قصائد مختارة للشاعر باولو بوتزي

أبريل 05, 2018 اضف تعليق




باولو بوتزي في سطور:

شاعرٌ وكاتبٌ إيطاليٌّ، وُلِدَ في ميلانو في 15 شباط/ فبراير 1874، وماتَ فيها في 18 شباط/ فبراير 1956. بعد حصوله على الإجازة في علم القانون، عملَ لبقيَّةِ حياته في الهيئةِ الإداريَّة لمقاطعةِ ميلانو حيث عُنِيَ بالكثير من المشاكل الاجتماعيَّة التي كانت سائدةً في وقتِها، كالحُصاف (البلاغرا).

بدأ نشاطَه الأدبيَّ بكتابةِ مسرحيَّةٍ في عام 1886 ونصٍّ أوبراليٍّ في عام 1907؛ كما غامر بنشر مجموعةٍ من القصائد اللهجويَّة بعنوان "مَهد فارغ" ليختتم مرحلةَ المبتدئ هذه بأشعاره الغنائيَّة "أناشيد ليوبارديَّة".

بعد تعرُّفه بمارينِتِّي انضمَّ بوتزي الشَّابُّ بحماسٍ إلى الحركة المستقبليَّة وكان في عام 1905 من بين أولئك الذين ساهموا في تأسيس مجلَّة Poesia الشَّهيرة، وقد اشترك في أوَّل مسابقةٍ أدبيَّةٍ أعلنت عنها هذه المجلَّة بقصيدةٍ نثريَّةٍ طويلةٍ عنوانها "المنفى"، ليحصدَ الجائزة. كانت مجموعته الشِّعريَّة "طائرات" التي نُشِرَتْ في عام 1909 أوَّلَ عملٍ مطبوعٍ له حملَ الصِّبغة المستقبليَّة. وفي عام 1912 نُشِرَتْ له عدَّة قصائد ضمن أنطولوجيا "الشُّعراء المستقبليُّون"، تلتْها في عام 1915 روايته "الإهليلجيُّ واللولبيُّ".

في السَّنوات اللاحقة انكبَّ بوتزي بين 1915-1918 على تأليف ملحمتِه "حرائق"، وهي مذكَّراتٌ عن الحرب العالميَّة الأولى لم تُنشَر حتَّى عام 1963، أي بعد وفاتِه. من مجموعاته الشِّعريَّة الأخرى نذكر: "أشعارٌ حرَّة" 1913؛ "أغنيةٌ جميلة" 1916؛ "أيُّها الشَّعب، أنشِدْ هكذا!" 1920؛ "قصيدةُ بلوغِ الأربعين" 1922؛ "أغانٍ للكنائس الخاوية" 1930.

 *   *   *

النُّصوص:

[من مجموعة "طائرات (1909)"]

مساءٌ عاصف



السَّماءُ دخانٌ أسودُ يتقلَّبُ، وينتكثُ، ويهيجُ

كزفيرِ النَّار. عجلاتٌ من الرَّماد

تطوي الحقلَ اللانهائيَّ: لُجَجٌ من مُغرةٍ وسُخامٍ

تتكاثرُ وتتلاطم.

كلُّ شيءٍ ينخزلُ كمثلِ بحرٍ كئيب.

البيوتُ تشحبُ متلوِّعةً فوق الجبال،

تُبِينُ عن ألفِ عينٍ من وراء الجفون المغلقَة.

البروقُ ورديَّةٌ

كأنَّها الاصطفافُ العابرُ لأرجلِ الرَّاقصات

في الخطوة الختاميَّة.

الصَّواعقُ أفاعٍ خضراء وبنفسجيَّة.

كثيراً ما يكون لها عروقُ دمٍ في الرَّأسِ، والذَّيل. مشهدُ

الجبال البعيدة توارى.

الجبالُ القريبةُ هي البعيدة. إنَّها المسافةُ تكمُدُ.

هي ذي الجبالُ توارَتْ.

صخرةُ دولوميتٍ ترفعُ، وحدها، ذروتها السَّاطعة،

تتركُها مشدودةً في أغنيةِ الظَّلام.

