728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الاثنين، 16 يوليو 2018

    طارق أبي سمرا...غريبُ اللُّغَتَيْن

     

    1. شذراتٌ شعريّةٌ وفحولةُ اللّغةِ العربيّةِ


    لم أفهم يوماً الشعر العربي القديم، ولم أحفظ منه سوى أبيات أربعة وشطر واحد: "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر/ أما للهوى نهي عليك ولا أمر"؛ الأبيات الثلاثة الأولى من "دع عنك لومي"؛ و"تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". أمّا حصادي من الحداثة العربيّة، فمهزلة: "مطر... مطر... مطر..."؛ و"يعبرون الجسر... (تبخَّر شيءٌ هنا)/ أضلعي امتدّت لهم جسراً وطيد".


    مُعيراً نصف أذنٍ لمعلّمي العربيّة الذين تعاقبوا على تدريسي في المرحلة الثانوية، كنتُ أجد لغة الشعر العربي وعِرةً ووعظيّةً، كأنّ مفرداتها حجارةٌ يقذفني بها شيخُ مسجد من منبر الخطابة. وكان البيتُ تلو البيتِ يطلع من حناجر المُدرّسين والمُدرِّسات أجشّاً مُترعاً بالفحولة، فأشعر بأنّ للكلام العربي الفصيح، لا سيما المنظوم منه، قدرة على تذكير الأنثى الأكثر نعومة، وشحنِ الذَّكَر بفائضٍ من الرجولة، حتّى لو كان مُتشبِّها بالنساء. لا شكّ في أنّ الحروفَ الغليظةَ النُطْقِ، الخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والقاف، لعبَت دوراً معتبَراً في عزوي الفحولة إلى العربيّة، إلا أنّ العاملَ الأساس في ذلك آياتُ القرآن التي كنتُ ألمحُ وميضَها الخافتَ البعيدَ وراء كلّ كلامٍ فصيح. آياتٌ لم أقرأ منها سوى القليل، وبالكاد فهمت منها شيئاً، غير أنّها بدت لي صارمةً عنيفةً، مُشَبَّعةً بنيران جهنّمٍ وعذاباتها.


    2. "الجسدُ سجنُ الروحِ" (عبارة منسوبة خطأً إلى أفلاطون، مع أنّه يقول شيئاً من هذا القبيل)


    الغريب في نفوري من العربيّة آنذاك، أنني كنتُ، على الأرجح أكثر مِن المراهقين سواي (وربما لا، فمَن يدري ما تُخفيه النفوس؟)، أحسُّ بنقصٍ فادح في رجولتي، وعبثاً أجْهَدُ في تعويضه. وكان أكثر ما أخشاه أن أُنْعَتَ بالمُخَنَّثِ، فيتهيّأ لي أنّ الصِفَةَ هذه محفورةٌ في عيون أترابي المُحدِّقة بي، ولا يتطلّب تحوّلها لفظةً تخرج من أفواههم سوى هفوة مني. صرتُ أرتاب من أيّ فعل أقدِم عليه عفويّاً، فأرى جسدي وصوتي كعَدُوَّيّن ينبغي على الدوام الإحتراس مِن غدرهما، مِن أيّ نعومة قد يُتيحان لها التسلُّلَ إلى حركاتي ونبرتي.


    احترازاً من أيّ أنوثة قد تشوبهما، بدأتُ أراقِب مُدقّقاً في سلوكي وحركة جسمي قبل أن يصدرا عنّي. وفي خيالي أخذتُ أتدرَّبُ على أفعالي، أكرِّرها، أُقَوْلِبها، وأهندسها لتُبصرَ النورَ مُكتملةَ الرجولة. أعتقد أن ما نَتَجَ حينذاك عن تماريني الذهنية العسيرة سلوكٌ على مسافة واحدة من التخنّث والفحولة بدا، في أغلب الظّن، عادياً طبيعيّاً لمَن أعاره انتباهاً؛ غير أنّ قطيعة وقعت بيني وبين جسمي، فأصبحَ غريباً عنّي، كأنّه ليس لي، يتحرّك على  نحو شِبْه آليّ، مُنفِّذاً ما بَرمجْتُه مُسبقاً القيام به ومُستقلّاً إلى حدٍّ ما عن إرادتي الآنيّة.


