بين محمود درويش وسميح القاسم وسيرة فلسطين:

أغسطس 27, 2017 اضف تعليق


د. عبد الواحد لؤلؤة
Aug 26, 2017

آب… من أقسى الشهور، لا بحرارته الفظيعة في كثير من بلاد العالم، وحسب، بل لأنه ليس مثل «نيسان من أقسى الشهور/يولّد الليلك في الأرض الموات» كما يقول ت.س.اليوت، فهو شهر يولّد الأرض الموات في أرض ليلك الشعر الفلسطيني. ففي التاسع من آب/اغسطس 2008 رحل عن عالم الشعر العربي الحديث واحد من أبرز رواده: محمود درويش. وفي التاسع عشر منه من عام 2014 لحقه إلى دار الخلود «شطر البرتقالة الثاني» سميح القاسم. وبذلك غدت أرض الشعر العربي الفلسطيني أرض موات. وليس في الأفق اليوم ما يبشر بظهور نجم جديد في سماء الشعر العربي المعاصر.
التقيتُ محمود درويش أول مرة في أواخر عام 1970 ببغداد، في عشاء تكريمي أقامته وزارة الثقافة في متنزّه الزوراء. كان يجلس إلى جانب زوجته رنا قباني وحولنا عدد من الشعراء والأدباء، لا ينقطعون عن الصخب والضجيج وتوجيه الأسئلة إلى محمود، وهو يزوغ بالاجابة، لأن أغلبها كان ذا طابع فضولي، ويتشاغل بإشعال سيكارة من أخرى، وينفث دخاناً أحسبه كان نوعاً من التبرَم بأسئلة كان أغلبها غريراً، إن لم أقل غير ناضج. كنت أنا الوحيد الصامت بين الجمع، أنتظر أن أسمع محمود يجيب عن أي سؤال أو يقول أي شيء. فنحن قد جئنا لنحتفي بالشاعر ونسمع منه، لا أن نمطره بوابل أسئلة. ولا أحسب أن محمود قد خرج مسروراً من تلك الجلسة. فأنا لم أسأله، لأنه بدا محرجاً قليلاً. وكانت آخر مرة التقيت محمود في عمان بالأردن، في حدود سنة 2003. كنا وحدنا في مقهى فندق جميل. كان هو يسألني أسئلة مختصرة عن شعراء العراق وعن أعمالي في الترجمة، وبخاصة «الأرض اليباب». وكانت السيكارة لا تفارق إصبعيه الاّ إلى شفتيه، وأنا أكرر نصائحي غير الحكيمة عن مضار التدخين، وبخاصة على شاعر في مثل عمره، لا نريد للسيكارة أن تحرق شيئاً من أنفاسه، فالشعر أحق أن تنفثه أنفاسه، لا الدخان. ولكنه كان يبتسم استخفافاً بنصائحي الحكيمة!
أنا أعرف، كما يعرف محبّو محمود أنه قضى إثر عملية في القلب. ولكن شكوكي غير الطبية أن التدخين كان له آثاره على قلب ما توقف يوماً عن الخفقان بحب فلسطين. والتدخين كان حتماً وراء إصابة أخيه الشاعر الفلسطيني، آخر العنقود، سميح القاسم، بالسرطان، كما أخبرني شخصياً، وأكد ذلك له طبيبه في فلسطين. وقد ذكر ذلك في كتابه النثري الأخير «إنها مجرد منفضة» (2006 نشر في حيفا 2011). وللكتاب عنوان فرعي لا يخلو من طرافة ساخرة: «سيرة: الجزء قبل الأخير».
أحسبُ أن لهذه «السيرة» أهمية خاصة لدارسي شعر سميح، وهي أهمية لم يغفل عنها الباحثون من غير العرب في دراسة شعرهم. فما يذكره الشاعر عن حياته الخاصة وعن خبراته في الحياة تنير الكثير من إنتاجه الشعري. إضافة إلى ذلك، أعتقد أن لهذه السيرة أهمية ثانية إلى جانب أهميتها في إضاءة جوانب من شعر سميح. هذا شاعر شب تحت الاحتلال لبلاده، وعانى الكثير مما يجهله أغلبنا، ومن الضرورة الا نجهله. من فصول هذه السيرة، التي لا تقع في فصول، إنما هي قصة حياة الشاعر منذ طفولته وهو في حدود السنتين من العمر، في انتقاله مع والديه من مسقط رأسه في الزرقاء بالأردن إلى أقامته في أرض العائلة في الرامة في الجليل الأعلى، الرامة التي لم يغادرها أبداً إلا إلى مستشفى صفد يوم 18 من شهر آب/أغسطس، ثم فارق الحياة في اليوم التالي. فصول هذه السيرة حلقات متسلسلة، تحفل بالكثير من الشعر، وبالأسماء الكبرى من شعراء وأدباء، عرب وغير عرب، تضيء المزيد من معرفتنا بمواقف أولئك الناس من القضية الفلسطينية، وتضيف أبعاداً أخرى على مفهوم القضية، مما يشكل نوعاً من «ضد اليأس» من موقف العالم، في مقابل الدعاوة الخبيثة للعدو.
مواقف بعض المفكرين والسياسيين في صفوف قوات الاحتلال، وتفهّمهم الإنساني لقضية الشعب العربي في فلسطين تدهشنا حقاً، وتُعطينا بصيصاً من الأمل أن العالم لا يخلو ممن يرى الحق والعدل. هذا قد لا يؤدي إلى «حل» للمشكلة ولكنه يحافظ على جذوة الأمل لئلا تخيم عليها غيوم اليأس، ليبقى الكفاح متوقداً، وهو ما يجب أن يؤتي أكُله ويبقيه حياً في نفوس الأجيال الجديدة.
رأيت أن صُوَرَ الحياة هذه في فلسطين المحتلة يجب ان تنقل للقارئ الأجنبي بلغة عالمية هي اللغة الإنكليزية. وكنتُ في حياة الشاعر وخلال لقاءاتنا العديدة واتصالاتنا بالهاتف والإيميل خلال السنوات اللاحقة أثناء إقامتي في كمبرج نتداول حول ترجمة شعره إلى الإنكليزية، وقد صدرت لي مجموعة منتقاة من قصائده نشرتها جامعة «سيراكيوز» في نيويورك عام 2014. وبعد وفاة الشاعر وجدتُ أن «السيرة» يجب ان تنقل إلى الإنكليزية ليرى العالم المكمّم بالدعاوة المعادية أن الإنسان الفلسطيني، والمثقف والشاعر بخاصة، يقف على قدم المساواة بين الأفضل من البشر. وفي السيرة الكثير مما يصور ذلك.
وقد أنجزتُ ترجمة «إنها مجرد منفضة» وتقوم بنشرها دار نشر كبرى في لندن وستصدر خلال الأسابيع القادمة. ولم يكن الحصول على ناشر في بريطانيا مسألة سهلة، لأن الناشرين في العالم الغربي يحسبون ألف حساب لمادة الكتاب، ليس أقلّها عدم إثارة غضب «أولاد العمومة» الذين لا يخلو من تأثيرهم أي مجال من مجالات الحياة في الغرب، والمجالات الثقافية بخاصة.
وحكاية «المنفضة» هي حكاية شاعر مفرط في التدخين حتى قضى عليه. فهو يكرر في نهايات «الفصول» عبارات مؤلمة مثل «ما نار الشعر إلا منفضة لنار الحياة» (ص170). «ما الجسد إلا منفضة لرماد الشعر» (ص 170) هذا ما اختتم به مقطعاً كتبه في 22/10/2004. في فجر ليلة طويلة من الكتابة. وهو يكتب الشعر ويدخن حتى الرابعة وثلاث دقائق من فجر الأحد 2/10/2005 (ص 286). وفي الصفحة الأخيرة من هذه السيرة (ص358) يكرر «منفضة… إنها مجرد منفضة» بتاريخ الرامة 2/5/2006. ثم طبع الكتاب في حيفا عام 2011.
ونار الحياة التي يتحدث عنها الفلسطيني الشاعر السجين في وطن هي نار السعي في سبيل لقمة العيش. بعض الشباب كان يعمل في التعليم أو في إحدى المصالح الحكومية التي لا تنجو من ملاحقة سلطات الاحتلال، فسرعان ما يفقد الفلسطيني وظيفته. ويكتب الشاعر قصيدة بعنوان «خطاب من سوق البطالة»: «حملتُ الجوعَ زوّاده/ ورحتُ مبكراً للشغل كالعادة/ فلم أعثر على عملي/ ولا وردي ولا خبزي ولا أملي/…وتتكرر قصص البحث عن عمل لا يلبث أن تتدخل سلطات الاحتلال الصهيوني لإلغائه وإرغام الفلسطيني على العودة إلى «سوق البطالة». والعمل في الصحافة مع محمود درويش كان يتهدده احتمال الفقدان بتدخل سلطات الاحتلال. وحكايات «الجوع المشترك» مع محمود والآخرين فيها كثير من السخرية المؤلمة. والأجواء المحزنة في هذه السيرة/الرواية يُخفِّف منها بين الحين والآخر لقاءات غير متوقعة في هذا المهرجان الشعري أو ذاك، في هذا البلد الأوروبي أو ذاك مع شخصيات مثل أحمد بن بلاّ، ويوسف زعيّن، ونزار قبّاني، وعبد الوهاب البياتي، ومحمد الفيتوري، والجواهري، وعدد من شعراء روسيا وبعض بلاد أوروبا الشرقية. في كل لقاء من هذه اللقاءات تتشكل صور خبرات متجددة، ومعلومات مفيدة وطريفة للقارئ … ومن المصادفات العجيبة التي تستعصي على التصديق أن زوجة موشي دايان تتصل بالشاعر الفلسطيني سميح القاسم وتدعوه لحضور جلسات جمعية شكّلتها لتحسين العلاقات بين العرب واليهود. فلما شرح سميح لها صعوبة حضوره إلى تل أبيب لأن زوجها دايان الوزير قد حكم عليه بالإقامة الجبرية في داره ما كان من زوجة دايان الا أن ساقت سيارتها الخاصة بنفسها من تل أبيب إلى الرامة واصطحبت سميح إلى جمعيتها ثم عادت به سالماً إلى الرامة. ماذا كانت زوجة دايان تريد؟ وكيف كان شعور سميح وهو لا يكف عن التحدي؟ وحادثة أخرى يوم جاء يهودي مهاجراً من أمريكا الجنوبية، وسرعان ما استُدعيَ للخدمة في الجيش، فتعرف على سميح الذي كان يبحث عن سكن. فطلب منه ذلك المهاجر الصهيوني أن يقيم في داره لحراسة زوجته وطفله… بالمجان، ريثما يعود من الخدمة.
هذه، وأحداث غيرها تجعل هذه السيرة قراءة ضرورية ممتعة.

