نعي، صبا محمود

مارس 16, 2018 2 تعليقات



رحلت صبا محمود، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في 10 آذار، 2018 بعد صراع مع مرض السرطان. كانت الأستاذة محمود متخصصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وباحثة في شؤون مصر الحديثة. ولدت في كويته، باكستان في العام 1962، ثم قدمت إلى الولايات المتحدة في العام 1981 لدراسة الهندسة المعمارية والتخطيط المديني في جامعة واشنطن في سياتل. حصلت على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة ستانفورد عام 1998، ثم درّست في جامعة شيكاغو قبل ذهابها إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي في العام 2004، حيث قامت بتدريس آخر حلقة بحث لها في خريف العام 2017. في بيركلي، وبالإضافة إلى دائرة الأنثروبولوجيا، كانت الأستاذة محمود عضواً في مركز دراسات الشرق الأوسط، وبرنامج النظرية النقدية، ومعهد دراسات جنوب آسيا (حيث لعبت دوراً أساسياً في إنشاء مبادرة الدراسات الباكستانية في بيركلي، وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة).

لقد قدَّمت محمود مساهمات رائدة في السجالات المعاصرة حول العلمانية، فاتحةً آفاقاً بحثية جديدة لفهم دور ومكانة الدين في الحياة العامة، ومتحدية عدداً من الافتراضات السائدة حول الديني والعلماني. وفي مواجهة مساهمات أكاديمية حادَّة تندد بالمجتمعات الإسلامية، قامت محمود بتطوير فهم معمق ومطلع للإسلام في الجدل القائم حول: النظرية النسوية، والأخلاق، والسياسة. وقد ترددت أصداء منشوراتها ومحاضراتها في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية كافة، ولعبت دوراً مؤثراً في تشكيل المساهمات الأكاديمية لجيل جديد من الأكاديميين الباحثين عن تطوير مقاربة مطّلعة ونقدية للدين في عصر الحداثة. كباحثة ومعلمة، جسدت محمود المبادئ الأخلاقية والسياسية التي نادت بها، حيث قدمت تحليلات ثاقبة للسلطة الاستعمارية والرأسمالية في تناولها لحداثة العلمانية، وصاغت أطراً جديدة لفهم الذات النسوية، والذاتية العلائقية، والحرية الدينية، وإيذاء الشعور الديني، وحقوق الأقليات الدينية، والتحليل القانوني المقارن لقانون الأسرة الديني والعلماني، والتشريعات الجنسانية.

إلى جانب الأنثروبولوجيين طلال أسد وشارلز هيرشكيند، كشفت محمود عن العلمانية كتشكيل سياسي مركب ينتج التباينات بين التقاليد الدينية التي يسعى لتنظيمها. بكلماتها، "العلمانية السياسية هي السلطة السيادية للدولة الحديثة التي تسعى لإعادة تنظيم السمات الجوهرية للحياة الدينية، بما يشمل تحديد ما هو الدين أو ما يجب أن يكون عليه، وتعيين محتواه الصائب، وتعميم ما يصاحبه من ذاتيات وأطر أخلاقية وممارسات يومية مقترنة به". وقد حاججت محمود أنه لا انفكاك ما بين العلمانية وتاريخها الديني على الإطلاق، فهي لا تحقق استقلالاً عن التشكيلات الدينية التي تسعى لتنظيمها. في الواقع، إن التمييز المؤسس للمنطق العلماني بين الحياة العامة والحياة الخاصة، يستمد أصوله من الفهم المسيحي الحديث للعبادة كممارسة خاصة. إنَّ هذا الفهم الديني المسيحي، الذي يركز على الاعتقاد كممارسة روحانية، هو على تناقض حاد مع أديان مثل الإسلام، الذي تحتل فيه الممارسات الدينية المجسدة موقع الصدارة. واستناداً إلى ذلك، فقد جادلت محمود أن الإبستمولوجيات العلمانية عاجزة عن استيعاب الطريقة التي يعبّر بها الإسلام عن القيم الدينية، ما يؤدي إلى سوء فهم كل من الذات المسلمة والمعاني العامة لممارساتها الدينية.

