728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الأحد، 7 يناير 2018

    مكوّنات الثقافة الشعبية في الشرق الأوسط





    سامي زبيدة 

    "الشرق الأوسط" تسمية أوروبية متمركزة جغرافياً (حول أوروبا-المركز). وإزاء هذا التحديد الجغرافي المبهم، قد نميل إلى الإشارة إلى التنوع الكبير في المجتمعات واللغات والثقافات، أو إلى اقتراح تحديد أقلّ مركزية إثنية -رغم أنه قد لا يقلّ إشكالية- من قبيل "المتوسطي"، الذي يضمّ أوروبا وغير أوروبا. يمكن مع ذلك، على مستوى الثقافة والتنظيم الاجتماعي، تمييز عدد من العناصر والثيمات المشتركة، بعضها خاصّ بالعالم العربي -أو على الأقل، بجناحه المشرقي- لكن الكثير منها مشترك أيضاً مع إيران وتركيا. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الشرق الأوسط على أنه مساحة حضارية تشكّلت تاريخياً من الخضوع المشترك للإمبراطوريات الكبرى: فارس، بيزنطة والخلافة الإسلامية؛ وكذلك من موجات الأسْلَمة المتتالية -رغم أني سأجادل أن العناصر الثقافية المشتركة ليست إسلامية تحديداً- ومن اختلاط الشعوب والثقافات الذي نتج عن هذه العمليات. يمكن، إذن، تمييز هذا الكيان، لكن خطوط التمايز غالباً ما تتطابق وخطوط الصحراء أو الجبل أو الساحل أو المدينة، العابرة للاختلافات اللغوية والقومية.

    تأخذ التماثلات الثقافية شكل التنويعات على ثيمات مشتركة، أوضحها وأسهلها، ربما، هي تلك التي تخصّ الثقافة المطبخية: المشاوي، المحاشي، يخنات لحم الغنم بالخضار، المعجّنات الحلوة باللوز والفستق وما إلى ذلك. ومن الأمثلة الأخرى الدين الشعبيّ والسحر. لاحظ، مثلاً، الشيوع اللافت للمعتقدات والطقوس المتعلقة بـ "العين الشريرة" -وبعضها يتجاوز الشرق الأوسط إلى جنوب وشرق أوروبا- أو الأفكار والشخصيات المشتركة في الميثولوجيا، كالخضر والإسكندر، والتي سنناقش بعضها أدناه(1).


    ربما ينبغي عليّ التأكيد هنا أنني لا أنوي الدفاع عن جوهر ثقافي ما متشكّل تاريخياً. فتاريخياً، ثمة الكثير من التحوّلات والانقلابات التي لا بدّ وأنها شملت عناصر ثقافية؛ كما أن العناصر الثقافية القديمة تتحول في سياقات حديثة، كما سنرى لاحقاً. وقد يكون لهذه التغيّرات آثار متغايرة على البلدان أو المناطق المختلفة، لكنها غالباً ما تتسلل مع الزمن إلى معظم المناطق، وليس بالضرورة بالأشكال نفسها. فمتابعةً لمثال المطبخ، يمكن أن نشير إلى التأثيرات العامة والمتماثلة تقريباً لإدخال البندورة إلى المنطقة وتبنّيها اللاحق في كافة أوجه فن الطبخ، بحيث بات من الصعب جداً الآن أن نتخيّل كيف كان الطعام الشرقوسطي قبل اكتشاف البندورة كلية الوجود .


    إن أكثر التشابهات الممكن فهمها هي تلك الموجودة على مستوى الثقافة الفكرية المكتوبة. إذ شكّلت الفلسفة واللاهوت والتصوّف والشعر والموسيقى، في قسمها الأعظم، عوالم مشتركة للخطاب الذي شاركت فيه النخب المتعلّمة في مختلف أنحاء المنطقة. ولا يعني ذلك الإجماع، إذ كانت هناك، ولا تزال، خلافات كبيرة في التاريخ الفكري والسياسي للمنطقة. لكن هذه المعارك خيضت على أسس خطابية مشتركة، حيث الثيمات والقضايا مفهومة من قبل جميع الأطراف. إن العناصر المشتركة على هذا المستوى مفهومة أكثر ﻷن هناك تقاليد وقنوات ومؤسسات تعليمية يمكن تحديدها بوضوح. وبهذا الصدد، لم تكن المؤسسات الدينية والتعليمية في المنطقة مختلفة كثيراً عن مثيلاتها في أوروبا.


    على المستوى الشعبي، تبدو التماثلات في عناصر وثيمات الثقافة متناقضة ظاهرياً. فالصورة المتفق عليها للتنظيم واالتكافل الاجتماعيين تحت حكم الإمبراطوريات السُلالية، والتي نجدها في بعض الروايات التاريخية، هي صورة تجزّؤ إلى عدد من جماعات واضحة المعالم، وغالباً ذات مناطق أو أقاليم محددة من أرض القبيلة، القرية أو الحيّ [2]. يظهر المجتمع المديني -الذي نستقي منه معظم أمثلتنا الرئيسية- في هذه الروايات ليطابق نموذج "المجتمع الجمعي" plural society الذي طُوّر لتوصيف أوضاع كولونيالية متعددة الإثنيات وأحدث عهداً [3]: جماعات أو جاليات*** متمايزة اجتماعياً وثقافياً ومكانياً على أساس الدين أو العرق أو المنشأ العشائري أو الإقليمي، وغالباً ما تتمتع بحكم ذاتي داخلياً. تتعايش هذه الجماعات مع بعضها البعض وتساهم في اقتصاد مشترك، وأحياناً يكون لبعضها وظائف متخصصة. وعادة ما تخضع جميعاً لحكم سلطة واحدة تدفع لها الضرائب، لكن مع امتيازات متغايرة تبعاً لوضعها الديني، مع اعتبار المسلمين الأرثوذوكس (التقليديين)، على الأقل شكلياً، ومهما كانت الأرثوذوكسية في هذا الزمن أو ذاك، جزءاً من جماعة الدولة. وقد رسّم (من رسميّ) ما يُدعى بـ "نظام الملل" أو الأقليات الدينية في الإمبراطورية العثمانية هذا الوضع. بيد أن عناصر "المجتمع الجمعي" يُفترض بها أن تحافظ على هويات ثقافية منفصلة، بلغاتها وأديانها وعاداتها الخاصة بها.


    ما أحاول مجادلته هنا هو أنه إذا تطابقت المجتمعات الشرقوسطية مع هذه الصورة، فإن الثيمات الثقافية التي سأعرضها فيما يلي جديرة بالانتباه حقاً. توحي هذه الدرجة من جماعية الثقافة بمجتمع ذي كثافة أكبر من التفاعل والتقسيم الاجتماعي للعمل وما يتعلق به من علاقات اجتماعية عابرة لحدود الجماعات. إن نموذج الجماعات المعزولة قد يصحّ فقط في فترات التدهور الاجتماعي والاقتصادي وانعدام الاستقرار السياسي. أما في فترات الازدهار والاستقرار، كما في أوج العصر العبّاسي، أو العصر الذهبي في الأندلس، أو في فترات متقطعة محددة إبّان الحكم المملوكي في مصر، فهناك العديد من المؤشرات على كثافة وتنوع التفاعل الاجتماعي والاقتصادي عبر الحدود الجماعية [4].


    تشغل عمليتان طويلتا الأمد موقعاً مركزياً في التاريخ الثقافي للمنطقة: الأسْلَمة والتعريب. فبعد الفتوحات الإسلامية الأولى، تسارعت خطى الأسلمة وتمت أسلمة جزء كبير، وربما غالبية، سكان المنطقة في القرن الأول للإسلام. وفي قرنيه الأولين، اجتذب الإسلام أيضاً قبائل وسلالات تركية حملت فيما بعد رايته إلى مناطق أبعد. خلال هذه العملية، تم تبنّي الدين الإسلامي في ظروف اجتماعية وثقافية متراوحة جداً، فاختلفت بالتالي أشكال الإسلام الناتجة، بدءاً بأشكال أرثوذوكسية مُمَأسسة، كتابية (قرآنية) يمارسها المتعلّمون، إلى معتقدات وممارسات توفيقية على المستوى الشعبي. على كل حال، فإن أقساماً معتبرة من شعوب المنطقة لم تُؤسْلَم، بل احتفظت بمعتقداتها، كالمسيحيين واليهود واليزيديين وديانات أخرى صغيرة. وتشترك اليهودية والمسيحية والإسلام في عالم تاريخي-ثقافي مشترك ظلّ عاملاً هاماً في تعايشها كما في نزاعاتها.


