محمد حجيري... تماثيل لبنان... صعود الناصرية وأفولها

محمد حجيري... تماثيل لبنان... صعود الناصرية وأفولها

سبتمبر 30, 2017 اضف تعليق

 

  • 0
  • تماثيل لبنان... صعود الناصرية وأفولها
    اثناء وضع تمثال عبد الناصر في قب الياس
  • خالد عبد الناصر مشاركا في تدشين تمثال والده في البقاع (من ارشيف زياد الحمصي)
    خالد عبد الناصر مشاركا في تدشين تمثال والده في البقاع (من ارشيف زياد الحمصي)

(*) العابر في ساحة بلدة برجا الشوفية، لا بدّ أن يلاحظ تمثال الرئيس جمال عبد الناصر النصفي، بقي صامداً برغم التحولات السياسية، في تلك الساحة الضيقة والقديمة، وليس بعيداً منه صورة لظافر الخطيب الذي سقط خلال الحرب الأهلية. لا أعرف ان كان تمثال عبد ناصر بقي صامداً منذ انشائه في برجا، فليس لدينا الأرشيف الكافي لرصد اليوميات السياسية والحربية في لبنان، ما أعرفه ان معظم تماثيل عبد الناصر في لبنان تعرضت للتفجير والنسف والانتقام، عند مدخل بعلبك وفي قب الياس والضاحية الجنوبية وعين المريسة والطريق الجديدة وربما أماكن اخرى. كانت حمى تشييد تماثيله علامة على وهجه وسطوته وفي الوقت نفسه علامة على الفراغ الذي تركه في وجدان أنصاره بعد رحيله، كأنهم اصيبوا باليتم، إلى درجة أن نزار قباني كتب في رثائه:
 قتلناكَ.. يا آخر الأنبياءْ
قتلناكَ ..
ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلنا..
وكم من إمام ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء..
فتاريخنا كله محنة..
وأيامنا كلها كربلاء

وكتب محمود درويش قصيدة بعنوان "الرجل ذو الظل الأخضر"
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك! 

وهناك عشرات القصائد التي تمجد عبد الناصر وتجعله في مرتبة "النبي"، والزعيم المصري العروبي "الهادر" الذي توفي 28 في أيلول 1970، لم تجد لجان تخليده وسيلة لتكريمه سوى تشييد التماثيل (بعضهم رفض التماثيل لأسباب شرعية ودينية، وأسس جمعيات وأندية تعنى بمسار عبد الناصر ومسيرته)، وكتب المؤرخ دومينيك شوفالييه أنه بالنسبة إلى الكثير من الجماهير الشعبية، صورة عبد الناصر تعدّ رمزاً للوحدة العربية، والأمر لا يختلف في التمثال...

هكذا كان لعبد الناصر الكثير من التماثيل والأنصاب في البقاع وبيروت والجبل وحتى البيوت الخاصة، معظمها شيّدت في بداية السبعينيات. كان الناصريون والعروبيون يزيحون الستار (او الستائر) عن التماثيل في لبنان، بينما كان الرئيس المصري محمد أنور السادات، يحضر لانقلابه، ذهب إلى مجلس الشعب(المصري)، وهناك انحنى أمام تمثال عبد الناصر المقام في المجلس، وألقى خطابا تعهد فيه بالسير على درب سلفه "الممجد". ولكن ما لبث ان انقلب، حرض على حملة تشويه طاولت الزمن الناصري، وبدأ مرحلة "الإنفتاح" الاقتصادي والتقارب مع الغرب والاسلام السياسي، قبل أن يحط في تل أبيب ويوقع كامب ديفيد. وفي لبنان، سرعان ما بدأت محاربة الناصرية من خلال الحرب على تماثيلها، فلكل مرحلة أنصابها...

بلدة قب الياس البقاعية، التي بنت أكبر تمثال لعبد الناصر(9 امتار) عام 1971، بحضور حشود لبنانية الى جانب (خالد) نجل الرئيس عبد الناصر، استفاقت ذات يوم من أيام 1976 على تفجير التمثال، قيل أن المخابرات السورية دمرته، وقيل ان الكتائب ايضاً التي نفت التهمة... أن نقول ان المخابرات السورية البعثية دمرت تمثال قب الياس، فهذا كان إشارة إلى بدء مشوار الأسدية السياسية في لبنان، التي بدأت تترسخ تدريجيا من حرب السنتين (1975 - 1976) حتى الاطباق السياسي على لبنان عام 1990...

وليست الموجة "الحافظ أسدية" وحدها من دخل على الخط اللبناني، ففي حارة حريك - الضاحية الجنوبية، نسف تمثال عبد الناصر مع صعود موجة حزب الله في الثمانينات ولا توجد تفاصيل او صور عنه، وفي أواخر كانون الثاني 1983 نسف تمثال عبد الناصر في بعلبك بمتفجرة اسقطته من قاعدته و"بادر رجال من التنظيمات الناصرية الى نقل التمثال من مكانه، وكان التمثال تعرض لخمس محاولات نسف. وهو أقامته لجنة تخليد عبد الناصر" في المنطقة ورفع الستار عنه في 17 /10 / 1971 في احتفال رسمي وشعبي(...) والتمثال مصنوع من البرونز الصافي، نحته الفنان المصري جمال الدين السجيني، وصب البرونز مصطفى متولي...وبينما كتب على قاعدة التمثال "فإن حزب الله هم الغالبون"، كتوقيع من الفاعلين، اتهم حزب الإتحاد الاشتراكي العربي، أحد فروع الناصرية في لبنان، "عملاء شارون بتنفيذ العملية". (النهار 31 كانون الثاني 1983). ولم يطل الوقت، ففي منتصف نيسان 1983 "وضع مجهولون عبوة ناسفة قدرة قوتها بخمسة كيلوغرامات من مادة الـ ت ن ت، عند قاعدة التمثال (عبد الناصر في عين المريسة) وعند الساعة الواحدة والنصف فجراً، انفجر قسم من العبوة قدرة بكيلو غرامين، وتسبب الانفجار بتصدع قاعدة التمثال دون تدميرها. وكان مجهولون اقدموا قبل يومين، على نسف تمثال عبد الناصر في الطريق الجديدة" (السفير 14 نيسان 1983). ووزعت الوكالة اللبنانية للأنباء الصادرة عن حزب الكتائب، تعليقاً لاوساط سياسية جاء فيه "من المؤسف بعد كل الذي جرى وبعد حرب الثماني سنوات ان تكون القلوب ما زلت معلقة برموز لا تمت إلى لبنان بصلة. وكان الاجدر بهؤلاء رفع أي تمثال او لوحة لشخصية لبنانية او لزعيم وطني بدلا من الحرص على رموز مرّ عليها الزمن".. وذكرت اذاعة "صوت لبنان" الكتائبية أن "اهالي عين المريسة هم الذين أقدموا على إزالة النصب لرفع الارزة اللبنانية مكانه"، وتردد أن من أزال لوحة(مجسم عبد الناصر الصورة اعلاه) التمثال أو النصب كان تحت أعين القوى الأمنية والعسكرية... وكتب الروائي إلياس خوري مقالا بعنوان "خطف التماثيل"، قائلا "تمثال ينسف، تمثال يسقط، تمثال يخطف! كأنها الحرب الأهلية تستعاد ضد جمال عبد الناصر"(...) "اكتشفوا انه واحد من هؤلاء الغرباء"...(السفير 19 نيسان 1983)، يومها كانت فوبيا الغريب الفلسطيني والعربي على أشدها في لبنان.
ذهبت موجة تماثيل عبد الناصر وبدأت موجة مجسمات حزب الله والخميني في المناطق الشيعية، وفي التسعينات شهدت بوابات المدن اللبنانية وبعض ساحاتها موجة تماثيل آل الأسد، من اللبوة الى بعلبك وشتورا وبيروت وصور وعكار، وسرعان ما رحلت أو أزيلت بمعظمها مع خروج الجيش السوري من لبنان، وهذا موضوع آخر نعود إليه لاحقاً... أما تمثال عبد الناصر، فما زال موضع جدل والتباس، تماماً كما الذين ما زالوا في الخط الناصري، فالزعيم(عبد الناصر) الذي رحل قبل نحو نصف قرن، لم تنته "رمزيته"، وما زال موضع تمجيد وانتقام في الوقت نفسه، فقد هدم الاسلامييون تمثاله في بنغازي في شباط عام 2012 بعد سقوط المرحلة القذافية، وفي المقابل "خلّده" الرئيس الراحل هوغو تشافيز بتمثال نصفي في فنزويلا في يونيو عام 2013. وفي أسيوط، مسقط رأس عبد الناصر، أزيح الستار عن تمثاله في 29 يناير 2014... وفي نهاية عام 2016 ازيح الستار عن تمثال آخر له في بورسعيد... وبين هذا وذاك، كل التماثيل لم تكن أكثر من عبادة شخصية للزعيم. الذين شيدوا التماثيل يعبدون شخصية، والذين فجروا التماثيل لديهم زعيمهم الذي يعبدونه بشكل من الأشكال، بالقوة أو بطريقة غسل الدماغ أو بالهذيان، ليس أقل دليل على ذلك، تلك الهتافات التي تسمعها حتى في مهرجان وضيع، أو حتى في اعتصام لبعض العمال. هذا إلى جانب أن السياسة في الشرق الأوسط تقوم بدرجة بارزة جدا على الأشخاص. فملامح السلطة او الزعامة في الاحزاب اللبنانية، وكذلك الميليشيات، بحسب الباحث تيدور هانف، تبرز عبر الصور  العديدة للزعماء أكثر ممّا تبرز عبر البيارق أو الأزياء الموحّدة. الولاء السياسي هو ولاء لأشخاص بدرجة اولى أو للمنظمات أو البرامج بدرجة ثانية.


