728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 29 أغسطس 2018

    حوار مع الفيلسوف اليوناني كورنيليوس كاستورياديس ( ارتقاء التفاهة سمة العالم الحديث )

     حاوره : دانيال ميرميه Daniel Mermen

    --------------------------------
    في ذكرى كورنيليوس كاستورياديس، الذي رحل في الخامس والعشرين من كانون الأول ديسمبر 1996، نشرنا المقابلة التي كان قد خصّنا بها قبل عام. في بعض الأحيان نرغب في حفظ الكلمات، والعودة إلى الأفكار، إلى “الأُذن المرتاحة”. عند اقتراحي عليكم إرسال مخطوطة هذه المقابلة، لم أكن أتوقّع كلّ هذا الاهتمام من كلّ الجهات، وكل الآفاق وكلّ الأوساط، بإحدى الأفكار الأكثر ثمراً والأكثر وضوحاً في زمننا. من خلال الفجوة نشعر بأنّنا لم نفقد كلّ شيء!
    نفتقدُ صوت کورنلیوس کاستوریادیس، نفتقدُ ذلك المرح في صوته وهو يكرِّر “نحن الذين نرغب أو نحن الذين نهذي؟”، نفتقدُ من النافذة جسر بير هاكيم ومترو الأنفاق الهوائيّ، نفتقدُ النور على نهر السين هذا الصباح من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1996. ما قاله يتناسب في هذا الزمن مع “التروتسكو-بالادوريّين” [نسبةً إلى أدوارد بالادور: رئيس وزراء فرنسا في عهد ميتران]، هو الذي كان يدير ظهره لـ “الشيوعيّة المضادّة للثوريّة”، والليبراليّة الجديدة مع فكرها الفريد، “اللاتفكير”.

    لهذا لا مجال للخضوع. إنّه لم يغرق في نبذ الذوّاقة، ولا في كَلْبيّة ميتران، ولا في هذا الخمول اللامبالي الذي يقول: الكلّ متساوٍ، كل شيء جرت رؤيته، كلّ شيء عبثيّ.

    ارتقاء التفاهة هذا، كان يراه في النخب السياسيّة التي تقلّص دورها إلى تطبيق التزمُّت الليبراليّ الجديد، ولكن أيضاً ـ درباً للنتيجة ـ إلى جانب “المواطن” الذي فكّكت البطالةُ وهشاشة الوضع العام ارتباطَهُ بحياة المدينة. 

    البطالة المؤدّية إلى التفكيك، وعدم الثبات الذي يؤدّي إلى الخضوع. ومن هنا اقتلاع المجتمع من المصير. هو اللاَّتفكير الذي أنتج هذا اللاَّمجتمع وارتقاء التفاهة هذا وهذه العنصريّة الاجتماعيّة. المشكلة الرئيسيّة ليست البطالة، هي أوّلاً ودائماً المنفعة، هذا ما كان يردّده كورناي.

    كان يقول قبل أسابيع من وفاته: أنا ثوريّ داعم للتغييرات الجذريّة. لا أعتقد أننّا يمكن أن نُسير ـ بطريقة حرّة منادية بالمساواة وعادلة ـ النظامَ الفرنسيّ الرأسماليّ كما هو. ثوريٌ كان يردّد خلال حياته: نحن لا نتفلسف لإنقاذ الثورة ولكن لإنقاذ تفكيرنا والتحامنا.

    لا يمكن اختزال کورنلیوس کاستوریادیس في سجلٍّ واحد. كان الفيلسوفَ وعالِمَ الاجتماعَ والمؤرِّخَ والاقتصاديَّ والمحلِّلَ النفسيَّ أيضاً. هو عملاق الفكر، عظيم، يفوق الحدود على حدِّ قول إدغار موران. فكرٌ موسوعيّ، مَرَحُ العيش والمناضلة، نضالٌ بدنيّ وروحيّ لامتناه، ولكن في حركة، ويترك لنا الحَبّ للطحنِ والخبزَ على اللوح....

    دانيال ميرميه (7 شباط/فبراير 1998)
    - توفّي کورنلیوس کاستوریادیس في 25 كانون الاوّل/ديسمبر الماضي. وُلد في اليونان، أقام في باريس حيث أنشأ مجلّة «الاشتراكيّة أو الهمجيّة». التي أصبحت اليوم أسطورة، أصدر في عام 1968 مع إدغار موران وكلود ليفور «Mai 68 la Brèche» [أيّار/مايو68 الثغرة]...في عام 1975، أصدر المؤسّسة الخياليّة للمجتمع، من دون شكّ هو كتابه الأهمّ. في عام 1978، باشر بسلسلة مفارق المتاهة. على أثر هذا الإصدار استقبلنا على مرتقى التفاهة في تشرين الثاني/نوفمبر 1996.


