728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأربعاء، 29 أغسطس 2018

    "مشاهدة" المتصوف من دون "معاينة" (4 من 4)

     شربل داغر


    (أنشر، في أربعة أيام متتالية، أربع نبذات مقتطَعة من دراسة عن التصوف والفن والأدب، ألقيتُها مؤخرًا في "بيت الزبير"، في عُمان – هنا النبذة الرابعة والأخيرة):

    في اللحظة الحديثة يمكن التنبه إلى عودة نشطة إلى التصوف، من جهة، وإلى علاقات مستوحاة أو مطلوبة له مع الفن، أدبًا وإنتاجًا ماديًّا بصريًّا، من جهة ثانية. ويمكن القول في هذه اللحظة إنها لحظة مدنية، ذوقية في المقام الأول، على أن هذا التقدير تشوبه ملاحظتان:
    - إن بعض الأنظمة العسكرية العربية كانت تقمع وتمنع أي "ظهورات" صوفية، لهذه "الطريقة" أو تلك، ولطقوسها وأفعالها العلنية؛
    - إن بعض العودة إلى بعض الطُّرق والطقوس، لم يمنع كونها مهمشة بعض الشيء، وإن لم تكن ممنوعة.
    إلا أن هناك "عودة" أو "ظهورًا" آخر للصوفية طاولَ فئات أخرى، ولا سيما الفنانين والأدباء العرب، ما يحتاج إلى معاينة ودرس.
    ليس في إمكان الدارس اتخاذ موقف – تحليلي بالطبع، في هذه الحالة – من الخطاب الصوفي يحيد عن موقفين اثنين:
    - التسليم به، من دون مساءلة؛
    - مساءلة الخطاب عما يؤسسه ويبنيه.


    بين التسليم والمساءلة
    في الموقف الأول – وهو موقف غالب بين دارسي الخطاب – يقوم الدرس باستعراض وشرح وتفسير ما قام عليه هذا الخطاب، من دون مناقشة له، ما دام أن ما "يبلغنا" من الخطاب "مُنزل" على المتصوف بمعنى من المعاني، على إثر الشطح.


    أختار الموقف الثاني، وهو التعرف إلى ما يبني الخطاب الصوفي في بناه التأليفية. لو توقف الدارس أمام عينات من هذا الخطاب لوجد أنها تنفي عن فعلها أي تأليف، لصالح ما تمَّ "قذفُه في الصدر" (وفق العبارة المأثورة). هذا يعني "تجهيل" الكتابة : سواء لجهة كونها متحصلة، بل "مسموعة" وحسب، أو لجهة كونها مؤلفة تحت تأثير قوة "خارجية" عليها. لهذا أطلب الوقوف عند "آليات" تشكل الخطاب، أو مقوماته البنائية. هذا ما أجمعه في سؤال ابتدائي : ممَّ يتأتي القول في الخطاب ؟
    - الخطاب الصوفي بوصفه "مخاطبة": يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالقول، بداية، إن أبنية الخطاب الصوفي تتأتى من "القول"، لا من "التأليف" إثر محادثة أو مخاطبة، فلا يكون المتصوف، في الخطاب، سوى محاور ومتلقٍ في آن. وهو في ذلك "ناقل أحاديث"...


    - الخطاب الصوفي بوصفه "مشاهدة"؛
    - الخطاب الصوفي بوصفه تفكرًا؛
    - الخطاب الصوفي بوصفه حكاية؛
    - الخطاب الصوفي بوصفه إنشادًا
    ...