    كنتُ أبصِرُني في أحلامِ يقظتي مُتبخْتِراً مزهوّاً بنفسي، فيما أمشي لوحاً خشبيّاً على أرضِ الواقعِ. ذاك أنّني، أثناء سَيْري، كنتُ أشعر أنّ الجزءَ العلوي من جسمي قطعةٌ واحدة متصلِّبة، دِرع حديد بلا مفاصل، يَعتصِر ما كان يتهيَّأ لي أنه جذعي وكتفَيّ وذراعَيّ الحقيقيّة. على الرغم من ذلك كلّه ارتضَيْتُ قوقعتي سجناً لروحي وبديلاً مِن فحولةٍ عجزْتُ عن بلوغها.


    3. أَبْلَهُ دوستويفسكي


    يعود اهتمامي بالمطالعة إلى سنّ الخامسة عشر، حينما راحت مُعلِّمةُ الفرنسيّةِ تعرض لنا شهرياً روايات ثلاث لنختارَ منها واحدةً نقرأُها ثم نُمْتَحَن فيها خطيّاً أو شفويّاً. في السنوات السابقة لم أكن أقرأ الروايات المُفروضة علينا، بل أَطْلُبُ من أحدِ زملائي أن يروي لي أحداثها قبل يومٍ أو يومَيْن مِن الإمتحان، ذلك أنه كان عليّ تعذيب مُخيِّلَتي وجَلْدها لحملها على تحويلِ الكلماتِ صوراً حسيّةً باهتةً فحسب. لست أدري، إذاً، ما الذي دفعني إلى قراءةِ "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، عندما اقترحتها علينا المُدرِّسةُ تلك. لكنني أذكر كمّ عانَيْت وأنا أحاول فَهْمَ هذه القصّة البوليسيّة المُطَعَّمة بالفلسفةِ وعلمِ اللاهوتِ القروسَطِيَّيْن، حتّى أنّني اسْتَعَضْتُ عن الترجمةِ الفرنسيّةِ بأخرى عربيّةٍ لم تُسهِّل مهمّتي كثيراً.

    كان افتخاري ببلوغِ الصفحةِ الأخيرةِ متعتي الوحيدة التي نلْتُها آنذاك، لكنّها كانت كافيةً لحثّي على الغوص في "الأبله" لدوستويفسكي (أحد اقتراحاتِ المُعلِّمةِ أيضاً)، فاكتشفت حينئذٍ متعَتَيْن مِن صنفٍ آخَر: القراءة، والقراءة بالفرنسيّة.

    أتاحت لي تلك الروايةُ العيشَ موقّتاً خارج جسدي، أو بالأحرى نسيانَه. صرتُ طيفاً منعدمَ الوزنِ يسرح حرّاً في روسيا القرن التاسع عشر بِصُحبة مجانين دوستويفسكي. وما كان انعتاقي من جسدي ليحصل لو كنتُ قرأت "الأبله" بالعربيّة: فالغُرْبَة المكانيّة (روسيا) والزمنيّة (القرن التاسع عشر) التي سمحت لي بنسيان نفسي (أيّ جسمي ورجولته وأنوثته وحركاته المُبرمجة والآليّة، إلخ...) لم تكن ممكنة لولا الغربة اللغويّة. وهي غُرْبَةٌ أدمنتها كمُسكرٍ، ولا أزال حتى اليوم أبحث عنها في الروايات. لقد عثرتُ في الفرنسيّة على فضاء ينتفي فيه ذاك الشّطْر من ذاتي المُتجذِّر في لغتي الأُمّ، عاميّة كانت أَمْ فصحى. صار لديّ، إذاً، مكانٌ آمِن ألْتَجِئُ إليه: الروايات الفرنسيّة أو المترجمة إلى الفرنسية؛ مكانٌ حيث لا تحيلني فحولةُ العربيّةِ إلى رجولتي المُترنِّحة المضّطربة.