نتحدث الآن عن تماثيل عبد الناصر وأنصابه... والسؤال أين هم ناصريو لبنان اليوم؟ هم احتجوا على تفجير تمثال الزعيم في بنغازي عام 2012 في لبنان، وفي الوقت نفسه هم تحت مظلّة من فجر تماثيله في لبنان.


(*) هذا ملف ينشر تباعاً عن التماثيل والأنصاب في لبنان، هنا حلقة أولى عن تماثيل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي تمر في 28 الشهر الجاري ذكرى وفاته.

عن موقع المدن
 
محمد حجيري...تماثيل الأسد في لبنان... تلك المسلّة الباقية

محمد حجيري...تماثيل الأسد في لبنان... تلك المسلّة الباقية

سبتمبر 30, 2017 اضف تعليق

تماثيل الأسد في لبنان... تلك المسلّة الباقيةمسلة السفارة(من ارشيف ديوان الذاكرة اللبنانية)

 
العابر عند مستدير السفارة الكويتية في بيروت، لا بدّ أن يلاحظ المسلّة "المنتصبة"، وهي ليست مسلّة اثرية قيّمة ومنهوبة من الآثار الفرعونية المصرية، كما معظم المسلات في بعض المدن الاميركية والاوروبية، بل شيّدتها الجمهورية اللبنانية في زمن رئاسة الياس الهراوي وحكومة رفيق الحريري عام 1998، وكتب عليها "من لبنان إلى الرئيس السوري حافظ الأسد".
 
 والحال أن المسلّة، ربما النصب الوحيد الذي بقي في لبنان من تلك الأنصاب والتماثيل التي كانت تشيّد وتبنى في إطار مدح هيمنة النظام البعثي على لبنان. كانت وطأتها إشارة إلى الاستبداد السوري في لبنان، بدأت بتمثال باسل الأسد (نجل حافظ الأسد الملقب بـ"الفارس الذهبي" والقتيل بحادث سير على ما تقول الرواية) في بلدة شتورة، دشنه وزير الداخلية انذاك ميشال المر في احتفال حاشد في 1 / 10/ 1995، وصار التمثال "محجة" بائسة لغلاة الطاعة والولاء لـ"سوريا الأسد"، وكان يحتفل سنويا بوضع اكليل على قاعدته في ذكرى وفاة صاحبه مع إلقاء الخطب "الرنانة" وبحضور معظم الوجوه النيابية والسياسية وحتى البلدية وبعض "الثقافية" والفنية. واللافت أن التمثال، الذي صممه ونفذه نحات من أصل لبناني يعيش في فلورنسا الايطالية، بلغت تكلفته 300 ألف دولار جرى جمعها من المؤسسات الاقتصادية في شتورة ومحيطها من جانب لجنة انشئت لهذه لغاية، وهذا يعتبر نموذجاً لطريقة الحكم السوري التشبيحي في لبنان، والقائم على دفع الخوات والولاء بالقوة، وهذا لا يعني ان مجموعة كبيرة من اللبنانيين، كانت تمارس انتهازية معلنة في الولاء للبعث، في مقابل فساد مشترك وحتى مناصب مدفوعة الثمن بالمال والدم والانبطاح. والنصب في علم الاجتماع إحدى أدوات الدعاية الجماهيرية. يقول الباحث كنعان مكية في كتابه "النصب التذكارية" نقلاً عن الفيلسوفة الأميركية- الألمانية حنة أرندت إن الدعاية الجماهيرية اكتشفت أن جمهورها على استعداد دائم لتصديق الأسوأ مهما كان منافياً للعقل، وأن هذا الجمهور لا يمانع كثيراً في التعرّض إلى التضليل.

فمن بعد تمثال باسل الأسد، كرّت سبحت التماثيل والانصاب واللافتات واللوحات التذكارية بإسم الاسد (الاب) وابنه "القتيل"، بين اسم مدرسة من هنا وحديقة من هناك، وقاعة في تلك البلدة ومنصة أو مكتبة في هاتيك المدينة. كانت الشطارة على قدم وساق في حب الأسد والبعث وشبيحته، ففي 12 أيار عام 2000 رفعت الستارة عن تمثال الاسد(الأب) عن بوابة بعلبك بعدما انجزته هيئة انماء بعلبك (يا عين على الانماء) على نفقتها بالتعاون مع بلديتي بعلبك ودورس وأحزب وتنظيمات وطنية وإسلامية. وبلغت كلفته الاجمالية 75 ألف دولار وهو الأول للأسد في لبنان من البرونز وطوله أكثر من ثلاثة أمتار، لنتأمل جيداً من كان يبني التماثيل ومن كان يدفع ثمنها؟! وفي 15 تشرين الأول 2000 شيّد تمثال الأسد في حلبا وسط كلمات زعيم المردة سليمان فرنجية والملياردير عصام فارس وغيرهما، وكلها تتحدث عن "سوريا الأسد" وروح "القائد الخالد" وتضحيات الجيش العربي السوري لاجل لبنان ودولة المؤسسات ودور اميل لحود في بناء الدولة وسوريا الأسد و"البشار". بدا أن أتباع الأسد في لبنان يقلدون جماعة عبد الناصر في السبعينات، مات الأخير فنصبت تماثيله في بعلبك وقب الياس وبيروت، ومات الأسد فأذعن بعض الممولين لتمويل تماثيله في بعلبك وحلبا وصور وقانا وبلدات لبنانية عدة. كان "انبعاث" النصب الأسدية إشارة إلى موته الجسدي وبقاء اشباحه فوق لبنان، من دون شك أن عهده الطويل "والأبدي" كان مبعث خوف وقسوة ووحشية وصلافة، وهذا لا يعني ان اسلافه بدلوا هذا المسار، بل، كانوا اكثر وحشية في التعاطي الأمني وأقل خبرة في السياسة واستيعاب لبنان ومجرياته وجماعته، وكانت بشائر التمرد على الاسدية في لبنان بدأت في المقالات الصحافية وبعض الأصوات السياسية، وفي العام 2002 وضعت عبوة لتمثال الأسد في حلبا فتضررت قاعدته اضراراً طفيفة، وعثر في مكان الحادث على ورقة تحذر السكان من الوجود قرب مراكز التجمع للقوات السورية.


