حيين، السادات قابل حجازي وسأله: هل أنت المتسبب في موت صلاح يا أحمد، الرؤساء بعد السادات قد لا يعرفونه، مني الشاذلي أيضا ولحسن الحظ لم تعرفه، مع انها صانعة المطر وصانعة الشجر وصانعة الشعراء، محمود درويش لم يذكره بالحمد، سميح القاسم ذكره بالذم، عبدالحليم حافظ غني له في أول حياته، ثم غني عليه بقية حياته، بلغ صلاح التاسعة والسبعين ومازال الأب الطيب مازال حامل الراية ومازالت القاهرة تحت لسانه القاهرة مدينتنا القاهرة التي لم تعد مدينتنا، القاهرة التي لا تعتزل وصلاح الذي لا نسمح له أن يعتزل الذي نرجوه ألا يعتزل. 


 
 روزاليوسف يوم 06 - 05 - 2010



رانيا اسطفان تسألها وتحاورها وتوقظ ذاكرتها وذاكرتنا في «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة»

سبتمبر 28, 2018 اضف تعليق

حوار أجزاء سعاد حسني وصورها في خضم مرايا متقابلة ومتلاطمة 

حاورها وضاح شرارة
«ما أنشده واتخذه ميزاناً لعملي هو أن أكون والكاميرا شيئاً واحداً، وان استخلص من الواقع ومشاهده بنية متماسكة ولكن من طريق الصدفة، فأحصل على فيلم قائم بنفسه ومن تلقاء نفسه، من غير تدخلي، (...) وينتظم الشريط وحده. أطرح سؤالاً ويجيب الناس، ثم ينصرفون الى المناقشة بعضهم مع بعض، وانا أسمع وأدون، الموقف من العنف وكيف يتدبرون أمرهم...»، تقول رانيااسطفان، وهي تقصد شريطين سبقا «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» (2011). الاول صنعته في 2005، عام اغتيال رفيق الحريري، والثاني في 2006، عام الحرب. ويعرض «اختفاءات...» في برنامج دفاتر يومية، شهر السينما اللبنانية، بميتروبوليس أمبير. وما تقوله المخرجة اللبنانية في أشرطتها الوثائقية يصدق في شريطها «الروائي» الطويل والغريب: فمادة روايتها هي روايات الآخرين في سعاد حسني، وروايات سعاد حسني في نفسها، وفينا نحن، مشاهديها منذ ابتدائها التمثيل، وطوال نحو 30 سنة، وبعد تركها التمثيل قبل 10 سنين من موتها الاليم، وبعد موتها بعقد كامل ومتجدد. وقد تكون رانيااسطفان جزءاً أو وجهاً من وجوه ولادة سينمائية لبنانية خصبة.
[ يتوقع المشاهد، وهو ينوي مشاهدة فيلم يتناول سينما سعاد حسني، الممثلة السينمائية المشهورة، أن يقع على «صور» أو «وجوه» أو «مشاهد»، وكلها تدور على الحضور والظهور، فيقع على «اختفاءات» لا تقل عن ثلاثة، وأوكل اليها الاعراب عن الحضور...
ـ أحدهم قال لي أن الاختفاءات هي 300 صورة أو 300 حضور. المسألة ميتافيزيقية: كيف بعثُ أو تذكر انسان رحل ومات. والشريط ولد من موت سعاد حسني العنيف، ومن الانفعال الحاد الذي خلفه موتها في مشاعري. فرأيت أن المادة الأقرب اليها، والوثيقة الاقرب، هي عملها، والعودة الى أعمالها. وهي مثلت في 82 شريطاً سينمائياً شاهدت منها 76. ومع سعاد حسني طوي نوع من السينما المصرية. وهي أقلعت عن التمثيل في نهاية الثمانينات. والسبب في إقلاعها، في هذا الوقت، هو وقوع السينما في ازمة معنوية أدبية ومادية أدت الى استحالة الاستمرار على الحال السابقة: فالانتاج تغيرت متطلباته ومعاملته الممثلين والممثلات والمخرجين، ولم تبق مصر مصدر الروايات السينمائية التي تعم العالم العربي وينتظرها الجمهور العربي. ولعل سعاد حسني شعرت في ذلك الوقت انها هي كذلك تحطمت، وتحطم جسدها، ونضب ما انتجته الثورة الناصرية في السينما وانتهى. فاجتمعت أزمة السينما وأزمة حسني وأزمة مصر معاً.
وكان هذا الاختفاء الاول: تواري سعاد حسني عن السينما معنوياً وتمثيلاً قبل تواريها الثاني، المادي، وموتها بعد عشر سنوات. أما الاختفاء الثالث فهو طي السند المادي الذي كانت اعمال سعاد حسني تُتداول بواسطته وهو الفي إتش إس (VHS)، وهذا حادثة ثانوية ربما. وعندما بدأت أجمع نسخاً عن أعمالها، في 2001، جمعتها في هذه الصيغة، وعلى هذه الشاكلة، أي الفي إتش إس. وصادف أن هذا الوقت شهد نهاية مرحلة الفي إتش إس والانعطاف الى مرحلة الدي في دي (DVD). وكنت أحسب أنني قد أرجع الى الافلام في نسخ 35 ملم قبل أن استقر على السند الثاني...

[ على رغم رداءة بعض الفقرات والصور...
ـ هذه الصور، على حالها المتعثرة والمتلعثمة في بعض الاحيان، هي مرتكز العمل، وهي مصدر الذاكرة ومرجعها. فأردت إعادتها وإحياءها في الذاكرة مع أمراضها واضطرابها وتفتتها. وكنت أحسب أنني قد استعمل النسخ الرديئة والثانوية مجرد وسيلة قبل العودة الى النسخ الاصلية. وأدركت شيئاً فشيئاً أن النسخ الثانوية هي مادتي الاولى، وأنها هي من صنع الذاكرة والزمن. ومنها نشأت الفكرة. الممثلة الميتة تتذكر حياتها الماضية، أي اعمالها، وهي «ذكريات» تعتريها فجوات وغبش وانقطاعات وخواتم غير واضحة ودخول صوت وأصوات في صور وأصوات اخرى.

[ الفيلم من ثلاثة أقسام، ويسبق القسم الواحد ترتيبه ورقمه...
ـ خط بناء الفيلم العام رُسم على مثال مأساة من 3 فصول. والثلاثة رقم سحري. أردت أن استرجع ما صنعته الممثلة طوال 30 عاماً كما قد تسترجعه هي بعد الموت! وما صنعته يلابس تاريخ مجتمعها ومجتمعاتنا، ويتناول موضوعاته ومشكلاته، مثل الاختلاط أو العمل أو التردد الى الاماكن العامة والظهور فيها... وتقود الاستعادة الى مأساة. وسعاد حسني ماتت ميتة مأساوية. وثلاثة هو عدد فصول المأساة ورقمي الشخصي والسري أو الحميم.
والفصل الاول مادته من أفلام المرحلة الاولى، تلك التي تقع بين 1959 و1967، وفي أثنائها كانت سعاد حسني تعمل بنشاط وهمة، فتمثل في 4 أو 5 أفلام في السنة. وبلغ عدد أفلامها 34 فيلماً هي تقريباً نصف سيرتها المهنية. وهي افلام حقيقية، دراما اجتماعية تؤدي فيها دور الصبية المشاكسة واللعوب، وتروي قصص غزل واختلاط. وبعد الهزيمة، برزت أسئلة اجتماعية مختلفة، حادة وجدية. وتوجهت حسني الى مخرجين أقوى شخصية، واهتماماتهم أعمق من مشاغل الفتيان المراهقين والفتيات المراهقات المباشرة. فعملت في اشراف صلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ ونيازي مصطفى. والى 1973، وهو منعطف تاريخي آخر أصبحت عشيته، في 1972، نجمة، بلغت ذروة نضوجها التمثيلي وأدائها. أي ان الفصل الثاني هو أعوام 1967 1973. وفي 1972، تزوجت بعلي بدرخان، ومثلت 6 الى 7 أفلام تميزت بنظرة اجتماعية حادة. وفي 1973 1991، مثلت نحو 20 فيلماً.
والفصل الواحد من الفصول الثلاثة ينقسم، بدوره، الى مشاهد. ويجوز القول عموماً، أن الفصل الاول هو فصل الطفولة والنشأة، والفصل الثاني هو فصل النضوج، والثالث هو الخاتمة. وأردت أن أقول رأياً في الفي إتش إس والتلفزيون، في الصورة الاخيرة.

