728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأحد، 26 أغسطس 2018

    تذوق الكتابة : وثنية اللغة المؤلّهة

    شربل داغر
    (أنشر، في أربعة أيام متتالية، أربع نبذات مقتطَعة من دراسة عن التصوف والفن والأدب، ألقيتُها مؤخرًا في "بيت الزبير"، في عُمان – هنا، النبذة الثانية ) :
    تقود هذه التوقفات حول "الذوق" إلى استبيان كونه مفهومًا راسخًا في الخطاب التصوفي، ويفضي إلى ما هو أبعد من ذلك. فالمتصوف "يذوق" و"يتذوق" بمعنى أنه "يمتحن" ما يقع عليه ويعايشه لكي يستحسنه أو يستقبحه، ما يجعل اللفظ يقترب من المفهوم الناشط في الجمالية الحديثة مع الفيلسوفَين كانت وبومغرتن وما صدر عنهما تحت مفهوم "الحُكم الجمالي". إلا أن في خطاب التصوف ما يشير إلى عملية أخرى تقوم على أن "التذوق" يرسم علاقة بين المتصوف والغيب، وأن هذه العلاقة تتخذ شكلين : شكلٌ خصوصي، ثنائي، وشكلٌ ينتقل إلى طرف ثالث، هو المتلقي. وهو ما يدفعنا إلى التمييز بين تعالقَين : سري، وما هو منتقل إلى الغير.
    في هذَين التعالقَين يقع مفهوم الكتابة، وتجربتها، لدى المتصوفة، وفق توافقات واختلافات وتباينات فيما بينهم. فالكتابة الصوفية تلقٍّ وسماع، غير أن المتلقي فيها ليس مغيَّبًا على نحو كلي، لأنها لا تتهيأ له إلا بالاستعداد للتلقي، أي إعداد القلب. يقول الجنيد : "لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفني، ولكنه من الحق بدأ، وإلى الحق يعود". للمتصوف، حسب ابن عربي، أن يكون "خالي القلب من كل علم"؛ وعاكفًا على "مراقبة ما ينفتح له الباب"؛ و"مستغرقًا في المقام ومنقطعًا عما سواه" إلى حد فقدان الإحساس؛ وممتثلًا لما يؤمَر به؛ وجاهلًا لما يُكتب عنه؛ ومتحررًا من علم الباب الذي يَكتب فيه.
    هكذا يُعرِّف ابن عربي بكتبه : كتابه "الإسرا إلى مقام الأسرا" رؤية منامية؛ و"رسالة مشاهد الأسرار القدسية" تدوينٌ لتنقله في المشاهد... هكذا فعل في تصدير كتبه، فيحدد هويتها، بل مصدرها، إذا جاز القول. وهو ما تبعَه بعده صوفيون آخرون، مثل عبد الكريم الجيلي : "سميته بـ"الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل" (...). فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع، فقلت طوعًا للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلًا على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أفرغ من دنه القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم، خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم". كما يكتب ابن عربي : "فكنت أتشاغل عنها (الرؤية) بتقييد ما يمكن منها"، كما بعد الحلم. وهو ما يعرضه ابن عربي بتوسع وشرح مزيدَين : "كما رأيتها حين استيقظت، وخرج عن ذكري مسائل كثيرة كانت بيني وبينه (صلعم) مما يتعلق بغير هذا الباب".
    تكون الكتابة إثر اليقظة، بين تذكر ونسيان، إلا أنها لا تعدو كونها – ثقافيًّا - استعادة لتجربة الوحي نفسها، عبر وسيط أو من دونه، ما جعل ابن عربي يميز بين "الولاية" و"النبوة". وهو ما أكده الكثير من المتصوفة، أي أن علومهم "وَهْبِيّة"، يهبها الله لمن يشاء من عباده.
    ما كان خروجًا على النظام، وما تشكَّلَ خارج "المكانات"، وما ساهم في ما يمكن أن يكون "فردانيات" سلوكية وتعبيرية، لم يقُد الكتابة إلى الكاتب والمجتمع، وإنما قادهما إلى جديدٍ أكيد، ذلك أن الفعالية الصوفية ربطت الكتابة بالألوهية، والكاتب بالنبي.

