728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الجمعة، 15 يونيو 2018

    نبيل اسماعيل... خمس ليرات



    ”خمس ليرات“ رزقة من الله 
    كنت في حدود السابعة من عمري، حين تزوج أبي مرة ثانية، وغادر البيت برفقة زوجته الجديدة تاركاً والدتي وحيدة معنا أنا و أخي الأصغر وأخت بالكاد قد بلغت السنتين من العمر. وأدى ذلك الى غياب والدي عن المنزل بشكل تام لمدة ناهزت الخمس سنوات هاجراً البيت وهاجرنا بشكل تام، وأنقطعت الأتصالات بيننا وحرمنا من الحصول منه على أية مساعدة مالية. في الوقت الذي كانت فيه والدتي تقدم لنا الرعاية كأم وأب وتدير أمورنا وتؤمن مستلزماتنا المعيشية وكانت تدفع أقساط مدارسنا بفضل هبات خيرية ومساعدات من الأهل والأقارب. 
    عاد والدي بعد هذه الفترة بشكل مفاجىء الى المنزل حيث نسكن مع والدتي، محبطاً ، مهزوماً، متخبطاً بظروفه المالية الصعبة ومفلساً. وكان في تلك الفترة قد فقد وظيفته حيثما كان يعمل في أحد الفنادق طباخاً، وصارت الأزمات المالية تلاحقه كيفما أتجه ليعود الى المنزل برفقة زوجته الثانية لتسكن معنا مضيفاً الينا ايضاً أخين جديدين . 
    في فترة غيابه كنامع والدتي محرومين من الحصول على أية ” خرجية “. تسمح لنا أمكانية شراء حاجاتنا في المدرسة كباقي الطلاب. أشهر طويلة مرت علينا من دون ملامسة أي قطعة نقدية أو الحصول على أية ورقة من فئة الليرة. كنت أنتظر بفارغ الصبر مناسبات الأعياد للحصول من الأقارب على ” معايدة “ منهم من يمنحني ليرة واحدة وبعضهم الأخر ”يعايدني ” بنصفها. في حين كانت ورقة الليرة أكبر ورقة نقدية لمستها يدي وملكتها وأدخلتها جيب سروالي الحصول على الليرة او نصفها بالنسبة لي تصبح العيد بذاته وتمتلكني الفرحة طيلة النهار، أخبئها في جيبي وأضع يدي فوقها خوفاً من أن ” تطير“ منها، ثم بين الحين والحين، أسحبها من جيبي ببطء وبتأن، أنظر اليها وأطمئن عليها، أفرح وإعيدها ثانية الى مخبأها. 
    طيلة فترة غياب والدي عن المنزل، لم تلمس يدي خلال عدة سنوات سوى بعض الورقات النقدية من فئة الليرة وفقط بالمناسبات الدينية. والدتي تجاوبنا حين كنا نشكو اليها من أن رفقتنا في الحي وفي المدرسة يحملون في جيوبهم ” المصاري“ ، فيشترون ما يشتهون بينما نحن نفقدها، نقف في ملعب المدرسة خائبين نراقبهم ونتحسر ونندب حظنا. تنظر الينا برفق وحنان وتقول بحزن مؤلم يظهر في عينيها بوضوح ، أن الله يرزق من يشاء، والرزق من عند الله، لا تخافوا اليوم ليس دورنا بالرزق، بل دور غيرنا و“بكرا بيجي دورنا“، ”كل واحد له دور“.لم يكن أمامنا سوى أن نصدق كل شيء تقوله لنا، كل واحد له دور عند الله والله ما بينسى. هي تعرف أكثر منا، هي تصلي وتصوم بينما نحن أطفال لا نعرف سوى اللعب واللهو. تصمت لبرهة لتتأكد من أن كلامها قد فعل فعله فينا، وأخمد نار أسئلتنا الملتهبة، وبعدها بهدوء تعود بعينيها الى حزنها العميق وتغرق في غمها وأساها. كانت والدتي ماهرة في أخفاء كأبتها وحسرتها، وحين تسأل عن سبب صمتها الدائم، كانت تنفي أصابتها بحسرة هجران زوجها لها وللبيت، وأنها ليست بهم ولا بكرب وأنها تعيش بفرح وهدوء مع أولادها وأن أقتران زوجها بأمرأة ثانية لم يكن له أي تأثير سلبي عليها.
