محمد الحارثي، العصي على الترحيل من القلب إلى الذاكرة

مايو 31, 2018 اضف تعليق


محمد العباس*

ذات (جنادرية) صادفت محمد الحارثي الذي كنت قد التقيته من قبل في نصوصه (أبعد من زنجبار). وبإيقاع الأرواح المتآلفة تعارفنا. تحدثنا بشراهة، لكأننا نحرق الزمن لنلتقي على حافة آدميتنا. سألني بحُبٍّ وأسى عن مثقفين من السعودية انقطعت أخبارهم عنه، وكان قد نادمهم لفترة من حياتهم. خمسة أيام قضيناها في الفندق نتجادل حول الإنسان والشعر والفن، أحيانًا بمفردنا وأحيانًا ينضم إلينا محمد المحروقي وآخرون، حيث كان الحوار بالنسبة لنا (لعبة لا تُمل). لم نخرج من الفندق أبدًا لأسباب تتعلق ببلادة تنظيم المناسبة ولكثافة الغبار الذي احتل الرياض لأيام. الأمر الذي جعله يشعر بالضيق ويعبر عن نزقه المكبوت بعبارات ساخطة ونوبات من التدخين. لأنه العاشق للترحال، المحمول على (عين وجناح) الذي لا يحتمل الركون. إلى أن غادر إلى عُمان ومن هناك أرسل لي رسالة هاتفية (أخيرًا صرت خارج معتقل الماريوت).

وذات مناسبة ثقافية في عُمان هاتفني بشوق وطلب مني أن أمدّد إقامتي ليريني عُمان الأرض والإنسان ففعلت بكل المحبة التي أكنها له. أخذني بسيارته الصغيرة من (مسقط) باتجاه مسقط رأسه (المُضيرب) ومهد طفولته في (المنترب). لا أدري كيف اهتدى لبئره الأولى، حيث كان يومها يعاني من غبش في الرؤية بسبب إصابة في عينه. ربما كانت بصيرته لا بصره هو الذي مكنّه من السير كل تلك المسافة من دون ارتباك. المهم أنه طوال الرحلة كان يشير إلى معالم المكان ويستنطقه جغرافيًا وتاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا وكأنه يقول أنا أباهي بهذه الأرض، وأنا أشبهها لأني مقدود منها. وكلما مررنا بأرض قال: هذه بلدة سيف الرحبي، وهنا وُلد زاهر الغافري. وهكذا بسط لي أطلس شعراء قصيدة النثر في عُمان فيما كنا نطوي الطريق ونحمل بعضنا بالذكريات والحوارات.

في واحة نهار، أخذني إلى بناء فاتن قيد الإنشاء يُفترض أن يكون مسكنه المستقبلي. وكان قد صمّمه بنفسه وسط فضاء فسيح. حمل بيده بلاطة أقرب ما تكون بلوحة فنية عتيقة، وطلب مني أن أقترح مكانًا لها على جدارٍ عارٍ. قال: جلبتها من أسبانيا إلى جانب بلاطات أخرى انتقيتها خلال تجوالي في مدن العالم لأزين بها بيتي. كنت متأكدًا أنه لن يكمل مسكنه الذي يُفترض أن يستريح فيه. فهو كائن ترحالي، فوضوي، معاند للاستقرار والانتظام الرتيب للحياة. تأكد لي هاجسي عندما أدخلني إلى غرفة شبه مهجورة كانت هي الورشة التي كتب فيها مجلده الضخم (الآثار الشعرية لأبي مسلم البهلاني). حيث الأوراق المبعثرة في كل أرجاء الغرفة، والمُضطجع البالي الملقى على سجادة متآكلة، وغلاية الماء الصدئة. وكان يومها قد فرغ لتوه من تحقيق ودراسة تلك الآثار الضاربة في القدم. حيث أوحت الغرفة بمعركة فكرية شعورية استمرت لثلاث سنوات، كما أخبرني.

خرجنا من الغرفة لكأننا نخرج من تاريخ ساكن إلى حياة متحركة. لاحظ اندهاشتي فاستأنف الإجابة على أسئلتي قبل أن أنطقها: أعرف أنك تتساءل عن سر اهتمامي بشاعر تقليدي قديم وأنا المسكون بالحداثة الشعرية. ربما لا تعرف ما الذي يعنيه لنا البهلاني. قاطعته لأستكمل فكرته وأعيد تفصيلها على مقاسه وذاتيته. قلت له: إن الشاعر لا يكون شاعرًا حتى يتعرف على سابع جد له، كما يقول الشاعر صلاح عبدالصبور. وأفترض أن البهلاني بالنسبة لك هو بمثابة الأب الروحي. وأحس أن جهدك تكثيف وتأصيل على درجة من الوعي لعُمانيتك. وأعتقد أنه يشكل لك كما للعمانيين المزاج الديني المفكرن والمشعرن. ليستلم بعدها دفة الحديث ويتكلم عنه بحُب ووعي وكأنه ما زال مأسورًا لسحرانية خطابه الشعري. وهكذا صار يعدد مآثر البهلاني حتى شعرت بأنه أُصيب بدوخة الصوفي.

الذكريات هي عضلات محمد العاطفية التي تحرك فيه الرغبة بالحياة، ولذلك كان يُكثر من استدعاء أصدقائه والأماكن التي استوطنت روحه. حدثني عن طابور طويل من الذين تقاسم معهم البهجات وعن الذين غادرهم أو غادروه بأسى الفاقد للصُحبة. هكذا بدا لي شفافًا كمرآة بلا قاع، محتشدًا في داخله بالناس والأحداث والأوجاع والمواقف والخيبات والانتصارات والآمال المعلقة في فضاء الوقت. كان فنانًا بالفعل في تخليق الذكريات التي لا يطمسها الزمن. وبروحه التواقة إلى الانفلات مما سمّاه موبقات المدن اقترح أن ننطلق إلى مخيم شقيقه عبدالله في رمال وهيبة. وبالفعل انضم إلينا إبراهيم سعيد لنقيم في المنتجع الصحراوي (الف ليلة وليلة) أيامًا تعجز اللغة عن وصف بهجتها. فمحمد نديم آسر، وهو ليس من الناس القابلين للترحيل من القلب إلى الذاكرة
….. للقصة والغصة بقية
(*) ناقد سعودي


جان بيار فيليو، في مقابلة، عن كتابه الأخير حول آليات البقاء التي تعتمدها الأنظمة العربية.

