كتابات من التاسع عشر الى سوق الأحد فإليكم

يناير 28, 2018 اضف تعليق
يبثّ في النفس نشوة الحبر الواصل إليك من أزمنة بعيدة كان في غصونها عدد الذين فكّوا الحرف قليلاً، وعدد الذين يفكّرون بتسجيل وقوعات حياتهم اليوميّة أقلّ. وغالباً ما كانوا يلجأون إلى الأغلفة الداخليّة للكتب ذات الأوراق السميكة، المجلّدة بجلد ماعز، أو خلافه، أو الى الصفحات الأولى، لتدوين ما يُريدون له أن يبقى، وأن لا يموت بموتهم. فيكون لهم ما يبتغون ما دامت الكتب في الحفظ والصون.
وتصل قطرات المعلومات المخطوطة بأسود فحميّ، على الورق المصفر، الناشف، الحامل دمغات الرطوبة، وتوقيع الإهمال، في السطور غير المستقيمة، التي لا يعيبها عدم إنتظامها في شيء، ومعها حمولتها من المعرفة. تصل الى الأجيال التالية. الى أبعد ممّا يمكن أن تصل إليه ذاكرة المعمّرين، مهما تناقلوا من
أخبار، كابراً عن كابر.
وتكون الفرحة بخروج المعرفة، ولو شحيحة، من العدم، وبصيص الضوء النائص من غياهب الليل الحالك.
من عادة صديقنا الفنّان عبّود معوض ان يحطّ في "سوق الأحد"، الأسبوع بعد الأسبوع، بحثاً عمّا عتق من كتب، وصور، ومخطوطات، ولوحات. حيناً يعلق في صنّارته صيد ثمين، وحيناً آخر يعود خالي الوفاض. لكنه يتحلّى بما يكفي من طول النفس، والصبر، كي يواصل البحث عن "العتقيّات" التي مرّت عليه عقود وهو يهيم بها.
وقد علقت بصنارته مؤخراً كتبٍ تنام في جوفها كتابات من القرن التاسع عشر شاء ان يتحفنا بها. شاطرنا وها أنذا مشاطركم. كتابات يكسبها الزمن الغابر أهميّة، ولو في دائرة التفاعل المفترضة، معها. وهي كالآتي:
"ولدت ابنتنا ورده في 25 كانون الثاني سنة 1819"
"قد إنتقل الى رحمت الله (تعالى) الشدياق يعقوب سعاده في شهر شباط (15) سنة 1850 الله يرحمه آمين."
"قد انتقلت الى رحمت الله (تعالى) حرمت ........(كلمات ممحوّة) سعاده في شهر حزيران (11) سنة 1847 الله يرحمها آمين."
"1850
"قد انتقل الى رحمت الله (تعالى) جدّنا الخوري يوحنا مارون الدويهي ودفن في مار بطرس اهدن. الله يرحمه ويرحم جميع الموتا المتوفين آمين في شهر تشرين أول سنة الف وثمان (ماية) وخمسين".
مدوّنات لا تخلو من أخطاء كما هو ملاحظ. لكنها على عللها مسترعية للانتباه. ويقول المطّلع عليها حال إلقائه نظرة عليها ليتها أكثر، لنعرف أكثر. ونخترق بنقاط حبرها الضئيل حجب الزمان المسدلة بلا توقف، أو كلل، أو رحمة. قد يتعذّر عليك التكهّن بمصدر الكتب، والمدونات. لكنك تريد "أكل العنب، وليس قتل الناطور". تقرأ، وتُسرّ بما قرأت.
وبيت الصديق عبّود معوّض لا بدّ ان يكون مترعاً باللوحات، والصور، والكتب، دون مجال للمزيد. فموجوداته المتراصة تغنيه. لكنه يكمل. اشدّ على يده شاكراً.
وبالشكر تدوم النعم.

محسن أ. يمّين
عن الفايسبوك
هل العربيّة لغة صعبة؟

هل العربيّة لغة صعبة؟

يناير 28, 2018 اضف تعليق


منصف الوهايبي

Jan 27, 2018
من السمات التي تتّسم بها العربيّة عند الأجانب عامّة، أنّها لغة صعبة. وهي مسألة يتشعّب فيها البحث، وتتعدّد فيها الآراء والنظريّات؛ ولا يمكن بأيّ حال أن نستوفيها حقّها في حيّز محدود كهذا. بل هي في تقدير معهد الخدمة الخارجيّة لتعلّم اللغات الأجنبيّة التابع لوزارة الخارجيّة الأمريكيّة، أصعب اللغات؛ وتأتي بعدها الصينيّة واليابانيّة والكوريّة. بل هي عندهم أصعب من الأمهريّة (لغة اثيوبيا الرسميّة، وهي من بين الساميّات الأوسع انتشارا بعد العربيّة) والعبريّة والسنهاليّة (لغة السنهاليّين في سريلانكا) ولغة الخمير، على ما قرأت في كتاب ديفيد جوستيس «علم دلالة المبنى في العربيّة في مجلي اللغات الأوروبيّة». وقد ذكر في إشارة لطيفة منه إلى ضرورة تنسيب هذا الحكم؛ أنّ الناطقين بالإنكليزيّة يعتبرون الألمانيّة أصعب من الفرنسيّة، بالرغم من أنّها أمسّ رحما بالإنكليزيّة، وأقرب نسبا إليها. وينبغي أن نقرّ، ونحن نمهّد السّبيل إلى جواب سائغ مقبول، أنّه ليس من حقّ أيّ منّا في مقال خاطف كهذا، أن يستصدر حكم قيمة على لغة عريقة مثل العربيّة، أو على مجامع اللغة العربيّة وبيوت الحكمة التي تنهض من بين ما تنهض به؛ بتطوير العربيّة وتذليلها أو تيسيرها سواء للناطقين بها أو غير الناطقين (وأنا أنتمي إلى أحدها منذ خمس سنوات وهو المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون: بيت الحكمة) وهي المؤسّسات التي تؤدّي عملها في ظروف مادّية صعبة.
ثمّة سرّ ما في العربيّة يذهلنا نحن أهلها عن «صعوبتها»، ويجعلنا نضعها في المكانة الأسمى؛ ولعلّ ذلك السرّ هو في قوّة نظامها فضلا عن قوّة شعريّتها. أمّا من حيث نظامها اللغويّ المجرّد وهو البنيويّ الخالص، فلا علاقة له بهذه الصعوبة كما يقول ديفيد جوستيس؛ عن حقّ، ذلك أنّنا إذا ما انتقلنا من التعميم إلى التخصيص، وقفنا من حيث البنية على لغة مطّردة مصقولة على نحو غير معهود. والعربيّة بشهادة هؤلاء الأجانب، وأنا أقصر كلامي عليهم في هذا المقال، «لغة رياضيّة» محكومة بخطّة الاشتقاق الوزني، وتطّرد على نسق محكم من سلاسة الأوزان وسهولة المأخذ. ولا أزال أتذكّر وأنا طالب في السنة الأولى، قول المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير؛ في درس له أواخر الستينيات في الجامعة التونسيّة، وهي في أوّل حُدثانها؛ أنّ «الجذر التربيعي» هو كُنه اللغة العربيّة وأصلها. والعربيّة هي اللغة الساميّة الوحيدة التي ترتكز على وزن واحد، كما ذكرت في مقال سابق؛ تتولّد منه فروع اللغة وأغصانها وأوراقها. ومن الميسور في كلّ الحالات تقريبا، إرجاع كلّ الكلمات العربيّة من أسماء وأفعال، إلى ذلك الجذر؛ ما جاء منها على وزن اسم الفاعل أو على وزن اسم المفعول أو المصدر أو اسم الآلة أو أفعل التفضيل… والأغرب الآسر، أنّ كلّ هذه الصيغ الاشتقاقيّة صيغ وزنيّة إيقاعيّة. وبسبب من ذلك سمّاها العرب أوزانا، لا في علم العروض فقط، وإنّما في علم الصرف أيضا. وعددها لا يتجاوز العشرين. وربّما شذّ بعضها، ولكن دون أن يخلّ بالقالب أو ينال منه. وهو رأي سلفستر دي ساسي أيضا، إذ يوضّح ما تتميّز به العربيّة من قابليّة الجذر الواحد لأن تشتقّ منه صيغ كثيرة. وهذه في تقديره أمارة على غنى العربيّة، بل تجعلها أكثر سهولة.
وهذا وغيره ممّا قد يحسر فكر القارئ العادي أو يكدّ ذهنه، قد يسوّغ القول بـ»صعوبة» العربيّة، إذا صرفنا النظر عن مشكلة جمع الاسم وعدم كتابة الحركات ورموز الكتابة التي تمثّل عقبة كأداء للأجنبي؛ أو يجعلنا نردّ هذه «الصعوبة» إلى كون العربيّة لغة أدبيّة مكتوبة. يقول انطون شبيتالر إنّ اللّغويّين العرب في القرن الرّابع الهجري (العاشر للميلاد)، كانوا يذهبون إلى البدو ليدرسوا لغتهم؛ بحثا عمّا يفتقدونه في المدن، وهو العربيّة. والمقصود بها في هذه الحالة هو لغة الشّعر العربيّ القديم على الأخصّ التي قد تكون ضمرت، بسبب من ذيوع العربيّة المولّدة في المدن، وتراخي قليل أو كثير من الحضر في التمكّن اللّغويّ الفصيح. ولا عجب أن يجدوا ضالّتهم عند البدو؛ لأنّ لغة الشّعر القديم التي مثّلت مددا سخيّا لهم في وضع القواعد ووجوه التّخريجات اللّغوية كانت متداولة في بيئة البدو «الذين تُرْضى عربيّتهم» بعبارة سيبويه، أو قوله «العرب الموثوق بعربيّتهم»، لسبب لا نخاله يخفى وهو أنّ الشّعر القديم كان في مجمله شعرا بدويّا.
ولعلّ علم النّحو كما وضعه النحاة الأوائل، أن يزكّي هذا التّأويل ويرجّحه. فهو نحو معياريّ يتّخذ من الفصحى باعتبارها لغة مثالا أو لغة معياريّة موضوعا له، على حساب الاستعمالات اللّغويّة الأخرى، ويعزّز وشائج القربى بين مفهوم النّحويّة ومفهوم الصّواب النّحويّ. ولم يكن غرضه وصف قدرة المتكلّم اللّغويّة؛ وإنّما إكسابه هذه القدرة وتمكينه من الاستعمالات الفصيحة. وهو ما تؤكّده مدوّنة النّحو المعروفة وتلك المؤلّفة في «لحن العامّة «، فلم يكن غرضها وصف لهجات البدو أو العربيّة المولّدة وإنّما إثبات الصّواب اللّغويّ والتّنصيص على أخطاء العامّة في اللّغة ونطقهم بأسلوب مخالف للمألوف. يرجّح الألماني يوهان فك في كتابه «العربيّة: دراسات في اللّغة واللهّجات والأساليب»، وهو أشبه بدائرة معارف واسعة، إنّ اللّحن استعمل أوّل مرّة بهذا المعنى عندما تنبّه العرب، بعد اختلاطهم بالأعاجم، إلى فرق ما بين التّعبير الصّحيح والتّعبير الملحون.
من البديهيّ إذن أن نعدّ مبدأ «تهذيب اللّغة» الذي أخذ به علماء اللّغة والنّحو منذ أواخر القرن الأوّل للهجرة ثمرة أوضاع لغويّة وتاريخيّة مخصوصة، وأن نقف فيه على مشادّة بين أداء شفهيّ وآخر كتابيّ، تؤكّدها الأوضاع التي بنيت عليها مصنّفات اللّغة والنّحو. فهي تخرّج قارئها تصفّحا وقراءة على نحو ما تخرّجه البادية سماعا وتلقينا، وهي التي أخذ أصحابها في تدوين اللّغة وجمعها بأنواع وطرائق من التحمّل كالسّماع والعرض والإجازة والقراءة… تدين كلّها للأداء الشّفهيّ ويربطها به نسب لا يخفى. على أنّ هذا المبدأ، «مبدأ تهذيب اللغة»، يظلّ قرين لغة مكتوبة تتميّز عن الّلغة المنطوقة بعدد من الخصائص مثل استخدام قواعد النّحو ومفردا ت اللّغة استخداما محكما حتّى لا يعتريها اللّبس والغموض.
ويعزو انطوان ماييه ذلك إلى الكتابة، فليس لها ما للمتكلّمين من «تعبيريّة الجسد» أو ما يملكونه من مناسبة وحركات ونغمة أو نبرة في الصّوت توضّح الكلام الملفوظ، فإنّه لا بدّ لها من أن تستخدم في دقّة قواعد النّحو ومفردات اللّغة استخداما محكما وإلاّ جاءت غامضة غير مفهومة. ومن ثمّ فاللغة المكتوبة توضّح الصّيغ النّحويّة كما توضح قيم المفردات. فلا غرابة أن تكون المحافظة على الاستعمالات القديمة والتخلّف عن مجاراة اللّغة المنطوقة من أظهر خصائص اللّغة المكتوبة التي كثيرا ما تكون لغة خاصّة لا علاقة لها باللّغة المنطوقة؛ كأنْ تكون لغة دينيّة أو لغة شعريّة كما هو الشأن في العربيّة الفصحى لغة القرآن والشّعر.
ولعلّ حديث اللّغويين عن « السّليقيّة « ممّا يؤكّد هذا الاختلاف الذي كان يضيق أو يتّسع بين الفصحى ولغة التّخاطب عند البدو. فإذا كانت الأولى معربة تُكتسب بالدّربة والمراس والرويّة؛ فإنّ الثّانية متحرّرة من علامات الإعراب وتصاريف القواعد جريا على السّليقة. وربّما كان هذ ا» التحرّر» القاسم المشترك المميّز بين العربيّة المولّدة ولغة التّخاطب عند البدو. وفي ما عداه احتفظت كلّ منهما بقواعدها وأعرافها وطرائق أدائها. ومع ذلك يبقى السؤال قائما في المنظور الأجنبي: هل العربيّة لغة صعبة؟ وإذا كانت كذلك فما هي أوجه صعوبتها؟
قد يكون مردّ الصعوبة إلى أسباب من خارج اللغة، كما يقول ديفيد جوستيس، وقد اختار وجها أو سببا واحدا كما يفعل المحامي عادة؛ هو في تقديره تاريخيّ اجتماعيّ أدبيّ في ذات الآن. فالعربيّة كما يقول ذات تراث أدبيّ غنيّ لا مثيل له، ولغة دين عالميّ وممالك وامبراطوريّات؛ ولكنّها لغة كتابيّة أكثر منها لغة استعمال يوميّ أو معيش. ونحن نقرّ بأنّ السمع هو أبو الملكات اللسانيّة كما يقول ابن خلدون، والكلمة مسموعة تنطبع في الذهن والذاكرة أفضل ممّا تنطبع الكلمة مكتوبة. ولعلّ هذا ممّا جعل أندريه رومان يقرّر وهو يتقصّى خصائص العربيّة الصوتيّة، أنّها لغة مثال أو لغة أنموذج.
٭ كاتب تونسي(القدس العربي)

خالد الدخيل- رواية الشرع عن توريث الأسد

يناير 28, 2018 اضف تعليق


لماذا العودة إلى رواية توريث الرئيس بشار الأسد؟ لأن مسار الأحداث وما انتهت إليه حتى الآن يؤكد أن قرار التوريث الذي اتخذه الرئيس الراحل حافظ الأسد قبل سنوات من وفاته في صيف عام 2000 كان أخطر قرار اتخذه في حياته السياسية. ومؤشرات ذلك باتت واضحة. أولها أنه أضعف مؤسسة الرئاسة، وأضعف الرئيس الوريث. وبالتالي ضاعف من هشاشة الدولة السورية. بسبب هذا القرار بات الحكم في سورية يعتمد على العائلة ـ الطائفة، وفرض على سورية خيار تحالف مغلق مع دولة دينية – مذهبية ليست عربية (إيران)، ومن ثم جعل الدولة في حال تناقض مع ذاتها، وتاريخها، ومع عقيدة الحزب الذي تحكم باسمه، أو حزب البعث. على خلفية ذلك وبسببه باتت هذه الدولة تعتمد على خليط من الميليشيات، بعضها جاءت به إيران، والبعض الآخر أوجده النظام الحاكم. لكن كلها ميليشيات من لون مذهبي واحد. والهدف حماية النظام بلونه المذهبي المستجد، والمتنافر مع تاريخ سورية بما عرف عنه من عروبة وتعددية مذهبية. هذه نتائج أو مؤشرات خطرة أفضت إلى مذابح ودمار وتهجير في حق سورية والسوريين لم يعرفها هذا البلد العربي في تاريخه. وما قد يبدو مفارقة أن دور الرئيس الوريث في كل ذلك كان ولا يزال مركزياً منذ اليوم الأول للثورة السورية في درعا، منتصف آذار (مارس) من عام 2011. لكن المفارقة الحقيقية أن الرئيس الوريث لم يكن، لا قبل الثورة ولا أثناءها يدافع عن سورية. كان يقاوم تيار الأحداث الذي أطلقه بنفسه دفاعاً عن بقائه في الحكم الذي ورثه عن أبيه. وهنا تتجلى خطورة القرار، خصوصاً أن بقاء الوريث بعد كل ما حصل لم يعد خياراً، وإنما ورقة تفاوضية لا يملك حتى الوريث السيطرة عليها. بعبارة أخرى، يمكن القول إن قرار التوريث وضع حداً لسورية كما عرفها السوريون، والعالم، وكما عرفها الرئيس المورث، والرئيس الوريث.