كلُّ المياه هطلَتْ،

رذاذاً، شظايا، سِهاماً، وشعائلَ نارٍ نشوانة.

الطُّيورُ تولِّي فِراراً من العيون المتَّقدة لقِطاطٍ ارتقَتِ الأشجار:

القِطاطُ تولِّي فِراراً من بروقٍ كأنَّها وشائعُ نار:

أوراق الشَّجر ترتعشُ مدى الكون.

وأنا أستكينُ

لكلِّ الأنهارِ المظلمة، أنهارِ نفسي التي تفيض.

*

غجَر



لعلَّها الحياةُ الحقيقيَّة.

العربةُ الملوَّنة،

الخيولُ البرِّيَّةُ المنقادَة، المنتشيةُ بالرِّيح،

البناتُ الجميلاتُ في أسمالهنَّ،

ولائمُ التَّخييم المستتِرة تحت النُّجوم،

دروبُ العالَم البيضاء.

سأعودُ إلى حبسيَ المكين

حيث أنا الآمرُ

والمأمور:

سأطلِقُ من الغضبِ عنانَ أمهاريَ الفِكريَّة

على درب الحُلُم، ميِّتَ القلب، في المساءات المتعَبة:

ولأجل الحبِّ

سأستعطي مَن تتسوَّلُني في ظلمةِ أحدِ الشَّوارع.

أدفعُ ثمنَ الجسد بيدٍ كأنَّها اليدُ

التي تستعطي الصَّدقةَ لا التي تُعطيها.

وحياتي

شبكةُ مجارٍ عامَّة

حيث لا يشعُّ شيءٌ سوى عين الفأر.

ها أيُّها الغجر، اسلخوني حيَّاً، على السَّفُودِ اشووني

بين جذعَي شجرتين!

أنا ابنُ حضارةٍ بائسٌ   

يعشق البربريَّة.

*

[من مجموعة "أشعارٌ حُرَّة (1913)"]



النَّوم



غنَّيتُ الحربَ.

مُحاربٌ نهاريٌّ أنا:

الأفجرُ، والظَّهيراتُ، والمغاربُ تنفخُ لي في أبواقِها.

ولكن دعوني أغنِّي النَّومَ أيضاً

بعدَ المساء!

أحبُّ النَّومَ.

أحبُّ الليلَ والعيون مُغمَضَةٌ.

نائماً أريدُ أن أحيا حتَّى الممات.

لكنيستي إلهان

كِلَيهما أعبُدُ.

الشَّمسُ، والنَّوم.



بعد لذَّاتكنَّ التي أسبغتنَّ عليَّ،

يا نساءَ الجسد، يا موسيقاتِ الخيال:

بعد أن عشتُ نهارَ الغوَّاصِ المُعتِمَ

والثَّقيلَ في قاعِ البحر،

وأكلتُ خبزَ الفئران الرَّماديَّ

الذي بطعمِ قرطاسٍ رماديٍّ،

هأنذا، في المساء، وادعاً، وهادئاً، وواهناً

أحني،

كشيخٍ سكرانٍ،

على الفِراشِ جسدَ لاعبِ قوى إغريقي،

وعلى الوسادةِ رأسَ موسيقيٍّ وشاعر.

لا أحدَ بعدئذٍ يراني ويسمعني ويتفحَّصُني ويحبُّني ويكرهني.



السَّريرُ هو العرش.

إنَّني على قمَّةِ نفسي،

مع ضوئيَ الأخير الذي ما يزال متوقِّداً:

أنا بين الذِّراعين الشَّهويَّتين

لروحي. أحبُّ روحي

وقد بودِلْتُ الحبَّ. كنتُ أقرأ، مِن قبلُ،

على نور ذُبالةٍ، كتبَ الحبِّ.

اليومَ، لا أقرأ إلَّا كتابَ روحي،

في ضوءٍ أسودَ،

كتابَ فنِّ حُبِّ الذَّات.

أوه أيُّها الشَّطحُ في فردوس الظِّلال!

