ناصرت السوريين وقاتلت "طاغية" الروس.. يد الاغتيال تطوي حياة أشهر قناصات العالم

أكتوبر 31, 2017 اضف تعليق


قضت إحدى أهم النساء المحاربات لنظام "فلاديمير بوتين" اغتيالا خارج العاصمة الأوكرانية "كييف"، بينما أصيب زوجها بجراح، عندما أطلق شخص مجهول النار عليهما وهما يقودان سيارتهما مساء يوم الاثنين.

فقد أُعلن عن مقتل الأوكرانية الشيشانية الأصل "أمينة آكويفا"، 34 عاما، وإصابة زوجها "آدم أوسماييف" بجراح غير خطيرة، بعد عدة أشهر من محاولة اغتيال تعرض لها الزوجان وأسفرت حينها عن نجاة "آكويفا" وإصابة "أوسماييف" بجراح بالغة، تعافي منها لاحقا.

وبرز اسم "آكويفا" عقب انخراطها في العمل المسلح ضد روسيا وتابعيها الانفصاليين في شرق أوكرانيا، حيث تجمعت في صورتها وسيرتها عوامل الجذب، فهي من جهة طبيبة تحولت إلى قناصة، ومن جهة ثانية شيشانية الجذور أوكرانية المولد، مسلمة ومحجبة، ومن جهة أخرى تعمل في كتيبة أغلبها من المتطوعين الشيشان الذين جاؤوا للثأر من روسيا، فقدموا الدعم للحكومة الأوكرانية في وجه موسكو وأطماعها، واختاروا لكتيبتهم اسما له وقع مرعب على الروس، وهو اسم الزعيم الشيشاني "جوهر دوادييف"، الذي اغتالته موسكو كما تفعل مع كل من يناوئها.

لكن هذه ليست سوى سيرة مختصرة لـ"آكويفا"، ففي حياة هذه القناصة الشيشانية المزيد، لاسيما فيما يخص زوجها "أوسماييف" الذي –وللمفارقة- اعتقل قبل سنوات في نفس أوكرانيا التي يدافع عنها اليوم، بتهمة تورطه في تدبير محاولة لاغتيال "بوتين"، ثم أطلق سراحه عام 2014، بعد أن رحلت الحكومة الأوكرانية الخاضعة لموسكو.

وفي شهر حزيران/ يونيو من هذا العام تمكن شخص مجند من الحكومة الروسية على الأغلب من استدراج "أوسماييف" وزوجته وتقديم نفسه لهما على أنه صحافي من جريدة "لوموند" الفرنسية، ليتضح لاحقا أنه مجرم أخرج مسدسا وأطلق منه النار على صدر "أوسماييف".

مقاتل مغربي في تنظيم “الدولة”: الأب باولو قتل

أكتوبر 31, 2017 اضف تعليق
قال مقاتل مغربي في تنظيم “الدولة” إن الكاهن الإيطالي، باولو دالوليو، الذي زار مدينة الرقة في تموز 2013 قتل بعد أيام من
اختطافه.

وفي حديث مع صحيفة “الشرق الأوسط” اليوم، الثلاثاء 31 تشرين الأول، أضاف المقاتل (ع.ع) أن التنظيم قتله بعد أيام من احتجازه على يد قيادي يدعى “أبو لقمان الرقاوي”.

وأوضح أنه بعد مرور عام على الحادثة، اتصلت جمعية كانت على صلة بالفاتيكان عبر وسطاء من تركيا، وطلبوا إجراء مقابلة مع التنظيم على الحدود الفاصلة بين سوريا وتركيا، لمعرفة مصير الأب باولو وصحفي إيطالي اختفى بنفس الفترة.



إلا أن القائد العام حينها المسمى بـ “أبو محمد العراقي” حذر من السؤال عن الكاهن، وأكد مقتله فور اختطافه، بحسب المقاتل.

ويعتبر الأب باولو أحد أبرز المؤيدين الأجانب للثورة الشعبية ضد النظام السوري مطلع عام 2011.

ودخل مدينة الرقة من الحدود التركية أواخر تموز 2013، وشارك في مظاهرة مناهضة للنظام السوري، قبل أن يطلب لقاء مع قياديين في تنظيم “الدولة”، الذي لم يكن بعد قد أعلن سيطرته على المدينة، وذلك للتوسط للإفراج عن صحفيين أجانب، ليدخل مقر التنظيم حينها دون أن يخرج منه.

وينحدر المقاتل المغربي من مدينة الرباط في المغرب، وألقت قوات “سوريا الديمقراطية” (قسد) القبض عليه، في آب الماضي، بعد تسليم نفسه مع مجموعة من المقاتلين الأجانب في صفوف التنطيم.

ودخل إلى الرقة مرورًا بمدينتي اسطنبول وغازي عنتاب، ثم توجه إلى مدينة أورفة، إلى أن دخل عبر الحدود عن طريق مهرب قرب مدينة تل أبيض.

وكان قيادي منشق عن تنظيم “الدولة” أكد، في 20 تشرين الأول 2015، أن الأب باولو مايزال على قيد الحياة.

ونقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عنه حينها أن باولو محتجز في سجن تشرف عليه “الكتيبة الأوزبكية”، الموجود غربي مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي.

وأضاف القيادي أنه شاهده بشكل شخصي أثناء مهمة له في ذلك السجن، مطلع أيلول 2015. 

حازم صاغية... حزب الله»، الميليشيا، الحرب

أكتوبر 30, 2017 اضف تعليق
 عن الحياة

حركات السلاح الموازي لسلاح الدولة ليست كثيرة العدد. بعضها ميليشيات أنشأها دعاة التفوّق العرقيّ الأبيض في الولايات المتّحدة، وميليشيات أنشأها غلاة المستوطنين اليهود في الضفّة الغربيّة من فلسطين. هؤلاء أضعف بلا قياس من جيوش دولهم، فيما قضاياهم شديدة الجلافة والأنانيّة، لا تعمّم نفسها على سواها، ولأنّها صريحة في عنصريّتها، فإنّها لا تُشرك غيرها في زعمٍ جامعٍ أو مُتعالٍ. هؤلاء هم الحدّ الأدنى الميليشيويّ الذين يخجل غيرهم باعتمادهم قدوةً ومثالاً.
هناك أيضاً الحدّ الميليشيويّ الأقصى، كما يمثّله «الحرس الثوريّ» الإيرانيّ ومؤخّراً «الحشد الشعبيّ» العراقيّ. هؤلاء جيوش موازية ومكمّلة، تقلّد نماذج سابقة في أنظمة توتاليتاريّة أوروبيّة. وهي تمارس من المهامّ ما يتطلّبه النظام القائم، وتحظى لذلك بموازنات ماليّة ضخمة تبرّرها مزاعمها الأيديولوجيّة المتعالية: تحرير، توحيد، دفاع عن الوطن، ردع لمؤامرة أجنبيّة أو داخليّة خبيثة إلخ...
«حزب الله» لم يعش طويلاً كميليشيا حدّ أدنى. فترة تدريب «الحرس الثوريّ» له في بعلبك وشعار «حجابكِ أغلى من دمي» وممارسة رشّ الأسيد على الفتيات، لم تطل. «الحزب» سريعاً ما بات يشبه ميليشيا الحدّ الأقصى بوصفه مقاومة لتحرير أرض محتلّة، ثمّ بوصفه طرفاً يحظى وجوده بالشرعيّة التي أسبغها عليه اتّفاق الطائف، ثمّ بوصفه طرفاً مشاركاً في السلطة بنوّاب ووزراء، وأخيراً بوصفه يخوض حرباً في سوريّة. ثلاثيّة «شعب، جيش، مقاومة» حاولت أن ترسمه ميليشيا حدّ أقصى، حاله كحال «الحرس الثوريّ» الإيرانيّ و «الحشد الشعبيّ» العراقيّ. لكنْ لئن حالت تركيبة الطوائف اللبنانيّة دون ذلك، فإنّ الكثير من هذا بقي وترسّخ. انتخاب رئيس للجمهوريّة حليف لـ «الحزب»، ودفاع الرئيس عنه، والمواقف الرسميّة التي تمالئه في السياسة الخارجيّة، خصوصاً مشاركته شبه الرسميّة في معارك عرسال...، كلّها ثبّتته في هذا الموقع.