    --------------------------------------------
    من سيرته الذاتية
    كورنيليوس كاستورياديس (1922-1997) مفكّر فرنسي، من أصل يوناني، لم تنته أعماله غير المنشورة بعدُ. وُلِدَ في اليونان سنة 1922، تُوفّي في باريس سنة 1997 إثر نوبة قلبية. ظلّ يقول حتى آخر أيامه أنّه "مهما حصل، فسأبقى أولاً وقبل كل شيء إنساناً ثورياً". اعتاد الفيلسوف الراحل عن خمسة وسبعين عاماً ترديد هذه العبارة، بين الحين والآخر، كما لو أنه يجيب بنبرة عالية عن أسئلة وتخمينات وتقديرات مهموسة ومضمرة حيناً، واتهامية صريحة حيناً آخر، وهي تدور كلها على مصائر "الثوريين" في زمن أفول الإيديولوجيات ونهايتها وما يصاحبها من تبدلات وانقلابات في المواقف والمواقع والسلوكات. مُنَظِّر "التأسيس الخيالي للمجتمع"، في عامي 1983 و1984، ألقى محاضرات في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، كان موضوعها "المدينة والقوانين، أو ما صنع اليونان"، وعملت دار نشر "لوسوي" على جمعها ونشرها في كتاب يحمل العنوان نفسه.
    يرى كاستورياديس أن المجتمع، أي مجتمع، «لا يمكن اختزال صراعاته وحركيته في الصراعات ذات الأساس الاقتصادي وحسب، بل إن المجتمع بقدر ما تسوده علاقات القوة المبنية على أنماط إدارة المصالح الاقتصادية وتوجيهها تسوده وبالقوة نفسها، علاقات المعنى، كما أن رهانات الصراع الاجتماعي لا تستهدف المصالح الاقتصادية وحسب، بل أنماط الشرعية.
    في عام 1949 أسّس كاستورياديس مع كلود لوفور Claude Lefort مجموعة (اشتراكية وهَمَجية) Socialisme et Barbarie التي أصدرت مجلّة حملتْ اسمها.
    ابتداءً من سنة 1964، أصبح كاستورياديس عضواً في المدرسة الفرويدية في باريس التي أسّسها جاك لاكان Jacques Lacan والتي عاد وعارضها سنة 1967.
    في سنة 1968، تزوّج كاستورياديس من بييرا أو لانييه.
    انسحب كاستورياديس من المدرسة الفرويدية سنة 1969 وساهم في تأسيس (المجموعة الرابعة). وبدأ مع جان بول فالبريغا Jean-Paul Valbrega العمل على تحليل تعليمي ثانٍ وبدأ يعمل كمُحلّل ابتداءً من سنة 1973.
    في سنة 1980، ركّز كاستورياديس اهتمامه في البحث الفلسفي. وكتب في مجلّة (دواء موضعي) Topique مقالة نقدية طويلة في ضوء ما قرأه في كتاب (مصير مُميت) مصير مشؤوم جدّاً.
    من مُؤلّفاته:
    ـ التأسيس الخيالي للمجتمع
    ـ ثقافة الأنانية
    ـ مُفترقات طُرُق المتاهة (ستة أجزاء)
    ـ مُجتمع سائر إلى الإخفاق. مُقابلات ومناقشات 1974-1997.
    --------------------------------------------


    ... (هذه المقابلة جرت في 1996)
    دانيال ميرميه: لماذا اختزلت عالم اليوم بكلمتين: ارتقاء التفاهة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: إنّ ما يميّز العالم المعاصر، هو بالتأكيد الأزمات، والتناقضات، والمعارضات، والانكسارات وغيرها… ولكن ما يصدمني بشكل خاصّ، هو التفاهة. لنأخذ مثلاً النزاعَ بين اليمين والیسار. حاليّاً فقد معناه. لا لأنّه لا يوجد ما يغذّي نزاعاً سياسيّاً وحتى نزاعاً سياسياً كبيراً، ولكن لأنّ هؤلاء وهؤلاء يقولون الشيء نفسَه. منذ عام 1983، مارس الاشتراكيون سياسيةً، ثمّ جاء «بالادور»، ومارس السياسة نفسها، ثمّ عاد الاشتراكيون، ومارسوا مع بيريغوفوي السياسة نفسها، عاد «بالاوير»، ومارس السياسة نفسها، فاز شيراك بالانتخابات قائلاً: «أريد أن أقوم بشيء آخر»، وقام بالسياسة نفسها.
    - دانيال ميرميه: بأي آليات تردّدت هذه إلى هذا العجز؟ إنها الكلمة الضخمة اليوم، العجز.

    كورنيليوس كاستورياديس: إنّهم عاجزون، هذا أمر مؤكّد. الأمر الوحيد الذي هم قادرون على القيام به هو اتّباع التيّار، أي ممارسة السياسة فائقة الليبرالية التي تواكب الموضة. الاشتراكيّون لم يقوموا بشيء مغاير، ولا أعتقد أنّهم كانوا سيقومون بشيء آخر لو كانوا في السلطة. هم ليسوا سياسيين (Politiques) برأيي، ولكنّهم محترفو سياسة (Politiciens). أناسٌ يطاردون التصويت بأيّ وسيلة.

    دانيال ميرميه: التسويق السياسيّ؟
    كورنيليوس كاستورياديس: التسويق، نعم. ليس لديهم أيّ برنامج. هدفهم البقاء في السلطة أو العودة إلى السلطة وفي سبيل ذلك هم مستعدّون للقيام بأي شيء. نظّمَ كلينتون حملته الانتخابيّة متّبعاً استطلاعات الرأي وحسب: «إذا قلتُ هذا، هل ستجري الأمور؟». من خلال اتخاذ الخيار الرابح بالنسبة للرأي العام كلّ مرّة. كما كان يقول الآخر: «أنا رئيسهم، إذاً أنا أكون هم». هناك صلة جوهريّة بين هذا النوع من عدم الكفاءة (الأهلية) السياسية، أي هذا المال السلبي للسياسة، وبين التفاهمة في المجالات الأخرى، في الفنون والفلسفة أو في الأدب. هذه هي روح هذا العصر. الجميع يتواطأون في الاتجاه نفسه، وللنتائج نفسها، أي للتفاهة.

    دانيال ميرميه: كيف تُمارَسُ السياسة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: السياسةُ مهنةٌ غريبة. حتّى هذه السياسة. لماذا؟ لأنّها تفترض مسبقاً مهارتين (قدرتين) لا يوجد بينهما أيّ علاقة جوهرية. الأولى هي أن نصل إلى السلطة. إذا لم تصل إلى السلطة، فبالإمكان أن يكون لدينا أفضل الأفكار في العالم، هذا لا يفيد بشيء، ما يؤدّي بالتالي إلى فنّ الوصول إلى السلطة. المهارة (القدرة) الثانية، هي أنّنا ما إن نكون في السلطة، أن نقوم بشيءٍ ما، أي أن نحكم. كان نابليون يعرف كيف يحكم، وكليمنصو كان يعرف كيف يحكم، وتشرشل كان يعرف كيف يحكم. هؤلاء أشخاص ليسوا من اختصاصي السياسيّ، ولكنّني أصِف هنا نمطاً تاريخيّاً. ولذا لا شيءَ يضمن أنّ أحداً يعرف كيف يحكم، يعرف مع ذلك كيف يصل إلى السلطة. ما هو الوصول إلى السلطة في المـَلِكيّة المطلقة؟ كان ذلك أن يتملّق المرء للملِك، كان ذلك أن يحظى برضى مدام بومبادور. اليومَ في ديموقراطيتنا الزائفة، الوصول إلى السلطة يعني أن يكون المرء وراثيّاً عن بُعد، يستشعر الرأي العام....