بلا أشباحٍ، وبلا مخاوفَ، وبلا لدغاتٍ في العروق.

دافئٌ أنا ووحيدٌ وعارٍ وصامتٌ وهامدٌ ومُسالم.

في الخارج،

عشَّاقُ الليل بعيونٍ مفتوحةٍ يتعذَّبون تحت المصابيح.



أوه أيُّها النَّوم! ما أُمضيه فيك

والذي هو بمقياسك قرونٌ، أجهلُ أنا كُنهَهُ.

لَكأنَّني أحيا

على قمَّة الشَّهوة الأصليَّة؛ لَكأنَّني

أتموَّجُ على هُوَىً سائلة،

هُوَى الوعي البشريِّ الغابر: لَكأنَّني

أجري خارجَ عجلاتِ السَّماوات المرئيَّة.

حدائقُ مِن أزهارِ رمادٍ، حدائقُ ماءٍ في الصَّمتِ

تمسُّ

قدميَّ الطَّريَّتين مسَّ القطنِ المندوف.

نشوتي الصَّادقة مكمنُها القلب.

شمسُ سعادةٍ كاملةٍ تتخلَّلُ

أضلُعي: ها أنا أشعُّ ملايين الأقطارِ

السَّائبة تماماً، والخافتة، والعديمة اللون، والجذلى.



ربَّما أصيرُ الآن

جنينَ نفسي. أحيا

في الخواء الكلِّيِّ المقفَل. مخلوقٌ آخرُ

مهولٌ وقاهرٌ يلفُّني، يغذِّيني، ويحضنني.

بي شهوةٌ بعيدةُ المنالِ

لأن أكون اللحمَ لجسد،

لأن أهتزَّ

في النَّبض الدَّخيلِ المطعَّمِ بعذوبةٍ بنبضي.

أوه أيُّها النَّوم! أنتَ بيتيَ الأجمل،

أنتَ قصريَ الملكيُّ المحتَّم،

أنتَ سريرُ زفافيَ الفرديُّ المعَدُّ 

لأفكاري الوارثةِ مملكةَ الأشباح!

أوه أيُّها النَّوم! أيُّها المجدُ الشَّامخُ على عرشِ

جلالتي المُغرِبةِ في سكينتها.



عاطفتي محقتُها  

بيديَّ، باليدين النَّاحلتين

لشاعرٍ عاطفي.

رغبتي محقتُها خنقاً

في جسدي الطَّويل، المتروكِ مائتاً في رُقادِه.

محقتُ وعيي:

عيناي تبصران هاويةَ الباطن،

وتسمعُ أذنايَ

أوركسترا كلِّ الرَّغبات التي تتهاوى.

محقتُ قاطرةَ نفْسي:

دونما صفيرِ ألمٍ، صمتَتْ

متوقِّفةً تحت سقفِ ما تصوَّرَتْهُ محطَّة.



أهذا هو الموتُ،

لا أدري. ربَّما هو شبيهُه.

ربَّما الحياة هي هذا:

والموتُ هو الشَّيءُ الآخر، هو ذاك

الكابوسُ النَّهاريُّ العموديُّ، المتيقِّظُ الحواسِّ، في الشَّمس.

يقيناً، أُحِسُّني وُلِدْتُ

فاتحاً عينيَّ على غبطةِ موتٍ شهيٍّ سهلِ المنال:

ولَكَم أشتهي

لو أنَّ طعنةَ السِّلاح الأبيض للفجر

لا توقظني بعد اليوم على عذاب الحركة!

كراهيتي تبدأ مع صياحِ الدِّيك.

أكره الأحلامَ فائقةَ الغموض

التي ترقِّقُ الليلَ العقليَّ فوق الفجر.



أكرهُ. وأصابعي تحاولُ أن تمزِّقَ 

أخمرةً بيضاً،

أن تقطِّعَ لحماً ورديَّاً،

وتُغرِقَ بحبر الأخطبوطِ الدَّمَ الغزيرَ الحارَّ، دمَ

الأشباحِ الأنثويَّةِ التي تتعقَّبني.