    الوجود بوصفه حروفًا
    لا يختلف اثنان، اليوم، في أن خطاب المتصوفة "أضاف" متنًا مزيدًا، بل "مقابِلًا" للمتن الإسلامي القديم عند الفقهاء والمفسرين والكلاميين والفلاسفة وغيرهم. وهو متن جديد يتيح للمتصوف انتهاج سلوكات وتبني مواقف خارجة على المتبع والمعهود و"الرسمي" و"المأثور". في هذا ما يثير، من دون شك، اندفاع البعض، في أيامنا هذه، إلى الانضواء تحت عناوين هذا المتن القديم المختلف إذ يجدون فيه "فردية" و"حرية" و"تأويلًا حرًا" أشبه بخطاب مبكر للفردانية الحديثة في الآداب والفنون الحديثة. ومع ذلك يتوجب طرح السؤال حول أسباب هذا التبني : أفي المتن الصوفي القديم ما يوفر ركيزة لانطلاقة إبداعية جديدة في العالم المعاصر ؟
    يحتاج درس الخطاب الصوفي إلى مزيد من الفحص والدرس بدل "ركوبه" مثل "قارب نجاة" أمام تخبط نظريات الفن والهوية والذات والغيب والوجود، في ممارساتها وإنتاجاتها والتفكير بها. وهو ما ليس ممكنًا من دون التوقف عند مرتكزات فلسفية في الخطاب الصوفي، ولها أن تسهِّل أو تعيق انطلاقة متجددة للإبداع في الأزمنة المعاصرة.
    إذا كان أساس الدين الإسلامي قام على "كتاب"، وانصرف الفقهاء والمفسرون إلى تأويله والنهل منه، فإن خطاب المتصوفة وسلوكاتهم ذهبت أبعد منهم في هذا السبيل، إذ وجدت في "الكتاب" نظرية فلسفية "بالقوة" (وفق تمييزات في الفلسفة الإغريقية)، وعملوا على جعلها، على تحويلها إلى فلسفة "بالفعل" (وفق تمييزات في الفلسفة الإغريقية) : بات القرآن بمعنى ما، في حسابهم، مرآة عاكسة للوجود ولماهيته؛ والوجود لا يعدو كونه صورة عاكسة لما هو القرآن.
    يتعين النظر الصوفي إلى الوجود بوصفه "لغة" ابتداء من العبارة القرآنية : "كُنّْ"، ما دام أن كل ما نشأ في الوجود قام بفعل التلفُّظ الإلهي. هكذا لم يعد الوجود قائمًا، وماديًّا، إلا بالقدر الذي هو في أصله وجود... لغوي. فالعالَم، في حسابهم، كتاب مسطور، والوجود يتعيَّن في حروف. يفيد ابن عربي أن الألف تدل على الألوهية، والباء، بل النقطة تحت الباء، تدل على الإنسان ما يجعل ظهورهما في "بسم" بدل : باسم. لقد توسع ابن عربي أكثر من غيره في هذا الشأن، إذ هو فيلسوفُ وجودٍ بقدر ما هو فيلسوفُ لغة : إن أهم الحروف لديه هي : الألف والباء والميم والواو والنون، مخصصًا لكل حرف "رسالة"، فيما الألف هو "قيوم الحروف". هكذا يبدو اجتماعُ الكائنات اجتماعَ حروف : "إن الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلفون وفيهم رسلُ من جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف من طريقتنا". وهو ما يتوسع، بل يتبحر فيه :
    "حروف العلى" : 14 حرفًا في تيجان السور، و"حروف الدنا".
    خصَّ حروفًا للحضرة الإلهية : الزاي والألف واللام.
    خصَّ أخرى للحضرة الإنسانية: النون، والصاد والضاد.
    تمثلُ النون نصف دائرة، والنقطة التي فوقها هي أول دلالة على النون الأخرى، النون الروحانية، أي العلوية في مقابل النون السلفية. فالنون تجسيد للكون في شكله الكروي. ونقطة النون هي، في المنظور الصوفي، "مركز الألف المعقولة التي بها يتميز قطر الدائرة"، ذلك أن ابن عربي يربط هذه النقطة بألف معقولة متوهمة، رأسها هو "النقطة الأخيرة التي ينقطع بها شكل النون"؛ وبتقدير قيامها من قدرتها ترتكز على النون "فيظهر من ذلك حرف اللام" (...).