في إطار مساهماتها المتعلقة بالنظرية النسوية، لفتت محمود قرَّاْها إلى أن المسلمات المتدينات اللواتي عملت معهن في القاهرة، خلال بحثها، لم يكنّ محض فاعلات ممتثلات بلا تفكير، بل كن منخرطات في مقاربات تأويلية مميزة لقراءة القرآن في المدارس الخاصة بهن، بما يساهم في ترسيخ الممارسة الدينية كشكل من أشكال السلوك الأخلاقي. وفي تحدٍّ للرؤى الموروثة عن الفلسفة الأخلاقية الغربية حول الحرية الذاتية، قدمت صبا محمود محاججة جريئة مفادها أنه من أجل فهم المسلمات المتدينات، على المرء أن يتصور ذاتاً معرفة بعلاقتها بالتمثيلات النصية والتصويرية للإلهي. فالنساء المنخرطات في ممارسة دينية من هذا النوع، كما جادلت محمود، يجب فهمهن على أنهن منخرطات في ممارسات أخلاقية لتشكيل الذات. ومع ذلك، فإن الذات الأخلاقية، في هذه الحالات، ليست طوعيةً، تفصل "الإرادة الحرة" عن الأعراف الاجتماعية والدينية التكوينية؛ بل بأكثر من ذلك، تأخذ الذات الأخلاقية، في الإسلام، شكل علاقة مجسّدة حية، وقيد الممارسة مع الإلهي، بما يتطلب فهماً بديلاً لتكوين الذات. وقد ظهرت إحدى نتائج هذه الرؤية واضحة في مداخلاتها ضمن مناظرات العام 2006 حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية التي تصور النبي محمد. فالذين زعموا أن هذه الرسومات كانت مسيئة فقط فاتتهم ماهية الأذى الناجم عنها. ففي الإسلام، كما تقول محمود، يعتبر الهجوم على الصورة الإلهية هجوماً على النفس الحيّة والمتجسّدة، لأن النفس تحلُّ في تلك العلاقة تحديداً.

في عملها الأخير، درست صبا محمود التمييز الواقع على المسيحيين الأقباط الأرثوذكس في ظل النظام العلماني المعاصر في مصر. وفي مواجهة النظرة التي تستدل بالتباينات القبلية والدينية على عدم اكتمال عملية العلمنة، أظهرت الراحلة أن التباينات القبلية والدينية، وما يصاحبها من نزاع، تفاقمت في ظل أنظمة السلطة العلمانية. فقد جادلت أن التمييز والعنف الذي يعانيه المسيحيون الأقباط ازداد مع قيام الدولة الحديثة باستكمال تنظيم الحياة الدينية وإدارتها، وفرض منطقها الخاص على النقاش حول العقيدة والممارسة الدينيتين. بعيداً عن تحقيق المثل العليا للمساواة المدنية والسياسية، سهلت الدولة العلمانية التفاوتات الدينية والعنف بين الأديان. كما تطرقت محمود إلى القيم والممارسات التي تطورت ضمن الإسلام لمفاوضة الاختلاف الديني، مظهرة كيف طغت أنظمة السلطة العلمانية على التقنيات الدينية للحوكمة المدنية.