    بيد أن التعريب أكثر العمليتين لفتاً للانتباه. صحيح أن العربية كانت لغة الإسلام والفاتحين الأوائل، لكن تاريخ العالم يمتلئ بأمثلة يحافظ فيها الفاتحون على لغة بلاط أرستقراطية منفصلة عن تلك التي يتحدثها المفتوحة بلادهم. ومن الواضح أن التعريب هذا لم يكن ببساطة بفعل الأسلمة: فقد تمّت أسلمة إيران تماماً لكنها لم تُعرّب، بينما احتفظت مصر بجالية مسيحية كبيرة وتم تعريبها بالكامل في نهاية المطاف. كما لم تحلّ العربية محلّ لغات عشائرية مجزّأة وغير مكتوبة، بل محلّ الآرامية والإغريقية والفارسية. إن تعريب الدولة -لكن مع عناصر فارسية وتركية هامة- لا يكفي لشرح عمومية العملية، فلغة الدولة لا يجب أن تكون بالضرورة لغة المحكومين. كما أن استقرار أفراد قبائل عربية في الأقاليم المفتوحة لا يشرح الظاهرة، فالتنوع اللغوي في مساحة صغيرة ليس بالأمر النادر. وحده تقسيم اجتماعي واسع للعمل، عابر للحدود الجماعية والقبلية ويجمع أناساً من مواقع اجتماعية وثقافية مختلفة في تفاعل عن كثب، يمكن له أن يؤدي إلى هذا التجانس اللغوي. وعليه، فالتعريب مؤشر آخر على أن الصورة التقليدية للمجتمع المجزّء إلى جماعات لم يكن صحيحاً دائماً في هذه المنطقة.


    إحدى النتائج المترتبة على الجدال السابق أن الأسلمة، والتعريب بدرجة أقل حتى، لم يُفرضا ببساطة من قبل الطبقة العربية-المسلمة الحاكمة. بل تشير الوقائع إلى أن هذه الطبقة الحاكمة، والتي نشاهدها في العقود الأولى من الإسلام، وخاصة في عهد الخلافة الأموية، كانت بالحريّ حريصة على المحافظة على تمايزها عن الشعوب الخاضعة لحكمها. لكن الحضارة الإسلامية أخذت شكلها على نحو أكثر تحديداً في العهد العباسي، في القرن الثاني للإسلام. كانت هذه فترة أكثر كوزموبوليتانية (عالمية) ضمّت فيها النخب الثقافية والحاكمة أناساً كثر من أصل فارسي، ودمجت معها ملامح هامة هيلينية وفارسية المنشأ. ومع ذلك، ظلّت لغة الثقافة الكوزموبوليتانية هذه عربية. يقترح هذا السياق للتعريب أن العملية لم تكن نتيجة لـ"فروض"، بل نتاج اختلاط وتفاعل واسع المدى بين الشعوب والجماعات المشاركة في مجتمع معقّد اقتصادياً وثقافياً ومنفتح نسبياً [5].


    تمثّل اللغة أهم عنصر من عناصر التماثلات الثقافية، لكنها ليست العنصر الوحيد. تسهّل اللغة، بالطبع، عمل العناصر المشركة الأخرى. فبالفعل، يضمّ العالم العربي في داخله تماثلات أكثر منه مع تركيا وإيران، لكن ينبغي التشديد على أن الحدود اللغوية والثقافية سائلة أو مرنة. على سبيل المثال، يجمع جنوب العراق بين مكوّنه العربي وعناصر لغوية وثقافية فارسية كثيرة، ربما كان مصدرها صلات القربى الشيعية. وبالمثل، يشترك شمال غربي العراق وسوريا بعناصر ثقافية ولغوية تركية كثيرة. بالمقابل، التأثيرات اللغوية والثقافية العربية في إيران وتركيا معروفة جيداً، ومثلها التأثيرات الفارسية في الثقافة التركية. وعلاوة على ذلك، ثمة الكثير من الأقليات اللغوية داخل العالم العربي نفسه: الأكراد والتركمان والأرمن والفرس وغيرهم. وبقدر ما تم تمدينهم، بقدر ما شاركوا في العديد من التماثلات الثقافية قيد البحث.


    في ما يلي سأحاول أن أوضّح هذه المناقشة بأمثلة، بعضها مستقى من مصادر وسجّلات مكتوبة، وبعضها الآخر يعتمد على معرفتي الشخصية بأجزاء مختلفة من الشرق الأوسط، خاصة العراق، والتي أكّدها رواتي (مزوّدي المعلومات) فيما بعد. وقد يصحّ أن هذه، كأمثلة توضيحية، لا تقلّ مشروعية عن السجّلات الإثنوغرافية.


    الدين والثقافة الشعبية


    إن الفرق بين الدين الشعبي والدين التقليدي، الكتابي والفقهي، مدروس وموثّق جيداً. لكن ثمة الكثير من المظاهر الدينية الشعبية، على كل حال، تتمتع بتأييد ودعم الدين الأرثوذوكسي (التقليدي). من هذه، على سبيل المثال، احتفالات المولد النبويّ، أو عزاء الحسين عند الشيعة. بالمثل، قُبل الكثير من الممارسات الصوفية، على الأقل منذ القرن الحادي عشر، من قبل المؤسسات الدينية التقليدية وبات جزءاً طبيعياً من الحياة الإسلامية تحديداً - لكن مع انشقاقات وخلافات متكررة، بالطبع. وعدا عن هذه التجليات الإسلامية للتدين الشعبي، وكذلك أمثلة أخرى مسيحية ويهودية، ثمة طيف واسع من الملامح المشتركة التي تتجاوز الحدود الدينية للجماعات. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الجنّ، الكائنات الأسطورية التي تعيش تحت عالمنا البشري، والتي نلاقيها في الكثير من الأديان الشعبية عبر الحدود الدينية، مذكورة كثيراً في القرآن نفسه. وبهذا الصدد، فالتضادّ بين التديّن الشعبي والأرثوذوكسية الدينية مبالغ به بعض الأحيان.


    من هذه الملامح المشتركة تبجيل القدّيسين والأولياء. إذ تشكّل قبور الأنبياء والمتصوفين البارزين، أو حتى بعض المعلّمين الدينيين المحليين، مزارات مقدّسة ذات أشخاص أو مؤسسات ترعاها وتدير أمور الحجّ إليها وما إلى ذلك. إحدى الخدمات التي يقدّمها هؤلاء هي الشفاعة للمتضرّع، تسهيل بركة أو درء شرّ. وتُعرف مزارات معينة بأنواع معينة من الخدمات، كحبَل امرأة عاقر أو شفاء أمراض معينة. ويمكن لمعلّمين أو سحرة أحياء أيضاً أن يشتهروا في منطقة معينة بشفاء أمراض معينة، بجرعات أو بركات ما ضدّ طيف من الشرور، غالباً ما تتعلق بالعين الشريرة.


    تنحو هذه الممارسات الدينية-السحرية منحى ذرائعياً. وأعني بـ"ذرائعي" استخدام هذه الممارسات كوسيلة للوصول إلى غايات متوخاة أو لدرء شرور معينة – بعد الإيمان بفعاليتها، بالطبع. في تصنيف ماكس فيبر للتوجهات الدينية، تقف "الذرائعية" و"الأخلاقية"، من وجهة نظر تحليلية، على طرفي نقيض. فيما يلي سأقابل أيضاً بين الذرائعية والاتجاهات "التكافلية"، حيث يصبح الدين "علامة" جماعية، تحرّض المعتقدين به على الفعل الجماعي دفاعاً عن الجماعة أو المعتقد، أو من أجل شرفهم ومجدهم. إن هذا المنحى الذرائعي ومجموعات المعتقدات هي التي تحدّد توظيف وفعالية الممارسات الدينية-السحرية، والتي تبدو أنها مشتركة عبر الحدود العقائدية. فقد يزور يهود ومسيحيون مزاراً إسلامياً يشتهر بفعاليته لحلّ مشاكل معينة. كان ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد، مثلاً، محطّ طقوس معينة للنساء العواقر طالبات الحمل، فاجتذب بذلك نساء يهوديات إلى جانب المسلمات. لكنهن، بالطبع، كنّ يذهبن تحت غطاء العباءة التي تلبسها النساء المسلمات خارج البيت. وبالمثل، يشترك اليهود والمسلمون أحياناً ببعض الأضرحة الخاصة بأنبياء توراتيين في العراق، مثل حزقيال ويونس، بينما يحتكرونها أحياناً أو يختلفون عليها أحياناً أخرى، حيث يقدّسهما ويطلب شفاعتهما كلا الفريقين. كذلك قد يشتهر معلمون دينيون أحياء بقدرتهم على البركة أو الشفاء أو السحر؛ وبغض النظر عن هويتهم الدينية، يزورهم زبائن من جميع المعتقدات. نجد أمثلة أخرى على جماعية الممارسات هذه في مصر بين المسلمين والأقباط، وفي المغرب بين المسلمين واليهود. على هذا المستوى من الذرائعية، تصبح الحدود الدينية للجماعة سائلة تماماً.