الحدود هي الفارق الأهمّ بين ميليشيا الحدّ الأدنى وميليشيا الحدّ الأقصى. «حزب الله» ولد حدوديّاً، يستخدم الحدود لأجل الداخل. مرّةً في الجنوب، ثمّ مرّةً وعلى نحو أفدح في الشرق. هذه الحدوديّة المسمّاة مقاومةً هي ما قصّر مرحلته الأولى وجعله يطلّ مباشرة على القضايا الكبرى ومن ثمّ على السلطة والقرار. إنّها ما جعله جيشاً أقوى، بلا قياس، من الجيش.
الآن، ربّما بتنا نجني حصاد هذا التحوّل. فأن يعامل العالم دولتنا و «حزب الله» كأنّهما رأسان متشابهان، فهذا لا يعني إلاّ أنّ لبنان كلّه أصبح أخطبوطاً في نظر العالم. والأخطبوط يحرّض الآخرين على قتله، تماماً كما أنّ الشراكة الرسميّة بين دولتنا و «حزب الله» تحرّض على الحرب علينا من دون تمييز.
ويُخشى أن تكون العقوبات الأميركيّة الأخيرة، ومطالبة الأوروبيّين بعدم التمييز بين جسم «سياسيّ» لـ «حزب الله» و «جناح عسكريّ»، مقدّمة لعمل عدوانيّ تظلّله أجواء التوتّر بين الولايات المتّحدة وإيران. وغنيّ عن القول إنّ قدرة نتانياهو على العدوان تتغذّى على قدرة ترامب على الهوَج.
لكنّ الميليشيا الحدوديّة، والحال هذه، لن ترضى، في ظرف التعبئة، بأقلّ من إعادة تكييف لبنان على نحو شامل. فإذا صحّ أنّ «معركة مصير» تقترب، صحّ أن لا يرتفع «صوت فوق صوت المعركة». وهذا ما يتعدّى تراكيب السلطة إلى «ثقافة المجتمع». ذاك أنّ عبادة الزعيم الذي يخوض «معركة المصير» تستدعي لعق نعله وحذائه وتسمين كرامته، التي «تمثّل» القضيّة، من كرامات الأفراد الضامرة والمهدورة. مع هذا، فتحقّق السيناريو الكارثيّ لن يفيد من يستعجلونه، ممّن ينطبق عليهم القول الشهير عن ربح العالم وخسارة النفس. ذاك أنّ المجد الذي يُبنى على الحدود إنّما يُهدم على الحدود، ومعه تُهدم الحدود وما في داخلها.

محمد عبد الحميد بيضون.. مرت مرور الكرام ...

أكتوبر 30, 2017 اضف تعليق

تمر الْيَوْمَ سنة على "انتخاب" ميشال عون رئيساً أو بالأحرى فرض ميشال عون رئيساً بإرهاب سلاح حزب الله المتسلط على البلد والذي وضعنا طوال سنتين ونصف امام خيارين : اما عون في الرئاسة أو استمرار الفراغ وذلك في اسقاط للدستور وإهانة للشعب اللبناني بكافة فئاته٠
الْيَوْمَ ستكثر التعليقات عن "إنجازات" العهد وسنرى العديد من حملة المباخر يكيلون المدائح وينظمون القصائد والخطب التي قد تصل الى تقبيل أو تقديس النعال في سباق على تقديم الولاء للسلطان والحاشية والعائلة ورفع الصوت حول أهمية العهد وصاحبه وكثرة الإنجازات ٠
المهم علينا الْيَوْمَ تذكير الجميع بأن الواجبات ليست إنجازات ٠عندما يقوم الرئيس أو الحكومة أو المجلس النيابي بواجباتهم التي ينص عليها الدستور أو القوانين فهذه ليست إنجازات ، انها ابسط الواجبات والإخلال بها يتطلب محاكمة هؤلاء٠
كل ما يُحكى عن إنجازات الطبقة السياسية لا يخرج عن إطار المحاصصة وتقاسم المنافع والامتيازات اي المزيد من الفساد والمزيد من التدهور والمزيد من الانهيار ٠
الإنجاز الأهم أو التحدي امام الطبقة السياسية هو منع قيام حرب جديدة على غرار ما حصل في تموز عام ٢٠٠٦ لأن الحرب في هذه المرحلة ستكون دماراً شاملاً للبنان الوطن والكيان٠
الْيَوْمَ بدأت مرحلة جديدة في المنطقة حيث وصل النفوذ الإيراني الى أقصى مداه وستبدأ مرحلة انحسار هذا النفوذ وواضح ان هنالك طلب أميركي بخروج ايران وميليشياتها من كل المنطقة وبالأخص سوريا وهنالك ضغوط أميركية متصاعدة لإنهاء الوضع الشاذ الإيراني الذي دمّر اربع دول عربية ويتفاخر بأنه صاحب القرار فيها٠
مخاوف اللبنانيين والعرب هي من قرار إيراني بالرد على الضغوطات الأميركية بإشعال جبهة الجنوب وهذا أمر لا يستطيع حزب ايران الا تنفيذه بغض النظر عن العواقب وهو ما سيعرض لبنان الى دمار شامل ولن يجد هذه المرة دولة صديقة تقف معه لانه سيكون مفضوحاً في تبعيته لإيران٠
ايران دمرت سوريا واستدعت كل الاجرام الروسي لاستكمال ما لم تستطع تدميره ولن تتردد في تدمير لبنان أو دفعه الى حرب تدميرية اذا تطلبت مصالحها الاستراتيجية ذلك تماماً كما فعلت عام ٢٠٠٦ عندما أشعلت الوضع في الجنوب رداً على الضغوطات الأميركية بشأن ملفها النووي٠
ما العمل الْيَوْمَ ? الإنجاز يا فخامة الرئيس ان تمنع الحرب والدمار ولهذا الهدف طريق واحد هو التطبيق الكامل للقرار ١٧٠١ اي تسليم حزب ايران لكل مخازن اسلحته الى الجيش وبسط الدولة لسيادتها على كل الاراضي البنانية بما يسمح بتجنب اي ذريعة في يد اسرائيل أو ايران لقيام حرب تدميرية من لبنان أو على لبنان٠
الحل الاخر هو ان تطلب الحكومة من مجلس الأمن الدولي تحويل القرار ١٧٠١ الى الفصل السابع اي تكليف القوة الدولية تنفيذ هذا القرار بكل الوسائل وحماية سيادة لبنان بالقوة العسكرية اذا تطلب الامر٠
هل يملك العهد ومعه كامل الطبقة السياسية الشجاعة الكافية للقول لإيران وحزب الله ان لبنان ليس مسرحاً لمؤامراتهم ومغامراتهم ؟
الإنجاز هو الشجاعة في مواجهة الاٍرهاب الإيراني الذي يقوّض ويهدم سيادة واستقلال البلد ومع الأسف لا نرى اي شجاعة ولا اي إنجاز ٠
السنة الاولى مرت مرور الكرام،لم تقدّم ولا احد قادر على القول كم حصل من تأخر وفشل٠
إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟

إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟

أكتوبر 30, 2017 اضف تعليق



ثمار سايكس ـ بيكو والاستلهام التوراتي لخريطة فلسطين

فواز طرابلسي

Oct 28, 2017

 يروي هذا النص قصة «إعلان بلفور» الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، فيضعه في إطاره من وعود الحرب العالمية الأولى، والنزاع البريطاني- الفرنسي على الولايات العربية للسلطنة العثمانية. وتحلل هذه الصفحات الدوافع والمصالح والحجج وراء ما سمّي «أغرب وثيقة انتجتها حكومة في تاريخ البشرية»، وأثر تطورات الحرب، واتفاق سايكس – بيكو، على صياغة الرسالة؛ قبل ان تناقش عدداً من التفسيرات النمطية الرائجة للإعلان. والنص مسودة غير نهائية، وجزء من كتاب يصدر مطلع العام القادم عن اتفاق سايكس – بيكو وإعلان بلفور.
  بإطلالة العام 1917 كانت التصريحات البريطانية قد بدأت تتنصّل من اتفاق سايكس – بيكو. وصف سايكس الاتفاق بأنه مجرد مشروع وضعه جورج – بيكو ولا يمكن للحكومة البريطانية قبوله دون تعديلات عميقة. وفي آب/أغسطس نَعتَه بإنه «إجراء رجعي» نظرا للتطورات الجارية، بل «أنه اتفاق ميت وزائل وكلما أسرعنا في شطبه كلما أحسنّا فِعلا». (Barr, 60 Sykes, 304). وردّ لويد – جورج على حجة الأحقية الفرنسية في حماية الأماكن المقدسة في فلسطين بالقول إن بريطانيا أقدر على حماية الأراضي المقدسة من أي كان، وجزم بأن موضوع فلسطين الفرنسية «ليس وارداً أصلا». (Mansfield, 18). وعن اتفاق سايكس – بيكو أكد أنه «غير قابل للتطبيقً»، وقال في خلاصة الأمر إن بريطانيا هزمت الإمبراطورية العثمانية منفردة «وبريطانيا ينبغي أن تنال حصة الأسد من الغنائم». (Barr, 64). مع ذلك ظل آرثر بلفور يكرّر أن بريطانيا سوف تحترم اتفاقية سايكس – بيكو.
سوف تحمل تطورات ذلك العام على صعيدي الميدان والتنافس البريطاني- الفرنسي تعديلات جذرية للاتفاقية والخريطة المبنية عليها، أكان لجهة مصير كامل فلسطين أو الموصل أو المملكة العربية. وسوف يتأكد ما تخوّف منه جورج- بيكو عندما أبلغه سايكس قبل ذلك بعامين (في 13 آذار/مارس 1915) عن نيّة بريطانيا «تقديم فلسطين لليهود»: لم يخطئ الفهم بأن «تقديم فلسطين لليهود» يعني استحواذ بريطانيا عليها، فردّ قائلا «لن توافق فرنسا أبداً أن تصير فلسطين بريطانية». (Cloarec,153).