    هذا الخطاب، في تجلياته الكتابية المختلفة، يتأتى مثلما يتنزل في ثقافة دينية وفلسفية وكلامية وأدبية واجتماعية إسلامية بالعربية. ففي إمكان الدارس استبيان اصطلاحات وألفاظ مستخرجة من متون بعينها في هذه الثقافة (من القرآن والحديث وعلم الكلام والفلسفة وعلوم البلاغة والأدب وغيرها)، إلا أنه "يوظفها" وفق احتياجات متأتية من بناء الصوفية لخطابها المخصوص. فالتشابهات أكيدة بين تجليات هذا الخطاب وأنماط الجُّمل القرآنية والحديث والتفسير والبرهنة وخلافها. وهذا ما يصحُّ في تشابهات أكيدة بين الغزل الصوفي والغزل العذري، وبين الحكاية عمومًا والحكاية الصوفية، وبين سُبل التفلسف وسُبل التعليل الصوفي، وغيرها من التماثلات التي تُظهر بأن تجليات الخطاب الصوفي لا تعدو كونها متأتية من تجليات الثقافة والدين والأدب والذوق عمومًا.


    لم يخرج الخطاب الصوفي، أو يندس في ما هو غيب، أو في ماوراء، وإنما في "تجربة" انغمست – مهما قيل عنها وفيها – في زمنها الاجتماعي والثقافي – وإن على مسافة منه.


    خلاصة القول إن الخطاب الصوفي ليس بالهجين في الثقافة القديمة، ولا في تجارب دينية مختلفة (مسيحية خصوصًا)؛ وما يستوقف فيه هو أنه بنى "متنًا موازيًا"، متصلًا ومنفصلًا في آن، من الخطاب الديني والخطاب الفلسفي والخطاب الأدبي. وهو متنٌ قابلٌ لعملياتِ تصنيفٍ في البناء والرؤية والموقف والذوق وغيرها. بل هو أكثر من متن أيضًا، إذ إنه متبوع أو مسبوق أو مستلحَق بسلوك، بممارسات، وطقوس، ما يجعل التصوف "تجربة" بالمعنى الوجودي الكامل للإنسان، متصوفًأ أو إنسانًا عاديًا. إلا أن هذا المتن يستحصل "شرعيته" من "أمانة الناقل"، مثلما صحَّ ذلك في الحديث النبوي، أو في النبي نفسه، ولا تتأتى الشرعية من الخطاب بنفسه. لهذا وجب التمييز بين مكونَين في الخطاب الصوفي:
    - ما يصدر عن المتصوف بنفسه، على أنه "ناقل ذو ثقة"؛
    - ما يصدر عن المتصوف بوصفه مؤلفًا، أي صاحب "تجربة".
    هذا ما يستتبع التمييز في ما يمكن أن يكون عليه موقف الدارس، بين:
    - دارسٍ "يقرُّ" سلفًا بأمانة الناقل، من دون حجة أو شاهد؛
    - ودارسٍ يكتفي بـ"تلقي" الخطاب الصوفي، مثل غيره من النصوص، ويتعامل وفق مقومات ومعايير الفكر والذوق.
    الكتابة الصوفية، إذ "تؤنسن" النبوة وتجعلها في متناول كثيرين، "تؤلِّه" الكتابة. هي نشاطية لغوية بوصفها فكرية في العربية، ما لم توفره بالضرورة نشاطيات لغوية أخرى في العربية. ولكن ماذا تفعل الصوفية في فن اليوم؟