السؤال الأهم والأخطر: لماذا أقدم حافظ الأسد على هذا القرار؟ هذا سؤال لم يأخذ حقه بعد، ويحتاج إلى ما هو أكثر من مقالة. هل كان خياراً إستراتيجياً بالنسبة إلى الأسد؟ يبدو كذلك، إما لتفادي أخطار الصراع بين جنرالات النظام، وهو من تسبب ووظف هذه الصراعات للإمساك بخيوط اللعبة. وإما لحلم بتأسيس سلالة حكم جديدة في الشام بغطاء علوي هذه المرة، وهذا لا يمكن استبعاده حتى الآن. وإذا صح ذلك فإنه يضع علامة استفهام كبرى حول الذكاء الإستراتيجي لحافظ الأسد. الأكيد في كل الأحوال أن فكرة التوريث حسمت منذ الثمانينات لباسل الأسد. لكن هذا توفي في حادثة سير في تسعينات القرن الماضي. وعلى إثرها صار التوريث من نصيب بشار. تمسك بالتوريث لا تخطئه عين.

يقول الصحافي البريطاني، باتريك سيل، في كتابه عن الأسد إن عقد الثمانينات كان أخطر المراحل التي مر بها نظام الأسد آنذاك. ووصلت هذه الأخطار إلى ذروتها بالصدام بين حافظ وشقيقه رفعت، وهو صدام كاد ينفجر إلى حرب أهلية. قبل ذلك وبعده كان الصراع مع الإخوان المسلمين، والانخراط في الحرب الأهلية اللبنانية، والصراع مع إسرائيل. كان حافظ مرتكز قوة النظام، وفي اللحظة ذاتها تدهورت صحته ما تطلب دخوله المستشفى، وخضوعه لبرنامج علاجي فرض تخليه عن إدارة شؤون الدولة اليومية. لذلك شكل لجنة سداسية تقوم بالنيابة عنه بهذه المهمة. اللافت أن رفعت شقيق الأسد لم يكن ضمن هذه اللجنة. ووفق سيل، استولت على كبار جنرالات النظام حال من الخوف أن الأسد في أيامه الأخيرة، مع ما ينطوي عليه ذلك من أخطار على مستقبل النظام. لذلك التفوا على قرار الرئيس وهو في المستشفى، واختاروا أن يكون رفعت هو القائد البديل في حال توفي الأسد، وليس أحد من اللجنة الحكومية التي شكلها الأسد نفسه. ثم شكلوا من خلال القيادة القطرية، وبالتعاون مع عبدالحليم خدام، لجنة بديلة برئاسة رفعت. أي أن الجنرالات اختاروا الخروج على أوامر الرئيس. لكن الأسد تعافى من حاله المرضية. وعندما عرف بما حدث تعززت شكوكه، كما يقول سيل في أن هناك مؤامرة سعودية أميركية لإزاحته عن الحكم لمصلحة شقيقه. عندها انقلب موقف الجنرالات في الاتجاه الآخر، ضد شقيق الأسد. ومن يومها بدأت عملية إزاحته وتجريده من كل مناصبه خصوصاً قيادته ما كان يعرف بـ «سرايا الدفاع». والأرجح أن هذه الأحداث رسخت فكرة التوريث لدى الرئيس.

هنا نصل إلى رواية فاروق الشرع، نائب الرئيس الذي اختفى من المشهد بعد سنتين من بداية الثورة، ويقال إنه تحت الإقامة الجبرية. تنبع أهمية هذه الرواية من اعتبارات عدة يأتي في مقدمها أنها الأولى التي تصدر عن أحد رجالات النظام المقربين، خصوصاً في عهد الأسد الأب. ثانياً أنها جاءت ضمن مذكرات الشرع التي أنجزت عام 2011. ما يعني أنها كتبت، وفقاً لما جاء في مقدمة الناشر، بعد مرور نحو عشر سنوات على تولي بشار الأسد الحكم في سورية. وبالتالي فالسؤال هنا لماذا لم تتطرق المذكرات إلى هذه المرحلة المهمة من تاريخ سورية، بل المرحلة الأخطر التي كان الشرع أحد شهودها من الداخل كوزير للخارجية، ثم نائباً للرئيس، قبل وضعه تحت الإقامة الجبرية؟ يقال إن علاقة الشرع مع بشار بدأت تفتر قبل الثورة. الاعتبار الثالث أن الشرع أورد هذه الرواية في شكل عابر في الصفحتين والنصف الأخيرة من الكتاب، كخاتمة للفصل الأخير عن قمة الأسد وكلينتون في جنيف. قد يقال إن الكاتب أراد أن يختتم مذكراته بوفاة الأسد التي حصلت بعد القمة بأقل من ثلاثة أشهر. من حيث الشكل هذا صحيح. لكن عملية التوريث أكبر وأخطر من أن توضع كتفصيل على هذا النحو. وهي قصة طويلة لم تبدأ كما يوحي صاحب المذكرات بعد وفاة الأسد. بل بدأت قبل ذلك بما لا يقل عن عقدين من الزمن. هذا فضلاً عن أنها بتداعياتها وأخطارها لا تزال تعتمل داخل سورية. وما انتهاء الأمر بالشرع إلى الإقامة الجبرية إلا أحد هذه التداعيات، وإن لم يكن أخطرها.

تقول الرواية ما نصه: «من حيث المبدأ أنا لا أؤمن بالتوريث... وعندما وافقت... على اقتراح مصطفى طلاس (بتولي بشار خليفة لوالده) فإنما لسببين كنت مقتنعاً بهما: السبب الأول هو أن ذكرى الصراع مع رفعت الأسد عام 1984 لا تزال ماثلة في ذاكرتي... شعرت أن اختيار بشار الأسد سيكون مخرجاً آمناً وبديلاً سلمياً من صراع دام يمكن أن ينفجر إذا أخطأنا الاختيار لأن كل عناصره ما زالت في قيد الحياة. السبب الثاني أن الدكتور بشار... لديه رصيد شخصي وجملة مؤهلات تأتي في مقدمها رغبته المعلنة في الإصلاح والتحديث»، (الرواية المفقودة، ص 457) أ.هـ. هذه الرواية تخفي، كما أشرت، بداية فكرة التوريث وأسبابه وأهدافه. وهذا مفهوم نظراً لحساسية الموضوع، وحساسية النظام بدمويته التي اشتهر بها. من ناحية ثانية، تنطوي الرواية على شيء من الجرأة عندما قال الشرع إنه لا يؤمن بالتوريث، وإنه قبل به تفادياً لانفجار صراع مدمر داخل النظام، صراع قديم ولا يزال حياً. كما أشرت في مقالة سابقة هذا يعني أن الشرع اعتبر تولي بشار للرئاسة حينها أقل الخيارات المتاحة سوءاً. ما يوحي بأن الشرع ليس فقط لا يؤمن بالتوريث، بل ليس مقتنعاً بقيادة بشار للرئاسة. هل لهذه الجرأة علاقة بإبعاد الرجل ووضعه تحت الإقامة الجبرية؟ الأرجح أن هناك علاقة ما، لكنها ليست الوحيدة. فتخصيص المذكرات للأسد الأب وتجاهل عشر سنوات من حكم الابن يحملان دلالة على موقف الشرع من حكم بشار، وهو موقف لم يكن بوسعه الإفصاح عنه، وإنما بتجنبه. ولعل قفلة الكتاب تلمح من بعيد لهذا الموقف حيث يقول: «هناك أناس يموتون دفعة واحدة سرعان ما يختفون من حياتنا وذاكرتنا. وحافظ الأسد لم يكن من هؤلاء... كان كشجرة السنديانة تموت وتظل جذورها حية في أعماق الأرض». أي أن قناعاته وخياراته وصلت عند حدودها مع رحيل الأسد الأب. والحقيقة أنه لم يبق بعد حافظ وقراره بالتوريث جذر قابل للحياة. ما بقي نظام يقاوم سقوطاً ليس بوسعه (وحده) إيقافه. وهنا تبدو ازدواجية الشرع بين موقفه من حافظ (الفرد) وطبيعة النظام الذي أقامه، وبين موقفه من الوريث الذي فرضته طبيعة النظام ومعطياتها. وليس أدل على ذلك من أن الذي وضع بذرة انهيار النظام هو من وصفه الشرع بالسنديانة. انتهت المقالة، لكن الحكاية لم تنته.


* كاتب وأكاديمي سعودي.

فصل من رواية “خمس زوايا” للكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا

يناير 25, 2018 اضف تعليق



الفصل الأول من رواية ماريو بارغاس يوسا الأخيرة
خمس زوايا Cinco esquinas
ترجمة: صالح علماني

إلى ألونسو كويتو

«خمس زوايا» عمل تخيلي عمد فيه المؤلف، من أجل اختلاق بعض الشخصيات، إلى استلهام شخصيات كائنات حقيقية، تتشارك معها كذلك بالأسماء نفسها، ولكنها في سياق الرواية كلها تتعامل على أنها كائنات متخيلة. لقد تولى المؤلف في كل لحظة حرية مطلقة في القصة، دون أن تكون الأحداث التي تُروى متطابقة مع الواقع.


I ــ حلم ماريسا

أتكون قد استيقظت أم أنها ما زالت تحلم؟ ذلك الدفء في ظاهر قدمها كان موجوداً طيلة الوقت، إحساس فريد جعل بدنها كله يقشعر ويكشف لها أنها ليست وحدها في السرير. الذكريات تتوارد متزاحمة إلى ذهنها، لكنها تأخذ بالانتظام مثل جدول كلمات متقاطعة يُملأ ببطء. لقد كانتا مرحتين وثملتين بعض الشيء بفعل النبيذ بعد الغداء، وانتقلتا من الحديث عن الإرهاب إلى الأفلام ثم إلى النمائم الاجتماعية، عندما نظرت تشابيلا فجأة إلى الساعة ونهضت واقفة في قفزة واحدة، شاحبة الوجه: «حظر التجول! رباه، لم يعد لدي متسع من الوقت للوصول إلى لارينكونادا! كيف مضى الوقت دون أن ننتبه». ألحت عليها ماريسا أن تبقى للنوم معها. لا وجود لأية مشكلة، كيكي سافر إلى آريكيبا من أجل اجتماع مجلس إدارة مصنع البيرة غداً باكراً. إنهما سيدتا الشقة على الخليج. اتصلت تشابيلا بزوجها. فقال لها لوثيانو، المتفهم جداً على الدوام، إنه لا وجود لأي مانع، وسوف يتولى هو نفسه خروج الصغيرتين في الموعد المحدد لركوب حافلة المدرسة. وأن بقاء تشابيلا في بيت ماريسا، أفضل من أن تعتقلها إحدى الدوريات إذا ما خالفت حظر التجول. اللعنة على حظر التجول. ولكن الإرهاب أسوأ بالطبع.

ظلت تشابيلا للنوم عندها، وماريسا تشعر الآن بباطن قدم صديقتها على ظاهر قدمها اليمنى: ضغطٌ خفيف، إحساس ناعم، دافئ، لطيف. كيف حدث أن صارتا متقاربتين إحداهما من الأخرى على هذا السرير الزوجي الواسع جداً، والذي حين رأته تشابيلا قالت عنه مازحة: «ولكن، فلنر يا ماريسا، هل لك أن تخبرينني كم عدد الأشخاص الذين ينامون على هذا السرير العملاق؟» تذكرتْ أن كلاً منهما قد نامت عند أحد جانبي السرير، وكانت تفصل بينهما مسافة متر ونصف متر على الأقل. من منهما التي انزلقت كثيراً في نومها لتصبح قدم تشابيلا الآن فوق ظاهر قدمها؟

لم تتجرأ على الحركة. حبست أنفاسها كيلا توقظ صديقتها، ألا يعني سحبها قدمها تلاشي ذلك الإحساس اللطيف الذي يمتد، انطلاقاً من ظاهر قدمها، وينتشر في بقية أنحاء جسمها ويُبقيها متوترة ومركزة. وشيئاً فشيئاً راحت تميز في عتمة غرفة النوم بعض خطوط الضوء عبر شبكة النافذة الخارجية، وظلّ الخزانة ذات الأدراج، وباب حجرة الملابس، وباب الحمام، ومستطيلات لوحات الجدران: «الصحراء والأفعى المرأة» لتيلسا [لوثانو]، و«الحجرة والطوطم» لسزيزلو، و«المصباح الركني»، ومنحوتة لبيروكال. أغمضت عينيها وأنصتت: ضعيف جداً ولكنه منتظم وإيقاعي، كان هذا هو تنفس تشابيلا. إنها نائمة، ربما كانت تحلم، إنها هي نفسها إذاً، بلا شك، من اقتربت في نومها من جسد صديقتها.
متفاجئة، خجلة، متسائلة من جديد عما إذا كانت مستيقظة أم نائمة، انتبهت ماريسا أخيراً إلى ما كان جسدها قد عرفه: لقد كانت مستثارة. باطن تلك القدم الذي يبعث الحرارة في ظاهر قدمها أجج بشرتها وحواسها، ومن المؤكد انها إذا ما مررت احدى يديها ما بين ساقيها فسوف تجده مبللاً. «هل أصبتِ بالجنون؟»، قالت لنفسها. «تستثارين مع امرأة؟ منذ متى هذا يا ماريسا؟» كانت قد استُثيرت وحدها مرات كثيرة بالطبع، وكانت قد مارست العادة السرية أحياناً بفرك وسادة بين ساقيها، لكنها كانت تفكر أثناء ذلك برجال على الدوام. أما التفكير بامرأة، على ما تذكر، فمستحيل المستحيلات! ومع ذلك ها هي الآن تفعل، ترتجف من قدميها حتى رأسها، وبرغبة مجنونة في ألا تلتقي قدماهما فقط، بل أن يلتقي جسداهما أيضاً، وتشعر في كل أجزاء جسدها، كما في ظاهر قدمها، بمداعبة ودفء صديقتها.