الاتصالات الأولى
في العام 1914 كان أول اتصال صهيوني مع الخارجية البريطانية. أجراه ناحوم سوكولوف، عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الصهيونية في برلين، مركز قيادة المركزية الصهيونية حينها، ومسؤول العلاقات الخارجية فيها. رفض الأمين العام لوزارة الخارجية، سير آرثر نيكولصُن، لقاءه فتولى الأمر سكرتيره الخاص إيرل أونصلو. لم يتطرق الحديث إلى موضوع كيان يهودي في فلسطين. استمع المسؤول البريطاني إلى المبعوث الصهيوني يحاول اقناعه بمصلحة بريطانيا «أن يزيد عدد العنصر اليهودي في البلد المجاور لمصر» وأن يبلغه بتأسيس المنظمة الصهيونية لما يزيد عن 12 مستعمرة زراعية في فلسطين. انتهى اللقاء عند هذا الحد. في أيلول/سبتمبر، طلب سوكولوف مقابلة ثانية فأبلِغ بتقديم طلباته في مذكرة خطية.(Schneer, 109-110 ).
في نهاية ذلك العام، التقى حاييم وايزمان عددا من المسؤولين البريطانيين، منهم هربرت صموئيل، أول يهودي يدخل الوزارة البريطانية وقد دخلها العام 1914، ثم التقى آرثر بلفور ودافيد لويدـ جورج مطلع العام 1915. وقد سبق لوايزمان التعرف على الاثنين، الأول بما هو النائب المحافظ عن مدينة مانشستر، حيث كان وايزمان يدرّس في جامعتها؛ والثاني بما هو وزير للذخائر في حكومة الحرب اتصل بوايزمان للإفادة من اختراعه مادة الآسيتون التي يمكن استخدامها كبديل ناجح عن البارود في المتفجرات.
قبل نهاية ذلك العام قدّم صموئيل مذكرة إلى الحكومة تطالب بضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية مع إعطاء اليهود أفضلية في الهجرة إليها «بحيث ينمو الشعب اليهودي مع الوقت ليصير أكثرية ويستوطن الأرض فيُمنَح، ويُتنازل له، عن درجة من الحكم الذاتي تبررها ظروف تلك الأيام». (136 Schneer,).
في 13 آذار/مارس، اجتمعت حكومة أيرل آسكويث لبحث صيغة ملطّفة من مذكرة صموئيل عنوانها «مستقبل فلسطين» وقد قدّم لها الوزير بملاحظة أن اندلاع الحرب مناسبة لتغيير في «موقع فلسطين». وإذ لاحظ أنه من المبكر الحديث عن دولة يهودية مستقلة، فإن دمجها في الإمبراطورية البريطانية سوف يكون هو الحل الذي سيلقى الترحيب الشديد من قادة الحركة الصهيونية وجمهورها عبر العالم، فيعزز من سمعة الامبراطورية ويأتي بنتيجة إيجابية للإمبراطورية البريطانية، دون اضطرارها إلى تجريد ألمانيا من مستعمراتها وإثارة حرب انتقامية؛ ويعزز دفاعات مصر. وقد استعرضت المذكرة البدائل فعارضت ضم فلسطين إلى فرنسا، واستبعدت التدويل، الوارد في اتفاق سايكس – بيكو ، لأنه يضع فلسطين تحت سلطة غير واضحة، أما ضم فلسطين إلى مصر فيخلق تعقيدات، لكن التخلي عن فلسطين لتركيا لقاء ضمانات للاستيطان اليهودي لن يحسّن كثيرا من الوضع. وخلص صموئيل إلى أن «فلسطين بريطانية» هي وحدها الحل للمسألة اليهودية في أوروبا وسوف يكون لها الأثر الأبرز على «شخصية» يهود العالم ويكون من شأنها ان تثري العالم أجمع. (راجع  Bowle 168).
جرياً على الاستلهام التوراتي، وعلى الخريطة الأولى لفلسطين (1878)، حددت مذكرةُ صموئيل حدودَ فلسطين من دان شمالا إلى بير سبع جنوبا، وارتكزت حجتها إلى أن دعم إنشاء «مستعمرة يهودية شرقي السويس… سوف يسمح لبريطانيا بأن تحرم فلسطين على قوى منافسة قد تهدد سيطرتها على قناة السويس انطلاقاَ من الأراضي المذكورة». ( Barr, 32)  ودعت المذكرة إلى أن يُسمَح للحكم البريطاني في فلسطين بأن «يعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية في شراء الأراضي وإنشاء المستوطنات وتنظيم الهجرة والمساعدة على التطور الاقتصادي، بما يمكّن اليهود من أن يصبحوا أكثرية في البلاد». (الشريف، أيار 2016).
لم تلقَ مذكرة صموئيل من يؤيدها داخل الحكومة، باستثناء لويد- جورج. عارضها إدوارد غراي، وزير الخارجية، ولم يتحمّس آسكويث لها الذي علّق قائلا إن لويد- جورج هو الوزير الوحيد الذي أيّد المذكرة لا لأنه يكترث قيد شعرة لليهود، ماضيهم أو مستقبلهم، لكن لأنه يستفظع ترك الأماكن المقدسة في يد «فرنسا المتشككة والمُلحدة، أو تحت حمايتها»(Lewi, 2009: 84). مهما يكن من مقدار الصحة والدقة في تفسير آسكويث لدوافع لويد- جورج، يجدر التذكير بأن مكتب المحاماة التابع له «جورج، روبرتس وشركاؤهما» كان وكيل الدفاع عن مشروع الدولة اليهودية في أوغاندا.
لكن أبرز معارضة لمذكرة صموئيل، جاءت من نسيبه إدوين مونتاغيو، مستشار دوقية لانكستر(1). كتب مونتاغيو، وهو من دعاة اندماج اليهود في المجتمع البريطاني، في تعليقه على المذكرة مستخفاً بأهمية فلسطين في حماية مصر، مشيراً إلى أن المنطقة المهمة لبريطانيا هي بلاد الرافدين، ومضيفا أنه لا يتصور أن اليهود سوف يعملون بالزراعة أو الرعي في فلسطين أصلا. على أن النقطة الأهم في مداخلة مونتاغيو هي نفيه أن اليهود يشكلون شعبا أو أمة، وتأكيده على أن قيام دولة يهودية في فلسطين سوف يهدّد مصير جميع اليهود خارجها. (Schneer, 146) .عدّل صموئيل من مذكرته بعض الشيء فاخذ يتحدث في الجلسات الحكومية عن إنشاء «كومنولث» – وهو تعبير عتيق يحتمل عدة معان: جماعة ذات مصالح مشتركة، كيان حكم ذاتي، دولة، الخ – وعن مساواة العرب باليهود، مضيفاً أن موضوع الدولة لن يطرح إلا بعد أن يتم استيطان عشرات الألوف من اليهود في فلسطين.
من كان ميالاً إلى فكرة وطن قومي لليهود من السياسيين البريطانيين في تلك الأيام كان لا يزال يناصر مشروع ثيودور هرتزل بانشاء مستعمرة يهودية في أوغاندا. ومعروف أن معارضة حاييم وايزمان لذلك المشروع، وتركيزه على فلسطين بصفتها «أرض الميعاد»، من بين عوامل صعوده في الحركة الصهيونية.
«إعلان بلفور» أم «إعلان سايكس»؟
قليلاً ما يذكر أن أبرز العاملين على استصدار إعلان بلفور هو مارك سايكس. يسمّيه ڤيريتي «مهندس إعلان بلفور» ويزيد: «مع شيء من التشديد وبعض المبالغة ربما نستطيع الحديث عن إعلان سايكس». (Vereté, 66).
تجدد البحث في موضوع الدولة اليهودية في نهاية العام 1916 مع مجيء لويد- جورج إلى رئاسة الحكومة وآرثر بلفور إلى وزارة الخارجية. وكان لويد- جورج اتخذ قراره باحتلال فلسطين فيما بدأت الجيوش البريطانية تطهير سيناء من الأتراك في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام. (بار، 34ـ35). في مطلع العام 1915، انطلقت الحملة التركية بقيادة جمال باشا، الآمر على سوريا وقائد الجيش التركي الرابع، الذي أقسم وهو يغادر لتسلّم مهمته الجديدة، بأنه لن يعود إلى اسطنبول إلا بعد دخول القاهرة. بمعاونة من قائد الأركان الألماني كريس ڤون كريسنستاين، شنّت القوات التركية هجومها الأول لاحتلال القناة مطلع1915، فحشدت القواتُ البريطانية لمواجهتها وحداتٍ هندية وأسترالية بقيادة الجنرال موراي وأفشلت الهجوم الأول. وكان آخر هجوم للقوات التركية في صيف 1916 بعده، اضطرت إلى التراجع أمام الهجوم المضاد للقوات البريطانية التي بدأت تطهير سيناء من الأتراك في تشرين الثاني/نوفمبر 1916 ووصلت إلى العريش في كانون الأول/ديسمبر 1916 ما شكّل خاتمة الوجود التركي في سيناء. وكانت الدبلوماسية البريطانية قد أخذت الموافقة الفرنسية على العملية العسكرية البريطانية في فلسطين، والافتراض أنها سوف تتم تحت سقف إدارة دولية لفلسطين كما في اتفاق سايكس- بيكو.  وتشير كافة الدلائل إلى العلاقة الوثيقة بين نمو الاهتمام الرسمي البريطاني بالسيطرة على فلسطين وتوطين اليهود فيها وتصاعد العمليات العسكرية على جبهة السويس.
باشر سايكس محادثاته مع القادة الصهاينة في ربيع العام 1916، بعيد توقيع اتفاق سايكس – بيكو، علماً أن الاتفاق لم يأت على ذكر أي مصالح لليهود في فلسطين. عُقِد أول اتصال له مع  اللجنة السياسية للمنظمة الصهيونية، في تشرين الأول/أكتوبر من العام وإتفق فيه على الآتي:1) إنشاء شركة يهودية مأذونة لها حق استخدام ما يمنحها إياه التاج البريطاني في فلسطين؛2) بسبب قلة عدد السكان المحليين وفقرهم وضعف تربيتهم على التقدم السريع، لا بد من إدخال عنصر جديد وتقدمي عليهم [هو العنصر اليهودي] مع حماية حقوق «الأقليات» [والسؤال هو: من هم الأقليات في هذه الحالة؟]؛3) الاعتراف بقومية يهودية منفصلة في فلسطين ومشاركة اليهود في الحكم الذاتي المحلي، وتوليهم الحكم الذاتي اليهودي في الشؤون اليهودية؛4) الاعتراف بمؤسسات الاستيطان اليهودية في فلسطين وتكريسها (John, 11). لم يصل هذا الاقتراح إلى أعمال الحكومة في ظل رئاسة آسكويث.
(1) منصب وزاري بريطاني، يقع من ضمن صلاحيات المستشار إدارة الممتلكات الملكية في دوقية لانكستر. تقع صلاحية تعيين لمستشار لدى الملك/ة بناء على نصيحة من رئيس الوزراء. وهو عادة ما يخدم بما هو وزير من دون حقيبة.
(يتبع)

