728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 3 مارس 2018

    عيسى مخلوف... عن رامبو



    كتب رامبو في كتابه "فصل في الجحيم": "كنتُ أرسل إلى الشيطان سعف الشهداء، أشعّة الفنّ، كبرياء المخترعين، حماسة اللصوص. كنتُ أعود إلى الشرق وإلى الحكمة الأولى الأبديّة". أيّ شرق يقصد، وأيّ حكمة؟ هذا الشعر الذي هو مشروع روحي يغوص في أعماق النفس البشرية، هو أيضاً شعر الرفض بامتياز. يتجلّى هذا الرفض في نقد البنى العميقة للمجتمع ولكلّ المؤسّسات السياسية والدينية والأخلاقية السائدة.

    ضمن هذا الإطار، لا يحضر رامبو في الشعر العربي إلاّ بوصفه أفقاً مفتوحاً ومشروعاً للتغيير. يحضر كتجسيد لكتابة أخرى هي النقيض للسائد والمألوف. وإذا كان أثره في النصّ الشعري العربي لا يطالعنا، بصورة مباشرة، فهو حاضر على المستوى النقدي من خلال الإشارة أحياناً (كما عند أنسي الحاج في تصديره لمجموعته الشعرية الأولى "لن")، أو من خلال عدد ضئيل من الدراسات والأبحاث، ومن أكثرها إثارة للجدل دراسة أدونيس وعنوانها "رامبو – مشرقياً، صوفياً". نُشرت هذه الدراسة في مجلّة "مواقف"، العدد 57، عام 1989، ثمّ في كتاب "الصوفيّة والسورياليّة"، دار الساقي 1992. وكما هو واضح من العنوان، يسعى أدونيس إلى إظهار رامبو في حلّة مشرقيّة/ صوفيّة ويعتبر أنّ شعره لا يحتوي على أيّ أثر مهمّ للثقافة اليونانية، أو للثقافة "اليهودية - المسيحية"، ويستخلص أنّ تجربته فريدة داخل الثقافة الفرنسية نفسها وغريبة عن الشعر الفرنسي، وأن نصّه المفتوح على عالم التخييل والحلم والغرابة السحرية، يعارض الثقافة الغربية التي تتأسس على العقلانية المنطقية. بالنسبة إلى أدونيس، يؤكّد رامبو "ما كانت الصوفية العربية قد أكدته، تجربةً وكتابةً، في كل ما يتّصل، على الأخصّ، بتعطيل فعل الحواسّ بغية الوصول إلى حالة من الشفافية في الشخص، تخترق كثافة العالم الخارجي المادي إلى شفافيته، بحيث يسمع الشخص ما لا يسمع، ويرى ما لا يرى". يدعم أدونيس رأيه بالإشارة إلى دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواس من أجل بلوغ المجهول" والتي يعبّر عنها الشاعر الفرنسي في رسالته إلى جورج إيزامبار (13 أيّار/ مايو 1871). ومن هذا المنطلق يدعو أدونيس إلى قراءة النصّ الرامبوي بالطريقة نفسها التي يُقرأ بها النصّ الصوفي.

    غير أنّ قراءة رامبو هذه تثير تساؤلات كثيرة وتستدعي مواقف أوجزها، هنا، بثلاثة:
    أولاً: يتوقّف أدونيس عند دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواسّ". لكن هذه الدعوة، وهي بمثابة بيان شعري، تكتمل وتأخذ بعدها الأعمق في رسالة ثانية بعث بها الشاعر الفرنسي إلى بول دوميني (15 أيار/ مايو 1871)، أي بعد يومين من كتابة رسالته الأولى، وفيها أنّ "الشاعر يصير رائياً عبر تعطيل الحواسّ كلّها، تعطيلاً طويلاً، عظيماً وعقلانيّاً". هذه العبارة يمكن أن تقدّم مفتاحاًُ أساسياً لقراءة المفهوم الشعري الجديد الذي طرحه رامبو والذي لا تغيب عنه العقلانية. وهل يمكن أن ينعتق من العقلانية إذا لم تكن موجودة كمرحلة أولى، كشرط أوّلي قبل تضييعها والتخلّص منها. هكذا تبدو العلاقة هنا بين الفكر والحدس، أكثر تركيباً وتعقيداً. لا يمكن إذاً التخلّص من العقلانيّة إلاّ إذا كانت موجودة في الأساس، وتشكّل مرحلة لا بدّ منها في هذا المسار الطويل والشاقّ، في هذه الرحلة التي تسعى إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين الموجودات، بل إلى إلغائها بالكامل.
    صحيح أنّ هدف رامبو تَجاوُز الحواسّ والعقلانية، لكنّه يعي أنّ التعاطي مع هذا العامل شرط من أجل تخطّيه. فهل يمكن أن نفصل الدعوة اللاعقلانية عن محيطها العقلاني حتى ولو كانت ردّ فعل عليه؟