على أن الحريري (الأب) الذي شُيّدت مسلّة السفارة الكويتية في زمنه، كان اغتياله عام 2005 بداية لاقتلاع تماثيل الأسد من لبنان قبل انسحاب جيشه، ففي 1 آذار 2005، صدرت ردود فعل مستنكرة على الاعتداء على تمثال الاسد في قانا، قال النائب علي خريس "ان الرئيس الاسد يمثل القومية العربية الشريفة والقيادة الرائدة في تاريخ امتنا الناصع". وفي 15 نيسان 2005، ازال الجيش اللبناني التماثيل والنصب التذكارية لحافظ وباسل الاسد من ساحات ومدن الجنوب. "ففي مدينة صور اقتلع النصب التذكاري للأسد الاب الراحل، وهو لوحة رخامية حفرت على أحد جوانبها صورة الرئيس الراحل... وكانت "الاحزاب والقوى الوطنية اللبنانية قد رفعته في الساحة، وكذلك رُفع تمثال اخر لباسل الاسد من امام مركز باسل الاسل الذي بناه السوريون "عربون وفاء لأهالي الجنوب"... وفي 16 نيسان 2005، وبحسب ما رصدت جريدة النهار، بعيد منتصف الليل باشرت عناصر المخابرات السورية نزع تمثال باسل الأسد في شتورة من قاعدته وسط انتشار كثيف في محيطه متسلحة برشاشاتها ومستنفرة بحيث لم يسمح للسيارات العابرة بالتباطؤ للنظر. اما الصحافيون فجرى ابعادهم من المكان. وفي اليوم نفسه، ازيل تمثال الاسد من بوابة بعلبك وقيل إنه نُقل الى جديدة يابوس... يكتب خالد حمود، وهو مهندس معماري، عن خطورة تغيير معالم الامكنة بطريقة تمحو الذاكرة الجماعية، لارتباط الذاكرة بالامكنة وصوغها للهوية المشتركة للمجتمعات. معالجاً من الناحيتين الاجتماعية والجمالية، اقامة مجسم "ساحة الوطن" في المكان عينه الذي كان ينتصب فيه
تمثال "باسل الاسد" عنواناً لبطش النظام الامني السوري- اللبناني. يذكر ان المجسم كان قد صمم لانشاء "ساحة الجيش" في ساحة سرايا بعلبك انطلاقاً من رمزية المكان، وجرى نقله الى طريق شتورا– جديتا كبدل من ضائع، بعدما اصطدمت الفكرة برفض "لجنة العمل البلدي" التابعة لـ"حزب الله" اقامة المجسم في مدينة بعلبك وبلدة دورس... وكان لافتاً ايضا ان تماثيل الأسد تحتل واجهة المدن اللبنانية وساحاتها، كتعبير عن احتلال المشهد العام في لبنان، وكتعبير عن ابتذال الحياة العامة من دون أن تحمل التماثيل أي تعابير فنية أو ثقافية، هي أنصاب سياسية الهدف منها اظهار منطق القوة والاحتلال والولاء.

سقطت تماثيل الاسد، وبدأت موجة قتل اركان 14 آذار وصعود تماثيلهم الرمزية التي لها معنى آخر في السياسة، ومن دون شك كانت جزءا من مرحلة صعبة وقاسية في لبنان، (لنا عودة إليها). 
 
 ذهبت التماثيل الأسدية من لبنان، ولكن أصحابها تركوا وديعة اسمها المسلّة عند بوابة بيروت، ولها دلالاتها الفرويدية في المشهد البصري او هي كخازوق في السياسة اللبنانية اذا جاز التعبير، الله اعلم.

(*) هنا حلقة ثانية من ملف التماثيل في لبنان، بعد حلقة أولى عن تماثيل عبد الناصر.
عن موقع المدن

حسين عبدالحسين: لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

سبتمبر 30, 2017 اضف تعليق


أزالت السلطات المحلية في مدينة البصرة الجنوبية في العراق تمثالا للسيدة العذراء، كان عمل على صناعته نحّات مسلم، برعاية عراقي من المسيحيين الأرمن، كان قد استحصل بدوره على كل الموافقات الحكومية المطلوبة لنصب التمثال في ساحة عامة. وعللت السلطات العراقية إزالة التمثال بالإشارة إلى طلب الإزالة من مطرانية البصرة، التي بررّت بدورها طلبها بالقول إنها تخشى قيام أحدهم بالاعتداء على التمثال، فيشعل ذلك فتنة بين مسيحيي البصرة ومسلميها.

كاتب هذه السطور من المؤمنين بوجوب خلو الساحات العامة من التماثيل واللوحات والكتابات الدينية. حتى العلم العراقي، من غير المقبول أن يحمل عبارة "الله أكبر". فمن العراقيين من لا يؤمنون بهذه العبارة، ولا يجوز ربط عراقيتهم بمعتقدات دينية لا يؤمنون بها. حتى بين المسلمين أنفسهم، هناك تضارب يحتم إبقاء الدولة والحيّز العام خارجه. مثلا، هل تحتفل الدولة في رأس السنة الهجرية، على غرار ما يفعل المسلمون السنة؟ أم تعلن الحداد لبدء أول يوم من أيام عاشوراء، حسب تقاليد المسلمين الشيعة؟

لكن العراق لا يتبنى العلمنة في الأماكن العامة. في البصرة نفسها تمثالان للمسلمين الشيعة، الأول يمثّل "يدي العبّاس" والثاني "فرس الحسين"، وهو ما يقودنا إلى السؤال: لماذا لا يخشى الشيعة على تماثيلهم من الفتنة، فيما على المسيحيين وحدهم الاختباء في الأماكن المغلقة والخوف من التعبير عن معتقداتهم؟

أما الإجابة، فهي في الغالب قبلية مرتبطة بالأعداد السكانية، وبموازين القوة، وبتقاعس دولة العراق عن ضمان العدالة وحرية المعتقد لجميع المواطنين، بغض النظر عن المذهب أو الدين. والأغلب أن شيعة البصرة أنفسهم لا يستسيغون نصب تمثال يعتبرونه من رموز مجموعة دينية تعود لغيرهم، على الرغم من أن السيدة وعذريتها مذكورة في القرآن، حيث خصّها كتاب المسلمين بسورة تحمل اسمها.

يوم أعلن الرئيس السابق جورج بوش الحرب في العراق، أطلق عليها اسم "عملية حرية العراق". لم تطلق واشنطن تسمية "العثور على أسلحة الدمار الشامل"، على الرغم من أن انتزاع الأسلحة كان أحد الأسباب المعلنة للحرب. على أنه منذ اندلاع هذه الحرب، أي منذ العام 2003، وأعداد غير المسلمين العراقيين في تناقص متسارع.

حتى قبل أن يستولي إرهابيو داعش على الموصل ويخضعون الأقليات، الأيزيدية والمسيحية والتركمانية وغيرها، إلى معاملة دموية واستعباد، كانت مناطق العراق الخالية من داعش، مثل بغداد والبصرة، تفرغ من غير المسلمين.

قبل أسابيع، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية نيتها إعادة أرشيف يهود العراق إلى بغداد، بعدما كانت القوات الأميركية عثرت عليه في أقبية الاستخبارات العراقية في العام 2003، ونقلته إلى الولايات المتحدة، حيث تم العمل على صيانته ونسخه إلكترونيا.

ويعارض عدد كبير من يهود العالم، خصوصا من أصحاب الماضي العراقي، إعادة الأرشيف إلى دولة لا يمكن لليهود العيش فيها، ولا ممارسة طقوسهم ومعتقداتهم، ولا التمتع بحقوق مواطنية تساويهم مع العراقيين المسلمين. على الرغم من ذلك، أصرّت بغداد، ووافقت واشنطن، على إعادة الأرشيف الذي يتضمن نسخة من التوراة تعود إلى القرن السادس عشر، في خطوة تمزج السخرية بالسريالية.

للحرية أثمان، وحرية العراق، دفع ثمنها عراقيون وأميركيون بدمائهم، وأطاحوا بنظام الرئيس الراحل صدام حسين، بعدما بطش الأخير بالعراقيين، من كل المذاهب والأديان. لكن أن يستبدل العراقيون حكم البعث بحكم الولي الفقيه لا يشبه الحرية الموعودة، وحكام العراق يعلمون، أكثر من غيرهم، معنى الاضطهاد والبطش السياسي أثناء هروبهم من حكم صدام.

ليت العراق وحكامه ومحكوميه يدركون ثمن الحرية، ومعناها، وقيمتها، وأهميتها، خصوصا لدى الأقل عددا والأضعف نفوذا.
عن موقع الحرة

قوة التماثيل

سبتمبر 30, 2017 اضف تعليق



اشتعلت شرارة المشهد المروع الفاضح الذي رآه العالم الشهر الماضي لحشد من النازيين الجدد يسيرون عبر مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، ويحملون المشاعل، وينبحون بشعارات حول سيادة العِرق الأبيض، بفعل خطط المدينة لإزالة تمثال للجنرال "روبرت إي. لي"، زعيم الجيش الكونفدرالي، الذي حارب للإبقاء على الرق في الجنوب الانفصالي أثناء الحرب الأهلية الأميركية. كان تمثال الجنرال "لي" على جواده قائما هناك منذ عام 1924، وفي ذلك الوقت لم يكن شنق المواطنين السود بدون محاكمة حدثا نادرا.