علي الرز... إلا الهالة القُدْسِيّة

أكتوبر 29, 2017 اضف تعليق

 عن الرأي العام

الطابور الذي وَقَفَ أمام وسائل الإعلام معتذراً من الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله لم يكن تفصيلاً، أو مجرّد سَحْبِ كلامٍ قيل في لحظةِ غضبٍ أو لحظةِ حقيقة. كذلك لم يكن التماهي المكرَّر مع حذاء نصرالله تعبيراً عن عشْقِ العودة من لحظة التخلّي. الأمران لهما في حسابات الكيان المُمانِع وَقْعٌ آخر مرتبطٌ بِهالةِ القُدْسِيّة وخطوطها الحمر، وهي الهالة التي تشكّل العمود الفقري للسياسة والتعبئة... وتسليم النفس جسداً وفكراً.

في مستوى من مستويات التحليل، يتساوى نمط السيطرة على السلوكيات في «حزب الله» مع مثيله في «القاعدة» أو «داعش» أو «الجهاد»، بغضّ النظر عن تَبايُن الدوافع والأهداف. نحن هنا أمام مسألةٍ «تقنية» بحتة تتعلّق تحديداً بوسائل تغييب العقل وتطويع الإرادة وتحويل المرء إلى «روبوت» بشري يَنْقُل شعار «بالروح بالدم» من إطاره اللفظي الى العملي.

منذ نعومة أظافرهم، يتلقّى الطلاب في مدارس «حزب الله» جرْعاتٍ من التعبئة التدريجية التي تجعلهم كباراً يرتضون شغل وظيفةِ الرصاص في البنادق أو رؤوس الصواريخ في القاذفات. وكي يحصل ذلك، لا بدّ من مساحاتٍ عازلة مع المحيط (بمدنيّته وعصْريته وفوضويّته) تتّسع مع كل عام يتخطّونه. هنا تملأ المساحات مفاهيم دينية مجهّزة خصيصاً لغسْل الأدمغة بما فيها من رواياتٍ وأساطير وخرافات يتمّ تطويعها وتظهيرها حسب «الآخر» المطلوب معاداته أو التعبئة ضدّه.

ينشأ الطالب والنصير والصديق والملتزم على أن الحقائق والحلول عمادُها الفعلي ما يقدّمه المذهب أو المُعْتَقَد المنبثق عنه، وأن هناك مَن تمّ تسخيرهم واختيارهم حرّاساً لهذا المذهب، وأن لهؤلاء «كرامات» تتجاوز الدنيا إلى الدين لكنهم لا يظهرونها، وأنهم مرجعية هنا ووكلاء هناك ونواباً لنواب الأئمة إذا أَحْسنوا البلاء، ولذلك تصبح طاعتُهم إيماناً ومعصيتُهم كفراً. ثم يختلط السياسي بالديني فتتسهّل المهمة لأن البُعد السياسي وحده لا يشحن هِمّةً ولا يطلق عزيمةً ولا يسمح بإعمال الفكر ولو من باب التبيّن.

«المُقَدَّس» هنا هو جسر العبور إلى تسليم العقل والجسد. ففي بلدٍ يتنفّس السياسة مع الهواء ويتعايش مع التعدّديات حتى وإنْ كانت نافرة أو متخاصمة، لا يمكنك إغراق المرء في وحدانية التفكير والتدرّج صعوداً في الخضوع إلا من خلال الترهيب بما يمكن أن يَحْدُث في حال الخروج من أسوار الطاعة. والطاعة لها أسبابها غير الدُنْيوية المرتبطة بالخوف من عصيان العمامة المُحَصَّنة بالوكالة، ولذلك فعندما يُقال لك قاتِل لتحمي قرى لبنانية في سورية فإنك تَفعل من دون أن تُناقِش، ثم عندما يُقال لك إن الموضوع ليس موضوع قرى بل لحماية المَراقِد كي «لا تُسبى زينب مرتيْن» فإنك تَفعل، ثم عندما يُقال لك إن القصة قصة فكّ الحصار عن دمشق كي لا يَسقط بشار الأسد فإنك تَفعل، ثم عندما يُقال لك إن القصة مواجهة تكفيريين فإنك تَفعل. وعندما يُقال لك اذهب الى العراق أو اليمن فإنك تَفعل، وعندما يُقال لك فَخِّخ هنا أو اقتل هنا أو فَجِّر نفسك هنا فإنك تَفعل.

ببساطةٍ شديدة، يمكن أن يصبح المواطن السوري المُعْتَرِض على نظامه عدواً بقدر ما هو الإسرائيلي عدو، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللبناني الشريك في الوطن، واليمني المُعارِض للحوثيين، أو الشيعي المُعارِض للإيرانيين في العراق، أو السعودي أو الإماراتي أو البحريني. لأن مَن قرر ذلك يتمتّع بـ «هالة قُدْسِيّة» لا يجوز حتى التفكير في معنى قراراته، فربما احتاج الأمر للاستغفار من الوَسْوَسة والإفصاح وإعلان التوبة.

أما المغالاة المقصودة والموجَّهة في الحديث عن تفدية الأحذية، فهي تحديداً من متطلّبات استقامة الهالة وفق ثقافة «حزب الله» والتنظيمات المُشابِهة له. فكلما تطرّفتَ تنزيلاً للأقدام تطرّفتَ تصعيداً للهامات... ولهم في التراث من القصص المتبرّكة بالنعال والسيوف وفتات الشعر والثياب، وحتى البصق واللعاب وغيرهما، مرتكزات كثيرة يركنون إليها كلما استدعى التفسير ذلك.

أما مِن وميضِ ضوءٍ في هذه البيئات؟

موناليزا فريحة.. السعودية قبل الصحوة

أكتوبر 28, 2017 اضف تعليق


"السعودية لم تكن كذلك قبل 1979...السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع الصحوة بعد عام 1979 لأسباب كثيرة لا مجال اليوم لذكرها، فنحن لم نكن بالشكل هذا في السابق"...هذا ما قاله ولي العهد. فماذا حصل في السعودية ذلك العام. وكيف كانت المملكة قبله؟ 
حركة جهيمان
 في 20 تشرين الثاني ١٩٧٩، اقتحمت مجموعة مسلحة من ٢٠٠ شخص الحرم المكي . كان أولئك الشبان بقيادة جهيمان العتيبي الذي أعلن أمام المصلين الذين احتجزهم أن زميله محمد عبدالله القحطاني الواقف أمامه، هو المهدي المنتظر، وأنه "خرج ليملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت جوراً".