    دانيال ميرميه: أنت تقول ديموقراطية الزّائفة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لطالما اعتقدتُ أن الديمقراطيّة المسماة تمثيليّة ليست ديمقراطيّة حقيقيّة. إنّ ممثِّليها لا يمثّلون الناس الذين ينتخبونهم سوى بشكل قليل. بدايةً، هم يمثّلون أنفسهم أو يمثّلون المصالح الخاصّة، اللوبيات [جماعات الضغط التي تمارس ضغطاً على السلطات العامّة لإنجاح مصالحها الخاصّة]، إلخ... حتّى لو لم تكن الحالة كذلك، فإن القول بأنّ أحداً ما سيمثّلني خلال خمسة أعوام بطريقة يتعذّر تغييرها، فهذا يعود إلى القول بأنّني أتخلّى عن سلطتي كشعب. سبق أن قال روسّو ذلك: يعتقد الإنجليز أنّهم أحرار لأنّهم ينتخبون ممثّليهم كلّ خمسة أعوام، إنّهم أحرار يوماً واحداً فقط، هو يوم الانتخابات، هذا كلّ ما في الأمر. ليس لأنّ الانتخابات زُوِّرت، ولا لأنّنا نغشّ في صناديق الاقتراع. إنّها مزوّرة لأنّ الخيارات محدّدة سابقاً. لم يسأل أحدٌ الشعبَ على ما يريد أن يقترع. يقولون له اِقترعْ مع أو ضدّ “ماستريخت” [بالهولنديّة Maastricht هي بلديّة وعاصمة مقاطعة ليمبورخ الهولنديّة، تقع المدينة في الجزء الجنوبي الشرقيّ من هولندا بين بلجيكا وألمانيا] مثلاً. ولكن مَن صنع ماستريخت؟ لسنا نحن من صنع ماستريخت. هنالك عبارة رائعة لأرسطو تقول: “من هو المواطن؟ المواطن هو شخصٌ ما يكون قادراً على أن يَحكُم وقابلاً لأن يُحكَمْ”. هنالك ستون مليون مواطن في فرنسا حاليّاً. لماذا لا يكونون على أن يحكموا؟ لأنّ كلّ الحياة السياسيّة تهدف بالتحديد إلى جعلهم إنسائهم مسألة الحكم. إنّها تهدف إلى إقناعهم بأنّ هنالك خبراء يجب أن يعهدوا إليهم بأمورهم. هنالك إذاً تربية سياسيّة مضادّة. في حين كان يتوجّب على الناس على ممارسة كلّ أنواع المسؤوليّات وعلى القيام بمبادرات، فإن هؤلاء الناسُ يعتادون الاِتّباع أو الاقتراع من أجل الخيارات التي يقدّمها لهم الآخرون. وحيث إنّ الناسَ بعيدون عن أن يكونوا مغفَّلين، النتيجة هي أنّهم يثقون بها أقلّ فأقلّ وأنّهم يصبحون مستخفّين (cyniqves).
    - دانيال ميرميه: في ما يخص المسؤوليّة الوطنية والممارسة الديموقراطية، هل تعتقد بأنّ الوضع كان أفضل في الماضي وأنه في أي مكان آخر، اليوم، هو أفضل بالمقارنة مع فرنسا؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لا، خارج فرنسا، اليوم، الوضع ليس أفضل، وربّما هو أسوأ. مرّة أخرى الانتخابات الاميركيّة تثبت ذلك. ولكن في الماضي كان الأمر أفضل من وِجهتَي النظر. في المجتمعات الحديثة، لنقل انطلاقا من الثورتين الأميركيّة والفرنسيّة إلى الحرب العالميّة الثانية تقريباً، كان هنالك نزاع اجتماعيّ وسياسيّ حيٌّ. كان الناس يعترضون ويتظاهرون. لم يكونوا يتظاهرون الخطّ معين من الشركة الوطنيّة للسكك الحديد في فرنسا. لا أقول أنّ هذا يدعو للاحتقار، إنّه مع ذلك هدفٌ، ولكنّهم كانوا يتظاهرون لأجل قضايا سياسيّة حيث العمّال ينفّذون إضراباً. لم يكونوا يُضرِبون دائماً في سبيل مصالح صغيرة حِرفيّة. كانت هنالك قضايا كبيرة تهمّ كل الأُجراء. تلك النضالات وسَمَت القرنين الأخيرين. إلّا أنّ ما نشهده اليوم هو تراجع نشاط الناس. وها هي حلقةٌ مفرغة. كلّما انسحب الناس من النشاط يتقدَّم بعض البيروقراطيّون والسياسيّين والمسؤولين المزعومين، خطوةً. لديهم تبرير جيّد: أنا آخذ المبادرة لأنّ الناسَ لا يفعلون شيئاً”. وكلّما هيمن هؤلاء الأشخاص أكثر، فإنّ الآخرين يقولون لأنفسهم: “الأمر لا يستحقّ التدخّل، هناك ما يكفون للاهتمام بذلك، ثمّ، على كلّ حال، لا يمكن القيام بشيء في هذا المجال”. هذا هو السبب الأوّل. السبب الثاني، والمرتبط بالأوّل، هو انحلال الإيديولوجيّات السياسيّة الكبيرة. إيديولوجيّات أكانت ثوريّة أم إصلاحيّة، كانت تريد حقّاً تغيير الأمور في المجتمع. لألفِ سبب وسبب، فقدت هذه الإيديولوجيّات حظوتها، لقد كفَّت عن مواءمة العصر، وعن التعبير عن تطلّعات الناس، ووضع المجتمع والتجربة التاريخيّة. كان قد وقع ذلك الحدث الضخم الذي هو انهيار الاتحاد السوفيتيّ والشيوعيّة. هل يمكن أن تُسمّي لي شخصاً واحداً من السياسيّين ـ كي لا نقول الدّسّاسين (من يتعاطون الدسائس السياسيّة)ـ من اليسار، فكّرَ حقيقةً بما جرى، ولماذا جرى، كما يُعبَّر عن ذلك ببلاهة، ومَن استخلصَ العِبر؟ بينما كان تطور من هذا النوع، جديراً في بداية مرحلته الأولى ـ الوصول إلى الوحشية، والشموليّة، والغولاغ [معسكر المنفيّين السياسيّين في الاتحاد السوفيتيّ سابقاً]، إلخ... ـ وفي ما بعد، في الانهيار، جديراً بتفكير معمَّق جدّاً وباستنتاج حول ما يمكن أن تفعله حركةٌ تريد تغيير المجتمع، أو ما يجب عليها أن تفعله، أو ما يجب عليها ألاّ تفعله، أو ما لا يمكنها أن تفعله. إلّا أنّ النتيجةكانت صفراً! بالتأكيد، إنّ ما نُطلق عليه الشعب، الجماهير، يستخلص العبر التي يمكن أن يستخلصها ولكنّه ليس مستنيراً حقيقةً.
    كنتَ تحدّثني عن دور المثقّفين: ماذا يفعل هؤلاء المثقّفون؟ ماذا فعلوا مع ريغان ومع تاتشر ومع الاشتراكيّة الفرنسيّة؟ لقد أخرجوا من جديد ليبراليّةَ بداية القرن التاسع عشر الخالصة والمتصلّبة، التي حوربت خلال مائة وخمسين عاماً والتي كادت أن تؤدّي بالمجتمع إلى كارثة لأنّ ماركس العجوز، في النهاية، لم يكن مخطئأً تماماً. لو كانت الرأسماليّة قد تُركت لنفسها، لكانت انهارت ألف مرّة. لكانت حصلت أزمة إفراط في الانتاج في كل السنوات. لماذا لم تنهر؟ لأنّ العمّال ناضلوا. فرضوا زيادات في الأجور، وبالتالي خلقوا أسواقاً ضخمة للاستهلاك المحلّيّ. فرضوا تخفيضات في ساعات العمل، وهذا ما امتصّ كل البطالة التكنولوجيّة. نُصاب بالدهشة اليوم لوجود بطالة. ولكن منذ عام 1940، لم تنقُص ساعات دوام العمل. نقول «تسع وثلاثون ساعة»، «ثمانٍ وثلاثون ساعة ونصف»، سبع وثلاثون ساعة وثلاثة أرباع الساعة، هذا مثير للسخريّة!... إذاً، كانت هنالك هذه العودة لليبراليّة، لست أرى كيف ستتمكّن أوروبا من الخروج من هذه الأزمة. يقول لنا الليبراليّون: «يجب أن نثق بالأسواق». ولكنّ ما يقوله اليوم هؤلاء الليبراليّون الجُدُد، قد دحضَه الاقتصاديّون الأكاديميّون أنفسهم في الثلاثينيات. لقد أثبتوا أنّه لا يمكن أن يكون فيه توازن المجتمعات الرأسماليّة. هؤلاء الاقتصاديّون لم يكونوا ثوريّين ولا ماركسيّين! أثبتوا أنّ كلّ ما يرويه الليبراليّون - حول فضائل السوق التي تكفل تخصيصاً أفضل تخيصصٍ ممكنٍ، والتي تكفل موارد، وتوزيع المداخيل الأكثر إنصافاً ممكناً ـ هو أمرٌ تافه! كلّ هذا جرت برهنته، هو لم يُدحَض قطّ. ولكن هنالك ذلك الهجوم الاقتصاديّ ـ السياسيّ للطبقات الحاكمة والمهيمنة الذي يمكن أن نرمز إليه بأسماء ريغان وتاتشر حتّى ميتران! قال: «حسناً، لقد مرحتم بما فيه الكفاية. الآن، سنصرفكم، سنخفّف النفقات الصناعيّة ـ سنُلغي «النفقات السيّئة»، كما يقول السيّد آلان جوبيه! ـ ثمّ سترون أنّ السوق سيضمن لكم مع الوقت رغدَ العيش». مع الوقت. بانتظار ذلك، هنالك %12.5من البطالة الرسميّة في فرنسا!