زكريا تامر...من شيد كل هذه القلاع؟

أغسطس 27, 2017 اضف تعليق

كان العقيد أديب الشيشكلي بطل الانقلاب الثالث في سورية رجلاً متواضعاً، فلم يأمر بمنح شخصه رتبة جنرال أو ماريشال مع أنه خاض معركة كبرى وانتصر فيها على عدو خطير هو الديمقراطية وحرية العمل السياسي والحياة النيابية، وأقدم كأي بطل انقلاب عسكري على حظر كل الأحزاب السياسية باسم صون صالح البلاد والعباد، ولكنه ألف فيما بعد ما يشبه الحزب السياسي، وأسماه " حركة التحرير العربي "، ودعا كل الراغبين في ممارسة العمل السياسي إلى الانتماء إليها والنضال تحت رايتها، فزحف إليها كل راغب في وظيفة حكومية وكل من يتوق إلى نيل رضا السلطة الحاكمة وكل خبير في النفاق، فكان أديب الشيشكلي رائداً بحق، سيقلده فيما بعد كثيرون.
وكأن أديب الشيشكلي عندما أقدم على تأليف حركته كان يتنبأ بما ستؤول إليه حركة التحرير التي ستجتاح الوطن العربي بأسره، فإذا التحرير في المجال السياسي يوفق في إلغاء الاستقلال، ويحول الوطن العربي إلى ما يشبه مستعمرة من نوع جديد، لا ترهق مستعمرها، ولا تضطره إلى إرسال الجيوش وتعيين المفوضين السامين، فالحاكم العربي هو الذي يؤدي هذه المهمة بنجاح وإتقان وسرور وبأرخص الأسعار، وإذا التحرير يبتدع سوقاً جديدة للراغبين في استثمار اللحى وسطوتها على السذج والمخدرين بالتخلف والفقر والقهر، وإذا التحرير يخلق عالماً متخماً بأوامر الحظر والنهي والمنع، ويطمح إلى أن يحول الناس أجمعين إلى قطيع لا أثر فيه للعصاة والمتمردين، وإذا التحرير لا يحرر لا أرضاً ولا بشراً، وإذا العيون لا مهمة لها سوى أن ترى الطريق السوي وتتجنبه بعزة وكبرياء، وإذا الألسنة لا غاية لها سوى تمجيد اللصوص والقتلة، وإذا الرؤوس لا دور لها سوى أن تكون وسيلة للتعبير عن الخضوع والخنوع، وإذا الأيدي ترحب بالأغلال غير المرئية وتعبد صانعيها.

في سلوفينيا.. شعراء برتبة «عسس حدود» يخرجون من «غابات مقدسة»

أغسطس 26, 2017 اضف تعليق
2

سعيد خطيبي


كان الشاعر السلوفيني بوريس نوفاك (1953) يقول متحسرا: «أن تكتب بلغة لا يفهمها أكثر من مليوني شخص فأنت كمن يكتب للفراغ». ولأن الفراغ يطغى على الضجيج في سلوفينيا فإن «الصمت يصير لغة لا يفهمها الآخرون» يضيف. السلوفينية ليست مجرد لغة أو عنصر من الهوية، بل هي أكبر من ذلك، إنها قضية سياسية، سلاح مقاومة، مسلك التحرر، هي الهوية نفسها، فالبلد كله تأسس على العنصر اللغوي، لا يربط بين الشعب السلوفيني أكثر من اللغة، هذا «الوطن» وُلد من لغة مشتركة وليس من حروب مكررة، هكذا تصير اللغة، ومعها الأدب (خصوصا الشعر) مسألة حساسة، مسألة بقاء، والشعراء ليسوا مجرد طبقة عادية من الكتاب، بل هم عسس الحدود، أو في مرتبة «الرهبان» كما قال توماج شالامون (1941- 2014)، يخرجون من «غابات مقدسة»، حاملين «اللغة» على أكتافهم، مثلما كان يحمل المسيح صليبه..

من النادر أن نجد بلدا ينتصب فيه تمثالان اثنان للشاعر نفسه، لا يفصل بينهما أكثر من أربعين كيلومترا، كما هو حال الشاعر فرنسي بريشرن (1800- 1848) الذي غالبا ما يُختصر في كونه كاتب النشيد الوطني لسلوفينيا، لكنه أكبر من ذلك، فهو واحد من مجددي اللغة، أو بالأحرى هو من رفعها من لغة ارتبطت كثيرا بالمعتقد الديني إلى لغة أدبية بامتياز. هو من وجوه الرومانسية الأوروبية، أعاد تجديد القصيدة شكلا وإيقاعا. رغم أنه عاش متأثرا بالشعرية الألمانية، فقد أوجد لنفسه، في السنوات الأخيرة من حياته، حساسية مختلفة، تظهر في نصوص له كتبها (وقد نشرت أعماله بعد وفاته في ثلاثة مجلدات كاملة). رغم أنه أكمل تكوينه الأدبي والمعرفي في فيينا، فقد خاض خيارا مختلفا، سيستمر مع أجيال من الشعراء من بعده، فهو لا يقسم القصيدة إلى وحدات سلابية (كما في الشعر الألماني أو الفرنسي)، بل إلى وحدات أخرى هجينة: نغمة ـ سلابية، أي هو مزج بين التقسيمين الشعريين الألماني والإيطالي. هذه الخصوصية في الشعر السلوفيني كان لها أثر في كتابات استمرت حتى بدايات القرن الماضي، لكن الإشكالية تظهر عند كل محاولة ترجمة شعر أجنبي آخر إلى السلوفينية، حيث المعايير والوحدات ستختلف، وتحت تأثير الترجمات ـ نظرا لحركة الترجمة النشيطة في البلد ـ أخذت أشكال الشعر السلوفيني تتعدد وتنفتح، بعدما عاشت طويلا تحت تأثيرا كتابات فرنسي بريشرن. 