    نجد هذه الاتجاهات والممارسات الذرائعية المشتركة أيضاً على مستوى السحر والطقوس الذاتية التطبيق (طقوس "افعلها بنفسك"). إن التكرار الشائع للوصفات الخاصة بالعين الشريرة من العراق إلى المغرب لمدهش حقاً. أحد هذه الوصفات هو وسيط الرصاص المذوّب: تُذوّب كريّة من الرصاص على النار، ثم يُصبّ السائل في وعاء يحوي ماء بارداً. "يُقرأ" الشكل الذي يتخذه الرصاص لتتبّع مصدر العين الشريرة ومن ثم القضاء عليها بوخز أي شيء بارز يشبه العين بإبرة. يمكن للأمثلة أن تتعدد، وبعضها قد يكون خاصاً بجماعات مناطق معينة أكثر من غيرها، لكنها، دائماً تقريباً، تتوازى وتتقاطع.


    أحد عناصر الثقافة الشعبية الأخرى المشتركة كثيراً هو الميثولوجيا الدينية. إذ يظهر الخضر شخصية متكررة في الدين والميثولوجيا الإسلاميين. وموقع هذه الشخصية في الكتب المقدسة مبهم: ارتباطات بسورة الكهف في القرآن، أساطير سريانية عن الإسكندر، سيناريوهات ميسانية (طائفة يهودية).. لكن لا شيء قطعي [6]. في الثقافة الشعبية، ترتبط شخصية الخضر بالرحمة والإنقاذ، فهو يتشفّع للناس الذين يواجهون خطراً وينقذهم مما يبدو موتاً محققاً. في السيناريوهات الميسانية، يرافق الخضر المسيح ويكون له دليلاً. ويُروى أن المهدي المنتظر السوداني رأى الخضر إلى جانب النبي محمد في الحلم أو التجلي الذي كُلّف فيه بمهمته أول مرة. وتظهر في التقليد والدين الشعبي اليهودي شخصية مقابلة هي "إيليجا" أو "إيلياهو" أو "إلياس"؛ كما تحتوي الأساطير الميسيانية على شخصية "نابي إيلياهو" الذي يرافق المسيح في مجيئه.


    إن شخصية الخضر-إلياس مشوّقة في هذا الصدد. فهو -أو هم، كما سنرى- يظهر في الميثولوجيات الشعبية العراقية والتركية، ومن المحتمل أنه يظهر في ميثولوجيات المنطقة الأخرى، لكني لا أستطيع الجزم بذلك. تجتمع في هذه الشخصية الوظائف الشفاعية والحمائية الحميدة للخضر ولإيلياهو، ويبدو أنها شخصية مركّبة. يُقام في العراق وفي تركيا مهرجان ربيعي صغير تكريماً لهذه الشخصية، لكن الطقوس مختلفة بعض الشيء في البلدين. إذ يحدّد رواتي الأتراك أخوين، الخضر وإلياس، ويُقام المهرجان للاحتفال بالذكرى السنوية للقائهما. أما في العراق، فتُرمّز الشخصية أحياناً بوريقات الآس، الذي يُدعى في اللهجة العراقية "الياس"؛ وتُستخدم هذه النبتة في طقوس مختلفة. أحد هذه الطقوس هو حفل الطهور اليهودي، كما يوصف في المقطع التالي:


    في المساء الذي يسبق اليوم الثامن يُنزع كرسيّ النبي إيليجا من مكانه في الكنيس (المعبد اليهودي) ويُحضر إلى المنزل الذي حدثت فيه الولادة. هنا تُوضع عليه التوراة ويُغطى بقماش ثمين مقصّب، ويُزيّن بأزهار وغصينات من الآس والسذاب الطازج... يعطي البغداديون تفسيراً شعبياً لاستخدام الآس في هذه المناسبة بمقابلة اسم النبي خضر إلياس والتسمية العربية [العامية] للآس، الياس. ومهما كانت براعة هذه التسمية، نعلم أن استخدام الآس في مناسبات الدفن والزفاف والولادة يعود إلى الأزمنة التلمودية ويخدم غاية الحماية من القوى الشيطانية. (ساسوون، تاريخ اليهود في بغداد، 1949، ص183)


    من الممكن أن المؤلف ديفيد سولومون ساسوون، وهو يهودي ثريّ من أصل عراقي كتب في إنكلترا (اُنجز الكتاب عام 1932)، لم يكن يعرف بوجود أو أهمية الخضر في السياق العربي-الإسلامي العام، ففضّل أن يشرح التقليد بإرجاعه إلى التاريخ اليهودي القديم. إن أهمية "كرسي إيلياهو" وترميز النبي بالآس هما بالفعل لطرد الأرواح الشريرة ودرء العين الشريرة، ولحماية الطفل الصغير في حالات الخطر الفيزيائي. وهي تتوافق تماماً مع الوظائف التي تُنسب عادة إلى الخضر.


    في الميثولوجيا الدينية الخاصة بمصر وسوريا الكبرى، المعادل المسيحي للخضر هو القديس جورج. فتظهر في الأسطورة القديمة المتعلقة بتنين النيل، الذي كانت تُقدّم له أضحية بشرية كلّ عام كي لا يحبس الماء، شخصية قاتل الوحش المقدّسة: بالنسبة للمسلمين هي الخضر، وبالنسبة للأقباط هي القديس جورج.


    يمكن القول إن هذه العناصر المشتركة من الدين الشعبي والميثولوجيا تعود إلى العالم التاريخي المشترك للديانات الثلاث، الأمر الذي سبق أن أشرنا إليه، و/أو إلى التاريخ الثقافي المشترك للمنطقة، بما في ذلك المعتقدات والممارسات الدينية والسحرية الرافدية والفارسية السابقة للإسلام. ذلك معقول، لكن الأصول القديمة المشتركة لا تكفي قطّ وحدها لتفسير الممارسات الراهنة. من المرجّح جداً أن هذه العناصر الثقافية اشتركت في الانقلابات والتحولات التي اتّسم بها تاريخ العالم القديم. بالنسبة للأديان الرسمية ، تجدر الملاحظة أن معظم المعتقدات والممارسات الشعبية تقع على الهامش، أو حتى خارج هذه الأديان تماماً، مستثمرةً النصوص المقدسة والتقاليد، شخصياتها المقدسة وقصصها، لكنها تستخدمها لابتناءاتها الخاصة التي غالباً ما تُعتبر هرطقية من وجهة نظر الأرثوذوكسية الدينية. وبهذا المعنى، فالثقافة الشعبية "بريكوليور" bricoleur [7]، يجمع عناصر ميثولوجية من مصادر مختلفة ويصنع منها شيئاً غير متقن الصنع لأغراض معينة في متناول اليد.


    الذرائعية والتكافل


    تتعارض عناصر جماعيّة الثقافة الشعبية هذه بحدّة مع صورة مجتمع مديني شرقوسطي كنّا قد أشرنا إليها أعلاه: جماعات قائمة على أساس الدين أو الإثنية أو العشيرة وتحافظ على حدود اجتماعية ومناطقية قوية. يمكن فهم هذا التعارض إذا ما أخذنا في الاعتبار الأهمية الاجتماعية للدين من منظورين اثنين: الذرائعية والتكافل. في السياق الأول يمثّل الدين مجموعة من الموارد لتحقيق غايات معينة تخصّ الصحة والثروة والسعادة. وهنا تظهر الثقافة الشعبية كـ "بريكوليور" يجمع المرء فيه عناصر مختلفة إلى بعضها ويبتني منها علاجاً يلائم المشكلة التي بين يديه. وهنا تكون الحدود العقائدية في أكثر حالاتها سيولة، حيث تستخدم عناصر من الديانات المختلفة ومن السحر الفولكلوري بشكل تكون فيه قابلة للتبادل والتبديل فيما بينها. في نظرية ماوس عن السحر [8]، هذه هي المنطقة التي يُغتصب فيها المقدّس/الجمعيّ لأهداف فردية.


    من منظور آخر، الدين أيضاً مجال التكافلات أو التضامنات الاجتماعية القائمة على أساس الانتماء المشترك، مع مؤسسات وطقوس محددة للعبادة تماثل بين المعتقدين بها وتفصلهم عن ممارسي العقائد الأخرى. إن الوحدة الكبرى في المجتمع الإسلامي، الأمّة، كيان نظري، لكن تكافلات جماعية معينة تقوم، جزئياً على الأقل، على هويات إيمانية أو عقائدية جزئية. فكون المرء سنّياً، شيعياً، مسيحياً أو يهودياً علامة إثنية هامة دائماً بالإضافة إلى كونه كردياً أو أرمنياً أو من هذه القبيلة أو تلك. وفي حالات التنافس أو الخلاف بين الجماعات، يستجيب الأفراد عادةً بما يتفق مع التكافل الجماعي، الذي يكون المكوّن الديني فيه أساسياً.