[ تتناول المختارات من الافلام المختلفة موضوعات تدور عليها، وهذه المختارات حظيت بحصص وشطور، قليلة أو كثيرة، وحظي المخرجون بحصص متفاوتة كذلك. والحصص هذه، من الافلام والموضوعات والمخرجين والمراحل، جزء من «صوغ» سعاد حسني ومن بلورتها في المراحل المختلفة. فما هي عوامل صوغها أو بلورتها؟
ـ أعود الى المربع الاول أو الفكرة الاولى: ولد الفيلم من صدمة انتحار سعاد حسني. وعندما بدأت أعمل على الاشرطة وأشاهدها مرة ثانية وثالثة ورابعة، امتلكني حدس قوي أدركت معه أن في وسعنا، في وسعي، انشاء أو صنع عمل متخيل ومتماسك البناء والمعنى من مادة هي أعمال روائية وسينمائية متخيلة سابقة. وأنا لم أشاهد الاشرطة الشريط تلو الآخر بحسب سنوات صنعها وعرضها، بل شاهدتها من غير تدرج ولا نظام، على نحو مصادفات ورودها من مصر. وحدسي الاول بقي من غير قوام أو شاهد يصدقه. فكان عليَّ انجازه والبرهان عليه وعلى حقيقته اثناء العمل، أي التوليف، ومن طريق التوليف نفسه.
فالعمل الروائي المتخيل والمتماسك لم يسبقه مثال قائم في نفسه، وما كان علي إلا أن أحتذي عليه، الرواية المتخيلة والمتماسكة كان عليَّ صنعها من فتات الصور والفقرات والسعي في تماسكها من داخل ومن تلقاء نفسها. وأردت منذ ابتداء العمل، اطراح أي عنصر من خارج أعمال سعاد حسني، ويتولى الربط بينها أو الايحاء، من خارج، بمعنى يُقحم على المتفرج المشاهد وفهمه، ويعترض رحلته في ثنايا المادة السينمائية.
وانضبط العمل على الاصلين هذين: البناء على رسم مأساة والاقتصار على المختارات. وفي ضوئهما اخترت الصور أو المقتطفات من الافلام. وانتقيت او اقتطفت ما يجاري بناء الرواية المتخيلة والمتماسكة، وليس ما استهواني أو يستهويني من أعمال سعاد حسني، وما أحبه منها. ففي «المتوحشة» (1978)، على سبيل المثل، مشهد مشادة مع محمود عبد العزيز، وتحاول هي القول أنها ترغب في رعايته واهتمامه، وأن الناس يحملونها على خليلة أو «مومسة». وهي لا تبكي في الاثناء، ولكن الدموع هنا، ويلمس المشاهد توترها أو كمونها. وهي حال مترجحة وعسيرة على الممثلة. ولم أدخل المشهد في توليفي لأنه يتصل بسياق قوي ومتماسك طويل، ولا يُختصر. فشرطا الانتخاب هما القابلية للانخراط والاندراج في روايتي، من جهة، وقوة التعبير عن أداء حسني وموضوعاتها، من جهة أخرى. وغلبت الشرط الاول على الثاني، أي تماسك الرواية على الانفعال. 

[ وما كانت النتيجة في ميزان الحصص والشطور؟
ـ القسم الاول معظم مختاراته من الافلام بالابيض والاسود، الى 1967 كما قلت من قبل. والقسم الثاني معظم مقتطفاته من سينما النضوج والمشاهد القوية البناء والاداء. وفي هذه المقتطفات تؤدي حسني أدوار المرأة المتزوجة، أو المرأة الملهمة والمثالية. ولم اشأ أن أقيد نفسي في مختارات القسم الثالث، أو أن اقصر الانتخاب على معايير ضيقة. فقدمت قوة المشاعر والتأثير على سائر المعايير. ولما كانت الفكرة الاساس، أو خيط الشريط، هي تذكر الممثلة المنتحرة أوقات حياتها الماضية، فلا بأس بتلعثم الذكريات وتعثرها وتكرار بعضها، بل لا بد من التلعثم والتعثر والتكرار والتحريف. وعمدت الى التوسل بمشاهد الحلم في بعض المواضع، فجمعت في المشهد الواحد اضطراب الصورة الى ضعف التعرف والإلحاح في السؤال، والتفاوت بين الاوقات، ودمج أوقات في أخرى. وهذا طريقة من طرائق القص والرواية حين يكون موضوعهما التذكر: كيف تتذكر سعاد حسني «حيث» هي ومن «المحل» الذي تتذكر منه، ما قد تتذكره؟ وكيف تنبعث ذكرياتها وتأتيها؟ وهذا، أي الانبعاث والاتيان، من ركام صور أفلامها...

[ هل «بئر الحرمان» هو نواة القسم الاول؟ وما حال الافلام الاخرى؟
ـ لا، ليس هو النواة، والحق أنه ليس هناك نواة بل ما يشبه المدار أو المحطة. ومدار القسم الثاني هو على عدد من الافلام. ولا شك في أن «بئر الحرمان» مركزي في مسير حسني. وهي تعلمت كثيراً من كمال الشيخ. وهو «جنتلمان» السينما المصرية، وأكثر المخرجين المصريين انكباباً على رسم «الكادر» واختيار الألوان، وأكثرهم رهافة، على رغم انخراطه في السوق الجماهيرية. وافلامه دقيقة البنيان، ويحرص على ادارة الممثلين بحرفة واحترام. وهو لا شك ساعد سعاد على حدس «الاشخاص» الذين أدت أدوارهم، وعلى بناء هذه الادوار واستبطانها او الاحساس بها من داخل. ولا شك في جرأة الدور وتعقيده: المرأة التي تقر بماضيها لخطيبها والخطيب الذي يعرف الماضي، والمرأة والرجل اللذان لا يخجلان لا بالماضي ولا بالحاضر... ويُشاهد الفيلم الى اليوم، بمتعة. وكمال الشيخ تعلم كثيراً من هيتشكوك ومن «مارني» على الاخص.
والى «بئر الحرمان» هناك «البنات والصيف» (فطين عبد الوهاب، 1960) و»حسن ونعيمة» (بركات، 1959) في المرتبة الاولى. وجمعت توليف الصوت الى توليف الصورة، فأدخلت الاصوات في صور ليست لها في مصادرها أو افلامها الاصلية، وأدخلت الصور على اصوات هي اصوات صور أخرى. فمشاهد الركض مأخوذة من 15 فيلماً هي مجموع الافلام التي تركض فيها حسني.
ومصادر الجزء الثاني هي على الخصوص «غروب وشروق» (كمال الشيخ 1968 أو 1969)، و»زوجتي والكلب» و»القاهرة 30» (صلاح أبو سيف) و»شيء من العذاب» (ابو سيف كذلك)، و»خللي بالك من زوزو» (1972)، و»حب في الزنزانة» ( ربما 1981)، و»أميرة هي أنا» و»نادية» (علي بدرخان)، وغيرها كثير. وهذه الاعمال تعالج الكوميديا الاجتماعية، وفصولها هي الزواج والصداقة والطبقات الاجتماعية والجامعة والطلاق. والسؤال البارز، في نهاية المطاف، هو قدرة المرأة على بلوغ مثالها الشخصي ومشاركة الرجل «متعته». وحين وقعت هزيمة 1967، آذنت بوداع عمر البراءة وقدوم عمر النضوج.
وأفق الجزء الثالث هو النهاية المأساوية، والسؤال عما يدعو امرأة ممثلة الى الموت انتحاراً. ومصادر هذا الجزء هي أفلام «الخوف» (سعيد مرزوق، 1971)، و»موعد على العشاء» (محمد خان، 1980؟) و»شفيقة ومتولي» (علي بدرخان، 1978)، و»عصفور الشرق» (يوسف فرنسيس، 1989)، «المتوحشة» (1978). والمشاهد مختارة من افلام العنف والفراق هذه. فما الذي يحمل ممثلة، هذه الممثلة، بعد نضوجها وأدوارها الكثيرة، وفي ضوء «ذكرياتها» (في مرآة أفلامها)، على اختيار الموت؟

[ هل وقائع افلامها هي وقائع حياتها؟ وهل تسوغ مشاهد الانتحار السينمائية في مقتطفات الجزء الثالث الكلام على انتحارها بلندن؟
ـ لا شك ان المادة السينمائية متخيلة، وهي جزء من بناء الممثلة وعملها. ويبدو لي أن هناك توازياً قوياً بين السياقين. فالسينما كانت مرآة الاختبارات التي ربما لم تختبرها سعاد حسني على الشاكلة السينمائية التي يراها المشاهد، ولكنها تشبه شبهاً قوياً اختبارات ممكنة قد تجربها كل النساء ومنهن سعاد حسني طبعاً. ومشاهد العنف تصف ما يصيب جسد الممثلة وتصوره الكاميرا. والعنف غير مادي فعلاً ولا يصيب الجسد الحي ولا يؤلمه، ولكنه يوحيه ايحاءً حاداً، ويدعو الممثلة الى استبطانه، والى الاحساس به. والممثلة، وما يحل بها، هي داخل الفيلم وخارجه، تؤدي ما تمثل من داخل، وتراقبه من خارج. وطوال 30 سنة، اصاب جسدها السينمائي من القبل والرغبة والعبادة والركل والشتم والازدراء، ما يفوق التصور والاحصاء. والمعروف والمتداول عن سعاد حسني إعدادها أداء ادوارها إعداداً دقيقاً، وفضولها بإزاء أدوارها. فكانت تسأل عما إذا المرأة التي تؤدي دورها عسراوية أم لا، وتفضل الحليب على القهوة، واشياء أخرى من هذا القبيل.
[ هل ترينها ممثلة كبيرة؟
ـ تتمتع بصفة نادرة هي ان المشاهد لا يمل مشاهدتها، وأرى أنها صفة الممثلات الكبيرات. وهي لا تتحفظ ولا تمسك، وحضورها كامل وغامر. 
[ في الجزء الاول من المختارات المولفة المركبة يغلب وجه سعاد حسني وهي تحاول الخروج من غيبوبة ونسيان يصيبان هويتها، ويعلو صوت الرجل المعالج الطبيب، ويأمرها بالتذكر والاسترجاع والصدق والضبط. فيبدو أن الاختفاء والنسيان يسبقان الهوية وتعرفها واستعادتها. وفي مشهد مسابقة العدو والركض، تحتل حسني المكان الاول. والجزء الثالث يستعيد المشهد الطويل هذا وتصور الكاميرا الممثلة كاملة: الوجه والجسد والمنصة والرقم 1. فهل هذا، السبق والمكانة والتمام، هو جواب خلل الهوية؟