تحركت قليلاً ببطء، بقلب مضطرب جداً، متصنعة تنفساً يشبه تنفس النوم، ومالت جانبياً بعض الشيء، وعلى الرغم من عدم ملامستها لها، إلا أنها أدركت أنها صارت على بُعد ميلمترات من ظهر وردفي وساقي تشابيلا. صارت تسمع تنفسها بصورة أفضل، ويخيل إليها أنها تشعر ببخار خفي يفوح من ذلك الجسد القريب جداً، يصل إليها ويلفها. وعلى الرغم منها، وكما لو أنها لا تنتبه إلى ما تفعله، حركت يدها اليمنى ببطء ووضعتها على فخذ صديقتها. «فليتبارك حظر التجول»، فكرت. أحست بتسرع في قلبها: ستستيقظ تشابيلا، وستزيح يدها عنها: «ابتعدي، لا تلمسيني، هل أُصبتِ بالجنون؟ ماذا جرى لكِ». ولكن تشابيلا لم تتحرك، وبدت طوال الوقت غارقة في نوم عميق. سمعت شهيقها وزفيرها، راودها إحساس بأن هواء ذلك الزفير يتجه نحوها، يدخل عبر فتحتي أنفها وفمها ويؤجج أعماقها. وللحظات، وسط استثارتها، يا للسخف، فكرتْ بحظر التجول، وانقطاعات الكهرباء، وعمليات الاختطاف ــ وخاصة اختطاف كاتشيتو ــ وقنابل الإرهابيين. يا لها من بلاد، يا لها من بلاد!

أنزلت يدها، كان سطح ذلك الفخذ متيناً وأملس، ورطباً بصورة طفيفة، أيكون ذلك بسبب التعرق أو أثر مرهم ما. أتكون تشابيلا قد استخدمت، قبل أن تنام، أحد الكريمات التي تضعها ماريسا في الحمام؟ لم ترها تتعرى؛ لقد قدمت إليها واحداً من قمصان نومها، قصير جداً، ولبسته في حجرة الملابس. وحين رجعت إلى غرفة النوم، كانت تشابيلا تلبسه؛ إنه شبه شفاف، يكشف عن ذراعيها وساقيها وعن إطلالة مؤخرة، وتتذكر ماريسا أنها قد فكرت: «يا للجسد الجميل، وكم هو متماسك ومُحافط عليه على الرغم من انجابها ابنتين، الفضل لذهابها ثلاث مرات كل أسبوع إلى النادي الرياضي». واصلت التحرك بصورة ميليمترية، مع الخوف المتزايد من استيقاظ صديقتها؛ وبينما هي مرعوبة وسعيدة الآن، كانت تشعر، للحظات، بتناغم إيقاع تنفسهما، وبأن أجزاء من الفخذ، من الإلية، من سيقان كلتيهما تتلامس ثم تتباعد على الفور وتواصل الانتظار ــ ماذا تنتظر؟ ــ، كما في ورطة، الملامسة العابرة التالية. يدها اليمنى مازالت تقبع على فخذ تشابيلا وقد انتبهت ماريسا إلى أن يدها بدأت تتعرق.
في هذه الأثناء تحركت صديقتها. ظنت ماريسا أن قلبها سيتوقف. حبست أنفاسها لبضع ثوانٍ؛ أغمضت عينيها بقوة، متظاهرة بالنوم. ودون أن تتحرك تشابيلا من مكانها، رفعت ذراعها، وأحست ماريسا الآن أنه فوق يدها المستندة إلى فخذ صديقتها نزلت يد تشابيلا. أتراها ستُزيحها بعيداً عنها بقوة؟ لا، بالعكس، بنعومة، بل يمكن القول بحنان، شابكت تشابيلا أصابعها بأصابع ماريسا؛ وراحت تسحب يدها الآن بضغط خفيف، وهي ملتصقة ببشرتها طيلة الوقت، إلى ما بين ساقيها. لم تصدق ماريسا ما يحدث. أمسكت تشابيلا يد ماريسا واقتادتها الى عانتها، ثم الى الفتحة المبللة ووضعتها هناك. مرتجفة من قدميها حتى رأسها، مالت ماريسا على جانبها، وألصقت نهديها وبطنها وساقيها بظهر وإليتي وساقي صديقتها، وراحت في الوقت نفسه تفرك لها عضوها بأصابعها الخمس، محاولة العثور على بظرها الصغير، نابشة، مباعدة الشفرين المبللين في عضوها المنتفخ باللهفة، كل ذلك ويد تشابيلا هي التي تقود يدها. وقد أحست أنها هي الأخرى ترتعش، تلتصق بجسدها، تساعدها على التشابك والانصهار بها.
أغرقت ماريسا وجهها في شعر صديقتها وراحت تزيحه بحركات من رأسها إلى أن وجدت رقبة وأذني تشابيلا، وأخذت تقبلهما، تلحسهما وتعضضهما بتلذذ، بعد أن لم تعد تفكر الآن بأي شيء، تعميها البهجة والشهوة. بعد ثوان أو دقائق من ذلك، كانت تشابيلا قد استدارت، وكانت هي نفسها من تبحث عن فمها. تبادلتا القبلات بنهم ويأس، في البدء بالشفتين، وبعد ذلك بفتح فمويهما، ومشابكة لسانيهما، وتبادلهما اللعاب، بينما يدا كل منهما تخلع ــ تنتزع ــ عن الأخرى قميص النوم لتظلا عاريتين ومتشابكتين؛ تدوران من جانب إلى آخر، تداعبان صدريهما، تقبلانهما، وبعد ذلك الآباط والبطنين، بينما كل منهما تبحث عن عضو الأخرى وتشعران بهما ينبضان في وقت بلا وقت، بالغ المدى وبالغ الزخم.
عندما راحت ماريسا الذاهلة، المشبعة، تشعر، دون قدرة على تجنب ذلك، بأنها تغرق في نوم لا يمكن مقاومته، توصلت إلى أن تقول لنفسها أنها خلال كل تلك التجربة الاستثنائية التي حدثت للتو لم تُقْدم هي ولا تشابيلا ــ ويبدو أن هذه أيضاً كانت تستسلم الآن للنوم ــ على تبادل ولو كلمة واحدة. وعندما غرقت في فراغ بلا قاع، فكرت من جديد بحظر التجول وظنت أنها سمعت انفجاراً بعيداً.
بعد ساعات من ذلك، عندما استيقظت، كان ضوء النهار الرمادي يدخل إلى حجرة النوم شبه منخولاً عبر ستارة النافذة، وكانت ماريسا وحدها في السرير. كان الخجل يهزها من قدميها حتى رأسها. هل حقاً قد حدث ذلك؟ غير ممكن، لا، لا. ولكن بلى، لقد حدث طبعاً. سمعت عندئذ ضجة في غرفة الحمام، فأغمضت عينيها مرعوبة، متظاهرة بالنوم. فتحتهما قليلاً، ومن خلال رموشها لمحت تشابيلا وقد ارتدت ثيابها وتهندمت وهي على وشك المغادرة.
ــ أعذريني يا ماريسا، لقد أيقظتك ــ سمعتها تقول، بأكثر صوت طبيعي في الدنيا.
ــ ما هذا الكلام ــ تلعثمت مقتنعة بأن صوتها لا يكاد يُسمع ــ. هل ستذهبين؟ ألا تريدين تناول الفطور أولاً؟
ــ لا يا قلبي ــ ردت صديقتها: ولم يكن في صوت هذه أية ارتعاشة، ولم يبدُ عليها أنها متضايقة. إنها مثلما تكون دوماً، دون أدنى حمرة حياء في خديها، وبنظرة عادية بالمطلق، دون ذرة واحدة من الخبث أو المكر في عينيها الواسعتين السوداوين وشعرها الأسود المضطرب بعض الشيء ــ. سأذهب طيراناً كي أدرك الصغيرتين قبل خروجهما إلى المدرسة. ألف شكر على الضيافة. سنتصل، وهذه قبلة.
ألقت إليها قبلة طيارة من باب غرفة النوم وغادرت. تكورت ماريسا على نفسها، تمطت، كانت على وشك النهوض لكنها عادت للتكور على نفسها وتغطية جسدها بالملاءات. لقد حدث ذلك طبعاً، وأفضل دليل على حدوثه هو أنها عارية وقميص نومها مجعد ونصفه خارج السرير. رفعت الملاءات وضحكت حين رأت أن قميص النوم الذي أعارته لتشابيلا كان هناك أيضاً، مكوماً عند قدميها. جاءها ضحكٌ قطعته فجأة. رباه، رباه. أتشعر بالندم؟ ولا بأي حال. يا لسرعة حماسة تشابيلا. أتراها قد فعلت أشياء من هذا النوع قبلاً؟ مستحيل. إنهما تعرفان إحداهما الأخرى منذ زمن بعيد، وتخبر كلٌ منهما الأخرى بكل شيء، ولو أن تشابيلا قامت ذات مرة بمثل هذه المغامرة لكانت اعترفت لها. أم أنها ما كانت ستفعل؟ هل سيغيّر ما جرى من صداقتهما؟ بالطبع لا. تشابيلا هي صديقتها المفضلة، وهي أكثر من أخت. كيف ستكون بعد هذا اليوم العلاقة بينهما؟ أتظل العلاقة نفسها مثلما كانت من قبل؟ لديهما الآن سرّ رهيب تشتركان فيه. رباه، رباه، لا يمكنني أن أصدق أن ذلك قد حدث. طوال الصباح، بينما هي تستحم، وأثناء ارتدائها الملابس، وتناولها الفطور، وإعطائها التعليمات للطاهية وكبير الخدم والعاملة المنزلية، كان يدور في رأسها السؤال نفسه: «هل فعلتِ ما فعلتِه يا ماريسيتا؟». وماذا سيحدث إذا ما علم كيكي بأنها هي وتشابيلا قد فعلتا ما فعلتاه؟ هل سيغضب؟ أيفتعل مشهد غيرة كما لو أنها قد خانته مع رجل؟ أتخبره بما حدث؟ لا، ولا بأي حال، يجب ألا يعلم بهذا الأمر أحد، يا للخجل. وظلت على هذه الحال حتى منتصف النهار، حين وصل كيكي قادماً من آريكيبا وأحضر لها معجنات إيبيريكا المعروفة وكيس من ثمار الركوتو، وبينما هي تقبله وتسأله كيف سارت أموره في مجلس إدارة معمل البيرة ـ «لا بأس، لا بأس يا غرينغيتا، لقد قررنا التخلي عن إرسال البيرة إلى أياكوتشو، لأنها لا تغطي الكلفة، فالإتاوات التي يطلبها الارهابيون ومن هم وراء الارهابيين ستودي بنا إلى الإفلاس» ــ، وكانت لا تزال تواصل التساؤل: «ولماذا لم تُبدِ لي تشابيلا أدنى تلميح، وغادرت كما لو أن شيئاً لم يحدث؟ ولماذا تظنينها لم تقل شيئاً أيتها البلهاء. لأنها هي نفسها أيضاً كانت تموت من الخجل، ولم تشأ أن تبدو أنها انتبهت لما حصل وفضلت المدارة، كما لو أن شيئاً لم يحدث. ولكن هنالك ما حدث بالفعل يا ماريسيتا. هل سيحدث ذلك مرة أخرى أم أنه لن يحدث إلى الأبد؟».
ظلت طوال الأسبوع لا تتجرأ على الاتصال هاتفياً بشابيلا، كانت تنتظر بجزع أن تتصل الأخرى بها. يا للأمر الغريب! لم يحدث قطّ أن مرت عدة أيام دون أن تلتقيا أو تتبادلا الحديث. أو ربما أن الأمر، إذا ما أمعنت التفكير جيداً، ليس بالغريب: فصديقتها تشعر بعدم الراحة مثلها، ومن المؤكد أنها تنتظر أن تكون ماريسا هي من تبادر إلى الاتصال بها. أتكون قد زعلت؟ ولكن، لماذا. أولم تكن تشابيلا من أقدمت على الخطوة الأولى؟ فهي لم تفعل شيئاً سوى وضع يدها على ساقها، وهذه حركة يمكن أن تكون مصادفة، غير إرادية، بلا نوايا خبيثة. وتشابيلا هي من أمسكت اليد وجعلتها تلامسها وتمارس الحك والعادة السرية. يا للجرأة! حين كانت تصل إلى هذه الفكرة تراودها رغبة مجنونة في الضحك، وتشعر بحرقة في خديها لا بد أنها تجعلهما يصطبغان بالحمرة.
ظلت على هذه الحال طوال ما تبقى من الأسبوع، شبه ساهمة، تركز على تلك الذكرى، دون أن تنتبه تقريباً إلى أنها تنجز وفق الروتين المثبت في أجندتها، دروس اللغة الإيطالية عند ديانا، جلسة شاي الخالات لابنة أخت مارغو التي ستتزوج أخيراً، غداءا عمل مع شركاء كيكي وهما دعوتان مع الزوجات، الزيارة الإجبارية لوالديها من أجل تناول الشاي، والذهاب إلى السينما مع ابنة العم ماتيلدي، إلى فيلم لم توله أدنى اهتمام لأن الموضوع لم يكن يغادر ذهنها لحظة واحدة، ولا زالت تتساءل أحياناً عما إذا لم يكن سوى حلمٍ. وذلك الغداء مع زميلات الدراسة والحديث الذي لا بد مفر منه، والذي كانت تتابعه نصف متابعة فقط، عن تشاكيتو المسكين واختطافه منذ حوالي شهرين. يقال إن خبيراً من شركة التأمين قد جاء من نيويورك للتفاوض بشأن الفدية مع الارهابيين وأن المسكينة نينا، زوجته، تقوم بجلسات علاج نفسي كيلا تصاب بالجنون. كم كان مدى سهوها في واحدة من تلك الليالي، حين مارس إنريكي معها الحب وانتبهتْ فجأة إلى أن زوجها قد فقد حماسته وهو يقول لها: «لا أدري ماذا أصابك يا غرينغيتا، أظن أنني لم أركِ بهذا الفتور طوال عشر سنوات من زواجنا. أيكون الإرهاب هو السبب؟ من الأفضل أن ننام».
يوم الخميس، بعد أسبوع بالضبط من ذاك الذي حدث أو لم يحدث، رجع إنريكي من المكتب في وقت أبكر من المعتاد. كانا يتناولان كاساً من الويسكي وهما يجلسان على الشرفة، يتأملان بحر ليما المتلألئ تحتهما ويتبادلان الحديث، وكان الحديث بالطبع حول الموضوع المتسلط على البيوت جميعها في تلك الأيام، أعمال القتل والخطف التي تقوم بها منظمة الدرب المضيء وحركة توباك آمارو الثورية، وانقطاعات الكهرباء التي تحدث كل ليلة تقريباً بفعل نسف الأبراج الكهربائية التي تخلّف أحياء بكاملها من المدينة في ظلام دامس، والانفجارات التي يوقظ بها الإرهابيون أهالي ليما في منتصف الليل وعند الفجر. كانا يتذكران كيف رأيا من هذه الشرفة بالذات، قبل بضعة شهور، كيف أشعلت في منتصف الليل على أحد الهضاب المحيطة مشاعل تشكل منجلاً ومطرقة، كنبوءة لما سيحدث إذا ما تمكنت جماعة الدرب المضيء من كسب هذه الحرب. كان إنريكي يقول إن الوضع صار لا يطاق بالنسبة لرجال الأعمال، فالإجراءات الأمنية تضاعف التكاليف بصورة جنونية، وشركات التأمين تريد مواصلة رفع أقساط التأمين، وإذا ما تمكن قُطاع الطرق من بلوغ مرادهم، فسوف تصل البيرو سريعاً إلى وضع كولومبيا حيث بدأ رجال الأعمال الخائفين من الارهابيين الانتقال بالجملة كما يبدو إلى بنما وميامي، كي يديروا أعمالهم من هناك. مع كل ما يعنيه ذلك من نفقات إضافية وخسائر. وكان يقول لها بالضبط: «ربما سنضطر نحن أيضاً إلى الذهاب إلى بنما أو ميامي يا حبي»، حين ظهر كينتانييّا، كبير الخدم، على الشرفة: «السيدة تشابيلا على الهاتف يا سيدتي». «حوّل لي المكالمة إلى غرفة النوم»، قالت له، وحين نهضت، سمعت كيكي يقول لها: «قولي لشابيلا إنني سأتصل بلوثيانو في أحد هذه الأيام لنلتقي نحن الأربعة معاً يا غرينغيتا».
عندما جلست على السرير وأمسكت سماعة الهاتف، كان ساقاها يرتجفان. «ألو ماريسيتا؟» سمعتها، وقالت: «كم هو جيد اتصالك، كنت مجنونة لا أدري ماذا أفعل، وبدأت أفكر بالاتصال بك غداً باكراً».
ــ كنتُ طريحة الفراش بسبب زكام حاد ــ قالت تشابيلا ــ، ولكنه بدأ يغادرني. وقد افتقدتك كثيراً جداً يا قلبي.
ــ وأنا أيضاً ــ أجابتها ماريسا ــ. أظن أنه لم يمض علينا أسبوع من قبل دون أن نلتقي، أليس كذلك؟
ــ إنني أتصل بك لأقدم لك دعوة ــ قالت تشابيلا ــ. وأنبهك إلى أنني لن أقبل أن تقولي لا. عليَّ أن أذهب إلى ميامي ليومين أو ثلاثة أيام، هنالك بعض المشاكل في شقة بريكل افينيو ولا يمكن حلّها إلا بذهابي شخصياً. أدعوكِ لمرافقتي. لدي تذاكر سفر لكلتينا، لقد حصلت عليها مجاناً من خلال الأميال المتراكمة لدي. سنذهب منتصف ليل الخميس، ونظل هناك يومي الجمعة والسبت، ونرجع يوم الأحد. لا تقولي لي لا، لأنني سأزعل منك حدّ الموت يا حبي.
ــ سأرافقك طبعاً، وبسعادة ــ قالت ماريسا؛ وكان يبدو كما لو أن قلبها سيخرج في أي لحظة من فمها ــ. سأخبر كيكي الآن بالذات، وإذا ما خرج لي بأي «ولكن…»، سأطلب الطلاق. أشكرك جزيل الشكر يا قلبي. رائع، رائع، تفتنني هذه الفكرة.
أغلقت الهاتف وظلت جالسة على السرير دقيقة أخرى، إلى أن هدأت. سيطر عليها شعور بالراحة، نوع من الارتياب السعيد. ذلك الأمر قد انقضى وهاهي ستذهب الآن مع تشابيلا يوم الخميس القادم إلى ميامي، وخلال ثلاثة أيام ستنسيان عمليات الاختطاف، وحظر التجول، وانقطاعات الكهرباء وهذا الكابوس كله. حين رجعت إلى الشرفة، مازحها إنريكي: «من يضحك وحده، إنما لأنه يتذكر شيطناته. أيمكنني أن أعرف لماذا تلمع عيناكِ بهذا البريق؟». «لن أخبرك يا كيكي»، تغنجت مع زوجها، وألقت بذراعيها حول عنقه. «حتى لو قتلتني لن أخبرك. تشابيلا دعتني لثلاثة أيام إلى ميامي، وقلت لها إنني موافقة، وإنك إذا لم تمنحني الإذن بمرافقتها، فسوف أطلب الطلاق منك».