ألفت محمود كتاب الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير حول الأقليات (ترجمه كريم محمد وصدر عن مركز نماء للدراسات والبحوث، 2015) وسياسة التقوى: الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية (ترجمت أجزاء منه عبير العبيداء لمؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2016) والذي فاز بجائزة فيكتوريا شاك من جمعية العلوم السياسية الأمريكية. كما شاركت في تأليف كتاب هل النقد علماني؟ (ترجمه إبراهيم الفريح وصدر عن دار جداول، 2017) وفي تحرير سياسات الحرية الدينية (جامعة شيكاغو، 2015)، وقد ترجمت أعمالها إلى العربية والفرنسية والفارسية والبرتغالية والإسبانية والتركية والبولندية. كما نشرت العديد من المقالات في حقول الأنثروبولوجيا والتاريخ والدراسات الدينية والعلوم السياسية والنظرية النقدية والنظرية النسوية والنقد الفني، وخدمت في العديد من مجالس الدوريات وكتبت للعديد من الصحف. حصلت الأستاذة محمود على العديد من الأوسمة والجوائز، بما في ذلك زمالة أكسل سبرينغر في الأكاديمية الأمريكية في برلين، وزمالتين في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية بجامعة ستانفورد ومعهد أبحاث العلوم الإنسانية بجامعة كاليفورنيا. وقد حصلت على منحة كبرى من مبادرة مؤسسة هنري لوس حول الدين والشؤون الدولية، فضلاً عن أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والمناطقية. كذلك حصلت على زمالة فريدريك بوركهارد من المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية، بالإضافة إلى برنامج باحثي أندرو كارنيجي كباحثة شابة. أخيراً حصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوبسالا في السويد عام 2013.

كانت صبا محمود أكاديمية لامعة، وزميلة عزيزة، ومعلمة ومرشدة متفانية لطلاب الدراسات العليا. وإلى جانب حماسها السياسي المتواصل وتحليلها الحاد، كانت شغوفة بجمال البراري، وشعر غالب، وبهجة الطبخ ومشاركة الطعام الفائق الجودة. كانت تنمّي علاقاتها مع العائلة والأصدقاء باهتمام وفرح. كما قامت بإرشاد طلابها برعاية وانتباه مميزين، تطالبهم أن يقدموا أفضل ما لديهم، وتستمع إليهم وتستجيب لهم بكرم هائل، حاضرة في فكرها معهم دوماً، وداعية الآخرين للقيام بمثل ذلك. في الأشهر الأخيرة من حياتها، أكدت الراحلة على قيم الفكر والمحبة، تاركة إرثاً نابضاً بالحياة سيستمر ويزدهر بين كل من لمست حياتهم حياتها وأعمالها. رحلت صبا محمود وتركت وراءها زوجها شارلز هيرشكيند، وابنها نمير هيرشكيند، وأخويها خالد محمود وطارق محمود.