    عاد والدي بعد قرابة الخمس سنوات الى البيبت برفقة زوجته الثانية وولدين أخين جديدين لنا ، عاد بيدين فارغتين وبجيوب فارغة، وعقل مضطرب، يبحث عن مصادر دخل جديدة لأزمته ، زوجته الثانية والتي طلب منا أن نناديها ” خالتي ” أشارت اليه ان يرسلني للعمل في دكان أخيها. كنت حينها في الثانية عشرة من عمري وأكبر أخوتي ، خوف والدتي أنتقل الي تملكني همها وسيطر علي صمتها، صرت أخاف من والدي ولا أستطيع مواجهته او الأعتراض على أي أمر يقرره، ومن أنا كي أعترض؟، زواج والدي من أمرأة ثانية هزم والدتي وحطمها، فكيف لي الشجاعة على مواجهته، وما أنا سوى ضحية بلا حيل ولا قدرة، لقد جعلت تصرفات والدي وقرارته من والدتي ومني ومن أخوتي ضحايا منهكين من الحزن والأهمال ، ومتعبين من الحرمان يقتلهم هجران الأب لهم وغيابه عن البيت لأكثر من خمس سنوات. 
    كنعجة مساقة للذبح ومن دون أعتراض أو تمرد ساقني والدي الى دكان السمان لكي أعمل ” ولد أغراض“ عند أخ زوجته الثانية بعد السلام بينهما والكلام الطيب والأبتسامات تركني والدي وقفل عائداً الى المنزل وبقيت انا وحيدا امام صاحب الدكان، واذ بي بين يدي رجل أربعيني غامض ذي وجه جامد، عابس لا يتحرك فيه سوى عينين، وعينين مسكونتين برعب مزمن، ووجه أسود كعتمة الخريف، ينظر الي ويتفحصني بدقة يقرأ وجهي بعناية، ينظر الي طويلا كأنه يريد ان يسحرني بعينيه، يمنحني وجهاً عبوساً فيه صرامة حادة، محاولا تجريدي حينها من كل شجاعة أن وجدت عندي.
    وقفت أمام الدكان كرمح مكسور، لا أعرف ماذا أفعل سوى الوقوف وأنتظار الأومر، بينما هو الى جانبي يجلس على كرسي خشبي قديم يصدر اصواتاً مزعجة تكاد تضيف الى خوفي خوفاً جديداً .دقائق مرت من دون أن يلتفت نحوي أو يوجه الي أية كلمة، مما زاد تلبكي تلبكاً أضافياً ، وحرمني من السؤال، لماذا أنا هنا وليس مع رفاقي في الحي ألعب بالكرة معهم وأتسلى كباقي رفاق عمري ، الذيت يمضون فرصتهم الصيفية باللعب واللهو من دون هم او مسؤولية.
    أيقظني صوته وهو يحمل ”مكنسة“ من قش خشن، ناولني أياها وبصوت ناعم يخفي فيه أمراً مرعباً ” خود المكنسة“ وكنس الدكان تحت الطاولات البراد ومد أيدك لتحته ونظفه ”منيح ”. 
    طلبه الهادىء معي لم يحررني من خوفي، بل زاد من رعبي في تلك اللحظة . حملت ”مكنسة القش“ الخشبة وبدأت بجمع الأوساخ وباقي ” فتافيت ” الخبز والأجبان والألبان والبسكويت المتساقطة في أرضية الدكان، ثم مددت المكنسة الى تحت براد اللبنة والجبنة ، كما أمرني ،واذا بي أكتشف مع الأوساخ ورقة من فئة الخمس ليرات. فتحت عيني جيداً، ثم أغمضتهما، ثم أعدت فتحهما على وسعيهما، ولم أصدق في البدء ، خمس ليرات دفعة واحدة، ياالله ما هذا؟، مددت يدي اليها تناولتها ببطء أبتسمت لها وقلت في نفسي طال انتظارك، لم أصدق ما أرى، مضت دقائق، غير معقول ورقة الخمس ليرات في يدي، هل انا في حلم ؟.أم هي رزقتي !!!، أعدت المكنسة مرت ثانية الى نفس المكان تحت البراد لعل خمسة أخرى تنتظرني!!، نظرت الى هذه الورقة الساحرة في يدي التي أخذت قلبي وعقلي وقلت الحمدالله، أنها رزقة من الله، رزقة من الله، لقد صدقت أمي ان الله هو الرزاق. يا الله الأن جاء دوري لقد أنتهى الله من توزيع رزقه على الأخرين وجاء الأن دورنا، نظرت الى السماء وقلت أحبك يا الله لم تنسني، لقد صدقت والدتي انها تعرفك تماماً ، أنها المرة الأولى في حياتي التي المس فيها هذه الورقة وأضعها في جيبي وبل أمتلكها، كنز منحه الله لي دفعة واحدة ومن دون موعد، انت يا الله لا تخيب ظن الناس بك، انها كلمات والدتي أرددها الأن، يا الله ما أكرمك ، أنظر ماذا فعلت بي الخمس ليرات ما هذا السحر يا الله. 