هز ذلك التمرد الذي استمر أسبوعين العالم الاسلامي برمته. وبعد إصدار فتوى تبيح اقتحام المسجد الحرام بالأسلحة، اقتحمته قوة سعودية وسيطرت على الموقع وحررت الرهائن في معركة خلفت 28 قتيلاً من المسلحين ونحو 17 جريحاً من قوى الامن والمصلين. وأخرج الباقون بمن فيهم جهيمان الذين اعدم لاحقاً.
كان ذلك العام مفصلياً على صعيد التوجهات الدينية والسياسية في المنطقة لما حمله من تطورات. كانت "الثورة الاسلامية" تطيح حكم الشاه في ايران وتسعى الى نشر افكارها في المنطقة، وغزا السوفيات أفغانستان ليبدأ المجاهدون المسلمون حول العالم بالتجمع لصد ذلك العدوان. وفي السعودية، كانت تلك السنة بمعايير كثيرين انعطافاً في تاريخ المملكة.
فعلى رغم ردها بحزم على ذلك التمرد، لجأت السلطات الى تعزيز الروابط التي تجمعها مع المؤسسة الدينية السلفية التي تسيطر عليها المدرسة الفقهية الوهابية، ونالت شخصيات دينية سعودية مراكز اجتماعية متقدمة، وهو ما انعكس اغلاقاً لدور السينما والمسارح القليلة التي كانت موجودة في المملكة، إضافة الى تشدد حيال حقوق المرأة ودورها في المجتمع.


وتعززت في السنوات التالية قبضة السلطات الدينية، بما في ذلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أوكلت إليها مهام تطبيق الأنظمة الاجتماعية الصارمة بالفصل بين الجنسين والحرص على وجود ولي الأمر في الكثير من التعاملات التي تحتاج اليها المرأة.
وبذلك، يعتبر البعض أنه أمكن القضاء على جهيمان جسدياً، ولكنه انتصر فكرياً وثقافياً، وأصبح الخطاب الديني المتعصب هو السيد في المملكة، حتى صارت إحدى أغنى دول العالم، الدولة الاكثر محافظة والوحيدة التي لا يحق فيها للمرأة قيادة سيارة، (قبل الامر الملكي الذي رفع الحظر في أيلول الماضي).
قبل جهيمان
 قبل حركة جهيمان لم يكن المجتمع السعودي منغلقاً، أو متعصباً، بل كانت أوجه التسامح تتغلب فيه على أوجه التعصب والموقف العدائي حيال الآخر المختلف.
 كان المجتمع السعودي دائماً مجتمعا مسلماً، يُمارس أفراده أركان الإسلام، ويعيشون حياتهم وفق تعاليمه، ولكنه لم يكن بهذا الحزم في قضية المرأة والاختلاط أو الفصل بين الجنسين. كما كان متقبلا لحرية الآخر الدينية طالما أنها لا تمس قناعاته وسلوكياته.


وتستعيد صحيفة "الوطن" اهتمام السعودية في الستينات بقطاع الفنون والثقافة واستضافة العديد من المطربين والعازفين العرب.
كانت الانطلاقة الحقيقية مع إنشاء التلفزيون عام 1965 في السعودية، ومعه تأسست فرق الدراما والمسرح والفلكلور والموسيقى والغناء وجمعيات الثقافة والفنون، كما نظم التيفزيون الرسمي حفلات لمطربين من مصر ودول عربية أخرى، إضافة إلى أمسيات لمطربين سعوديين.


وفي ذلك الوقت، اهتمت الأندية الرياضية بتنظيم الحفلات لكبار النجوم السعوديين والخليجيين والعرب، بينهم طلال مداح ومحمد عبده وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش، وغيرهم .
والمفاجأة الأهم أن السعودية لم يكن لديها مطربون فقط، بل مطربات أيضاً، ذاعت شهرتهن في الخليج، ومنهن صالحة حمدية، وبنات شافية، وابتسام لطفي حجية المكاوية، وغيرها .
وفي حوار قديم له مع الفنان سمير صبري ببرنامج "النادي الدولي"، قال عازف الكمان الشهير في فرقة أم كلثوم، أحمد الحفناوي: "كان هناك اهتمام كبير في السعودية بإنشاء معهد للموسيقى وفرق للتلفزيون، وانتدبت للعمل، وبالفعل ذهبت إلى هناك وأسسنا أول معهد للموسيقى، وعندما انتهينا فوجئت بالملك فيصل يطلب إنشاء فرقة من 80 عازفًا، وهو رقم كبير".
https://www.youtube.com/watch?v=QpQpsMw90R8
يضيف الحفناوي: " تم تدريب عدد كبير من العازفين وأحضرنا آخرين، وتأسست فرقة للتلفزيون السعودي وأوركسترا وفرقة للعروض العسكرية".
ويضم أرشيف التلفزيون السعودي برامج محمد حسين زيدان وعبد الرحمن الشبيلي والشيخ المسند والشيخ الطنطاوي والأيوبي والسباعي ومحمد بن شلاح المطيري، ومسلسلات، إضافة الى حفلات عبدالوهاب الدوكالي على المسرح في الرياض، وبرامج جاسم العثمان وحواراته مع حسين عبدالرضا وأبوبكر سالم.
كما يضم لقاءات مع فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ومطربين سعوديين وفنانين من مختلف الدول العربية.


منذ ثمانينات، صار كل ذلك من الماضي. وحظر بث الاغاني النسائية عن الشاشات السعودية. وعندما اطلت أم كلثوم على التلفزيون السعودي الرسمي ، شكل الامر حدثاً، وخصوصا مع اعلان القناة الثقافية السعودية في تغريدة على تويتر أنها ستعرض أغاني أم كلثوم أولا، على أن يتم عرض أغاني فيروز وأخريات في وقت لاحق. 
خالد المطرفي
 الصحافي السعودي خالد المطرفي يستعيد حقبة الاعتدال في السعودية من خلال نشأته في أسرة تدين بالاسلام المعتدل. ويقول لـ"النهار": "لم أعش المرحلة التي كانت فيها دور سينما ومسرح، ولكنني ولدت في أسرة تحافظ على الصلاة من دون أن تنشئ ارهابيين، وتحرص على مساعدة الاخر ايا يكن جنسه وملته.هذه هي السعودية قبل ما يسمى الصحوة".
أما حصل لاحقاً، أي بعد 1979، فهو مرفض لديه، وخصوصاً أن "الله لم يسلط الانسان على الانسان وهو تكفّل حماية الدين. القرآن الكريم مليء بالايات التي تحفظ ذلك". وهو يدرج المشاريع الاصلاحية للأمير محمد بن سلمان في سياق محاولات بناء الانسان السعودي من دون أن يبالغ في توقعاته، "فالسعودية لن تكف عن أن تكون مهد الاسلام ولن تتجاوز الانضباط وفقاً لشرعية الاسلامية"، ولكن "الدين الاسلامي هو دين الحضارة، وهو لا يمنع التطور ".


يبدو الصحافي السعودي واثقاً من قدرة السلطات السعودية على التزام الوعود التي تطلقها، ولا يخشى مقاومة كبيرة لها "فالسلطات لديها المعلومات والتقديرات التي لا وصول للانسان العادي اليها، وهي التأكيد تدرك نبض المجتمع وتوجهاته... المجتمع السعوي مجتمع شاب بغالبيته، جيل يعتمد على التكنولوجيا، ولم يعد يقبل بالجمود". باختصار، يقول إن "القطار انطلق ولا أحد سيوقفه".
عبدالله ثالبت
عن قراءته الشخصية للسعودية قبل السبعينات، يقول الروائي السعودي عبد الله ثابت لـ"النهار" أن "ليس هناك الكثير ليقال عن مجتمع ما قبل الصحوة. إنه المجتمع العادي والطبيعي، بأي مكان، بل ربما كان يتحلى بميزة نصف جيدة، أنه مجتمع في حالته الخام تماماً، ليس لديه أية خبرات ولا تجارب ولا اختبارات سياسية ولا تاريخية، لم يتعرض للاستعمار، وحتى المناطق التي كانت تحت النفوذ العثماني كانت في سياق ومفهوم تاريخي مختلف تماماً عن حالة الاستعمار. مجتمع السعودية ليس لديه ذكرى استقلال، لديه تاريخ وحدة. وبمعنى الكلمة كان كل شيء يحدث فيه للمرة الأولى".
في تلك الفترة كانت الحياة الاجتماعية تأخذ طابعها المستقر، بحسب ظروف المكان نفسه، مثلاً كان يوجد في جدة والطائف العشرات من دور وأحواش السينما.
في حواضر وقرى وأرياف الوسطى والشرق والجنوب والشمال كانت تعيش حياة منسجمة مع قيم إنتاجها. وحتى بعد اكتشاف النفط، والإثراء والتحولات التي مرت بها الدولة، بقي المجتمع الناشئ، إلى حد كبير يعيش في الامتداد الطبيعي لمكتسباته، وهي الحياة السوية التي توصف بمرحلة ما قبل الصحوة، أو ما قبل عام 79.