ـ استعادة الصور والمشاهد والاجزاء مثالها أو أنموذجها هو استعادة الذكرى أو بناء ما نتذكر من تقديم وتأخير وخليط وتقاطع. وتعريف الهوية في الزمن، التذكر والنسيان والفجوات والرضات، يتصل من وجوه كثيرة بتعريفها الاجتماعي. في «خللي بالك من زوزو»، الصبية تأتي من طبقة اجتماعية متواضعة، فهل يجوز أن تخالط أناساً من طبقة أعلى؟ ودخول الجامعة مسألة أخرى من الخط نفسه. ويروي «الحب الذي كان» قصة امرأة يتعثر زواجها وتلتقي الشاب الذي أحبته قبل زواجها، فتريد العودة اليه. فمن تكون المرأة والحال هذه؟ وأي أحوالها وأوقاتها أقرب إليها وإلى من هي وما هي على حقيقتها؟ وهذا جريء، ويذهب الى ان الحب وحده ليس جواباً، ويطرح أسئلة شخصية واجتماعية واخلاقية وجنسية. ومشكلة المرأة مع زوجها، في الفيلم نفسه، هي انهما لا يتشاركان المتعة. ولعل هذا التعقيد هو من نتائج خسارة 1967، فلم يعد ممكناً النظر الى العالم من غير الانتباه الى وجوهه الكثيرة والمتضاربة واعتبارها، ولا يسيراً تعريف الهويات في نفسها وبمنأى من سيرها أو سير أصحابها. 

[ في الجزء الثاني، سعاد حسني مثال للصورة وللوحة، وشبه للتمثال اليوناني (أفروديت)، وهي على هذه الحال من الهوية والمثال، تسأل عن الحب وعن الماضي والفن. وعلى هذا، فهوية سعاد حسني الممثلة والمرأة الحية، التاريخ الفني الروائي والجسد موضوع العشق والانتقام وهوية أي امرأة تتعرض للحياة والرواية، عصية على التوحيد والجمع...
ـ ما كان واضحاً في ذهني وانا اصنع الشريط من المختارات ان سعاد حسني تجيب عن أسئلتي بصوتها. وفي نص الترجمة أسفل الشريط، كتبت الاقوال الصادرة عنها بخط مائل للدلالة على هذا الحوار. والاسئلة التي رغبت في طرحها عليها، ولكنتُ طرحتها عليها لو أنها حية، مستقاة من خزانتها السينمائية هي. وتدور هذه الاسئلة، على نحو ما هو ظاهر في قيامها بدور المثال وفي كلامها، في الاثناء، على علاقة الفنان بفنه. وسذاجة اسئلة حسني وأقوالها لا تطعن في حقيقة الاسئلة، ولا في المسألة الجوهرية التي تتناول حياة الصور السينمائية وعلاقة الفنان، مخرجاً وممثلاً ومصوراً وكاتباً... بها، كان ذلك في اثناء الاخراج والتصوير ام بعد الفراغ من العمل واستعادته في الذاكرة أو في تاريخ الفن. وشريطي كله، من أول صوره الى آخرها، يجري في خضم مرايا متقابلة تتبادل الصور، وتتحاور حواراً متكسراً ومتعرجاً بواسطتها ومن طريقها. 

[ . وهذا ربما يجعل العمل المركب، العمل الذي تنزع مادته من اشرطة روائية وليس من «الحياة»، يعصى السبر والاحاطة فوق ما تعصاهما المادة الاولى...
ـ طبيعة السينما نفسها وفتنتها تقومان على كيمياء الضوء الذي يغسل وجهاً انسانياً، على المعجزة الاولية هذه. ويخلط هذا قوة متصلة تدوم ما دامت الصورة. واستعادة الصور، اليوم، في حبكة أخرى غير الحبكة الاولى، يبعث الحياة، أو يبعث حياة في معجزة التقاط الوجه والتعبير. وأثر الوجه أو الحياة، في الصورة، يكاد يكون واقعة ميتافيزيقية. ولا ينفك ظهور «الشخص»، أي من تثبته آلة التصوير على الشريط وتحضرُه الضوءَ امام المشاهدين، يتمتع بشحنة قوية وعميقة. وهذا لا يحول دون الانفعال بالشحنة المتأتية من علاقات الصور بعضها ببعض، على النحو الذي يقيمه التوليف. ولا شك في ان التوليف يومئ الى افق علاقات وامتزاج وتوالد لا يحصر ولا يحد. والمخرج المولف يَحرف مولفاته عن معانيها المباشرة، وهي نفسها معانٍ مضطربة وكثيرة، ويسوقها الى معانٍ أخرى مولودة من أسئلته وتوقعاته وحواراته مع الاشرطة، ومع سعاد حسني وتاريخها، وأفكاره وأخيلته... فثمة حياة تحياها الصور فيما بينها، وحاولتُ رواية أجزاء من هذه الحياة.

الاحد27 مايو 2012  ملحق نوافذ

إدوارد سعيد... تحية إلى راقصة

سبتمبر 27, 2018 اضف تعليق

أم كلثوم هي أعظم وأشهر المُغنين في العالم العربي في القرن العشرين، وعلى الرغم من مرور خمسة عشر عاما على وفاتها، إلا أن أسطواناتها وأشرطتها لا تزال متوفرة في كلّ مكان. وهي معروفة أيضا لدى عدد كبير من غير العرب، نظرا لما لغنائها من تأثير منوّم ومُحزن من جهة أولى، ولكونها وجها بارزا في ذلك الضرب عالميّ النطاق من إعادة اكتشاف الفن الشعبيّ الأصيل من جهة ثانية. بيد أن أم كلثوم لعبت أيضا دورا مُهما في الحركة النسائيّة الصاعدة في العالم الثالث بوصفها “كوكب الشرق” التقيّ الذي مثّل ظهوره على الملأ نموذجا ليس للوعي الأنثوي وحسب بل للياقة الاجتماعيّة المحليّة أيضا. وفي حياة أم كلثوم، دار الكلام عمّا إذا كانت سحاقيّة أم لا، غير أنّ قوّة أدائها قصائد الشعر العمودي بما وُضِع لها من ألحانٍ رفيعة كانت كفيلة وحدها بأن تطغى على مثل هذه الشائعات، فكانت أم كلثوم في مصر رمزا وطنيّا حظي بالاحترام سواء في عهد الملكيّة أم بعد الثورة التي قادها جمال عبد الناصر.

ومسيرة أم كلثوم الفنية مسيرة استثنائيّة من حيث الطول، وقد حظيت عند معظم العرب باحترامٍ رفيع على الرغم من انطوائها على تلك النفحة الرومانسيّة القويّة من الإيروسيّة التي نجدها لدى الراقصة الشرقيّة. فالراقصات الشرقيّات، شأن المُغنية العظيمة نفسها، عادة ما كُنّ يُؤدّين رقصاتهن في الأفلام، وعلى المسارح، والكاباريهات، والأعراس وسواها من الاحتفالات في القاهرة والإسكندريّة. وفي حين لم يكن بمقدور المرء أن يستمتع حقّ الاستمتاع بالنظر إلى أم كلثوم البدينة الصارمة، فإنّه لم يكن بوسعه ألاّ يُمتّع ناظريه بالراقصات الجميلات، اللواتي كانت بديعة مصابني لبنانية الأصل نجمتهن الأولى، فضلا عن كونها مُمثلة، وصاحبة كباريه، ومُعلّمة للمواهب الفنيّة. ولقد انتهت مسيرة مصابني كراقصة مع الحرب العالميّة الثانية، وكانت وريثتها وتلميذتها الحقيقيّة تحيّة كاريوكا، التي هي، في نظري، أروع راقصة شرقيّة على الإطلاق. وعلى الرغم من أن كاريوكا قد بلغت اليوم الخامسة والسبعين من عمرها، إلا أنّها لا تزال فاعلة كممثلة ومناضلة سياسيّة فضلا عن بقائها، شأن أم كلثوم، رمزا بارزا من رموز الثقافة الوطنيّة. فأم كلثوم غنّت في حفل زفاف الملك فاروق في العام 1936، وكانت تلك الحفلة الباذخة ذاتها أوّل ظهور لتحيّة. وقد جلبت لها شهرة لم تفقدها بعد ذلك أبدا.