من المهم التوقف ـ قليلا ـ عند حالة فرنسي بريشرن، لأن حياته وتجربته تعكسان جزءا من التحولات الأدبية، التي عرفها البلد، فهو بدأ قارئا لفرنشيسكو بتراركا (أي كلاسيكيا) وانتهى شاعرا من موجة الرومانسية الألمانية (متأثرا بأوغست شليغل)، قبل أن يعود إلى الكتابة بلغته الأم. هو صورة مصغرة من التقاطعات الإيطالية الألمانية في بلده، لم ينحز لأي منها، بل مزجها ليصنع منها هوية شعرية مستقلة له. كانت كتاباته مأخوذة من تجارب شخصية، عن نساء عرفهن، مثلما كتب عن «أورشكا»، التي كان يعتقد أنها أجمل نساء ليوبليانا، كان يصفها ﺑ»نجمة الصبح»، قبل أن تغرق في نهر ليوبليانتيسا، ويرثيها في نص «سيد الماء»، كما كان يكتب أيضا، بشكل مُبالغ فيه أحيانا، عن كل الأشخاص الذين عرفهم أو التقاهم ـ ولو بشكل سريع ـ ثم رحلوا عن عالمه. كان متأثرا بفكرة الموت. ترك بريشرن نصوصه الشعرية، التي كانت منشورة في جرائد ومجلات، قبل أن تجمع في مجلدات، مات قبل أن تولد الجمهورية، ليصير ـ لاحقا ـ أيقونة شعرية، في البلد، ويصير يوم وفاته (8 فبراير/شباط) يوما للثقافة، وعطلة مدفوعة الأجر، في سلوفينيا. 
أولى النصوص التي كتبت باللغة السلوفينية تعود إلى القرن العاشر ميلادي، كتبها رجل دين: بريموش تروبار (1508- 1586)، الذي قام بتوحيد كل اللهجات، في البلد، دمجها في لغة واحدة ووضع قاموسا لها. لكنها ظلت لغة مرتبطة أكثر بالكنيسة، ولم تتحرر سوى بعد قرون من ذلك، ويمكن القول إن بريشرن هو من رفعها إلى لغة أدبية مكتملة، لتتواصل من بعده تجارب أخرى مهمة شعريا. بعد رحيل بريشرن، حصل الانتقال الطبيعي، من الرومانسية إلى الواقعية، وكان من المنطقي أن يتراجع الشعر لصالح النثر، لكن بعد الحرب العالمية الأولى، عاد الشعر مجددا، مع التجربتين الرمزية والمستقبلية، ثم جاءت السريالية متأخرة. في هذه الفترة سيظهر أوتون جوبانشيش (1878- 1949)، الذي كلف نفسه مشروع قيادة الحركة الحداثية، في سلوفينيا، برفقة كل من إيفان سانكار، الذي سيهجر الشعر ويتفرغ للمسرح، وجوسيب مورن. سيلتحق بهذه المجموعة، شاعر شاب، لم يعش أكثر من 22 عاما: سريشكو كوشوفيل (1904-1926)، يحلو للبعض أن يسميه «آرتير رامبو» الشعر السلوفيني، كان رائيا، ورافضا للشعرية الكلاسيكية. لكن الأصح أنه كان شاعرا تراجيديا، عاش حياة وجودية قصيرة، تظهر في كثافة لغته الشعرية وفوضويتها أيضا. في «نادي 22» سنجد شاعرا آخر، مات في السن نفسها، لا يقل أهمية عن كوشوفيل وكان ـ للمُصادفة ـ متأثرا به، هو: فرنسي بالانتيش (1921-1943). الذي مات إبان الحرب العالمية الثانية، ومنعت لاحقا أعماله، في سلوفينيا، بسبب مناهضته للشيوعية (رغم أن كتاباته لم تتورط في خياراته السياسية)، لكن أعيد له الاعتبار، في السنوات الأخيرة الماضية. من المهم أن نشير إلى أن الحرب العالمية الثانية لم تفرز فقط نتائج سياسية، بين منتصر وخاسر، في البلد، بل قسمت الشعراء إلى فريقين، وخلقت عداوات بينهم، وتصفية حسابات، ما أدى إلى التعتيم على كثير من الشعراء، بسبب ميول سياسية معينة لبعض منهم، أو بسبب قربهم أو تعاطفهم مع النازية، في لحظة من لحظات حياتهم. 
بحكم موقع سلوفينيا، في وسط أوروبا، كان من الطبيعي أن تتأثر، في منتصف القرن الماضي، بالحركة التعبيرية، في الفن التشكيلي وفي الشعر (ميران ياريتس مثلا). 
إلى جانب ذلك، من الأسماء الشعرية المهمة، التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية: إدورد كوسبيك (1904-1981)، هو واحد من الشعراء الملعونين، الذين عجزوا على إيجاد موقع واضح لهم، اشتهر أولا بمعارضته للكنيسة الكاثوليكية (التي كانت لها سطوة واسعة) بعد مواقفها المهادنة لفرانكو أيام الحرب الإسبانية، ثم وحد الأنتلجنسيا المسيحية الاشتراكية، وقاد جبهة مقاومة الفاشية، ليصير عسكريا، ثم واحدا من الشعراء ومن الشخصيات السياسية البارزة في البلد، بعد التحرر. لكن سرعان ما وجد نفسه معزولا مرة أخرى، بسبب كتابات له ناقدة للشيوعية، ثم جُرد من كل المهام ومن الامتيازات بسبب مجموعة قصصية أصدرها بعنوان: «الخوف والشجاعة» (1952)، تحدث فيه عن تجاوزات الشيوعيين خلال الحرب العالمية، ليتم حجزه في إقامة جبرية – بأمر من الماريشال تيتو ـ وهي فترة كرسها لاستكمال كتاباته الشعرية، وكان – حينها – يكسب عيشه فقط من ترجمة أهم الكتاب والشعراء الفرنسيين إلى السلوفينية. 
فترة الاشتراكية، والهيمنة اليوغوسلافية على البلد، التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود، كانت من أسوأ الفترات، نظرا لما عرفته من تضييق على الحريات، ومن رقابة على الكلام والكتابة، ووجب على الشعراء السلوفينيين، أن يبتكروا قاموسا خفيا، وكلمات مُراوغة، أن يكتبوا بلغة غير مباشرة، تجنبا لحرس النوايا وشراسة الشرطة البوليسية. ظهرت بعض الكتابات العدمية (إيفان ميناتي مثلا). وتجنبا للرقابة أيضا، ظهرت حركة شعرية إيروتيكية، ستتطور ـ تدريجيا ـ وتبلغ النضج، في الثمانينيات خصوصا، ويعد الشاعر بران موزيتش (1958)، واحدا من أسماء الإيروتيكية الشعرية، حيث لا تخلو نصوصه من مدائح الجسد واللذة. وربما هو الشاعر السلوفيني الوحيد الذي حظي بترجمات للعربية (صدرت في جرائد ومطبوعات، لكن عن لغة وسيطة وليس مباشرة من السلوفينية)، وما يزال هناك شعراء آخرون، يستحقون أن يصلوا إلى العربية (مع العلم أن شعراء العربية مترجمون للسلوفينية، من أبي نواس إلى محمود درويش)، خصوصا منهم توماج شالامون، الذي يمثل «قطيعة»، في الشعر السلوفيني، لم يبد تأثرا بسابقيه، وخلق لنفسه فضاء متخيلا يختلف عن كتابات مواطنيه، القدامى منهم أو الجدد، يتجلى ذلك في نصوص له، مثل: «سأرسم صليبا»، «أطفال ميتون»، «أربعة أسئلة عن الكآبة» و«قياس الوقت». بدون أن ننسى شاعرا مهما آخر: بوريس نوفاك، خصوصا في مجموعتيه المهمتين: «بستاني الصمت» (1990) و«سيد الأرق» (1995)، وهو شاعر يحاول أن يمنح «المعنى» إيقاعا ويجعل للإيقاع معنى، وهو شاهد على انهيارات يوغوسلافيا سابقا، وبدون ما كان يحصل في نصوصه الشعرية.

٭ روائي جزائري 0عن القدس العربي

أحمد شوقي علي: أسطورة عمرو دياب

أغسطس 25, 2017 اضف تعليق
 1
في طفولتي، كان لي صديق غني جدًا، وهذا الثراء -في قاموسي البسيط وقتها- لم يكن يعني أن والده يحصل على راتب كبير من عمله كمهندس في دولة خليجية، بل إن صاحبي نفسه كان غنيًا، لما يمتلكه من أشياء مدهشة يحملها إليه والده لدى عودته في نهاية العام.

في تلك السنة كنا قد اكتشفنا للتو أنه يمكن –ببساطة- توصيل الكاسيت بجهاز الكمبيوتر، لتقوم سماعاته الكبيرة بمقام سماعات الحاسب الآلي، فنحصل على صوت أعلى وأفضل، لكن والد صديقي لم يشأ إلا أن يفسد روعة ذلك الاكتشاف، فيعود حاملًا من سفره جهاز "Subwoofer"، ولم يكن سهلًا عليَّ أن أقتنع أن هذه السماعات الصغيرة المتصلة بجهاز الـ"Bass" المكعب، تصدر صوتًا أعلى من ذلك الكاسيت الضخم الذي أملكه، وكان لا بد من تجربة، أو بشكل أدق، مباراة للتحدي؛ جهازي في مقابل جهازه، وكان معيار القياس أغنية "العالم الله" من ألبوم عمرو دياب حديث الصدور: "تملي معاك"، لما تمتلكه من إيقاعات قوية وقادرة على إظهار أي الجهازين أفضل، لكن ما زعزع ثقتي بنفسي في ذلك اليوم ليس خسارتي للتحدي، وإنما شقيق صاحبي الأكبر الذي جاء مفزوعًا من صخب الأغنية، يصرخ فينا "اقفلوا اللي مشغلينه ده.. عايزين الناس في الشارع يقولوا عليَّ إيه.. بسمع عمرو دياب!"، فبادرته مندهشًا "أمال بتسمع إيه"، فأجاب: "السماعات ديه مينفعش تطلع صوت لحد غير محمد منير"!

(2)
أحب الإسكندرية، وحين أسترجع أسباب جمالها في ذاكرتي، أراني مطلًا من شرفة لا تواجه البحر وإنما تبصره -من مكانها في منتصف الشارع- أفقًا رحيبًا، وينالها من جماله نسمة لطيفة يصاحبها صوت عمرو دياب الذي يغني "يا عمرنا"، ولا أستطيع فصل المشهد عن صوته، وكأن الصوت الذي يبدد سكون الشارع الهادئ ساعة العصر هو مصدر تلك اللطافة لا هواء البحر المنعش.



عندما صدر ذلك الألبوم، في العام 1993 كان عمري خمس سنوات، وخلال أعوامي التالية، لم يكن يشغلني من الغناء أو الموسيقى أي شيء، غير أن الفنانين في العموم بشر ثقلاء الظل؛ من أم كلثوم وعبدالحليم وعبد الوهاب وصولًا إلى محمد منير الذي كنت أسخر من هيئته التي يظهر بها في حفلات ليال التلفزيون، ورأسه يدور على أنغام الموسيقى في حركة تشبه لفة سلك الميكروفون الطويلة الذي أحاط ذراعه بها بينما تجحظ عيناه في شكل مخيف، وحده كان عمرو دياب المستثنى من تلك القاعدة، والذي يظهر شريطه الجديد في أغسطس من كل عام، فيحمل الهواء صوته لطيفًا ليرطب بشرتي المحترقة من شمس البحر طوال النهار.