وفي مقارنة بين السعودية في تلك الايام والسعودية اليوم، يروي تجربة شخصية حصلت معه في السنوات الاخيرة، قائلاٍ: "ابنتي حين كانت في الأول الابتدائي، وهذا يعني أنها كانت في عمر الست سنوات، جاءتهم سيدة صباحاً، لتلقي محاضرة دعوية (محاضرة دعوية لأطفال في الابتدائية، بين السادسة والثانية عشرة من العمر) وعماذا حدثتهم؟ عن الأطفال الشهداء في سبيل الله، وليتها اكتفت بالكلام والنواح، بل عرضت لهم صوراً ومقاطع لاستشهاد أطفال في سنهم، وبالطبع لقطة محمد الدرة أولاً...إذا كان هذا ما يحدث للأطفال في الأول الابتدائي، فعليك الخيال بشأن البقية، يعني خذ من هذا وصعوداً".
 وفي رأيه أن "جماعات الإسلام السياسي، ومنذ أعوام الشؤم الثلاثة (79 - 80 – 81) أطلقت لهم الحبال، وكان هذا خطأ فادحاً. أما هم فبشكل متسارع، تغلغلوا في كل مفصل ومكان من واقعنا ومؤسساتنا، وتمكنوا في وقت قياسي، من أن يحصلوا على أكثر مما يريدونه، وعلى الفور سحقوا كل مظاهر الفرح والحياة والوجدان بما فيها حتى الفلكلورات الشعبية في أقاصي القرى، وصولاً لأدق التفاصيل اليومية بأيام الناس، استعملوا فتاوى المؤسسة الدينية،حرّموا كل شيء لا يجعل المجتمع في قبضتهم، زرعوا الريبة بين الأفراد والأسر، اقتحموا عفويات البيوت، في حواضر المدن والبوادي والريف، وفرقوا تكافلها البريء. اختفى كل شيء في غضون سنوات. صنعوا باقتدار فائق، عبر كل الوسائل التي كانت مفتوحة وموفرة أمامهم، نموذجهم كمثال قدسي أعلى، صاروا سلّم القوة الواحد والوحيد، وليس أمام من يريد أن يرتفع اجتماعياً إلا أن يترقى فيه، عبّدوا الطريق بكل امتيازاته، فصعدت شخصيات كانت مهمشة طبقياً، وشخصيات أخرى تاريخها حافل بالجهالات والسوابق، وشخصيات غيرها فاشلة ومنكرة اجتماعياً، وهكذا... الخ، وعبر هذا السلّم وجدوا أنفسهم أمام سيل هادر من المكاسب والامتيازات، وخلال وقت وجيز أصبحت هذه التركيبة بولائها المطلق، وبمنتهى السهولة، هي من يقود ويعيد تشكيل الحياة العامة لمجتمع ناشئ وبكر".


ونتيجة لذلك، يضيف: "تمكنوا بلا مقاومة من دك الحصون الأخيرة؛ الأغنية انسحبت من الشارع والتلفزيون، وأجيال الحياة السوية والذاكرة أدينو بالضلال والجاهلية واستدعوا للتوبة، الفنون بأهلها وأشكالها طوردت على مدار الساعة، وشُنت أخبث حملات التحريض والتكفير والسباب والمكائد وقطع الأرزاق، وأكثرها شراسة على المثقفين، وفي طليعتهم الأدباء. أما المرأة فهي أولى أولوياتهم بالطبع، محوا وجودها تماماً من الفضاء العام، وسيقت عليها أكثر مقولات التراث تعسفاً وتحقيراً واستغلالاً، ولم يكن مفاجئاً أن تنمو ظاهرة المرأة المعادية لحقها، لكل الترافع عن قهرهن، بل والتبشير به".
عام 1990 ومع الحرب الخليجية (غزو الكويت)، واتخاذ الدولة قرارها، ومزامنة خروج السيدات السبع والأربعين بسياراتهن، في تشرين الثاني من تلك السنة، استثمر كبراء الصحوة كل ما قد حققوه من المكاسب، لفرض سطوتهم المطلقة، وانقض أتباعهم كالجراد على ما بقي من مقاومة المجتمع وعلاقته بذاته ووجوده ومعناه، كان أصغر سفيه منهم، بسن المراهقة، يجول المدن والقرى والمنابر بالتكفير والتهديد والوعيد على أدنى شيء، ولم يكن هناك من أحد بوسعه أن يواجههم!
في سيرة هذا الاكتساح المطبق حدث أن ذهبت الآلاف من أرواح أبنائنا، سواء في أحزمة الداخل الناسفة، أو في ساحات القتال العدمي في أصقاع الأرض.
  بعد هذه المقاربة بين السعوديتين، يبدو ثابت متفائلاً بسعودية جديدة، معتبراً أن "هناك شيئاً حقيقياً وجوهرياً يتغير، هذه بلاد تنضم باندفاع وحماسة إلى مضمار العصر، سعودية اليوم هي المشاريع والاستثمار الذي تؤهله كبريات شركات المال المضمون، وهي أيضاً التي ستضطر شباب مواطنيها لخوض سباقات العالم".  
سعد البازعي
ومن جهته، يستعيد أستاذ آداب اللغة الانكليزية غير المتفرغ في جامعة الملك سعود سعد البازعي الفترات التاريخية المتفاوتة التي شهدتها السعودية والتي كانت سلسلة من الشد والجذب وصولاً الى الصحوة.
وفي تعليق لـ"النهار"، قال إن الصحوة لم تكن ظاهرة جديدة على التاريخ السعودي الذي يمكن القول إنه شهد سلسلة من الصحوات، وإن لم تكن بالعنف الذي شهدته حركة جهيمان وما تبعها.
منذ مرحلة التأسيس، كانت المملكة تتطلع الى التحديث واللحاق بركب التطور العالمي، ولكن كانت هناك ردود فعل من الاخوان، وهم جماعة من المتشددين الذين رفضوا التحديث، على أيام مملكة الحجاز قبل أن يهزمهم الملك عبدالعزيز.
ولاحقاً، عندما وجه الملك سعود بالسماح بتعليم البنات عام 1960 حصلت محاولات عدة لايقافه لكنه مضى في مشروعه وانخرطت الفتاة السعودية في التعليم النظامي، ثم سافرت بعضهن لمتابعة دراساتهن في الخارج. وأصبحت المرأة طبيبة ومصرفية وسيدة أعمال ومهندسة.


  ويقول البازعي إن الشد والجذب ومحاولات وقف المد التحديثي استمر حتى حصل ما حصل مع "حركة جهيمان"، والعنف الذي شهدناه في السنوات الاخيرة يتصل بتلك الحركة، وإن تمن برزت في السنوات العشرين الاخيرة مصادر أخرى للارهاب من خارج المملكة ب مع بروز القاعدة والارهاب. 
يبدو الاستاذ الجامعي متحمساً للمرحلة الجديدة والمسيرة التحديثية الجديدة، الا أنه يقر بأنها أكثر تعقيداً مما تبدو. ويقول: "الامير محمد بن سلمان لن يتساهل، وخطابه الاخير بدا نوعاً من التوقع لحركة رفض". ومع ذلك، يرى أن الوضع مختلف عما كان عليه ايام "حركة جهيمان"، إذ كانت هناك مخاوف من أن يكون للعنف صدى اجتماعي "ولكن حالياً تميل غالبية السعوديين الى الاعتدال، وحتى اذا حصل رفض لا أتوقع أن يكون بالحدة التي حصلت كنت تحصل سابقاً"، وخصوصاً في حقبة الثمانينات عندما حمل السلاح لقمع أي محاولات لما اعتبر خروجاً عن الدين.
عن النهار

تاريخ التديّن السعودي... هل عرفت السعودية الإسلام الوسطي المعتدل؟

أكتوبر 28, 2017 اضف تعليق
إيهاب عمر
موقع رصيف 22

حين أراد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الترويج للخطوات التي يقف وراءها مؤخراً، ويعتبر أن هدفها مكافحة الأفكار المتشددة، اختار أن يقول: "نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه قبل عام 1979، إلى الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب".
كلام بن سلمان تلقفته بعض وسائل الإعلام مصادقةً عليه، فرفعت من الأرشيف صوراً لما قدّمته على أنه حال السعودية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهي صور تظهر شابات سافرات في حافلة وزوجين على شاطئ البحر وشابات يسبحن بلباس البحر...
وأضاف ولي العهد، على هامش مشاركته في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، أن "السعودية لم تكن كذلك قبل 1979، وكذلك المنطقة كلها... انتشر موضوع الصحوة بعد عام 1979، لأسباب كبيرة لا مجال لذكرها اليوم في حلقة النقاش".
وعام 1979 هو عام مرجعي في المنطقة وفي السعودية، فهو عام انتصار الثورة الإيرانية ووصول روح الله الخميني إلى الحكم، وهو أيضاً عام حادث الحرم المكي في 20 نوفمبر 1979.
Smoke_rising_from_the_Grand_Mosque,_Mecca,_1979خلال أحداث الحرم المكي عام 1979
وإذا كان صحيحاً أن مدّ التديّن المتزمّت المفروض بالقوة قد اتسع في السعودية منذ نهاية السبعينيات، لكن في الواقع كان متجذراً فيها منذ عقود طويلة، مع فرق أن قاعدته الجغرافية، هو الذي انطلق أساساً من نجد، قد اتسعت.