    4. بين قوسَيْن: النبيُّ المحاربُ والإلهُ الأضْحِيَّة

    (أصبحتُ، إذاً، مفتوناً بالفرنسيّة، ولمّا كنتُ أتخيَّلُ أنّ هويّة المسيحيِّ في ديارنا اللبنانيّة على صِلَةٍ لا فكاك منها بالفرنسيّة، أكان يجيدها أم لا، أمسيتُ مفتوناً بنصارى لبنان أيضاً، ثم بفريق كرة السلة المحلّي والمسيحي، "الحكمة"، وأخيراً بيسوع المسيح، هو إياه لا غيره، ذاك الإله الناعم، الرقيق والمظلوم الذي تخيّلته ناطقاً بالفرنسية فيما هو ينازع على صليبه، وأحببته أكثر من نبيّنا الفاتح والمُجاهد).


    5. الفرنسيّةُ لغةٌ بلا جسد (في ما يخصّني حصراً)

    كانت الفرنسيّةُ بلسماً لروحي (عِبارةٌ مُستهلكة، خشبيّة، لكن دقيقة وفي محلِّها هنا)، فصرتُ أقرأ بنهمٍ لأشعر بأنني شخصٌ آخر، تماماً كما يتقمّص امرؤ بطلَ مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ يشاهده غارقاً في أريكته مُحدِّقاً في شاشة التلفزيون. لكنني في المقابل كنتُ أقرأ لأرضي غروراً كان يذهب بي إلى الأَنَفةِ من طلبِ الهروبِ عَبْر مسلسلٍ سفيهٍ أو فيلمٍ رديءٍ، فأجنح إلى طلبه عَبْر أمّهات الأدب العالمي. إنّ مداواةَ كبرياءٍ جريحٍ (وهل رجولتي المُترنِّحة سوى شكل من أشكال الكبرياء الجريح؟) مِن المُحفّزاتِ الرئيسة التي تدفع مراهقاً إلى قراءة الأدب – وقد يتبدّى هذا القَوْلُ، بعد شيءٍ من التمحيصِ، تعميماً مفرطاً لحالةٍ هي حالتي وحدي. فعادة المراهق شِبه السريّة هذه (قراءة الروايات وليس الإستمناء، مع أنّ أَوْجُه الشَّبه بين العادَتَيْن كثيرة كثيرة)، وهي حكرٌ على قلّة قليلة، تُوْهِم مُمارِسَها الدؤوبَ أنه اكتسب عِلْماً لا تملكه سوى صفوة مِن البشر، كأنه صار مُدركاً بواطن الأمور، أيّ بات يَفْقَه الحياةَ كما لا يفقهها العَوامّ.

    لكن ما أبعد الحياة أحياناً مِن الروايات، وحتّى مِن أكثرها واقعيّة وأقلّها غنائيّة ورومنطيقيّة! فالروايات لا تزيد عِلْماً بالحياة، إلّا مَنْ سبق أن عاش الحياة حقّاً. أمّا مَن كان مثلي متقوقعاً على نفسه، منقطعاً عن دنيا البشر، فسَكَن الكتبَ، والأفلامَ الرديئة وغير الرديئة، وأدمن أحلام اليقظة ووقودها التي هي الكتب والأفلام، فلن تزيده الروايات إلّا جهلاً بالحياة، وتقوقعاً على نفسه، وانقطاعاً عن دنيا البشر. وإذا كان لا يلتهم الروايات إلّا بلغةٍ قد يجيدها كتابةً وقراءةً، لكنّه نادراً ما ينطق بها، لغة لا تمت إلى محيطه بصلة (الفرنسيّة في حالتي)، فسرعان ما سيصبح مُقيماً في عالَمٍ آخَر، الكائنات كلّها فيه نسخة شبحية باهتة مِن مخلوقاتِ العالم الواقعي الحيّ.