قسم الأنثروبولوجيا، جامعة بيركلي. R

فاطمة المحسن عن فالح عبد الجبار

مارس 14, 2018 2 تعليقات




كتبت مذكراتي بعد مرضي وأهديتها إلى فالح عبد الجبار، كان عنوانها " الرحلة الناقصة ". سألني لماذا هي ناقصة؟. كنت على ثقة بمعرفته قصدي، ولكنه رفض أنْ تَخْلف رحلتي موعدها، وما كنت أظن انه هو الذي سيتركها على نقصانها. رحلة عمر معه فكيف لي أنْ أتذكر الآن نتفاً منها. ما برح الضنى بفقدانه يحجب كل الكلمات الصغيرة والكبيرة، ففالح لم يكن شخصاً بعينه بل هو مرايا من الشخصيات المتكاثرة. وقدر ما أتعبتني تلك المرايا التي تحيطني مثل دائرة فلكية، قدر ما كانت تمنحني أفقاً مفتوحاً على تجارب ثرة مفعمة بالعنفوان والغنى. كل ارتباكات فالح وجنونه تبدأ وتنتهي عند معركته مع الزمن، الوقت الذي حاول أن يمسك بقرنيه بجماع قوته. فهو عجول يركض في براري الله كي يسبق الزمن. وإن نظرت إلى الأمر بعين العقل فقد أختار فالح حتى توقيت موته. خاض الحياة بالمناكب وكان شجاعاً بمواجهة المرض، ولو جاز لي التخمين فهو كان هكذا حتى لحظة غيابه الأخير. أكثر ما كان يرعبه أن يكون عاجزاً يودع أيامه وهو يحدق بالفراغ. 
ليس من المجدي ان أقول انه أضاف إلى الثقافة العراقية والعربية، فأنا في لحظة ذهول يتفوق فيها الفقدان الشخصي على كل المناقب. لقد جعلني أصدق انه لن يموت، فكم من المرات التي كنت أحدق في تلك النُذر التي تعصف به، ولكنه يخرج منها كما لو كانت لا تعنيه. وكم من المرات التي قارب فيها الموت وأنكره على نفسه ليبدأ مشروعا بل مشاريع مجتمعة. 
تحرر فالح من جسده ولكن عقله بقي ينبض بالحياة إلى آخر لحظة، فقد ملك أثمن قيمة للوجود الإنساني : التفكير المتواصل بالظواهر والفضول العلمي. ساعده عقل رياضي مركّب تتفرع فيه اهتماماته من علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة والرياضيات والفيزياء وحتى السينما وكرة القدم والشطرنج. لعل هذه الكثرة عند غيره تبعث على التشتت، وتحتاج حياة منشطرة، بيد ان قدرته على التركيز والاختزال والتكثيف ساعدته كثيرا على تنظيم مساره الفكري نحو أهداف محددة. ولم يكن مثقف طاولة مع أنه جلس عليها كما لم ألتق كاتباً صرف وقتاً في البحث والكتابة مثله. كان معلماً يفيض بكرمه المعرفي على الصغير والكبير، محاضراً متميزاً ومتفرغاً للإجابة على الأسئلة التي تغمض على الشباب، وكم من واحد منهم أخبرني انه يدين له بالفضل في فتح نوافذ ومسارات جديدة في الدرس والتحصيل. 
يكره فالح الطقوس وبروتكولات التأبين، وكان يعرف كل ما يبقى منه ليست تلك الكلمات التي تخطها ساعات الفجيعة، بل التي تعبر زمن الكائن البشري الى ما تركه من لمسات صغيرة أو كبيرة في هذه الحياة الفانية. 
يكمل الموت فعل الحرية او هو الوجه الآخر للوجود الفيزيقي للبشر، ولكن الحياة بالنسبة للمشتغل بالفكر، عالم أوسع من وجوده الشخصي، إنه السعي نحو اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة نفسها. ومع ان فالح كان مولعاً بماركس ومؤمناً باقتران النظرية بالفعل، غير انه كان يملك روحا عدمية لا تعبأ بجسده كمصير، مثلما كان يحمل قلقاً متواصلا من عبثية هذا الوجود ولا جدواه. يطرد هذا القلق بهوس العمل والإنجاز وامتلاك العالم الذي يخاف أن يفلت منه. 
كنا في سباق مع الوقت في النوم والصحو وفي الصحة والمرض، ولم تكن حياتنا سعادات متواصلة، بل كانت التباينات بيننا عاملا أساسياً في ثراء تلك العلاقة التي يعرف كلانا حاجتنا المشتركة إليها. تنشط قراءاتنا وأفكارنا بالنقاشات، نتقاطع فيها ونتواصل، نتخالف ونتفق ولكننا نشعر بما لم نقله مرة، عمق تلك الرابطة التي تمتد منذ ما أجهل من الوقت، حتى الساعة الأخيرة التي غادر فيها الكلام. 
أجد نفسي في آخر المطاف مدينة له بسعادات كثيرة، ومنها سعادة الحياة الثقافية التي عشناها معا : القراءات والسفر والأفلام والصداقات. ولعلني أذكر تفصيلا منها يلح عليّ في هذا الوقت، وهو تلك السويعات التي قضيناها في نقاشات مفتوحة على الكثير من اهتماماتنا المشتركة. ففالح قارئ نبه في الفلسفة والفكر، وذكاؤه الاستثنائي ومعرفته العميقة بالكثير من ظلالهما، ساعداني على الوصول إلى ما غمض أو أشكل منها، وكنت أدرك أن عليّ أنْ أعارضه كي أروض ذهني وأصل إلى بوابات جديدة من المعرفة. كنا نتشارك بمتعة الاهتمامات المتباينة والمشتركة بما فيها من نقص او فيض، ونتبادل المواقع في كل معاركنا مع النفس ومحاولتنا فهم المزيد عنها. نتخاصم ونختلف ونفترق ثم نعود كما لو لم يكن بيننا هواجس الجنون والوساوس. 
الفقدان يدفعنا للسير في خط عكسي، حيث يكون بمقدورنا امتلاك تلك الشظايا المبعثرة من ماضينا، فعبثية الموت أقوى من كل تصورنا عنه وعن المستقبل. إنه يسكن كل غفلة عنه. 
فكرة فقدان فالح قربتني من المعني الحقيقي للنهاية التي تضعنا في سديم الأبدية الصماء، مع أنني مررت بتجربة تركتني قاب قوسين من الموت وما برحت تسكن جسدي، بيد ان الاختلاف هو في إحساسي بأنه كان معي، أدرك من نبرة صوته قدرتي على ان اجتازها بسلام وبأقل الخسارات. هل كنت على خطأ؟ ربما فبين النهاية والبداية خط رفيع نجهل متى نصل طرفيه.

