728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 17 يوليو 2018

    بودليــر ومنطق المتناقضات


     كلود روا

    ترجمة: الدكتور حسيب الياس حديد

    في التاسع من نيسان صادفت الذكرى الثامنة والستون بعد المائة لميلاد الشاعر الفرنسي بودلير المتميز عن غيره من الشعراء يعترف بأنه ممن لا يحب الناس ولكنه ممن يذكرونهم، وقال مرة عن نفسه: من يعرفني يكتشفني أما أولئك الذين لا يستطيعون أو لا يريدون فعبثاً أحاول التوضيح لهم.

    عرفت الشخصية البودليرية بغرابتها وذلك لما تكتنفه من سلوكية متباينة لا تكاد تجتمع في منهج واضح لتنافر معالمها.
    وبكل إيجاز يمكن أن نتصور هذه الشخصية على شكل خمس غرف نفسية تفضي الواحدة إلى الأخرى وهذه الغرف: الألم والعذاب والعقاب والسخط وأخيراً الكبرياء.


    عندما نناهز الخامسة عشرة من العمر اعتدنا على اقتناء نسخة من ديوان "أزهار الشر" المطبوع في سلسلة كتاب الجيب لقراءته في ركن هادئ وما ان تصفحنا الديوان إلا بدأ الاستياء يدب دبيبه إلى نفوسنا عندما نقرأ هل ترى المغرمين على فراش وثير وتردد أفواههم نفحات مزخرفة إلى أن تقع أنظارنا على البيت الشعري "لدينا أسرة عبق شذاها الخفيف".
    ويبعث البيت الشعري الأخير الذي يختم القصيدة، البهجة والأمل والسرور في النفس ونحن نطالع "المرآة المكدرة واللهب الميت".


    وبعد استعراضنا للقصائد الواحدة تلو الأخرى والانتقال من صورة متناقضة إلى أخرى أكثر تناقضاً تتمثل بالعبارات السحرية التي تعبّر عن ذكريات مرّة مثيرة تؤطرها النيران الهادئة ذات اللهب المتأجج كما نصغي بشغف شديد إلى الموسيقى السامية والصاخبة التي تعكس الآلام جراحه التي لا تمحى وهذا مثله كاللقاء الأول للحب والافتراس الأول للموت .
    عندما نقرأ شعر بودلير للمرة الثانية نراه يختلف كل الاختلاف عن قراءتنا الأولى له. واليوم ندع الفرصة للفكر يسرح في أغوار بودلير باحثاً عن المسالك المنسية تماماً متجنبين ما ذاع صيته منها. والبحث عن الشعر الذي لم نحفظه قط عن ظهر قلب مثل (حقيبة الريالات الأخيرة في الأصابع) والملذات الأكثر عنفاً من الجليد والحديد فهذه القصائد تمر وكأنها رعشة جديدة تعرونا كما عبّر عنها فكتور هيغو في الرسالة التي كتبها لمراقب الصف في المدرسة عندما كان يصل بودلير متأخراً إلى المدرسة.
    كتب قائلاً :
    لقد وصل بودلير متأخراً إلا أنه الأول دائماً .
    إن أعجوبة هذه المؤلفات وسرها يكمنان في كونهما معينين لا ينضبان كما أنها أنهكت الكثير من النقاد عبر السنين الطوال على الرغم من تقديمهم لحزمة من المفاتيح كما ان تحليل القصائد وشرحها لم ينتهيا بعد وما يزالان مستمرين وحتى في الأزمات الحادة للهذيان التحليلي فإن فيها للنقاد نصيباً من الصواب ويبدو واضحاً أن بودلير سعى مساعيه من أجل ذلك وقد وضعهم في مثل هذه النوافذ ليزلقهم في "القطط" من القصائد الشعرية المشهورة لبودلير وتعد من القصائد البسيطة جداً ظهرت أول مرة عام 1847 في دار النشر المعروفة بـ " بلياد " فقد بلغ عدد النقاد الذين قدموا تحليلاً عميقاً لهذه القصيدة أربعين ناقداً ومحللاً منذ عام 1848 وإلى يومنا هذا .
    بدأت تلك الكتابات منذ ظهور التحليل البنيوي الذي قدمه رومان جاكوبسن ثم أتمه من بعده بالتحليل البنيوي والعرفي لكلود ليفي شتراوس مروراً بالنقد النفسي لشارل مودرن ثم التحليل الشكلي لولي ديلسيبيبش من ثم نقد لما سبق من التعليقات لما أحدثته قصيدة "القطط" من اختلاف وجهات النظر النقدية والتحليلية وقد تناول الكاتب ميشيل كيسينل مؤخراً القصيدة نفسها في كتابه الموسوم "بودلير المخفي والواضح" حيث كرّس عشرين صفحة لقصيدة "القطط" استنتج خلالها أن القطط تمثل بودلير نفسه مما سمح له بالتوصل إلى استنتاج إلى أن قطط بودلير يمثلون كائناً حياً للغة، ويجدر بنا أن نذكر أن هذا التحليل أثار الكثير من الدهشة مما حدا بالقصيدة أن تدخل في ظل الكهف نبحث عن العتمة ورعب الدياجير . وبعد هذا كله يجب قراءة بودلير بعيداً عن الطبقات المتكلسة وبعيداً عن مختلف التأويلات والنقد الموجه إلى نتاجه عبر أجيال من النقاد ويجب أن يقرأ بودلير وكأنما يقرأ لأول مرة وبكل براءة.


    وفيما يتعلق بحياة بودلير فإنها صعبة كالصعوبات التي تحيط بقصائده فهي معقدة بسبب التناقضات التي تتميز بها والتي أصبحت قاعدة قاسية لحياته وتفكيره والتي تعرف بمنطق المتناقضات أو قانون المفارقات. كمسلمتين متزامنتين تجاه الإله والشيطان والوجود المشترك لرعب الحياة ونشوتها فهي حياة مرهقة يخيم عليها الغموض وتحيط بها الأسطورة، فنحن نرى حياته وكأنها مأساة يصورها لنا بأدق صورة وأعقدها فهو شاعر مطارد حاول النقاد كشف النقاب عن بعض جوانبها الغامضة ولكنهم أخفقوا في ذلك.

    وبعد عشر سنوات من البحوث الجادة والقيمة التي أجراها كل من كلود بيشوا وجان زيلكر في إخراج سيرة جديدة للشاعر بودلير في سبعمائة صفحة تضمنت من التعاسة ما لا يمكن وصفه، إلا أنها تكشف الذكاء الخارق والشعر المكثف لبودلير ويمثل بودلير الشاعر عبقرية فريدة ونحن مدينون له بكشفه عن المرائين الموجودين بيننا وكذلك المنافقين في المجتمع وحذرنا من وجودهم وحبانا القدرة عن تعريتهم.

    عن مجلة نوفيل اوبزرفاتور الفرنسية
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    1 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: بودليــر ومنطق المتناقضات Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top