مِن أين أتيتِ، يا تهيُّجاتي

الرَّائعة؟ مَن يحثُّكِ على إغوائي؟

مِن سماءِ أيِّ هاويةٍ

ينبجسُ نبعُكِ الدُّوَّاميُّ المُريع؟

أوه أيُّها النَّوم، أيُّها الإلهُ الخبيثُ الذي ينبذُني،

متى

تؤويني في معبد المعابدِ، معبدِك،

في فردوسِ الفراديس، فردوسِك؟ متى  

تكفُّ عن العودةِ إلى عينيَّ

الأحلامُ والشَّمسُ والأشياءُ والنَّاسُ والميدوسات؟



متى؟ أو، ربَّما، ألَّا ننامَ

أبداً، ألَّا ننامَ، ربَّما، أبداً، هو

القانونُ الأكيدُ، حتَّى بالنِّسبة إلى الموتى، هو فحسب.

ستنامُ، ساعتئذٍ، في غسقِ ذاتِكَ

الأخير: سيكون عذباً وجارفاً،

ثقيلاً وخفيفاً، قصيراً وطويلاً، السُّباتُ بعدئذٍ.

ستستفيقُ (كما في نهايةِ ليلةٍ قصيرةِ السَّاعات)

بعدَ ألفيَّةٍ، من مرقَدك في كوكبٍ إلى مرقَدٍ في كوكبٍ آخر.

ومرَّةً أخرى ستحيا، لتَعبُرَ دربَكَ الأبديَّة،

أو العظمى، أو المتوسِّطة، أو الصُّغرى، لا فرق،

متنفِّساً هواءَ الغموضِ الفاسدَ.

*

الأظفار



أحبُّكِ في الرُّضَّع،

بيضاءَ، طريَّةً، صغيرة

كأوَّلِ البتلات

في زهرِ الإجاص:

مثنيَّةً

في مستهلِّ الأحلام،

تريدُ الإمساكَ

ليس إلَّا بنُدَفِ

ثلجِ عالَمِ النِّسيان

أو بالجبل الورديِّ

للثَّدي المرضِع

الذي يخبِّئ لهمُ العالَمَ.

إناثٌ، ذكورٌ؟

من يستطيع التَّخمين؟

أظفارُ الطُّفولةِ في أقمطتِها

هي الطُّفولة نفسُها في قماطِها.

لا جنسَ لها.

وكلُّ ندفةِ ثلجٍ

كلُّ قطرة حليبٍ

تسقط كاللؤلؤ عليها

جديرةٌ أن تصوغَ،

بيدِ ملاكٍ صغيرٍ،

زهرةَ النَّقاء الفردوسيَّة.



أحبُّكِ في النِّساء:

نِصالاً قرنيَّةَ الشَّكل: تستطيعين

الخمشَ حتَّى الإدماء: تستطيعين

أن تَشِمي بألف علامةٍ بربريَّةٍ

الجسدَ المناوئَ العاشق.

وتلك الهُلَيلاتُ عليكِ، البيضاءُ

بياضَ ابتسامةٍ ألماسيَّة، تعرفُ

متى تتلظَّى بنسغِ ياقوتٍ  

إذا ما اخترقتِ عميقاً من الغيرةِ يوماً

العنقَ الإبليسيَّ لخائن.

البشرةُ الورديَّةُ الباردة تنعكسُ

في شُدُفاتِكِ

كأنَّها الجلدُ الوحشيُّ السَّاخنُ لهنديٍّ أحمر.

تُسكِرُني العطورُ المتراكزةُ

لسطوحِكِ الكأنَّها بلَّورُ قناني عطرٍ منزوعةِ السِّداد:

والأقواسُ الطَّرفيَّةُ الصَّافيةُ والشَّاحبةُ والمسنَّنة

كمناقيرِ بُوماتٍ صُفرٍ

أعبدُها، فلو على مخرطةٍ برقيقِ المباردِ والمَراودِ

راحت الأناملُ لساعاتٍ وساعاتٍ            

بصبرٍ تشكِّلُكِ لتلصَّصتُ عليكِ

من النَّافذة المقابلة

حيث يقف رجلٌ يكرهُ المرأة ومع ذلك يلتهمُها بعينيه.