    - دانيال ميرميه: لماذا لا يوجد معارضة لتلك الليبراليّة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لست أدري، هذا أمرٌ غريب. ورد الحديث عن ضرْبٍ من إرهاب الفكر الوحيد، أي عن لا فكر. هو وحيد بمعنى أنّ الفكر الأوّل هو. لا فكر كامل وحيد ليبراليّ لا يجرؤ أحدٌ على معارضته. كيف كانت الإيديولوجيا الليبراليّة في عصرها الذهبيّ؟ حوالى عام 1850، كانت إيديولوجيا كبيرة لأنهم كانوا يعتقدون بالتطوّر. أولئك الليبراليّون كانوا يعتقدون بأن التطوّر سيُحدث الرغد الاقتصاديّ. ولكن حتّى عندما لا نغتني، في الطبقات المستغلَّة، سنتّجه نحو عملٍ أقلّ، نحو أعمال أقل مشقّةً، سيقلّ غباء الناس الناتج عن الصناعة: كان ذلك هو المبحث الأبرز لذلك العصر.لقد قالها بنجامين كونستان: إن العمال لا يمكنهم الاقتراع لأنهم أغبياء بتأثير الصناعة (لقد قالها صراحة، كان الناس نزيهين وقتها)، وبالتالي يجب أن يختصّ الاقتراع بدافعي الضرائب (نظام سياسيّ يقضي بأن يكون المواطنُ دافعَ ضريبة ليحقَّ له الاقتراع). ولكن في ما بعد تدنّت ساعات دوام العمل، شاعَ محو الأمّيّة، ووُجدت التعليم، وأصبح هنالك أنواع من الأنوار التي ليست أنوار القرن الثامن عشر الانقلابية، ولكنّها مع ذلك أنوار تنتشر في المجتمع. العلم يتطوّر والإنسانيّة تتأنسن، والمجتمعات تتحضّر شيئاً فشيئاً، بشكل متقارب، سنصل إلى مجتمع لا يوجد فيه استغلال فعليّ، حيث ستتجه الديمقراطيّة التمثيليّة لتصبح ديمقراطيّة حقيقيّة.