في العام 1998، كان عمرو دياب يبدو استثنائيًا وهو يقف على المسرح رافعًا جائزة الـ"World Music Award" كمن يضم كأس العالم في أحضانه، في وقت لم يستطع منتخبنا القومي لكرة القدم الوصول للمسابقة في فرنسا، وكان ذلك وحده كفيل لنا –كأطفال في المدرسة- لتغيير أهدافنا المستقبلية، حيث لم نعد بحاجة لأن نصبح جنودًا في الجيش كي نحارب العدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين، فعمرو دياب قد انتصر لنا واقتنص من العالم جائزة تبرز تفوقه عليه وتفوقنا بالضرورة، الذي لم يشغله تفوقه العملي عن حب مصر وتأكيد انتمائه لها، فهو يعود مباشرة إليها عقب الظفر بالجائزة، راكبًا القطار ومتجها إلى أسوان، يغني "عودوني" –كما جاء في فيديو كليب ألبومه الجديد الصادر في العام نفسه-، في حين لا نفهم الكلمة باعتبارها لفظاً عامياً مشتقا من فعل "تعود" وإنما كلفظ مشتق من "عاد"، ثم لا يلبث أن يمر عام واحد فيخرج بأغنية تؤكد تواضعه فيقول "أنا مهما كبرت صغير أنا مهما عليت مش فوق"، وهكذا رأي جيلي دياب وتعامل مع منجزه التالي كله: نجم عالمي متواضع وأصيل في الوقت نفسه.



وعندما كبرنا وصرنا نفهم الأغاني وندرك معانيها، كان على الساحة الكثير من الفنانين الشباب الذين راق لنا جنونهم وإيقاعاتهم الخفيفة، فكنا نتورط أحيانا في الاستمتاع ببعض أغانيهم وترديدها، مثل مصطفى قمر وهشام عباس وحميد الشاعري، وكان ذلك ذنبًا يمكن غفرانه، أما أن نستمع إلى هاني شاكر أو كاظم الساهر أو جورج وسوف أو محمد منير، فكان ذلك أمراً غير مقبول، لأنه كان ينتقص من إحساس التميز الذي نشعر به لأننا من جمهور عمرو دياب، فالمطرب الذي نحبه وصل إلى العالمية وفي الوقت نفسه خال من العيوب، أما هاني شاكر فكئيب، وكاظم الساهر لا يسمعه غير النساء، وجورج "خمورجي"، ومنير غريب الأطوار يلف سلك الميكرفون حول رقبته.

وقد استمر الصراع على هذا المنوال حتى توصلنا إلى هدنة، فمع انتشار الكمبيوتر ودخوله إلى  كل البيوت المصرية، صارت عادة لدى مستخدميه الاحتفاظ بكل شيء وتناقل النادر منه في ما بيننا، وهكذا انتشرت صورة نادرة من حفل زواج هاني شاكر الذي حضره وغنى فيه كل من محمد منير وعمرو دياب، وكانت بمثابة القول الفصل في هذه الحرب، فلا يمكن الاقتتال بين جماهيرهم (منير ودياب وشاكر) لأنهم أصدقاء!

وعندما صدمني شقيق صديقي، قائلًا إن العار سيصيبه إذا عرف الناس بأمر استماعه إلى عمرو دياب لا محمد منير، لم أصد هجومه -ربما لأن الحرب كانت قد وضعت أوزارها، وتركته يسترسل، قال إن منير عالميّ ولا يباريه أي من أبناء جيله، وأنه مشهور في ألمانيا، وإنني إذا فتحت كتاب اللغة الألمانية الذي يدرسه الصف الثانوي، سأكتشف أن الألمان يعتبرون منير، من العلامات المصرية مثله في ذلك مصر الأهرامات، وأن معهد غوته في القاهرة يحتفظ في مدخله بصورة ضخمة لمحمد منير، ولم يكن شقيق زميلي من يردد تلك الأساطير وحده بل كل عشاق محمد منير، وما صمّ أذني عن سماع تلك الحقائق إلا حبي لعمرو دياب، وكان ذلك بمثابة ضربة قوية، فألمانيا ليست دولة عادية بالنسبة لجيل حفظ فيلم أحمد زكي "النمر الأسود" عن ظهر قلب، فهي بلد قوي وقاس في الوقت ذاته، لم يستطع محمد حسن –بطل الفيلم- أن ينجح فيه بسهولة، فكيف إذا أسرهم حب منير حتى اعترفوا به في الكتب التي تدرس لغتهم وزينوا جدران مراكزهم الثقافية بصوره، لم يكن يعني ذلك لنا غير شيء واحد، انهم أحبوا منير لهذه الدرجة فإنهم بالتأكيد سيحبون كل من يأتي من بلده بالدرجة نفسها، ما سيسهل من مهمتنا إذا قررنا ذات يوم أن نسلك طريق النمر الأسود.

مع الاكتشاف المتأخر لمحمد منير، بدأ حب عمرو دياب يخفت في داخلي، خصوصاً أن ذلك جاء في فترة متأخرة من سن المراهقة، ثم صرت لا أطيق سماع أغانيه التي يكتبها له أكثر الشعراء ركاكة من وجهة نظري: "أيمن بهجت قمر"، هذا بالإضافة لاكتشافي للسرقات المتكررة التي كان ملحنو عمرو دياب يقومون بها نقلاً من الموسيقى التركية واليونانية، وهو الأمر الذي تنتفي معه صفة العالمية عن نجمي المفضل، وهكذا انقلبت إلى واحد من أشرس المعجبين بمحمد منير، أسخر من وصف "الهضبة" الذي يطلقه جمهور عمرو دياب عليه، ليس لركاكته الواضحة وإنما لظني بأنهم ألصقوه به لمواجهة لفظ "الملك" الذي منحه "الشعب" لمنير، ثم بدأ صخب المراهقة يخفت كلما نضجت، واتسع وعيّ فتمردت على تجربة منير نفسه وزهدت فيها.

(3)
في الأيام القليلة الماضية صدر ألبوم "معدي الناس"؛ لعمرو دياب، وترافق صدوره مع ضجة إعلامية وشعبية واسعة، ولم أهتم بسماع الألبوم قدر اهتمامي بمتابعة ما كتب حوله من تحليل لتجربة عمرو دياب وقدرته في الحفاظ على نجاحه بشكل ثابت، رغم مرور الزمن، ومن بين ما قرأت في هذا المجال مقال ملفت كتبته فيروز كراوية، تحلل فيه موسيقاه وأسباب نجاحه الفني، كما ذهبت لحضور ندوة لعمر طاهر بعنوان "أوضة عمرو دياب" تطرح الموضوع ذاته، لكني وجدت نفسي غريبًا عن كل ذلك؛ غير معني –رغم استمتاعي- بما قرأته أو سمعته، فكراوية وطاهر يحللان تجربة شكلت وعيًا لديهما وتجاوزاه هما وأبناء جيلهما فاستطاعا رصدها، وربما لتفاعلت معهما أكثر لو كان تحليلهما يخص محمد منير، الذي اعتبرته –وما زلت- بمثابة نقلة مهمة في وعيي، ساعدتني في الانفتاح على موسيقى عالمية أكثر رحابة وتنوعًا من موسيقى عمرو دياب، وقد استطعت تجاوزه بتجاوز ذلك الوعي الذي شكلته تجربته في وجداني، أما عمرو دياب فأكثر الأغاني في هاتفي المحمول –حاليًا- من نصيب ألبوماته الأولى وحتى ألبومه "علم قلبي الغرام"، ربما لأنه شكل طفولتي، وهذا شيء لا يمكن تجاوزه.  