وبإلهام من الأحداث الجارية في شارلوتسفيل، ظهر في بريطانيا دُعاة يسعون إلى سحب الأدميرال نيلسون من عموده الشهير في ميدان الطرف الأغر في لندن، لأن بطل البحرية البريطانية كان يدعم تجارة الرقيق، وقبل عامين طالب المحتجون في جامعة أكسفورد بإزالة منحوتة سيسل رودس من كلية أورييل، حيث كان ذلك الاستعماري القديم طالبا ذات يوم، لأن آراءه حول العِرق والإمبراطورية تعتبر الآن بغيضة ذميمة.

كان هناك دوما شيء أشبه بالسحر يحيط بهذا النوع من تحطيم الأيقونات، والذي يستند إلى اعتقاد مفاده أن تحطيم صورة من شأنه أن يحل بطريقة أو بأخرى المشاكل المرتبطة بها، فعندما تحدى البروتستانت الإنكليز سلطة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في القرن السادس عشر، حطم الغوغاء تماثيل القديسين المنحوتة في الحجر وغير ذلك من الصور المقدسة بالمعاول والمطارق والفؤوس. وفعل الثوريون في القرن الثامن عشر الشيء نفسه بالكنائس في فرنسا، وكان المثال الأكثر تطرفا في الصين قبل ما يزيد قليلا على خمسين عاما، عندما دمر الحرس الأحمر المعابد البوذية وأحرقوا كتب كونفوشيوس- أو أي شيء قديم وتقليدي- للتبشير بالثورة الثقافية.

من السهل أن نشعر بالأسف إزاء هذا النوع من الدمار، فقد خسر العالم بنايات وأعمالا فنية عظيمة، وربما يستسلم المرء لافتراض أن الأشخاص الذين يؤمنون بالقوة السحرية الكامنة في الصور هم فقط الذين ربما يرغبون في إزالتها. والطريقة المعقولة للتعامل مع آثار الماضي هي أن ننظر إليها ببساطة باعتبارها أشياء من التاريخ.

بيد أن الأمر ليس بهذه البساطة، فمن قد يزعم أن الشوارع والميادين في المدن الألمانية كان من الممكن أن تظل تحمل اسم أدولف هتلر؟ ومن المؤكد أنه لم يكن من قبيل الخطأ الطفولي أن تزال المنحوتات على هيئة الفوهرر، أو تماثيل الزعماء السوفيات في أوروبا الوسطى والشرقية بعد عام 1989. قد يزعم المرء أن صور هؤلاء الزعماء وأتباعهم كانت تفتقر إلى القيمة الفنية التي حملتها الكنائس العظيمة في إنكلترا في القرون الوسطى، أو منحوتات أسرة تانغ البوذية في الصين، ولكن تماثيل الجنرال "لي" أيضا لا تستحق الحفاظ عليها لأسباب فنية.

السؤال هو: أين ينبغي لنا أن نرسم الخط الفاصل؟ هل ينبغي لنا أن نحكم على أي شخصية تاريخية استنادا إلى مقدار الدماء التي أسيلت على يديه؟ أم هل ينبغي لنا أن ننشئ إطارا زمنيا مناسبا؟

ربما يُقال إن التماثيل التي تحتفل بالأوغاد والأشرار الذين عاشوا في الذاكرة الحية وما زالوا يسببون الحزن والأسى للضحايا الباقين على قيد الحياة لا بد أن تُزال، في حين يجب علينا أن نُبقي على أي شيء أقدم، ولكن هذا أيضا غير منطقي. ذلك أن الحجة للإبقاء على منحوتة لهتلر في مكان عام، على افتراض أن مثل هذه الأشياء لا تزال قائمة، لا تكتسب المزيد من القوة بمرور الوقت.

يزعم كثيرون في جنوب الولايات المتحدة أن تماثيل الشخصيات من زمن الكونفدرالية يجب أن تحظى بالحماية باعتبارها مجرد ذكيرات من الماضي، كجزء من "تراث" مشترك، والمشكلة هي أن التاريخ ليس محايدا دائما، بل قد يكون ساما. فالطريقة التي نروي بها حكايات من ماضينا، ونعمل على الإبقاء على ذكرياتنا حية في هيئة أعمال فنية ثقافية تشكل جزءا كبيرا من الكيفية التي ننظر بها إلى أنفسنا جماعيا، ويتطلب هذا درجة من الإجماع، والتي كثيرا ما لا تتوافر، وخصوصا عندما ينطوي الأمر على حرب أهلية.

كانت حالة ألمانيا ما بعد الحرب واضحة وصريحة، فكل من ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية كانت حريصة على بناء مستقبلها الجماعي في مخالفة مباشرة للماضي النازي، لكن هامشا ضئيلا فقط من المستائين الساخطين ما زالوا راغبين في التمسك بذكريات الرايخ الثالث الأثيرة.

ومع ذلك، لا تزال السلطات الألمانية حتى يومنا هذا تحظر عرض الصور النازية، خشية أن تظل قادرة على إغراء الناس بتكرار أشد فصول تاريخ بلادهم ظلاما وحلكة، وهذا الخوف مفهوم وليس مخالفا للعقل بالكامل، بل إن مثل هذه الإغراءات ربما تصبح أقوى مع تلاشي النازية من الذاكرة الحية.

كان تاريخ بريطانيا الحديث أقل إيلاما، ومن المؤكد أن صور سيسيل رودس أو الأدميرال نيلسون، وإن كانت تقليدية إلى حد ما في زمنها، لم تعد عصرية اليوم، ومن غير المرجح على الإطلاق أن يتخذ الشباب البريطانيون الكثيرون الذين يحدقون في نيلسون على عموده أو يمرون أمام كلية أورييل في أكسفورد من مثل هذه الصور مصدرا للإلهام، فيدعون إلى الرِق أو بناء إمبراطورية في إفريقيا.

غير أن الجنوب الأميركي لا يزال يمثل مشكلة، فالخاسرون في الحرب الأهيلة لم يتصالحوا بشكل كامل مع هزيمتهم قَط، ويرى كثيرون في الجنوب، ولكن ليس جميعهم بكل تأكيد، أن قضية الكونفدرالية وآثارها لا تزالان تمثلان جزءا من هويتهم الجماعية، ورغم أنه من الصعب أن يدعو أي شخص يتمتع بكامل قواه العقلية إلى إحياء الرِق، فإن الحنين إلى الجنوب القديم لا يزال ممتزجا بالعنصرية، ولهذا السبب تُعَد تماثيل الجنرال لي أمام مباني المحاكم وغيرها من الأماكن العامة من المشاهد البغيضة الذميمة، وللسبب نفسه يرغب كثيرون، بما في ذلك العديد من الليبراليين في الجنوب، في إزالة مثل هذه التماثيل.

لا يوجد حل مثالي لهذه المشكلة، لأنها على وجه التحديد لا تدور حول صور منحوتة في الحجر فحسب، فالاستياء في الجنوب سياسي، ولم تندمل جراح الحرب الأهلية حتى الآن، والواقع أن قسما كبيرا من المناطق الريفية في الجنوب يعاني الفقر ويفتقر إلى التعليم مقارنة بأجزاء أخرى من الولايات المتحدة. ويشعر الناس بأنهم موضع تجاهل وازدراء من قِبَل النخب الساحلية في المناطق الحضرية، ولهذا السبب صوت كثيرون منهم لدونالد ترامب، ولكن هدم بضعة تماثيل لن يحل المشكلة، بل ربما يُفضي إلى زيادة الأمور سوءا على سوء.

* إيان بوروما

* رئيس تحرير مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس (The New York Review of Books)، وهو مؤلف كتاب "العام صِفر: تاريخ من 1945".