    ثانياً، يحاول أدونيس أن يضع رامبو في موقع خارج الثقافة الغربيّة طالما أنّ "الحدس الشعري الرامبوي، بالنسبة إليه، هو حدس صوفي ومناقض لأشكال المعرفة الغربيّة – العقلانيّة". هنا أيضاً يُطرَح السؤال حول الموقف الفكري والعلاقة مع الفكر الغربي والثقافة الغربية بشكل عام. هل يكفي رامبو أن ينتقد أو حتى أن ينقض الثقافة الغربيّة حتى يكون خارجها؟ في هذا المعنى ما هو مصير جميع الفلاسفة والمفكرين الذين انتقدوا ثقافتهم نقداً جذرياً منذ عصر الأنوار حتى اليوم، من فولتير وديدرو إلى نيتشه، وبالأخصّ نيتشه الذي انقضّ على الأسس الدينية لتلك الثقافة؟ ذلك الانقضاض أليس نقضاً للحضارة التي تسمّى خطأً، الحضارة المسيحية – اليهودية؟ لكن هل يخرجه هذا النقض من الثقافة الغربيّة أم من أحد أنساقها فقط؟ أين نصنّف كتّاباً ومفكرين وفلاسفة وأعلاماً كباراً في العلوم الإنسانية من فرويد إلى فوكو وديريدا، ومن كلود ليفي - ستروس إلى إدغار موران وميشال سار إلى سائر الذين ينتقدون النسق الغربي في التحكّم بالعالم ويحذّرون الغرب من الخراب الأكبر ويدعونه إلى تغيير هذا النسق إذا أراد الحفاظ على نفسه وعلى البشريّة جمعاء؟

    إنّ جانباً مهماً من قوة الثقافة الغربيّة وحيويتها هو في قدرتها على النقد. الروح النقدي هو إحدى العلامات الفارقة لهذه الثقافة. هكذا، لا يعود نقد البنى التي قام عليها الغرب خروجاً على الغرب بل تجاوزاً له من داخله عندما تصبح النزعة الإنسانية هي المشروع الأكبر الذي تبطل معه الحدود فيصبح عندئذ رامبو فرنسياً - غربياً بمقدار ما هو ابن هذا العالم. ولا يعود بعدها من حاجة إلى القول مع رينه شار إنّ "رامبو هو أوّل شاعر لحضارة لم تظهر بعد". من جهتها، خرجت الصوفية الإسلامية من ثقافة محدّدة وتجاوزتها، تطلّعاً وأفقاً ولغة، وصارت أيضاً جزءاً من الإرث الإنساني والكوني على السواء.

    نضيف إشارتَين، الإشارة الأولى أنّ التجربة الصوفيّة لا تقتصر على العالم الإسلامي فقط، بل تطاول العالم المسيحي الشرقي والغربي بروافده المتعددة. هناك كذلك التجربة الصوفية في آسيا، بل وفي الغرب نفسه مع أسماء كثيرة نذكر منها، على سبيل المثال، ميتر إيكارت، تيريزا الآبليّة، يوحنا الصليب، برنار دو كليرفو، أنجلوس سيلسيوس... أمّا الإشارة الثانية فهي أنّ التصوّف الإسلامي انتهى كتجربة وإبداع في القرن الثالث عشر فيما الرؤية الشعرية لا يمكن حصرها في زمن محدّد... الصوفية الإسلامية لا يمكن أن نعزلها عن فكر ديني يرقى إلى القرون الوسطى، فيما رؤية رامبو الشعريّة مفتوحة على الأسئلة والتغيُّر وتتزامن مع مرحلة فاصلة في تاريخ التقدّم العلمي والثورة الصناعيّة، وفي تاريخ الفكر أيضاً. أكثر من ذلك، لا يمكن تجريد رامبو من بُعده المسيحي. فلئن كان شعره "دنيوياً »، إذا جاز القول، وقادراً على الجمع أحياناً بين "الروحانيّة" والفجور، ولئن كان ينطوي على نقد للدين وللثقافة الدينيّة، فهو مُشبَع بالمرجعيّة الكاثوليكيّة وبالمفردات المسيحيّة، بخلاف نيتشه الذي التفت إلى ديونيزوس وإلى الثقافة اليونانيّة القديمة ككلّ.

    ثالثاً، كلام أدونيس على علاقة رامبو والصوفيّة، ألا ينطبق على الكثير من الشعراء الرائين في العالم من أمثال ريلكه وهولدرلين؟ صحيح أنّ رامبو ابتكر لغة جديدة داخل اللغة الفرنسية مثلما ابتكر الصوفيّون لغة جديدة داخل اللغة العربية، وصحيح أنّ المسالك التي لجأ إليها رامبو قريبة، في بعض مناحيها، من مسالك الصوفية، لكن التوجّه كان مختلفاً والتجربة مختلفة. كان ثمّة لقاء معها من دون أن يكون تابعًا لها بالضرورة. علاقته مع المتصوفة تصل إلى نقطة يفترق عندها الإثنان ويتّجه كلّ منهما في اتجاه مغاير. إنّها النقطة التي تعكس التباين بين الدين والدنيا، وكذلك الفرق الجوهريّ بين عبارة: "أنت أنا لا نفترق"، وعبارة: "الأنا آخر"!

    الصوفيّ بوصلتُه واضحة، هي الله الذي يمثّل "الحياة الحقيقية"، أما بالنسبة إلى رامبو، فـ "الحياة الحقيقية غائبة"…
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    2 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عيسى مخلوف... عن رامبو Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top