تصدر قريبا عن منشورات الجمل

سحر مندور... الجنس في زمن كاترين دونوف

يناير 25, 2018 اضف تعليق

الخلط القائم بين الجنس والإعتداء الجنسيّ لا يبدو بريئاً من ذكوريّةٍ ترفض التنازل عن مكتسباتها أو مراجعة تصرّفاتها الماضية. وإن كان الرجال هم المعنيين أولاً بهذا الكلام، فالنساء أيضاً معنيات وهنّ اللواتي عشن الذكورية وتشرّبنها منذ الوعي، وبنين مساحاتهن وعلاقاتهن ومفاهيمهن على أسسها.منذ أشهرٍ، خرجت حملةٌ عالمية، أتت تاليةً لحملاتٍ كثيرة ومؤثّرة وشجاعة في منطقتنا، تستهدف الإعتداء الجنسيّ كبنيةٍ قائمةٍ وحاكمةٍ ومزمنة. وقد بلغت المقاومة بالنساء حدّ القدرة على الجهر الذي لم يكن ممكناً لولا عقود النضال النسويّ التي منحتنا واقعاً أقوى، إن هنا أو في العالم. وإذا كان واقع التحرّش في الولايات المتحدة وأوروبا يتصارع مع الصمت الذي فرضه مريدو الذكورية والمدافعون عنها، فنحن هنا في منطقتنا لا نزال نعاني مع أصوات المعتدين التي تعلو فوقنا وفوق أصواتنا متسلّحةً بالدين والقانون والمجتمع.
عند هذه النقطة، لا بد للكلام أن يفصّل ليميّز بين هنا و”هناك”. إذ ظهرت إنفعالاتٌ كثيرة في منطقتنا “تضمّ صوتها” إلى النجمة الفرنسية كاترين دونوف و99 إمراة فرنسية وقّعن بياناً نشرنه في “لوموند”، ينقد حملات البوح بالإعتداء الجنسيّ على اعتبار أنها: حركات طهرانية ضد الجنس، تصوّر النساء كضحايا ضعيفات عاجزات عن التحكّم بمحيطهن الغزليّ، تجرّد الغزل و”الدسدسة” من إلحاحه الممل وهو جزء من الحرية الجنسيّة، تستبيح الرجال، وتروّج للعفّة في الحياة والفن. وقد سجّل البيان إدانةً لأصواتٍ تهجّمت على أعمالٍ فنية تاريخية بصفتها تتضمن عنفاً بنيوياً بحق النساء.
فلنبدأ من التجربة الفرنسية:
  • اعتبر بيان المئة إمرأة فرنسيّة أن حملة #مي_تو تتراجع عن مكتسبات الثورة الجنسية في الستينيّات. الثورات ليست دساتير ولا هي كتب دينية ولا تحف جامدة. الثورات هي أقرب لكسرٍ حادّ مع واقعٍ سائدٍ استلزم الحدّة لإعلان خللٍ فيه. وهي محطّات يتمّ نحت مفاهميها ومطالبها مع الوقت، لتشدّ نحو العدالة مع كلّ إستقرارٍ يليها، في كلّ مستنقعٍ تصوغه سلطات كلّ عصر. الثورة الجنسية كسواها من الثورات تستلزم متابعات كثيرة، وقد استوعب أجزاءً كثيرة من عدالتها النظام البطريركي. السلطات تشدّ دائماً لهضم الثورات. لمّا تخرج النساء بآلاف القصص التي تروي الإعتداء المنهجي، أكانت كلها مقنعةً للجميع أو كان بعضها غير مقنعٍ للجميع، فهن يروين مواداً تصوغ مواقف من واقع زمنها، لا ماضي الثورة الجنسية (مضى أكثر من نصف قرن عليها، نشأ خلالها أكثر من 3 أجيال). لسن مضادات للجنس، وإنما سوادهن الأعظم يمارسنه بخيارهن، ويشرن إلى اعتداء منهجيّ اختبرنه في مساحة الجنس لا خارجها، ويسعين للعدالة داخلها لا إلغاءها. وثورة الستينيّات قادرةٌ على أن تمد تطوّر الحياة بخبرتها، بدلاً من صدّه بإصبع الواعظ المحذّر. وهذا إصبعٌ، بالمناسبة، بطريركي.
  • الفارق كبير بين الغزل والإعتداء، كالفارق الذي لا يخطئه أحد بين الإبتياع والسرقة. ومع ذلك، ما أن يصدر صوتٌ نسائيّ أو نسويّ يخلط بينهما، حتى تراه يفتح الباب أمام جوقة الذكورية بمنفتحيها وشرسيها وكامنيها و”خفيفي ظلّها”، لتهبّ وترفعه كالدليل القاطع الآتي منهنّ ليدلّ على مبالغاتهنّ. و”شهد شاهدٌ من أهله” لينسف الحقّ المطلق ويرسي مكانه النسبيّة. إن مفهوم الرضا في الحب والجنس (consent) ليس اختراعاً، وإنما هو أمر بديهي بالنسبة إلى الرجال في حياتهم اليومية بلا تفكيرٍ أو حسبان. امتلاكه بين فئاتٍ جديدة، النساء تحديداً والأشخاص غير المتوافقين/ات مع الأدوار الجندرية المتوقعة منهم/ن، هو التغيير. هو موضوع هذا الصراع.
قبل الدخول إلى الواقع في المنطقة وتماهي البعض هنا مع بيان المئة هناك، يبدو ممتعاً وذا دلالة التوقّف للحظةٍ عند كاترين دونوف التي اعتذرت من ضحايا الإعتداء الجنسيّ اللواتي أذاهنّ البيان، وميّزت موقفها عن موقّعات شرسات في عداء حالة البوح، كتلك التي قالت أن النساء ينتشين أحياناً أثناء الإغتصاب (أيّ أنه يمكن للإعتداء أن يحمل هدايا للنساء). كاترين، في الستينيّات، كانت واحدة من 343 إمراةً وقّعن، في فرنسا أيضاً، بياناً أطلقته سيمون دو بوفوار، بعنوان: “أنا أجهضت نفسي”. سُمّي آنذاك بـ “مانيفستو الـ 343 عاهرة”. وكنّ، بطبيعة الحال، يشهرن الإجهاض في سياق نضالهن لحقّ المرأة بامتلاك جسمها، والجنس، فالإجهاض.

1
“مانيفستو الـ 343″، نشرته جريدة “لوموند” في 5 أبريل/ نيسان 1971 (المصدر: https://www.franceinter.fr/emissions/au-fil-de-l-histoire/au-fil-de-l-histoire-11-septembre-2013)

في الواقع المحلي، هل من سياق لهذا كله؟
الأخوة والأخوات المتحمسين/ات جداً لصدّ موجة الكلام عن الإعتداء الجنسيّ عبر تهذيبها وتعليمها أسس الكلام وتمييعها بمياه الغزل و.. هل ينطلقون/ن من واقع الحال هنا؟ الواقع الإجتماعي، القانوني، السياسي، الإجتماعي، الطبي.. الأخوة والأخوات المتماهين/ات مع كاترين دونوف، هل هم/نّ على تواصل مع حريات الجنس خارج الزواج هنا، حريات الإجهاض هنا، قوانين الأحوال الشخصية وحتى القوانين المدنية هنا، أو كيفية تصوير المرأة في السينما والنحت والمسرح والرواية والشعر وسواها من الوسائط هنا..
واقع القرى والمدن. واقع الدين المسلّح، المموّل أو المتسلّط. الواقع الجندري في المجتمع، في حالات الحرب، في حالات القمع، في العائلات، في الوظائف، القدرة على الكلام في وسط هذا كله، مَن تمتلكها، ومَن لا تمتلكها. وهناك طبعاً اللواتي صارت أيامهن حروباً متتالية لامتلاكها. أيّ قوانين، أيّ تنميط، أيّ دروس، أيّ برامج تسري وتسود هنا..
هذا التماهي في منطقتنا مع بيان الفرنسيات، يبدو كمزايدةٍ نسويّةٍ وغزلٍ بطريركيّ معاً. يدٌ هنا ويدٌ هناك، عصفوران بحجر. وهو ربما يدافع بوعي تام أو لاوعي ثقيل عن مكتسباتٍ ذكورية، عن تأقلمٍ سبق وأنجزته الذات مع واقعٍ ذكوري، لها ذكرياتها وعمرها فيه، لها كلّ ناسها فيه، فما عادت النفس تستطيع إلى مساءلته ومساءلة لذّاتها وأفراحها الصغيرة فيه سبيلاً.
تكثر التحليلات في مصادر موقفٍ كهذا، الآن وهنا، إن لم يكن نابعاً من محض ذكورية تبحث عن صوت إمرأةٍ لتضرب به كافة النساء، كافة النسويات، وكافة المطالب الراهنة. إن كان الموقف آتياً من باب الحرص النسوي لا الذكوري، ومهما تعددت تحليلات مصادره والنوايا، فإن الفائدة منه تبقى منعدمة. لم يسبق لرجلٍ هنا أن أدين بالتحرّش وتم التشهير به وكان مظلوماً حزيناً مدمّر المهنة. أساساً، لا يزال نقاش قانون التحرش في البرلمان فعل تحرّشٍ بحدّ ذاته، عبر النكات بين النواب وتوقعهم الإستغلال النسائي للقانون المطروح! من أين تأتي ثقة نقد البوح هنا، ونحن لم نبدأ بعد بإرساء الغصب بمختلف مراحله (وليس الإغتصاب الوحشي المترافق مع القتل فحسب!) كجريمةٍ مطلقةٍ متفقٍ عليها؟
نحن في خضمّ التصدّي لجرائم قتل عرفنا بوقوع خمسٍ منها في ظرف شهر. وقبلها، أربعٌ في ظرف أسبوع. والجرائم مستمرة. ترف التماهي مع كاترين دونوف يحشر نفسه في واقعٍ آخر، من دون أن يخلّف إلا الأذى في واقعه، إذ يستهدف خطاباً يناضل. ربما الأجدى بهذا التماهي أن يبدأ من إشهار الإجهاض، إشهار الجنس، صدم المجتمع واستدراجه إلى مواجهة صلبة، قبل القفز إلى حريات ميكيلانجلو أنطونيوني والغزل.

عبد القادر ليلا... سيرة مدينة مفخخة

يناير 23, 2018 اضف تعليق



في الشتاء كان يعمل في صيد السمك من نهر الفرات، وفي الصيف نادلاً في خمارة بائسة، غير أنه أضاف لنفسه بطولات عبر القول إنه شارك في الحرب الأهلية اللبنانية ضمن إحدى المليشيات منذ كان في عمر المراهقة، وهذه ميزة إضافية يحسبها لنفسه وتُضاف إلى علومه العسكرية، فضلاً عن كونه مُفكِّكَ ألغام وخبير متفجرات في الوقت الحالي.

عندما وقفَ أبو عناد أمام المنزل يتأمله من كافة جوانبه، يبحثُ عن مداخله ومخارجه، نفثَ النَفَسَ الأخير من سيجارته، ثم رماها بعيداً وقال: «المهمة صعبة! ولكن لا تقلق! فأنا أول من رمى الديناميت في نهر الفرات، ومع دخول المولدة الكهربائية محمولة على الزوارق كأحد أدوات صيد الأسماك، كنتُ صاحب الريادة فيها».