"بروجيكت سنديكيت، 2017" بالاتفاق مع "الجريدة"

علي الشدوي... جمهور أم كلثوم

سبتمبر 30, 2017 اضف تعليق


1

يشير جمهور أم كلثوم الّذي نراه الآن في تسجيل حفلاتها إلى جمهور مثقف، ويرمز إلى مرحلة تنويريّة من الصعب تكرارها. وحتّى إن افترضنا  أنّ جمهور أم كلثوم  ينقسم في انتمائه إلى الأحزاب السياسيّة آنذاك، وفي انتمائه إلى تيارات إيديولوجيّة – إلاّ أنّ جمهور  أم كلثوم كما نرى يؤمن ويتوحد ويوطّد ما سمته بياتريث سالو وهي تتحدّث عن مدن الحداثة “بالسيولة في التّداول الجمالي والاستعارة الجماليّة” ، في ذلك الحيز الّذي يشغله جمهور  أم كلثوم من حيث هو جمهور لا ينتمي فقط للطبقة العليا، إنّما يشمل أيضا الطبقة الاجتماعيّة الدنيا.


تتعلّق تلك المرحلة التاريخيّة في الثّقافة العربيّة الحديثة ببرامج النزعة الإنسانيّة، وقد مثل كلّ تجديد آنذاك أساسا لترسيخ قيمة جماليّة. ومازلنا إلى الآن نستمتع بفرح تلك المرحلة التاريخيّة ومرحها وسعادتها ونحن نقرأ شعرها ونثرها، ونشاهد أفلامها، ونستمع إلى ألحانها وغنائها.


2


قبل أن يتبلور جمهور أم كلثوم  كما نشاهده الآن، ولكي نعرف كيف تكوّن لا بدّ لنا من أن نعود  إلى عام ( 1798 ) وهو عام الحملة الفرنسيّة. تتعلّق هذه البداية بالدّلالة الّتي اتّخذتها تلك الحملة  بالنسبة إلى الثّقافة العربيّة الحديثة؛ فبسبب تلك الحملة  أجرى العرب  على أنفسهم تحولا عُرف بمرحلة النهضة . ثاروا فيه على الكيفيّة الّتي كانوا عليها في القرون الوسطى.


آنذاك كان المثَل المثير لإعجاب العرب هو الغرب، ولهذا أراد العرب أن يشكلوا ذواتهم حسب كيفية وجود الأوروبيين. وما اعتبره العرب أساسيًّا آنذاك هو العلم لكي يحرّر العرب من عاداتهم وتقاليدهم وخرافاتهم. وسرعان ما ولد سؤال  النهضة العربيّة الّتي كانت وراء انبعاث الفكر العربي الحديث. ومن غير أن أتوقف عند بدايات اليقظة العربية،  وتبلور أهدافها الوطنيّة والقوميّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والاجتماعيّة، سأنتقل إلى تجربة ثقافيّة مميّزة في العصر العربي الحديث.


يمكن أن أسمي تلك المرحلة التاريخيّة بمرحلة العباقرة في الدين والعلم والشّعر والقصّة والرواية والمسرح  والموسيقى والغناء والسّياسة والاقتصاد. سأمثّل هنا باسم واحد لا غير لكي أشير إلى هذه المجالات الفكريّة والجماليّة كالإمام محمد عبده في تجديد الدين، والشّاعر أحمد شوقي، والقاص محمود تيمور، والأديب طه حسين والمفكر أحمد لطفي السيد، والاقتصادي  طلعت حرب، والممثل نجيب الريحاني، والملحن سيد درويش، والموسيقار محمد عبدالوهاب، والمغنية أم كلثوم.


عاش العرب مع هؤلاء العباقرة وبهم تجربة تحديثيّة رائدة تكمن في القدرة على إسعاد الإنسان العربيّ في أي مكان. كان السؤال الّذي طُرح آنذاك ومسّ  العالم العربي  كلّه هو:  أين تتجلّى  سعادة الإنسان العربيّ بما أن لا معنى لها إلاّ على مستوى الحياة البشريّة؟ في شعور النّاس بالرضا الّذي يحسون به نحو الحياة الدنيا، في تمنياتهم ورغباتهم ومشاريعهم  الّتي يخطّطون لها.


إنّ من بين التّغييرات الّتي حدثت آنذاك  في المجتمع  العربي بهدف السّعادة  لا شيء يكتسي أهميّة كبرى مثل الدعوة إلى  تحديث المجتمع  العربيّ في كلّ بناه السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والاقتصاديّة، وفي مشاريع جزئيّة أو شاملة، جذرية أو إصلاحيّة طبعت تلك المرحلة البديعة.


ترتب على ذلك التّحديث الاجتماعيّ والمعرفيّ أن  تغيّر فهم العرب لأنفسهم، وما تبع ذلك من تغيير في  فهم طبيعة العلم والفنّ والأدب. وإذا ما اقتصرت على الفنون فمن المعروف الآن أن ظهور نوع أدبيّ  أو فنّ تشكيليّ أو لحن موسيقي جديد يأتي جزءا من الإجراءات الطويلة والمعقدة الّتي تغير فهم النّاس لمجتمعهم، وتقبلهم لأنفسهم، قبل أن يتغيّر الخطاب الّذي يعالج خبرتهم.


غدت القاهرة  في تلك المرحلة التاريخيّة مثيرة لكلّ مواطن عربي من المحيط إلى الخليج. غدت من حيث هي ” فضاء مادي وأسطورة ثقافيّة ” في آن. وغدت فيها الحداثة أداة لتنقية الذّوق العربي، وهي بطبيعة الحال أداة  لا غنى عنها في مدينة يرتادها بدو العالم العربي وبرابرتهم.


3


ثمّ  قامت الثورة المصريّة عام 1952. ولا يخلو  تحالف “العسكر” آنذاك مع جماعة الإخوان المسلمين  من معنى ولو عند مستوى غير واضح، وهو  أن ثورة  1952 في أحد مستوياتها لم تقم  من أجل التّغيير؛ إنّما من أجل إعادة السّلطة إلى الماضي؛ لذلك فما بدا للشّعب العربيّ آنذاك  على أنّه روح جديدة في ثورة 1952 لم يكن سوى محاولة لاستعادة  سلطة الماضي وقد فُهم التّحالف على أنّه إعادة لسلطة الماضي  على الأقلّ من وجهة نظر الأخوان المسلمين.


غير أنّ ما يلفت النظر هو أنّه لم يكن هناك استبداد لكي تحدث ثورة 23 يوليو فيما لو قارنا ما بعد الثورة بما قبلها؛ إنّما هناك “عسكر” أشعلوا العالم العربي بتوحيدهم بين الثورة والقوميّة؛ أي ثورة عربيّة وقوميّة ثوريّة. تتحدّث القوميّة العربيّة بلغة الثورة، وتثير الثّورة الجماهير برفع الشّعارات القوميّة.


قبل أو بعد ثورة 1952. في الثورات الّتي حدثت في سوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر، كان هناك حياة سياسيّة، تضمن حقّ التّظاهر السلمي، وتنظيم الانتخابات الدوريّة. ثمّ تعطّلت تلك الحياة السياسيّة بابتكار أعداء في الداخل وأعداء في الخارج تحت مفاهيم الرجعيّة والإمبرياليّة. رفضت القوميّة فكرة الأوطان، ورأت فيها فكرة ورّثها الاستعمار. وقد ناضل القوميون من أجل الوحدة العربيّة. وقد ساوق فكرةَ الرباط القومي فكرةُ الرباط الدينيّ لاسيّما بعد نكسة 1967، وقد عطّل القومي والديني إصلاح المجتمعات العربيّة وتحديثها؛ لأنّ كليهما استندا إلى فكرة إحياء على المستوى الديني، وعلى المستوى الحضاريّ. وإنّه من الدّلالة بما كان أن تُسمى الأحزاب بأسماء كالبعث والنهضة والنّور والوطني.


من هذه الخلفيّة نشأت  ثقافة لا تهتمّ  إلّا بالصّراعات  مع ما كان يسمّى في تلك المرحلة  التاريخيّة بالرجعيات المحليّة والعربيّة، والاستعمار الصهيوني والامبريالي. ثقافة كهذه  لن تصنع سوى ثقافة ومثقفين مناضلين. وقد تحوّل هذا النّضال وبفعل نكسة عام 1967  إلى شعور متحفّظ إزاء الثّقافة والمثقف المناضل عبّر عنه عبدالله العروي بأنّ وظيفة المثقف ليس النّضال، إنّما ملئ  فضاء المجتمع العام.