التحالف مع الوهابية

عام 1446، نجح مانع بن ربيعة المريدي في تأسيس مشيخة صغرى تقع في وادي حنيفة، بالقرب من الرياض، تحت اسم مشيخة-إمارة الدرعية، فكانت نواة الدول السعودية الثلاث.
وفي أربعينيات القرن الثامن عشر، استطاع حاكم الدرعية الشيخ محمد بن سعود آل مقرن أن يثبّت حكمه أمام توسع نفوذ بني خالد، حكام الإحساء. وفي تلك الأثناء، كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بدأ في دعوته الدينية السلفية، فاستقبله بن سعود في الدرعية عام 1744.
عقد الرجلان تحالفاً لا يزال ساري المفعول حتى اليوم، بين مؤسس الحركة الإصلاحية الدينية التي تسمى مجازاً الحركة الوهابية، والمؤسس الفعلى للدولة السعودية الأولى، على أن يقترن مشروع بن سعود التوسعي في الجزيرة العربية والشام والعراق بنشر الفكر الوهابي السلفي.
هذا يعني أن نشأة السعودية الأولى عام 1744 اقترنت منذ اللحظة الأولى بالفكر السلفي، بعيداً عن المدارس الدينية التي يصنّفها البعض اليوم مدارس للإسلام المعتدل. حصل ذلك قبل 235 عاماً من حوادث عام 1979، وقبل 273 عاماً من يومنا هذا.
في دراسة لمعهد بروكينغز عن استمرار النفوذ الوهابي داخل المملكة حتى اليوم، نقرأ: "في حين تولى السعوديون القيادة السياسية والعسكرية، تولى محمد بن عبد الوهاب وذريته القيادة الدينية والشرعية. وكان محمد بن عبد الوهاب وتلامذته ينشرون نسخة متزمتة وطائفية عن الإسلام تحثّ على العودة إلى أصولية حرفية وإلى عدم التسامح تجاه أي انحرافٍ عن آرائهم المتشددة لما يعتقدون أنه الدين الأصلي الذي دعا إليه النبي محمد".
أقوال جاهزة
شاركغردتاريخ السعودية مع الإسلام... أي إسلام كان الأقرب إلى السلطة؟
شاركغردمحمد بن سعود تحالف مع الوهابية، وعبد العزيز آل سعود دعم السلفيين... أي إسلام كانت المملكة عليه؟
اتسعت السعودية التي انطلقت من الدرعية عبر الغزوات، وكانت الوهابية تنتشر معها مغيّرةً عادات وتقاليد مناطق كثيرة. أما الدولة السعودية الثالثة التي تستمر اليوم، فاعتمدت بشكل أساسي على نشر الوهابية عبر إرسال رجال الدين وتأسيس ودعم حركات دينية تتبنّى الفكر الوهابي أو فكراً قريباً منه، وهو ما تتطرّق إليه دراسة للباحث السعودي عمر البشير الترابي بعنوان "الإسلام السياسي في الخليج... خطاب الأزمات والثورات".
فمنذ بداية القرن العشرين، حينما بدأ عبد العزيز آل سعود في تأسيس السعودية الثالثة، سارع إلى دعم وتمويل أقطاب الحركة الإسلامية في مصر حتى يحظى بتأييد أسماء لها ثقلها لدى الشعوب وقتذاك.
ويشير الباحث السعودي عبد الله بن بجاد العتيبي في دراسة بعنوان "الإخوان المسلمون والسعودية... الهجرة والعلاقة" إلى أن الشيخ محمد رشيد رضا، تلميذ الإمام محمد عبده، كان مهاجماً للوهابية في بادئ الأمر، ثم سعى عبد العزيز إلى استمالته وأنصاره، وبدأت الاتصالات بين الطرفين.
واستخدم الوهابيون الأسلوب الذي لطالما اعتمدوه، منذ فجر تاريخهم حتى اليوم، وهو أسلوب طباعة أعمال معارضيهم أو تمويل أبحاثهم العملية أو الأدبية من أجل استقطابهم، وهو ما لاقى نجاحاً ساحقاً على مدار عمر الدولة السعودية الثالثة بحسب الباحث السعودي.
هكذا، فجأة، انقلب الحال وانطلقت مقالات رضا في المنار والأهرام تدافع عن الوهابية والسعودية، ثم دارت مطابع المنار بكتابه "الوهابيون والحجاز".
وحصل الأمر نفسه مع الشيخ محمد ماضي أبو العزائم، أحد كبار مشايخ الطرق الصوفية، إذ كان عبد العزيز يتواصل مع جميع رجال الدين الإسلامي، حتى غير السلفيين، رغبة منه في كسب أصواتهم وهو يخوض حروبه مع معارضيه داخل نجد، شرق الجزيرة العربية.
وعشية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، كانت الاتصالات جارية بين عبد العزيز والشيخ حسن البنا، عبر محمد رشيد رضا ومستشار الملك حافظ وهبة، وهي لقاءات ذكرها البنا في كتابه "مذكرات الدعوة والداعية".
وأشار القيادي الإخواني عبده الدسوقي في كتابه "في رحاب الحج... الإمام البنا وبعثات الحج للإخوان المسلمين"، إلى أن الدولة السعودية كانت توفّر سيارات آمنة للبنا حين يزور السعودية، في تقليد لا يحدث إلا مع قادة وزعماء الدول.
وذكر مؤرخ الإخوان عباس السيسي في كتابه "حكايات عن الإخوان" أن تنظيم الإخوان استقبل عبد العزيز بعرض عسكري ضخم في القاهرة ثم الإسكندرية عام 1945.

أمثلة عدة تشير إلى أن السعودية لا تتردد في مواجهة التيار الإسلامي حين يظن أن الكلمة العليا له

وتروي القيادية الإخوانية زينب الغزالي في كتابها "أيام من حياتي" أن الجماعة حين كانت تناقش مشروع الدولة الإسلامية، درست وضع العالم الإسلامي كله بحثاً عن أمثلة عمّا كان قائماً في حقبة الخلافة الراشدة والتي تسعى الجماعة إلى استعادتها، فخلصت، "بعد دراسة واسعة للواقع القائم المؤلم، إلى أن ليس هناك دولة واحدة ينطبق عليها ذلك، واستثنينا المملكة العربية السعودية مع تحفظات وملاحظات يجب أن تستدركها المملكة وتصححها".
ويكشف الباحث الأميركي روبرت دريفوس في كتابه "لعبة الشيطان: دور الولايات المتحدة الأمريكية في نشأة التطرف الإسلامي" كيف أن السعودية كانت مهندس صعود الإسلام السياسي في المنطقة لخدمة الأجندة الأمريكية المناوئة للاتحاد السوفياتي في أفغانستان والشيشان والصومال.
فتنظيم الأفغان العرب الذي ولّد جميع حركات الإرهاب الإسلامية، منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم، وعلى رأسها القاعدة وداعش وطالبان، صنع بتمويل سعودي، ومشاركة سعودية في التسليح والتوجيه بل والإدارة في بعض الأحيان، بحسب الكتاب.
وللمفارقة، فإن عام 1979 شهد بداية الحرب الأفغانية السوفياتية التي تمثل ذروة دعم السعودية للإسلام المتشدد.

تحديات التوجه إلى الإسلام المعتدل

وتفجّر على ضوء تصريحات بن سلمان جدل من نوع آخر، حول ردّ فعل الحركة الإسلامية السعودية على تصريحات بن سلمان، وطُرحت تساؤلات حول احتمال أن تكون السعودية على موعد مع اضطرابات سياسية ودينية كما جرى أعوام 1927 و1968 و1979؟
وقصة انتفاضة عام 1927 تعود جذورها إلى مطلع القرن العشرين، حين ظهر رجل الدين الشيخ عبد الكريم المغربي واستوطن واحة الأرطاوية الواقعة بين نجد والإحساء، وجمع العشائر من حوله ودرّب الشباب بشكل متطور على الحياة العسكرية.
وفي عام 1916، زار السلطان عبد العزيز الواحة، وأعلن انضمامه وانضمام القبائل الواقعة تحت حكمه إلى هذه الحركة التي عُرفت باسم الإخوان، ولا علاقة لها بجماعة الإخوان المسلمين البتة. وتشكّلٓ جيش موحد باسم جيش الإخوان من أجل محاربة عملاء بريطانيا في الجزيرة العربية، أي خصوم آل سعود.
ولكن بعد فترة، اعترض تنظيم الإخوان على سياسات عبد العزيز عقب ضمه للحجاز، وفي 28 أكتوبر 1927، بدأ بالعمل العسكري ضد عبد العزيز والكويت والعراق حيث الانتداب البريطاني.
ويروي خير الدين الزركلي في كتابه "شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز" أن عبد العزيز طلب الدعم العسكري البريطاني، وبالفعل قصفت طائرات بريطانية معسكرات الإخوان في نجد والكويت والعراق ولعبت السلطات البريطانية في الكويت دوراً حاسماً في تسليم السعودية قادة التمرد الذي انتهى مطلع عام 1930.
أما تحدي عام 1965، فبدأ مع اندلاع تظاهرات بقيادة خالد بن مساعد آل سعود وحدوث اضطرابات على ضوء بعض الإصلاحات التي قام بها الملك فيصل، وانتهت بمقتل خالد في 8 سبتمبر 1965، وكان من عواقبها أن فيصل، شقيق خالد، أقدم على اغتيال الملك فيصل في يونيو 1975.
ووقعت الأزمة الثالثة في 20 نوفمبر 1979، حينما سيطرت مجموعة من المتطرفين على الحرم المكي بقيادة جهيمان العتيبي، واعتصمت في الكعبة قرابة الأسبوعين قبل التدخل الأمني في 4 ديسمبر.
ويتضح من هذه التفاصيل الدامية أن السعودية لا تتردد في مقارعة التيار الإسلامي حين يظن أنه يحكم، أو أن الكلمة العليا له داخل السعودية.
وسبق أن تصادم آل سعود مع رجال الدين الرافضين لوجود القوات الأمريكية على الأراضي السعودية، خلال حرب الخليج الثانية، وانتصرت رؤية آل سعود وقُمعت أصوات المشايخ الرافضين للقوات الأجنبية.
وخلال الأزمة الجارية مع قطر حالياً، أوقفت السلطات عدداً من أهم مشايخ المملكة الرافضين لنهج الرياض في التعامل مع الدوحة، لتثبت السعودية في جولة جديدة أن هنالك خطوطاً حمراء للتيار الديني داخل البلاد، وأن العلاقة ليست على قدم المساواة بين الطرفين كما يظن البعض.