    - دانيال ميرميه: لا بأس؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لا بأس. إلّا أنّ ذلك لم ينجح! الباقي تحقّقَ ولكنّ الناس لم يتأنسنوا، والمجتمع مع ذلك لم يتحضّر، والرأسماليّون لم يلينوا، إننا اليوم نشاهد هذا الأمر. ما حصل هو أنّ الناس لم يعودوا يؤمنون بهذه الفكرة في أعماقهم. إنّ ما يهيمن الآن هو الخنوع حتّى لدى ممثّلي الليبراليّة. ما هي الحجّة الدامغة في هذه المرحلة؟ قد تكون سيّئة ولكن المصطلح البديل الآخر كان أسوأ. هذا يُختصر بهذا. وصحيح أنّ هذا الأمر أرعبَ الناسَ. إنهم يحدّثون أنفسهم: هذا ما يكمن خلف هذا الجفاف (النضوب) الإيديولوجي لعصرنا، وأعتقد أننا لن نخرج من هذه الحالة إلا إذا، حقيقةً، كان هناك ... يجب أن ننتظر، يجب أن نأمل، يجب أن نعمل من أجل انبعاثٍ جديدٍ لنقد قويّ للمنظومة (ٍSysteme)، وأيضاً من أجل عودة نشاط الناس ومشاركتهم.
    - دانيال ميرميه: نخبة سياسيّة مصغّرة قد تقزّمت إلى مستوى خادم ذليل للشركة العالمية، مثقّفون كلاب حراسة، وسائل إعلام قد خانت دورها كمعارض للسلطة، هذه بعض الأسباب وبعض المظاهر لـ «ارتقاء التفاهة» هذا.
    كورنيليوس كاستورياديس: ولكن في الوقت الراهن، نشعر بارتعاش لعودة نشاط مدنيّ. «هنا وهناك، بدأنا نفهم أنّ «الأزمة» ليست حتميّة الحداثة التي يجب الخضوع لها، «أن تتأقلم» خشية أن تُتّهم باتباع التقليد القديم. بالتاليي تطرح مسألةُ دور المواطنين نفسَها وكذلك مسألة كفاءة كلِّ شخص في ممارسة الحقوق والواجبات الديمقراطيّة بهدف الخروج من الامتثاليّة المعمّمة إنها يوتوبيا لطيفة وجميلة!.