قبل دخول أخي إلى البيت، وكي يتأكد من خلوه من الألغام، ذهبَ إلى الفِرَق الخاصة بنزعها، فقالوا له إن دور الحي لم يحن بعد: «عليك الانتظار، لأن هناك 16 حياً يجب الانتهاء منها قبل أن نصلكم». وبما أن اللصوص يسرحون ويمرحون، وعمليات النهب قائمة دون أي رادع، كان لا بدّ له من الاعتماد على نفسه وماله لتأمين بيته، فاتصلَ بالمختصّ الأشهر، أبو عناد.

حَضَرَ الرجل الخمسيني بيديه الفارغتين إلا من عصا مكنسة في رأسها خطاف وقطّاعة أسلاك صدئة. نفى أبو عناد أن تكون له أي خبرة سابقة قبل هذه الحرب بتفكيك الألغام، يقول: «المسألة بسيطة، ليست اختراع صاروخ، تحتاج إلى رجال شجعان لا تهاب الموت وقلبها من حديد»، وأشارَ الى صدره ثم قفز سور الحديقة إلى المنزل.

فَتَحَ نافذة الغرفة بحذر شديد وألقى حجراً من صوان كان في جيبه، فتدحرج الحجر وارتطم بالجدار. قال: «الآن انتهينا من مرحلة الألغام الليزرية والصوتية، هل ترى كم هي سهلة؟!».

مدَّ يده في جيبه وأخرجَ علبة دواء وابتلع منها حبة ترامادول بكل خفة ورشاقة، بدون حتى شرب الماء، وشمّرَ عن ساعديه وقفزَ من النافذة نحو الغرفة وبيده عصاه، يجسُّ بها كأعمى يلتمّسُ طريقه، و«نحن ننظرُ إليه من شقوق النافذة ونضع أيدينا على رؤوسنا تحسباً لأي طارئ». مدَّ العصا ورفعَ الإسفنجة التي كانت على الأرض ببطء وحذر، ثم تحسّسَ السجادة وتأكد أنَّ لا أسلاك مربوطة بها، ثم تفقّدَ باقي الأشياء، وخلال 5 دقائق خرج معلناً: «الغرفة خالية من الألغام». مدَّ يدهُ، وطالب بأجرته.

اشترطَ أن يأخذ عن كل غرفة عشرة آلاف، أما السقيفة والمطبخ بعشرين ألفاً، لأن احتمالية تفخيخها أكبر لوجود البراد والغسالة، وهي مطمع لكل المُعفِّشين من «المحرِّرين». «قُلنا له: اتكل على الله، مُعلنين موافقتنا»، وهنا بدأت حبة الترامادول تفعل فعلها، فبدأ يدخل الغرف من غير رمي الحجر، ولم يعد يجسُّ بعصاه. كان يتحرك كأنه آلة لا تسمع ولا تخاف، «ابتعدنا عن الباب والنوافذ خوفاً من رعونته واستهتاره، وخلال ربع ساعة خرجَ مُعلناً: البيت بأكمله صديق، وأخذَ منّا 60 ألف ليرة حلالاً زلالاً.

دخلنا بعده إلى البيت بحذر شديد، ولكن بعد لحظات زال الحذر. وجدناه منهوباً، فقد سبقتنا إليه يد اللصوص التي دائماً ما تفوز بالسباق. لم نجد البراد ولا الغسالة ولا حتى شاشة التلفزيون، حتى الخزانة مفكوكة على أمل نقلها في مرحلة قادمة. كل ما وجدناه عبارة عن إسفنجات وبقايا ملابسنا، أما ما تبقى من أثاث فقد تم تحطيمه وحرق بعضه دون معرفة الأسباب حتى الآن».

يشابه مشهدُ مدينة الرقة السورية مشهدَ مدينة درسدن الألمانية التي دمرتها قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ومدينة غروزني التي طحنها الجيش الروسي للسيطرة عليها، إلا أن نقطة الفارق في مدينة الرقة هي أنه اُريدَ لها أن تكون نقطة تجميع لمتطرفين من كل أنحاء «العالم المتحضر».

احتملَ ضميرُ العالم أن يتم تدمير هذه المدينة ذات الحظ العاثر، ويُشرَّدَ أهلُها، لذلك انقضَّت عليها قوات التحالف باستعراض قوة مفرط، وغير مبرر أحياناً. عشرات الصواريخ البالستية، 2400 غارة جوية، قنابل الفسفور الأبيض، إضافة إلى أكثر من 20 ألف قذيفة مدفعية من كل العيارات والأنواع، سقطت على المدينة في غضون 90 يوماً بعد حصارها من جهاتها الأربع. ضُرِبَت الرقة بكميات هائلة من الذخيرة جعلت من بيوتها ومنشآتها أثراً بعد عين، وهو ما اعتُبِرَ انتصاراً على «الإرهاب»، لتُعقَدَ حلقات الرقص والدبكة الهستيرية في الساحات، وفوق الأنقاض الذي ما زالت أشلاء الأهالي تحتها.

بعد أن أُقيمت المهرجانات الخطابية لتعلن النصر، حزم الإعلاميون رُسُلُ التحالف أمتعتهم وغادروها على عجل، وتركَ المنتصرون المدينة في دمارها وكأن زلزالاً ضربها، وأشلاءُ المدنيين المتناثرة في الطرقات تنهشها الحيوانات، باستهتار وقلة مسؤولية أخلاقية أو إنسانية، إذ قّدَّرَت الأمم المتحدة نسبة الدمار الكامل داخل المدينة بنحو 80 %.

المشكلة الأكبر والتحدي الحقيقي أمام الأهالي هو عشرات آلاف الألغام التي زُرِعَت في المدينة، ومنها أكثر من ثمانية آلاف لغم مكشوف، تم رصدها بالعين. في الطرقات، على أبواب البيوت، على الأشجار، في الحقائب، في خزائن الملابس، تحت التراب، في حدائق البيوت، وفي كل مكان يخطر أو لا يخطر على البال، زُرِعَت الألغام، ذلك بالإضافة إلى أطنان من القذائف غير المنفجرة من مخلفات الحرب. تُرِكَ الأهالي وحيدين ليبحثوا عنها، كمن يبحث عن إبرٍ في أكوامٍ من القش. يبدو أن الأهالي هم من سيكونون كاسحات الألغام.

صدرت تحذيرات للمدنيين من المنظمات الدولية عن خطر الألغام، ولكن دون أي عملٍ لإزالتها، ودون تأمين مساكن أو مأوى بديل. داهمَ فصلُ الشتاء الأهالي وهم إما في العراء، أو في ذلّ المخيمات التي تكاد تكون معسكرات اعتقال أكثر منها مراكز إيواء، أو أرهقهم دفع الأموال لبيوت مستأجرة في ظل ظروف اقتصادية بالغة السوء.

المسؤول الأمريكي في غرفة الدعم الإنساني بالأمم المتحدة يقول إن عدد الألغام وفق تقديرات أولية يبلغ عشرات الآلاف، وإن المهمة هي أصعب مهمة واجهتهم في هذا العصر، وأعقد من مخلفات وألغام الحربين العالميتين الأولى والثانية.

أحمد الذي عاد إلى مدينة الرقة قبل شهر ونصف، وصفَ لنا مشاهداته هناك: «من يدخل إلى شوارع الرقة يبكي من هول الصدمة وحجم الكارثة! لا تسمع إلا طنين الذباب ولا تشمّ إلا رائحة الجثث المتفسخة. لا تسمع فيها أذاناً، كل المساجد دُمِّرَت. لا يوجد أي مشفى، فقط مستوصف لمنظمة أطباء بلا حدود في حي المشلب». والمستوصف هو عبارة عن بيت عربي لا تُقدَّمُ فيه سوى الإسعافات الأولية البسيطة، وبعدها فإن أقرب مستشفى يبعد 100 كلم في مدينة تل أبيض، وإذا كانت الإصابة أكثر خطورة، فإن على المرء التوجه إلى مستشفى عين العرب (كوباني)، حيث الأجهزة المتطورة والإمكانات الكبيرة، خاصةً بعد أن تحولت المدينة الصغيرة إلى واحدة من أهم مراكز الشمال السوري وحواضره السياسية والأمنية، والطبية أيضاً.

يستقبل مركز أطباء بلا حدود بشكل متوسط عشر حالات يومياً، جراء انفجارات الألغام أو الذخيرة غير المنفجرة التي أطلقتها المدفعية والطائرات، ذلك حسب تصريح المسؤول عن المركز. 

انتهت معركة التحالف الدولي وقسد في المدينة، لتبدأ بعدها معركة المدنيين الشرسة مع الألغام هناك، وقد تجاوز ضحاياها 300 قتيل موثقين، فيما تنوعت أشكال الألغام: الليزرية، والحرارية، والأشعة تحت الحمراء، ومنها على شكل حصيرة أو مربوطة بشريط. ويُقال إن أميراً في داعش قد قال للمدنيين قبل تسليم المدينة لـ قسد: «ستقاتل الأرض نيابة عنا 30 عاماً»، وكان يقصد الألغام.

تعمل في محافظة الرقة ثلاث منظمات في مجال تفكيك الألغام، وهي منظمة روج المحلية، وتسميتها نسبة لـ (روج أفا)، وهي منظمة تم إنشاؤها عام 2016 في مدينة رأس العين من قبل أفراد كانوا في صفوف قوات حماية الشعب الكردية، ويعمل فيها 20 متدرباً. ذلك بالإضافة إلى منظمتين دوليتين، وهما منظمة ماك البريطانية، ومنظمة تيترا الأمريكية، اللتين لم تدخلا بعد إلى مدينة الرقة، وينحصر عملهما في ريف المدينة والأراضي الزراعية، فيما تتدخل منظمة روج بكادرها المتواضع لتفكيك الألغام تحت أعين الكاميرات فقط.

أكثر عمليات تفكيك الألغام من قبل المنظمة الأولى تمت في استعراضات تخاطب الغرب، مثل أن يتحلق مجموعة من مفككي الألغام، ومعهم ثلة من الندابين، حول كنيسة مدمرة (كنيسة الشهداء)، التي دمرها التحالف الدولي أصلاً، ويتباكون على التسامح والتعايش معلنين أنهم حريصون على دور العبادة وأصدقاءٌ للأقليات. ولا يخلو المشهد كالعادة من وجود نساء شقراوات باللباس العسكري يتقدمن الصفوف، وحول المشهد كله مدينة مدمرة لم تُستخرَج جثث أبنائها من تحت الأنقاض بعد.

أمّا منظمتا ماك وتيترا، فتعملان وفق برنامج خاصٍّ بهما، غير معنيتين باحتياجات المدنيين الملّحة، ففي الوقت الذي كانت المدينة تشيّع ضحاياها بشكل يومي جراء الألغام، توقفت فرق المنظمتين عن العمل في عطلة أعياد الميلاد لمدة عشرين يوماً، وقُتِلَ خلال هذه الاجازة ما يزيد عن 15 مدنياً بانفجار ألغام.

يقول أبو جميل، وهو يعمل مع إحدى هذه المنظمات، إن المنظمات الأميركية والبريطانية لها مهمات مختلفة عمّا تعلن عنه، فأولويتهم هي الدخول إلى مقرات تنظيم داعش ووضع اليد على المستندات والوثائق والأجهزة الالكترونية من موبايلات لعناصر التنظيم وأجهزة كمبيوتر، وبما أن أغلب المقرات والتجهيزات ربما تكون مفخخة، كان لا بدَّ من فرق تفكيك الألغام لتسهيل العمل.

أما المهمة الثانية كما يقول أبو جميل، فهي مرافقة خبراء سلاح ومهندسين، وربما بعض مندوبي شركات الأسلحة، للبحث والتقصي عن الآثار التدميرية والفعالية القتالية للأسلحة المستخدمة، ومساحة الدمار الذي أحدثته، خاصة إذا عرفنا أن الرقة أصبحت ساحة تدريب وتجريب ورماية لجميع شركات الأسلحة، بهدف معرفة جودة إنتاجها في حقل رماية مجاني على المساكن والمنشآت وأجساد المدنيين، الذين يقدر عدد الضحايا منهم بنحو 1800 ضحية، أكثر من نصفهم لا تزال جثامينهم عالقة تحت أنقاض بيوتهم.

ما زال الأهالي ينتظرون جرافات التحالف المؤلف من 72 دولة والمحملة بالوعود الكبيرة، ولكن هذا لم يفِ بوعد إخراج جثة واحدة حتى الآن، ذلك بالإضافة إلى منظمات التوعية التي تحذر من مخاطر الألغام، ولكن رسالتها النهائية تنتهي إلى القول: «احذر من العودة إلى بيتك قبل أن نسمح لك، ولا نملك برنامجاً زمنياً لذلك».

يروي بسام جانباً من المعاناة مع الألغام، فهو يقول إنه أحضر عاملاً من المتحف، وهو مكان يجتمع أمامه عمال المياومة، ليدخل إلى قبو البيت ويقوم بتعزيله من الحجارة المتساقطة، وإخراج بعض الأمتعة، مقابل 50 دولاراً. ويقوم بمهمة إضافية مقابل هذا المبلغ، وهي التفتيش عن الألغام وتأمين المكان، ولكن للأسف كان دوره كاسحةَ ألغام، إذ انفجر به لغم قتله على الفور، وبعد أن تم إخراج الجثمان، وخلال ساعة واحدة، حضرَ عاملٌ آخر ليكمل المهمة نفسها وكأن شيئاً لم يكن، دون تدخّلٍ من فرق الألغام ولا من أي جهة أخرى غيرها.

الفقر والعوز كان الدافع الأساس لهؤلاء الناس كي يكونوا استشهاديين، يغامرون بحياتهم من أجل لقمة عيش مغمسة بالدم، وأغلب عمال المتحف أصبحوا فرقاً لتفكيك الألغام مع رفع الأنقاض مقابل أجر. يقول العامل أبو ياسين: «نقف هنا منذ الصباح ننتظر رزقنا، ولكن كل العمل الطلوب هو أن تكشف للزبون عن ألغام بيته، وبما أننا الفئة الأكثر فقراً، كانت هذه المهمة من نصيبنا، ككل الفقراء الذين دائماً تقع على عاتقهم مهمات الموت والشقاء. ماذا نفعل؟ إن لم نعمل سنموت من الجوع، وهذا هو العمل المتوفر، فمن نجا منّا من القصف سيقتله اللغم. كل يوم تقريباً يُقتل من هؤلاء العمال شخصٌ أو أكثر. قبل أسبوع قُتِلَ أَخوَان بلغمٍ عندما كانا يرفعان الحجارة».

أغلبُ الألغام تم تفكيكها بجهود فردية وخبرات محلية بسيطة، فقد تدخَّلَ بعض الشبان ممن لديهم معرفة بسيطة بالدارات الكهربائية، أو في مجال تركيب الستالايت، وبعض الخبرات الفنية البسيطة. أصبحت مهنة تفكيك الألغام مقابل أجر مهنةً متعارفاً عليها، لها أهلها وأعرافها ومحترفوها، الذين يجوبون الحارات والأزقة كالباعة المتجولين، ولكن أغلب المدنيين لا يملكون المال اللازم لدفعه للانتحاريين مُفكّكي الألغام، لذلك يكتفون بزيارة بيوتهم والوقوف أمامها أو الطواف حول أسوارها وإشباع النفس، ريثما يتم تأمين المال اللازم لفكِّ الألغام من حوالة مالية موعودة بها من ابنٍ يعمل في تركيا، وهي الحوالة لتي ربما لا تصلُ أبداً.