إصلاحات حقيقية أم كسب للرأي العام؟

ولا يمكن أن نغفل السؤال الذي يدور في الإعلام اليوم: هل الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد عازمان بالفعل على الذهاب باتجاه إصلاحات جذرية في المجتمع السعودي أم أن هذا التحرك غير جاد ويهدف إلى تسويق الأمير الشاب محلياً ودولياً لمباركة أول انتقال للسلطة من جيل الأبناء إلى جيل الأحفاد، ولينجح سلمان في توريث الحكم لنجله بدلاً من إخوته؟

فخرية صالح عن سركون بولص

أكتوبر 23, 2017 اضف تعليق


سركون مازلت لا استطيع الكتابة، وعنك بالذات منذ يوم ودعتك بطبع قبلة على جبين وجهك البارد جدا جدا في مستشفى فريدريشهاين حيث وقف مؤيد خارجا فهو لايستطيع توديعك هذه المرة الاخيرة، وكلنا حتى اولادي غير مصدقين ان صوتك وضحكاتك وحضورك الانساني الجميل قد ذهب الى الابد
انتظارعشر سنوات ياسركون لن تستطيع ان تكتب عنها اخر قصائدك ولا عن مؤيد الراوي الحبيب 
اريد ان احدثك عن سفر مؤيد الطويل المضني كما هو سفرك
قصيدة لبابلو نيرودا ترجمها سركون بولص
المدخل
يالهُ من قَرنٍ طويل!
تساءلنا: متى ينتهي؟
متى يسقط رأسيّاً
في الكثافة، في المتاهة؟
في الثورة التي عبدناها؟
أو في الأكذوبة
البطريركية كاملة الصفات؟
لكنّ ما هو أكيدٌ
هو أننا لم نعشه أبداً
كما كنّا نريد.
كان يتعذّب دائماً.
كان دائماً يُحتضر. يبزغُ في الفجر ويدمى بعد الظهيرة.
يمطر في الصباح، وعند المساء يبكي.
اكتشفت الحبيبات
أنّ لكعكة الزفاف جراحاً
كما بعد استئصال الزائدة الدوديّة.
تسلّق الرجال الكونيّون
سلّماً من نار
وعندما لمسنا أقدام الحقيقة
كانت قد انتقلت إلى كوكب آخر.
تطلّعنا إلى بعضنا كارهين:
أشدُّ الرأسماليين دناءةً لم يعرفوا
ما العمل:
كانوا قد تعبوا من المال
لأنّ المال كان قد تعب
والطائرات تُقلعُ من دون ركّاب
وما من علامةٍ على الركّاب الجدد.
كنّا جميعاً ننتظر
كما في محطات القطار، في ليالي الشتاء:
كنّا ننتظر السلام
فجاءت الحرب.
لا أحد كان يريد
أن يقول شيئاً
الكلُّ كان يخاف التورّط:
بين الشخص والآخر كبرت المسافات
وصار التنافُر بين الاصطلاحات من الحدّة
بحيث كفّ الجميع عن الكلام
أو أخذوا جميعاً يتكلّمون دفعةً واحدة.
عندما سقطت القنبلة
(البشرُ، الحشراتُ، الأسماك
أُبيدت كلّها) فكّرنا بالرحيل
حاملين صرّةً صغيرة، 
باستبدال كوكبنا وجنسنا.
أردنا أن نكون خيولاً، خيولاً بريئة.
أردنا أن نغادر هذا المكان.
بعيداً، بعيداً من هنا.
لم تكن الإبادةُ وحسب
لم يكن الموت وحده
(رغم أن الخوف كان خبزنا اليومي)
بل أن لا نقدر على الحركة
بقدمين أثنتين.
لقد كان ثقيلاً، 
هذا العار
في أن نكون بشراً
كالذين دَمَّروا ومن أبادوا.
ومرّةً أخرى، مرّةً أخرى.
كم من المرّات، إلى متى؟
الكلابُ وحدها بقيت تنبح
في العلوّ الريفيّ للبلدان الفقيرة.
هكذا كان نصف القرن صمتاً
والنصف الآخر، كلاباً تنبح
في ليل الأرياف.
مع ذلك، لم يسقط النابُ المرير
وظلّ يصلبنا.
فتح لنا باباً، تبعناهُ إلى الداخل
وهو يشعلُ ثقاباً مثل مذَّنب، 
وعندما أغلق الباب
ضربنا في البطن بعقب بندقيّة.
أطلقوا سراح سجين
وعندما رفعناه على الأكتاف
ابتلع السجنُ مليونَ سجين آخر
وخرج مليون آخر من المنفيّين، 
ثمّ دخل مليونٌ إلى الأفران
وأُحيلوا إلى رماد.
إنا في مدخل الباب، أغادر
وأستقبلُ القادمين الجدد.
قصائد مناخنا
I
ماءٌ صافٍ في وعاء برّاق، 
شقائق أرجوانيّة، وبيضاء، الضياء
في الغرفة أقرب ما يكون إلى الهواء الثلجي، 
إذ يعكس الثلجَ. ثلجٌ حديثُ السقوط
في نهاية الشتاء عندما تعودُ الأماسي.
شقائق أرجوانيّة وبيضاء ـ إنّ المرء
ليرغبُ في أكثر من هذا، إن النهار ذاته
قد بُسِّط: وعاءٌ من البياض، بارد، 
من الصينيّ البارد، خفيضٌ ومدوَّر، 
ليس فيه شيء آخر سوى الشقائق.
II
قُل حتى لو أن هذه البساطة الكاملة
جرّدت الواحد من كلّ عذاباته، وأخفت
الأنا شريرة التراكيب، الحيويّة
وجعلتها طازجة في عالم من البياض، 
عالم من الماء الصافي، برّاق الحواف، 
فإن المرء سيرغب في المزيد مع ذلك، .
سيرغبُ في المزيد، 
أكثر من عالم من العطور البيضاء والثلجيّة.
III
سيبقى هناك العقل الذي لا يستريح
بحيث أن الواحد سيريدُ أن يهرب، أن يعود
إلى ما تمَّ تأليفُه حتّى الآن.
الناقصُ جنّتُنا.
لاحظ أن المسرّة، وسط هذه المرارة، 
طالما أن الناقص يشتعلُ هكذا فينا، 
إنّما تكمنُ في الكلمات النافلة والأصوات العنيدة.
ولا حضورك، 
خسارة;
جحيمي ليست أسوأ من جحيمك
رغم أنك تعبر بين الأزهار
وتكلّمُ الأرواح فوق الأرض.
VI
في مواجهة الأسود
لديّ حُميّا أكثر ممّا لديك
في ذلك المكان المنوَّر المجيد، 
في مواجهة السواد
والرماديّ الكابي
لديّ نورٌ أكثر;
والأزهار، 
لو أنني أخبرتك، 
لاستدرتَ عن طرقاتك الأليفة
نحو الجحيم، 
لاستدرت ثانيةً وتطلّعت إلى الخلف
وكنتُ سأغرقُ في مكانٍ
أكثر رعباً من هذا.
VII
لديّ على الأقلّ أزهار نفسي، 
وأفكاري، مامن إله
يمكنه أن يَحرمني من ذلك;
لديّ حُميّا نفسي
لتكون حضوراً، وروحي
لتكون الضياء;
وروحي في خسرانها
تعرفُ هذا، 
رغم أنها صغيرة
في مواجهة الأسود، 
صغيرة في مواجهة الصخور عديمة الشكل، 
على الجحيم أن تنشقَّ قبل أن أضيع;
قبل أن أضيع، 
على الجحيم أن تنفتح كزهرةٍ حمراء
ليعبر الموتى.