    - دانيال ميرميه: زميلك ورفيقك إدغار موران يتحدّث عن الخبير العامّيّ (Generaliste) والخبير الاختصاصيّ (Spécialiste). السياسةُ تتطلّب الأمرين. العاميّ الذي يعرف تقريباً لا شيء عن كل شيء، والاختصاصي الذي يعرف كل شيء عن شيء واحد دون غيره. كيف نُعدُّ مواطناً صالحاً؟
    كورنيليوس كاستورياديس: هذه الثنائية طُرحت منذ أفلاطون الذي يقول أنّ الفلاسفة يجب أن يحكموا، فإنهم أعلى من المتخصّصين ولديهم رؤية حول كلّ شيء. كان العنصر الثاني من الثنائية هو الديمقراطية الأثينيّة. ماذا كان يفعل الأثينيّون؟ ثمّة هنا شيء مثير جدّاً للاهتمام. الإغريق هم الذين اخترعوا الانتخابات. هذه حقيقة تاريخيّة مُثبتة. ربّما أخطأوا، ولكن هم الذين ابتكروا الانتخابات! من كان ينتخبُ الناس في أثينا لم يكونوا ينتخبون القضاة! القضاة كان جرى تعيينهم عن طريق السحب بالقرعة أو بالتناوب. بالنسبة لأرسطو، المواطن هو ذلك بأن يَحكم وأن يُحكم. وبما أنّ الجميع جديرون بأن يحكموا يجب أن نسحب القرعة. لماذا؟ لأنّ السياسة ليست مسألة اختصاصِيّ. ليس هنالك علمٌ للسياسة. هنالك رأي، دوكسا [Doxa][3] لدى اليونانيّين، وليس هنالك معرفةة (Epistémè) [4].
    أريدك أن تلاحظ أنّ فكرة عدم وجود متخصّص في السياسة وبأنّ الآراء تتساوى، هي التبرير الوحيد المعقول لمبدأ الأغلبيّة. إذاً لدى اليونانيّين الشعب هو الذي يقرّر والقضاة يُسحبون بالقرعة أو يُعيَّنون بالتناوب. توجد نشاطات متخصّصة لأنّ الأثينيّين لم يكونوا مجانين، مع ذلك قاموا بأمور معتبرة بعض الشيء، بنوا معبدَ البارثينُون وغيره...بالنسبة إلى هذه النشاطات المتخصّصة، كبناء وُرَش السفن وبناء المعابد والتعامل مع الحرب، هي أمور تتطلّب اختصاصيين. إذاً أولئك، كانوا يُنتَخبونَ. إنّه الانتخاب. لأنّ الانتخاب يعني انتخاب مَن هم الأفضل. على ماذا نعتمد لانتخاب الأفضل؟ حسناً، هنا تتدخّل تربية الشعب لأنّه قدْ أُقنِعَ بالاختيار. نقوم بانتخاب أوّل. نُخطئ. نلاحظ مثلاً أنّ بريكليس هو قاضٍ ضعيف جدّاً (deplorable Stralege) ،لا ننتخبه مرة أخرى أو pjn نعزله. ولكنّ هذه الدوكسا، هذا الرأي الذي يمكن أن يُصادَر بالادّعاء بأنّه مقسَّمٌ بالتساوي، هي بالتأكيد مصادرةٌ نظريّةٌ تماماً. كي يكون هنالك القليل من اللحم يجب أن رعاية هذه الدوكسا. وكيف يمكن رعاية دوكسا تتعلّق بالحكومة؟ حسناً، بأن نحكم من خلال الحكم. بالتالي الديمقراطيّة ـ وهذا هو المهمّ ـ هي مسألة تربويّة للمواطنين، وهذا ما لا يوجد البتّة اليوم.
    مؤخّراً نَشرت مجلّةٌ إحصائيّةً أشارت إلى أنّ 60 في المئة من النوّاب يعترفون بأنّهم لا يفهمون شيئاً في الاقتصاد. نوّابٌ في فرنسا سيتخذون القرارات، يقرِّرون كما طوال الوقت! يصوِّتون، يزيدون الضرائب، يخفّضونها، إلخ... في الحقيقة، هؤلاء النوّاب جميعهم كما الوزراء، هم أموات بأيدي التقنيّين. لديهم خبراؤهم ولكنْ لديهم أيضاً أحكامٌ مسبقة أو تفضيلات. وإذا تتبّعتَ عن قرب عمل حكومة ما، أو عمل بيروقراطيّة كبيرة ـ أنا تابعت ذلك في ظروف أخرى ـ فسترى أنّ أولئك الذين يديرون يثقون بالخبراء، ولكنّهم يختارون الخبراء الذين يشاركونهم آراءهم. ستجد دائماً اقتصاديّاً يقول لك: «نعم، نعم، يجب القيام بذلك». أو ستجد خبيراً عسكريّاً يقول لك: «نعم، يجب التسلّح النووي» أو «يجب عدم التسلّح النوويّ». أي شيء. هي لعبةٌ غبيّة وبهذا الشكل نحن نُحكَم حاليّاً. وبالتالي ثنائية موران وأفلاطون صحتها اختصاصيّ أو عامّيّ. الاختصاصيّون في خدمة الناس، تلك هي المسألة. لا في خدمة بعض محترفي السياسية. والناس يتعلّمون كيف يحكمون من خلال ممارستهم للحكم.

    دانيال ميرميه: تعليميٌّ، أنت قلتَ وتقول: الحال ليست كذلك اليومَ. بشكلٍ أعمَّ، أيّ نمط من للتعليم ترى؟ أيّ نمط من تقاسم المعرفة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: هنالك الكثير من الأمور التي كان يجب تغييرها قبل التمكّن من الكلام عن نشاط تربويّ حقيقيّ على المستوى السياسيّ. التعليم الأساسي في السياسة هو المشاركة النشطة في الشؤون [العامّة]، ما يستلزم تحوّلاً في المؤسسّات يسمح بهذه المشاركة ويحثّ عليها، بينما المؤسّسات الحاليّة تُبعد الناس وتثنيهم عن المشاركة في الشؤون [العامّة]. ولكنْ هذا لا يكفي. يجب أن يُعلَّم الناسُ، وأن يُعلّموا فنَّ حُكم المجتمع، يجب أن يُعلّموا في الشأن العامّ. لكن، إذ نظرت إلى التعليم الحالي. لا علاقة له مطلقاً بذلك. نتعلّم أموراً تخصصية. بالتاكيد نتعلم القراءة والكتابة. هذا جيّد جدّاً، يجب أن يعرف الجميعُ القراءة والكتابة، مع العلم أنّه لم يكن لدى الأثينيّين أُمّيّون. تقريباً كان الجميع يعرفون القراءة ولهذا كانوا يدوّنون القوانين على الرخام. كل الناس كان يمكنهم قراءتها ومن هنا كان للقول المأثور المشهور «يُفترض ألّا يجهل أحدٌ القانونَ»، معنًى. اليوم يمكن أن يحاكموك لأنّك قد ارتكبتَ مخالفةً بينما أنت تجهل القانون ويقولون لك: «المفترض أنّك لا تجهله». إذاً كان يجب أن يتجه التعليم أكثر نحو الشيء المشترك. يجب فهم آليّات الاقتصاد، آليّات المجتمع، والسياسة، إلخ...لسنا قادرين على تعليم التاريخ. الأطفال يشعرون بالملل وهم يتعلّمون التاريخ في حين أنّه مشوِّق. يجب تعليمُ علمِ تحليلٍ حقيقيٍّ للمجتمع المعاصر، كيف هو، وكيف يعمل.
    - دانيال ميرميه: لقد تحدّثتَ كثيراً عن حركة أيّار/مايو68، التي سمّيتَها مع إدغار موران وكلود ليفور «الثغرة». اليوم، هذه الحقبة هي عصر ذهبيّ بالنسبة للشباب الذين يتحسرون على أنّهم لم يعيشوها. إذا أعدنا التفكير بتلك الحقبة، يصيبنا العمى. تلك التصرّفات الثوريّة والرومانسية، والمطلقة، والمذهبيّة، والفاقدة لأيّ أساس، كانت جاهلةً كليّاً على سبيل المثال بما كان يجري فعليّاً في الصين في عهد ماوتسي تونغ، هي أشياء كان بالإمكان معرفتها. ولكنّنا نفضّل أن نعتقد على أن نعرف.
    كورنيليوس كاستورياديس: نعم، أنت محقٌّ من وجهةِ نظرٍ هي مهمّة جدّاً. لكنها ليست البتة مسألة معرفة. إنّها الهيمنة الكبرى للإيديولوجيا بالمعنى الدقيق، وأقول بالمعنى السيّء للعبارة. مشكلة الماويّين لا تكمن في أنهمم كانوا جاهلين، لقد مَذْهبوهم أو إنّهم قد تمذهبوا بأنفسهم. لماذا كانوا يقبلون بالمـَذْهَبة؟ لماذا كانوا يتمذهبون بأنفسهم؟ لأنّهم كانوا بحاجة لأن يُمذهبوا. كانوا بحاجة لأن يعتقدوا. لقد كان هذا الأمر هو الجُرْحَ الكبير للحركة الثوريّة طوال التاريخ.