الرقة ليست مدينة محشوة بالألغام فقط، ولكنها أيضاً تجلس على ألغامٍ من نوع آخر، وربما سينفجر في أي لحظة لغم سياسي ولغم اجتماعي ولغم اقتصادي، وربما أكبر من ذلك. هي الآن صرخةٌ في واد، ولكني على يقين أنها غداً ستأتي بالأوتاد.

 عن الجمهورية

حوار مع البروفيسور وائل حلاق حول الشريعة والإسلامويّة والدّولة العلمانيّة الحديثة (1 من 2)

يناير 18, 2018 اضف تعليق
كريم محمد

مقدّمة المحاور

لا شكّ أنّ الدكتور حلاق مبرّزٌ بما يكفي لعدم تقدمته. ولكن، كما تجري العادة، فإنّه لا بدّ من تعريفٍ ما. يعمل الدكتور حلاق على مواضيع الشريعة والفقه الإسلاميّ وتاريخهما منذ ما يقارب الثلاثة عقود من الزمان. وقد صدرت له إنتاجاتٌ جمّة، تُعدّ بمثابة أعمال جوهريّة لأيّ دارس للشريعة وتاريخها، وهي، بلا شكّ، تشكل تحدٍّياً كبيراً أمام تيّار استشراقيّ غربيّ واسع.
يأتي هذا الحوار الذي قمت به مع الدكتور حلاق شاملاً النقاش الذي أعقب نشر كتابه الدّولة المستحيلة، والذي كُتبَ فيه الكثير. وقد شرّفني الأستاذ حلّاق بشرف الإجابة المستقصية، وهو العقل - الشخص واسع الصّدر والمعرفة والأخلاق قبل كلّ شيء. سيتم نشر الحوار في جزئين، يمثّل هذا الجزءَ الأول منه.

كانت أجوبة الأستاذ حلّاق بالإنكليزيّة، لذا اضطلعت بترجمته على نحو يجعله كأنّه حوار متسلسل لا ترجمة فيه. ولكن لا مهرب من الترجمة. أليسَ الفكرُ ترجمةً أصلاً، كما علّمنا هيدغر؟

 ليست مهمة هذا الحوار أن يتعسّفَ في إثبات صوابية مقولات الأستاذ حلاق، فهذا يعود لمضمون الأفكار من ناحية، ولفهم القارئ من ناحية ثانية. وهو نفسهُ الذي يتحدث من بداية الحوار عن أن ما يُهمّهُ يكمن في "مركزيّة الأسئلة التي يثيرها الكتاب، سواء أكانت حججي مقبولة أم غير مقبولة، وبأنّ الإشكالات التي يطرحها الكتاب تكمن في لبّ الاهتمامات العربيّة والإسلاميّة"، كما يقول. أملي في نهاية المطاف، أنّ هذا الحوار يضيف، في عمقه ورصانته، آفاقاً للنظر تعضدُ ما في كتب الدّكتور حلاق نفسه من مقولات هامة.


السؤال الأول: ربّما لم يُثر كتاب ضجّة في الساحة العربيّة بعد ما يُسمّى الرّبيع العربيّ مثلما أثار كتابك الذي حملَ عنوانًا لافتًا هو "الدّولة المستحيلة". لقد نقده أقوام، وفرح به آخرون؛ فاعتبره صنفٌ إجهاضاً معرفياً لمشروع الإسلام السياسيّ الذي يحمل لافتة ديمقراطيّة وسط هذا الضباب الاستبداديّ والسّلطويّ الذي يخيّم على المنطقة بأكملها؛ في حين اعتبره صنف آخر تَصفية حقيقيّة لأوهام الإسلامويّة، وبالتالي إثباتًا للفكرة العلمانيّة الرائجة منذ مطلع القرن العشرين (علي عبد الرازق نموذجًا في الإسلام وأصول الحكم) التي تقول إنّ الإسلام لم ينطوِ على نمط حاكميّة سياسيّة. قد تكون، كأكاديميّ مرموق، مزعوجاً من هذه القِسمة الثنائيّة، لكن هذا هو الواقع فعلاً. ونعلم جميعاً أنّ الدّولة المستحيلة لم يُخاطب العرب والمسلمين أولاً، بل الغربيين بالإساس لإثبات عجزهم عن التعاطي الأخلاقيّ الجادّ مع نظرائهم المفكرين المسلمين. لكن اسمح لي، بما أنّ هذا الحوار موجَّه لقرائك العرب خصّيصاً، أن تشرح لنا ما أردتَ قوله بالضبط للعرب والمسلمين في هذا الظّرف الخانق الذي يعيشونه، وفي هذا المأزق التاريخيّ حقيقةً، بعد انسداد كلّ الآفاق المعرفيّة والسياسيّة في أغلب بلدانهم؟

وائل حلّاق: كما يعرف كلّ أحد، فإنّ المؤلف يفقد السيطرة على كتاباته وأفكاره في اللحظة التي تصبح فيها هذه الكتابات والأفكار منشورة على الملأ. ولا يمكنني أن أخبركم كم أذهلتني ردود الفعل المختلفة على الكتاب. لقد عرفتُ من قبل حتى اكتمال المسودّة الأولى أنّ الكتاب سيكون مثيراً واستفزازيّاً من الناحية الفكريّة، لكنّ الكتاب أثبت أنّه يتخطّى كونه استفزازيّاً بكثيرٍ بالنسبة إلى بعض القرّاء. وبالفعل، لقد تمّ تسييس الكتاب فيما وراء الاعتراف بقيمته وأهمّيته. بيد أنّني مرتاحٌ لفكرة أنّ كثافة ردود الفعل تتحدّث عن مركزيّة الأسئلة التي يثيرها الكتاب، سواء أكانت حججي مقبولة أم غير مقبولة، وبأنّ الإشكالات التي يطرحها الكتاب تكمن في لبّ الاهتمامات العربيّة والإسلاميّة.

لقد أساء كثيرٌ من القرّاء فهم الكتاب، يحدوهم طموح سياسيّ من بين أمورٍ أخرى في ذلك، ناسبينَ إلى الكتاب مواقف تتعارض مع أساسات تفكيري بحدّ ذاتها. على سبيل المثال، إنّني أختلف بعمقٍ مع الأطروحة الأساسيّة لعلي عبد الرازق حول الحوكمة الإسلاميّة السياسيّة. ومن ثمّ، ما مِن شيءٍ في كتاب الدّولة المُستحيلة يقرّ أفكار عبد الرازق ويصدّق عليها إذا ما قرئ الكتابُ بشكل صحيح. وإذ كانت الحكومةُ والسياسةُ (بالمعنى العامّ للمصطلحين) أدواتٍ لتنظيم المجتمع في بنيةٍ معقّدة، فقد قدّمَ الإسلام إذن، منذ بدايته، نهجاً متيناً للحوكمة، لكنّه نهجٌ أكثر مرونةً وتغيراً ممّا رأينا في العقدين أو العقود الثلاثة الأخيرة في الغرب (وفي جميع أنحاء العالم مؤخراً). كان عبد الرازق مخطئاً في حجاجه بأنّ الإسلام لم يقدّم نموذجاً للسياسة وللحوكمة. فقد قدّم الإسلام نموذجاً، ويمكن وصف النموذج بأنّه متطوّر جداً، وحتى أكثر تعقيداً في بنيته الداخليّة. بيد أنّ عبد الرّازق، مثله مثل المستشرقين، رأى غياباً في التنظيم القضائيّ والمؤسّساتيّ للإسلام، لأنّ اعترافاً بالنّظام المؤسّساتيّ والسياسيّ-القضائيّ المتين من شأنه أن يقف سدّاً في طريق "الإصلاح الحديث" الذي كان عبد الرّزاق وآخرون كثيرون غيره مندفعين في تبريره وتسويغه. وإذا تمّ الاعتراف بِنَسقٍ "جيّد التنظيم" كهذا بأنّه كان موجوداً على مدار التاريخ الإسلاميّ، فإنّ سؤالاً محرجاً وصعباً سيطرح نفسه: لماذا نختار النموذج المتمركز أوروبيّاً إذا كان التقليدُ الإسلاميُّ قد قدّم لنا نموذجاً كفؤاً بالمثل، حتى وإن لم يكن أكثر كفاءةً؟ حيث إنّ صيغة التبرير وتموقعها في أواخر اللحظة الكولونياليّة إنّما تحدّد من حيث الجوهر أفكار السّواد الأعظم من المفكّرين المسلمين، بمن فيهم أمثال عبد الرّازق. من ناحيةٍ أخرى، يرفض كتاب الدّولة المستحيلة شرعيّة ما يُسمّى بالإصلاحات ويعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من مشروع الكولونياليّة، بحيث يُحدّد بنيويّاً هذا المشروع، والذي ترك للمسلمين مفاهيم القوميّة والعقلانيّة المتأصّلة التي ضمنت استمراريّة الهيمنة الأوروبيّة، حتى بعد أن خرجت أوروبّا ماديّاً من كثير من الأراضي الإسلاميّة. وما نراه اليوم هو بقايا هذه الهيمنة.    

ويتحتّم القول أيضاً إنّ أيّ حجّة مفادها أنّ كتاب الدّولة المستحيلة "يؤكّد" أفكاراً كأفكار عبد الرازق يجب أن تنظر إلى الكتاب باعتباره دفاعاً عن العلمانيّة، الأمر الذي يُعدّ قراءةً خاطئة تماماً. وليس سرّاً الآن أنّني معارضٌ أساساً للعلمانيّة، وللإنسانويّة العلمانيّة، وللعقلانيّة العلمانيّة ولكلّ منتجات عصر التنوير التي يمكن أن تكون مسؤولة عن المشاكل الكبرى في العالَم اليوم. وهذا ما أوضّحه بشيءٍ من التفصيل في كتابي القادم عن الاستشراق (٢٠١٨). وبالتالي، فإنّ الحجّة القائلة إنّ كتاب الدولة المستحيلة يناضل ضدّ المشروع الإسلاميّ من خلال نقدٍ علمانيّ هي حجّة سخيفة في أحسن أحوالها.

وأنتَ محقٌّ بقولك إنّ الكتاب كان موجّهاً بالأساس إلى الجمهور الناطق بالإنكليزيّة، لا سيّما إلى الأكاديميين والفلاسفة الغربيين، على الرّغم من أنّ الجماهير العربيّة والمسلمة لم تكن خارج نطاق الكتاب. إذا جاز التعبير، فإنّ الكتاب موجَّه إلى العالم، كما قد كتبتُ سابقاً (لا سيّما بعد ٢٠٠٥)، وذلك بحكم حقيقة أنّ كتبي ومقالاتي تترجم إلى كثيرٍ من اللغات. وهذه الحقيقة ماثلة في ذهني على الدّوام. وإنّه لصحيحٌ أنّ الكتاب، من حيث مضمونه وتداخلاته، كان رامياً أيضاً للاشتباك مع الفلاسفة الأخلاقيين والسياسيين الغربيين. ولم يلحظ الدّافع الأساسيّ وراء هذا الكتاب سوى القلّة القليلة من القرّاء في العالم العربيّ -على حدّ علمي-: أي إحضار منظورٍ إسلاميّ ورؤيةٍ للعالم وتجربة تاريخيّة على طاولة الأكاديميا الغربيّة، ولدفع الباحثين الغربيين، بطريقةٍ ما، إلى الاشتباك مع الإسلام وإيتيقاه وقيمه على قدم المساواة مع ما يُسمّونه بالإرث المسيحيّ-اليهوديّ، وهو الإرث الذي سيطر على النّقاشات لفترة طويلة جداً. فأنا مقتنعٌ، بعد أن درستُ التاريخ الإسلاميّ والتاريخ الأوروبيّ لعقودٍ، بأنّ كثيراً من التطوّرات الفكريّة الغربيّة على مدى آلاف السنين الماضية كانت متأثّرة بصورة كبيرة بالإسهامات الإسلاميّة في المعرفة والثقافة، وأنّ أوروبا استوعبت هذه المعرفة بطرق لا تُعدّ ولا تُحصى، وعلى مدار امتداد تاريخيّ طويل. لكن عندما يتحدث الأكاديميّون الغربيّون عن إرثهم الفكريّ والثقافيّ، فإنّهم يميلون إلى إزالة هذه العناصر من تراثهم الذي أسهم فيه الإسلامُ بصورة كبيرة للغاية.



هذا شِقٌّ من خلفيّة الكتاب. أمّا الشِّق الآخر، فيتعلّق بالإمكانات الكبرى للتقاليد الفكريّة الإسلاميّة للمساعدة في نقد الحداثة ولنقد كلّ آثارها السيّئة. وكما سبقَ وقلتُ في الصفحات الأولى من الكتاب، فإنّ التجربةَ الإسلاميّة بشكلٍ عامّ -بما فيها تجربتها السياسيّة والاجتماعيّة المُعاشَة- يمكن أن تقدّم أرضاً خصبة للنقد وللنقاش، وبمقدورها بهذا المعنى أن توفّر أراضٍ أكثر خصوبة ممّا قدّمه باحثون من أمثال ألسادير ماكنتير -أي من اشتباك ماكنتير مع أرسطو وتوما الأكويني. وليست المقارنات التي حاول عقدها كتابُ الدّولة المستحيلة مجرّد أفكار فلسفيّة، لكنّها أفكارٌ عِيشَتْ في واقع سياسيّ-اجتماعيّ حقيقيّ. باختصار، كان أحد الأهداف الأساسيّة للكتاب أن يسلّط الضوء على مشكلة الدّولة طويلة الأمد في المشروع الحديث ودعوة المفكّرين والأكاديميين الغربيين لإعادة التفكير في هذه المشكلة في ضوء التجارب التاريخيّة الأخرى. ذلكَ مشروعٌ استكشافيّ، وهو مشروعٌ جوهريّ للنقاشات الفكريّة. والتجربةُ الإسلاميّةُ، كونها أباً من أبويْ أوروبّا الحديثة، بمنتجاتها الفكريّة والثقافيّة، يمكن أن تقدّم زاداً وعتاداً كبيراً للتفكير بالطريقة التي يمكننا بها أن نعالج إمكانات الخروج من أزمات الحداثة.

ولكن لسوء الحظّ، في حين أنّ الغرب ينافح من أجل المواجهة وإيجاد الحلول للخروج من الأزمات الحديثة (التي أضحى معترفاً بها في الغرب الآن عموماً -وإنْ بشكلٍ غير كافٍ-)، فإنّ العالمين العربيّ والإسلاميّ يجعجعانِ بتقديم أنفسهما كحداثيين، وهذا ما يفعلونه بالمشي على خُطى الحداثة الغربيّة دون بذل أيّ قدر مهمّ من الفكر الاستقلاليّ والأصليّ. وإذا كان ثمّة شيءٌ تعلّمناه بشأن المشروع الحديث في العالم، فهو أنّ المشروع الحديث كان قصّة العالم غير الغربيّ الذي يحاول اللحاق بالغرب على نحو دائم: فكّلما قلَّدَ العالمُ غير الغربيّ الغربَ أكثر، كلّما تخلّف وراءَه، لأنّ التقليدَ دائماً وبحكم طبيعته يأتي متأخراً. ومع الوقت، يُجسّد العالمُ غير الغربيّ القيمَ والمؤسّساتِ الغربيّة، وبالفعل ينتقلُ الغرب إلى المرحلة الثانية. إنّ كتاب الدّولة المستحيلة أيضاً هو محاولة للتخلّي عن هذا الموقف، وهذا سبيلٌ من العيش والكينونة في العالم. فيشدّد الكتاب على أنّ النّقد الإسلاميّ لا يمكن أن يكون مستقلاً فحسب بل يمكن أن يقود الطريق أيضاً إلى ما يحاول الغرب تجاوزه تحت شعار ما بعد الحداثة. وبالتالي، فإنّ النقدَ الإسلاميّ (إذا كان للمرء شجاعة التفكير بطرقٍ جريئة) لديه القدرة على تقديم حلٍّ ما فوق حديث، أو عنده الاقتراح لحلّ ما، لا لمجرّد تصحيح الحداثة، وإنّما لإعادة هندستها من جديد بالأحرى -من خلال النّقاش العقلانيّ والمقاربة التدريجيّة. إنّه مشروعٌ بطيء وذو أناة، ولكنّه مشروعٌ يجب الاضطلاع والقيام به. وفي حال فشل تحقيق هذا الهدف الطموح، فإنّه مع ذلك يمكن أن يساهم في هذا الجهد، حتى ولو جزئيّاً، بدلاً من أن يظلّ متلقياً سالباً في عالم الإنتاج الفكريّ والثقافيّ.