    والحقّ أنني لم أَعِ ذلك إلّا بعد سنوات. كنتُ تجاوزْتُ العشرين فيما آفَةُ القراءةِ التي أعاني منها آخذة في التفاقم، ومِن أعراضها المُتقدِّمة بدئي بكتابة قصصٍ قصيرة باللغة الفرنسيّة. كانت قصصي تلك مُستلهمةً مِن كافكا إلى حدٍّ ما، غرائبيّةً ورمزيّةً بإفراط. في إحداها (وقد عَنْوَنْتُها "الصحراء") يخرج البطل من منزله للتنزّه في المدينة. هائماً في الشوارع، يروح يُدخِّن سيجارة مارلبورو تلو أخرى إلى أن تَفْرَغَ علبتُه. يشرع حينئذٍ يبحث عن متجر ليبتاع منه علبة أخرى، فينتبه إلى ما لم يكن قد تنبّه إليه طوال ما لا يقلّ عن ساعةٍ من السير على غير هدى: الشوارعُ والأزقةُ كلّها خاليةٌ تماماً من البشر، المتاجرُ كلّها مُقفلةٌ. لا يُدهَش بطلُنا ولا يَضطرب كثيراً؛ فقط تُقلقه فكرةُ اضطراره إلى قضاء ليلته من دون سجائر. ليلةٌ لن يُغمَض له جفن في ساعاتها الطويلة، مُتذوِّقاً عذابات الحرمان من التبغ. ومع بزوغ أوّل شعاع شمس، يهرع إلى الشارع راكضاً، هلِعاً، لاهثاً من متجرٍ إلى آخر، فيجدها مُغلقةً كلها، إلى أن يُدرِك أنه الإنسانُ الأخيرُ المُتبقي على وجه الأرض.

    هذه مقدمّة القصّة. أمّا لُبّها فوصفٌ للتحولات النفسيّة التي تطرأ على هذه الشخصيّة بعد اكتشافها أن الدنيا باتت صحراء مقفرة. لكن دعك مِن تفاصيل مُملّة كهذه. أكتفي بالقول إن بطلي الذي لم أتكرَّمْ عليه بِاسْمٍ، لم يكلّف نفسه عناء التفكير في سبب اختفاء البشر، بل إن التساؤل هذا لم يخطر حتّى في باله. كلّ ما فعله هو التأقلم مع هذه الحالة الجديدة. ومِن تقنيات التأقلم الرئيسة التي يلجأ إليها، إسرافه في الإستمناء. وهكذا تنتهي الحكاية.

    كانت هذه أوّل قصّة ابتدعها. وأعتقد أنها النموذج الأصليّ لتهويماتي الكتابيّة الفرنسيّة كلها. ففي قصصي اللاحقة جميعها، كنتُ بطريقةٍ أو بأخرى أَمْحُو الواقع محواً تامّاً. لم يكن ذلك عن سابق تصوّر وتصميم، إذ كنتُ لا أنفكّ أضع تخطيطاً أوّلياً تلو آخر لحكاياتٍ واقعيّة تُوْلَد ميتةً، فينتهي الأمر بي إلى ابتكار قصص لا أسماء لشخصيّاتها ولا حتّى سمات جسدية، فيما تدور أحداثها في بيئة غير مُحدَّدةٍ بلا معالم، أيّ في اللامكان، كأنما الخلفيّة الوحيدة لتلك الأحداث هي الورقة البيضاء التي تصطفّ عليها الكلمات.  