    دانيال ميرميه: ولكن الإنسان حيوان دينيّ. هذا ليس إطراءً ولكن...
    كورنيليوس كاستورياديس: ليس إطراءً البتة. أرسطو الذي لا أتوقّف عن الاستشهاد به والذي أُجِلُّهُ جدّاً قال مرّة واحدةً شيئاً هو كبيرٌ حقّاً... حسناً لا يمكن أن نقول كذباً عندما يتعلّق الأمر بأرسطو، ولكن مع ذلك. عندما قال: الأنسانُ حيوان يرغب في المعرفة، هذا خطأ. الإنسان ليس حيواناً يرغب في المعرفة. الإنسان حيوان يرغب في الاعتقاد، يرغب في اليقين، ومن هنا سطوة الأديان، وسطوة الإيديولوجيّات السياسيّة. في الحركة العمّاليّة في البداية، كان هنالك موقف نقديّ جدّاً. عندما تأخذ أوّلَ بيتَين من «العالميّة» التي هي نفسها نشيد الكومونة (كومونة باريس 1971)، خُذْ المقطع الثاني: «ليس هناك مـُخلِّصٌ أعلى ولا الله (يخرج الدين)، ولا قيصر ولا الحاكِم (يخرج لينين)! ولكن هنالك تلك الحاجة إلى الاعتقاد. اليومَ، ما الذي يجعلنا أكثر تعقّلاً من أيّار/مايو 1968؟ أعتقد أنّ النتيجة ربّما تكونُ في الوقت نفسه لـ: تَبعات أيّار/ مايو وللتطوّر في البلدان الشرقية (المعسكر الشرقي سابقاً أي العالم الثاني) ولتطوّر المجتمع بشكل عام هو أن الناس قد أصبحوا، على ما أعتقد، نقديّين أكثر. هذا أمرٌ مهمّ جدّاً. بالتأكيد هنالك شريحةٌ ما زالت تبحث عن الإيمان. العِلمولوجيا، الطوائف الدينيّة، أو الأصوليّة، هذا موجود في بلدان أخرى، لا عندنا، مطلقاً. ولكنّ الناس أصبحوا أكثر نقداً وأكثر ارتياباً. هذا ما يصدُّهم أيضاً عن الحراك. قال بريكليس في خطابه للأثينيّين: نحن الوحيدون الذين لا يصدّنا التبصُّرُ عن العمل». هذا رائع! وأضاف: «الآخرون، إمّا أنّهم لا يفكّرون وهم طائشون فيرتكبون تفاهات، وإمّا أنّهم من خلال تفكيرهم يصلون إلى عدم القيام بشيء لأنّهم يقولون لأنفسهم: هناك خطابٌ وهناك خطابٌ مضادٌّ. إنّنا نجتاز، حاليّاً، مرحلةً من الكبح، هذا أمرٌ مؤكّد. ولكن يجب أن نفهم أنّ الهِرَّ الذي لَذَعَهُ الماء الساخن يخشى الماء البارد. لقد ذاقوا كلّ هذا، فقالوا لأنفسهم: الخُطَب الكبيرة وكلّ ما تبقّى، وإن يكن!. فعليّاً لا يحتاج الأمر إلى خُطَب كبيرة، بل يحتاج إلى خُطَب حقيقيّة.
    دانيال ميرميه: إنّ ما يُغْني فكركَ، هو نظرة المُحلِّلِ النفسيِّ إلى العالَم. ليس من المعتاد أن يمتلك المرء عدّة إضاءات. لقد أصدر راوول فانجم كتاباً عنوانه: نحن الذين لا حدَّ لرغباتنا.
    كورنيليوس كاستورياديس: نحن الذين نهذي؟ آه، نعم! نحن الذين نهذي! (يقول ضاحكاً)
    - دانيال ميرميه: ما رأيك بهذه الرغبة التي لا تُقهَر التي تجعل من التاريخ مستمرّاً؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لكن على كلّ حال، هنالك رغبة لا تُقهَر. أخيراً وأيضاً! (يسود الصمت) هنا حقّاً... هذا فصلٌ كبير. إذا نظرتَ إلى المجتمعات القديمة أو المجتمعات التقليديّة، لا وجود للرغبة التي لا تُقهَر. نحن لا نتكلّمم هنا عن وجهة نظر التحليل النفسيّ. نتكلّم عن تلك الرغبة التي حوّلتها التنشئة الاجتماعيّة. وهذه المجتمعات هي مجتمعات التكرار. ففي العصر الحديث، هنالك تحرّرٌ بكلّ معاني الكلمة، تجاه الضغوط على تنشئة الأفراد اجتماعيّاً. نقول على سبيل المثال: «أنت تتخذ زوجةً من العشيرة الفلانيّة أو من العائلة الفلانيّة. ستكون لديك زوجةٌ في حياتك. إذا كان لديك اثنتان، أو رجلان، فسيكون ذلك في السرّ، وسيكون هنالك إثم. سيكون لديك وضعٌ اجتماعيّ، سيكون ذلك ولا شيءٌ آخرُ». ولكنّنا اليومَ دخلنا عصرَ اللامحدوديّة في كل المجالات وفي هذا نحن لدينا الرغبة في اللامتناهي. لكنّ هذا التحرّر هو بمعنًى فتحٌ عظيمٌ. لا مجالَ للعودة إلى مجتمعات التكرار. ولكن يجب أيضاً أن نتعلّمَ ـ وهذا موضوع كبير جدّاً ـ أن نتعلّمَ وضعَ قيود ذاتيّة، فرديّاً وجماعيّاً. والمجتمع الرأسماليّ اليوم هو مجتمع يركض ـ برأيي ـ نحو الهاوية من كلّ وجهات النظر لأنّه مجتمع لا يُحسن وضع حدوداً ذاتيّة لنفسه. والمجتمع الحرّ حقّاً، هو المجتمع الذي يتمتّع بحكم مستقلّ، يجب أن يعرف كيف يضع لنفسه حدوداً ذاتيّة.
    - دانيال ميرميه: وضعُ حدودٍ يعني المنعَ. كيف يجري المنع؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لا، ليس هو المنع بالمعنى الرادع. ولكنّه أن نعرف أنّ هنالك أموراً لا يمكن القيام بها أو لا يمكن حتّى محاولة القيام بها أو لا تنبغي الرغبة فيها . على سبيل المثال البيئة. نحن نعيش على هذا الكوكبب الذي نحن بصدد تدميره، وعندما ألفظُ هذه العبارة أفكّر بالعجائب، أفكّر ببحر إيجة، أفكّر بالجبال المكسوّة بالثلج، أفكّر بمنظر المحيط الهادئ من زاويةٍ في أستراليا، أفكر بـ بالي، بالهند، بالريف الفرنسيّ الذي نحن بصدد تصحيره. العديد من العجائب هي في طريقها إلى الزوال. أفكِّر أنّه كان علينا أن نكون بُستانيّي هذا الكوكب. يجب أن نزرعه. أن نزرعه كما هو ومن أجل نفسه. وأن نجد حياتنا، مكاننا بالنسبة إليه. إنها مهَمّة ضخمة. وهذا يمكنه أن يمتصّ جزءاً كبيراً من أو قات فراغ الناس، المتحرِّرين من عمل أحمق، منتج، متكرّر، إلخ...لكنّ هذا بالطبع، بعيدٌ جدّاً لا عن النظام الحاليّ وحسب ولكن عن التخيّل المهيمن حاليّاً. التخيّلُ في عصرنا، هو تخيّلُ التمدّد اللامحدود، هو تراكم الحقير من المتاع... جهاز تلفزةٍ في كلّ غرفة، حاسوب صغير في كلّ غرفة، إنّه هذا ما يجب تدميره. النظام يستند إلى هذا التخيّل الموجود هنا والذي يعمل.