مايو 30, 2018 اضف تعليق
مايكل يونغ
جان بيار فيليو أستاذ مادة الدراسات الشرق أوسطية في كلية العلوم السياسية في مدرسة باريس للشؤون الدولية. تولّى كرسي أستاذية في كل من جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة جورجتاون في واشنطن. في رصيده العديد من المؤلفات، منها "الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية" (2011) (The Arab Revolution: Ten Lessons From the Democratic Uprising)، و"غزة: تاريخ" (2014) (Gaza: A History) و"من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورة المضادة العربية وإرثها الجهادي" (2015) (From Deep State to Islamic State: The Arab Counter-Revolution and its Jihadi Legacy). نال كتابه عن غزة جائزة كتاب فلسطين في العام 2015. ومنذ فترة وجيزة، نُشِر باللغة الإنكليزية المجلد الثالث والأخيرمن التاريخ التصويري الذي كتبه عن الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وشاركه في التأليف ديفيد بوشار، بعنوان "أفضل الأعداء: تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط" (Best of Enemies: A History of US and Middle East Relations).
مايكل يونغ: نشرتم مؤخراً باللغة الفرنسية طبعة محدّثة وموسّعة من كتابكم "من الدولة العميقة إلى الدولة الإسلامية: الثورة العربية المضادة وإرثها الجهادي" بعنوان "جنرالات وعصابات وجهاديون: تاريخ الثورة العربية المضادة" (Généraux, Gangsters et Jihadistes: Histoire de la Contre-Révolution Arabe). الكتاب هو في الواقع عبارة عن تفكيك تحليلي لطبيعة الأنظمة الديكتاتورية العربية، وكيف تمكّنت من البقاء. هلا تطلعوننا بإيجاز على الحجّة التي تطرحونها في الكتاب؟
جان بيار فيليو: عندما نشرتُ الطبعة الأولى من الكتاب باللغة الإنكليزية، في تموز/يوليو 2015، كانت حجّتي الأساسية أن الأنظمة الديكتاتورية العربية ليست على الإطلاق متاريس ضد الإرهاب الجهادي، لا بل أدّت دوراً أساسياً في تعزيز تنظيم الدولة الإسلامية وحلفائه. أردت أن أُبيِّن أن العمليات الانتقالية الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن تكون فعلياً بمثابة ترياق مضاد للتصعيد الجهادي.
عندما صدرت الطبعة الفرنسية الموسّعة من الكتاب في وقت سابق من هذا العام، كانت الخلافة التي أعلنتها الدولة الإسلامية قد تفكّكت في سورية والعراق، مع مساهمة متأخرة ومحدودة جداً من نظام الأسد في هذا المجال. حتى تدمر، التي "حُرِّرت" من قبضة الدولة الإسلامية في أيار/مايو 2015، استولى عليها الجهاديون من جديد في كانون الأول/ديسمبر 2016، لتتم سيطرة النظام عليها مرة أخرى بعد تدخّل كثيف من روسيا والميليشيات الموالية لإيران، وهذه المرة تحققت السيطرة في شكل نهائي. قطعت الثورات المضادة دورة كاملة في العالم العربي، لكنها لم تقترن في أي مكان بالعودة إلى أوضاع ما قبل 2011. لهذا وضعت عنواناً فرعياً للطبعة الفرنسية هو "تاريخ الثورة العربية المضادة" (A history of the Arab counter-revolution).
يونغ: لماذا اعتمدتم مثل هذه المقاربة في فهم الانتفاضات العربية ورد الفعل المضاد عليها؟ هل شعرتم بأن هناك شيئاً ما ناقصاً في التحليلات السابقة لهذه الانتفاضات الشعبية؟
فيليو: في تموز/يوليو 2011، أصدرت كتاب "الثورة العربية: عشرة دروس من الانتفاضة الديمقراطية" باللغة الإنكليزية. لم أؤمن بـ"ربيع عربي" ولا بـ"شتاء عربي"، لكنني حاولت توصيف الأزمة الثورية التي ظهرت في مستهل العام 2011. كانت هناك عملية انتقالية ناجحة وحيدة في تونس، وثورة من دون انتقال في ليبيا، في حين كانت ردود الفعل المضادة للثورات في أوجّها في أماكن أخرى. لقد اختطف الجيش المصري مرتين الاحتجاجات الشعبية من خلال تنفيذ انقلاب، أولاً بإطاحة الرئيس حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، واستبداله بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ ثم إطاحة الرئيس محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، واستبداله بعبد الفتاح السيسي.
أقرّ صراحةً بأن تركيزي الأولي على الديناميكيات الثورية منعَني من إدراك الحجم الكامل لموجة الثورات المضادة. لهذا ركّزت في كتابي الأخير على دراسة التكوين التاريخي والمنطق التشغيلي لجهاز القمع في الدول العربية. بالمقارنة مع الكتابات الوفيرة عن التيارات الإسلامية والتطرّف العنفي، عدد المؤلفات المنشورة عن هيكليات القوة تلك قليلٌ جداً، وأحد الأسباب هو غموضها، والمخاطر المترتبة عن أي محاولة لكشف النقاب عن ممارساتها القذرة. لهذا ربطت، في عنوان الطبعة المحدَّثة، كلمة "جنرالات" بـ"جهاديين"، وأيضاً بمصطلح "العصابات"، التي غالباً ما تؤمّن الجسر بين هذين العالمَين السفليين.
يونغ: من المواضيع التي تتطرقون إليها وجود ما تسمّونه طبقة مملوكية في بعض الأنظمة العربية. ما هي خصائص هذه الطبقة؟
فيليو: أقيم، كمؤرّخ، مقارنة بين الزمر العسكرية المعاصرة في العالم العربي وبين المماليك الذين حكموا مصر وسورية في الفترة ما بين 1260 و1516. كانوا يشكّلون نخبة، أو خاصّة، متمايزة بوضوح عن العامّة، مثلما يعيش الجنرالات الموجودون في السلطة اليوم في جيوب عسكرية داخل مجتمعاتهم المغلَقة مع نواديهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وهم على ارتباط مباشر بمحاور الاقتصاد المعولَم. هناك دائماً تجاذب بين آلية صنع القرارات الجماعية وبين الرغبة الحادّة لدى السلطان الحاكم في تأسيس سلالة. هذه كانت الحال في القرون الوسطى، وهذه هي الحال اليوم، والاستثناء الناجح الوحيد هو نظام الأسد في سورية. فعلى الرغم من المحاولات التي بذلها مبارك في مصر أو علي عبدالله صالح في اليمن لتأسيس ديكتاتورية وراثية – وخير تعبير عنها المصطلح العربي "جملكة"، الذي يجمع بين كلمتَي "جمهورية" و"مملكة" – إلا أن أياً منهما لم يفلح. استمدّ المماليك في القرون الوسطى شرعيتهم من الخليفة الذي كان يتمتع بسلطة اسمية فقط، في حين أن السلطان الذي كان يحكم باسمه، كان يتمتع بسلطة مطلقة.
غير أن المقارنة الأهم هي تلك التي تُقدّمها ديناميكية السلطة الداروينية. ففي ذلك الوقت، كما اليوم، كان النصر النهائي من نصيب أعتى المتنافسين على السلطة، أي الجهة التي كانت جاهزة للذهاب إلى أقصى الحدود في معركتها ضد زملائها المماليك من أجل تحقيق السلطة المطلقة.
يونغ: تسلّطون الضوء على نموذجَين من القيادة النيو-مملوكية: الجزائر ومصر. ما هي أوجه التشابه أو الاختلاف؟
فيليو: في البلدَين، النخب التي حاربت من أجل الاستقلال تمّت تصفيتها عن طريق انقلابات. في العام 1952، لم يُسقط الضباط الأحرار في مصر النظام الملكي وحسب، إنما أيضاً المنظومة البرلمانية التي كانت قائمة منذ نيل مصر استقلالها رسمياً في العام 1922. بيد أن المواجهة بين اللواء محمد نجيب والعقيد جمال عبد الناصر في العام 1954 هي التي رسمت مسار النظام. منذ ذلك الوقت، أقدم هذا النظام بصورة منهجية على قمع كل معارضة، مع فاصل ثوري قصير في 2011-2013.
في الجزائر، في العام 1962، تقدّم جيش الحدود، وهو عبارة عن وحدات من جيش التحرير الوطني كانت تتمركز خارج البلاد، لقمع المقاومة في أوساط السكان المحليين الذين حاربوا الاستعمار الفرنسي وحققوا الاستقلال. كان أحمد بن بلّة العضو المؤسس الوحيد في جبهة التحرير الوطني الذي وقف إلى جانب الجيش الذي ساعده على إلغاء خصومه السياسيين. لكن أطيح به في العام 1965 على يد وزير دفاعه، هواري بومدين، الذي استمر حكمه الاستبدادي حتى العام 1978.
ثمة فارقان أساسيان بين النظامَين الجزائري والمصري. الأول هو أن الحكّام الجزائريين يستطيعون الاعتماد على الإيرادات الكبيرة المستمدّة من قطاع الموارد الهيدروكربونية، في حين أن الحكّام المصريين تمكّنوا من الاعتماد أكثر على أهميتهم الاستراتيجية. على ضوء ذلك، من المذهل أن نرى كيف أن أنور السادات الذي خلف عبد الناصر في الحكم، استطاع الانتقال من حلفٍ مع الاتحاد السوفياتي مستند إلى النزاع المسلّح مع إسرائيل، إلى "باكس أمريكانا" (أو سلام أميركي) مستند إلى السلام مع إسرائيل، من دون إجراء تعديل جوهري في المنظومة الحاكمة.
ثانياً، فضّل الجيش الجزائري، الذي غالباً ما يُسمّى "صنّاع القرار"، أن يحكم من خلف الكواليس منذ إطاحته الرئيس الشاذلي بن شديد، خليفة بومدين، في العام 1992. وقد دفعته هذه الآلية إلى إرساء حكم مشوَّه على رأسه رئيس عجوز ومريض، عبد العزيز بوتفليقة، الذي هو في الواقع "مومياء رئاسية" من النوع الرديء، في حين أن الجيش المصري يستمتع بمنافع السلطة الرسمية.
يونغ: في كتابكم رسالةٌ ضمنية مفادها أن الأنظمة النيو-مملوكية سوف تدمّر بلدانها كي تبقى في السلطة، كما في سورية. لكنكم لستم من القائلين إنه على الشعوب أن تلتزم الصمت إلى الأبد. ما هي الخيارات المتاحة أمام المجتمعات التي تختنق في ظل الأنظمة السلطوية؟
فيليو: هذا الكتاب مُهدى إلى جميع النساء والرجال الذين يستمرون في تكبّد مشقات رهيبة للنضال من أجل التحرّر الجماعي والشخصي في العالم العربي. أنا دائم الإعجاب بشجاعتهم وصمودهم. وأدرك أيضاً السجال الدائر حول اللاعنف كسلاح استراتيجي. لقد اضطُرّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك إلى التراجع في وجه الموجات اللاعنفية من الاحتجاجات الشعبية. على النقيض، تسبّب التمرد المسلح بتفكّك المعسكر الثوري في سورية كما في ليبيا، ممهّداً الطريق أمام تدخل خارجي ألحق ضرراً شديداً بالتطلعات المحلية إلى الحرية. أعرف أنه من السهل أن أتكلم عن اللاعنف وأنا جالس في مكتبي في باريس، في وقتٍ يُطلق فيه الطغاة العرب العنان لقمع شديد ضد أي شكل من أشكال المعارضة. غير أن السجال عن اللاعنف قائم وناشط. وهناك أيضاً تأمّل استبطاني عميق في المسائل الاجتماعية، إنها قضية "الرغيف" التي تُربَط في الشعارات الثورية بـ"العدالة" و"الحرية". من الأسباب الرئيسة خلف تمكُّن تونس من تحقيق الانتقال الديمقراطي قوة تيارها الاجتماعي المتمثّل بالاتحاد العام التونسي للشغل.
يونغ: وما دور الغرب في كل هذا، في الوقت الذي يمكن أن يؤدّي فيه أي تدخل إلى كارثة أو إلى اتهامات بالنيو-إمبريالية؟
فيليو: يجب أن نتقبّل، وأخيراً، أنه بين الاجتياح الأميركي الكارثي للعراق في العام 2003 وبين اللامبالاة الأميركية بعد عمليات القصف بالأسلحة الكيميائية في منطقة دمشق الكبرى في العام 2013، هناك حيّزٌ لسياسة أكثر تطوراً يمكن أن تجمع بين عناصر التدخل وعدم التدخل.
وفوق ذلك كله، يُثير مفهوم "الغرب" سجالاً مطرداً في الشرق الأوسط، مع إبداء إدارة ترامب معارضة صارخة لحلفائها الأوروبيين، أولاً في مسألة القدس، ثم عبر الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني. عموماً، يجب إعادة الشعوب العربية إلى محور المعادلة الإقليمية، نظراً إلى أن تطلعاتهم الديمقراطية تجسّد التجلّي المعاصر لحقهم في تقرير المصير، وهو حقّ غير قابل للتصرف. لايستطيع أي ديكتاتور عربي أن يحقق تطلعات شعبه، تماماً كما أنه ليس بإمكان أي مؤتمر دولي أن يحقق السلام لبلاد تمزّقها الحرب، مثل سورية.
يونغ: اعتُبِر العام 2011 محطة مفصلية جديدة في العالم العربي، لكن في كتابكم، تُبيّنون القوى التي تفرض استمرار الأمور على المنوال نفسه من دون أي تغيير. أين أصبحنا اليوم، وما هي توقّعاتكم للمستقبل؟
فيليو: لم تحمل الثورة المضادة، في أي مكان، حتى مجرد الوهم باستمرار الأمور على حالها. بل أُطلِق العنان لعنف غير مسبوق من أجل سحق التطلعات الديمقراطية. منذ الاجتياح الفرنسي لمصر في العام 1798 لم تقع مجزرة شبيهة بتلك التي ارتُكِبت في القاهرة في آب/أغسطس 2013. والسابقة الوحيدة للفظائع التي يرتكبها الأسد في سورية تعود إلى زمن تيمورلنك الذي زرع الرعب في مختلف أنحاء البلاد في 1400-1401. في جانبٍ مهم، يجب مقارنة طغاة اليوم بغزاة الأمس، نظراً إلى أن الزمر الحاكمة تقمع شعوبها كما تفعل قوى الاحتلال. وعلى الرغم من هذا الانحدار إلى الجحيم، لايستطيع أي أوتوقراطي عربي أن يدّعي أنه أعاد إرساء "الاستقرار" الذي يدّعي تثبيته على حساب "الحريات" الفردية والجماعية. من الواضح أن الموجة الثورية للعام 2011 تعرضت إلى هزيمة واسعة، غير أن الرد المضاد للثورة مُنيَ، في كل مكان، بفشل ذريع في تحقيق أهدافه. وبما أنه لايمكن نشر الاستقرار الحقيقي من دون انتقال ديمقراطي، ستبقى الأزمة مستوطِنة في العالم العربي ما دامت تطلعات الشعوب موضع إنكار.
المصدر
http://carnegie-mec.org/diwan/76404