    كانت نصوصاً مُغلقةً، منقطعةَ الصلةِ بكلّ ما هو خارجها، لا تُحيل سوى إلى نفسها، كأنّ مؤلِّفَها روحٌ خالصةٌ لم تتقمّص جسداً بعد. روحٌ منعدمةُ الوزنِ، تائهة في عالم المُثل الأفلاطونيّة، حيث الأشياء كلّها لا تزال مُجرّدةً، عامّةً، وبلا خصائص، لم تدخل بعد حيّزَ الوجودِ الحسّي المُحَدَّد والملموس. كانت، ببساطةٍ، نصوصاً عن لا شيء.  


    6. وعُدْتُ إلى أحضان لغتي الأُمّ

    لم أُدْرِكْ أن للفرنسيّة دَوْراً في انفصال قصصي عن الواقع، ولم أَرَ أصلاً في هذا الإنفصال أيّ مُشكلة، إلّا بعدما شرعت أكتب بالعربيّة. أقدمتُ على ذلك في عمر مُتأخِّر نسبيّاً (31 سنة)، ولأسبابٍ ظننتها عمليّةً بحتة في بادئ الأمر.

    كنتُ آنذاك أعمل مديرَ مطعمٍ بدوام جزئي. وكي لا يغرَّكم لقبُ "مدير" وما قد ينطوي عليه مِن أُبَّهة، هذا وصفٌ مُقتضبٌ لمهامي الوظيفيّة: أجلس إلى إحدى طاولات المطعم أمام شاشة اللابتوب، فأرمي النادل الوحيد بين فينة وأخرى بنظرةٍ شاردة للتأكّد مِن أنه يخدم الزبائنَ القليلين على نحوٍ لا بأس به. هذا إن حدث ودخل إلى المطعم زبونٌ طوال ساعات دوامي التي كانت أكثر أوقات النهار خموداً. باختصار كنتُ أتقاضى أجراً لقاء عطالتي.

    كانت تلك الوظيفةُ مثاليةً لمَن يحلم مثلي أن يصبحَ أديباً، فيبتغي عملاً يعتاش منه، لكن لا يستنزف كلّ طاقته ويسلبه كامل وقته. وبالفعل أمضيت جُلّ نهاراتي أكتبُ في ذلك المطعم: بضع قصص قصيرة، لكن مقالات صحافيّة خصوصاً، مُعظمها مراجعات رواياتٍ رحتُ أنشرها، على نحوٍ مُتقطِّعٍ، ثم بشيءٍ من الإنتظام، في مُلحق أدبيّ شهريّ لصحيفة لبنانيّة فرنكوفونيّة.

    كنتُ أنبهر باسمي مطبوعاً بالخطّ العريض تحت كلٍّ مِن تلك المقالات، فأخالني غَدَوْتُ ناقداً أدبيّاً مُتمرّساً لن يلبث أن يتحوّل قاصّاً، ثم روائيّاً فرنكوفونيّاً ينحني كتّاب فرنسا أمام أناقة أسلوبه وبلاغته. ظللتُ مُكتفياً بهذا القدر مِن الكتابةِ  والأحلامِ حتى أُبْلِغْتُ بسلسلةٍ من الإجراءات اتّخذها أصحاب المطعم للحَدِّ من الإهدار المالي، ومنها خفض عدد أيام عملي إلى النصف. هكذا رأيتُني فجأةً في حاجة ماسّة إلى العثور على مصدر دخل إضافي: "عليكَ أن تنشر مزيداً مِن المقالات"، قلتُ لنفسي. لكن بما أن المنشورات التي تصدر بالفرنسية قليلة جدّاً في لبنان، عقدت سريعاً عزيمتي على أمرٍ لا أزال حتى اليوم، بعد أربع سنوات، أجد فيه شيئاً مِن جنون العظمة: قرّرتُ أن أكتبَ بالعربيّة.