    - دانيال ميرميه: إنّ ما تتكلّم عنه هنا، من دون توقّف، هو الحريّة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: نعم.
    - دانيال ميرميه: خلف هذا، توجد الحريّة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: نعم.
    - دانيال ميرميه: الحريّة صعبة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: آه نعم! الحريّة صعبة جدّاً.

    - دانيال ميرميه: الديمقراطيّة صعبة؟
    كورنيليوس كاستورياديس: الديمقراطيّة صعبة لأنّها حريّة، والحريّة صعبة لأنّها ديمقراطيّة، نعم بشكل مطلق.لأنّ اللامبالاة سهلة، الإنسان حيوان كسول، هذا ما قالوه. هنا أيضاً أعود إلى أسلافي، هنالك عبارة رائعة لــ ثوسيديدس: يجب أن نختار الراحة أو أن نكون أحراراً. أعتقد أنّ بريكلاس هو الذي قال هذه العبارة للأثينيّين: إن كنتم تريدون أن تكونوا أحراراً، يجب أن تعملوا. أنت لا يمكنك أن ترتاح. لا يمكنك أن تجلس أمام التلفزة. أنت لست حراً عندما تكون أمام التلفزة. أنت تظنّ أنّك حرٌّ وأنت تُغيِّرُ قنوات التلفزة كالأبله، لستَ حرّاً، هذه حريّة مزيّفة. ليس حمارُ بوريدان وحده الذي يختار بين كومتَين من التبن. الحريّة، هي النشاط. والحريّة هي النشاط الذي يضع لنفسه حدوداً ذاتيّةً بالوقت نفسه، أي أن يعرف أنّ بإمكانه أن يفعل كلّ شيء ولكن يجب ألاً يفعل كلّ شيء. تلك هي المشكلة الكبيرة، بالنسبة لي، هي مشكلة الديمقراطيّة والفرديّة.

    - دانيال ميرميه: الحريّة، هي الحدود؟ التفلسف، هو إقامة الحدود؟
    كورنيليوس كاستورياديس: لا، الحريّة، هي النشاط والنشاط الذي يعرف فرضَ حدوده الخاصّة. التفلسف، هو التفكير. هو التفكير الذي يعترف بأنّ هنالك أشياء لا نعرفها وبأنّنا لن نعرفها أبداً...

    ---------------------------------------[1]*ـ دانيال مرميه (Daniel MERMET)، صحافي وكاتب ومذيع في الإذاعة الفرنسية (Radio francais)، ومعروف أساساً ببرنامجه: هناك لو أنّي هناك (La-bas si j'y suis) على إذاعة (فرنسا الدولية) (France inter).
    *ـ العنوان الأصلي للمقال: la montée de l'insignifiance.
    المصدر: www.costis.org/x/castoriadis/montée.htm
    [2]ـ تعريب: هادية أبو حيدر - مراجعة: كميل منصوري.
    [3]-المعتقد السائد: مجموعة الآراء المتلقّاة من دون مناقشة كحتميّة طبيعيّة في حضارة ما.
    [4]- معلومات منظّمة تتعلّق بالكون والعلوم والفلسفات وسواها وتكون خاصة بمجموعة بشريّة معيّنة أو بأحد الأعْصُر.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: حوار مع الفيلسوف اليوناني كورنيليوس كاستورياديس ( ارتقاء التفاهة سمة العالم الحديث ) Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top