برنارد لويس والاستشراق والإسلاموفوبيا

مايو 25, 2018 اضف تعليق

رضوان السيد


مات برنارد لويس أخيراً عن مائة عامٍ وزيادة. وخلال السنوات الخمس الأخيرة ما كتب شيئاً جديداً، لكنه جدّد طباعة كثيرٍ من كتبه، وبخاصة تلك الكتيبات التي أصدرها بعد عام 2001. برنارد لويس سبق أن عمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية باعتباره خبيراً في شؤون الشرق الأوسط. والبريطانيون هم الذين نصحوا الأميركيين به خلال عملهم على الحرب الباردة الثقافية في الستينات؛ إذ ما كان عندهم أحدٌ في خبرته في الإسلاميات الكلاسيكية، والتي أراد الأميركيون استخدامها أيضاً في مصارعة الشيوعية. ولأنّ الدول الكبرى كانت تحتاج إلى أفكار استراتيجية تتحول بعد الدرس والاختبار إلى «سياسات»، فقد وجدوه مفيداً لهذه الناحية. أما هو فقد اعتبر نفسه منذ البداية خبير أقليات، إذا صحَّ التعبير. وقد حضّر عمله للدكتوراه عن الإسماعيلية خلال الحرب الثانية، وهم الأقلية التي أمكن لها بحُسْن التنظيم وسريته أن تُنشئ دولة كبرى هي الدولة الفاطمية، التي صارعت الإسلام السني طوال مائتي عام. أما في السياسات الحديثة، فقد اعتبر لويس الأتراك في التاريخ وفي الحاضر، هم القلة المختارة التي يمكن للغربيين التعاون معها في عالم الشرق الحديث. ولذلك؛ فإنّ كتابه الثالث (كتابه الثاني بعد الحشاشين كان: العرب في التاريخ) موضوعه: تركيا الحديثة. فتركيا العثمانية رغم صراعها الطويل مع الأوروبيين، ظلّت أقلّ تعصباً من العرب «صُنّاع الإسلام»، وأقلّ تعقيداً من الإيرانيين الذين اجتمعت فيهم الخصوصيتان المشكلتان: النعرة القومية العريقة، والتشيع الذي يخدم القومية، لكنه رغم إغراءاته الباطنية، لا يستطيع إقناع الجمهور المسلم الذي صارت أكثريته سنية منذ القرن الثاني عشر الميلادي.
في الوقت الذي عاد فيه هاملتون غب من هارفارد إلى بريطانيا، غادر لويس جامعة لندن وقبل كرسياً لدراسات التاريخ الإسلامي بجامعة برنستون. ومنذ ذلك الحين التفّ من حوله شبانٌ كثيرون تحت اسم دراسات الإسلام الجديدة، وتحت اسم الدراسات الشرق أوسطية. وقد قال لي عندما قابلتُه في عُمان عام 2008، إنّ أول رئيسٍ أميركي قابله كان ريتشارد نيكسون؛ وما أحبَّه لأنه كان مُعادياً للسامية! وقلتُ له: لكنه هو الذي جلب هنري كيسنجر للإدارة، وكيسنجر كان شديد الاحترام لك، وقيل إنه كان يستشيرك! ثم لماذا اخترتَ الإعلانَ عن صهيونيتك إبّان ذلك الوقت، هل بسبب هزيمة العرب عام 1967؟ قال: أنت تسميها صهيونية شأن صاحبكم إدوارد سعيد، وأنا من عائلة يهودية غير متدينة، وقد اعتبرتُ إسرائيل شأن تركيا دولة رائدة للحداثة والديمقراطية. لكنني ما تحزبتُ لها عام 1967، إنما بعد عام 1973، حين استظهرتُ أنّ هناك أخطاراً حقيقية على الكيان والدولة. كل الشعوب الإسلامية الواقعة تحت وطأة الهوية والخصوصية بسبب مشكلات الاستعمار، يمكن مفاوضتُها ومساومتُها والتوفيق بين الإسلام والحداثة عندها إلاّ الشعوب العربية، أو ما تسمّونها أنتم: الأمة العربية، فدعاة مشروع الدين والدولة في عالم الشرق الوسيط والحديث إنشاءً وتطويراً هم العرب، والمساومة «التاريخية» معهم على هذين الأمرين غير ممكنة، حتى لو بدوا جامدين ومتشرذمين وخاضعين. انظر إلى صلابة السلفيات رغم أنّ العالم كله ضدّها! ولذلك فقد فكرتُ قديماً بالأتراك كأصدقاء للغرب ولحلف الأطلسي. وفكرتُ في الإسرائيليين باعتبارهم ممثلين لحضارة الغرب وسياساته في المنطقة. بل إنني فكرتُ لأربع أو خمس سنوات في المسيحيين اللبنانيين، وفي الأكراد. وقلتُ له: ألم تفكر مرة في إمكان مصادقة الأكثريات بعد الاستقلالات، وانتصار أفكار التحرر والديمقراطية؟ قال: لا لم أفكّر، وما كان لذلك داعٍ أو مسوِّغ، ألا ترى أنني كتبتُ في الخمسينات والستينات عن الشيوعية والإسلام باعتبارهما فكرتين أو آيديولوجيتين شموليتين يمكن أن تتحالفا؟!
وقلتُ له (وهذا كله على التلفزيون العُماني): أريد أن أعودَ إلى رهانكَ على الأتراك، وأين صار بعد ظهور إردوغان ونزعته الإسلاموية؟ لكنْ قبل ذلك: كيف توصلْتَ إلى المقولات الواردة في دراستك أواخر الثمانينات عن جذور الغضب الإسلامي، والتي صارت أساساً في مقولة هنتنغتون عن صدام الحضارات؟ وقال: أنا من القلة الذين لم يخلطوا بين طبيعة الإسلام - كما فعل هنتنغتون - والتطورات التاريخية. فليست هناك طبيعة عنيفة للإسلام أو لأي دين آخر. لكنّ إكراهات التاريخ وتطوراته هي التي تنصر هذا الميْلَ أو ذاك أو هذا التيار أو ذاك. والقومية اللابسة لبوس الفصام مع الآخرين أو لبوس الدين هي فكرة شريرة، سواء حملتها الأقليات مثل اليهود والأكراد والأرمن، أم حملتها شعوب كبرى مثل العرب والإيرانيين والهنود والصينيين. ولو بقي قيادُ ما يسمى بالإمبريالية في أيدي البريطانيين لما توتّرت القوميات والهويات في آسيا وأفريقيا، بحيث خربت العالم بعد التخريب القومي النازي. الأميركيون تسلموا القياد والقيادة وهم لا يحسنون الاستعمار. هم يجربون كل شيء حتى يصلوا إلى الممارسة الصحيحة أو الملائمة، لكنهم عندما يصلون لذلك يكون الخراب قد وقع، ولا يمكن إصلاحه. انظر إلى ما يحدث في العراق الآن (2008)! قلتُ في «جذور الغضب»، وفي الكتب اللاحقة إنّ الأزمنة الحديثة أطلّت على المسلمين وهم تحت وطأة الاستعمار، ويكرهون الفشل الذين هم فيه بسبب الغلبة الغربية، ويحسدون الغرب على نجاحاته، وينسبون فشلهم إلى تلك النجاحات. ولذلك ظهرت بينهم، وبخاصة العرب، نزعات التشدد والانتحارية. عندما كتب هنتنغتون مقالته في خريف عام 1993، وطوّرها إلى كتاب عام 1996، واستشهد بي وبغيري جادلْتُه دون أن أستطيعَ إقناعه. وقد دأبتُ بعد ذلك على الضرب على الوتر نفسه: التطورات التاريخية، وليس طبيعة الدين، وضرورات الإصلاح بداخل الإسلام الحديث، وليس اتهام الموروث كل الوقت، كما فعل مفكروكم اليساريون! وأعترف بأنني لم أنتظر ذلك كلّه أو لم أتوقّعه، وأنا خائفٌ من المستقبل على الغرب في الشرق، وعلى الشرق في الشرق، وعلى إسرائيل التي لم تعد رائدة. وقد سقط رهاني على الأتراك، وما توقعْتُ دولة دينية في إيران، بل حسبتُ أنه ستكون هناك محاولاتٌ لذلك فيما بين السعودية ومصر وباكستان. والغرب الأميركي عينُهُ على هذه التطورات؛ لذلك هناك المزيد من الحروب التي ستحدث، بحيث لا يعود التمييزُ ممكناً بين الفعل وردّ الفعل. وستتدخل أطرافٌ كبرى ووسطى وفي حسبانها أنها تدافع بذلك عن نفسها. أما أوروبا ربّة هذه الحضارة فقد صارت عاجزة، وهي كما سماها رامسفيلد: قارة قديمة. فخسارة العالم الكبرى اليوم هي في خسارة أوروبا.
وقلت: إذا كنتَ تعتبر تأثيرك ضئيلاً أو متضائلاً في السياسيات والاستراتيجيات، فماذا عن الاستشراق الجديد، وماذا عن الإسلاموفوبيا؟ قال: ما عاد هناك استشراق، وما اعتمد العالم الغربي والعالم بعامة أبداً على رؤى المستشرقين في معرفة العرب والإسلام. بخلاف ما زعمه سعيد. ولست مسؤولاً بالطبع عن نزعات التفكيك والنفي التي تسود الدراسات عن القرآن والإسلام، فأنا مستشرق كلاسيكي، وهذه هي كتبي في التاريخ الإسلامي، ولا شيء فيها مما قاله وانسبورو وكرون وكوك. وأنا أقل مسؤولية بالطبع عن الإسلاموفوبيا، فتأثيري هو في الأوساط الأكاديمية، والإسلاموفوبيا شعبوية تبسيطية تخيف كل العقلاء، بقدر ما تخيفكم أنتم المسلمين الأصوليات العنيفة في دينكم!
بموت برنارد لويس ينتهي الاستشراق الكلاسيكي الذي صرنا ننعاه كلما مات أحد كبار دارسيه مثل هاملتون غب ومونتغومري وات. وبسبب الثورات في العلوم الاجتماعية والإنسانويات ظهرت التفكيكيات وظهر المراجعون الجدد وأصوليو ما بعد الحداثة. وفي عالم التفكيك هذا انتشرت القطائع والعصبيات والحروب الدونكيشوتية القاتلة التي يتنافس الأميركيون والروس على إثارتها ثم على محاولات إخمادها.
هل يكون الاختلال في الدراسات الأكاديمية متوازياً مع الاختلال في سياسات الدول وممارساتها؟ قد يكون ذلك وقد لا يكون، إنما هذا هو الذي حصل؛ وعلى طريقة ابن خلدون نستشهد بقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ».

(*) كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

أحمد بيضون... النجوم الشُهُب

مايو 23, 2018 اضف تعليق



صورٌ شخصية من لبنان لثقافة مصر المعاصرة[1]

ما الذاتية “من حِلمٍ بمانعة”!

لم أجد تحقيقاً حسّياً أو “موضوعياً” أعوّل عليه لأسوق حديثاً موثقاً في العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر: في حاضر هذه العلاقات وفي ماضيها غير البعيد. لا رقم يفيد، مثلاً، عن توزيع الروايات المصرية في السوق اللبنانية أو عن درجة اهتمام المصريين بأغاني فيروز. لا معلومات عمّا آلت إليه مشاهدة الأفلام المصرية في صالات بيروت بالقياس إلى ما كانت عليه في ستينات القرن العشرين، مثلاً. لا شيء من هذا ولا من قبيله وجدته في متناولي. فارتأيت، مضطراً ولكن فرحاً بهذه الضرورة، أن أستوحي نصف قرن من عمري أو يزيد أقمت فيه على علاقة دائمة ولكن متقلبة بما كانت مصر تهديه إلي: سواء أكان ذلك كتاباً فذّاً في بابه أم أغنية تافهة. وقد وجدتني عارفاً أن حالتي لم تكن فريدة وإنما كانت حالة شطر من جيلي وقدّرت أنني لا أخلو من معرفة بما كانت عليه مواقف شطور أخرى من الجيل نفسه ولا بما هي مواقف لبنانيين من أهل اليوم، على اختلاف السن والمنبت، يتفق أن أعاين ردود أفعالهم على عمل من الأعمال الثقافية المصرية. هذا كله لا يمت بصلة، طبعاً، إلى التحقيق أو القياس الاجتماعي بما يقتضيه من ضوابط معلومة. حتى أنني أعزف هنا عن تحديد معالم لهذا الشطر من الجيل اللبناني الذي أصرّح بانتمائي إليه وعن كل محاولة لتقدير حجمه أو درجات الشبه بين عناصره. ما أعلمه هو أنه شطر من شطور. ولكن حين يدرج الموقف الفردي من عمل ثقافي بمسار شخصي إجمالي وبحبكة اجتماعية تاريخية ارتسم هذا المسار عبر فصولها، يصبح الإفضاء إلى معرفة ذات قيمة بتحولات العلاقات الثقافية بين البلادين أمراً غير مستبعد ولو بقي محفوفاً بالتحفظات. بل إن وجوهاً من هذه المعرفة غير خالية من إسناد جزئي ولو انها تقوم على الحدس أساساً قد تتفوق على ما ينتهي إليه التحقيق “العلمي”. فهي قد تكشف، على نحو ما، ما يصحّ اعتباره لبّ المسألة ومنطق المسار.



شيخوخة النجوم

ينال مصر وينال لبنان رشاش معتبر من أزمة النجومية الثقافية في عالم اليوم. هنا وهناك، يتعثر بزوغ النجوم في سماء الثقافة، ويتضح ذلك إذا نحن قارنّا الحال اليوم بما كانت عليه الحال قبل نحو من نصف قرن. ولقائل أن يقول: ليت هذه كانت الأزمة الوحيدة، في مصر أو في لبنان أو في كليهما، إذن لهان الخطب واطمأنت النفوس ولراح الناس يهنئون بعضهم بعضاً بسلامة العواقب. فهل تعدّ أزمة فعلاً أن ننظر حولنا فنرى أن القيم المستقرة في الشعر المصري اليوم هي نفسها التي كانت مستقرة قبل ثلاثين سنة أو أربعين وأن وفرة ما نشر، في هذه المدّة، وهي وفرة مؤكّدة، لم تفرض خليفة أو خلفاء مكرّسين في المجال العربي وليس في المجال المصري وحده، لصلاح عبد الصبور أو لأحمد عبد المعطي حجازي؟ في الشعر العامّي أيضاً لم تصل إلى بيروت، حتى اليوم، أصوات مصريّة يحلّها اللبناني المهتم، بعد أن طالت المدّة، في مصافّ صلاح جاهين أو في مصافّ أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام أو في مصافّ عبد الرحمن الأبنودي أو سيد حجاب.



ولأسارع إلى القول إن الحال في الرواية هنا وهناك هي غيرها في الشعر. فإن الرواية في لبنان أكثر ازدهاراً وأرفع سمتاً مما كانت عليه قبل نصف قرن. وقد تمنع حالة نجيب محفوظ أن نقول الشيء نفسه عن مصر. ولكن يبقى صحيحاً أن خلافة محفوظ هي اليوم في مصر أوثق عروة وأمتن سنداً من خلافة جيل الستينات والسبعينات من القرن العشرين في مضامير الشعر. وفي لبنان يلفت ازدهار مؤكد للرواية في ربع القرن المنصرم وتلفت قوة الحضور النسائي بين كتابها. ولا فائدة ترجى من ذكر أسماء إذ لست هنا في لبوس الناقد الأدبي بل في معرض آخر هو معرض النظر في كيفيات التلقي الاجتماعي للأعمال الثقافية وفي موازين هذا التلقي.



وقد بدأت بذكر أزمة النجومية. مرّة أخرى: هل هذه أزمة حقّاً؟ الأرجح أن استعصاء بزوغ النجم ثم تعذّر استقراره في فلكه، إذا هو بزغ، ناتجان في هذا العهد الأخير عن نوع من “الديمقراطية” فرض نفسه في عوالم الثقافة.  ومصطلح الديمقراطية أستعمله هنا بمعنى كمّي أوّلاً يرادف، من الجهة الأولى، اتساع الانتشار أو، في الأقلّ، تضخم الطلب المبدئي ويرادف بالتالي، من الجهة الأخرى، مزيداً من الغزارة في المنتجات الثقافية المعروضة ومزيداً من التنوّع فيها أيضاً. وهذا المزيد الأخير، أي مزيد التنوّع، متّصل، قبل كل شيء، بالصورة: بالتضخم المهول في إنتاج الصور وبالتيسير المهول لتعميمها أيضاً وبكثرة الوسائط والصيغ التي باتت متاحة لعرضها وبنفوذها الكاسح كذلك.