    ينبغي عليّ التشديد مرة أخرى أن هذه الهويات الجماعية لم تقف دائماً عائقاً أمام التلاقح الاجتماعي والاقتصادي عبر حدود الجماعات. ففي فترات استتباب الأمن والازدهار، كانت النشاطات والصلات الاقتصادية تطفح لتؤدي إلى تلاقح اجتماعي وتبادل ثقافي. فقد اعتمدت الدولة العثمانية بكثرة على مهارات الذمّيين وولاءاتهم المفترضة، كاليونانيين والأرمن واليهود في فترات مختلفة، والذين اتخذوا مواقع ووظائف مختلفة [9]. وربما يكون ذلك قد نفّرهم عن فئات عديدة من عامّة الشعب، لكن لا بدّ أنه خلق أيضاً روابط اجتماعية مع فئات أخرى. بيد أن العلاقات الاجتماعية كانت مقيّدة بالضرورة بهرم المكانة الدينية التي تضع الذمّيين، مهما كانوا أثرياء أو متعلمين، في مرتبة أدنى. من المؤكد كذلك أن التلاقح الاجتماعي هذا توقف عند الزواج المختلط. فكما في أوقات الأزمات والحروب والصعوبات الاقتصادية، كانت حدود الجماعات ههنا تُغلق بإحكام وتنسحب كل جماعة إلى أمن منطقتها، ومن هناك قد تندلع نزاعات فيما بينها بين الحين والآخر. من منظور تاريخي طويل الأمد، قد يمكننا أن نسلّم بدورات تتعاقب فيها مراحل من الاستقرار السياسي مقروناً بنشاط اقتصاديٍ عالٍ ومراحل من الأزمات والنزاعات وانكماش النشاط الاقتصادي. ستكون الأولى مرتبطة باسترخاء الحدود الجماعية وتزايد التلاقح الاجتماعي والتبادل الثقافي، بينما الثانية بتوطيد حدود الجماعات والانعزال الاجتماعي والمواقف الدفاعية. يمكن تفسير العناصر المشتركة في الثقافة الشعبية بالتكرار التاريخي لمرحلة الاستقرار-الازدهار من الدورة.


    إن منظوري الذرائعية والتكافل، على كل حال، لا يستهلكان المدى الواسع لأهمية الدين في الثقافة الشعبية. فثمة جانب آخر على قدر كبير من الأهمية -رغم أنه قد يكون مراوغاً- يمكن أن ندعوه الجانب الإدراكي أو المفاهيمي: أطر إدراكية مرجعية تتألف من الكونيات والمفاهيم والرموز التي تشكّل لبنات المعرفة والاعتقاد الشعبيين؛ البداهة العامة وطقوس الحياة اليومية. توحي جماعية الميثولوجيا والطقوس الشعبية عبر الحدود الدينية والمذهبية بأن عناصر من هذا الإطار الإدراكي مشتركة أيضاً، على الأقل في بلدان ومناطق معينة. ثمة، على سبيل المثال، جماعية في المعرفة الفولكلورية والإلمام بالمسائل الزراعية في مصر بين المسلمين والأقباط. وحتى اليهود الإيرانيين، الذين يبدو أنهم كانوا مقيدين ومعزولين بشدة خلال العهدين الصفوي والقاجاري، أنتجوا، بالفارسية، نصوصاً أدبية استخدمت الشكل البطولي للملاحم الفارسية، لكن عن مواضيع توراتية [10].


    حفلات الزفاف: صورة توضيحية


    هذا القسم مكرّس لمناقشة بعض عناصر عادات الزواج وحفلات الزفاف بهدف توضيح جانبين من جوانب الثقافة الشعبية: أولاً، جماعية واستمرارية بعض عناصرها، على الأقل في العالم العربي، وحدود التأثيرات الدينية، وبالتالي الخاصة بجماعات معينة؛ وثانياً، التحولات التي طرأت على هذه العناصر ضمن الشروط الاجتماعية والمكانية الحديثة، مع الحفاظ على الأشكال والتسميات. وسيقودنا ذلك إلى مناقشة عن أثر الحداثة على الثقافة الشعبية.


    عند قراءتي لوصف إدوارد لين [11] لعادات الزواج وحفلات الزفاف في مصر القرن التاسع عشر، أدهشتني أوجه التشابه الكثيرة مع عادات الزواج الأحدث عهداً، والتي أعرفها من خلال المعرفة الشخصية وكذلك الأعمال والمراجع الأدبية، وهو ما أكّده أيضاً فيما بعد رواة من أنحاء مختلفة من المنطقة. بدايةً أقتبس نبذات من وصف لين:


    "[بعد أن يتفقا على المهر، يتابع الطرفان إلى حفل عقد الزواج، أو "كتب الكتاب".] في اليوم المحدد للاحتفال، يذهب العريس، مرة أخرى برفقة واحد أو اثنين من أصدقائه، إلى بيت العروس، عادة في فترة الظهيرة، حاملاً معه الجزء من المهر الذي كان وعد بأن يدفعه في هذه المناسبة. يتم استقباله هو وصحبه من قبل وكيل العروس، وعادة ما يكون اثنان أو أكثر من أصدقاء هذا الأخير حاضرين. من المهم كذلك أن يحضر شاهدان (ويجب أن يكون هذان مسلمين) يشهدان عقد الزواج، سوى في الحالات التي يتعذّر فيها إحضار شهود. يقرأ كلّ الموجودين "الفاتحة"، ثم يدفع العريس النقود. بعدئذ تتم تأدية عقد الزواج، وهو بسيط للغاية. يجلس العريس ووكيل العروس على الأرض، وجهاً لوجه وإحدى الركبتين على الأرض، ويمسكان يد بعضهما البعض اليمنى، رافعين الإبهام وضاغطين بإبهامهما على إبهام الآخر. عادة ما يُستدعى فقيه أو شيخ ليعلّمهما ما سيقولانه. بعد تغطية يديهما المتصافحتين بمنديل، عادة ما يستبق الفقيه كلمات العقد بخطبة مؤلفة من بعض كلمات النصح والأدعية، مع مقبوسات من القرآن والحديث عن فوائد الزواج. [...] قبل أن يغادر المجتمعون في هذه المناسبة، يتفقون على موعد "ليلة الدخلة": الليلة التي تُحضر فيها العروس إلى بيت العريس، الذي سيزورها لأول مرة.


    بشكل عام ينتظر العريس عروسه ثمانية أو عشرة ايام بعد إبرام عقد الزواج. وفي هذه الأثناء، يرسل لها، مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر، بعض الفواكه والحلويات إلخ، وقد يهديها شالاً أو أغراضاً قيّمة أخرى. في الوقت نفسه، تكون عائلة العروس مشغولة بتجهيز عفشها (كالدواوين، الحُصُر، السجّاد، أغطية السرير، أواني المطبخ إلخ.) بالإضافة إلى ثوب الزفاف. يُصرف الجزء من المهر الذي دفعه العريس، بالإضافة عادة إلى كمية إضافية من النقود تدفها عائلة العريس (والتي غالباً ما تكون أكبر من المهر نفسه)، على شراء قطع الأثاث وثوب العروس وحليتها (الذهب). وتُعدّ هذه الأغراض، التي تُدعى "جهاز العروس"، ملكاً لها، فإذا تطلّقت أخذتها معها. لذا، لا نستطيع في الواقع أن نقول أنها "اشتُريت". [...]


    [ثم تأتي ترتيبات "ليلة الدخلة".] لنقل، مثلاً، إن العروس ستُزفّ إلى العريس ليلة الجمعة. على مرّ اليومين السابقين، أو ثلاثة أيام أو أكثر، يُضاء الشارع أو الحيّ الذي يسكن فيه العريس بشمعدانات وقناديل، أو بقناديل ومصابيح صغيرة، بعضها يُعلّق بحبل يمتدّ من منزل العريس وبضع منازل أخرى مجاورة على الطرفين إلى المنازل المواجهة لها. وتُعلّق بالحبال كذلك بضعة أعلام حريرية صغيرة ذات لونين، عادة ما يكونان أحمر وأخضر. ويُقدّم كذلك في بيت العريس شكل من اشكال الترفيه في كل ليلة من هذه الليالي، خاصة في الليلة الأخيرة قبل ليلة إتمام الزفاف. وجرت العادة أن يرسل المدعوّون، وكلّ الأصدقاء المقرّبين، هدايا إلى بيت العريس قبل موعد الوليمة التي يتوقعون حضورها بيوم أو يومين. عادة ما يرسلون سكراً، قهوة، أرزاً، شموعاً أو خروفاً. وعادة ما تُوضع هذه الأغراض على صينية من النحاس أو الخشب وتُغطّى بمنديل حريريّ أو مطرّز. ويكون ترفيه الضيوف في هذه المناسبات بالموسيقيين والمغنّين أو المغنّيات، بالراقصات أو بعروض "خاتمه" أو "ذكر". [...]


    يوم الأربعاء السابق للزفاف (أو الأحد إذا كان الزفاف سينتهي ليلة الاثنين)، حوالي منتصف الظهيرة أو أكثر قليلاً، تذهب العروس إلى الحمّام. يُدعى الموكب الذي يصحبها إلى هناك "زفّة الحمّام"، ويتقدّمه فريق من الموسيقيين، مع مزمار أو مزمارين وطبول ودفوف من مختلف الأنواع. [...] يتقدم الموكب ببطء شديد، وعادة ما يتبع طريقاً متعرجة من أجل عرض أطول. عند مغادرة المنزل، يتجه الموكب إلى اليمين، ويكون في مؤخرته فريق ثان من الموسيقيين شبيه بالأول، أو مجرد طبلين أو ثلاثة وحسب. [...]