    "المشاهدة" من دون عين
    يمكن التأكيد بأن "انتعاش" الخطاب الصوفي أكيد في الكتابة العربية الحديثة، ولا سيما في الشعر، من دون أن تعرف الفنون التشكيلية الانتعاش عينه. لا أقول هذا للتخفيف من الحضور الصوفي في الفن، إذ يقوى المتابع على رصد الكثير من الإنجازات والتجارب، إلا أن ما أريد أن أقوله هو أن التجربة الفنية لن تجد في الخطاب الصوفي سندًا فلسفيًّا أو جماليًا لها. فقد حافظ الخطاب الصوفي القديم بمعنى ما على "امتناع التصوير"، على حصول "المشاهدة" عند بعض المتصوفة ولكن من دون "نقل" لها: ذكر الطوسي أن البسطامي قال: "أشرفتُ على ميدان الليسية، فما زلت أطير فيه عشر سنين، حتى صرت من ليس في ليس بليس، ثم أشرفت على التضييع، وهو ميدان التوحيد، فلم أزل أطير بليس في التضييع، حتى ضعت في الضياع ضياعا، وضعت فضعت عن التضييع بليس في ليس في ضياعة التضييع، ثم أشرفت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف، وغيبوبة العارف عن الخلق". ويقول الطوسي شارحًا كلام البسطامي: "(يعني الشبلي) رفعني مرة، فأقامني بين يديه، يعني: أشهدني ذلك وأحضر قلبي لذلك، لأن الخلق بين يدي الله تعالى، لا يذهب عليه منهم نفس ولا خاطر، ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم، ويتفاوتون في صفاتهم من كدورة ما تحجب بينهم وبين ذلك من الاشتغال القاطعة والخواطر المانعة". أما الغزالي فرأى في "المشاهدة" ما ينتسب إلى التشبيه، بوصفه توهمًا، ليس إلا: "لما خف عنهم سكرهم، وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد".


    وهو مبحث سبق أن توقفت عنده في أكثر من بحث، وانتهيتُ فيها إلى التبين أن ما يحرِّك المتصوف هو "المشاهدة"؛ وهو ما يحصل لبعضهم في "الحضرة" فيخبروننا، في بعض أقوالهم، عما "تمتعوا" به من نعيم، فيما يمتنع غيرهم عن الإفصاح عما حصل لهم: لم يقر كثيرون بقول المتصوفة إثر المكاشفة، مثل الغزالي أو حتى ابن عربي: "(الشطح) كلمة دعوى بحق تفصح عن مرتبته (الشاطح) التي أعطاه الله من المكانة عندما أفصح بها من غير أمر إلهي". وهو ما يقوله في غير مجال عن الشطح إذ هو "عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى، وهي نادرة من أن توجد من المحقيين". بينما تحدث ابن خلدون عن صعوبة "نقل" المشاهدة بلغة ثابتة ومعروفة... 


    هكذا تكون "المشاهدة" سرية في أحسن الأحوال، ولا يتأتى منها غير مشاعر يعايشها المتصوف بنفسه. وإن تأتت من "المشاهدة" أخبار ومرويات (عند البعض القليل من المتصوفة) فإنه لا يبلغ ما يمكن تسميته بـ"تجسيم" الوجود، بين كائناته وإنسانه. فابن عربي، إذ يبلغ "الحضرة"، لا يقع إلا على لون واحد؛ وما يكتفي به غيره من أوصاف للجنة (بما فيه عند المعري في "رسالة الغفران") لا يتعدى سوى ما ورد عنها في القرآن، أو تخيُّلًا – خفيفًا للغاية – ابتداء منه.


    هذا ما وجدناه أعلاه عند إقامتنا "التقابل" أو "المرآة" بين القرآن والوجود، إذ وجدنا أنها ليست مرآة مادية أو عيانية، وإنما هي مرآة لغوية. وهذا لا يُمكِّن أي خطاب في التفلسف، في الجمالية، من أن يجد مرتكزًا له فيه.


    إنها تتيح، بالتالي، جمالية لتشكلات الكتابة، لا الكلام، ولا تتيح، في حد ذاتها، قيام جمالية مبنية على البصر، على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر، بما فيها الفن العربي الجديد نفسه.


    إلا أن هذا لا يخفي أن فنانين عربًا مختلفين يعودون إلى المتن الصوفي بوصفه مولدًا لحيوية، لتجربة داخلية محيية، بل ربما دينية وسلوكية عند بعضهم. هذا قد يكفيهم، إلا أنه يُبقي إنتاجات الفن في نطاقات سرية، حيوية (بمعنى تنشيط القوى النفسية على الإقبال الفني)، ولا ترتقي بها بالتالي إلى التفكير الفلسفي والجمالي في مسائل الفن.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: "مشاهدة" المتصوف من دون "معاينة" (4 من 4) Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top