وفرة في الأمّية وغزارة في الثقافة

وأما الغزارة في إنتاج أجناس أخرى من الأعمال الثقافية هي الأجناس التي كانت مألوفة في الفكر والآداب والفنون قبل طغيان الصورة وبقيت مألوفة بعده، فإن مردّها، بالدرجة الأولى، إلى ما يسمّى “ديمقراطية التعليم”. وهذه “ديمقراطية” اتّخذت، في نصف القرن الأخير، صورة المدّ الذي لا يغلب وفرضت وقائعها التي تشهد بضخامتها الأرقام في مصر كما في لبنان. وهي ديمقراطية كثّرت مستهلكي الأعمال الثقافية المحتملين تكثيراً جسيماً وكثّرت أيضاً منتجي هذه الأعمال… ولا ينقض هذا الواقع عناد ظاهرة الأمّية في المدى العربي، وهو عناد تصدي له الأرقام الفاضحة التي تعممها تقارير التنمية البشرية أو إحصاءات اليونيسكو. هذه الأرقام بالغة الخطر، طبعاً، خصوصاً حين يضاف إلى ما يتعلّق منها بالأمّية بمعنى امتناع القراءة والكتابة ما يتعلّق بأمّية الحاسوب وما يتعلّق بقراءة الصحف والكتب وبالوصول إلى الأنترنت وبالعناوين المترجمة من اللغة العربية وإليها، إلخ. وهذا كله بات متداولاً يتيسّر الاطلاع عليه وإن تكن معالجة البعض من وجوهه الخطيرة تبدو وكأنها تزداد استعصاء. لم تمنع كثرة الأمّيين تكاثر الدكاترة، مثلاً. بل إن استشراء هذا اللقب شاهد على وجاهة ما نقوله في صدد “الديمقراطية الثقافية”. حين كان يقال في العشرينات أو في الثلاثينات “الدكتور طه حسين” كان للّقب رنّة غير الرنّة التي لقولنا اليوم “الدكتور أحمد بيضون”. ولم يكن أحد من النقّاد أو غيرهم يحسب أنه يكرم طه حسين إذا هو جرّده من لقبه. وأما المثقف الطموح اليوم (وليس المثقف المتواضع كما قد يتوهم بعضنا) فهو يدع هذا اللقب جانباً، إذا كان قد اقتناه، ويسعى إلى جعل اسمه، مجرّداً، جواز سفر من التنكير إلى التعريف.



في ما وراء وقائع الأمّية وما جرى مجراها إذن، يبقى مؤكّداً حصول تضخم مطلق ونسبي معاً، في العقود الأخيرة، في الجمهور الراغب في استهلاك ما نطلق عليه اسم الأعمال الثقافية، على اختلافها، وكذلك حصول تيسير إجمالي جسيم لهذا الاستهلاك. يبقى مؤكداً تحقق هذا الاستهلاك، بالتالي، على نطاق اجتماعي وبتنوع في الوسائط والصيغ لم يسبق لهما مثيل. وما من ريب في أن هذا النوع من “الديمقراطية” يدخل في مغالبة مع نوعية المنتجات ويغري بشدّة باعتماد السهولة وبالتساهل في المعايير، لغير صالح الجودة بالضرورة، على صعيد الإنتاج. وهذه الحال هي نفسها التي تفضي إليها “ديمقراطية التعليم” إذ هي قد وسّعت كثيراً جمهور المتعلمين ولكنها أسفرت عن تراجع في جودة التحصيل و عن تردّ أشرنا إليه توّاً في قيمة الشهادات وانحطاط في فاعلية المؤهلات. وكثيراً ما يقرن أمر الثقافة وأمر التعليم في الأحكام التي تطلق بصدد العملية التربوية في جملتها فيقال إن التعليم انتشر وتوسّع ولكن ضعفت الثقافة التي تنشأ منه وبفضله. وحين يصل الحديث إلى المنتجات الثقافية من أي نوع كان، يقال مثلاً إن الروايات كثُرت أعداد ما يصدر منها كل سنة ولكن الجيد نادر الوجود بينها بل هو معدوم الوجود في حصاد البعض من السنين. ولا حاجة إلى القول إن الروايات مثال لا أكثر هنا وإن القول نفسه يقال في الشعر وفي السينما وفي النقد وفي البحث الاجتماعي، إلخ.



ما شأن هذا كله بالعلاقات الثقافية بين مصر ولبنان؟ هذا له شأن أولاً بمسألة النجومية. النجوم في مصر وفي لبنان يموتون أو يشيخون…قلنا إننا اعتدنا أسماءهم، في مجالات مختلفة، لعشرات من السنين. اعتدناها هي نفسها واعتدنا ألا يحل محلهم أحد، في أفلاكهم هي نفسها، أي في المقام الذي ملأه كلّ منهم، حين يشيخون أو عندما يموتون. والأرجح أن الحال لم تكن على هذا المنوال، في مصر وفي لبنان، قبل نصف قرن مثلاً أو قبل ثلاثة أرباع القرن. كان النجوم نادرين طبعاً، هنا وهناك، في تلك الأيام، فهذه هي حالهم دائماً. ولكن العبور من جيل إلى جيل منهم كان يحصل بقدر من السلاسة يستبعد الفراغ أو يجعله شذوذاً أو يستبعد تماديه، في الأقل.



النجم بما هو شهاب

والحال أن النجوم هم الذين يعبرون الحدود من بلاد إلى أخرى لينشأ بأعمالهم هذا الذي نسميه علاقات ثقافية، بالمعنى الضيق الذي نعتمده هنا لمصطلح الثقافة وهو المعنى الذي يحصر الثقافة في أعمال المثقفين. قد يوجد جمهور في بلاد المنشأ لأسماء في ميادين الثقافة غير عالية الجرس. وأما سعة الميدان وبعد المدى فتنفرد بهما، بطبيعة الحال، أسماء ووجوه وأصوات ملأت ساحاتها أوّلاً وضاقت بها هذه الساحات. هذه قاعدة تحتمل الشواذّ الذي يؤكّدها إذ لا يعدّ محالاً، في الواقع، أن يبزغ النجم في سماء غير سماء موطنه الأصلي ولا يعدّ محالاً أن تلفظه سماء موطنه الأصلي، إلخ. أمر آخر يجب تسجيله هنا هو أن النجومية لا تضمن، بالضرورة، حيازة صاحبها وأعماله قيمة متفوّقة تقرّ تفوّقها المقاييس العامة، الثابتة نسبياً، مما يناط به تقدير قيمة الأعمال ومقامات الأشخاص في هذا النوع أو الفنّ من فنون الثقافة وأنواعها. فقد يحظى بنجومية عابرة من تعدّ أعماله ساقطة بحكم المقاييس المشار إليها. وقد يبقى مغموراً في حياته ولا ينصف إلا بعد الوفاة أو الانكفاء من يأتي بأعمال عظيمة ولكنها مجافية للذائقة الغالبة على ساحته. غير أن المقاييس تكون قد سلّمت بقيمة الأعمال وصاحبها حين يطول الزمن بنجوميته ويصبح ما يسمّى بالتكريس أمراً متحققاً بضمان من السلطات المحكّمة في النوع المعنيّ من الأعمال الثقافية ومن الجمهور المعنيّ بهذه الأعمال. النجم ههنا شهاب بمعنيين متباينين إذن: بمعنى العبور من أفق إلى أفق وبمعنى قابلية الخمود والترمّد.



في كل حال، لا نصل بالضرورة إلى ترادف تامّ ما بين نجومية النجم الثابتة والقيمة الثابتة لأعماله. الروائيون المصريون الذين جاؤوا بعد محفوظ، ومنهم من يعدّ تلميذاً له ومنهم من أراد نفسه مؤسساً لمنحى يخالف منحاه، على التخصيص، لم يجتاحوا الحدود الرمزية بين مصر ولبنان، على غرار محفوظ، بل بقي وصولهم إلى المطالعين اللبنانيين أشبه بالتسلل. فهم ليسوا موضوع دراسة عندنا ولا ينسب إليهم تلامذة من بين روائيينا ولا تنشغل بهم كثيراً الصفحات الثقافية من جرائد بيروت. وهذا مع أن بعضهم قطع في الشيخوخة شوطاً طويلاً وأصبح بعضهم الآخر واقفاً على أعتابها. أشير، بالدرجة الأولى، إلى إدوار الخرّاط، إلى إبراهيم أصلان، إلى بهاء طاهر، إلى صنع الله إبراهيم، إلى جمال الغيطاني، إلى يوسف القعيد… عالماً أنني أشير إلى قيم مرموقة جداً في مسار الرواية المصرية. مع ذلك لم يسع أياً من هؤلاء أن ينشئ بالقرّاء اللبنانيين علاقة تكافئ تلك التي أنشأها، لا محفوظ وحسب بل حتى إحسان عبد القدّوس ويوسف السباعي في أيامهما. وهذان كانا نجمين ولو ان النقّاد لا يعدّونهما، على الأرجح، من الأساطين المستقرة في مجد الفن الروائي في مصر. في تلك المرحلة نفسها، اضطرّت الأرض رواية عبد الرحمن الشرقاوي أن تنتظر يوسف شاهين والسينما سنين كثيرة حتى تتمكن من فرض نفسها على انتباه جمهرة معتبرة من القرّاء اللبنانيين.



اليوم يسبق الخراط وأصلان وطاهر وإبراهيم والغيطاني وسواهم إلى نور مصابيح القراءة اللبنانية نجم جديد نسبياً للرواية المصرية هو علاء الأسواني. وهو رجل مختلَف بين النقاد، من مصريين وغير مصريين، في قيمة أعماله، وهذه القيمة ليست ما يهمّنا هنا في أي حال. ما يهمّنا هو أن الروائيّ النجم، وقد اسعفته في ذلك السينما – مرّة أخرى – أيّما إسعاف، قد أدّى وظيفته مرّة أخرى فاستوى خيطاً من خيوط الشبكة التي يسعنا أن نسمّيها العلاقات الثقافية بين لبنان ومصر. من حيث الأساس ليست حال هذا النجم مختلفة عن حال النجوم في فنون أخرى يستعمل فيها مصطلح النجومية بمزيد من التواتر أي مثلاً عن حال عبد الحليم حافظ أو سعاد حسني في مضماري الغناء والسينما.



لا أعرف شيئاً عن الحظوة التي يمنحها القرّاء المصريّون للروائيين اللبنانيين اليوم، وبعض هؤلاء أصبح منتشراً، كما هي حال علاء الأسواني، بلغات عدّة. ولكن أعلم أن مغنّية لبنانية شابة أصبحت عريضة الصيت وغامرة الحضور على الفضائيات هي نانسي عجرم دانت ببعض نجاحها لاعتمادها اللهجة المصرية في أغانيها. وهذا أمر يوحي بأن طلب الاعتراف المصري بأيّ منتَج ثقافي عربي لا يزال ذا أولوية مؤكدة عند صاحب المنتج. وهو يوحي أيضاً بأن ما حصل وما زال يحصل من تعارف يبن العاميّات العربية بفضل التلفزيون لم يبطل كون العامية المصرية تبدو أشبه بـ”فصحى العاميّات” أي بالعاميّة الجامعة بين أجنحة المستمعين أو المشاهدين العرب شأن العربية الفصحى بين أجنحة قرّائهم. فإن تمصّر نانسي عجرم لا يغرّبها قيد أنملة عن بيروت. إذ يبقى لحفظ الألفة بينها وبين الجمهور اللبناني نحو قرن من اعتياد اللبنانيين سماع الغناء المصري ومن ترنّمهم به أيضاً، مطربين كانوا أم مجرّد متنزّهين.



في مجال مختلف جدّاً، أسهمت بيروت، بصحافتها وبصناعة النشر فيها وبجمهور من  مستمعيها أيضاً، في صنع نجم مصري آخر هو نصر حامد أبو زيد. كانت الوعورة التي يتسم بها حقل أبحاثه تستبعد أن يستوي الرجل نجماً تشدّ الرحال إلى محاضراته. ولكن بيروت تلقّت المحنة التي أطبقت على أبو زيد في القاهرة فراحت تطبع كتبه وتجادل فيها وتجمع له المستمعين… إلى أن شهدت العرض الأول لفيلم عنه أخرجه باحث سوري هو محمد علي الأتاسي، وقد احتشد للفيلم جمهور فرض عرضه بعد أن تردّد أنه سيمنع. أنزلت بيروت على الرحب نصر حامد أبو زيد إذن وهذا حقّه. على أن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن مصريين أصحاب أعمال وعرة أيضاً ولكنها سامية المكانة والقيمة في أبوابها. تعرف بيروت من زمن بعيد نوال السعداوي، ويتردّد فيها أحياناً اسم جمال حمدان أو يزورها (قادماً من باريس) مصطفى صفوان، ولكن بيروت لا تعرف شيئاً، على الأرجح، عن أحمد أبو زيد ولا عن سيد عويس ولا عن رمزي زكي…



من الفرد إلى المجتمع:

في فضل البلاد على نجومها

النجم فرد، في كلّ حال. بل هو فرد شديد التفرّد يصنع نجوميته بالانفراد عن غيره ولو انه يكون مديناً بنجوميته نفسها أيضاً لهُوامات هذا الغير، لما يودّ الغير لو انه كانه أو لو ان أحداً في محيطه القريب أو البعيد حقّقه له. والنجم على ما رأينا، مرسال يصل بتوسطه شيء من الحياة الثقافية في بلاده إلى البلاد الأخرى. بل إنه يصحّ، في بعض الحالات، اعتباره وسيطاً لشخوص ولأعمال في ثقافة بلاده تعوزهم (أو تعوزها) النجومية. فهو يثير فضولاً عامّاً، إلى هذا الحدّ أو ذاك، حيال القطاع الثقافي الذي ينتمي إليه في بلاده وحيال ثقافة بلاده، على التعميم. المغنّي المصري الشهير يلفت المستمعين إليه، على اختلاف الأقطار، إلى سائر الغناء وسائر المغنين في مصر وإلى الموسيقى المصرية حكماً. ويؤدّي الشاعر أو المسرحي اللبناني دوراً موازياً في إثارة الاهتمام ببعض الثقافة اللبنانية، إذا اتسعت شهرته وانتشر الإعجاب به في خارج بلاده.