وأحبُّكِ يا أظفاري، أنتِ البرَّاقة

في ذؤاباتِ يدَيَّ هاتين، يدَي الموسيقيِّ والشَّاعر،

أحبُّكِ يا شُعَلاً صغيرةً صُلبةً وناحلة

فوق هذه الشُّموع الغريبة

شموعِ أصابعي المشتعلةِ على الدَّوام أعياداً.

كلَّما أنشأتُ أكتبُ

اشتعلتِ متلألئةً، ومضاعَفةً

عندَ الغُرزةِ الأشدِّ احليلاكاً للقلم.

أنتِ الضِّياءُ، أيَّتها الأظفار،

الضِّياءُ الذي ظِلُّهُ نصلةُ الحبرِ السَّوداء.

وإذا لمستُ مفاتيحَ الهاربسيكورد

- الصَّديقِ الإلهيِّ الدَّائمِ

لعزلاتي الدَّائخة-

مالأتِ سرَّ اللمسةِ الطَّريَّةِ

لأناملي، أنتِ يا مضارب قيثاريَ العشرةَ

التي بها ألامسُ الأوتارَ التي

تربطُ أوصالَ روحي

بطحالب اللانهائيِّ الحسِّيَّةِ

الأكثر عمقاً.



وأحبُّكِ في المجانين:

في المجانين الذين يقصُّونكِ ويحتفظون بكِ

في كثيرٍ من اللِفافاتِ الثَّمينة:

ويقتلُ أحدُهم الآخرَ

الذي سرقَ منهُ مغلَّفاً فيهِ

تلك البقايا

العظميَّة

الصَّغيرة

والرَّقيقة.

مَن منَّا فكَّرَ يوماً

بمصائرِ الأظفار المقصوصة؟

أين تسقطُ؟

مَن يُتلفها قضماً؟

أليست هي أجزاءَنا الصُّغرى؟

أليست تربيعاتِ قمرٍ ناحلةً

نمَتْ مع مدِّ النَّهارات؟


ويقولون

إنَّه حتَّى عندَ الموتى

تنمو تحت التُّراب الأظفارُ:

أظفارٌ سعيدةٌ، حُرَّةٌ،

لن يقصَّها أيُّ مقصٍّ هناك.  

[اختارها وترجمها عن الإيطاليَّة: أمارجي] 

مشروع مذكرات

أبريل 04, 2018 اضف تعليق


من الآخر (من الذاكرة)