    بان الفرح على وجهي وطار بي الى أبعد من حدود الحلم. لقد حررتني هذه الورقة النقدية من خوفي وأعادتني الى الحياة الطبيعية،حين وضعتها في جيبي وخبأتها جيداً. لم أكتف بها قلت في نفسي الله كريم، يمكن بعد فيه غيرها أرتميت على الأرض وأدخلت ما استطيع من راسي الى داخل البراد وجلت بنظري يميناً ويساراً أتفقد زواياه جيداً، ولا أغرب وجهي عن أنحاء الدكان وتحت كل الطاولات، وقلت الله كريم أكيد بعد في ”خمسات ” أخرى في مكان ما في الدكان.
    بينما آنا غارق في جولة التفتيش عن بقايا“ الكنز“، فاجأني بسؤال ” خلّصت“؟.. أيقظني بسرعة حين أعاد طرح السؤال نفسه ،“ خلّصت“ خوفي أجاب عني بنعم، فاقداً شجاعة النظر اليه. عيناي مشدودتان بأتجاه أرضية الدكان وزواياها. أخذ مني المكنسة، وقف قربي محدقاً بوجهي بعينين مثعلبتين ، وأعاد طرح السؤال من جديد خلّصت؟؟.. نعم خلّصت ورميتهم في ”تنكة الوسخ“، بس هيك ؟.. قلت نعم بس هيك، هززت برأسي نعم بس هيك. ما في شي لفت نظرك وأثار أهتمامك ؟ قلت لا.. لا، لا شيء.. رماني بنظرات غريبة زادت خوفي خوفاً وأرعبتني ، ثم أتجه ناحية البراد الكبير وركع متفقدا أرضيته ثم نهض ليعود أدراجه نحوي، منقبض الوجه عاقد الحاجبين، مزنراً بغضب متوحش، كنمر مفترس أقترب مني ، بدت أنيابه مسنونة كسكين جزار لا يرحم، مد يديه الى جيبي وسحب منها ورقة الخمس ليرات، ثم وضعها في جيبه، هازاً راسه قابضاً على شفتيه بقوة، ضاغطاً بعنف على فكيه ، وبكف تشبه قدم فيل صفعني على وجهي مرتين، كانتا كافيتين لرميي ارضاً، ثم تناول مكنسة القش وأنهال على مؤخرتي وعلى أرجلي ضرباً موجعاً. كانت الصفعات على وجهي كافية لتفجر نهرا من البكاء ينهمر على وجهي رعباً ما عرفته في حياتي، ومن خلف ظلال دموعي وملوحتها بان لي وجه وحش كريه من زمن الديناصورات، وحش لا يعرف الرحمة ، أستباح جسدي اليافع وجعله ساحة يمارس فيه عنفه، ويزرع فيه عداوته، لقد هزم دهاؤه طفولتي ، وأنتصر خداعه على براءتي وبدت ضغينته تأكل عفويتي بنهم حيوان متوحش، أفعى تغرز حقدها في جسمي، حاولت الأفلات منه، لم أستطع ، لقد تمكن من الأمساك بي بشكل محكم، أشبعني ضرباً بتلذذ واضح، ثم فجأة تعبت يداه وتوقف عن ضربي. ثم نظر نحوي تفوح منه ساديته وحدق بي ملياً بعيني خادع سافل، وخاطبني بعنف قائلاً: يا كلب أنا وضعت الخمس ليرات تحت البراد لكي أختبرك، لقد سقطت في الأمتحان يا كذاب وأثبت لي أنك لص وحرامي، ولبطني بقوة على مؤخرتي مضيفاً : فل من هون وما تعود تفرجيني وجهك.

    نبيل أسماعيل
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: نبيل اسماعيل... خمس ليرات Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top