ولقد جعلت حديثي في العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان مقتصراً، حتى الآن، على الأفراد: على هؤلاء الأفراد الحادّي التفرّد الذي نطلق عليهم لقب النجوم. وأحب الآن أن أنطلق من الإشارة التي سلفت إلى مكانة اللهجة المصرية في الآفاق العربية بما هي “فصحى” العاميّات لأقول كلمة في فضل كل بلاد، سواء أكانت مصر أم لبنان أم سواهما، على مثقفيها لجهة محددة هي كونها، بنجوميتها المتحقّقة في مرحلة من المراحل، سبباً أوّل لنجومية أبنائها. وهذا يعني أن انكفاء الإشعاع العامّ للبلاد يمتحن مثقفيها بمزيد من صعوبة في إثبات المكانة وفي تصدّر الحقل الذي يشتغل كل منهم فيه ولو كان الواحد منهم مستحقّاً. والحقّ أننا نثير هنا مسألة لا تخلو من التعقيد. فإن وجود البلاد في محنة قد يسهم أيضاً في إبراز مثقفيها الذين يفلحون في نشر أصداء أو صور مميّزة الصدق والقيمة والجمال لمحنة بلادهم. ومعنى هذا أن البلاد قد تفلح في الإعلاء من شأن مثقفيها، لا بقوّتها وازدهارها وحسب، بل أيضاً ببؤسها واضطراب موازينها، في بعض الحالات. ولعلّ الانسحاب إلى الظلّ وخبوّ الأضواء ونصول الألوان التي تتقدّم بها صورة البلاد إلى الخارج، سواء أكانت هذه السمات دليل تطامن وراحة أم دليل تعاسة لا تجد عباراتها بعد، إنما هي أقلّ الأحوال مواتاة لإسهام بلاد ما في إبراز ثقافتها  ومثقفيها ونشر ما عندها من هذا القبيل إلى خارج حدودها.



ولأذكر في هذا الصدد حالتين قياديتين للبلاد، إحداهما لبنانية والثانية مصرية، جعلت لكل من القطرين تأثيراً ثقافياً مميّزاً في الآخر، في أثناء مرحلة من تاريخنا غير البعيد بعينها. والمثالان واضحان ومعلومان، تغني في شأنهما الإشارة عن الإطالة. في الحالتين، بدت البلاد – مصر أو لبنان – حاملة رسالة بعينها محتاجة إلى الانتشار في محيط بعينه أو معدّة أصلاً بحيث تكون غايتها هذا الانتشار وما يليه من تغيير في أوضاع وأحوال مختلفة.



ريادة لبنانية… وقيادة مصرية

أما حالة القيادة اللبنانية (أو الريادة، بالأحرى) فنجمت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين من تصدر المسيحيين اللبنانيين حركة تغيير في الشرق كان لها شقّ ديمقراطي يتعلق بالمساواة بين المواطنين وشقّ قومي يتعلق بالاستقلال السياسي أو، في بعض الصيغ المخففة التي اعتمدها مسلمون، على الأغلب، باللامركزية وبدرجة ما من الاستقلال الذاتي في الإطار العثماني. وكانت مصر الخاضعة، في معظم هذه المدة، للاحتلال البريطاني متفلتة من السطوة العثمانية وقابلة لتعهّد حركات من قبيل تلك التي باشرها مسيحيو المشرق وجاراهم فيها مواطنون لهم من غير المسيحيين لأسباب مختلفة أو بصيغ مختلفة. عليه أفردت مصر مقاعد في صدارة حياتها الثقافية لأولئك “الشوام” من أمثال سليم وبشارة تقلا وجرجي زيدان وفارس نمر ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي الشميل… ممن أنشأوا منابر وأشاعوا أفكاراً كان لها وقع في النهضة المصرية المزامنة أو اللاحقة، أيّاً يكن تقويمنا اليوم وتقويم المصريين لعُجَر هذه النهضة وبُجَرها.



وحين اتفق أن وجد مسلم بين هؤلاء الناشطين “الشوام”، ولعل حالة رشيد رضا هي الحالة الأبرز، في هذا الباب، أو لعلها الوحيدة التي يعتدّ بها فعلاً، بدا أن مصر، بتيار التجديد في أزهرها وبتقاليدها العلمية الإسلامية، تعطي المسلم اللبناني أو الشامي أكثر بكثير مما يعطيها. وهذا لا يبطله علمنا بمكانة رضا ومجلته وأعماله من الحركة الإسلامية اللاحقة في مصر ومن توجهها السياسي على الخصوص… كان رضا، في مصر، تلميذ محمد عبده قبل أن يكون ابن طرابلس الشام. هذا فيما كان المسيحي اللبناني يحمل إلى القاهرة مسائل جديدة فعلاً مستقاة من خبرة تاريخية مغايرة. صفوة القول أن الموقع الريادي آنذاك في المشرق للجماعة المسيحية اللبنانية حمل أفراداً من هذه الجماعة ليبوّئهم أمكنة في صدارة الحياة الثقافية لبلاد عريقة التقاليد هي مصر ولمجتمع ضخم، بالقياس إلى مجتمع لبنان، هو المجتمع المصري.



في مرحلة ما بين الحربين ثم في المرحلة الناصرية، بدا أن مصر وجدت سبلاً لتفعيل وزنها في الثقافة العربية على أنحاء واكبت تفعيل هذا الوزن في السياسة الشرقية أو العربية في خلال تلك المرحلة الطويلة نفسها. وقد بدت آثار هذا التفعيل بيّنة في الدور المرجعي أو التوجيهي الذي أخذ يتبوأه مثقفون مصريون في الحياة الثقافية اللبنانية. كان لبنان قد أصبح لبنان الكبير وبات انقسامه الطائفي يتحكم شيئاً ما في تصرّف أجنحته حيال تيارات الفكر وصيغ الذوق المقبلة من مصر. ولكن كان في مصر، على الدوام، من يتألق بخروجه على إجماع ما فيصبح التمثل به مغرياً لأقليات تخشى حالات الإجماع الكاسحة. باكراً نسبيا، ذهب أحمد شوقي إلى لبنان مصطحباً معه محمد عبد الوهاب وباكراً أيضاً دخل الأدباء اللبنانيون في المفاضلة بين شوقي وحافظ ثم تابعوا مناظرة القرن التي أطلقها كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين وتلك التي أطلقها، في المدّة نفسها، كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم ودخلوا أيضا في الجدال الذي أثاره الديوان لعباس محمود العقاد وتتبعوا “عبقرياتــه”. ثم لم يلبثوا أن تعرفوا نجيب محفوظ وأدرجوا المصريين وغيرهم من مجددي الشعر العربي المعاصر في كوكبة واحدة ضمّت سوريين وعراقيين وضمّت لبنانيين بطبيعة الحال.



قبل بلوغنا الحِلْم، كان عندنا كامل كيلاني للسلوى والموعظة ومصطفى لطفي المنفلوطي للبكاء ولأسلوب في الإنشاء طال به العمر بين خطبائنا من ذوي الأصول الريفية وبقيت منه إلى يومنا هذا بقايا معتبرة، منتشرة بين الوصف والرثاء. ثم راح المراهقون من جيلي يتوزعون في الخمسينات حزبين: أحدهما لمحمد عبد الوهاب والآخر لفريد الأطرش. كانت فرص السماع لا تزال ضئيلة. ومع ذلك كان الصياح يعلو بين الأتراب فيما كان الرجلان يسهران بسلام معاً، على الأرجح، في ملهى ما من ملاهي القاهرة أو في منزل من منازلها. وأما أم كلثوم فكانت قد أصبحت مشاعاً عربياً وأيقونة لا تمسّ ولو ان غناءها بقي يستغلق على لبنانيين كثيرين فلا يفلحون في تذوقه أو يأخذون عليه ما قد يأخذونه على نمط الطرب الشرقي كله وليس على أم كلثوم وحدها. في ما يتخطى هذه المآخذ، بقي الغناء العربي، في عرف أبناء جيلي من اللبنانيين (وكان في عرف الجيل الذي سبقنا أيضاً)، هو الغناء المصري أولاً وبقيت الموسيقى الشرقية هي الموسيقى المصرية. لا يزال هذا صحيحاً اليوم ولو ان الغناء اللبناني قد أرسى تقاليد تصنع ذوقاً وكوّن تراثاً يملأ ذاكرة. يسع المتبحّر اللبناني اليوم أن يكون ملمّاً بالغناء العراقي أو ذوّاقة للموسيقى الإيرانية أو التركية ولكن الخزين الذي تتشكل عليه هويته الموسيقية أو الغنائية، بما هو مستمع شرقي، إنما هو خزين مصري – لبناني.



وفي المدّة نفسها التي كان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش يشقّان فيها صفّنا بأناقة ولطف، أو بعدها بقليل، فرضت ثلاثية نجيب محفوظ نفسها على مخيلة قراء لبنانيين كثيرين على أنها الغاية التي يعصي تجاوزها على الرواية العربية. وهذا من غير أن يمنع ذلك طلاب الانفعال السهل من تيميم شطر السباعي أو عبد القدوس، على ما سبق بيانه. وأما في السينما – وكانت قد أصبحت بيت قصيد في ميزان الصلة الثقافية بين بلاد وأخرى – فكانت الأفلام المصرية أيضاً هي الأفلام التي يسع أمثالي من اللبنانيين أن ينتسبوا إليها على أنها سينماهم سواء أأعجبتهم أم لم تعجبهم. هذا بينما كانت الأفلام الأميركية أو الأوروبية تبدو خارج متناول الراغب اللبناني في حسَب ونسَب سينمائيين مهما بلغ من الإعجاب بها. وما يستوقف في الإقبال اللبناني على الثقافة المصرية وعلى تأثرها أو الانفعال بها أعلاماً وقيماً هو، على وجه التحديد، اشتمال الإقبال المذكور على الغث والسمين في هذه الثقافة. في الذائقة اللبنانية (وهذه ذائقة قد يكون اعتبارها واحدة من قبيل المصادرة على المطلوب أو المصادرة على غير المطلوب)، كان ثمة موضع لثورة طه حسين البعيدة الغور في النظرة إلى الذات وإلى ميزان القيمة بين موروثها ومستحدثها وكان ثمة موضع أيضاً لعويل فريد الأطرش أو لخزعبلات إسماعيل يسين.



والبين أن كلاً من هذه الأمثلة إنما يحضرني لسبب يخصني شخصياً. فقد كنت، في المدّة التي أصبحت فيها مواظباً على التردّد إلى دور السينما، أي في نهاية الخمسينات من القرن الماضي إلى أوائل الستيمنات، واحداً من مشاهدي الأفلام المصرية المكثارين، متعلقاً بعدّة من نجومها وغير ميال إلى التدقيق في قيمتها الفنية. ثم جنحت، في العقود اللاحقة، إلى مسلك مخالف، فأصبحت لا أشاهد من هذه الأفلام إلا ما طار له صيت استثنائي أو أحاطه النقد بهالة تقدير غير معتادة. إلى أن دخلنا عهد الفضائيات فعدت إلى الإكثار من المشاهدة وإلى شيء من التراخي في معايير الاختيار. وأما طه حسين فكنت قد جدّدت العهد بأعماله، في أواخر الثمانينات، لأخصّ المناظرة التي تمادت في صدد كتابه بدراسة طويلة نسبياً لأطوارها وللدلالات المستفادة من تماديها…



“لقينا محفظة!”

وعلى وفرة الصحف المتناسلة من شقوق بيروت، كان بعض الصحافة المصرية أيضاً يجد مكاناً له في الفضاء المكتظ بهموم شبابنا السياسية. كنا نقرأ مطوّلات محمد حسنين هيكل التي راحت الأنوار البيروتية تنشرها مع الأهرام. ولكن أسبوعيات القاهرة هي ما كان رفيقنا الظريف في استراحات المقاهي. في صباح الخير أو في روز اليوسف، كنا نذهب توّاً إلى الرسوم الكاريكاتورية… إلى نزيل من نزلاء “قهوة النشاط” يقول لجليسه: “يا حلاوة! لقينا محفظة! نادي الجرسون يجيبهالنا!” أو إلى زوج أيقظه البرد من نومه ينتهر زوجته صائحاً في ذروة الحملة الحكومية لتحديد النسل: “يا وليّه! فين الواد اللي كنت بستغطّى بيه؟” لا أذكر، بعد نصف قرن مضى أو كاد، إن كان هذا صلاح جاهين أم البهجوري. ولكن لم يفرض شيء نفسه على ذاكرتي بهذا العناد من كل ما طالعته من رسوم في الصحافة اللبنانية طوال نصف قرن!