فيروز كراوية... ليس مقالًا عن عمرو دياب

أغسطس 19, 2017 اضف تعليق


كل نجم بلغت شهرته حجمًا كبيرًا يصبح حجم ما يُنشر عنه ويدور حوله من أخبار وآراء ومقالات وبرامج كبيرًا أيضًا، وتزيد فيه الأهواء والمصالح ويقلّ المحتوى النقدي. هذه قاعدة لا تحتاج لكثير من التدليل لأنها ببساطة تثبت نفسها كل يوم، خصوصًا في عالم صارت المشاركة فيه بالكتابة/ الرأي/ التحليل/ النقد/ السب متاحة لنا جميعًا تقريبًا بقدر متساوٍ عبر السوشيال ميديا.
لقد كانت هذه القاعدة سارية حتى قبل عصر السوشيال ميديا، بحكم أن الارتباط بين صناعة الفن وصناعة الإعلام أكثر من مصيري، وقد توازى دائمًا نمو كل واحدة مع الأخرى، خصوصًا منذ بداية عصر انتشار الراديو (في حالة صناعة الموسيقى)، ثم التلفزيون وأشرطة الكاسيت والسي دي لاحقًا، والذي منح صناعة الموسيقى أزهى عقدين ما زال يذكرهما التاريخ من حيث النجاحات القياسية والأرباح؛ عقدي السبعينيات والثمانينيات. بداية من هنا اختَلَف النظر للفنون من حيث كونها منتجات تخص أفرادًا وشركات وتنتشر في نطاقها الجغرافي المحدود إلى كونها صناعات إبداعية، تنظمها لوائح وقوانين أكثر عمومية بحكم أن المنخرطين فيها صاروا أكثر عددًا، وأرباحها صارت أضخم، ومن ثم أيضًا تأثيرها على الجماهير والمجتمعات.
مع تعقد الأمر صار جديرًا أكثر من ذي قبل بتناوله من أكثر من زاوية تحليلية، بحكم كل هذه الأطراف التي تتعامل معه وتشارك في صناعته وتستفيد منها، وبحكم التأثير الأكبر الذي يكتسبه على قطاعات جماهيرية واسعة. الزوايا قد تكون اقتصادية (اقتصاديات الصناعة وما حولها) أو اجتماعية (الفنان المُرسِل والجمهور المُستَقبِل) أو سياسية (الظروف التي يظهر فيها العمل الفني والأغراض التي تساعد في ظهوره أو تعرقله) أو فنية تقنية (دور الناقد الفني في تصنيف العمل والإضاءة على الأسلوب والرؤية). وأصبح من الأصعب فصل الممارسة الفنية كحدث يخص صناع العمل الفني من المبدعين عن كل الحلقات والمراحل التي يمر عبرها إلى الجمهور وعلى رأسها المجال الإعلامي.
من هنا ظهرت كلمة popular music التي تم اختصارها فيما بعد لـ pop music التي تُعنى بتعريف الأعمال التي تستهدف أوسع شريحة جماهيرية ممكنة. وكذلك ظهرت صناعة الأيقونة الفنية iconization كعملية موازية للنشاط الإبداعي تهتم بصناعة صورة الفنان؛ بداية من الشكل والملابس والمهارات الأدائية والدلالات التي يؤكد عليها المشروع الفني في جميع التفاصيل التي تصدر عنه، بجانب المنتج الأصلي؛ بداية من الإشاعة الكاذبة والخبر الصحفي وأغلفة الألبومات وحتى التصريحات والمواقف التي تصدر عن المبدع والمحيطين به/ا.
إذا نظرنا للأسواق الكبرى التي توسعت حقًا في الصناعات الإبداعية واقتصادها، بمعنى ترجمة العملية الفنية إلى رقم اقتصادي يؤثر بقوة في كل ما حوله، سنجد أن تصنيف العمل من حيث جماهيريته أدخل تغييرات كبيرة لمعنى الموسيقى والأغاني وقيمتها وأنواعها وآليات عملها. ببساطة أصبحت الكلمة المكتوبة والبرنامج التلفزيوني تساوي أموالًا، وأصبح النجاح والحفاظ عليه يتطلب مؤسسات تُطَوِّر أساليب لاستثمار النجاح، وتبتكر الجديد لرفع سقف التوقعات، والحفاظ على الجماهير متعطشة للمزيد؛ حقوق الملكية الفكرية، العقود القانونية، الأفلام التسجيلية والفيديو كليب والبرامج المثيرة عن صناع الموسيقى، اقتحام الكواليس الفنية والحياة الشخصية للنجوم، وكذلك المعارك الفنية والصراعات وطرق حسمها أو تفجيرها حسب ما يتطلب الأمر.
في الدول التي تتعلم من التاريخ، هناك اهتمام حقيقي بـ "كيف يُكتَب التاريخ". وبالنسبة لها، أكبر ضمانة لكتابة التاريخ بأقل قدر من التزييف، هو كتابة التاريخ من وجهات نظر متعددة.
وهنا في عالم البوب، أصبح أيضًا من المهم فصل الكتابة النقدية الاحترافية عن تلك التي تعمل ضمن منظومة صناعة الأيقونة، لأن ذلك من شأنه الحفاظ على قدر من المصداقية وراء كل ما يحدث، قدر من الاهتمام الحقيقي بأسباب النجاح وتفسير كل العلاقات الاجتماعية خلفه. في الدول التي تتعلم من التاريخ، هناك اهتمام حقيقي بـ "كيف يُكتَب التاريخ". وبالنسبة لها، أكبر ضمانة لكتابة التاريخ بأقل قدر من التزييف، هو كتابة التاريخ من وجهات نظر متعددة، وهذا يعني إتاحة الفرصة للتنوع. يومًا ما ستتعلم أمريكا شيئًا من كتابة احترافية عما قدم مايكل جاكسون، بعيدًا عن كل ما تقدمه منظومة جاكسون وشركات الإنتاج والإعلام التي يتعامل معها، بعيدًا عنها تصدر مئات الكتب والمقالات الأكاديمية والأفلام التسجيلية والتحليلات الفنية والثقافية عن الظاهرة. نعم، لأنها ظاهرة.
الظاهرة هي أن يحدث لفنان أو مجموعة فنية أو مشروع فني طفرة أكبر من مجموع مكوناتها، بمعنى أن تجمع عناصر متعددة لا تتكرر كثيرًا لمعظم الفنانين، وتستطيع بها تحقيق أثر تبقى به في ذاكرة مجتمعها الواسع أولًا وربما العالم كله أو جزء منه. الظاهرة تجمع الموهبة، والنجاح بالمعنى الكمي، والتأثير بالمعنى الكيفي؛ الذي يعني أنك تلمس وجودها ليس فقط لارتباطها بعمل فني أنتجته، بل لأنها صارت جزءًا من وجدان الأجيال التي عاصرتها وربما تمتد لأجيال بعدها؛ يتأثرون بمواقفها، ينظرون لها باحترام، يقلدونها، يستشهدون بها، والأهم بالنسبة لمطرب/ة: يغنون مثلها.
هنا بالتأكيد لا يمكن وصف عمرو دياب إلا بأنه ظاهرة الأغنية المصرية والعربية الأبرز منذ النصف الثاني من التسعينيات تحديدًا. ولا أريد التطرق لمجموع النجاحات والجوائز والمراحل الفنية التي تعرفونها أفضل مني، ولكن أريد التركيز على جوانب تختلف فيها ظاهرة عمرو دياب عن ظواهر غنائية عرفناها مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز كمثال. ولكن أولًا أريد التأكيد أن الظاهرة ونجاحها لا يعني أنها تعجب الجميع ويحبها الجميع، ولا يعني أنها تقدم الجماليات الفنية المطلقة، أو أن معايير تقييمنا لكل عمل فني آخر يكون بالقياس عليها. كل هذا شيء آخر.
مغامرة عمرو
قرر عمرو دياب أن يخرج لموقع الهجوم، أن يقدم نفسه كوجه للتغيير، كمدافع عنه، كرمز له.
في تقديري أن عمرو دياب اتخذ قرارين على مرحلتين كان لهما تأثيرًا كبيرًا في منهجه لصناعة "ظاهرة غنائية" غير مسبوقة في الوطن العربي.
القرار الأول: قرار الانسلاخ عن الوسط الثقافي والإعلامي الذي صنع الظواهر التي سبقته واحتضنها.
لقد ورث عمرو دياب وجيله الوسط الإعلامي الذي أحاط بأم كلثوم وعبد الحليم حافظ (فقط كمثال لمرحلة). بداية من صناع الأغنية الذين عاشوا بعد وفاة الفنان الكبير، كوادر الإذاعة والتليفزيون، رؤساء التحرير ورؤساء الأقسام الفنية في الصحف والمجلات، وكذلك الجمهور الذي اعتاد تصديق ما يقدمه هؤلاء، الذين بالطبع كانوا نجومًا في مجالاتهم وقتما كان عمرو دياب مطربًا يشق طريقه. وفي رأيي أن الوصول لحتمية هذا الانسلاخ، أو القطيعة التي وصلت حد العداوات والصراعات، كان تدريجيًا، وكان طريقًا ليكتشف عمرو نفسه بعد محاولات للتطبيع وكسب الود، وحتى اكتشاف أن صناعة صورته الفنية أو أيقونته لها طريق مفارق. ونستطيع أن نقرأ هذا التدريج في أعمال عمرو نفسها، وليس خارجها فقط في الحوارات والبرامج. لقد قرر عمرو أن يخرج من صورة مطرب يواجه هجومًا تقليديًا على نجم صاعد، ويدافع عن نفسه، ويحاول إثبات موهبته بما يضعه دائمًا في مواجهة معايير زمن ماضٍ، قرر أن يخرج لموقع الهجوم، أن يقدم نفسه كوجه للتغيير، كمدافع عنه، كرمز له.
من المهم هنا الإشارة إلى أنه يدرك تماما قيمة احترام الكبير وزمن الفن الجميل المغالى في تقديرها في مجتمعنا، وعلمته بعض الأخطاء أنه يمسك بميزان حساس بين أن يتطرف في إبراز وجه ثوري لا يحتاجه، وأن يبرز نفسه كفنان غير معتد بالماضي ونجومه بالقدر الذي يتملق به الكبار وينال رضاهم.