    بين عالم الحروف وعالم الوجود
    كما وجد ابن عربي التقابل بين عالم الحروف وعالم الوجود، كما يلي :
    الهاء والهمزة : عالمُهما عالم العظمة أو الجبروت؛
    العين والحاء والغين والخاء : توازي الطبيعة الكلية؛
    التاء والثاء والجيم والدال والذال والراء والزاي والطاء والكاف واللام والفاء والهاء والضاد والقاف والشين والياء : تمثل العالم الوسط، ولها مراتب الوجود من الفراش إلى الملك؛
    الباء والميم والواو : توازي عوالم الجن والإنس.
    كما جعل للحروف مقامات :
    مقام العامة، فيه الجيم والضاد والخاء والدال والغين والشين؛
    مقام الخاصة، وفيه حروف أوائل السور؛
    مقام خاصة الخاصة، وفيه الألف والياء والباء والسين والطاء والقاف والتاء والواو والصاد والحاء والنون واللام والغين؛
    مقام خلاصة خاصة الخاصة، وفيه الباء؛
    مقام صفاء خلاصة خاصة الخاصة، وفيه النون والميم والباء والراء والدال والزاي والألف والطاء والياء والواو والهاء والظاء والتاء واللام والفاء والسين (...).
    قد يكون في كلام الحلاج سعيًا مبكرًا في هذا السبيل، إذ ينطلق من القرآن و"يختصره" في الوقت عينه، فيبدأ من لغويته لكي يختصره في حروفه، بل في حرف واحد وحيد، كما سبق أن قيل في معرض اختصار العلم في حرف في نهاية الأمر.
    وهو ما نجده من "التقابل" بين عالم الدين والعالَم كما يتصوره المتصوف. وهو ما يسري في كل مستوى أو كائن في العالم : ما اتفق عليه أهل النحو، على سبيل المثال، ينطلق منه القشيري ولكن ليحوله : "قال أهل العبارة : أقسام الكلام ثلاثة : اسم وفعل وحرف، وقال أهل الإشارة : الأصول ثلاثة : أقوال وأفعال وأحوال". كما يكتب أيضًا : "الاسم : صحيح ومعتل. قال أهل العبارة : الصحيح ما سلم من حروف العلة، وهي : الألف والواو والياء، وقال أهل الإشارة : من سلم اسمه من ألف الإلباس، وواو الوسواس وياء اليأس، فقد صح اسمه، وحقَّ له الإعراب، وهو البيان ثم الكشف والعيان، فعلمَ علمَ اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين". وفي باب الإعراب والبناء يكتب : "لما كان الإعراب بالحركات : الرفع والنصب والجر والجزم، كان مدار أهل الإشارة برفع هممهم في طاعة الله تعالى، وخفضِ نفوسهم تواضعًا لله تعالى، وجزم قلوبهم عما دون الله تعالى، وسكونهم إلى الله تعالى، والمعرب هو المتغير من أصحاب التلوين، والمبني : ما كان مستقيمًا في حاله لا يتغير، وهم أصحاب التمكين". هكذا تتم عمليات "تحويل" عبر تملك الخطاب "الرسمي"، ما نجده في كتابات كثير من المتصوفة.
    ما توصل إليه المتصوفة لا يعدو كونه "استعمالًا" محوَّرًا لما كانت قد بلغتْه علوم العربية. بل يمكن القول إنهم أوقفوا النظر التفكري في ما هو أدنى معرفة مما بلغتْه علوم العربية، إذ إنهم جنحوا نحو ما يمكن تسميته بـ"وثنية اللغة المؤلّهة"، ما عنى أن للحرف، أو للحركة، كيانًا يجري تعيينه وفق معان أو دلالات مسبوقة يتم توظيفها (واو الوسواس، ياء اليأس...).

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: تذوق الكتابة : وثنية اللغة المؤلّهة Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top