    بعد عودتها من الحمّام إلى منزل أهلها، تتناول العروس وصحبها الطعام معاً. وإذا كانت الفرقة الموسيقية قد شاركت في حفل الحمّام، يعود أعضاؤها أيضاً مع العروس لتجديد حفلتهم. دائماً ما تكون أغانيهم عن موضوع الحبّ، وكذلك هذا الحدث السارّ الذي جلبهم إلى هنا. بعد أن يتمّ تسلية صحب العروس على هذا النحو، وبينما تكون كمية كبيرة من الحنّاء ممزوجة مع الصمغ قد جُهزت، تأخذ العروس كتلة منها في يدها، ثم تتلقى مساهمات من ضيوفها تُدعى "نُقوط". يضع كلّ منهم قطعة نقود، عادة ما تكون من الذهب، في الحنّاء التي تمسكها بيدها، وحين تمتلئ الكتلة بقطع النقود الملتصقة، تتخلص منها بحفّ يدها بطرف حوض من الماء. بعد أن تجمع العروس نقوطها من الضيوف بهذه الطريقة، توضع كمية أخرى من الحنّاء على يديها وقدميها وتُلف بقطع من الكتّان. تبقى العروس في هذه الحال إلى صباح اليوم التالي، حيث تكون قد اصطبغت بما يكفي بلون برتقالي قان، ويستخدم الضيوف ما تبقى من الحنّاء لصباغة أيديهم. تُدعى هذه الليلة "ليلة الحنّة".


    وفي هذه الليلة، وأحياناً في الجزء الأخير من اليوم السابق، يقدّم العريس حدثه الترفيهي الرئيس. يؤدي "المحبّذون"، أو ممثلو مسرح هزلي خفيف، عرضاً أمام المنزل، أو في باحته إذا كانت واسعة كفاية. أما العروض الأخرى الشائعة لتسلية الضيوف فقد سبق أن أتينا على ذكرها.


    في اليوم التالي تؤخذ العروس في موكب إلى بيت العريس. يُدعى الموكب الذي سبق وصفه "زفّة الحمّام"، لتمييزه عن هذا الموكب، الأكثر أهمية، والذي يُدعى لذلك "زفّة العروسة". في بعض الأحيان، لتخفيف مصاريف الزواج، تؤخذ العروس إلى الحمام خلسةً ويكون لها فقط شرف الزفّة إلى بيت العريس. والزفّة هذه مشابهة تماماً لسابقتها: بعد أن تتناول العروس وصحبها الفطور، يغادرون البيت عادةً بعد منتصف الظهر بقليل. يتقدّمون بالترتيب نفسه والبطء نفسه كما في زفّة الحمّام؛ وإذا كان بيت العريس قريباً، يتبعون طريقاً متعرجة، عبر شوارع رئيسية عدّة، بهدف الاستعراض. عادة ما يستغرق هذا الاحتفال ثلاث ساعات أو أكثر. [...]


    بعد أن تصل العروس وجماعتها إلى بيت العريس، يجلسون جميعاً لتناول الطعام. يغادر أصحابها بعد ذلك بقليل، تاركين معها فقط أمها وأختها، أو قريبة أو قريبتين أخريين، بالإضافة إلى امرأة أو اثنتين من المقرّبات. تدعى هذه الليلة "ليلة الدخلة".


    يجلس العريس في الأسفل؛ وقبل غروب الشمس، يذهب إلى الحمّام وهناك يبدّل ثيابه، أو قد يفعل ذلك في البيت. بعد أن يتناول الطعام مع صحبه، ينتظر إلى ما قبل صلاة العشاء بقليل، أو الساعة الثالثة أو الرابعة من المساء، آن يتوجب عليه، تبعاً للعادات، أن يذهب إلى مسجد شهير ما، كجامع الحسنين، ويصلّي هناك. إذا كان العريس شابّاً، عادة ما يُشرّف بزفّة في طريقه إلى الجامع، يسبقه موسيقيون مع طبول ومزمار أو أكثر ويصحبه عدد من الأصدقاء والرجال الذين يحملون "المشاعل". [...]"


    لنلاحظ أولاً تعاقب الاحتفالات والاصطلاحات الخاصة بها. أولاً، هناك حفل عقد الزواج، أو "عقد النكاح"، الذي يُكتب خلاله العقد، "كتب الكتاب"؛ وهناك "خُطبة" يلقيها الفقيه الذي يتولى إدارة الحفل. يُدعى هذا الحفل أحياناً "خِطبة" أو "خطوبة"، ويُدعى الشخص الذي يرتبط بآخر بهذا العقد "خاطباً" أو "مخطوباً(ة)"؛ وهو احتفال أوليّ، لكنه ملزِم. يُستكمل الزواج بالاحتفال اللاحق، أو "ليلة الدخلة"، الذي يأتي بعد ثمان ليال أو عشر، وفقاً لما أورده لين؛ لكنه في الأزمنة الحديثة، ولا سيما عند أبناء الطبقات الوسطى والعليا، قد يتأخر إلى ما بعد فترة "خطوبة" طويلة قد تمتد لسنة. ثانياً، هناك "الزفّات" أو المواكب. المناسبة الرئيسية هي "زفّة العروسة"، التي تؤخذ فيها العروس إلى بيتها الزوجي من أجل "ليلة الدخلة". وهناك موكب ثانويّ هو "زفّة الحمّام"، التي تنتهي بحفل "الحنّة". هناك أيضاً زفّات ثانوية أخرى مثل "زفّة الجهاز"، حيث تُحمل ثياب العروس وعفشها، و"زفّة العريس"، التي يؤخذ فيها العريس إلى ومن المسجد ليلة زفافه. في جميع هذه الزفّات ثمة مواكب تتخذ طرقاً متعرجة وتتحرك ببطء عبر الأحياء والحارات حيث تقطن العائلتان المحتفلتان، وتُنظم الاحتفالات علانية، مع موسيقى وعروض مختلفة، لتعلن حالة المحتفلين على رؤوس الأشهاد. ثالثاً، هناك حفل الحنّاء، الذي يُدعى أحياناً "ليلة الحنّة"، والذي هو، وفقاً لوصف لين، حدث نسائي تماماً. رابعاً، هناك "ليلة الدخلة" والاحتفالات التي تسبقها وتليها في منزل العريس. ولاحظوا هنا أن الاحتفالات لا تقتصر على المنزل، بل تضمّ الشارع وأحياناً الحيّ بأكمله. وتتسم كلّ هذه الاحتفالات بتبادل الهدايا في جميع الاتجاهات: العريس للعروس، بين العائلتين، هدايا للخدم والمرؤوسين، هدايا صغيرة كالمشروبات أو الحلويات أو قطع النقود للجيران خلال الزفّات، هدايا للعريسين من الأصدقاء والجيران وهلمّ جرّا. والكثير من هذه الهدايا خاصّ بهذه المناسبات.


    إن شكل وتعاقب هذه الاحتفالات والاصطلاحات الخاصة بها مشترك على نحو واسع عبر العالم العربي، مع بعض الملامح المشتركة مع إيران وتركيا أيضاً. التنويعات الأساسية هي تلك التي نجدها بين المدينة والقرية والقبيلة؛ وتلعب الفروقات الطبقية أيضاً دوراً هاماً، بسبب اختلاف القدرة على الصرف بين طبقة وأخرى. والكثير من هذه العناصر كان شائعاً أيضاً لدى المسيحيين واليهود الأصليين في المنطقة، لكن مع اختلاف التأثير الديني، بالطبع.


    يتبع اليهود العراقيون [12]، على سبيل المثال، تسلسلاً مشابهاً في احتفالاتهم. يُدعى الحفل الأول "قَدّوس"، أو تبريك، يُكتب خلاله عقد الزواج، أو الـ "كتْيبه"، وتُتلى التبريكات من قبل حاخام مع قدح من الخمر، تتلوها حفلة. وهذا العقد مُلزِم يمكن فضّه فقط بالطلاق. والفارق الأساسي بين هذا الاحتفال واحتفالات يهود العراق الأخرى وبين تلك التي يصفها لين هي أن هذه ليست حكراً على جنس دون آخر. إذ تكون العروس حاضرة أيضاً في حفل كتابة العقد، وكذلك النساء الأخريات. بعدئذ يرتبط الزوجان في خطوبة قد تمتدّ سنة أو أكثر، تليها احتفالات الزفاف. في ليلة يوم الزفاف يُقام حفل "الحنّة"، على نحو مشابه لما يصفه لين، تسبقه زيارة احتفالية إلى الحمّام من قبل العروس وقريباتها وصديقاتها البنات، لكنها هنا ليست مطوّلة كما في وصف لين. بالنسبة للنساء اليهوديات، الحمّام طقس ديني واجب، وتنبغي تأديته في حمّامات خاصة مُجازة، غالباً ما تكون متصلة بكنيس أو معبد يهودي. يعني ذلك أن حمّام العروس -على الأقل بالنسبة لليهود التقليديين- لا يزال يحدث في حمّامات عمومية حتى وإن امتلك الناس حمامات خاصة في منازلهم [13]. حديثاً أصبح حفل الحنّة الحفل الرئيسي الذي تقيمه عائلة العروس وتولم فيه وليمة. في السابق كان الحفل يبدأ بحضور نساء فقط، ثم ينضمّ إليهن العريس والرجال الآخرون لاحقاً مع حلول المساء. ويمكن للعريس وبعض صحبه أن يضعوا بعض الحنّاء على خنصرهم.