أول ما أطاح به عمرو هو الكلمة الغنائية، نعم، لقد قال بوضوح- من خلال أعماله- أنه لن ينتمي لجيل شعراء العامية مثل عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب والأبنودي ونسلهم من الشعراء، وقال أيضًا إنه سيسعى وراء التأثير الصوتي للكلمة في مقابل السعي وراء الصورة الشعرية والاتساق اللغوي. وهنا يهمني الربط بين هذا القرار وقراءة مجتمع وجيل يلمس فيه المطرب ذائقة أخرى تحتاج لمن يلبي احتياجها، وانصراف عن اللغة كوعاء أوحد للمعنى، واهتمام أكبر بتأثير الموسيقى وإيقاعاتها وحسيتها -التي تخاطب الجسد كما الذهن- على الاستماع وطبيعته.
إن شئت أن تعرّف الذكاء الفني فهو تلك القراءات المبكرة لتحول ما، والقدرة على الانتقال بالعمل الفني ليكون شريكًا في صناعة التحول وليس رد فعل له.
من هنا تكونت الملامح الأولى للمشروع؛ رمز يغيّر في ثوابت شكلية ومضمونية، ولا يخشى من التغيير، ويعتمد في عمله فقط على شباب جيله، حاسمًا في عدم اللجوء لأجيال مخضرمة ربما كانت لتجعل طريق الصعود أسهل.
هناك تقاليد مستقرة ربما ما زالت سارية في عالم الغناء وترتفع قيمتها في الغناء الشرقي بشكل خاص؛ بجانب الخبرة في فن التطريب، هناك إيقاعات تعرف طريقها للجمهور أهمها إيقاع المقسوم (الواحدة ونص)، وهناك أيضًا آلات موسيقية ترتاح لها الأذن العربية إذا أُديت بأسلوب معين، وهناك صورة المطرب "النحنوح" ولا أقصد هنا الوصف السلبي، ولكن لم أجد كلمة أفضل لوصف أسلوب أدائي يتسم بالحسية المشوبة بضعف، واستغلال مشاعرنا المازوخية (وليس هذا أيضا وصفًا سلبيًا) في تأجيج الانفعال بالغناء.
كانت صيغة عمرو دياب الموسيقية تنظر إلى موسيقى العالم باهتمام منذ البداية حتى لو خسرت قاعدة جماهيرية مضمونة.
عمرو دياب لم يتقن هذا الأسلوب، وربما عرف مبكرًا هذا أيضًا عن نفسه. عرف أن صوته إيقاعي، بمعنى أن أعظم مزاياه هي هذا التعشيق المبدع بين النغمات والإيقاع، أسلوبه في التقطيع للكلمات، وفي اختيار الألحان التي تتيح هذا التقطيع، لهذا قلت إن صوتيات الحروف تهمه أكثر كثيرًا من السياق العام للأغنية، وفي ظني أنه يختار ويعدّل في الكلمات باهتمام كبير لمراعاة هذا المعيار. كذلك ظهرت أغنياته غير ملتزمة بإيقاع المقسوم وفقط، بل حتى أحدثت تغييرًا في طبيعة الآلات الإيقاعية التي تؤديه، وهو بالمناسبة ما يجعلها غير ملائمة للذوق الشعبي التقليدي مقارنة بغيرها من أغاني جيله، بشكل عام كانت صيغته الموسيقية تنظر إلى موسيقى العالم باهتمام منذ البداية حتى لو خسرت قاعدة جماهيرية مضمونة.
استكمالًا لذلك الخط دشّن عمرو نفسه كفنان معتز بذكورته، الذكورة هنا تختلف عن "الذكورية"، أقصد بها الاعتداد بالتركيب الجسدي للذكر كعلامة على استقواء مقابل الضعف الذي يحب المطربون الذكور أن تشي به أغانيهم. الـ cross gendering أمر طبيعي في الغناء، يحتاج المطرب لشيء من الأداء الأنثوي ليكتمل صوته وحالته والعكس للمطربات، لكن استعانة عمرو دياب بهذه التقنيات كانت في أضيق الحدود. وربما يظهر هذا في أنه مطرب يتساوى جمهوره من الرجال مع جمهوره من النساء، لأن تأكيده على هذا الأداء الذكوري شكلًا ومضمونًا كان تأكيدًا جديدًا على رمزيته كحالة مختلفة عن سابقيها، حالة مرتبطة بقيم اجتماعية تتغير حولها، وترى في المطرب الصاعد رجلًا أقل رومانسية، لا يَفترِض في نفسه مثالية المظلوم دائمًا، ولكنه أكثر حسمًا في عواطفه، الفراق وانتهاء قصص الحب قدر لا يجب أن نعطيه أكبر من حجمه، والحياة تتواصل ظالمًا كنت أو مظلومًا.
القرار الثاني: الـ standardization للأغنية، أو كيف تصنع أغنية تسمعها الأغلبية من المستمعين.
يعمل فنانو البوب عمومًا داخل نطاقات واختيارات شعرية وموسيقية مرتبطة أساسًا بقابلية السمع عند الجمهور. بمعنى أنه نوع من الموسيقى يحاول تثبيت قواعد الاستماع بقدر الإمكان وتغيير عناصر قليلة تكسر الملل والاعتياد في كل مرحلة. ولكن هناك دائمًا فارق بين من يستمر منصاعًا لتلك القواعد، بمعنى أنه يستمر باحثًا عن ما أثبت نجاحه ثم يصنع شبيهه، وبين من يستطيع أن يكون trend setter أو مُحَدِّد للمعايير التي يستمع بها الجمهور.

كانت مغامرة عمرو دياب الثانية بداية من 1998 عندما أصدر ألبوم "نور العين" هي اقتراح الموضة الغنائية بالتوافق مع موجات غنائية ناجحة في البوب العالمي، واستضافة هذه الموجة ضمن غناء عربي لا يخلو من ضلعين أساسيين: الميلودية والتنوع المقامي. اتخذ نجاح عمرو منحنى آخر بعد هذا التاريخ.
لقد مر بتجارب متعددة منذ بدايته في 1983 وحتى نور العين، كانت هذه الفترة غنية بتجارب الفرق الموسيقية التي تحاول أن تجد مذاقًا عربيًا لا يتنافر مع الجاز والبلوز والروك العالميين، وفي سبيل ذلك استُثمرت مجهودات عديدة في الكلمة واللحن والتوزيع الموسيقي، ولكن عمرو دياب رأى كيف أطاح نجاح حميد الشاعري- بصيغة موسيقية أقل تعقيدًا - بتلك المحاولات كلها، وتعاون معه في نور العين وقبلها. لكن المختلف هذه المرة هو النظر والتحديد الحاسم لأن معيار النجاح جزء منه مرتبط بالعالم الخارجي وليس فقط بالتجريب المحلي، بمعنى أوضح البداية من حيث ينتهي الآخرون- أنجح الآخرين- وليس محاولات توفيقية تعتمد أساليب -تحديدًا في التوزيع الموسيقي- معقدة أكثر مما تتطلبه أغنية تُقبِل عليها أغلبية الجمهور، وليس شرائحه المثقفة موسيقيًا.
التوصل لهذا القرار والصيغة الموسيقية- ونجاحها الكبير بطبيعة الحال- أطلقت ثقة عمرو دياب فيما يقدمه، ومنحته حرية أكبر برغم ما يظهر من أنها مقيّدة فنيًا. وجوده في مكانة المطرب الذي يصنع موضة غنائية في كل عمل يقدمه زادت طموحه في تحسين كل عنصر من عناصر أغنيته، بمعيار جودة عالمي، من حيث الكلمة والجملة اللحنية والتوزيع الموسيقي واختيار عازفين متميزين للتسجيلات وأخيرًا الهندسة الصوتية. ويظهر الفرق واضحًا في أعماله التي تَلَت "نور العين"، التي شهدت تطورًا متتابعًا بدءًا من "عودوني" و"أكتر واحد بيحبك" و"تملي معاك" و"علم قلبي" و"كمل كلامك"، كانت أكبر ملامحه هو دخول أجيال جديدة في صناعة الأغنية، واتساع عالم عمرو لشباب من الشعراء والملحنين والموزعين الموسيقيين الذين يتنافسون على تحقيق طموح التفوق في كل ألبوم، وأنتجت في الحقيقة مجموعة من الأغاني التي تحمل بصمة ستبقيها وقتًا طويلًا ضمن كلاسيكيات الأغنية العربية جودة وفنية.

جدير بالذكر أنه برغم ما يتردد من تعليقات ارتجالية، إلا أن الموسيقى التي أنتجها عمرو دياب كانت مخلصة للمقامات الشرقية المتنوعة أكثر من غيرها بين أبناء جيله ومن تلاه. وهذا التنوع تحديدًا يميزه، بمعنى أنه يمنحه بصمة متميزة تلائم بصمته الصوتية وقبوله الشكلي؛ كلها عناصر تشكل جسرًا بين عالم مضى كانت القدرات الصوتية واللحن مركز العمل الغنائي، وعالم لا تقف فيه الأغنية على ساق واحدة. لا يخلو ألبوم لعمرو دياب من مقامات مثل البياتي والحجاز والصبا والراست وفروعها، ولا تخلو كلماته من امتزاجات بلغة الشارع وتعليقاته، ولكنه يأخذها إلى عالمه الموسيقي ويهتم بإدماجها في الصيغة العالمية التي تحدثنا عنها سابقًا.
قلت إن هذا ليس مقالًا عن عمرو دياب لأني لا أستطيع الإحاطة بأسباب تحوله لظاهرة مكتملة، ولا يستطيع مقال واحد ولا وجهة نظر واحدة ذلك، لكن موضوعي هو تتبع جزء من هذه الأسباب بغرض إحداث تغيير في طريقة النظر للنجاح في هذا النوع من الموسيقى.
غرضي هو أن يدرك من ينظر من الخارج كل هذه الأفكار التي يتفاوض معها فنان واحد ليعرف طريقه أو يحدد طموحه، الطموح في حالة عمرو دياب كان النجاح لدى الشريحة الأوسع من جمهوره المحلي ثم تجاوزه إلى الجمهور العالمي، قد لا يكون هذا طموح فنان آخر، وقد لا يكون هذا طريقه، ولكن النجاح في هذا النموذج كانت هذه بعض متطلباته، وهكذا طوّعها فنان ليحققه، لا علاقة لهذا بالتضحية بالقيمة الفنية أو أن يكون محض صدفة أو استغلال لهبوط الذوق إلى آخر هذه الاصطلاحات والتفسيرات السهلة التي يخلو منها أي نقد فني يحترم نفسه، وكذلك يحترم حجم الجهد المبذول وراء الصناعة الفنية بشكل عام. هذا النجاح الذي يعتمد على القبول (الفن سلعة لا يجبرك أحد ولا احتياج على استهلاكها)، وعلى عقل وموهبة صاحبه، وعلى شركاء مؤثرين، وكذلك على سياقات وظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية والتعامل معها، لا يمكن تفسيره بعدم اكتراث هكذا، ولا تكفي لفهمه جمل محفوظة يلقيها الكل على الورق.
  • عن موقع منصة