وفي عزّها كراقصة فريدة، كانت تحيّة كاريوكا تجسيدا لضربٍ من الإثارة بالغ الخصوصيّة، مما جعلها أنعم الراقصات وأبعدهن عن التصريح، كما جعلها في الأفلام المصريّة نموذجا واضحا أشدّ الوضوح لـ “Femme Fatal“*. وحين عُدت إلى عدد من الأفلام التي مثّلتها بين أوائل الأربعينات وعام 1980 وجدتُ 190 فيلما، وحين سألتها في القاهرة ربيع 1989 عن هذه الأفلام، لم تستطع أن تتذكر الرقم الفعلي لكنّها قدرت أن يكون المجموع أكثر من 200. ولا يكاد يخلو فيلم من أفلامها الأولى من رقصة على الأقل، فجميع الأفلام المصريّة التي لم تُرِد أن تُصنّف ضمن “الدراما الراقية” (حفنة وحسب هي التي أرادت ذلك) كان لا بدّ أن تشتمل على نمرة من الرقص المُرافق للغناء. فهذه كانت صيغة أشبه براقصات الباليه التي كانت ترافق الفصل الثاني في عروض الأوبرا الباريسيّة في القرن التاسع عشر: حيث كانت رقصات الباليه هذه تُؤدّى سواء لاءمت القصّة أم لا. وفي الأفلام المصريّة كان من المُمكن لمذيعٍ أن يظهر فجأة على الشاشة ويُعلن عن مُغنّ وراقصة، ليتكشّف المشهد (دونما مسوّغ في الغالب) عن نادٍ ليلي أو قاعة واسعة، ثم لا تلبث فرقة موسيقيّة أن تعزف ألحانها، ويبدأ العرض.

لقد قدّمت تحيّة مثل هذه المشاهد. لكنّها لم تكن أكثر من مسودّات مُختصرة وغير مصقولة لما كانت تُقدّمه في الكاباريهات من عروضٍ كاملة، كنتُ قد شاهدتُ واحدا منها وسيظلّ حيّا يُجفل ذاكرتي ما حييت. كان ذلك في العام 1950. وكان زميلٌ لي مُغامر من زملاء المدرسة قد اكتشف أنّها ترقص في كازينو بديعة المكشوف في الجيزة على النيل (حيث يقوم فندق الشيراتون الشاهق)، واشترينا البطاقات، ووصلنا إلى هناك في المساء المُحدّد قبل ساعتين على الأقلّ من الوقت الذي يُفترض أن تبدأ به، أربعة فتيان مُرتبكين في الرابعة عشرة من عمرهم. كان حرّ النهار في ذلك اليوم الحزيراني قد تحوّل إلى عشيّة مُنعشة عليلة النسمات. وحين أُطفئت الأنوار إشارة إلى دور النجمة، كان كازينو بديعة مُمتلئا تماما، وكانت طاولاته التي يزيد عددها على الأربعين قد ازدحمت بجمهورٍ مصري من غواة الطبقة الوسطى. أما شريك تحيّة في تلك الأمسية فكان المُطرب عبد العزيز محمود، أصلع، بليد الملامح بسترة بيضاء، جاء وانغرس في كرسي من القش وسط المنصّة البدائيّة، وطفق يُغنّي برفقة تخت موسيقي صغير جلس أفراده إلى جانب المنصة. كانت الأغنية “منديل الحلو”، التي تتغنّى مقاطعها التي لا حصر لها، مرّة بعد مرّة وطوال ما يُقارب الساعة الكاملة، بالمرأة التي طوت ذلك المنديل، ومسحت به دموعها، وزيّنت شعرها.

تواصلت هذه الأغنية خمسين دقيقة على الأقل قبل أن تظهر تحيّة فجأةً على بعد بضعة أقدام خلف كرسي المطرب. كنّا جالسين في أبعد الأماكن عن المنصّة، لكن البدلة الزرقاء الوامضة المتلألأة التي كانت ترتديها خطفت أبصارنا، فيا لذلك اللمعان في التّرتِر، ويا لوقفتها الهادئة المضبوطة وهي تقفُ هناك واثقة تماما. إنّ جوهر فن الرقص العربي التقليدي، شأن مصارعة الثيران، ليس في كثرة حركات الراقصة وإنّما في قلّتها: وحدهن المبتدئات، أو المُقلّدات البائسات من يونانيّات وأمريكيّات، من يُواصلن الهزهزة والنطنطة الفظيعة هنا وهنا ما يُحسب “إثارة” وإغراءً حريميّا. فالهدف يتمثّل في إحداث أثر عن طريق الإيحاء أساسا (إنما ليس حصرا على الإطلاق)، وذلك عبر سلسلة من الحوادث المُترابطة معا بصيغٍ مُتعاقبة، أو موتيفات متكرّرة، على ذلك النحو من التوليف الكامل الذي قدّمته تحيّة في تلك الليلة. فموتيف تحيّة الأساسي، بالنسبة لـ “منديل الحلو”، هو علاقتها بعبد العزيز محمود الذي كان غافلا عنها إلى حدّ بعيد. فكانت تنزلق من ورائه، فيما هو يدندن برتابة، فتبدو كما لو أنّها ستقع بين يديه، مُقلّدة إياه وهازئة منه، كل ذلك من غير أن تلمسه البتّة أو تستثير ردّة فعله.

كانت أُحجيتها الشفّافة تتدلّى فوق البكيني المحوّر الذي يُشكّل جزءا أساسيّا من بدلتها دون أن يكون أبدا مصدر جاذبيّتها الأساسي. فجمال رقصها يكمن في تكامله: في ما تُخلّفه من شعورٍ بجسدٍ مُذهل في لدانته وحُسنه يتماوج من خلف عدّة معقدة من الزينة المؤلفة من الشرائط، والأحجية والعقود، وسلاسل الذهب والفضّة، التي تبعث حركاتُ تحيّة فيها الحياة على نحوٍ مُتعمّد وعلى نحوٍ مُفترض في بعض الأحيان. إنّها لتقف، مثلا، وتبدأ بتحريك وركها الأبيض ببطء، الأمر الذي يبعث الحركة في طماقيها الفضيين، وفي الخرز المتدلّي على الجانب الأيمن من خصرها. وإذ تفعل كل هذا، فإنّها ترنو إلى هذه الأجزاء المتحركة وتُثبّت نظراتنا المُحدّقة إليها نحن أيضا، كأنّنا جميعا إزاء مسرحيّة صغيرة مستقلة، مضبوط الإيقاع كلّ الضبط، نُعيد فيها تكوين جسدها على النحو الذي يسلّط الضوء على جانبها الأيمن الذي يبدو كأنّه قد انفصل عن بقية جسدها. كان رقص تحيّة أشبه بأرابيسك متطاول تُحكم صنعه من حول شريكها الجالس. لم تنطتط، أو تهزهز نهديها، أو تتقدّم من أحد لتدفعه أو تحتكّ به. كان ثمّة تروّ مهيب في كلّ شيء بما في ذلك المقاطع السريعة. وعَلِمَ كلّ منّا أنه يعيش تجربة إيروسيّة هائلة الإثارة، نظرا لإرجائها الذي لا ينتهي، تجربة ما كان لنا أن نحلم بأن نصادف مثلها أبدا في حياتنا الواقعيّة. وتلك على وجه الدقّة هي النقطة المُهمّة: فقد كان ذلك ضربا من الجنس بوصفه حدثا عامّا، مُخطّطا ومُنفّذا ببراعة، لكنه مستعصٍ تماما على الاكتمال أو التحقّق.

قد تلجأ بعض الراقصات إلى الحركة البهلوانيّة، أو التزلّق على الأرض، أو التعرّي الخفيف، أما تحيّة فلا. فرشاقتها وأناقتها توحيان بما هو كلاسيكي تماما بل ومهيب. والمفارقة أنّها كانت ملموسة وقريبة كما كانت نائية، لا تُطال، ولا تُنال في آنٍ معا. وفي عالم الكبت الشديد الذي كنّا نعيشه كانت تلكم الصفات تعزّز الانطباع الذي خلّفته تحيّة. وأذكر على وجه الخصوص أنّها ما إن بدأت ترقص حتّى ارتسم على وجهها ما بدا وكأنه بسمة صغيرة مستغرقة في ذاتها لازمتها طوال العرض، وكان فمها مفتوحا أوسع مما تكون عليه البسمة في العادة، كما لو أنّها مختلية بنفسها تتأمّل جسدها وتستمتع بحركاته. لقد طغت تلك البسمة على كلّ بهرجة مسرحيّة مُتكلّفة في المشهد أو في رقصها، فنقّتهما بما انطوت علي من تركيز مفروض على أفكارها العميقة والشاردة. بل إنّني ما من مرأة رأيتها ترقص في الأفلام الخمسة والعشرين أو الثلاثين التي شاهدتها لها، إلا وكنتُ أعثر على تلك البسمة، مضيئة الخلفيّة التي عادة ما تكون سخيفة مُتكلّفة. بسمتها نقطةٌ ثابتةٌ في عالمٍ قُلّب.