جورج سير عن الدويهي:

مارس 14, 2018 2 تعليقات






يعرف سرّ الحقول
ورسالة الغيمة العابرة 25
إثنان يُلامان لعدم تناهي المقال الذي كتبه الرسّام الفرنسي جورج سير Georges Cyr الذي إرتبط إسمه بالحركة التشكيليّة في بيروت إبّان الحقبة الإنتدابيّة عن معرض الفنّان صليبا الدويهي في " أوتيل السان جورج" : الوقت، وصليبا الدويهي.
الوقت لأن السنين التي مرّت أكلت من أطراف القصاصة الصحافية. قصاصة الصفحة الأولى، على وجه التحديد، من " الريفو دي ليبان" ( العدد 41- الأحد 25 حزيران 1944-السنة 15) التي تصدّرها مقال الرسّام جورج سير.
وصليبا الدويهي بالذات لأنه إحتفظ بين أوراقه وملفّاته، بالصفحة المذكورة دون تتمّتها المنشورة على الصفحة الحادية عشر من العدد. وهو نقص في الأرشفة ممكن التدارك في حال البلوغ الى مجلّدات مجلّة الأخوين إبراهيم وإميل مخلوف، سواء في مكتبة عامة، أو في مكتبة خاصة.
الأمر الذي أفسد عليّ كمدقّق في محفوظات الدويهي متعة قراءة هذا المقال الشيّق كاملاً، المسّطر بقلم متمكّن، وبأسلوب طليّ. وعليكم أنتم، في الوقت عينه، لتعذّر إكمال معروف الكشف، بما يُرضي فضول المتابعين، ونَهَم المهتمّين. إنّما يظلّ الكحل أفضل من العمى . وفيما يلي ترجمة ما صَمَد منه على الأيّام.
المقال
" .... نستطيع أن نُطبّق عليه فكرة كورو Corot : " إنّ ربّة الفنّ هي في الغابات. إنها تنشد الصمت. وفي قرية إهدن تعلّم الإصغاء إلى أنشودة الطبيعة. وهو كبوسان Poussin ، وكلود لوران Claude lourrain تغذّى منذ نعومة أظفاره من نسغ الأرض. فهو شقيق الأشجار التي رآها مّرات عديدة تموت في الخريف، وتعود إلى الحياة في الربيع. يعرف سرّ الحقول. يفهم رسالة الغيمة العابرة. ويعلم أن الشمس تُعلّق أقراطاً من الذهب في أذنَيْ الفلاّحة الفقيرة. كان يُدرك كلّ ذلك، ويشعر به. إنّما كان يتعيّن عليه أن يتعلّم الإفصاح عنه كي يُبلغنا إحساسه، ومعنى الحياة العالمية.
الى باريس، عاصمة الفنون، كان قد توجّه ليكتسب لغة الرسم. الآخرون حرقوا أجنحتهم، أو عادوا بأمتعة من الخدع، والوصفات. أما الدويهي فعرف كيف يستوعب ما تعلّمه من المدرسة، ويخرج بخصوصّية فنّية. لاسيّما وإنه يعي أهمّيته. فرسّام ذو شأن كالدويهي لا يحقّ له الإنصياع بالإمتثال لميْل العدد الأكبر. إنّما هو الذي يعود إليه فرض ما يُلائمه، وكل الناس سيبتهجون. أمّا فيما يتّصل الآن بلوحاته المعروضة فيصعب عدم ذكر سوى البعض منها. مع ذلك يتعيّن وضع "منظر من إهدن"، المعلّقة على آخر لوح لجهة اليمين فوقها جميعاً. القريّة تبدو وكأنها تهتّز طرباً في مناخ من الراحة. كل شيء عذب في الجبل، والأرض. ما من شيء باهت لأن ظلال حائط صغير مُطوِّق للبيوت تخلق خطّ قوّة يقود النفس إلى حقيقة الأرض. ذلك كلّه قربنا. فأسواق حمص تبدو وليدة المراقبة. ويستوقفنا منظر الثلج المثبت عند مدخل المعرض، البسيط والسرّي، بإعطائه إنطباع الصمت المبطّن الغامر لبلدة مذرورة..."
جورج سير
عند هذا الحدّ ينقطع دوننا السبيل الى المتعة. الاّ أن ما وصلنا يكفي للإضاءة على جزء من المعروضات، وللتعبير عن دهشة وتقدير الرسّام الفرنسي أمام لوحات فنّاننا اللبناني الذي كان يتحفّز لبلوغ مكانته العالمية في وقت غير بعيد.
و "بعض الربيع ببعض العطر يُختصرُ".
محسن أ. يميّن