    يبدأ حفل الزفاف الرئيسي في الكنيس بقدّاس ديني، يتبعه احتفال في بيت العريس، عادة ما يكون أصغر وأقصر من حفل الحنّة. وتُدعى هذه الليلة "ليلة الدخلة". خلال الليالي السبع التالية تُقام احتفالات صغيرة في بيت العريس. هناك احتفالات وطقوس تحيط بحركة العريسين، وترافقها الموسيقى أحياناً. لكن، على العموم، احتفالات اليهود أقل صخباً بكثير من زفّات المسلمين العلنية. قد يكون السبب في ذلك هو التقييدات المفروضة على عروض الذمّيين العامة؛ تلك التقييدات التي فرضتها العادات والتقاليد تارة، والقوانين تارة أخرى، وأحياناً من قبيل الحيطة وحسب.


    يبدو أن المراجع الأدبية والمعلومات التي زوّدني بها رواة من مدن وجماعات عربية مختلفة تؤيد الخطوط العريضة لوصف لين لحفلات الزفاف، مع تنويعات محلية في العادات والمصطلحات [14]. ليست لديّ معلومات عن عمومية هذه الاحتفالات والتسميات بين الجماعات غير الإسلامية في أجزاء أخرى من العالم العربي، لكن يبدو أن حفل الحنّة عالميّ ويُقام كذلك في إيران وتركيا.


    من الملاحظ أن تأثير الدين على احتفالات الزفاف لدى المسلمين يقتصر على التبريكات وقراءة "الفاتحة". أما الفقيه فيشرف على عقد الزواج بوصفه خبيراً قانونياً ومحترفاً في مناسبات الزواج. يُظهر مثال اليهود العراقيين تعاقباً مشابهاً للاحتفالات، لكن مع تأثير ديني أكبر، بما في ذلك إقامة الاحتفال الرئيسي في كنيس. الاختلاف الآخر المتعلق بالدين هو الفصل بين الجنسين في الاحتفالات الإسلامية -على الأقل تقليدياً، كما في وصف لين- بينما احتفالات المسيحين واليهود مختلطة.


    إن الجماعية العبر-دينية للكثير من العناصر الخاصة بهذه الاحتفالات يضعها خارج أيّ خانة أو منشأ ديني واحد. ولا يقلّ تفسيرها بمنشأ عربي عشائري واحد عن ذلك لامعقولية، لأن محلّها الأساسي هو المدينة. وفي جميع الأحوال، أسئلة المنشأ عقيمة، إذ تشكّل هذه الاحتفالات مثالاً آخر على العناصر المشتركة بين ثقافات الشرق الأوسط التي لا يمكن اختزالها إلى الدين. لكن هذه العناصر، كما سبق أن نوّهنا، ليست ثابتة، بل تخضع للتحولات التاريخية التي تمرّ بها المنطقة. أحد أكثر هذه التحولات دراماتيكية، ربما، هي التحولات حديثة العهد المتعلقة بـ "الحداثة".


    يمكننا أن نلاحظ من وصف لين أن الاحتفالات تُقام في سياق يكون فيه التمييز بين الفضاء الخاص والعام سائلاً أو متغيراً. فالزفّات أساساً عروض عامة لأحياء بأكملها؛ فضاءات عامة لا يحتاج الناس إلى دعوة لدخولها. وكذلك الاحتفالات الرئيسية في منزل العريس، قبل وبعد ليلة الدخلة، ليست محصورة بالمنزل، بل تمتدّ إلى فضاءات مجاورة. خطوط الاستبعاد ليست حدود الطبقة الاجتماعية-الاقتصادية، بل حدود الحيّ أو الحارة. بالفعل، الأعراس مناسبات للأخذ والعطاء بين أعضاء شبكات الإحسان التي تمتد عبر الطبقات المختلفة في الحيّ. لكن التحولات الاجتماعية والمكانية التي جلبتها المدن الحديثة قد غيّرت طبيعة هذه الاحتفالات، رغم أن بعض أشكالها ربما تكون قد تمّ الحفاظ عليها.


    تكراراً لوصف مألوف للتحول الذي طرأ على مدن الشرق الأوسط كجزء من عمليات التحول العام في هذا القرن [العشرين]، كانت الأحياء القديمة قطاعات شاقولية من المجتمع ذات تطبُّق (من طبقة) أفقي في الداخل. مع نمو المدن وتغيّر مصادر الثروة والسلطة، وكذلك تطور أنماط جديدة من الحياة جرياً على النماذج الأوروبية، كل ذلك قاد الأغناء والمتعلمين، وبشكل عام مجموعة الطبقات غير المحددة تماماً التي تدعى "الوسطى"، قادها إلى الانتقال من الأحياء القديمة إلى أحياء سكنية جديدة أكثر تجانساً طبقياً. أما الأحياء القديمة، حيث بقيت قائمة، فتحولت إلى مناطق مأهولة بالطبقات الدنيا، أو أحزمة فقر، حيث الازدحام السكاني شديد جداً بسبب موجات المهاجرين من الريف، وحيث يختلط السكن بتجارة وحرف محدودة.


    لا شكّ أن هناك الكثير من الأعراس التي تُقام اليوم في بعض الأحياء الشعبية القديمة، وفي القرى والبلدات، في مصر والبلدان العربية الأخرى على السواء، ما زالت تتبع الخطوط العريضة التي رأيناها في وصف لين. لكن جنباً إلى جنب مع هذه، ثمة نموذج جديد من الاحتفالات يقترن بالطبقات الحداثية الوسطى والعليا، التي تقطن ضواحي جديدة متجانسة طبقياً في المدن الكبيرة. في الاحتفالات الحديثة، يأتي المشاركون من شبكات قربى وصداقة متجانسة طبقياً في غالبها، لكن لا يسكنون بالضرورة في الأحياء نفسها. ما زال ترتيب الاحتفالات نفسه، لكن احتفال "الحنّة" لم يعد عاماً أو شائعاً، وحيثما أُقيم فإنه لم يعد بالضرورة طقساً نسائياً فقط، بل غالباً ما يكون حفلة أخرى في بيت العروس. وبما أن هذه الطبقات لا تستخدم حمّامات السوق العمومية، لم تعد هناك "زفّة حمّام" أيضاً. أما "زفّة العريس" فما زالت، لكنها تحوّلت إلى مواكب سيارات ذات أبواق مدوّية، فيما يشبه بعض الممارسات الأوروبية. وهذا هو الاحتفال الوحيد الذي حافظ على عنصر عام، لكن داخل خصوصية السيارة، وغالباً ما يكون الانطباع العام الذي يخلقه مجهول الهوية في قسمه الأكبر. أما العنصر الديني فيقتصر على حفل "كتب الكتاب". ولا تزال ليلة الزواج تُدعى من قبل الكثيرين "ليلة الدخلة"، ولا يزال يسبقها حفل/استقبال/وليمة الزفاف الرئيسية، تبعاً لمستوى الثروة ونمط الحياة. لكن الاحتفال بالنسبة لهذه الشرائح يكون دائماً في فضاء خاص، إما في البيت أو في قاعة مأجورة في فندق أو نادٍ؛ وغالباً ما يكون الترفيه أوروبياً أو من نمط "الكبريه" الشرقي. حفلات الزواج بالنسبة لهذه الطبقات مُغَرْبنة تماماً (لكن تبعاً لأفكارهم عمّا هو غربي )، باستثناء عقد الزواج بمحتواه الديني القليل. وبهذا المعنى، فغَرْبنة الثقافة ليست مجرد موقف فكري، بل هي عملية لها أسسها المادية في العمليات الاقتصادية والاجتماعية والمكانية [15].