لقد بدت لي تلك البسمة رمزا لتميّز تحيّة في ثقافة طلعت علينا بعشرات الراقصات اللواتي يحملن اسم زوزو أو فيفي، معظمهن يوضعن في مرتبة لا تعلو بأكثر من درجة على مرتبة العاهرات. كان هذا واضحا على الدوام في مرال الازدهار المصري، كآخر أيّام فاروق مثلا، أو حين أتت فورة النفط بالخليجيين الأثرياء إلى مصر، وهذا ما يصحّ أيضا على لبنان حين كان ملعب العالم العربي، بآلاف الفتيات الجاهزات للعرض والإيجار. وبدا في مثل هذه الظروف أن معظم الراقصات كنّ على استعداد لأن ينتهين إلى المزايد الذي يدفع أعلى الأسعار، حيث كان النادي الليلي مجرّد واجهة مؤقتة للعرض. والملوم في هذا هو ضغوط ثقافة إسلاميّة محافظة، وكذلك تلك التشوّهات التي أحدثها تطوّر مُتفاوت. فالمرأة المُحترمة الصالحة للزواج هي تلك التي يُكتب لها الزواج قبل أن تبتعد كثيرا عن فترة المراهقة، ولذا لم يكن الصبا أو الجمال ليمنح الفتاة ميزة على الدوام، لأنّ والدها التقليدي قد يرتّب لها بسببٍ من ذلك تحديدا زيجة من رجل “ناضج” حسن الأحوال. أما من يخرجن من دائرة تلك الترتيبات فكنّ عرضة لكل صنوف الخزي والتحقير.

لا تنتمي تحيّة إلى ثقافة الفتيات الرخيصات أو النساء الساقطات التي يَسهلُ تعريفها، بل إلى عالم النساء التقدميّات اللواتي يتفادين الحواجز الاجتماعيّة أو يُزلنها. فقد ظلّت تحيّة مرتبطة بمجتمع بلادها ذلك الارتباط العضوي، نظرا لما اكتشفته لنفسها كراقصة ومحييةٍ للحفلات من دور آخر أكثر أهميّة. إنّه دور العالمةالذي كاد أن يُنسى والذي تحدّث عنه زوار الشرق الأوروبيّون في القرن التاسع عشر مثل إدوارد لين وفلوبير. فقد كانت العالمة محظيّة من المحظيات، إنّما إمرأة ذات مآثر بارزة. ولم يكن الرقص سوى واحدة من مواهبها الكثير: كالقدرة على الغناء وتلاوة القصائد، وطلاوة الحديث، وسعي رجال القانون والسياسة والأدب إلى رفقتها.

ولقد أُشير إلى تحيّة باسم العالمة في أفضل فيلم لها، ألا وهو لعبة الست (1946) الذي كان أيضا من بطولة نجيب الريحاني، أعظم الممثلين والكوميديين العرب في القرن العشرين، ذلك المزيج المُذهل من شابلن وموليير. ففي ذلك الفيلم تلعبُ تحيّة دور راقصة شابّة موهوبة وذكيّة، يستخدمها أهلها الأنذال للإيقاع بالرجال الأغنياء. أمّا الريحاني، الذي يلعب دور معلم عاطل عن العمل، فمُغرمٌ بها وهي تحبّه بدورها، لكنها تُدفع من قبل والديها إلى مكيدة تجلب لها الثراء بالإيقاع بثريّ لبنان. وفي النهاية تعود تحيّة إلى الريحاني في خاتمة عاطفية كثيرا قلّ أن سمحت بها بقيّة أفلامها الأخرى. وهي تؤدّي في هذا الفيلم رقصة قصيرة ومثيرة إلى حدّ الإدهاش، غير أنّ المراد لهذه الرقصة هو أن تكون أمرا ثانويّا تقريبا بالقياس إلى فطنة تحيّة، وذكائها، وجمالها.

ويبدو أنّ المُخرجين قد دأبوا بعد ذلك الفيلم على تثبيت تحيّة في نسخة أشدّ رداءة من هذا الدور، الذي راحت تعيده فيلما بعد فيلم. فهي المرأة الأخرى، نقيض البطلة الفاضلة، المقبولة محليّا، والأقل إثارة بكثير. غير أنّ مواهب تحيّة تُشعّ حتى ضمن تلك الحدود. فهي تدفعك للاعتقاد بأنّها أشدّ إثارة كرفيقة وعشيقة من المرأة التي تتزوّج البطل، فتبدأ بالتفكير بأنّ ذكاءها وإغراءها الشديدين هما ما يفرض تصويرها في صورة المرأة الخطيرة، العالمة التي هي أعلم، وأذكى، وأشدّ انفتاحا من أن يحتملها أي رجل في مصر المعاصرة. وما إن جاءت الخمسينات حتى غدت تحيّة النموذج الذي تنسج عشرات الأفلام المصرية على غراره في رسم صورة المرأة-الشيطان. ففي شباب امرأة، الذي يُعتبر فيلما كلاسيكيا متأخّرا، تلعب تحيّة دور أرملة قاسيّة تتضوّر جوعا للجنس وتؤجّر غرفة لقروي جميل وساذج وصل من القاهرة حديثا طلبا للعلم في الأزهر، فتغويه وتتجوزه، غير أنّه يفيق من سحر تحيّة الشبيه بسحر سيرسي** ما إن يلتقي ابنة صديقٍ للعائلة شبيهة بالملاك، فيتنكّر لتحيّة، ويهجرها سعيا وراء الصبيّة المأمونة المملة. غير أنّ هذه الحكاية العادية تشتمل على مشهد عظيم تسحب فيه تحيّة زوجها الشاب من احتفال في الشارع ترقص فيه راقصة فتيّة خلبت لبّ الطالب الغرّ. تأخذه تحيّة إلى البيت، وتُجلسه، وتقول له أنّها ستُريه الآن كيف يكون الرقص على أصوله. وهكذا تقدّم عرضا خاصّا مُلتهبا حقّا، مُثبتة أنها لا تزال –ولو صارت في أواسط عمرها- الراقصة الأبرع، والأذكى، والموضوع الجنسي الأشدّ إثارة للرغبة.

مثل كثير من المُغتربين الذين مثّلت تحيّة واحدا من رموز شبابهم الجنسيّة العظيمة، كنت أفترض أنّها ستظلّ ترقص ربما إلى الأبد. فتصوّر الصدمة العنيفة حين عُدتُ إلى هناك صيف العام 1975، بعد غياب عن مصر لخمس عشرة سنة، وقيل لي إن خبطة القاهرة المسرحيّة التي فاقت كل خبطة أخرى في عرضها المستمر هي من بطولة تحيّة كاريوكا وآخر أزواجها، فايق حلاوة، الذي قام أيضا بكتابة المسرحية، يحيا الوفد. وفي الليلة الثانية لوصولي إلى القاهرة، ذهبت إلى سينما ميامي القديمة، التي غدت الآن مسرحا في الهواء الطلق، وكلّي حماس وترقّب لأن أستعيد في هذه الفرصة النادرة شيئا من شبابي الذي كاد أن يُدفن. كانت المسرحيّة هزلية شديدة الطول والابتذال عن جماعة من القرويين المصريّين الذين فُرض عليهم وفد من الخبراء الزراعيّين السوفييت. وقد عَرَضت المسرحيّة بلا هوادة سماجة هؤلاء الروس وصرامتهم (كان السادات قد طرد جميع الخبراء الروس في عام 1972( وراحت تتغنّى بفضح المصريين الفطن لمُخططاتهم. وقد بدأت المسرحيّة حوالى الساعة التاسعة والنصف، لكنّي لم أستطع التحمّل أكثر من ساعتين ونصف الساعة (أي النصف) من هزلها الأحمق.

لقد شكّل ما آلت إليه تحيّة خيبة كبيرة بالنسبة لي. كانت تُؤدّي دور الفلاحة الأشدّ زعيقا وفظاظة، والتي أجّرت كبشها الفحل ليقوم بالتعشير والإلقاح (مع قدرٍ كبير من النكات السمجة عن الفحولة الجنسيّة). غير أنّ ما فاجئني وأذهلني هو مظهر تحيّة وأسلوبها. فلقد غابت المُغرية السمراء الضاربة إلى الصفرة، والراقصة الرشيقة بالغة الأناقة بإيماءاتعا المُؤدّاة على النحو الأكمل. وتحوّلت إلى قبضاي مُتبجح يزن 220 رطلا، وكانت تقف، ويداها على وركيها، وتكرّ الشتائم، وتقذف بأغلظ النكات القصيرة، وأضيق التوريات وأسهلها، بأسلوبٍ رخيص لا يكاد أن يكون أهلا للمشاهدة، كلّ ذلك في خدمة ما بدا على أنّه أردأ أنواع السياسات الانتهازيّة الموالية للسادات، والمعادية لعبد الناصر. كانت تلك مرحلة راحت فيها السياسة المصريّة تحاول إرضاء هنري كيسنجر، مُتخلية عن التزاماتها التقدميّة، والعربيّة، والعالمثالثيّة التي طبعت تاريخها بعد 1954 تحت حكم عبد الناصر. ولقد أحزنني أن أرى تحيّة وزوجها الصغير المهزول متورطين في شيء هكذا.