    حاوِلوا أن تتخيَّلوا مدى الغطرسة التي ينطوي عليها قرارٌ كهذا: كان عمري 31 سنة وأَرَدْتُ أن أكتبَ بلغةٍ لم أستخدمها إلّا مُشافهةً، ولم أَخْطُطْ بها كلمة واحدة منذ ثلاثة عشر عاماً. لغةٌ نسيتُ تماماً قواعدها التي لم أُعِرْها أصلاً الكثير من انتباهي أيّام الدراسة. لغةٌ لم أكن قد قرأتُ بها آنذاك ما يزيد عن عشرين رواية.


    7. الفصحى لغةٌ مُتَرْجَمة

    كان الأمر أشبه بتَعَلُّمِ لغةٍ أجنبيّة. صحيحٌ أنني لم أعتمد، عموماً، سوى العربية للمخاطبة، وحتّى للتفكير. إلا أنها كانت عربيةً عاميّةً، شعرتُ أن اختلافها عن الفصحى يكاد يُضاهي اختلافَ لغةٍ عن أخرى.

    أخذتُ، إذاً، أكتبُ ببطءٍ مهولٍ، بل كارثيٍّ، مقالاتٍ نشرتُها في الملحق الثقافيّ الأسبوعيّ لصحيفة لبنانيّة تصدر بالعربيّة. كنتُ أصلاً أصوغ الجمل الفرنسيّة كمَنْ يُتَأْتِئُ ويُتَأْتِئُ كي تَخْرُجَ أخيراً كلمةٌ سليمةٌ مِن فمه، فأضحيتُ، في محاولاتي تركيبَ جملةٍ عربيّةٍ، مثل كسيحٍ ينتظرُ معجزةً تقيمه عن كرسيه وتَبُثّ الحركةَ في ساقَيْه... لكن ما الفرق بين الرِّجْلِ والسَّاق؟ وبين الجسم والجسد والبدن؟ وهل كلمة "مشى"، وغيرها وغيرها من الكلمات، عاميّة أم فصيحة؟ وهل أستهلُّ جملتي بالفعل أم بالفاعل أم بظرف زمانٍ أو مكانٍ أم بحرف جرّ؟ وماذا تكون هذه الـ"كان" التي تَجُرُّ خلفها قافلةً مِن الأخوات؟ أهي المُشعوذة الخبيثة التي تنصب المُبتدأ وترفع الخبر (وما المُبتدأ والخبر؟ كنتُ نسيتُ أن في العربيّة أشياء غرائبيّة من هذا القبيل)، أم أنّ تلك هي "إنّ" التي تؤازرها في عملها أخواتها الشريرات؟ وما هو الحال، والتمييز، والمُضاف والمُضاف إليه؟ ومتى يُحْذَف حرف العلّة مِن الفعل؟ "إِيَّاكَ وَتَشْكِيْلَ الكَلِمَاتِ، وَإلَّا الفَضِيحَةُ"، كنتُ أُحَذِّرُ نفسي – "لكن ماذا أفعل بألف التنوين؟".  

    هذه مجرّد عيّنة بسيطة مِنْ أسئلةٍ كانت تزدحم في ذهني عند كتابة كلّ كلمة تقريباً، ثم تُؤَرِّقُني ساعة أو أكثر في الليل. وحين يتعاظم القلق، كنتُ أُذَكِّرُ نفسي بأن عَمّي، وهو روائي وصحافي، سوف ينقّح مقالتي تنقيحاً تامّاً قبل أنّ أُرسِلها إلى مُحرِّر المُلحق الثقافي. لكن ما كان يُرعبني ويشلّني هو إحساسي الذي لم يبارحني إلى اليوم بأنني لا أكتبُ بالفصحى، وإنما أُترجِم إليها. وكنتُ أتخيّل أن القرّاء جميعهم سوف يلاحظون ذلك فوراً، مِنْ السطر الأوّل.