كان هذا في أوائل الستينات إذن. في أواسطها، كنا قد أخذنا نجفو عبد الناصر. ثم راح يستحوذ على فضولنا النزر القليل الذي كان يصل إلى علمنا من أخبار الحركة الشعبية في مصر، العمالية حيناً والطلابية حيناً، وقد كنا نراها في أمانينا حركة واحدة. في هذه المرحلة، استجابت لرغبتنا في تعرّف المجتمع المصري مجلة الطليعة التي أصدرها لبضع سنوات لطفي الخولي ورفاق له. كنا نجد فيها بعض زاد كانت حاجتنا إليه ماسة يتعلق بمصر وقضاياها وبموجات الرفض المعتملة في مجتمعها ولكن يتعلق أيضاً بجهات أخرى من الكرة كانت تزداد جذباً لنا كلما ازدادت بعداً عنا: من فيتنام إلى بوليفيا. لم تكن علاقتنا بـالطليعة وبمحرريها علاقة تسليم بل كنا نرى أنفسنا في حال جدال معهم وحذر من صيغة التعايش الرجراجة التي خلصنا إلى افتراضها بينهم وبين الجهاز الحاكم. كنّا نؤثر شريطاً نتلقّاه لنجم وإمام على عدد يصل إلينا من الطليعة. مع ذلك لم يكن بدّ من مطالعة الطليعة.



وفي سنة 1971 أو حواليها، كنت مسؤولاً في بيروت عن طباعة نشرة “سرّية” كان اسمها المسيرة وكان الماويّون المصريون يعدّونها بين باريس والقاهرة. ومن البوابة الباريسية أيضاً كان قد وصل إلى أيدينا كتابان (بالفرنسية) أحدهما لأنور عبد الملك والثاني لسمير أمين الذي وقّعه باسم حسن رياض… لم أقراّ كتاب عبد الملك قط. وأما كتاب أمين مصر الناصرية فمثّل لي ولآخرين من رعيلي أول لوحة غنية بعناصر حسيّة ملأنا بها نوعاً من الضيق شبه الفارغ بنظام عبد الناصر كان قد أخذ يستبدّ بنا في أثر انهيار الوحدة المصرية السورية. وهذا انهيار كان وقعه جللاّ على جيلنا. حتى أن وقع هزيمة 1967 لم يكن سوى توكيد لوقع هذا الزلزال الأول علينا ولم تكن الهزيمة أول زلزال يضرب علاقة جيلنا من المشرقيين بالناصرية كما راح يتراءى لبعض مستذكري الحوادث لاحقاً. أمدّنا كتاب سمير أمين إذن بملامح الوجه المصري للخراب الذي كنّا قد عاينّاه أو سمعنا أخباره في العلاقة المصرية السورية. لاحقاً (في مطلع السبعينات) نقلت ونصير مروة إلى العربية كتاباً لمؤلفين مصريين اثنين هما عادل رفعت وبهجت الندي وقّعاه باسم مستعار أقاما على التوقيع به مذّاك وهو محمود حسين. كان عنوان الكتاب الصراع الطبقي في مصر. وقد وقّعنا الترجمة أنا ونصير باسمين مستعارين أيضاً. على أن كتاب محمود حسين كان أكثر ميلاً إلى الإغراق في الترسيمات النظرية المفترضة للصراع المشار إليه في عنوانه وأقل حفاوة بملامح الصراع الحسية ووقائعه من كتاب سمير أمين الذي ظهر قبله ببضع سنوات. وقد عجبت لقول شارل بتلهايم ما يوحي بعكس ذلك في تقديمه للكتاب ولم أتورع عن نقل عجبي إلى أحد المؤلفين حين التقيته. كان انحيازي (المتردّد جدّاً) إلى ماويّة بتلهايم وتلميذيه المصريين (في وجه الناصرية وفي وجه الشيوعيين “التحريفيين” معاً) هو ما ساقني إلى هذه الترجمة وإلى طباعة المسيرة. فدخلت في هذين الأمرين تواكبني شكوك بعضها معلن وبعضها مكتوم في قيمة المضامين التي وقعت عليها في الكتاب وفي النشرة.



يبقى أن  الطليعة، بما كانته لنا، في مدّة عمرها القصير نسبيّاً، لم تخل من شبه بما كانته الرسالة، مجلّة أحمد حسن الزيات، لبعض المثقفين من جيل آبائنا. كان الفارق بين المجلتين يرسم انزلاق الاهتمام المثقف، بين جيل آبائنا وجيلنا، من مسائل الثقافة الثقافية، أي مسائل اللغة والأدب وما إليهما، إلى مسائل المجتمع والسياسة، وقد استحوذا على الثقافة أو كادا. وفي كل حال، لا أزال أحتفظ إلى اليوم بمجموعة شبه كاملة من أعداد الطليعة. ولكن إذ أنظر اليوم إلى هذه الأعداد (التي يتراءى في اهتمامي بجمعها هذا الانزلاق في علاقة جيلي بموارد الثقافة المصرية) أراني لا أدري إن كان يوجد فيها ما قد يغوي فتياناً لبنانيين أو مصريين بلغوا رشدهم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وملحقاته: من دول وحركات ومن صحف أيضاً.



من سنين كثيرة، أصبحت لا أقرأ الصحف المصرية إلا ما حصل اتفاقاً. هذا إهمال منّي ولكنني أرى فيه (من غير رغبة في تسويغه ولا إنكار لنسبته إلى شخصي) علامة تتعدّاني من علامات التغيير في العلاقة الثقافية – وفي العلاقات السياسية أيضاً – لشطر من اللبنانيين بمصر وبالحياة المصرية. ثمة ما زاد في هذه العلاقة وثمة ما نقص منها. ثمة تغير واكبتُه، عبر عقود، وهو ما أحاول أن أجلو من ملامحه، في هذا الحديث، ما تأذن بجلائه خبرتي الشخصية.



استقلال ثقافي في جمهوريتين؟

إلام أتخلص من هذا كله؟ ما دمت قد أجزت لنفسي اعتبار الفتى الذي كنته في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين شاهداً يصحّ الاعتداد بشهادته، فلن أتردد في القول إن أمراء الثقافة  العربية المعاصرة، بجميع فروعها تقريباً، من بين الأحياء آنذاك، كانوا، في عرفنا، من المصريين. حين كنا نسأل من الأديب العربي الأهمّ (بالمعنى الأعمّ للأدب بما فيه نظرية الأدب أيضاً) كنّا نجيب بلا تردد: طه حسين. وكان نجيب محفوظ بطلنا من بين الروائيين وتوفيق الحكيم سيّد كتّاب المسرح في عرفنا وبقي محمود تيمور ملك القصة القصيرة عندنا إلى أن اكتشفنا يوسف إدريس. ولسنين كثيرة لبثت أعمال أحمد أمين هي أوّل ما يتبادر إلى الذهن حالما يطرح سؤال يتعلق بتاريخ الإسلام. ولم يكن التردد يساورنا إلا في صدد الشعر. لم نكن نجد صلاح عبد الصبور أدنى مرتبة من السياب أو من أدونيس مثلاً. أبداً. وإنما كنا نرى هؤلاء سوية ونفراً معهم قافلة واحدة راحت تجدد الشعر في الشرق العربي. وكان تفضيل واحد منهم على الآخرين مسألة ذوق شخصي يختلف جوابها من فرد منّا إلى آخر. وأما في الشعر الذي أخذنا نعدّه تقليديا فكان أحمد شوقي قد أصبح وراءنا (ولو انني، شخصيا، كنت أحفظ مصرع كليوباترة و مجنون ليلى عن ظهر قلب). كنا قد أصبحنا متنازَعين ما بين الجواهري وسعيد عقل وبدوي الجبل ولم نكن نجد بدويا مصريا نضمه إلى هؤلاء ولا أرضانا انتخاب مواطننا بشارة الخوري المعروف بالأخطل الصغير، بُعيد ذلك، خليفة لشوقي. أصلاً، حصل هذا الانتخاب في وقت كانت فيه القيم الجمهورية قد بلغت أوج غلبتها وجعلت من تنصيب الأمراء وتتويج الملوك في الثقافة أمراً يعسر هضمه… وكان من تعابير غلبتها، في الثقافة أيضاً، هذا الذي عاينّاه على أنه عسرٌ في ولادة النجوم، وقد راح يتفاقم من عقد إلى عقد.



وفي ترجيحي أننا إذا نظرنا اليوم في أمر شابّ لبناني ما في حوالي العشرين من عمره، سنجد أن كتّابه المفضلين من العرب، في معظم هذه الفروع، هم من اللبنانيين وأنه إذا غامر بالتغرب إلى آداب الأقطار العربية الأخرى سيوزع أفضلياته ما بين عدّة منها ولن يجد في مصر ولا في غيرها، بالضرورة، بداية ونهاية لمطافه. أقول هذا مع علمي بما في تيارات الأذواق اللبنانية من كسور وبأن ما بين فتى لبناني وآخر في مضمار الميول الثقافية قد يكون ما صنع الحدّاد. ولكن هل يعني اختلاف المسلك الذي قد يسلكه الشاب اللبناني اليوم عما كانه في جيل سبق أن منتجات الثقافة المصرية في سائر الفروع قد أصبحت اليوم أقل جودة؟ أبداً! لا أفترض للثقافة المصرية (ولا للثقافة اللبنانية) عهداً ذهبيّاً وأميل إلى الاعتقاد أن التأمل المتأني من شأنه أن يظهر الزيف في ذهب العهود الذهبية وأننا نخترع هذه العهود، عادة، لأمور فينا وليس لأمور فيها.



ما أراه إذن هو أن لهذا التغير في مسلك الشاب اللبناني المعادل لذاك الذي كنته قبل بضعة عقود معاني أخرى. أوّلها أن الثقافة اللبنانية قد ازدادت كثافة فازدادت قدرتها على استغراق أهلها. ولوفرة الإنتاج التي هي وجه مما سميناه “ديمقراطية” ثقافية شأن مؤكد في ذلك. وللمحن التي عبرها المجتمع اللبناني في السنين الأربعين الماضية شأن في الظاهرة نفسها. فإن هذه المحن ركّزت انتباه اللبنانيين على مجتمعهم وعلى مشكلاته، أو هي حبست هذا الانتباه، إلى حدّ ما، في هذا النطاق. وقد يكون علينا أن نستثني من هذا التركيز على إنتاج الداخل ما كان متاعاً للتيارات الدينية الحاضرة ولما تطرحه هذه التيارات على نفسها وعلى مناهضيها أيضاً من مشكلات تبدأ بالسلوك الفردي، بسائر مجاليه، لتطول إلى المجتمع وإلى الدولة… فما يستهلك من هذا القبيل أضعف صلة من منتجات ثقافية أخرى بالمنبت الوطني لمنتجيه وحتى بالعصر الذي أنتج فيه. وإذا نحن توقفنا عند المسائل المنتمية إلى نظرية المعرفة وإلى نظرية التاريخ والسياسة، وجدنا أن المغاربة، لا اللبنانيين ولا المصريين، كانوا متصدّرين، في العقود الأخيرة، بين الباحثين العرب في هذه المسائل وفي صيرورة المجتمعات العربية على ضوئها.



من يحتاج إلى قائد أو رائد؟

خلاصة القول أن في الجهة اللبنانية مقوّمات أوفر لنوع من الاستقلال الثقافي ينتهي إلى قدر من الامتناع عن تسليم القياد الفكري أو الذوقي لمثقّفي مجتمع آخر. وأما من الجهة المصرية، فهذا الاستقلال حاصل من عهود أطول ولكنه اقترن في العقود الأخيرة نفسها، بانكفاء “الرسالة” السياسية التي دأبت البلاد على نشرها في أرجاء محيطها القومي وما كان يلي هذه الرسالة من ظواهر ثقافية. هذه الرسالة كانت تتولى نشرها مصر كلها، سياسة وثقافة، وليس ثقافة مصر وحسب. هل توطّد الاستقلال الثقافي، في الحالة اللبنانية، نعمة وهل انكماش المنحى الرسالي، في الحالة المصرية، نقمة؟ لا أظن. حين لا يوجد، في هذه الحالة ولا في تلك، إغلاق للأبواب ولا حصار، يصحّ القول إن الحالتين تفترضان تركيزاً على أحوال المجتمعين وعلى أحلامهما ومطالبهما أيضاً يجب أن يكون موضع ترحيب. والحال أنه لا توجد بين لبنان ومصر أية أبواب مغلقة وإن بقيت تستحسن زيادة الأبواب المفتوحة دائماً. جلّ ما في الأمر أننا لا نلحظ ريادة تشبه ما كانت عليه حال المهاجرين إلى القاهرة من مسيحيي لبنان، قبل قرن من الزمان أو يزيد. ولا نلحظ قيادة شأن ما كان عليه نفوذ المثقفين المصريين في لبنان، قبل نصف قرن من الزمان تقريباً، أي في المرحلة الناصرية: مرحلة الفورة القومية والفورة الاشتراكية ومرحلة نقدهما ورفضهما أيضاً. هل نحتاج، في الثقافة، إلى من يقود أو إلى من يرود، أم نحتاج إلى تواصل الإبداع بما يفترضه من تحرر للعقل وللذوق؟ في السياسة، قد لا يوجد بدّ من القيادة والريادة. وأما في الثقافة فالحاجة هي إلى الحرية وإلى مقوماتها قبلها. ففي هذا حصانة من مغريات الاتّباع ومن محسّنات الانصياع لما لا تني تتفتق عنه السلطة الحاكمة والسلطات الأهلية وثقافة أهل السلطة وطلابها من صنوف التضليل والطغيان والعنف.