عيسى مخلوف... عن رامبو

مارس 03, 2018 2 تعليقات


كتب رامبو في كتابه "فصل في الجحيم": "كنتُ أرسل إلى الشيطان سعف الشهداء، أشعّة الفنّ، كبرياء المخترعين، حماسة اللصوص. كنتُ أعود إلى الشرق وإلى الحكمة الأولى الأبديّة". أيّ شرق يقصد، وأيّ حكمة؟ هذا الشعر الذي هو مشروع روحي يغوص في أعماق النفس البشرية، هو أيضاً شعر الرفض بامتياز. يتجلّى هذا الرفض في نقد البنى العميقة للمجتمع ولكلّ المؤسّسات السياسية والدينية والأخلاقية السائدة.

ضمن هذا الإطار، لا يحضر رامبو في الشعر العربي إلاّ بوصفه أفقاً مفتوحاً ومشروعاً للتغيير. يحضر كتجسيد لكتابة أخرى هي النقيض للسائد والمألوف. وإذا كان أثره في النصّ الشعري العربي لا يطالعنا، بصورة مباشرة، فهو حاضر على المستوى النقدي من خلال الإشارة أحياناً (كما عند أنسي الحاج في تصديره لمجموعته الشعرية الأولى "لن")، أو من خلال عدد ضئيل من الدراسات والأبحاث، ومن أكثرها إثارة للجدل دراسة أدونيس وعنوانها "رامبو – مشرقياً، صوفياً". نُشرت هذه الدراسة في مجلّة "مواقف"، العدد 57، عام 1989، ثمّ في كتاب "الصوفيّة والسورياليّة"، دار الساقي 1992. وكما هو واضح من العنوان، يسعى أدونيس إلى إظهار رامبو في حلّة مشرقيّة/ صوفيّة ويعتبر أنّ شعره لا يحتوي على أيّ أثر مهمّ للثقافة اليونانية، أو للثقافة "اليهودية - المسيحية"، ويستخلص أنّ تجربته فريدة داخل الثقافة الفرنسية نفسها وغريبة عن الشعر الفرنسي، وأن نصّه المفتوح على عالم التخييل والحلم والغرابة السحرية، يعارض الثقافة الغربية التي تتأسس على العقلانية المنطقية. بالنسبة إلى أدونيس، يؤكّد رامبو "ما كانت الصوفية العربية قد أكدته، تجربةً وكتابةً، في كل ما يتّصل، على الأخصّ، بتعطيل فعل الحواسّ بغية الوصول إلى حالة من الشفافية في الشخص، تخترق كثافة العالم الخارجي المادي إلى شفافيته، بحيث يسمع الشخص ما لا يسمع، ويرى ما لا يرى". يدعم أدونيس رأيه بالإشارة إلى دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواس من أجل بلوغ المجهول" والتي يعبّر عنها الشاعر الفرنسي في رسالته إلى جورج إيزامبار (13 أيّار/ مايو 1871). ومن هذا المنطلق يدعو أدونيس إلى قراءة النصّ الرامبوي بالطريقة نفسها التي يُقرأ بها النصّ الصوفي.