خلال الأربعة عشر عاما التي تلت تلك الزيارة إلى مصر، كان ثمة نتف وأجزاء من المعلومات التي أضفت مزيدا من التعقيد على صورة تحيّة. وعلى سبيل المثال، فقد أخبرني عالم اجتماع مصري مشهور أن تحيّة كانت على صلة وثيقة بالحزب الشيوعي في الأربعينات والخمسينات. كانت تلك، كما قال، “فترة تجذّر الراقصات الشرقيّات”. وفي عام 1988 علمتُ أنها كانت في أثينا مع مجموعة من الفنانين والمثقفين المصريّين والعرب الذين عزموا على ركوب “سفينة العودة” في رحلة إياب رمزيّة إلى الأراضي المقدسة. وبعد أسبوعين من الحظوظ العاثرة المتوالية فجّرت المخابرات الإسرائيليّة السريّة ذلك القارب وتمّ التخلّي عن المشروع. وسمعت بعد ذلك أن تحيّة قد برزت أيضا كواحدة من قادة نقابة ممثّلي السينما ومخرجيها ومصوّريها، وهي نقابة متقدّمة كثيرا من الناحية السياسيّة وشديدة الجهر بآرائها. فما هي إذا حقيقة هذه الراقصة التي بلغت الآن الخامسة والسبعين من عمرها والتي تبوأت موقعا رفيعا يكاد أن يكون مؤسساتيا في ثقافة مرحلة ما بعد السادات في مصر أواخر القرن العشرين؟

لقد ضربتُ موعدا مع تحيّة من خلال صديقتها نبيهة لطفي مخرجة الأفلام التسجيليّة. فإذا بها تعيش في شقّة صغيرة على بعد شارعٍ من المكان الذي رأيتها ترقص فيه منذ أربعين عاما. ورحّبت بي وبنبيهة بنُبلٍ مهيب لم أتوقعه. كانت ترتدي ثوبا أسود قاتما، وتضع ماكياجا حسنا، لكنها كانت تُغظي ذراعيها وساقيها بكمّين طويلين وجوربين غامقين مثل أيّ مسلمة تقية. كانت أقلّ ضخامة ممّا رأيتها في السابق، ولم يبدُ عليها أيّ ابتذال. ولقد أوحت بثقلٍ وسلطة بنيعان من كونها أكثر بكثير من مجرّد راقصة سابقة. لعلّها أسطورة حيّة، أو حكيمٌ شهير: العالمة شبه المتقاعدة. وراحت نبيهة تناديها بـ “الحاجة” وهو النعت الإسلامي الذي يُطلق على النساء الكهلات الواتي حججن إلى مكّة، وما عزّز هذه التسمية لم يقتصر على مظهر تحيّة الوقور إلى أبعد الحدود بل تعدّه إلى صور مكّة الكثير المعلّقة على الجدار والمصحف الذي تسهل رؤيته على الطاولة القريبة. وإذ جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، راحت حياتها تمرّ أمامنا في استعراضٍ مهيب.

فهي تنحدر من عائلة من الإسماعيليّة لها باعٌ طويل في السياسة، واسمها الحقيقي هو تحيّة محمد كريم. وكان البريطانيّون قد قتلوا عمّها، كما حمل ثلاثة على الأقل من أفراد عائلتها اسم نضال، كما قالت تحيّة بافتخار. أما أبوها فقد اُعتُقل لبعض الوقت. وبدا في تحيّة شيءٌ من طرطوف*** وهي تصف مشاعرها حيال الرقص- قالت إنّها تحسّ كأنّها في معبد- غير أن ذلك تبدّد وهي تحكي عن قناعاتها بأن رقصها كان يتخطّى إثارة الرجال كما تفعل بعض الفنانات، وقالت باقتناع مطلق: “حياتي، كراقصة، كانت حلوة، وأنا أحبّها”. ولقد عدّت تحيّة نفسها –محقّة، كما أرى- جزءا من نهة ثقافية كبرى، من حركة إحياء وطني في الفنون قامت على حركة سعد زغلول الاستقلاليّة الليبراليّة وثورته في العام 1919، حيث ضمّت الوجوه الفنيّة لهذه النهضة كُتابا مثل نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، ومغنين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب، وممثلين مثل سليمان نجيب والريحاني. وكانت تحية الفتاة الصغيرة قد تعلّمت الرقص على يدي بديعة مصابني، التي نصحتها بألّا تتسكّع في النوادي الليليّة والبارات حين تنتهي من تقديم وصلتها. وأضافت تحيّة بحزن أنها وجدت صعوبة كبيرة في استعمال الصنوج، لكنها أفلحت في ذلك آخر الأمر بفضل بديعة، المراة التي يأتي ذكرها على لسان تحيّة مقرونا بالحبّ والتبجيل.

ومع مجيء الشاي والبسكويت طلبتُ منها أن تحكي لنا عن حياتها السياسيّة. وكان ما قالته مفاجئا بالنسبة لي، إذ علمتُ لأوّل مرّة أنها كانت على الدوام منتمية إلى اليسار الوطني (حيث سجنها عبد الناصر في الخمسينيّات، كما قالت، لانتسابها إلى عصبة السلام، وهي منظمة موالية لموسكو) وأنها تستصغر شأن قادة مصر الحاليين. وسألتها عن يحيا الوفد الشنيعة. فقالت لقد نُظر إلى المسرحيّة على أنها مسرحيّة ساداتيّة، إلا أنها اعتبرتها مسرحيّة عن استعداد المصريّين الدائم للاعتقاد بأنّ الأجانب “أفضل منا”. وهذا التبرير غير المُقنع لما واصلتُ اعتباره مسرحيّة انتهازيّة مؤيدة للسادات ساق تحيّة إلى نقد عنيف لزوجها السابق، فايق حلاوة، الذي جرجرحها، كما قالت، من كارثة إلى أخرى. وسألتني: “ما الذي يجعلني، برأيك، أعيش هنا وليس في بيتي؟ لقد أخذه بكلّ ما فيه، بما في ذلك صوري وأفلامي، ولم يترك لي أي شيء”. وسرعان ما عادت الحيويّة لتحلّ محلّ المراثي حين سألتها عن الولايات المتحدة، التي سبق لها أن زارتها عدا من المرات. وكانت في إحدى هذه الزيارات قد قطعت أمريكا بالسيارة، في رحلة قالت إنها رائعة. “لقد أحببتُ الناس، لكنّني أكره سياسة حكومتهم”.

كان الحديث مع هذه المرأة المسنّة الجليلة أمرا مُبهجا بالنسبة لشخصٍ ترعرع على الأفلام المصريّة دون أن يعرف الكثير عن خلفيّتها، ومثّل له رقص تحيّة ذكرى غنيّة لم يسبق أن استكشفها بما فيه الكفاية. ولقد كانت تحيّة مصدر معلومات في عدد هائل من الموضوعات تحدّثت عنها جميعا بدفءٍ وظّرف، وسخرية شديدة الجاذبيّة. وفي لحظة قطع حديثها أذان العشاء مُنبعثا من مئذنة جامعٍ قريب هدارا يشقّ الأذن. وفي الحال صمتت تحيّة، وأغمضت عينيها، ومدّت يديها براحتيها المفتوحتين، وراحت تُرافق المؤذن في تلاوة الآيات. وما إن أنهت دعاءها حتى انفجرتُ بسؤال مُحدّد تماما ويائس كنت قد كتمته طويلا في داخلي، ربما منذ رأيتها ترقصُ عام 1950: “كم مرة تزوجت يا تحية؟” كان هذا أقربُ ما استطعتُ التوصل إليه في سؤالها عن الصلة بين حسيّة رقصها (وبسمتها المُدهشة تلك) وحياتها الخاصّة.

تبدّلت ملامحها تبدّلا صاعقا. ولم تكد تنهي صلاتها حتّى استقامت في جلستها ردا على سؤالي، وانتصب مرفقها على نحوٍ مستفزّ في وجهي، فيما راحت ذراعها الأخرى تلوّح في الهواء على نحوٍ خطابي. “كثيرا”، ردّت بحسم، وبصوتٍ ينمّ على الصفاقة التي يقرنها المرء بفتيات الليل. وبدت عيناها ونبرتها كأنّها تُضيف: “ومالو؟ لقد عرفت الكثير من الرجال”. ولكي تُخرجنا نبيهة، المدقّقة أبدا، من هذا المأزق الصغير، سألَتها عمّن أحبّت أو أثّر فيها من هؤلاء الرجال. فردّت بقسوة: “لا واحد. إنهم مجموعة من أولاد الزنا الخسيسين”. وأعقبت إعلانها هذا بسلسة من الحشو. وبعيدا عن استقالة الشيخوخة الورعة وعزلتها، فقد كشف هذا الجيشان عن شخصيّة فردانيّة ومُقاتلة. غير أنّني شعرتُ أيضا بتلك الروح الرومانسيّة لدى شخصٍ خُدع مرارا لكنّه على استعداد أن يقع في الحب من جديد إذا ما واتته الفرصة. لق أرّخت لنا تحيّة بتفصيل لا رحممة فيه آخر المتاعب التي عاشتها مع رجل، هو ذلك الوغد فايق حلاوة. غير أنّ تعاطفنا معها كان كاملا، شأنه حين راحت مع نبيهة تطاردان موزّع أفلام ثريّا كان يُحاول التلاعب بأمور النقابة. وتنهدت تحيّة قائلة: “آه من الرجال”، فيما عيناها تتطلّعان إليّ بفضول.