لا أريد أن أجمد المقدّمات التاريخيّة لتحديث المجتمع العربيّ والثّقافة العربيّة في مستوى ما قبل العام 1952 ولا أن أجعل صورتها الرمزيّة جمهور أم كلثوم، لكن هذا ما يبدو من حالة المجتمع العربي الّتي أعقبت ذلك التاريخ؛ حيث تراجع انفتاح المجتمعات العربيّة، وذبل العقل، واستسلم المجتمع العربي لحالة قدريّة. إنّني أعتقد أنّه فيما لو نجحت النزعة الإنسانيّة ودعاوى التّحديث والإصلاح الاجتماعيّ والثّقافيّ والسّياسي الّتي ظهرت في العالم العربيّ  قبل ثورة 1952  لما ظهر التّطرف  في العالم العربي الحديث.


جِيل البِيتْنِكْس..أو صَخَبُ العَيْش

جِيل البِيتْنِكْس..أو صَخَبُ العَيْش

سبتمبر 28, 2017 اضف تعليق




*تيري بايل/ ترجمة : مصطفى الرادِق

الْتَقَطَ كُتّاب جيل البيتنكس على طريقتهم الخاصة العبارة السوريالية القائلة:” اهْجُروا كل شيء”.وكان أندريه بروتون قد دعا إلى النزول إلى الشارع بمسدس في اليد وإطلاق النار على الجموع بلا اتفاق. وكان السورياليون يأخذون خرائط طرقية،ثم يضعون أصابعهم صدفة على وِجهَة ما،فيتوجهون إلى الضيعة أو البلدة التي كانوا يستخرجونها من أُتون العدم. أما أفراد جماعة البيتنكس،فسيأخذون الطريق عبر القارة الأميركية؛ هذه الطريق التي طرفُها الشرقي، كما يعرف الجميع، يوجد بالشمال الغربي للقارة الإفريقية، بمواجهة جبل طارق، بالمدينة المخضبة بالبياض والتي تسمى طنجة…إذ سيأخذ التمرد لديهم شكلَ تيهٍ جغرافي،وأيضا شكلَ ثورة تركيبية / نحوية، وأخلاقية، وروحية، وجنسية .
يمكن أن نُعرّف جيل البيتنكس بأنه كوكبة التمرد. فشبابُها الأبدي يجذب على طريقة جيمس دِين. فما طالب به جاك كيرواك من أجل النثر الحديث في كتابه ( شقراء حقيقية وأُخريات) يتجاوزالسجل الأدبي الواحد. إن بحثَه المحموم عن القانون الكبير لحركة الإيقاع، بتوافق مع قوانين اللذة، يتناسب وظمأ لا يرتوي لِروائية وجودية. إن مبدأه الرابع (كُنْ عاشقا لِحياتِك ) يدعو إلى الحرية والتمرد، وإلى انتِهاك القواعد والمُواضَعات. فهل هي محض صدفة إذا كان عدد كبيرمن أفراد سديم البيتنكس قد وقعوا في نزاع مع العدالة الأمريكية؟
كل شيء بدأ بالتعارف بين بعض الأشخاص غير الخاضعين للتقاليد السائدة عام 1944 قرب تايم سكوير بنيويورك، حيث نجد كلا من الشاعر والمدمن على المخدرات هربرت هانك، وليام بوروز، وشاعر في السابعة عشر من عمره سيغدو بمثابة المُحفز للحركة، هو ألن غينسبيرغ؛ ثم لاعب كرة جامعي سيتوقف مساره الرياضي بسبب كَسْرخطير، هو جاك كيرواك. فصخب عيشهم كان رَجْع صدى لتلك الحياة التي ميزت سان جيرمان دي بريه لدى مجموعة من الكتاب الفرنسيين،الذين نجد من بينهم جان بول سارتر، وريس فيان، جان جينيه،جوليان غراك…
وعلى هامش هذه الكوكبة من الكتّاب- الجوالين،من الساحل الشرقي صوب الساحل الغربي، نجد أحد المنعزلين، هو شاعر مارَسَ مِهَناً رديئة، ويعتني فقط بالطبقة غيرالمثقفة،والذي لايتناول في كتاباته إلا الوقائع الملموسة،يقول:( هذه التفاهات لِمتشردي قرية غرينتش وباريس لاتهمني.طنجة ،الجزائر..كل هذا كلام رومانتيكي مُنَمّق).هذا المتمرد هو شارل بوكوفسكي،الذي حادت به الحياة القاسية في المجازر، والمصانع،والبريد، ومحطات البنزين،عن الزخارف الأدبية. وكان يوبخ غينسبيرغ وكورسو باعتبارهما كانا يجريان وراء التزلف، بينما هو يُحوّل كل شيء إلى سخرية مضحكة وبشعة. إنه يجسد المنطقة المعتمة للحركة، بعيدا عن الروحية الوجودية لِكيرواك.
” رأيتُ أفضل العقول في جيلي وقد دَمّرها الجنون، يَتضوّرون عُراة مُهَسترين، يُجرجِرون أنفسَهم عبر شوارع زنجية في الفجر باحثين عن إبرة خَدَرساخطة ،هبائيون برؤوس ملائكية، يتحرقون للوِصال السماوي العتيق، الدينَموالنجومي في مَكننة الليل…” كتب ألن غينسبيرغ في أحد نصوصه الملحمية ( عواء-1956).
وهذا الجيل من الفنانين يندرج ضمن حركة تحررعامة(…) ومن الأجدى أن نسجل بأن جاك كيرواك في نص معنون ب(حول أصول جيل) نُشر في مجلة بلاي بوي في حزيران/ يونيو1959، يُوضح فيه بأنه لايجب أن نفهم كلمة “بِيتْ” بمعنى مهزوم، بل بمعنى إيجابي لِشخص يتحدث لِصالح الأشياء:( أنا أُسَمَّى”بِيتْ”،هذا يعني أنني أومِن بغبطة بالغة ، وأن الله قد ضحى بابنه الوحيد في سبيل حبه الكبير للعالم).والتمرد ينفتح كذلك على العالم الروحي سواء كان بوذيا أو مسيحيا .
إن جون كليلون هولمس قال عن هذه المَجرة المُهَلوِسَة في مقالة جد متميزة نُشرت في عدد من مجلة نيويورك تايمز في 16تشرين الثاني/ نونبر1952؛ هذه المقالة الشهيرة تنتهي هكذا:( يُعتبر شخص ما “بِيتْنِك”،حينما يُعلن إفلاسَه، فيُراهن بكل ما تبقى له على رقم واحد .وهذا هو ما لمْ يتوقف الجيل الشاب عن فعلِه منذ صباه ).
وإذا كان البيتنيكيون عائدون في نهاية هذا القرن،فهل يجب أن نُعلِن بصوت مرتفع وقوي أن القرن الحادي والعشرين سيكون بيتنيكيا أو لايكون ؟ هناك إغراء كبيرفي الإعتراف بتأثيرهم القوي في بعض تقليعات الموضة، والتطورات الإجتماعية منذ عقود،لِنذكُر: بوب ديلان، البيتلز،حركة أيار/ ماي 68، هلوسة الأعماق، مهرجان وُودْ سْتُوكْ، موجة البَّانْك، انتشارالبوذية، كُورْتْ كُوبِينْ، طريق كاتماندو، وخيالاتٍ أخرى مُحَرِّرَة …
إنه لَمِن المناسب اليوم أن نُعيد نسج لوحة التشعبات البشرية التي شكلت مَجرة ( المتسكعين السماويين) مُعَززة بالصور. حيث نجد على صفحات ألبوم العائلة صُوَرالكائنات التي لامفر منها: كيرواك، غينسبيرغ، نِيل كاسادي، غريغوري كورسو…دون نسيان السيدات، بدءاً من كارولين كاسادي التي تعتبر بمثابة لو أندرياس سالومي بِجيل البِيتْنِكس ؛وهي زوجة نِيلْ كاسادي الذي كان يَلتَهِم الذوات والأميال على متن سيارته عبرالقارة الأمريكية ، بالإضافة إلى كونها عشيقة جاك كيرواك. فالبيتنيكيون لم ينتظروا أحداث أيار/ ماي 68 لِيَتَبنّوْا المبدأ المقدس(السِّلم والحب). فتحتَ جسورمانهاتن وإيطاليا الصغرى، إلى سان فرانسيسكوكان يمتد شاطىء جيل البيتنكس…
هناك وجوه نسائية أخرى أنجزتْ دوراً متفوقا داخل حركة البيتنكس، مثل: جويس جونسون، إيدي باركر، جوان فولمر…فَريحُ الرفض التي هَبّتْ الآن سَمَتْ بِالبُعْد الأدبي الوحيد، إنها مدرسة للحياة، نَشيد للحرية، فَضْح وتعرية أمريكا الطهرانية والنكوصية. دَعوة إلى التمرد. وهذا ما أوْجزَه فرانسوا دوفال في هذه العبارة :” لَدى جيل البيتنكس الأدب والحياة ليسا أبدا مُنفَصِليْن؛ إنهم يوجدون على الطريق، وليسوا أبدا سَجينِي غرفة، فترة طويلة ، على طريقة فرجينيا وولف “.
حنق العيش بالنسبة لهؤلاء الرحالين المُدمنين يتجسد في أسلوب فنهم للعيش.فَلِكَيْ يصل إلى سان فرانسيسكو قادما من تيكساس، بعد أنْ حملتْهُ في سيارتِها” امرأة شقراء صَميمة” (شقراء حقيقية وأخريات)،اقترَحَ المؤلف على سائقته الحسناء علبة بنزدرين..؛ فالبحث عن المفرط،عن الخارق وغيرالمألوف،عن الفوق طبيعي،عن السريع،عن الشاعري، يمرأيضا عبرالمُنَشِّطات، شيء صالح للتحليق في السماء السابعة. وبينما كانت كارولين تُلهِب النظام الشمسي لكل من نِيل وكيرواك، وبينما كان كيرواك يكتشف بفضل رسائل نِيل، تلقائية الكتابة التي سيتّبعُها في إبداع روايته (على الطريق)،كان هناك كاتب آخرلا يصيح إلا بما هو مُختصَر ولا رومانسي.
شارل بوكوفسكي: طفل ملعون، و بَط أعرج بِجيل البيتنكس،والذي سيعرف النجاح متأخرا.ففي سنة 1967 صَبَّ سيْلاً من اللعنات بِحَوْلِيَتِه بِمجلة أوبّْنْ سِيتي.فكل تمرده كان ينصبّ على السلطة والمجتمع الأمريكيين.لقد حاز الشهرة بِنشره لِكتبه: (انتِعاضات)،(استمناءات)،(عروض وحكايات عامة حول جنون عادي).. وهوالذي قال: ” الحب يتخذ شكل حادثة “.
وفي المُحادثة الشيقة التي خَصَّ بها جان فرانسوا دوفال،يذكر: (أية شُلة من المُتَنفّجين..لم يكن هناك سوى أشخاص جالسين على شكل دائرة ويتحدثون عن كتبهم).إنه تَعَرُّفٌ سَيء على الطفل الرهيب لِجيل البيتنكس.ألاَ يكره الكُتّاب الذين لايتحدثون إلا عن الكتابة، بَدَل الحديث عماهوواقعي؟ وأضاف(إنني أفضل الحديث مع مُصَلح أنابيب).فهل ينبغي تَخطيئه؟
(…) وخلافا لِنبوءة غينسبيرغ التي مَفادُها أن نجم بوكوفسكي لن يتأخر عن الشحوب ، لم يزد صيت هذا الكاتب الجليل إلا تَعاظما.
(…)وأخيرا فالمُصوَّرالجغرافي(أطلس) لهذه الحركة يلزمُه أن يكون مرفوقا بِقراءة لِلأعمال التي أنتجَتْها، وزيارة أماكن التيه بالقارة الأمريكية، دون فصل ذلك عن الإيضاحات التي صنعَها أفراد جيل البيتنكس.
_ عن ماغزين ليترير(المجلة الأدبية الفرنسية) بتصرف.
عدد 365 / ماي 1998_
إشارة :**
لقد احتفظنا بالترجمة العربية التي أنجزها سركون بولص للمُجتزأ الشعري الوارد في هذه المقالة،من قصيدة ” عُواء” لألَن غينسبيرغ، والمنشورة بِأحد أعداد مجلة ” الكرمل “.
_________________________
شاعر ومترجم من المغرب* 