بيروت في 20 تشرين الثاني 2010



[1]  ورقة أعدّت لندوة انعقدت يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة حول العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، وذلك في نطاق “الأيام الثقافية اللبنانية” في مصر.
  جيل دولوز... حاشية على مسألة مجتمعات التحكم

جيل دولوز... حاشية على مسألة مجتمعات التحكم

مايو 22, 2018 اضف تعليق

ترجمة: طارق عثمان

مراجعة: د. مصطفى الحداد
 
هذه ترجمة لـ:
Deleuze, Gilles (1992). Postscript on societies of control. October, vol. 59, 3-7.
ولقد نُشر النص لأول مرة بالفرنسية في مجلةl’autre  عدد 1، مايو 1990.
  1. التاريخ
لقد عين فوكو الموقع التاريخي للمجتمعات الانضباطية[1]على أنها المجتمعات التي كانت قائمة في  القرنين الثامن العشر والتاسع عشر وبلغت أوجّها في صدر القرن العشرين. إنها المجتمعات التي استحدثت تنظيم فضاءات تطويق[2] شاسعة. بحيث لا يتوقف الفرد أبداً عن المرور من بيئة منغلقة إلى أخرى، كل واحدة منها محكومة بقوانينها الخاصة: في البدء تأتي الأسرة؛ تليها المدرسة ("لم تعد في حضن أسرتك")؛ ثم الثكنة ("لم تعد تلميذ مدرسة")؛ ثم المصنع؛ والمستشفى من حين لآخر؛ وربما السجن، أبرز مثال على بيئة التطويق المنغلقة، نموذجها المعياري: فعندما وقع بصرها على العاملات في المصنع، صاحت بطلة فيلم أوروبا 51 لروسيليني: "لقد ظننتُ أني أرى مساجين."[3]
ولقد حلل فوكو ببراعة المشروع النموذجي لبيئات التطويق المنغلقة هذه، مشروع يظهر بجلاء في حالة المصنع تحديداً: أن تُجمّع وتُقسّم في المكان؛ وأن تُنظّم في الزمان؛ أن تؤلف قوة منتجة ضمن بعد المكان-الزمان يكون انتاجها أضخم من مجموع انتاج كل مكون من مكوناتها. ولكن ما اكتشفه فوكو أيضا هو عرضية هذا النموذج وسرعة زواله: لقد خلف نموذج مجتمعات السيادة،[4] والذي كانت أهدافه ووظائفه مختلفة تماماً (أن تجبي الضرائب على الإنتاج عوضاً عن تنظيمه، أن تفصل وتقرر في الموت عوضاً عن إدارة الحياة)؛ ولقد جرى الانتقال من مجتمعات السيادة إلى المجتمعات الانضباطية ببطءٍ، ويبدو أن نابليون قد كان له يد في التحول واسع النطاق من الأولى إلى الثانية. ولكن المجتمعات الانضباطية تمر، بدورها، بأزمة، لصالح قوى جديدة حلت محلها على نحو تدريجي في البداية، ثم على نحو متسارع من بعد الحرب العالمية الثانية: المجتمع الانضباطي هو ذلك المجتمع الذي لم نعد نعيش فيه، ما كففنا عن أن نكون عليه.
إننا في أزمة معممة فيما يتعلق بكل بيئات التطويق المنغلقة: السجن، المستشفى، المصنع، المدرسة، الأسرة. الأسرة التي هي بيئة في أزمة تماما كباقي البيئات ــ التعليمية والمهنية وهلمجرا. فالإدارات الحاكمة لا تتوقف أبدا عن الإعلان عن إصلاحات ضرورية مزعومة: إصلاح المدارس، إصلاح المصانع والمستشفيات والقوات المسلحة والسجون. ولكن الجميع يعلم أن هذه المؤسسات قد قضي أمرها، انتهت ولا أمل في إصلاحها، مهما طال وجودها. وأن الأمر ليس أكثر من مسألة إدارة لطقوسها الأخيرة، محاولة لإبقاء الناس موظفة إلى أن يتم تمكين وتثبيت القوى الجديدة التي تطرق علينا الباب. هذه القوى ليست سوى مجتمعات التحكم،[5]  التي تحل الآن محل المجتمعات الانضباطية. فـ"كنترول" (تحكم) هو المصطلح الذي اقترحه بوروز[6] لتسمية الوحش الجديد، ذلك الذي تبين فيه فوكو مستقبلنا القريب. 

بول فيريليو[7] هو الآخر يحلل باستمرار الأشكال مفرطة السرعة للتحكم عديم الإتجاه والغاية التي حلت محل الانضباطات التي كانت تجرى في الإطار الزمني لنظام مغلق. ولسنا في حاجة هنا للاستشهاد بالمنتجات الدوائية الإستثنائية ولا بالهندسة الجزيئية والوراثية والتلاعب بالجينات، بالرغم من أنه يتوقع لها أن تدخل في سيرورة التحكم الجديدة. ولسنا بحاجة للتساؤل عن أي نظام هو الأشد قسوة وأي نظام هو الأكثر تسامحا، إذ أن قوى التحرر والاستعباد تتواجه داخل كل نظام منهما. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بأزمة المستشفى بوصفها بيئة تطويق وعزل، يمكن لعيادات الأحياء السكنية ودور العجزة، ودور الرعاية النهارية أن تعبر في البدء عن حرية جديدة، ولكن يمكن لها أن تتشارك أيضاً ميكانيزمات التحكم التي تمارس في أعتى الزنازين. لسنا بحاجة، إذاً، لأن نرجو أو لأن نجزع، وإنما فقط لأن نبحث عن أسلحة مقاومة جديد.
 
  1. المنطق
المحابس أو فضاءات التطويق والعزل المختلفة التي يمر الفرد، على مدار حياته، من خلالها هي متغيرات مستقلة عن بعضها البعض: ففي كل مرة يدخل فيها المرء فضاءً جديداً يتعين عليه أن يبدأ من الصفر، وبالرغم من وجود لغة مشتركة بين هذه الأماكن جميعها، إلا أنها لغة تماثلية[8]. بينما على الناحية الأخرى، ميكانيزمات التحكم المختلفة هي متغيرات متلازمة لا تنفصل عن بعضها البعض، تُشَكّل نظاماً من الاتحاد المتنوع،[9] وهو نظام ذو لغة رقمية[10] (وهو ما لا يعني ضرورة أنها لغة رقمية ثنائية[11]). إن فضاءات التطويق والعزل بمثابة قوالب صب متمايزة، ولكن ميكانيزمات التحكم بمثابة تعديل، معايرة، قالب صب واحد ولكن يغير شكله باستمرار من لحظة إلى أخرى، أو غربال تتغير شبكة عيونه من مرحلة إلى أخرى.
يتضح ذلك بجلاء في مسألة الأجور: لقد كان المصنع  عبارة عن جسد يبقي على قواه الداخلية في حالة توازن: أعلى إنتاج ممكن بأقل أجور ممكنة؛ ولكن في مجتمع التحكم، قد حلت الشركة محل المصنع، والشركة بمثابة روح، غاز.[12] بالطبع قد عرف المصنع نظام الحوافز والمكآفات، ولكن الشركة تعمل، على نحو أكثر عمقا، على فرض التعديل على كل أجر، لتخلق حالات من شبه الاستقرار الدائم تُنتَج من خلال التحديات والمنافسات والجلسات الجماعية الهزلية على نحو مفرط.

فلو كانت برامج الألعاب التلفزيونية الأشد حمقاً تحظى بنجاح كبير فما ذلك إلا لكونها تعبر عن وضع الشركة بدقة كبيرة. يشكل المصنع من الأفراد جسداً واحداً أمام المصلحة المزدوجة لصاحب العمل الذي يستقصي عن أي عضو بين الجماهير أو النقابات يحشد للمقاومة الجماعية؛ بينما تقدم الشركة باستمرار أشد المزاحمات رعونة فيما بين الأفراد على أنها شكل صحي من أشكال المنافسة، قوة تحفيزية ممتازة تؤلب الأفراد ضد بعضهم البعض، تسري فيما بينهم وتقسمهم. إن المبدأ التنظيمي "الأجر وفقاً للاستحقاق" قد نجح في إغراء العملية التعليمة نفسها؛ ففي واقع الأمر، كما أن الشركة قد حلت محل المصنع فإن التدريب الدائم ينحو لأن يحل محلالدراسة، والتحكم المستمر ينحو لأن يحل محل الإمتحان. وتلك هي الطريقة المثلى لتحويل المدرسة إلى شركة.
في المجتمعات الانضباطية كان المرء يبدأ دوما مرة ثانية (من المدرسة إلى الثكنة، ومن الثكنة إلى المصنع)، بينما في مجتمعات التحكم لا ينتهي المرء أبدا من أي شيء ــ فالشركة، النظام التعليمي، الخدمة العسكرية تتجاور داخل نفس ميكانزم التحكم. في المحاكمة، قام كافكا، الذي قد وضع نفسه بالفعل عند النطقة المحورية بين نوعين من التشكلات الاجتماعية، بوصف الأشكال الأشد هولا للقضاء. إن البراءة الظاهرة للمجتمعات الانضباطية (بحيث يكون المرء بين حكمين)، والتأجيلات اللانهائية لمجتمعات التحكم (التى تتنوع على نحو متواصل) هما ضربان مختلفان جدا من ضروب الحياة القضائية، وإذا ما كان قانوننا يبدو مترددا، يبدو مأزوما في نفسه، فما ذلك إلا لأننا نغادر أحد الضربين في سبيل الدخول إلى الآخر. إن المجتمعات الانضباطية لها قطبان: التوقيع الذي يعين الفرد ويحدده، والرقم أو الترقيم الإداري[13] الذي يؤشر على موقعه أو موقعها ضمن جمهور ما.

وهذا لأن المجتمعات الانضباطية لم تر أبداً أي تضارب بين الأمرين، فالسلطة فيها تفردن وتُجمّع في الوقت عينه، فهي تُشكّل أولئك الذين تمارس عليهم فعلها ليكونوا بمثابة جسد واحد، ولكنها أيضا تصوغ فردانية كل عضو من أعضاء هذا الجسد (لقد رأي فوكو أصل هذه المهمة المزدوجة في السلطة الرعوية للقس ـــ على القطيع ككل وعلى كل حيوان فيه ـــ ولكن السلطة المدنية تحركت بدورها، وبطرق مختلفة، لتجعل من نفسها "قسا" علمانيا). ولكن في مجتمعات التحكم، على الناحية الأخري، لم يعد التوقيع أو الرقم هو المهم وإنما الكود: الكود هو كلمة مرور،[14] بينما كانت المجتمعات الانضباطية تُنظم بـكلمات سر[15] (من وجهة نظر الدمج كما من وجهة نظر المقاومة). إن اللغة الرقمية للتحكم مكونة من أكواد تسمح بالوصول إلى المعلومات أو تمنعه. إننا لم نعد نتعامل مع الزوج فرد/جمهور. لقد تحول الـ individuals  إلى "”dividuals،[16]وجماهير، عينات، بيانات، أسواق أو "بنوك".

وربما النقود هي أفضل ما يعبر عن التمايز بين المجتمعين؛ فالمجتمعات الانضباطية أحالت دوما على النقود المسكوكة المربوطة بمعيار الذهب، بينما تتعلق مجتمعات التحكم بمعدلات التبادل الحرة، وتتعدل وفقا لسعر صرف مجموعة من العملات الأساسية. إن الخُلد هو الحيوان المالي القديم لفضاءات التطويق والعزل في المجتمعات الانضباطية بينما الأفعى هي الحيوان المالي الجديد لمجتمعات التحكم.[17] لقد انتقلنا من حيوان إلى الآخر، من الخُلد إلى الأفعى، انتقال لم يتم على مستوى النظام الذي نحيا في ظله وفقط وإنما أيضا على مستوى أسلوب حياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين. لقد كان إنسان المجتمعات الانضباطية مُنتجاً للطاقة على نحو متقطع، بينما إنسان مجتمعات التحكم يتموج في مدار، في شبكة لا تنقطع. ففي كل مكان قد حلت الركمجة (ركوب الأمواج) محل الرياضات القديمة.
 