لقد عرفت تحيّة تقاليد عالمها وقوالبه، وكانت تحترمها إلى حدّ بعيد. فقد كانت ابنة مطيعة في الماضي في الماضي، وها هي الآن عجوز مسلمة تقيّة. غير أنّ تحية كانت أيضا رمزا لكل ما هو غير مُدار، وغير مضبوط، وغير مُختار في ثقافتها: لقد كانت حياة العالمة، والراقصة، والممثلة الفذّة حلا مثاليا لتصريف مثل هذه الطاقات. فبمقدورك أن تحسّ بتلك الشجاعة التي تبديها في علاقتها بمراكز السلطة، وبالتحدي الذي لدى امرأة حرّة. وحين ذهبتُ إلى أرشيف السينما المركزي في القاهرة في اليوم التالي للبحث عن صورٍ لها ومواد مكتوبة عنها، لم أجد سوى مسلخ، شقّة صغيرة في وسط المدينة التجاري، فيها من العمّال ما يفوق الحاجة، وفيها من التصاميم الغامضة لكتابة تاريخ مصر الفنّي الغني أكثر ممّا فيها من الخطط الرامية لتنفيذ ذلك. ووجدتُ حينئذٍ أن تحيّة هي تاريخها ذاته، تاريخٌ غير موثّق إلى حدّ بعيد لكنّه لا يزال مهيب الحضور، بل وهدّاما.

_____________________

* بالفرنسيّة في الأصل: المرأة الفاتنة المغوية التي تفتك الناس بسحرها. 

** ساحرة في الميثولوجيا الإغريقية. يلتقيها يوليسيز في تطوافه فتحوّل رفاقه إلى خنازير، وتقع في حبّه وتحاول أن تستبقيه لديها. 

*** الشخصية الشهيرة التي رسم صورتها موليير في مسرحيته بنفس الاسم، وهي شخصية ترمز، فيما ترمز، إلى النفاق والنفعيّة. 


(نُشر هذا النص في جريدة “الأهرام” المصريّة عام 1990 ثم أعيد نشره في كتاب “تأملات في المنفى” الصادر عن دار الآداب البيروتيّة عام 2004 بترجمة ثائر ديب).

 

معاذ الألوسي... حرشو وبطر

سبتمبر 27, 2018 اضف تعليق



اهدي هذه الصور الى معمارياتنا، والتي كنت محظوظا في الحصول عليها بواسطة عيني الثالثة، في حضور حركات رقص الباليه المعاصر لمدرس باريس للرقص. والسبب انا في صدد كتابة حكاية جديدة اسرد فيها تمنياتي الباطرة “من البطر” تمنيات لتاسيس مدرسة معمارية بمستوى غير شكل، تليق بكل ما هو متمدن ومعاصر وعراق مستقبل بعيد، خطرت على البالي من تذكرت ان احد مدارس برلين للعمارة “ وبرلين منذ 1910 منبع النظريات المعمارية التقدمية والمتنوعة. اهم مبادىء تدريس العمارة، في هذه المدرسة ومن يومها بل من ساعتها الاولى. هو ان تشُك في كل ماتعرفه وتنسى كل ما تعودت عليه، نمط معيشي متجدد وفكر يبحث عن كل ماهو جديد ويختلف. وهذه المدرسة ولاعتقادها ان البنات هم اكثر الطلاب، حاملات للافكار المسبقة. كان الاستاذ شريكهم في الفصل، يطلب منهن اما تسلق سلم عال، خشبي عمودي في قاعة الجنيزيوم، او يدخلهن في نزال ملاكمة او مصارعة، ينفذن صاغرات من دون كلمة "اوي عيب". تذكرت هذة الصور التي احبها. احلى درس قد يكون هو دراسة حركات الجسم. عمارة وتفاصيل جسم الانسان وقابلياته على التشكيل. وغير المحدود من الحركات الموزونة الانيقة معماريا. قبل سنوات طلب مني صديقي البروفسور مانفريد سونديرمان، من الباو هاوس ان اتفرغ معه،

 لسنة في برلين، وهو على معرفة قريبة بي، اشتغلنا سوية في الكرخ وجامع الدولة، طلب مني ان اتفرغ لفصل في التصميم الحضري، والكورس هو علاقة المسرح ببرلين نوسقها الحضري. طبعا اعتذرت.


هذه الصور في حينها ذكرتني بالعراقية حاملة علب الروبة والقيمر فوق رؤسهم وهم يسرعون في المشي. او حاملات جرار الماء من شواطيء دجلة، جسم يتحرك بنغم وريذم لا علاقة له بالمشي بل رقص عمودي رشيق. ولن اقول مقارنة، واستحرم ان اقول المراة العراقية في حزنها، والچاينة، حركة اعضاء الجسم في ابداء الحزن العميق، عراقية نسائية صرفة. 

انا لا اكون بطران، في الوقت الكلام يدور عن فلان وفستان والبحث عن لا منقذ ولا فلانة منقذة بينهم ابدا. "ما عدا سروة " حكاية لا نهاية ولا امل فيها. حول من سيحكم في "بلد كان" ماخوذ عن عنوان “جمهورية كأن” للكاتب علاء الاسواني. رواية جديدة حول الربيع العربي في مصر، والمفروض كان ربيع؟
عن الفايسبوك



محمد خضير... العشار 5- توازيات وتقاطعات:

سبتمبر 13, 2018 اضف تعليق



ليلة ساخنة طاف المتظاهرون الغاضبون خلالها حول البنايات المحترقة، صاخبين ملثمين، نصف عراة. أوقِفُ اللقطةَ حتى صباح اليوم التالي، مع عشرات من لقطات الليلة الماضية. أعود في الصباح فأحرّك المشهد: الدخان ينعقد فوق البنايات الواطئة؛ رائحةُ احتراق تملأ الهواء.
مئة خطوة في مربع العشّار تُحسَب بمئة شظية تدخل الرأس. مفكرة الهاتف النقال تمتلئ بالملاحظات المتتابعة وتفيض عن حدّها على الحفظ، تقابلها ذاكرة تستعيد الصور وترتبها بالتوازي مع التقاط الشظايا على جانبي الممرات الداخنة. قائمتان متقابلتان تجهزان النصَّ الملولَب، رماديّ السحنة، بآلية التوازي والتقاطع. تتحرك الأقدام وتتصل الأفكار بتيار جامح، هو عزم الحركة في مربّع العشار الدافق نفسه.
القائمة على اليسار تتدرج بأحداث الأيام السبعة الماضية، توازيها قائمة بمحفوظات الأمس المرتبة على مدى العقود السبعة من حياة "العشّاري" المتجول دون هوادة. لا يقتضي سردُ المربّع الحياتي سوى الوصل بين السواكن والمتحركات كي تعمل ذاكرة النص آلياً وتقترب شواهد اليمين من كوامن اليسار، في القائمتين المتوازيتين. حركة لولبية متصلة على محور التجاور والتبادل.
أبدأ بسحب شظية من قائمة الملاحظات اليمنى (تمثال العامل ذي المطرقة أمام مئذنة الجامع بجانبه) فتتداعى القائمة الموازية بإجراء التقاطع المطلوب وتركّب المشهدَ المتحرك (النحات عبد الرضا بتّور يخطف بدراجته، على خلفية المشهد الملبّد بِسُحُب الدخان). تعوزني الرائحةُ والكلام المخزونان لهذه اللقطة، فتنجدني اللقاءاتُ السريعة على ضفة نهر ضحل، كان النحات يرتاده ويخوض في طحالبه بحثاً عن الديدان لحوض أسماكه البيتي. 
أنتقلُ الى مفردة أخرى في قائمة اليمين (طحالب) فيتحرك النهر الأخضر في قائمة الشمال، ويجهزّني بوقتٍ للسباحة في ظهائر الصيف القائظة (صِبية عراة يتقاذفون أجسامَهم النحيلة من قمة جذع نخلةٍ شديد الميلان على الضفة المطيَّنة). أما مفردة (شصّ) فستجتذب مزيداً من الأسماك المشكوكة في خوصة اصطادها صبيانُ النهر قبل سباحتهم فيه (أدخلتُ لقطتها في قصة: إله المستنقعات، قبل أربعين عاما). التفرس في صفحة نهرٍ أخضر يبعث لي بسهمٍ يخترق الروح ويشطرها كقبلة سامّة.
ومن وراء حُجُب القائمتين المتوازيتين، يسقط شِهاب من مدار كبسولة رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين، فيكشف نورُه عن أوّل نصّ سردي كتبتُه على حافة مسفن "الدوكيارد" في العشار، أمام هيكل سفينة جانحة. آنذاك أهديت قصتي القصيرة الى عمّال المسفن، واليوم أعلّق صورةَ السفينة المجهَّزة للتصليح على جدار غرفة الاستقبال؛ أما الوجوه العمالية المكدودة فسأستدعيها من قائمة التجهيزات التي جمعتها الليلة البارحة.
أبتعد عن الأفق الداخن بحرائق الليالي الماضية، وأحصي مدخراتي من الألفاظ المجهّزة (نعال، قبعة، لثام، لافتة كارتون، مصيادة مطاط، قنينة ماء خالية، سفرطاس ألمنيوم، ملاعق، أقداح ورقية، قطرات دماء، ضماد متسخ..). أتوغّل في المربّع الحيّ، يستردّ أحياءه المأخوذين بتيار الصخب والغضب والتوجس، يرتّبهم في أماكن أعمالهم المعتادة؛ كلّ في حانوته وكلّ وراء عربته أو بسطته في أركان السوق؛ ثم أنيخ بقائمتيّ على تخت مقهى في ركن العطارين، أحتسي قدح شاي معطَّر.
العطّار المتدرّب في القائمة اليمنى، إزاء العطّار المتمرّس في روائحه وتأملاته البعيدة في القائمة اليسرى؛ توازيات الحاضر إزاء تقاطعات الماضي في وعي العشاريّ المتجول؛ أخوة الكاووس وأخوة الناموس يشقّان الممرَّ الهادئ ويدخلان اللقطةَ الأخيرة يداً بيد، وخطوة بخطوة.
بعد أسبوع، من تلك الليالي الرعناء، يصعب الوثوق بهذا التوازي البارد بين قوائم العشار المتداولة تحت قاعدة التمثال - يحدس العطار المتمرس. فلأنّك - أيها العطار - قرأتَ في ضحى السقوط البعيد للتماثيل، قبل خمسة عشر عاما، في قائمة التقاطعات الحادة، أسماءَ من غابوا/ أعدِموا، وقد ألصِقت على القاعدة نفسها، فقد لا تتشبّث طويلاً بتوازيات الليالي الفائتة. 
صباحاً، تتطاير الأوراق تحت سماء الخريف الداخنة، وسيأتي من يصبغ التمثال بلون ذهبي. لكن رائحة الاحتراق تملأ الهواء الرطب. هذا هو التقاطع الحقيقي الوحيد.
(جريدة بين نهرين)
٢٠١٨/٩/١٣ 
(تصوير أسامة الموسوي)