أحمد الملا... ليكما أن تجدا الشعر معا

سبتمبر 27, 2017 اضف تعليق

الى أليهاندرو مورقيا

على هذه الكلمات 
أن تصل
دونَ كلفةِ المعنى 
أن تراها تتحرّك في الظلام 
مُغمضَ العينين 
أن تلدَك في الجهةِ الأخرى من الحياة 
دونَ دليلٍ ولا أم 
كلماتٌ تسمعُ رنينَها 
عندما تفتحُ عينيك 
وتقرأُ حركاتِها اللا إرادية 
عليها أن تمضيَ بك 
وحدَك من بين الجموع
لائذاً بها من الخوف 
والرهبة
عليها أن تنسى أين تقف 
وتُنسِيك أين تقف
من أين جاءت 
وأين ستذهب 
من هي 
ومن أنت 
عليكما أن تجدا الشعر معا 
وإلا ما جدواه.
———
أحمد الملا 
25 أكتوبر 2017 
سان فرنسسكو
وفاة عادل عبد الله الحاج علي

وفاة عادل عبد الله الحاج علي

A سبتمبر 25, 2017 اضف تعليق
انا لله وانا اليه راجعون

الحاج عادل عبد الله الحاج علي
زوجته فائقة عبد الله حمدان
أولاده كريم زوجته مي عادل خليفة وربيع زوجته مايا التل
ابنته رندة زوجة رامي حلواني
شقيقاه المرحومان غالب ومختار
شقيقاته فاطمة وبهية وسميرة وفدوى
الاسفون ال الحاج علي وحمدان وحلواني وخليفة والتل والصبوري وحامد وناصر وعموم  أهالي مدينة النبطية
الدفن اليوم في النبطية الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر
وتقبل التعازي بعد الدفن في منزل ابن شقيقه الحاج باسم الحاج علي اول طريق ميفدون في مدينة النبطية. وفِي بيروت، يوم الجمعة من الثالثة حتى السابعة بعد الظهر في الجمعية التخصصية.