    مُحدِّقاً في شاشة اللابتوب وأناملي موشكة على مُلامسة لوحة المفاتيح، كنتُ أسمع صدى أفكاري يتردّد في رأسي، إمّا بالعاميّة اللبنانيّة، وهي لغة حياتي اليوميّة، وإما بالفرنسيّة التي كانت تستحوذ جزئيّاً على دماغي حين أريد أنّ أكتب. وبعدما قرّرتُ اعتمادَ العربيةِ، صار عليّ، باستمرار، إمّا تفصيح ما يتوارد إلى ذهني، وإمّا تعريبه. هكذا أصبح فعل الكتابة ترحالاً متواصلاً مُضنياً بين لغاتٍ ثلاث، تمنّيتُ لو أستطيع نسيان اثنتَيْن منها علّني أستقرُّ في بلاد الفصحى التي كنتُ هجرتها منذ زمن بعيد.

    لم تَنْبَعْ تلك الأمنيّةُ مِن حنينٍ، بل مِن رغبةٍ دفينةٍ في أن أكتبَ بلُغَةٍ تَمتلكُ جسداً. كنتُ صرتُ مُدرِكاً آنذاك أنّ قصصي القصيرة لا تُعَبِّر عن شيء سوى عن تقوقعي وقطيعتي مع جسمي، أيّ عن تَحَوُّلي طيفاً هارباً مِن مُحيطِه ومُجتَمَعِه وحتّى مِن حياتِه. وقد أيقنتُ أيضاً أنّ الفرنسيّةَ لغةٌ عديمةُ الصلةِ بالدنيا التي أسكُنُها، فلا تُحيلني مُفرداتُها وجُمَلُها سوى إلى الروايات الغربيّة التي كنتُ قرأتُها. روايات تُصَوِّر عالماً خلتُني أعرفه، لكن الحقّ أنني كنتُ أجهله جهلاً تامّاً، فأُعيد بناءَه، في مُخيِّلتي، عالماً روحيّاً شَبَحِيَّاً يفتقر إلى أيّ عُنصِر حِسّيّ أو مادّي.


    8. كيف انتزعتُ عربيَّتي من الفرنسيّة

    بعد حوالي سنة ونصف السنة مِن مباشرتي الكتابة بالعربيّة، عرضَت عليّ دارُ نشرٍ ترجمةَ روايةٍ عن الفرنسيّة. تردّدتُ كثيراً طوال أسبوعَيْن، لكنني وافقت في نهاية المطاف، إذ ظننتُ الترجمةَ إلى العربيّة أفضلَ تمرينٍ على الكتابة بهذه اللغة.

    أرهقني هذا العملُ واستنزفني سنتَيْن. بعد إتمامه، أدركتُ أنّني لم أكن أسعى فيه إلى التدرُّب على الكتابة بالعربيّة، بقدر ما كنتُ أسعى إلى إخمادِ ضجيج الكلماتِ والجملِ الفرنسيّةِ التي كانت تتردّد في رأسي عندما أكْتُبُ بلُغتي المُسماة لغتي الأمّ. أردتُ، إذاً، أن أَعْكِسَ، على نحوٍ ما، تلك العمليّةَ الذهنيةَ التي تقوم على ترجمة أفكاري من الفرنسيّة إلى العربية، وذلك باستبدال الأفكارِ بنصٍّ فرنسيٍّ يكون جامداً أمام ناظريّ، فأنقله إلى العربيّة. باختصار كان هدفي ترويض دماغي وإرغامه على التفكير بالعربيّة الفصحى.  

    لم أنجَح في ذلك إلّا جزئيّاً: خَفتت أصداء الفرنسيّة في رأسي، فصارت تأتيني الكلمات والجمل بالعربية الفصحى على نحوٍ مُتزايد، وبتُّ أشعرُ أن ما أكتبه ليس مُنْقَطِع الصلة بالحياة. لكنني اكتشفتُ أن عربيَّتي لغةٌ بُتِرَ جزءٌ مِن جسدها، لغةٌ ستبقى كسيحةً على الأرجح.  