 
كذلك فإن لكل نوع من أنواع المجتمعات نوع الآلات الذي يتماشى معه بسهولة (فكل نوع من هذه الآلات يعبر عن الأشكال الاجتماعية القادرة على إنتاجه واستخدامه) فمجتمعات السيادة القديمة استخدمت آلات بسيطة: الرافعات، البكرات، ساعات الدوام؛ بينما المجتمعات الانضباطية الأحدث زودت نفسها بآلات تستخدم الطاقة،  آلات معرضة لنوع سالب من المخاطر وهو عدم الكفاءة ولنوع موجب وهو التخريب؛ أما مجتمعات التحكم فإنها تستخدم نوعا ثالثا من الآلات، وهو أجهزة الكومبيوتر، والتى تتعرض لنوع سالب من المخاطر وهو التشويش ولآخر موجب وهو القرصنة والفيروسات. هذا التطور التكنولوجي لا بد أن يكون، وربما على نحو أكثر عمقا، طفرة في الرأسمالية، طفرة مشهورة ومألوفة لنا بالفعل، والتي يمكن إجمال القول فيها كالآتي: لقد كانت رأسمالية القرن التاسع عشر رأسمالية تركيز لرأس المال، رأسمالية من أجل الإنتاج، من أجل الملكية. ولذلك قد أقامت المصنع كفضاء تطويق، حيث يكون الرأسمالي هو مالك وسائل الإنتاج ولكنه، أيضا، وعلى نحو مطرد، مالك فضاءات التطويق الأخرى بالقياس (منزل أسرة العامل، المدرسة). وبالنسبة للأسواق فإنها تُغزى بالتخصيص في بعض الأحيان وبالاستعمار في بعض الأحيان، وبتقليل تكلفة الإنتاج في أحيان أخرى.

ولكن في الوضع الحاضر، لم تعد الرأسمالية منخرطة في الإنتاج الذي يُقصى، غالبا، إلى بلدان العالم الثالث، حتى الأشكال المعقدة منه كإنتاج المنسوجات أو المعادن أو البترول. إنها رأسمالية إنتاج من طراز أعلى، إنها لم تعد تشتري المواد الخام ولم تعد تبيع المنتجات النهائية: إنها تشتري المنتجات النهائية ناجزة أو تشتري المنتج مجزء وتجمعه. إن ما تريد أن تبيعه هو الخدمات وما تريد أن تشتريه هو الأسهم. وهذه لم تعد رأسمالية من أجل الإنتاج وإنما رأسمالية من أجل المُنتَج، من أجل بيعه وتسويقه. وبالتالي هي رأسمالية مشتِتة ومبعثِرة على نحو أساسي، لقد أخلى المصنع المكان للشركة. إن الأسرة، المدرسة، الجيش، المصنع لم تعد فضاءات متمايزة ومتناظرة في يد مالك معين ــ الدولة أو السلطات الخاصة ــ وإنما قد غدت أرقام مكودة ــ قابلة لإعادة التشكيل والتحويل -لشركة ليس لها الآن سوى حاملي أسهم. حتى الفن قد غادر الفضاءات المغلقة هو الآخر ليدخل في دوائر البنك المفتوحة.

أما غزو الأسواق فصار ينجز بواسطة انتزاع السيطرة عوضا عن التدريب الانضباطي، بواسطة تثبيت سعر الصرف أكثر منه بواسطة تقليل التكاليف، بواسطة تحويل المنتج أكثر منه بواسطة تخصيص الإنتاج. ومن ثمّ أتيحت الفرصة للفساد لأن يكتسب قوة جديدة. وغدا التسويق هو مركز أو قل "روح" الشركة. لقد قيل لنا أن الشركات لها روح، وهو الخبر الأكثر ترويعا في العالم. إن تشغيل الأسواق الآن هو أداة التحكم الاجتماعي، إنه يشكل السلالة الوقحة من الأسياد التى تحكمنا. إن التحكم قصير الأمد ومعدلات دورانه سريعه ولكنه أيضا متواصل وبلا حدود، بينما الضبط قد كان طويل الأمد ولكنه غير متواصل ومحدود. إن الإنسان لم يعد إنسان مُطوق ومعزول وإنما إنسان مديون. لقد أبقت الرأسمالية على ثلاثة أرباع البشرية في فقر مدقع، أفقر من أن يتم إقراضهم، وأكثر من أن يتم سجنهم: إن التحكم لن يتعين عليه أن يتعامل مع تآكلات الحدود وفقط وإنما أيضا مع الانفجارات داخل مدن الصفيح أو الغيتوهات.
 
  1. البرنامج
إن تصور ميكانزم تحكم، بالنظر إلى موضع أي عنصر ضمن بيئة مفتوحة في أي لحظة (سواء حيوان في الاحتياط أو إنسان في شركة) كما لو كان هذا العنصر محكوما بطوق إلكتروني حول رقبته، ليس، بالضرورة، ضرب من الخيال العلمي. لقد تخيل فيليكس غاتاري مدينة حيث سيكون المرء قادرا على أن يغادر شقته، شارعه، حيّه، فقط بفضل بطاقته الإلكترونية التي تفتح له حاجز ما؛ ولكن من الممكن ببساطة للبطاقة أن تُرفض في يومٍ ما أو في ساعات معينة من اليوم؛ لن يكون المهم هنا هو الحاجز نفسه وإنما الكومبيوتر الذي يتتبع موقع كل شخص (هل من المشروع له أن يتواجد فيه أم لا) والذي يجري تعديلات عامة.
إن الدراسة السوسيو-تقنية لميكانيزمات التحكم، في لحظة استهلالها هذه ينبغي أن تكون حاسمة وأن تصف ما  يحل الآن، بالفعل، محل فضاءات الضبط التي يُعلن في كل مكان عن أنها تمر بأزمة. ربما ستعود المناهج القديمة المستعارة من مجتمعات السيادة إلى الواجهة مرة أخرى ولكن بعد إدخال  التعديلات اللازمة عليها. المهم أننا في بداية شيء ما. في منظومة السجن: محاولة إيجاد عقوبات "بديلة" على الأقل للجنح الصغيرة، واستخدام أطواق إلكترونية لإجبار الشخص المدان على البقاء في البيت طوال ساعات معينة.[18] وفي منظومة التعليم: أشكال التحكم المتواصلة، التدريب المتواصل، التخلي عن البحث العلمي الجامعي، إضفاء طابع "الشركة" على كل مستويات التعليم.

وفي منظومةالمستشفيات: الطب الجديد  هو طب "من دون أطباء أو مرضى"، والذي يعين المرضى المحتملين والذوات العرضة للخطر، والذي  لا يدل بأي حال من الأحوال على الفردنة[19] ــ كما يزعمون ــ وإنما هو يستبدل الفرد أو الجسد الذي يحمل رقم بكود يشير إلى dividual  ما، مادة يتعين التحكم فيها.  وفي منظومة الشركات: طرق جديدة للتعامل مع الأموال والأرباح والبشر وهي الأشياء التي لم تعد تمر من خلال شكل الإنتاج القديم المتمثل في المصنع. هذه أمثلة صغيرة جدا، ولكنها أمثلة سوف تسمح لنا بفهم أفضل لما يعنيه القول بأن المؤسسات في أزمة، أي القول بأن ثمة نظام هيمنة جديد يتم تنصيبه على نحو تدريجي ومتفرق.

وسيتعلق أحد الأسئلة الأكثر أهمية بمسألة جدوى الاتحادات والنقابات العمالية: فمستمسكه بمجمل تاريخ نضالها ضد عمليات الضبط ضمن فضاءات التطويق المغلقة، هل ستكون قادرة على أن تكيّف نفسها مع الأوضاع الجديدة أم سيتعين عليها أن تخلي المكان لأشكال مقاومة جديدة ضد مجتمعات التحكم؟ هل بوسعنا أن نقف على الحدود الوعرة لهذه الأشكال القادمة، أن نقبض على جمرها، أن نكدر على التسويق صفو مباهجه؟ بعض الشباب يتباهون، وعلى نحو غريب، بكونهم "محفزين"؛ إنهم يطلبون مرة أخرى التدريب والتمرين المستمر. على أي حال، متروك لهم أن يكتشفوا ما الذي تريده منهم مجتمعات التحكم تماما كما اكتشف آبائهم، وبشيء من المشقة، ما الذي أرادته منهم مجتمعات الضبط. فالتواءات الحية أكثر تعقيدا من الجحور التي يخلفها الخلد ورائه.[20]

الهوامش:
[1] Disciplinary societies
[2]Spaces of Enclosure
 تقنية الضبط الأساسية في المجتمع النضباطي، حيث يتم توزيع الأفراد في أماكن منغلقة ومعزولة وقائمة بذاتها، "أماكن محمية لممارسة الرتابة الانضباطية" (المعتقل، المدرسة، المصنع، الثكنة العسكرية، المستشفى ...إلخ). راجع الضبط والعقاب: مولد السجن، القسم الثالث، الفصل الأول (م).
[3]روبيرتو روسيليني (1906-1977) المخرج الإيطالي المرموق، رائد الواقعية المحدَثة. والفيلم من انتاج عام 1952. وبطلة الفيلم هي إنجريد برجمان، والتي لعبت فيه دور سيدة برجوازية قررت، بعدما انتحر ولدها، أن تنزل إلى عالم الكادحين لتطلع على تعاسة الناس وبؤسهم (م).
[4]Societies of sovereignty
[5]Societies of control
[6] Burroughs
وليام بوروز (1914-1997)، كاتب أمريكي، و أديب ما بعد حداثي، من أعماله الغذاء العاري وثلاثية الليل الأحمر (م).
[7]Paul virilio
فيلسوف فرنسي ومنظر ثقافي معاصر. معني بالتطور التكنولوجي وعلاقته بالسرعة والسلطة، وتجليات ذلك على العمارة والفن والحرب (م).
[8]Analogical
قائمة على المماثلة والشبه (م).
[9]Variable geometry
[10]Numerical
[11]Binary
أي نظام  قائم على رقمين 0 و 1 وهو اللغة الأساسية للكومبيوتر (م).
[12]الشركة كيان أثيري غير مادي كروح مقارنة بالمصنع المادي كجسد (م).
[13]الرقم القومي، رقم البطاقة الشخصية (م)
[14]Password
[15]Watchword
الكلمة التي أفتح بها الكومبيوتر الخاص بي تسمى password  بينما الكلمة التي يتعين علي ذكرها كي أدخل إلى نادي خاص أو حفلة خاصة (كحال توم كروز في عمل ستانلي كوبريك eyes wide shut ) تسمى watchword (م).
[16]أنثروبولوجيّا،  الفرد، الـ individual عبارة عن ذات (أو شخص) غير قابلة للانقسام. أي أنه يشير  إلى شيء من قبيل اللب الجوهري أو الروح لكائن بشري مفرد، لُبّ يحدد الذات ويعرفها.بحيث يؤدي أي تبديل أو محو أو تعديل لأي جزء من أجزاء هذا اللب إلى تغيير هذه الذات على نحو تام: ستغدو شخصا آخر مختلف. بينما الـ dividual، على النقيض من ذلك، يشير إلى ذات قابلة للإنقسام، تتكون من أجزاء (أبعاد، جوانب) متعالقة ولكنها مستقلة جوهريا عن بعضها البعض ويمكن فصلها عن بعضها البعض. الفرد عبارة عن فاعل اجتماعي مستقل، مؤلف أفعاله، بينما الـ dividual عبارة عن فاعل اجتماعي تابع، لا يؤلف أفعاله بنفسه وإنما يؤدي سيناريو مكتوب له. الفرد فاعل حر بينما الـ dividual فاعل محكوم بالبنى الاجتماعية والثقافية (Smith, Carl (2012). From dividual and individual selves to porous subject. The Australian journal of anthropology, vol. 23, p. 53). ووفقا لدولوز، فإن الفرد هو ذات المجتمعات الانضباطية بينما الـ dividual  هو ذات مجتمعات التحكم. وللأسف شق عليّ أن أجد مقابل عربي وفي لمضامين هذا المفهوم الدولوزي (م).
[17]الخُلد يحفر أنفاق بينما الحية تتلوى على سطح الأرض (م).
[18]كحال ليوناردو دي كابريو بعد نكبته في فيلم مارتين سكورسيزي the wolf of wall street. (م).
[19]Individuation
[20]سبق واستخدم دولوز هذه الاستعارة لوصف المجتمعين: الخلد الذي يحفر الأنفاق كاستعارة على المجتمعات الإنضباطية، والحية التي تتلوى على سطح الأرض كاستعارة على مجتمعات التحكم. (م).

 طارق عثمان:
باحث ومترجم مصري، متخصص في العلوم الاجتماعيّة. ترجم "حاوي الثورة المصريّة" لوالتر أرمبرست، و"ما هي الشريعة؟" لوائل حلاق. كما ترجم عشرات الأوراق العلميّة المنشورة إلكترونياً. بالإضافة إلى مقالاته وأبحاثه التي تركز على السوسيولوجيا وعلم النفس والإرهاب والدولة الحديثة.