هلال شومان... حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟

سبتمبر 25, 2017 اضف تعليق

حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟

صورة: حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟
دائمًا ما أتناقش مع أصدقائي الفلسطينيين في تفاصيل ماهية التطبيع. بيننا «أخذ وعطا». نتحدَّث في مدى «موضعية» حركة الـBDS التي تقارب اللا سياسة، وفي ضرورة وجودها في الوقت عينه.
يخبرونني عن أزمات فلسطينيي الداخل وعن توقهم لزيارة بيروت. يفيض آخرون منهم عن كون أزمات فلسطينيي الداخل أزمات «كماليات» قبالة الخنق اليومي للحياة في غزة. نتكلَّم في مدى كون الثقافة نفسها واحدة من الكماليات أو في كونها فعلًا يخوض في الممنوع ضمنيًا ويدفع تجاه ما ليس متاحًا. يتطرقون للتنسيق الأمني. أخبرهم عن عدم فهمي لسبب وسم مهرجان ثقافي في فلسطين بـ«التطبيع»، في مقابل السكوت عن مهرجان آخر.
نتحدَّث عن استخفافنا بالأعمال التي يصفها صناعها بـ«الانسانية»، متخففين من  لفظ «السياسة»، وعن كرهنا للأعمال التي تدعي التسيّس، بينما هي خطاب ما بعد حدثي واعظ وآمن حفظناه بتكرار الأحداث.
عوضًا عن النقاش المؤسِّس عن الهوية الجامعة، تُستحضر مزاجات وطنية مع كل فاجعة تتسبب بها ميليشيا من ميليشيات تحالف الحكم، ثمَّ يتمدد المزاج إعلاميًا وشعبيًا بشكل يقبض القلب
قبل الخوض في حديث التطبيع «اللبناني»، يجب إيضاح بضعة أمور. اتَّجه لبنان نحو اللا سياسة منذ زمن. ضمرت السياسة في الـ12 عامًا الماضية على دفعات. في لبنان، المسألة مقلوبة. السعي لوجود دولة هدفه استعادة السياسة وإخراجها من منطقها العصابي. وهو سعي إن توقَّف عند الحد الذي توقًّف عنده مع نهاية الحرب الأهلية (أي إيقاف النقاش الفعلي عن هوية البلد وعدم الخوض في نقاش ماهية الأمة/الشعب اللبنانيين)، فسينتهي إلى ما انتهت إليه الدولة حاليًا: تجمعاتٍ لتوافقات عائلية وحزبية ومذهبية ومصرفية تتفاوت بحسب ميزان القوى ومع قوة منع طاغية يحوزها حزب مسلح.
عوضًا عن النقاش المؤسِّس عن الهوية الجامعة، تُستحضر مزاجات وطنية مع كل فاجعة تتسبب بها ميليشيا من ميليشيات تحالف الحكم. ثمَّ يتمدد المزاج إعلاميًا وشعبيًا بشكل يقبض القلب، أولًا لأن المزاج المفروض يفتقد للأصالة، وثانيًا لأنها علامة إضافية على مزاج النكران الطاغي لماهية توازن الحكم، وثالثًا لأن هذا المزاج يتَّسم بعنف كامن وهستيريا عنفية (ولو كلامية) لا معقولة. لذا ينتهي الأمر في لبنان، لأن يصير الخطاب الميليشياوي رافعةً للخطاب الوطني، ولأن يبدوَ أكثر الخطابات تماسكًا.
تل أبيب كما تظهر في فيلم الصدمة لزياد دويري
لهذا لم يكن مستغربًا أن تقف كل الميليشيات و«شعوبها» ومثقفيها وصحافييها قبالة حركات صغيرة مضيئة، مثل مظاهرات «النفايات» أو خوض مدنيين لتجربة الانتخابات البلدية، إما بالتخوين أو بالهزء أو بالاصطفاف والتحالف المواجه. في لحظة حدثية واحدة، وعند أول احتكاك فعلي لهذه الحركات بالسياسة، أمكن للمنظومة أن تصطف في نمط عصابي واحد، وأن تهضم الحدث.
في لبنان، يمكن لعضو مؤسِّس في حملة المقاطعة أن يتهم، هو والحملة، كاتبًا مشهورًا بكونه أحد أبرز مرسيي السرديات الفلسطينية الروائية، بـ«التطبيع»، وأن تبقى دار النشر التابعة لعائلة العضو تنشر للكاتب رواياته في نفس الوقت. يمكن للعضو المؤسِّس نفسه «تخفيف» حدة اتهامه لإدوارد سعيد (مقارنة بمتهمين آخرين) بـ«التطبيع»، لتعاونه مع موسيقي إسرائيلي، وأن تبقى الدار، بالطبع، تنشر كتبًا لسعيد.
أما الصحف، فأين نبدأ من الصحف؟ من واقعة تقلُّب صفحة ثقافية بين اتهام سينمائيين مصريين بالتطبيع في مهرجان كندي، وبين إسباغ الوطنية عليهم بعد يوم أو يومين؟ أو من كون العمالة حصرية لرئيس تيار سياسي، بينما يُطنَب المديح لوزير إعلام من التيار السياسي نفسه، بوصفه منقذًا للصحافة الورقية، فقط لأنه يقترح أن تدفع الحكومة 500 ليرة لبنانية عن كل عدد ورقي للصحف اللبنانية؟ من واقعة قرار رئيس تحرير الصحيفة أن محمود درويش «مزق تاريخه»، وطلبه منه مواصلة اللحاق بالصبايا اللواتي لم يحصل عليهن، فقط لأنه قرر الذهاب إلى حيفا؟ من أين نبدأ؟
هذا مدخل بسيط يشرح كيف تخرِّب مجموعات ثقافية وصحافية، بشكل مؤسساتي، الثقافة، عبر اعتمادها الخطاب الوطني النفعي. هذا المدخل ليس تهربًا من النقاش، ولا هو مقدمة للدفاع عن زياد دويري، المخرج حامل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، والذي صودر جوازا سفره في مطار بيروت ليوم، بعد عودته من مهرجان البندقية حيث عرض فيلمه الجديد «قضية رقم ٢٣»، واستُدعيَ للمحكمة العسكرية، وأُفرِج عنه.
مشهد من فيلم الصدمة
لقد قيل كل ما يجب قوله، قانونًا وأخلاقيًا وفنيًا وسياسيًا، خلال السنوات الماضية، عن ذهاب المخرج لتل أبيب وإقامته فيها، وتصوير فيلمه السابق «الصدمة» عام ٢٠١١ مع طاقم عمل فلسطيني إسرائيلي مشترك. كُتِب أيضًا الكثير عن مضمون فيلمه السابق، أو في الردّ على المتوازية اللا معقولة للفن والسياسة، ويبدو أن المخرج يحسن صنع الأفلام أكثر من الكلام أو تبرير أفعاله. لكنَّ استدعاء القضية والنقاش الآن بمثابة تنمُّر غير مفهوم سيخمد بفعل توازنات سياسية/مصرفية يحتمي بها المخرج نفسه.
كلما فُتِح موضوع التطبيع أفكِّر في الأسئلة التالية:
١- هل تخدم مقاطعة هذا العمل فلسطين والفلسطينيين؟
٢- هل أكون، بإعلاني لموقفي، جزءًا من حملة سياسية محلية، أكثر من كوني مفيدًا للقضية الفلسطينية؟
٣- هل أشارك بموقفي هذا في الدفع نحو إقصاء أو عنف عصابي يسهل حدوثه أصلًا في لبنان؟
٤- هل يفتح العمل محل المقاطعة الباب أمام سابقة يمكن تكريسها بالتتابع، وتضر بالقضية الفلسطينية؟
٥- ما جدوى مقاطعة الأعمال التي تمكن مشاهدتها على الانترنت؟
٦- هل يندرج العمل محل المقاطعة ضمن سياق مؤسساتي ثقافي/مالي لتطبيع وجود «إسرائيل»؟
تتفاوت الإجابات عندي في كل مرة، ويختلف الموقف باختلاف السياق. لكني، ورغم تفاوت إجاباتي، أشعر بوجوب ضبط النفس وعدم الركون لموقف عنفي لفظي أو إقصائي من جهة، وعدم الانزلاق إلى ذلك الاستقطاب الذي يستسهله لبنانيون في الضفة المواجهة  لحملة المقاطعة، عبر كلامهم عن تحضُّر «إسرائيل»، وعن «عزل الفن عن السياسة» وعن « خلصونا بقى!». ما أفكِّر فيه أولًا  هو أصدقائي الفلسطينيون، ولا يعنيني الخطاب الوطني في لبنان ولا الخطاب المواجه.
أمّا ما حدث مع قضية زياد دويري، فهو أنه جرى القفز من فعل المقاطعة، للمطالبة بالمحاسبة، للدفع نحو المنع الضمني لعمل فني جديد، لاحتجاز مؤقت لشخص بعد خمس سنوات من الفعل الأساسي، عبر مناشدة السلطات الأمنية، ومن ثمَّ توجيه التحيات لهم، وإعلان الانتصار. والمطلوب؟ اعتذار! كل هذه «الهمروجة الصحافية» كانت من أجل اعتذار. أي مشاهد للأخبار اليومية في لبنان، يمكنه إدراك مدى سماجة مثل هذا الطلب.
غريب أن تُبنى حملة مقاطعة دعمًا لفلسطين على توجيه مناشدات وتحيَّات للسلطات الأمنية، ومستهجَن أن تلعب الصحافة اللبنانية دور «المخبر الأمني» تحت عناوين مثل «المحاسبة» و«الخطاب الوطني».
أما فيلم دويري الجديد، والذي زُجَّ به بعد أشهر من الأخبار عن صناعته في هذا الصراع المستعاد، فيبدو أنَّه جزء من صراع سياسي داخلي، سواء عبر موضوعه أو عبر تمويله المصرفي (القواتي). رغم كل ذلك، يبقى مكان الفيلم الصالات، ويبقى مكان النقد (لا الإخبارات الأمنية) الصحف. ويمكن بعد المشاهدة تحديد إن كان الفيلم الجديد هو خطوة ثانية في مسار «سياسي» بدأه صاحب «ويست بيروت» مع فيلم «الصدمة» قبل سنوات، أم أنَّ ما شهدناه في الأيام الماضية كان محض نكايات على الطريقة اللبنانية المعتادة.
يبقى سؤالان أساسيان في ما حدث: أين صارت السياسة في لبنان؟ وهل هذا بالفعل ما تبقى من الصحافة اللبنانية؟