    لا تزال أشكال احتفالات الزواج وترتيبها مستمرة في الكثير من الأحياء المدينية اليوم. لكن إلى أيّ مدى تأثّرت بالتغيّر في طبيعة هذه الأحياء، بالنمو السكاني المذهل وتدفق المهاجرين من الريف وانتقال بعض سكان المدينة الأصليين إلى الضواحي؟ بزوال شبكات العلاقات من مواقعها المكانية في الأحياء وتحوّلها إلى أماكن وعلاقات أقلّ شخصيّة؟ هل "الزفّات" اليوم، بالتالي، مجهولة الهوية والطابع أكثر من ذي قبل؟ هل تمّت مكننتها (باستخدام السيارات) لتغطي المسافات الأوسع التي تفصل بين قاطني المدن الحديثة؟ على سبيل المثال، كانت تُقام في بغداد، حتى سنوات الخمسينات، زفّات بكامل عروضها الترفيهية وموسيقييها في باصات تسير عبر الشوارع ببطء شديد. ينبغي علينا أن نأخذ في الاعتبار كذلك أن نسبة عالية، أو غالبية، من الطبقات الشعبية في المدن الحديثة لم تعد تقطن في الأحياء القديمة، بل في ضواحي على أطراف المدينة، معدّلة أو هامشية أحياناً، ودائمية أحياناً أخرى. هل يملك هؤلاء أماكن عامة ومؤسسات مشتركة كالمساجد والحمّامات؟ هل يملكون الشبكات الاجتماعية المتأتية من صلات القربى والجوار والإحسان، والتي يعتمد عليها الكثير من هذه الأشكال الثقافية؟ بتعبير آخر، هل يملكون الأسس الاجتماعية والاقتصادية والمكانية للحفاظ على نموذج حفلات الزفاف القديم؟ ضمن شروط الأحياء القديمة، كان من الممكن التخفيف من حدّة الفقر من خلال الواجبات المحلية، المساعدة المتبادلة والإحسان؛ وحين تغدو هذه ضعيفة أو غائبة، يكون الفقر أشدّ تقييداً. لكننا لا نستطيع، بالطبع، أن نفترض انقطاع أو غياب هذه الشبكات بشكل كامل. لا شكّ أن نماذج جديدة قد ظهرت لتلائم الظروف الجديدة، وطبيعة هذه النماذج موضوع لبحث الباحثين المتخصصين.


    المواقف من الثقافة الشعبية


    رأينا في مثال حفلات الزفاف أن الشروط المدينية المعاصرة قد قادت إلى زوال الأشكال الثقافية القديمة، على الأقل بين الطبقات الغنية والإنتلجنسيا. وأستخدم هنا كلمة "زوال" وليس "رفض" لأن المواقف والتصريحات العلنية مختلفة وملتبسة. في بعض الحالات، بالطبع، يكون رفضاً قاطعاً، باعتبارها علامة تخلّف وتطيّر، على عكس التقدم الذي تمثّله النماذج الأوروبية. يمكن أن ندعو هذه الأخيرة حداثة عتيقة الطراز. أما المواقف والتصريحات الراهنة فعادة ما تأخذ في الاعتبار، إما علناً أو ضمناً، شكلاً من اشكال القوموية الثقافية، التي تؤكّد على الإرث الثقافي القومي. لكن إرثاً كهذا ليس حاضراً في كل ما يفعله الشعب ؛ إذ ينبغي تطوير قراءات وتعاريف معينة لما يشكّل الثقافة القومية، وهو مشروع يأخذه على عاتقهم المثقفون والسياسيون ومؤسسات الدولة. وتمضي هذه القراءات يداً بيد مع تحولات الثقافة الشعبية التي تخضع لتأثير القيود التي تفرضها عمليات النمو الاقتصادي-الاجتماعي والمكاني، لكن ليس بالضرورة في الاتجاه نفسه. أحد الثيمات الثابتة في إعادة البناء الإيديولوجية للثقافة الشعبية هو ما يمكن تسميته بـ "التطهير" أو "التنقية". ولنأخذ شكلين من أشكال هذا المشروع.


    1. التطهير القومي


    يجب على الثقافة الشعبية، باعتبارها جزءاً من الإرث القومي، سواء كان عربياً أو فارسياً أو تركياً، أن تُعاد كتابتها لتلائم البناء العام لتاريخ قومي جوهراني (يركّز على الجوهر) تؤسّس مع الوقت لهوية الكيان القومي الحديث. لكن المشكلة أن تاريخ المنطقة تاريخ متعدد اللغات، مختلط الشعوب والثقافات والأديان؛ والثقافة الشعبية تعكس هذا التاريخ. وبالتالي، فالمهمة القومية هي تطهير هذه الثقافة لتطابق الصورة المرغوبة. وهكذا تصبح العناصر الأجنبية إضافات سطحية اكتُسبت خلال فترات الانحطاط، وحتى ربما بمساعدة الإمبريالية، التي يجب أن تُنبذ الآن. في ندوة عن الغذاء مؤخراً، ثارت جفيظة كاتبة عربية متخصصة بالغذاء لطرح فكرة التأثير الفارسي الكبير على الطبخ العراقي، وجادلت بحماس دفاعاً عن تكامل وأصالة التقليد العربي؛ لكنها بدت تائهة حين سُئلت عن الأسماء الفارسية والتركية للكثير من الأطباق العراقية. تُعطى هذه المواقف منزلة مقدسة أحياناً في سياسات الدولة، فكلا تركيا وإيران شهد محاولات لتطهير اللغة من العناصر العربية.


    غالباً ما تقود سياسات الدولة للحفاظ على الإرث الثقافي إلى "فَلْكَرة" الثقافة (من فولكلور)، أي تطوير عناصر منتقاة في الزيّ والموسيقى والثقافة الشفاهية وترسيمها (من رسميّ) من أجل العروض المسرحية. وحدها العناصر القومية حقاً هي ما يتم الإبقاء عليها. وكمثال متطرف على ذلك، أُعلن في العراق عام 1977 حظراً رسمياً على إذاعة الأغاني التي تحتوي على كلمات أجنبية. وينطبق ذلك عملياً على جميع الأغاني الشعبية الكلاسيكية أو القديمة، حيث تشيع الكلمات أو التعابير الفارسية والتركية فيها بكثرة. من نافل القول أن حظراً كهذا كان من الصعب تطبيقه، فما كان إلا أن سقط في نهاية المطاف.


    إن الأسس الاقتصادية والاجتماعية والمكانية للثقافة الشعبية يتم محوها خلال عملية التحديث بشكل عام، غالباً كنتيجة مباشرة لسياسات الدولة. وفي الوقت نفسه، تروّج مؤسسات الدولة لفولكلور مرسّم: عناصر منتقاة ومطهّرة، منزوعة عن أي سياق مُعاش ويُحافظ عليها كـ إرث .


    2. التطهير الديني


    أحد الأهداف الأساسية لسائر حركات الإصلاح الديني في الإسلام كان ولا يزال تطهير الدين الحقّ من خلال نبذ المعتقدات والممارسات الهرطقية، السحرية والتوفيقية. لكن تاريخياً، مجرد حقيقة أن محاولات تطهير كهذه كانت تكرر بين الحين والآخر دليل على أن هذه المحاولات حظيت بنجاح قليل على المدى الطويل. منذ القرن التاسع عشر، على كلّ حال، أصبح التطهير الديني جزءاً من حركات الإصلاح المحدِّثة ، مثل مشروع محمد عبده الإصلاحي في مصر في نهاية القرن التاسع عشر والحركة السلفية التي تبعته في أجزاء مختلفة من العالم العربي. وكذلك الحركة الوهّابية في السعودية، والتي سبقت تلك الحركات وكانت أكثر منها تقليديّة، تقدّمت باتجاه غايات مشابهة فيما يتعلق بالدين الشعبي، بل واندمجت مع السلفية في بعض تأثيراتها.


    تزامنت هذه الحركات في العصر الحديث مع العمليات العامة التي غيّرت وجه المنطقة، والتي ضمّت فيما ضمّت العلمانية في جوانب كثيرة من المجتمع والثقافة، ولا سيما التعليم. وبالفعل، كان للحركات الصريحة في علمانيتها، وأبرزها الكمالية في تركيا، أهداف وآثار كثيرة مشتركة مع حركات الإصلاح الديني. فكانوا يعربون عن رفضهم للدين الشعبي بلغة "التقدّم" في مقابل "التخلّف"، باعتبار ذلك جزءاً هاماً من الحملة من أجل القوة والمجد القوميين وضدّ الهيمنة الأجنبية. وبات رفض الدين الشعبي جزءاً من المشروع القوموي، ويندمج بهذا المعنى مع التطهير القومي للثقافة الشعبية. من الأمثلة الجيدة على ذلك حزب الاستقلال في المغرب، الذي يؤيد الإصلاحات السلفية ويضمّ في برنامجه الخاص بالنضال من أجل الاستقلال معارضة الحلقات والطقوس الصوفية التي تهيمن على التديّن في المغرب (إلى اليوم). لكن محاولة الحزب بعد الاستقلال حظر "مواسم" الأولياء والتمظهرات الأخرى للثقافة الشعبية، أو الحدّ منها، لم تدم طويلاً، جزئياً بسبب الجذور العميقة للصوفية في المجتمع المغربي، وجزئياً بسبب دعم جهات سياسية قوية – وهي ميزات لا نصادفها كثيراً في البلدان الأخرى في المنطقة. وليست الحركات الإسلامية الراديكالية الأحدث عهداً -في الإسلام السنّي، على الأقل- أكثر تسامحاً تجاه الدين الشعبي من سليفاتها الأرثوذكسية المحافظة، والتي تشترك معها بتركيز على المصادر الكتابية والأمثلة المستقاة من سيرة النبيّ وصحابته.