    9. لغةٌ بلا إرث

    حين أكتبُ بالعربيّة أرتكبُ إثماً. أُدَنِّس شيئاً مُقدَّساً. إذ أشعرُ بأنني لا أَخْلُق نصّاً فقط، وإنما لُغةً لا حقّ لي أصلاً في استخدامها. ليس مِن مَرجعٍ أّتَّكِئُ عليه حين أكتبُ بلغةٍ يُفتَرَض أنها لغتي الأمّ. جهلي بتراثها الأدبيّ مُدْقِعٌ. صحيحٌ أنني قرأتُ عدداً لا بأس به مِن الروايات العربيّة في السنوات الأربع الأخيرة، بيد أنها روايات نُشِرَت حديثاً، مُعظمها رديء. أمّا اطلاعي على ما كَتَبه العربُ منذ الجاهليّة وحتى العام 2010، فيناهز الصفر.

    أخُطُّ كلماتي في فراغٍ لغويّ، حيث لا سَنَد لي ولا مُعين. ذاكرتي خاليةٌ مِن النصوص العربيّة، لم تختزن أيّ شذرات نثريّة أو شعرية. هي ذاكرة مُعتِمة، سوداء، لا يسكُنها أيّ كاتب عربيّ كبير أستنجد به حين أضلّ طريقي، لأستلهمَ منه، لأتمرّد عليه، أو حتى لأسأله فقط ما إذا كانت هذه المُفردة أو تلك في محلِّها أم في غير محلِّها، ما إذا كانت هذه الجُملة أو تلك ركيكة أم لا.


    10. موسيقى بلا كلمات

    لم أحبّ يوماً العربيّة. ومع الوقت تعلّمت ألّا أكرهها. كنتُ في ما مضى، طوال سنوات إفتتاني بالفرنسيّة، أنسُبُ إلى اللغة، إلى أيّ لغة، قدرات سحرية، بل حتّى صوفيّة: كنتُ أعتقد أن الأسلوب البديع هو غاية الكتابة الرئيسة، وأنّ موسيقى الكلمات تفوق المعنى أهميّةً. لكن بعدما ابتعدت عن الفرنسيّة باتت نظرتي إلى هذه المسألة أكثر عمليّة، فصرت أرى اللغة مجرد أداة للتعبير عمّا أريد قَوْله.

    لا أزال أرغب في الهروب مِن الدنيا، مِن جسدي ومِن ذاتي، لكنني أصبحت مُدركاً أن الكتابة ليست الوسيلة لذلك. بل هي، على العكس تماماً، وسيلةٌ لمقاومة ذلك، مُحاولةٌ – غالباً ما يكون مصيرها الفشل – لنزع ستار الوهم عن الذات والعالم. والستار هذا، في حالتي، كان الفرنسية، هذه اللغة التي حجبْتُ بها حياتي عن نفسي. لكنني بها اكتشفْتُ الأدب، وتعلّمتُ الكتابة، فجعلتني أوقِنُ أن ما كتبتُه كان يوسِّع الشرخ بيني وبين الحياة، حياتي. الفرنسيّة هي التي دفعتني إلى هجرانها، وهي التي حملتني أخيراً على اعتماد العربية.

    لقد هجرتها ورحلْت. لكنني لم أخسرها بالكامل. حملتُ معي شيئاً منها. موسيقاها التي عَشِقْتُ. موسيقى خافتة بلا كلمات ترافق اليوم جملي العربيّة كلّها. جملٌ ستحمل دوماً أثر الترجمة، حتّى لو لم يَلْحَظْه أحدٌ سواي.
    عن المدن
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    1 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: طارق أبي سمرا...غريبُ اللُّغَتَيْن Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top