رضوان السيد... مسألة الدولة العلمانية على محك التفكيك

أغسطس 18, 2017 اضف تعليق


رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

بعد الأحداث الأسطورية الأهوال التي يمر بها العالم العربي، ما عاد الحديث في الدولة بعامة، وصيغتها أو صيغها نظرياً أو من نوافل القول. فالبحث في صيغة النظام وطبيعته صار ضرورياً لعدة أسباب؛ الأول في نظر العالم الآن بسبب ظهور أفكار الدولة الدينية، وتحول دعاتها إلى إرهابيين. وبسبب الرؤية السلبية للنظام الديني الآخر القائم في إيران. لكنّ الغربيين وكثيرين من المراقبين والمثقفين العرب كانوا قد يئسوا من الأنظمة العربية ذات الطبيعة العسكرية والأمنية والقائمة منذ عقود. ولذلك تحمسوا للحراكات المدنية التي بدأت في أواخر العام 2010. أما نحن من جانبنا فقد تلطّفنا في التعبير عن الدولة المرجوة وسميناها بالدولة المدنية. وهو مصطلحٌ أسهم في انتشاره في الثمانينات من القرن الماضي الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وكان يريد أن يتمايز به عن «الدولة العلمانية» الغربية، والدولة العسكرية، والدولة الدينية الثيوقراطية التي قامت في إيران. بيد أنّ «داعشاً» ومن قبله «القاعدة»، كانا من الهول، بحيث صار بشار الأسد والآخرون من أمثاله يفتخرون بأنهم علمانيون! ولذلك فقد سارع مفكرون عرب إلى اشتراط الديمقراطية لكي تكون الدولة علمانية (!).
وعلى أي حال، ففي مقابل تقدم مصطلح «الدولة المدنية»، واطمئنان حتى قسم من المتدينين إليه، انصبّت البحوث في العالمين الغربي والعربي في العقد الأخير على نقد مقولة الدولة العلمانية، والتقصد إلى تفكيكها. ولا تتوحد الأسباب أو تتفق لماذا صارت الدولة العلمانية مرذولة لدى شريحة معتبرة من الباحثين الغربيين في الفلسفة والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية. فهناك من يأخذ عليها استبداديتها القاسية، وإرادتها الصهر المطلق للمجتمعات، وممارسة الإرغام المنظور وغير المنظور باسمها على الناس بحجة حصولها أو تفردها بشرعية العنف من أيام توماس هوبز وهيغل... إلخ وإلى أيام جورج أورويل ومزرعة الحيوانات. وهناك من يأخذ عليها أو على صيغتها القومية أنها تسعى لطهورية وصفاء عرقي وتهمّش الآخرين وتضطهدهم انتصاراً لمفاهيم الأمة والقومية، وتحولها إلى إثنيات وفاشيات. وهناك من يأخذ على الدولة العلمانية «الفساد المرضي» الذي خالط الدم ودخل إلى النخاع الشوكي بسبب الاستعمار واستعباد الشعوب؛ حتى إنّ الصفاء والتفوق العرقي «من جانب الناس الأكثر قيمة، وأصحاب الرسالة الحضارية»، جعل من المستحيل على الدولة العلمانية «الديمقراطية» أن تقيم أنظمة عادلة وإنسانية. وهذه النقدات أضاف إليها الماركسيون في النصف الثاني من القرن العشرين عمقاً وشسوعاً بحيث وفي فترة من الفترات، صارت مقولات لينين فماوتسي تونغ عن الدولة والثورة هائلة الشعبوية.
ثم بدت الدولة العلمانية الديمقراطية (هل هناك علاقة ضرورية بينهما؟) في حقبة انتصار الرأسمالية على الشيوعية - باعتبارها قد فازت فوزاً نهائياً (خاتمة التاريخ) أو نهايته. ثم عندما دبّت فوضى عالمية، وبدأت الدول تتصدع، نتيجة عدم قدرة الولايات المتحدة على التحول إلى «بوليس» في العالم كلّه، اشتدّ النقد للرأسمالية وآيديولوجيا السوق، ومن وراء ذلك وبالتدريج تجدد النقد (غير الماركسي هذه المرة) للدولة الحديثة بشتى أنظمتها باعتبارها تمثل احتقاراً لإنسانية الإنسان وحرياته.
لقد قرأتُ أخيراً أربعة كتب لأنثروبولوجيين وفلاسفة وعلماء دين وتاريخ، تتحدث عن هشاشة الدولة وفكرتها، وعن أنها قزمٌ متعملق، وأنه وباسم العلمانية أو الديمقراطية سادها ويسودها الفساد وسيطرة الطبقات العليا على الموارد والحياة السياسية، والحريات. كتاب طلال أسد قديمٌ نسبياً واسمه «تشكلات العلماني: المسيحية والحداثة والإسلام» (2006). وهو فيه لا يزال من نقاد الخطاب الاستعماري للدولة والدولة القومية. لكنه يدخل أيضاً في الفلسفة والأنثروبولوجيا. وقد اشتهر الكتاب بسبب جدية طلال أسد، وصعود نجمه في الأنثروبولوجيا منذ السبعينات، ووجوده في مواقع مؤثّرة في الجامعات الغربية (المدرسة الجديدة لعلم الاجتماع - نيويورك). أما الكتب الثلاثة الأُخرى فهي إمّا لتلامذة أسد وإما لتلامذة مارسيل غوشيه، صاحب كتاب: نزع سحر العالم. فغوشيه الأنثروبولوجي المعروف يعمل منذ الثمانينات على عمليات «خروج الدين من العالم». بيد أنه في كتبه الأخيرة (2014 - 2015)، بدأ يتأمل الدولة في علاقاتها بالدين تأملاً نقدياً. وقد ظهر ذلك أكثر لدى التلامذة؛ الذين بدأوا يدرسون «صناعة الدين العلماني» الذي أنشأته الدولة. على أنّ تشارلز تيلور فيلسوف الدين المشهور في كتابه «الزمن العلماني» أوضح أنّ الدولة فشلت في إلغاء الدين، فاشتبكت معه، ثم تشابكت واستعار هو منها، وهي استعارت منه. على أنّ الطريف هو إقبال مجموعة من الأنثروبولوجيين على دراسة ظاهرة العنف الديني أو العنف باسم الدين، واعتبار أنّ ذلك أسطورة، وأنّ الصحيح هو أنّ السلطة العنيفة والمسيطرة وطرائق اشتغالها؛ كل ذلك هو الذي صنع العنف وسلّمه للدين، الذي سارع إلى تبنيه للأسباب نفسها: شَرَهُ رجالاتٍ من الإحيائيين للوصول للسلطة، ونفاد حيلة الأساليب السابقة، بحيث عمدوا لتطوير مقولات يجب تطبيقها باسم الدين في عمليات الاستيلاء على الدولة، لأنها تملك سلطة الإرغام وحدها. وبذلك يصبح المهووسون الدينيون هم أصحاب السلطة بالاستيلاء وإنْ بطرقٍ ديمقراطية شكلاً، كما حصل في عدة بلدان عربية وإسلامية (!).
ليس المقصود من هذه العجالة صبّ الماء في مطحنة أولئك الذين يريدون هدم الدولة لأنهم فوضويون عدميون، أو لأنهم يملكون تصوراً ثيوقراطياً ما لبث أن ظهر لفترة مؤقتة أو قصيرة، وربما يعود للظهور إذا اشتدت الهجمات، وتعاظمت الاستنزافات! كما أنه ليس المقصود الدخول في خطاب النقد الاستعماري للدولة الإمبريالية ميولاً أو خطاباً أو ممارسة. فقد قرأتُ قبل سنة كتاباً للأستاذ المعروف في الفقه الإسلامي وتاريخه وائل حلاّق، عنوانه: «الدولة المستحيلة»، والتعبير هنا مزدوج. فالمستحيل ليس الدولة الإسلامية التي يدعو إليها الجهاديون المسلمون وحسْب، بل وهي الدولة العلمانية - العقلانية الغربية، ذات الصيغة الاستبدادية مع آيديولوجيا السوق، وانعدام الأخلاق، والميل إلى النزوع الإطلاقي!
لست بالطبع جازماً في أي المصطلحات أفضل: المدني، أو الديمقراطي، أو العلماني. والأستاذ الجابري كان ضد استخدام هذا التوصيف للدولة، لأنه يملك حمولة سلبية، ورأى إمكان استخدام المصطلح: المدني أو الديمقراطي. لكنّ الدخول من جانب الأنثروبولوجيين والشبان الراديكاليين إلى مقولات نقد الدولة العلمانية أو الحديثة؛ (بالحجج التي ذكرناها سابقاً)، غير مفيدٍ على الإطلاق، لأنه ينصر وجهة نظر المتطرفين، الذين يختارون من المقولة نفسها جزأها الأول الخاص بالأنظمة الديمقراطية، بل ويتجاهلون تماماً النقدات الموجهة للدولة الشمولية، والأخرى الفاشية أو الثيوقراطية.
نحن محتاجون إلى أنظمة تعددية تظهر فيها المواطنة وحقوق الإنسان أو تبدأ مراعاتها، وصولاً إلى مشاركة معقولة، وعدالة قضائية لا تخلو من حكم القانون أو الطموح إليه. وقبل ذلك وبعده أن لا يُقتل الإنسان ولا يُهجَّرُ لأنه ليس من هذه الطائفة أو تلك: هل هذا كثير؟ ولا شكَّ أنّ نظام الدولة الغربي فيه نقائص كبيرة، إنما إذا لم يكن السعي إلى ما يشبهه، فإلى ماذا نسعى وليس لدى البشر غير هذا النموذج اليوم؟ أنتم محقون يا طلال أسد ويا طه عبد الرحمن ويا تشارلز تايلور ويا جورج أورويل ويا وائل حلاق. لكنّ طموحنا أقل: دولة ليست على شاكلة دولة القذافي أو الأسد - وسمّوها بعد ذلك ما شئتم!