كان في إجازة.
في الرابع من حزيران عام 1982 بدأ القصف الإسرائيلي على أرنون وبقية المواقع العسكرية للقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية في الجنوب وبيروت.
قطع إجازته وعاد إلى مركزه العسكري الذي كان مسؤولاً عنه. هو موقع مدفعية يضم حوالي عشرين عسكرياً ومدفعاً من عيار 130 ملم، إضافة إلى مدفع آخر من عيار 76 ملم.
كان هذا المركز قد أنشئ قبل حوالي نصف سنة من تاريخه. موقع معزول في مرتفع مطل في منطقة إقليم الخروب، يسمى القريعة، وهو ربما الموقع الوحيد الذي لم يتعرض لقصف الطيران الإسرائيلي قبل ذلك بفضل التمويه الكبير الذي كان معتمداً، بسبب الحرص على عدم ترك أي أثر يمكن أن يصورة الطيران، من علبة السجائر إلى الأسلحة التي كانت مموهة بأشجار القندول، والخيم المنصوبة تحت أشجار الصنوبر المعمرة.
أول ما قام به هو تحضير الإحداثيات لأهداف محتملة. المدى الأقصى الذي يمكن أن تصله قذائف المدفع 132 كانت منطقة مرجعيون.
في النهار كان التدبير المعتمد هو انتشار العسكريين بعيداً عن الموقع تحسباً لاكتشاف المربض وقصفه من الطيران. وفي الليل كانت الحراسة تحسباً لإنزال ما..
على أجهزة اللاسلكي كان يتم رصد الكثير من المكالمات العبرية.
مرّ اليوم الأول واليوم الثاني. في ليل اليوم الثاني حضر إلى الموقع النقيب ع. ط. المسؤول عن قطعات المدفعية، وهو ضابط سابق في الجيش اللبناني.
تم إخباره بأن المدرعات الإسرائيلية في تلك الأثناء كانت على طريق عام مرجعيون، وهي طريق كان قد تم التحضير لها مسبقاً كهدف محتمل. وافق النقيب على ضرب تلك الطريق. وقبل أن تبتعد سيارته عن المكان، بدأ تنفيذ الأمر بإطلاق حوالي عشر قذائف من رصيد كان لا يتجاوز الخمس عشرة منها، ثم تم تمويه المدفع من جديد بشكل جيد.
في صباح اليوم التالي، تم تنفيذ الاجراءات المتبعة: الانتشار بعيداً عن المربض، مع توزيع بعض الذخائر الاحتياطية الإضافية. تم الانتشار في منطقة وسيطة بين المربض وموقع عسكري آخر يبعد بضعة كيلومترات من المكان.
الاندفاعة الإسرائيلية كانت سريعة ضمن خطة ما. كانت بعض الجيوب المقاوِمة تُترك ويتم تجاوزها والاندفاع نحو الأمام. بدأت أصوات طلقات تسمع في مكان يبعد حوالي الكيلومتر الواحد عن مكان انتشار المقاتلين. الخطوة التالية كانت في الانتقال إلى المركز العسكري التالي، وهي خطوة كانت ملحوظة مسبقاً بسبب وجود الموقع الأول في منطقةٍ حرجية معزولة دون وجود التموين الذي كان يتم إحضاره إلى المكان بشكل يومي. والسلاح الذي كان موجوداً في الموقع الأول يقتصر على مدفعين والأسلحة الفردية.
لكن الموقع البديل كان خالياً تماماً. 
تم التوجه شمالاً عبر بساتين الزيتون، حيث كانت هناك مجموعة من بعض القوى الصديقة منتشرةً في المكان. شعر مسؤول المجموعة بخور في قواه، وتذكر أنه لم يذق الطعام منذ يومين. كان لدى المجموعة الصديقة في المكان بعض اللحوم المعلبة، فتح إحدى معلبات اللحم البقري وتناول بهضها قضماً لعدم وجود الخبز، مما سمح له باستعاد قدرته على السير، ثم قرر التوجه سيراً نحو المواقع المركزية في بيروت، مستعيناً بخارطة طبوغرافية وبوصلة لتحديد الاتجاه المناسب.
حوالي الخامسة عصراً، وصل الجميع إلى منطقة فيها موقع عسكري يضم بضعة مدافع من عيار 130 ملم، (ربما ثلاثة أو أربعة مدافع)، الموقع كان خالياً. لا يمكن تحاشي الموقع. يجب معرفة المنطقة ومعرفة الطرف صاحب الموقع العسكري. كان هناك احتمال أن يكون الموقع لإحدى قوى الخصوم. الحذر كان مطلوباً، والتعب والإنهاك لا يسمحان بالالتفاف والابتعاد عن الموقع لمتابعة المسير.