غير أنّ قراءة رامبو هذه تثير تساؤلات كثيرة وتستدعي مواقف أوجزها، هنا، بثلاثة:
أولاً: يتوقّف أدونيس عند دعوة رامبو إلى "تعطيل الحواسّ". لكن هذه الدعوة، وهي بمثابة بيان شعري، تكتمل وتأخذ بعدها الأعمق في رسالة ثانية بعث بها الشاعر الفرنسي إلى بول دوميني (15 أيار/ مايو 1871)، أي بعد يومين من كتابة رسالته الأولى، وفيها أنّ "الشاعر يصير رائياً عبر تعطيل الحواسّ كلّها، تعطيلاً طويلاً، عظيماً وعقلانيّاً". هذه العبارة يمكن أن تقدّم مفتاحاًُ أساسياً لقراءة المفهوم الشعري الجديد الذي طرحه رامبو والذي لا تغيب عنه العقلانية. وهل يمكن أن ينعتق من العقلانية إذا لم تكن موجودة كمرحلة أولى، كشرط أوّلي قبل تضييعها والتخلّص منها. هكذا تبدو العلاقة هنا بين الفكر والحدس، أكثر تركيباً وتعقيداً. لا يمكن إذاً التخلّص من العقلانيّة إلاّ إذا كانت موجودة في الأساس، وتشكّل مرحلة لا بدّ منها في هذا المسار الطويل والشاقّ، في هذه الرحلة التي تسعى إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين الموجودات، بل إلى إلغائها بالكامل.
صحيح أنّ هدف رامبو تَجاوُز الحواسّ والعقلانية، لكنّه يعي أنّ التعاطي مع هذا العامل شرط من أجل تخطّيه. فهل يمكن أن نفصل الدعوة اللاعقلانية عن محيطها العقلاني حتى ولو كانت ردّ فعل عليه؟

ثانياً، يحاول أدونيس أن يضع رامبو في موقع خارج الثقافة الغربيّة طالما أنّ "الحدس الشعري الرامبوي، بالنسبة إليه، هو حدس صوفي ومناقض لأشكال المعرفة الغربيّة – العقلانيّة". هنا أيضاً يُطرَح السؤال حول الموقف الفكري والعلاقة مع الفكر الغربي والثقافة الغربية بشكل عام. هل يكفي رامبو أن ينتقد أو حتى أن ينقض الثقافة الغربيّة حتى يكون خارجها؟ في هذا المعنى ما هو مصير جميع الفلاسفة والمفكرين الذين انتقدوا ثقافتهم نقداً جذرياً منذ عصر الأنوار حتى اليوم، من فولتير وديدرو إلى نيتشه، وبالأخصّ نيتشه الذي انقضّ على الأسس الدينية لتلك الثقافة؟ ذلك الانقضاض أليس نقضاً للحضارة التي تسمّى خطأً، الحضارة المسيحية – اليهودية؟ لكن هل يخرجه هذا النقض من الثقافة الغربيّة أم من أحد أنساقها فقط؟ أين نصنّف كتّاباً ومفكرين وفلاسفة وأعلاماً كباراً في العلوم الإنسانية من فرويد إلى فوكو وديريدا، ومن كلود ليفي - ستروس إلى إدغار موران وميشال سار إلى سائر الذين ينتقدون النسق الغربي في التحكّم بالعالم ويحذّرون الغرب من الخراب الأكبر ويدعونه إلى تغيير هذا النسق إذا أراد الحفاظ على نفسه وعلى البشريّة جمعاء؟