    عادة ما تكون الحركات الإسلامية السياسية الأصولية معارضة للقوموية العلمانية بشدّة، وكثيراً ما تقتبس شعار "قومية المسلم إيمانه". تستلزم المشاريع الثقافية لهذه الحركات رفضاً للأفكار والممارسات الغربية لصالح مفاهيم إسلامية "أصلية"، لكن ابتناءها للإسلام "الأصلي" يستبعد أيضاً غالبية المعتقدات والممارسات التي نجدها في الثقافة الشعبية، بما في ذلك الممارسات الدينية-السحرية التي تعتبرها فاسدة. وبهذا المعنى، تؤدي مشاريعها الثقافية إلى آثار متشابهة، وإن كانت غير متطابقة، فيما يتعلق بـ "تطهير" الثقافة وأساليب الحياة الشعبية. والأصوليون الإسلاميون، بهذا المعنى، قوميون ثقافيون هم أيضاً، باعتبار قوميتهم إيمانهم. فمن المؤكد أن أحد مكوّنات الدعوة الفكرية والسياسية للأفكار والحركات الإسلامية الحديثة صفائية ثقافية ودعوة للرجوع إلى الموارد الأصلية للإلهام الإيديولوجي، باعتبارها مقابلاً للإيديولوجيات العلمانية "المستوردة".


    لقد حاولتُ في هذا الفصل أن أبيّن أن الثقافة الشعبية في الشرق الأوسط ثقافة توفيقية متعددة اللغات. ويتراوح تأثير الدين في هذه الثقافة، لكنها قلّما تكون أرثوذكسية تجاه أيّ من الأديان. ما أطلقتُ عليه اسم التوجهات "الذرائعية" للدين الشعبي تتجاوز حدود الحصرية الدينية، سواء كانت خاصة بالإسلام أم المسيحية أم اليهودية؛ وتندمج في سحر وأسطورة ودراية بعضها مستقى من مصادر كتابية، لكن أغلبها يُعتبر هرطقياً أو بُدَعياً من وجهة نظر الأرثوذكسيات الدينية جميعها. قد يضعضع ذلك أحد الفرضيات المركزية للحركات الإسلامية الحديثة ولبعض المراقبين لها في الغرب، وهي فرضية أن الشعب هو الحامل للإرث الإسلامي والفاعل فيه. لقد اقترحت أن ما قد تتمتع به هذه الحركات من مساندة شعبية يقوم على التكافل الجماعي أكثر منه على الإطاعة الدينية أو الوعي السياسي الإسلامي. وبقدر ما ينجح الإسلام السياسي في حشد مساندة شعبية، بقدر ما يصبح شكلاً من أشكال القوموية الشعبوية، معمّماً مشاعر التكافل والتعاضد الجماعي إلى شيء قبيل الأمة الإسلامية. أما إن كان سينجح أيضاً في تغيير الثقافة وأساليب الحياة الشعبية في اتجاهه -ضد الثقافة الجماهيرية الحديثة مثلاً- فتلك مسألة أخرى.


    ترجمها عن الإنكليزية شيار يوسف


    هوامش:


    [1] لقد نوقشت مسألة الأصول المتنوعة للحضارة الإسلامية بكثرة في الكتابات الاستشراقية، لكن النقاشات كانت معنية أساساً بالثيولوجيا، القانون، الفلسفة والتصوف وليس بالدين والثقافة الشعبيين. انظر مثلاً غوستاف فون غرونيباوم (تحرير)، الوحدة والتنوع في الحضارة الإسلامية (شيكاغو، 1955)؛ وغرونيباوم، "مصادر الحضارة الإسلامية" في: كتاب كامبريدج لتاريخ الإسلام، المجلد الثاني (كامبريدج، 1970).


    [2] انظر مثلاً غيب و براون، المجتمع الإسلامي والغرب (لندن، 1950) فيما يتعلق بالإمبراطورية العثمانية.


    [3] من أجل مناقشة لمفاهيم "المجتمع الجمعي" المختلفة، انظر جون ريكس، العرق، الكولونيالية والمدينة (لندن، 1973)، ص243-256.


    [4] انظر شلومو. د. غويتاين، مجتمع متوسطي: الجماعات اليهودية في العالم العربي كما صوّرتها وثائق جنيزا القاهرة، أربعة مجلدات (باركلي ولوس أنجلوس، 1967) من أجل وصف حيّ ومفصّل للعلاقات اليهودية مع المجتمعات العربية، اعتماداً على مخطوطات "جنيزا" (وهي مجموعة من أكثر من 200 ألف مخطوط يهودي عُثر عليها في أواسط 1800 في مستودع (أو جنيزا بالعبرية) كنيس بن عزرا في الفسطاط، مصر – المترجم).


    [5] انظر غرونيباوم، تاريخ الإسلام (سابق) من أجل مناقشة لهذه القضايا.


    [6] انظر مادة "الخضر" في موسوعة الإسلام. طبعة جديدة، المجلد التاسع، ص902-905).


    [7] تعني كلمة bricoleur بالفرنسية شخصاً متعدد المواهب ويفعل الأشياء بنفسه، لكنه لا يتّبع معرفة أو تقنية منهجية، على عكس المهندس مثلاً. أدخل ليفي شتراوس (العقل الوحشيّ، 1966) الكلمة ككناية لتمثيل ما عناه بـ "العقل الوحشي". (يقابل فعل bricoler الفرنسي تعبير "افعلها بنفسك" Do It Yourself (DIY) في الإنكليزية – المترجم.)


    [8] مارسيل ماوس، نظرية عامة في السحر (لندن، 1972).


    [9] انظر برنارد لويس، يهود الإسلام (لندن، 1984)، الفصل الثالث.


    [10] المصدر السابق، ص153.


    [11] إدوارد ويليام لين، سلوك المصريين وأعرافهم في العصر الحديث (لندن، 1895 – كُتب في مصر بين عامي 1833 و1835).


    [12] يعتمد هذا الوصف لاحتفال اليهود العراقيين على معرفة شخصية، تعززها تقارير الرواة.


    [13] قيل لي إن بعض الجماعات الشرقية في إسرائيل اليوم تقيم احتفالات زفاف مطوّلة في الحمّامات الطقوسية، وأن بعض الحمامات تقدّم غرفاً ومرافق طعام لهذا الغرض.


    [14] يظهر وصف لـ "فولكلور" الزواج في الموصل (سعيد الديوشي، تقاليد الزواج في الموصل، الموصل، 1975) تعاقبات مشابهة للاحتفالات، لكن مع بعض الاختلافات في الأسماء والتعابير.


    [15] من أجل مناقشات مختلفة لهذه الأفكار، انظر الثقافة الجماهيرية، الثقافة الشعبية والحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط بتحرير جورج شتاوث وسامي زبيدة (1987)، ولا سيما ورقة عمرو ابراهيم.


    هوامش المترجم:


    * نشرت هذه الورقة أول مرة في كتاب الثقافة الجماهيرية، الثقافة الشعبية والحياة الاجتماعية في الشرق الأوسط (1987) بتحرير جورج شتاوث وسامي زبيدة. ونعتمد هنا النسخة المعدّلة التي ظهرت في كتاب زبيدة اللاحق الإسلام، الشعب والدولة: أفكار وحركات سياسية في الشرق الأوسط (1993). وقد صدر الكتاب بالعربية عن دار المدى عام 1995 بعنوان الإسلام: الدولة والمجتمع، بترجمة عبد الإله النعيمي. لكننا ارتأينا أن نعيد ترجمة الدراسة هنا بعد موافقة الدكتور زبيدة.


    ** د. سامي زبيدة باحث وأكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا، يشغل منصب بروفيسور في العلوم السياسية وعلم الاجتماع في كلية بيركبيك، لندن، وأستاذ زائر في كلية الحقوق بجامعة نيويورك. من كتبه الإسلام، الشعب والدولة (1993)، أنثربولوجيات الإسلام: مناقشة ونقد لفكر إرنست غلنر (1997)، الثقافات المطبخية في الشرق الأوسط (2000)، القانون والسلطة في العالم الإسلامي (2003).


    *** يميّز علماء الاجتماع بين مجموعة أو تجمّع من الناس group وجماعة أو جالية community ومجتمع society.


    نشرت هذه الدراسة في مجلة أصداء الإلكترونية:

    http://asdaa-magazine.org/popular_culture_in_ME.htm
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 facebook:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مكوّنات الثقافة الشعبية في الشرق الأوسط Rating: 5 Reviewed By: houjeiri Mouhamad
    Scroll to Top