محمد خضير... العشار (4)

سبتمبر 13, 2018 اضف تعليق
 ________________________
1. كاووس: 

أقف بعد جولة في سوق "الكاووس" المحشورة بالأقدام والجيوب والأزرار، على بسطة بائعةِ خضار مقبَّعة بعباءة النصف الثاني من عمرها، وقد انتهتْ للتوّ من تقشير حفنةِ باقلاء انتزعتْها من أقماعها الخضر الطويلة. أسألُها أن تبيعني كومة الباقلاء المقشَّرة الى فلقتين صغيرتين، فتعتذر وتدّعي أنها استبقتْها من بقية الخضار لإطعام كنّاتها، المعتصمات في البيت، وقد لمزَت كلَّ واحدة منهنّ بلفظ غريب: "هذه لغداء جنايني (أي كنّاتي) المنتظرات عودتي. إنهنّ كووايس لا فائدة منهن".
عجبتُ لنطق بائعة الخضر للفظةِ المحرَّفة عن اليونانية المستعملة اليوم في وصف الفوضى (الكاووس (chaos التي تعمّ العالم، ويُفسَّر بموجبها قانون "رفرفة الفراشة" العشوائي. فأي حركة غير مقصودة في الجوار، مهما كان وزنها واتجاهها، قد تُحدِث دماراً هائلاً في نظام الحياة السائلة في مربع العشّار. أمّا كنّات بائعة الخضار، فإنّ أيّ فعل بسيط يأتينه في البيت الذي خلا من الأزواج، مهما كانت براءته، سيعني لها دماراً هائلاً، مهما تفادتْه وحسبتْ له ألف حساب. ولما أجابتني على رغبتي في شراء حفنة الباقلاء المقشَّرة، بلطف وابتسام، فقد هزّت طمأنينتي لِما بقي من النهار، عندما نقلتْ تأثيرَ كاووس الكنّات البعيدات الى كياني المتسائل قرب بسطتِها. 
درتُ دورة كاملة خلال الجموع المزرّرة الجيوب، ثم عدتُ لبائعة الخضار، فاستقبلتني بوجه باسم: 
_ "إن كانت لك رغبة بهذه الكومة من الباقلاء فسأبيعها لك بلا أسف".
_ "وكنّاتك؟".
_ "سأتبع حدسي وأتركهنّ نائمات حتى الظهيرة".
_ "ولن يأكل أبناؤك حين يعودون طعاماً".
_ "فليأكلوا كما الخرفان". 
_ "وستدافعين عنهن لو عنّفهن الأزواج".
_ "بل سأدعهم يتشاجرون بينما أسلم رأسي للمخدة وأنام".
_ "بحقك أيتها العجوز! أتقولين إن بيتك ساحة سيرك؟".
_ "كاووس أيها الأفندي.. كاووس وحسب. التفتْ حولك فقط وسترى".
حسمت البائعة المقبّعة الجدال، وجمعت كومة الباقلاء المقشورة وعبأتها في كيس بلاستيكي أسود ورمته نحوي. كانت الرؤوس تتلاطم وتبحث عن مخرج لها بين الرفرفات العشوائية لمربع السوق، وسرعان ما ابتلعت الموجةُ السائلة كتيار كهربائي بائعة الخضار في كاووسها. 
____________________________________ 
2. طفلة النهار
اعتاد الرجل الريفيّ الجلوس على أريكة المقهى المقابل للنُزُل العائلي المسمّى باسم امرأة مقدسة، ونظره يراوغ بين الواجهة الكالحة للنُزل وبوابته الواطئة المنفرجة كفمٍ متسخ. وعلى ذكر الأفواه، فالأريكة الوحيدة في المقهى تسدّ فوهة الدربونة- الدهليز، مصفوفةً للجدار، بينما تنعطف الدربونة وراء الضلع البارز للنُزل، وتنقطع النظرة عند ذلك الحدّ الآجري. تشاغلَ الرجل بعباءته المكورة بين فخذيه، ليصرف نظر القهوجي في جوف المقهى الملاصق للنُزل عن هيأته المريبة.
لِمَ العجلة؛ لتركد الدربونة الخالية تحت مستوى نظرته، واطئةً، مهملةً، فاسدة. لم يشاهد الرجل من قبل مثل هذا السمت الواطئ، تحت سماء غير مرئية: اوطأ جدار وشرفة ونافذة وباب وجارور ومنضدة؛ أخفى عالمٍ يحتجز زهرةً منفرطة. العالم بحذافيره تحت نعليه، حبّة سكّر التمَّ عليها الذباب!
استجمع الرجل الغريب نظرته لكي تنطلق ثانية عبر زجاج نظارته المغبر، شاردة قبل أن تحطّ على ماء الجارور. لا يجلس في فم هذا الدهليز المنعطف إلا ذو علاقة بصنف من ساكنات النزل: متسولات السوق الصغيرات، عاملات رقائق الخبز، الطباخات؛ ثم نضيف الى هؤلاء النزلاء الوافدَ المراقِب، يستتبع أثر ابنته الهاربة؛ وأيَّ وسيط آخر محشورٍ في خزانة قصّاصي الأثر العشّاريين.
كأنما أيقظته هواوينُ برونزية من شروده، أرسلَ الرجل الريفي للقهوجيّ ملاحظةً ثقيلة الوطأ: "لم أذق شاياً بهذا الطعم المرّ". ردّ القهوجي المتوتر: "سقيتكَ قدحاً من رأس القوري. أنت أفضل زبائني".
تغافل الريفيّ عن لهجة القهوجيّ، فتقدم خطوات، ورفع نصف القدح عن المنضدة ثم أفرغه في الجارور: "الشاي هناك.. شاي القصب. بمن أسميك..؟". 
نبرَ الريفيُّ برخاوة: "أبو سراب".
_ "أين بتّ البارحة؟ أستطيع أن أحجز لك غرفة خاصة في هذا النزل".
رفض الريفي العرض بطقّة خفيفة من شفتيه: "فندق حقير. معارفي كُثر هنا. لكني أسأل نفسي كيف وصلت المقموعة الى هذا المكان؟"
_ "سراب؟".
هز رأسه المطوَّق بعقال صغير: "أرسلتْ خالتها طارشاً يُعلمنا بهربها من بيتها".
_ "أهي في سنّ تمكنها من التسكع؟".
_ "سرّحتها الخالةُ اللعينة في السوق".
_ "هل تثبتَّ من وجودها في النزل؟".
التمعت حدقتاه خلف زجاج النظارة البلاستيكي، وقذف بلعنته: "سأخنقها كما أخنق فأرة".
_ "إنهن يغيّرنّ أسماءهن. طفلات النهار".
وعلى ذكر الفئران، تابع الرجل المتعقِّب دويبةً رمادية خرجت من ثقب في جدار النُزل، واندسّت في جوف المقهى الملاصق؛ لكنه لم يلاحظ خروج مخلوق بشري غيرها من البوابة المفتوحة، اليوم وقبل هذا اليوم.
_ "سأحملّك أمانة سراب. إن لاحظتَ من يشبهها فردّها إليّ".
_ "وهل تتسرّح ابنتك بِسِمةٍ معروفة؟".
_ "بيضاء موشومة بثلاث نجوم في جبهتها".
_ "علامة لا يخطئها مثلي".
_ "جِدها لي".
سيغيب الرجل الريفي ساعةً يتناول خلالها غداءه، ويقفل القهوجيّ راجعاً الى كهفه، يتناول هاتفه النقال من الرفّ ويتصفّح وجوه طفلات النهار المحفوظة في ذاكرة الصور؛ عشرات الوجوه النحيلة المتشابهة، المصنّفة فئات مسرَّحة في السوق وأخرى محتجزة في النُزل، وكلّها موشوم بعلامة النجوم الثلاث.

(جريدة بين نهرين 30/8/2018)