طلب من المجموعة المرافقة (وهي كانت قد انقسمت إلى مجموعتين في بداية الرحلة) الانتشار بشكل قتالي حول الموقع، ثم دخل هو إلى الموقع، إلى إحدى الخيم المنصوبة في المكان. كان يبحث عن نشرة سياسية أو أي أثر يدل على الهوية السياسية لأصحابه.. لكنه لم يجد شيئاً.
كانت هناك علبة من راحة الحلقوم تناول بعضاً منها على جوع.
الموقع كان قبالة قرية تبعد حوالي أقل من الكيلومتر الواحد، دخوله إلى الموقع كان مراقباً، فحضرت إلى المكان سيارتان عسكريتان.
اقترب من السيارة الأولى وتفحص في مستقليها وشاهد شعارات أحد الأحزاب اليسارية على ملابسهم العسكرية، فأشار إلى المجموعة المتمركزة بالحضور. صعدت المجموع في السيارات وانطلق الجميع نحو القرية. طلب من المجموعة تأمين سلاحهم بعد أن كان مهيئاً للاستخدام. وبالرغم من حصول ذلك، فقد بدا الخوف على أفراد المجموعة الصديقة وتكرار الطلب بتأمين الأسلحة ..
عند الوصول إلى المركز الحزبي للقوة المذكورة، تبيّن أنها تعج بالقوات المنسحبة وكان ذلك المركز محطة في الطريق إلى بيروت.
كانت تلك القوة الصديقة تخبر الجميع بأن الإسرائيليين على مداخل البلدة، وبأن على الجميع تسليم سلاحهم وارتداء الثياب المدنية قبل متابعة طريقهم نحو بيروت من معبر جسر القاضي..
كان أمراً مفاجئاً إلى حد كبير، رغم أن أحوال من وصلوا إلى المكان لم تكن تسمح بالكثير من الأحاسيس، التي يمكن أن يفكروا فيها لاحقاً، أما في تلك اللحظة فكان الإرهاق والبحث عن التقاط النفس هو السيد.
مع الإشارة إلى أن مسؤول المجموعة "المهاجرة" كان قد اقترح على القوات الصديقة بعد وصول السيارتين العسكريتين إلى المكان بالبقاء معهم في الموقع، كون المجموعة "المهاجرة" متخصصة في هذا النوع من المدفعية، فكان الجواب أن لا حاجة إلى ذلك، وبأن الإسرائيليين يطوقون المكان.
تم تسليم الأسلحة في المركز المذكور بناءً على محضر تسلم وتسليم، باعتبار أن المسألة مؤقتة، أو هو ربما بسبب اعتياد هذه التدابير العسكرية. تسلم وتسليم السلاح بالأرقام وبالتفاصيل.
تمت المغادرة من جديد، ولم يكن هناك أسرائيليون على الطريق رغم طول المسير. هل هي خدعةٌ إذاً. لماذا تريد تلك القوة الصديقة الحصول على سلاح المقاتلين المنسحبين الفردي إذا لم يكن هناك قوات إسرائيلية على المداخل؟
ولماذا بقي هذا الموقع المكشوف بمدافعه المكشوفة أيضاً دون استهداف الطيران رغم استهداف كل المواقع المشابهة في أماكن أخرى؟ أسئلة بدأت تخطر في البال.
كانت أرتال المنسحبين على الطريق إلى جسر القاضي تشبه القطار الطويل الذي لا تبدو نهايته.
وفي منطقة جسر القاضي، في الحادية عشرة ليلاً تقريباً، كان أحدهم يسأل: هل يوجد أحدٌ من الفصيل الفلاني؟ 
كانت والدة أحد رفاق مسؤول المجموعة قد استقلت سيارة أحد أقاربه وجاءت للبحث عنه. 
كانت جائزةً غير متوقعة. استقل صاحبنا ورفيقه السيارة وكانت وجهة سيرهم البقاع بدلاً من بيروت.
في البقاع كانت هناك أماكن تجمع تستقبل المنسحبين، يعودون أولاً إلى منازلهم للعودة إليها بعد استعادة النفس والقليل من الراحة والتحضير للمرحلة المقبلة.
وصل صاحبنا إلى منزله في الثانية بعد منتصف الليل. كان الجميع نياماً أو شبه نيام..
غداً سيكون يوماً آخر. ومرحلة أخرى. ومعطياتٍ أخرى. وإنساناً آخر. ومراجعاتٍ لا تنتهي.
خرجت قافلة النار من بيروت. وضع الأشقاء يدهم بشكل كامل على ما تبقى من البلاد، غاب هامش الخيارات عن الكثير من القوى التي كانت تتمتع به في مناطق كانت تسمح بمثل ذلك الهامش. كان عليها إما الذوبان بشكل كامل في بحر الأخوّة أو الذوبان، الذوبان فقط.
(من محطات من ذاكرة صديق)

م ح