وإذا تمّ القبول بذلك، فسيصبح إذن من الواضح لماذا يتوجّه الكتاب فوراً إلى كلّ من الجمهور الغربيّ والعربيّ/الإسلاميّ. ويتعيّن على الجمهور الأخير، من إخواننا وأخواتنا الذين يعانون عالماً مضطرباً، أن يدركوا النقاشات -في وسطهم وفي العالَم الغربيّ- من أجل البدء في رؤية قيمة إسهاماتهم في هذا المشروع العالميّ تفكيراً ونقداً. فلا يمكن أن يكون هناك نقدٌ إسلاميّ بدون استيعاب مشاكل الغرب -وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون هناك استقلاليّة فكريّة دون الوقوف خارج البرديغمات [النماذج الفكريّة] الغربيّة المركزيّة.               

السؤال الثاني: لعلّ بمقدورنا أن نقول إنّ اشتغالك الأخير، غير المفصول عمّا قبله طبعاً، هو إبستمولوجياً محاولة للاشتباك مع الفلسفة الأخلاقيّة، واجتهاد في استعادة الأخلاقيّ في شرطٍ أصبحت الأخلاق فيه ذرائعيّة. واهتمامك بمسألة المسؤوليّة الأخلاقيّة واضح، وهو برأيي اهتمام له شقّان لا أدري أتتفق معي في توصيفي لهما أم لا: شقّ معرفيّ بحت لمحاولة إيجاد بيئة أخلاقيّة جديدة بعد إرث عصر التنوير والكولونياليّة الغربيّة، وشقّ سياسيّ لمحاججة المفكّرين الغربيين الليبراليين الذين خدموا، بوعيٍ أو عن غير وعيٍ، السياسات الغربيّة تجاه الإسلام والمسلمين والمنطقة عموماً. وتعود أصولك إلى فلسطين، النّاصرة، البلد المحتلّ عن آخره. ماذا تفيد الأخلاق الآن؟ بمعنى آخر، ما الذي ستوفّره الدّعوة إلى فلسفة أخلاقيّة سياسياً بالمقام الأوّل ومعرفياً في هذا الشرط العالميّ الضاغط؟

وائل حلاق: هذا السؤال مهمّ بشكلٍ عميق. فقد يفسّر بعض القرّاء السؤال باعتباره يقيم تمييزاً ضمنيّاً بين الإيتيقيّ والأخلاقيّ من ناحية، وبين الإيتيقيّ والسياسيّ من ناحيةٍ أخرى. وإنّني لستُ متأكداً بالضبط ما هو قصدهم تحديداً. بيد أنّني يمكنني القول بثقةٍ إنّ مشروعي على مدى العقدين الماضيين كان منصّباً على التركيز على عدم فصل الإيتيقيّ عن أيّ مجال من مجالات الحياة، وهذا يعني أنّني أجدُ نفسي -لأنّ ذلك كان موقفي المُعتبَر- في خلافٍ مع أشكال العقلانيّة التي تقود ما سمّيتُه بالنّطاقات المركزيّة للحداثة ولعصر أنوارها. وأدركُ تماماً أنّ السياسة أكثر ملائمةً من حقول أخرى للنّشاط البشريّ لتوريط نفسها في الهيمنة والقوّة، وبالتالي لتوريط نفسها في السّلوك اللاأخلاقيّ والمعادي لما هو إنسانيّ. وعليه، فأنا لا أرتكزُ على السياسة لكبح السياسة، لأنّ فعل ذلك من شأنه أن يفتح الباب للإساءة والاضطهاد. إنّ فكرة فصل ما يُسمّى السّلطات الثلاثة بأكلمها (التشريعيّة، والقضائيّة، والتنفيذيّة) تسمحُ للسياسة تحديداً، بموجب تدبيرٍ معيّن، بالسيطرة على تعسّفها وتقليصه، وذلك هو السبب في أنّ النظام الحديث فشل كمشروع إنسانيّ وأخلاقيّ. وفي نهاية المطاف، فإنّ السّلطات الثلاثة هي جزءٌ لا يتجزأ من النظام برمّته. إذ تحتاجُ السياسة إلى شيءٍ ما آخر، شيءٍ يقف خارجها، من أجل التحكّم والانضباط، ولا يمكن لهذا الشيء أن يكون نظاماً من الضوابط والتوازنات التي يتمّ الإملاء بها من جانب إواليّة قسْريّة خارجيّاً، مفروضة على الذات من خارجٍ. لقد كانت خارجيّة القسْر هذه هي قصّة الحكم من قبل الدّولة الحديثة، وهي شكلٌ مختلٌّ من التشكّل الإيتيقيّ الذي يسمح، بقوّة، بإنتاج الطغاة والقتلة الجماعيين والأنظمة البيروقراطيّة التي لا تُعدّ ولا تُحصى. ويمكن أن يُرى فساد وتعسّف السّلطة (الذي يعمل عمله تحت محسّنات لفظيّة كثيرة) في كلّ مكان، وآخر طورٍ له يتجلّى أشدّ الجلاء في الموقف الراهن في الولايات المتحدة الأمريكيّة، حتى مع أقبح التمظهرات له في بلدان كثيرة، عربيّةٍ وغير عربيّة. ولا بدّ لي أن أوضّح أيضاً أنّني لا أرى كثيراً من الاختلافات بين المشاريع الكولونياليّة بوضوح والمشاريع السياسيّة الأخرى في الحداثة، اللهمّ إلّا كاختلافٍ في الدرجة.  فمن حيث البنية الداخليّة، ليست الكولونياليّة الإسرائيليّة استثناءً عن حكم الدّولة الحديثة، وإنّما مجرّد درجة مكثّفة منه. ولكي نفهم إمكانات الدّولة الحديثة، يمكن للمرء أن يشخّص ملامحها في الحالة الإسرائيليّة بصورة أكثر يسراً من الحالات الأخرى، تماماً كما يتمّ تشخيص نموّ سرطانٍ بصورة أفضل في حالة متقدّمة. غير أنّ ذلك لا يعني أنّ بنية المرض غائب أو أقلّ إماتةً في حالة مبكّرة. فكما أشرحُ في كتابي القادم عن الاستشراق، فإنّ الدولة الحديثة مهيّأة بطبيعتها لمجموعة محدّدة من المواقف، بما فيها صلاحيّة اللاأنسنْة والقيام بإبادة جماعيّة شاملة. فكلّ دولة قادرة على الإبادة الجماعيّة بواقع كونها دولة (وبالطّبع ذلك جزءٌ من قصّة معقّدة أتناولها بالتفصيل في كتابي القادم آنف الذكر). لكنّ الدّولة مهيّأة أيضاً للقيام بأشياء كثيرة أخرى على نحو معيّن، بما فيها استعمال القانون لتحقيق الغايات الهدّامة، وتعزيز التعسّفات الاقتصاديّة والاستغلال الاجتماعيّ، وخلق المواطن العسكريّ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

وبالتالي، فأنا لا أفصلُ بحالٍ بين الإبستمولوجيّ/الفكريّ والسياسيّ. وفي تجربتي الشخصيّة، كانت الكولونياليّة الإسرائيليّة الاستيطانيّة بالطّبع دافعاً كبيراً لبناء نقدي، لكن من المهمّ أن نفهم أنّه في حين أنّ التبدِّي الخارجيّ لهذا الموقف كان سياسيّاً، فإنّ جذوره وأساساته أكثر اتساعاً -وأكثر عمقاً- من ذلك. فليست إسرائيل وأشباهُها مشكلة سياسيّة فحسب. كما إنّه لا السياسة ولا السياسيّ (بالمعنى الشيميتّي) أفكار كونيّة سادت التاريخ البشريّ منذ عهدٍ سحيق: فهي بشكل كبير نتاجٌ لضربٍ معيّن من ضروب التشكّل الأخلاقيّ (الذي يجب أن نقول إنّه غير إخلاقيّ) الحديث. وما الدولة الحديثة، والكولونياليّة، والإبادة الجماعيّة، وخلافه، سوى نتاج وتمظهرات لهذا التشكّل.

إنّ استدعاء الأخلاقيّ هو دعوةٌ للوعي بتشكّل الذاتيّة البشريّة، ووعي بالدّور المحوريّ الذي يلعبه الفردُ، باعتباره أهلاً للمسؤوليّة الأخلاقيّة وللمساءلة. لقد تجاوزت المؤسّسة، في الحداثة، الفردَ عبر استعباد ذاتيّته/ا وفاعليّته/ا، وبالتالي سخَّرته لمقتضيات السّلطة المؤسّساتيّة. فليست مؤسّساتنا الحديثة مجرّد تقانات للتدبير والإدارة -إنّها، بالأحرى، بنى لأشكال بعنيها من العقلانيّة. وأعتقدُ أنّه آنَ الأوانُ للنّظر في إنتاج الذّات الفرديّة باعتباره الخطوة الأولى لأيّة مؤسّسة. ولا أظنّ أنّ هناك ما هو أهمّ من الشّروع في تشكيل نقدنا المتجاوز لما هو حداثيّ. 

السؤال الثالث: يؤسس كتاب الدولة المستحيلة الالتزام على الأخلاق، حيث تقول فيه: "إن الأخلاقي هو نطاق الإسلام المركزيّ". يقوم اليقين و/أو الالتزام على سلطة الضمير كقاعدة للتحكّم في الذات، حيث لا يحتاج الضمير لموجّه، "فأنْ تمتلك ضميراً فذلك يكفي" كما يقول كانط. ويقول روسّو إنّ الالتزام الأخلاقيّ يقوم على سلطة الضمير الذي غرسه الله داخل الفرد من دون العودة إلى الغارس. وهذا ما يجعل طلال أسد يقول إنّنا عندما نجعل الضمير كقاعدة للتحكّم في الذات ألا يجعلنا ذلك أمام شيء حديث ومسيحيّ في الوقت نفسه؟ يعتبر الدولة المستحيلة أنّ أهم مبدأ أخلاقيّ "هو عدم القدرة على أو الامتناع عن ارتكاب عمل ما ليس لأنّك لا تستطيع فعله من حيث المبدأ، بل لأنك لا تستطيع العيش مع نتائجه". هنا تريد أستاذ حلاق تقييد الفعل لواجهة ما يمكن تسميته بـ"الإرادة الاقتحاميّة" (دمار الطبيعة، تفكيك بنى عضوية مثل الاسرة وغيرهما). هنا الأخلاقي يعني الامتناع عن الفعل، وهي فكرة نجدها عند طه عبد الرحمن الذي تُشيد به دائمًا. أصولياً، الأفعال لا تخرج عن: الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح. فالواجب لا يمكن أن يقوم على الأخلاقيّ؛ لأنّه ليس نابعاً من الضمير، بل من سلطة النصّ كنصّ، بمعنى لا يمكن الامتناع عن فعله لأنّه يعاقب على تركه ببساطة. بينما يتجسّد الأخلاقيّ في المكروه لأنه متروك لضمير الفرد؛ فإنْ قام به فلا يعاقب وإنْ امتنع عن القيام به يُثاب حيث يوجد خيار الضمير هنا. وهذا أيضًا ينطبق على المندوب. ولا ينطبق على المحظور، فهذا يعاقب على فعله، ويثاب على تركه. وهكذا، ألا ترى أنّ قولك إنّ "الاخلاقيّ هو النطاق المركزيّ للإسلام" يجعل من أفعال التكليف كلّها متساوية أو على مرتبة واحدة؟

وائل حلّاق: أعتقدُ أنّ السبيل الأمثل للإجابة على سؤالك تتمثّل في التفرقة بين الضّمير وما أطلقَ عليه الغزاليُّ وفوكو برياضة النّفس وبتقانات الذات على التوالي. وبرأيي، لم يكن كانط مهتمّاً بهذه التقانات؛ وذلك لأنّه نظرَ إليها باعتبارها رواسب من إرثٍ مسيحيّ استبداديّ. اهتمّ كانط بشكلٍ مكثّف بالإرادة العقلانيّة الحرّة، وكانت "الحريّة" التي دعا إليها متناقضةً إلى حدّ كبير مع مفهوم تقانات الذّات، على الأقلّ بالطريقة التي فهمَها هو في ثوبها المسيحيّ. ولعلّ هذا ما أرادَ طلال أسد أن ينقدَه. فالضمير سبيلٌ مفتوحةٌ للعيش في العالم، وهي سبيلٌ يمكن تعريفها وإعادة تعريفها باستمرار في الإرادة: وهو الأمر الذي يفسّر رواجه في الخطاب والممارسة الليبراليّة. ولا يلتزمُ الضميرُ بالضرورة بإملاءات المبادئ الأولى، وهي تلك المبادئ التي تُعيّن حدّاً، أو ما أسّميه أنا بمرجعيّة، حول السّلوك البشريّ، سواء أكان هذا السّلوك اعتقاداً أو فعلاً. وكون الضمير مروَّضاً إيتيقيّاً -وأنا أستعملُ المصطلح الأخير بأناةٍ وحذر- فيعني أنّه يكون في العالَم بشرطٍ من الهابيتوس* الإيتيقيّ، وهو نمطٌ من التهذيب الإيتيقيّ للذّات الذي يمرّن الرّوح على الاشتباك مع العالم (بعناصره البشريّة، والحيوانيّة، واللامجسَّدة) بطريقةٍ مسؤولة؛ بيد أنّ الأكثر إثارةً من ذلك بشأن ذلك الهابيتوس هو حقيقة أنّ سيرورة الهابيتوس تصوغها وتشكّلها أفعالٌ محدّدة، نسقيّة ومنتظمة، تنتجُ ذاتيّةً محدّدة. وعليه؛ تلفّ المشاكل كثيراً من الليبراليّة وسبل العيش الليبراليّة: فالهبيتوس الليبراليّ مائعٌ وخاضعٌ لتغيُّرات المصالح الماديّة والرأسماليّة والاستهلاكيّة، والتي هي مُحدّدةٌ كلُّها، في نهاية المطاف، بمفهوم الحريّة السَّالِبة (التي ناصرها إزايا برلين ومن على شاكلته كما هو معلوم). ففي الليبراليّة، ليس ثمّة مرجعيّة إيتيقيّة تربطُ دائماً المعتقد والفعل البشريّيْن بالمبادئ الأولى -أي بما هو خلاف المفاهيم المعينة للملكيّة والماديّة والتدبير السياسيّ الخانع. ويجب علينا ألّا ننسى بأنّ هذه التدبيرات الأخيرة ليست مستقلّة، بل تنتجُ مباشرة عَقِب اقتصاديّات وعقب مفهوم محدّد جدّاً للملكيّة. ويمكننا أن نرى آثارَها هذه في بزوغ الشّركة الحديثة وآثارها المدمّرة بشدّة على المجتمع الحديث.