إنّ جانباً مهماً من قوة الثقافة الغربيّة وحيويتها هو في قدرتها على النقد. الروح النقدي هو إحدى العلامات الفارقة لهذه الثقافة. هكذا، لا يعود نقد البنى التي قام عليها الغرب خروجاً على الغرب بل تجاوزاً له من داخله عندما تصبح النزعة الإنسانية هي المشروع الأكبر الذي تبطل معه الحدود فيصبح عندئذ رامبو فرنسياً - غربياً بمقدار ما هو ابن هذا العالم. ولا يعود بعدها من حاجة إلى القول مع رينه شار إنّ "رامبو هو أوّل شاعر لحضارة لم تظهر بعد". من جهتها، خرجت الصوفية الإسلامية من ثقافة محدّدة وتجاوزتها، تطلّعاً وأفقاً ولغة، وصارت أيضاً جزءاً من الإرث الإنساني والكوني على السواء.

نضيف إشارتَين، الإشارة الأولى أنّ التجربة الصوفيّة لا تقتصر على العالم الإسلامي فقط، بل تطاول العالم المسيحي الشرقي والغربي بروافده المتعددة. هناك كذلك التجربة الصوفية في آسيا، بل وفي الغرب نفسه مع أسماء كثيرة نذكر منها، على سبيل المثال، ميتر إيكارت، تيريزا الآبليّة، يوحنا الصليب، برنار دو كليرفو، أنجلوس سيلسيوس... أمّا الإشارة الثانية فهي أنّ التصوّف الإسلامي انتهى كتجربة وإبداع في القرن الثالث عشر فيما الرؤية الشعرية لا يمكن حصرها في زمن محدّد... الصوفية الإسلامية لا يمكن أن نعزلها عن فكر ديني يرقى إلى القرون الوسطى، فيما رؤية رامبو الشعريّة مفتوحة على الأسئلة والتغيُّر وتتزامن مع مرحلة فاصلة في تاريخ التقدّم العلمي والثورة الصناعيّة، وفي تاريخ الفكر أيضاً. أكثر من ذلك، لا يمكن تجريد رامبو من بُعده المسيحي. فلئن كان شعره "دنيوياً »، إذا جاز القول، وقادراً على الجمع أحياناً بين "الروحانيّة" والفجور، ولئن كان ينطوي على نقد للدين وللثقافة الدينيّة، فهو مُشبَع بالمرجعيّة الكاثوليكيّة وبالمفردات المسيحيّة، بخلاف نيتشه الذي التفت إلى ديونيزوس وإلى الثقافة اليونانيّة القديمة ككلّ.

ثالثاً، كلام أدونيس على علاقة رامبو والصوفيّة، ألا ينطبق على الكثير من الشعراء الرائين في العالم من أمثال ريلكه وهولدرلين؟ صحيح أنّ رامبو ابتكر لغة جديدة داخل اللغة الفرنسية مثلما ابتكر الصوفيّون لغة جديدة داخل اللغة العربية، وصحيح أنّ المسالك التي لجأ إليها رامبو قريبة، في بعض مناحيها، من مسالك الصوفية، لكن التوجّه كان مختلفاً والتجربة مختلفة. كان ثمّة لقاء معها من دون أن يكون تابعًا لها بالضرورة. علاقته مع المتصوفة تصل إلى نقطة يفترق عندها الإثنان ويتّجه كلّ منهما في اتجاه مغاير. إنّها النقطة التي تعكس التباين بين الدين والدنيا، وكذلك الفرق الجوهريّ بين عبارة: "أنت أنا لا نفترق"، وعبارة: "الأنا آخر"!

الصوفيّ بوصلتُه واضحة، هي الله الذي يمثّل "الحياة الحقيقية"، أما بالنسبة إلى رامبو، فـ "الحياة الحقيقية غائبة"…