وبالتالي، عندما نتحدّث عن تقانات الذات باعتبارها متّصلة بتصوّر المبادئ الأولى، فإنّنا نتحدّث عن ذاتٍ ملتزمة بمبادئ أخلاقيّة ليس بإمكانها أن تفسّرها بمعزلٍ عن الإرادة. وبكلمات أخرى، عندما تختفي المبادئ الأولى من الحياة البشريّة، فإنّ السيادةَ تكفّ عن البقاء في أيّ شيء يسمو على الإرادة البشريّة، سواء أكان فرداً أو دولةً. بعبارةٍ أخرى، غالباً ما تحرمُ المبادئ الأولى  المجتمع البشريّ من هذه السيادة، هذه السيادة التي أثبتَ وجودها القويّ في الحياة الحديثة كارثيّتها تماماً (كما وضّحت ذلك بإسهاب في كتابي عن الاستشراق).

بيد أنّ تقانات الذّات التي أتحدّث عنها هنا إنّما تقوم بما هو أكثر من مجرّد تخصيص السيادة بالمبادئ الأولى. إذ تخلقُ هذه السيادةُ، أو تستمرّ في خلْق، بنيةً من المواقف والمعتقدات تعملُ عملها دائماً على نحوٍ تتغلّل به في كلّ المواقف بواسطة قالبٍ إيتيقيّ أو ركيزة إيتيقيّة. ولا يعني ذلك، كما قد خَلُصَ كثيرٌ من قرّاء كتابي الدّولة المستحيلة بشكلٍ خاطئٍ، أنّ كلَّ شخصٍ أو مجتمعٍ ككلّ يُدبّر ذاته إمبريقيّاً بطريقةٍ إيتيقيّة. فتلكَ قراءةٌ سطحيّة وانتقائيّة لكتابي، وهي قراءة تبني القشّة بسهولة لجعل مهاجمة الكتاب أيسر لناقدٍ دوغمائيّ ومتهوّر. فعندما أتحدّث عن تقانات الذات، فليس لديّ في اعتباري فقط مفهوم للمعياريّة، وإنّما على وجه التخصيص، مفهوم للمرجعيّة. ولا تنجحُ المرجعيّات تماماً دائماً في تحقيق أمانيها في العالم الفعليّ، ولكن تقفُ بالأحرى كتذكيرٍ لا يتزعزع وكمعايير عنيدة لا يُقاس الواقع ضدّها فحسب، بل يُضغَط به ضدّها. والمرجعيّة الراسخة هي المرجعية التي يكون ضغطها أكثر بكثير من الضغوطات التي تقوم بها مرجعيات أُخَر، لا سيّما إذا كان قالبُ سلطتها ومصدرُها مشتّقاً ممّا أسميته في الكتاب بـ"النطاق المركزيّ". وإذا كانت المرجعيّات الإيتيقيّة بحكم التعريف أخلاقيّةً وإيتيقيّةً، فإنّ منهجَها إذاً هو أقلّ قسريّةً وأكثر تعليميّةً؛ وإنّها، لهذا السبب تحديداً، تسمحُ بمزيدٍ من الانحراف عن المعيار المفروض قسْراً.

ما أطمحُ بالتشديد عليه هو الآثار النَّسقيّة للمرجعيّات؛ بمعنى عملها على الرّوح، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت هذه الرّوح الفرديّة ملتزمة بهذه المرجعيّات أم لا. وإذا نُظر إليها على هذا النّحو، فإنّ هذه المقولات مثل "المحظور" و"الواجب" لا يمكن أن تُفصَل عن مقولات أخرى من حيث المحتوى الإيتيقيّ والعلاقة الإيتيقيّة بينهم. لقد شُكِّلتِ الرّوح بتقاناتٍ (وقد تأخذ هذه التقانات أيّ صيغة أو أيّ شكل، وما فقه العبادات أو التعاليم والممارسات الصوفيّة سوى تشكّلين قائمين من بين تشكّلات أخرى) -كما أتحدّث عنها- ليس بمقدورها التمييز، مثلاً، بين "المستحبّ" عن "المحظور"، لأنّ كلّاً منهما أعمال طاعة وتعبُّدٍ نابعة من الذّات الإيتيقيّة نفسها. ومع ذلك، يجب ألّا يعني ذلك أنّ كلّ الأفعال متساوية، لأنّ الأفعال باعتبارها مقولاتٍ فقهيّة-أخلاقيّة خطابيّة قد تكون تراتبيّة، أو ثانويّة، أو غير ذلك. فمن الواضح مثلاً أنّ القتل ليس هو نفسه بمرتبة عبور الشارع والضوء أحمر. كما إنّه ليس "المحظور" مساوياً لـ"المستحبّ". لكنّ هذا ليس موضوع حديثنا. ما هو على المحكّ في إشكاليّتنا هو كيف تعمل المرجعيّة الإيتيقيّة وتقانات الذّات معاً لإنتاج الذات المروَّضَة إيتيقيّاً بقدر ما يرى/ترى الواقع ويتعامل/تتعامل معه، بما في ذلك تشكيلة الأفعال المتاحة له أو لها. فإذا كنتُ ذاتاً تمّ تشكيلها إيتيقيّاً، فإنّ ملكاتي الإيتيقيّة ستتخلّل أيّاً ما أقوم به وتدخل على كلّ أفعالي، سواء أكان عبورَ شارع أو دفعاً لـ"ضرائبي"، أو، إذا كنتُ جنرالاً عسكريّاً، عندما آمرُ بعمل إبادة جماعيّة ضدّ جماعة أخرى. فلا يمكنُ للذات الأخلاقيّة الحقّة أن تكون متشظيّة ولا قابلةً للقسمة.      



السؤال الرّابع: إذا عدنا قليلًا لأعمالك السابقة، لا سيّما "هل يمكن استعادة الشريعة؟" (٢٠٠٤) ثمّ كتابك الكبير الشريعة: النظريّة والممارسة والتحوّلات (٢٠٠٩)، سنجد فكرة مفادها أنّ "الشريعة" كما نفهما اليوم كنسق قانونيّ هي فكرة حديثة جداً، وعلمانيّة بالأحرى، فتقنيين الشريعة هو الصيغة الأكثر تدميراً للشريعة في واقع الأمر، وهو أمر ساعد عليه الاستشراق عندما فهمَ الشريعة باعبتاره "Law"، وأيضاً عندما اختُزلت الشريعة في المستعمرات إلى قانون الأسرة والأحوال الشخصيّة. لا شكّ أنّ هذا الاختزال، كما تشير صبا محمود في الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ وحسين عجرمة في مساءلة العلمانيّة، كان على صلةٍ وثقى بمشروع الدّولة الحديثة للتصرّف في الشريعة وجعلها تحت إمرتها. فهل شارك الإسلاميّون في هذا المنعطف بدعوتهم لـ"تطبيق الشريعة"؟

وائل حلّاق: أودّ، أوّل الأمر، أن أفصل المقالة عن الكتاب. فقد عُدِّلت مقالتي "هل يمكن استعادة الشريعة؟" من جانب كتاباتي اللاحقة، وأعتبر أنّ هذه المقالة مضى عليها الزمن (كما أشرتُ في الدّولة المستحيلة). لذا؛ فهي ليست ذات صلةٍ بأيٍّ من اهتماماتي الراهنة.

أعتقدُ أنّه من المعلوم على نحوٍ واسع اليوم أنّ الشريعة بعد عام ١٨٢٦ لم تعد مثل سالفتِها، اللهمّ إلّا في الاسم فحسب. وكتابي الشّريعة، المنشور عام ٢٠٠٩ هو، بمعنى ما، بيانٌ شاملٌ عن هذا التاريخ. فمن المستحيل أنْ نفهمَ التاريخ ما بعد ١٨٢٦ (وقبله في الهند بقليلٍ) دون إدراك الوجود التامّ للدّولة الحديثة وسلطتها. تكمنُ المشكلة ههنا في أنّ هذه الدّولة، لكونها قويّة وهيمنيّة، غدت مُسْتبْدَهةً ومسلَّماً بها، وحدسي هو أنّ عدداً قليلاً جدّاً اليوم مَن يتصوّر العالَم دون دولةٍ. إذاً، من المفهوم أنّه عندما يهاجمُ بعضُ النّقاد كتابي الدّولة المستحيلة بشراسةٍ لا تلين، فإنّهم إنّما قاموا بذلك لأنّهم ليس بمقدورهم أن يتخيّلوا العالَم دون هذه الدّولة. إذ إنّ الدّولة الحديثة هي -مع الأسف- الحدّ الناظِم لتفكيرهم بصورة قويّة. وأؤمنُ أيضاً أنّ الإسلامويين لم يشرعوا حتّى في التفكير في أشكال مغايرة للحوكمة. فالمشكلةُ، كما أراها، هي أنّ الإسلامويين (بكلّ اختلافاتهم وتنوعاتهم) لا يفهمون ما هي الدّولة الحديثة باعتبارها شكلاً محدّداً من الحوكمة والحكم. وليس الليبراليّون العلمانويّون في العالم الإسلاميّ بأفضل حالاً. يظنّ الإسلامويّون أنّهم حالما يمكن تطبيق نسخة وضعيّة من الشّريعة، فإنّهم سيحقّقون الدّولة الإسلاميّة تلقائيّاً. وهذا خطرٌ كبير يفضحُ الفهمَ المبتذَل لما هي عليه الدّولة حقّاً في الواقع. وعليه؛ فنَعمٌ: الإصرارُ، في آنٍ واحدٍ، على الدّولة الحديثة وعلى تطبيق الشّريعة في ظلّ حكمها سيكونُ إخضاعاً للشّريعة لنظامٍ سياسيّ أعلى، وهو نظامٌ يتعارضُ مع أيّ مفهومٍ للشّريعة -كما عرفناها على مدى اثني عشر قرناً قبل الكولونياليّة-. وإذا كان على الدّولة أن تحدّد محتوى الشريعة واختصاصها، فإذن هذه الشريعة هي قانونُ للدّولة ولا يمكن أن تكون أيّ شيءٍ آخر. وعندما تُملي الفاعليّة التشريعيّة المستقلّة للشريعة على [السّلطة] التنفيذيّة ما بإمكانها أن تفعله وما ليس بإمكانها فعله، فعندها فقط يمكننا أن نبدأ -فقط نبدأ وليس أكثر- في القبض على أساسيّات حوكمة الشّريعة. والحال أنّ هذه الصورة الأخيرة -كما أوضحتُ في الفصل الثالث من الدّولة المستحيلة- متناقضةٌ كليّاً مع الدّولة الحديثة، وليس بوسع أحدٍ من النّاس، إلّا المكابر، أن ينكرَ ذلك.

ولا أظّنه من قبيل المبالغةِ القولُ إنّ الإسلامويين يواجهون تحدّييْن على أقلّ تقدير -وهما التحدّيان اللذان دفعهما كتابُ الدّولة المستحيلة بقوّة إلى المواجهة. التحدّي الأول هو أنّهم ، وقبل الشّروع في أيّ طموحٍ سياسيّ، يحتاجون إلى فهم المبادئ التي حكمت عمل الشّريعة على مدار التاريخ، وذلك حتّى القرن التاسع عشر. فلا يزال هذا الفهم منعدماً، وإنْ كان ثمّة فهم، فيبقى متورّطاً بمفارقاتٍ والتباساتٍ تاريخيّة على أقلّ تقدير. لستُ أقول إنّ الأنماط التاريخيّة الفعليّة لعمل الشّريعة ومؤسّساتها التاريخيّة يمكن بعثها من جديدٍ في عالمٍ اليوم كما كانت موجودةً في الماضي. فهذا أمرٌ مستحيل، كما يجب أن يقرّ أيّ إنسان عاقل بذلك. بيد أنّه من المهمّ أنْ نفهم المبادئ التي حكمت عملَ الشريعة، سواء في العالَم الطبيعيّ أو في التدبير السياسيّ؛ إذ إنّ تلك المبادئ تختلفُ اختلافاً بيّناً عن تلك المبادئ التي توفّرها الدولة الحديثة. ويجب عليّ تبيان أنّه ليست هذه المبادئ مهمّة بسبب هذا الاختلاف فحسب. فهي مهمّة، إذا فُهِمَت بشكلٍ سليم، بسبب كونها تقدّم سبيلاً للمضيّ قدماً؛ لأنّه تكمن فيها بذرةٌ لنقد هادفٍ وذي معنى. فليس النّموذج الماديسونيّ (Madisonian model) الذي تبنّته أوروبا وأمريكا صالحاً لكلّ الشعوب ولكلّ المجتمعات في العالم. حيث إنّ تلك النماذج انبثقت من سيرورة تاريخيّة محدّدة لم تجترحها المجتمعات المسلمة، وذلك لأنّ تاريخهم وشريعتهم عملا عن طريق منطقٍ مختلف.

ثانياً، يحتاجُ الإسلامويّون إلى دراسة الدّولة الحديثة، والتي لم تُفهَم إلّا قليلاً حتى في الغرب. فلم يشرع الإسلامويّون حتى في فهم هذه الظاهرة الكبرى والهامّة جداً. كيف يمكننا أن نمضي وأن نرسمَ شكلاً من الحوكمة دون فهم المعطيات المتاحة لنا، في الواقع وفي الإمكان؟ وإذا بُعث فقيهٌ مسلم من القرن الثاني أو السادس أو العاشر من جديد، لكان له أن يقول على الأرجح إنّ باب الاجتهاد الإسلاميّ قد أُغلقَ تماماً في القرن العشرين والحادي والعشرين. إذ كلّ سيراه ليس سوى تقليد أعمى ميؤوسٍ منه للغرب لا أقلّ ولا أكثر!

ويتحتّم عليّ أن أضيف بأنّه يجب ألّأ نُغرَّ ببعض البرامج الفكريّة المؤثّرة التي تزعمُ أنّها تقدّم "مشاريعَ إصلاحيّة" مستقلّة عن حداثة الغرب. فهذه المشاريع -وأذكر ههنا أحد النماذج البارزة مثل مشروع محمّد عابد الجابريّ- ليست على بيّنةٍ بتواطؤها مع بنى الهيمنة لعصر الأنوار وحداثته. ولا تملك هذه المشاريع سوى مظهر خادعٍ من الاجتهاد، لكنّها، في جوهرها وفي لبّها الحقيقيّ، ليست بشيءٍ من هذا القبيل.

* رأيت إبقاء مفهوم الهابيتوس كما هو دونما تعريب. إذ كلّ المحاولات الترجميّة لها غير مقنعة، أو قاصرة في أحسن الأحوال. وعليه، فلمعرفة المفهوم عند بيير بورديو واستعمالاته السوسيولوجيّة والمعرفيّة، يمكن الرّجوع إلى هذه الدراسة التفصيليّة عن مفهوم "الهابيتوس" من ترجمة الصديق العزيز طارق عثمان، انظر الرابط. [كريم محمد]

المؤلف: وائل حلاق
أستاذ الشريعة في جامعة ماكغيل. وحالياً أستاذ في الدراسات الشرق أوسطية بجامعة كولومبيا. له إصدارات عدة، منها كتاب "الشريعة: النظرية والممارسة والتحولات"، و"الدولة المستحيلة"، إلى جانب ثلاثيته عن الفقه الإسلاميّ تاريخاً ونظريةً؛ غير العديد من الكتب والأوراق العلمية. 

عن معهد العالم