رفعت سلام يكتب عن صلاح عبدالصبور.. الشــاعر

أغسطس 14, 2017 اضف تعليق


لم أكن قد تجاوزتُ العشرين، حين عرَّفَني عليه الشاعر حسن توفيق.
 كُنتُ أبدأ خطواتي الجادة في اكتشاف العالم والقصيدة، وأحفظ مقاطع كاملةً من «أحلام الفارس القديم» و«ليلَى والمجنون»، أرددها بيني وبين نفسي لحظات الوحشة والانفراد.

وكان- في ذلك الحين- يبدو نجمًا بعيدًا يُضيء المتاهة، أرى صورته في المجلات، فأُفتش فيها عن مكمن الطاقة الذي تنفجر منه القصيدة جارحةً، أليمةً، واخزة. وتتحول قصائده الجديدة إلى ترانيم وأناشيد يومية مفعمةً بالأسى والعزاء الوجودي الجميل «أُعطِيكَ مَا أَعْطَتْنِيَ الدُّنيَا مِنَ التَّجْرِيبِ وَالمَهَارَة/ لِقَاءَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ البَكَارَة».

وجدتُني أمامه، وجهًا لوجه. صلاح عبدالصبور. لا أذكر سوى أني ارتبكتُ، وقهرني خجلي الريفي، والمسافة الشاسعة التي تفصل بين الطالب القروي الذي يحاول اكتشاف القصيدة وبين الشاعر الذي ينتصب- لحظتها- في اكتماله الفادح. سألني عن دراستي بالكلية، وقراءاتي، وطلب أن أُحضر له بعضًا من قصائدي. وخرجتُ مبهورًا بلقائي به، وبتواضعه الذي ألجم رهبتي، ومحا- بحُنُوه العميق- الفجوة الهائلة لدَيَّ، الفاصلة بيننا.

هكذا، وجدتُني صباح يوم جُمعة أطرق باب بيته، في حي «المهندسين»، بلا سابق موعد. وجدته يفتح الباب لي، مُرحبًا، إلى الشرفة. ست ساعات كاملة، والحديث يدور بيننا بلا أية مسافة فاصلة. لا إشارة، ولا إيماءة واحدة تستعيد تلك المسافة الواقعية، أو تثبتها، أو تؤكدها. يصنع الشاي بنفسه لنا، نحن الاثنين، مرة وراء الأخرى. يأتي بُعلبة سجائر جديدة كلما نفدت السابقة، لنتقاسمها بعد انتهاء السجائر القليلة التي أتيتُ بها. رحلة طويلة تبدأ من الشعر إلى الشعر، مرورًا بذكرياته، والمحطات الرئيسية في مشواره الإبداعي، إلى بعض معاركه الثقافية الشعرية، إلى آرائه الخاطفة في الشعراء المعاصرين، إلى سؤالي عن رأيي في كل ذلك.

كأني كنتُ أتحدث مع أحد أصدقائي الحميمين بلا تحرج أو قلق، أو إحساس بالوقت. وكأنه كان يتحدت مع أحد أصدقائه الحميمين، لا مع شاعر شاب في العشرين، لم تتكشف- بعد- قصيدته عن أية وعود.

وفي عامي الأخير بجامعة القاهرة، 1973، مررت عليه بالمكتب، وأشار- ضمن الحديث، إلى أنه قد انتهى من كتابة مسرحية جديدة. ولابد أن لهفتي بانت على ملامحي، فمد لي يده بالمخطوط: مسرحية «بعد أن يموت الملك»، بخط يده، في دفترين من الدفاتر المدرسية المتقشفة، ذات الورق العادي، يضمان الكتابة الأخيرة، بلا شطب، للنص. ولابد أن عينَي قد كشفتا له ما دفعه إلى قول: يمكن أن تأخذهما، لتقرأها، إن أردت.
بسرعة وضعت الكشكولين وسط كتبي وكراساتي. وانطلقت..

كانت الجامعة مشتعلةً، في ذلك الحين، رفضًا لحالة «اللا سلم واللا حرب»، وفي موعد انتفاضة العام السابق «يناير»، تصاعد الاشتعال إلى الذروة. حشود الآلاف من الطلاب تندفع إلى الباب الرئيسي للجامعة للخروج، وحشود قوات «الأمن المركزي» تحاصر الجامعة، وتتقدم بالدروع والهراوات والقنابل المسيلة للدموع لإحكام الحصار، إلى حد الالتصاق بالسور الحديدي الخارجي. وبدأ التراشق عن بُعد، عبر السور: الجنود يُطلقون القنابل، والطلبة- مستفيدين من خبرة العام الماضي- يلتقطون القنبلة قبل الانفجار، ليردوها، في لمح البصر، فتنفجر وسط الجنود. وسالت دموع الجميع من أثر الغاز المنتشر. وبدأ التراشق بالحجارة.
كنتُ مشتركًا في المعركة الحامية التي تنذر باعتقال قادم عند الخروج. لكني لم تواتني الجرأة على ترك كتبي وأوراقي على الأرض، لأتفرغ للمعركة؛ فقد كان بينها المخطوط الحلم، الذي كنتُ أقبض عليه بكل قوتي بيدي اليُسرَى، ويدي اليُمنَى متحررة من أجل معركة القنابل والأحجار.
رفعت يدي لأمسح العرق عن وجهي، فعادت يدي ملوثةً بالدم. لم أنتبه. ذهب بي الزملاء إلى نقطة إسعاف أوَّلي أقامها طلبة كلية الطب لإسعاف الزملاء من الجرحَى، داخل الجامعة المحاصرة. وشددتُ قبضتي على المخطوط.
وعندما حل المساء، كان عليَّ أن أقفز السور الخلفي للجامعة، بمساعدة الزملاء، لأجد نفسي في الحقول، خارج دائرة الحصار، إلى بيت أُختي، ثم إلى شقة صديق زميل يمنِي، بعد علاج الجرح الفاضح. 
ثلاثون يومًا، وعلاقتي بالشارع صوتية. عُدتُ إلى المخطوط، وتلك المتعة التي تراود المرء وهو يقرأ ما لن يقرأه الآخرون إلاَّ بعد شهور وشهور. مرة، واثنتان، وثلاث، حتى كدتُ أن أحفظ النص عن ظهر قلب، وشعور مراود بالعجز عن إعادته، والقلق مما يُمكن أن يعتري الشاعر الكبير من قلق عليه.
وما إن استعادت الجامعة انتظامها، حتى ذهبتُ به وغلافه يحمل بعض دمي، معتذرًا عن التأخير. قال: لم أكن قلقًا على المخطوط، بل عليك.
بعد سنوات، كانت مياه كثيرة قد جرت في النهر.
التقيتُ به في إحدى المناسبات العامة، بعد عودته من الهند رئيسًا لهيئة الكتاب. صافحني بحرارة، ودعاني إلى لقائه في مكتبه في اليوم التالي.
مكتبه في أحد الأركان. والمساحة الفسيحة تشغلها مجموعات عديدة من المقاعد، كل مجموعة مستقلة عن الأخرى بمنضدتها. والمقاعد يحتلها- جميعًا- شعراء وقصاصون ونقاد وكُتاب، والقهوة والشاي حاضران. والمناقشات دائرة في كل مجموعة، وهو- في مكتبه المنزوي- يُنهي بعض الأوراق.
تركها جانبًا، وسألني عن أحوالي، وشعري الجديد. وطلب أن يقرأ ما كتبتُه خلال غيبته. وأعاد صياغة الطلب: فلنتفق على أن نلتقي هنا بعد أسبوع، تكون خلاله قد اخترت أهم القصائد، وراجعتها المراجعة الأخيرة، ورتبتها في شكل ملائم جاهز للقراءة الجدية.
بعد أسبوع، أسلمته الدوسيه الذي يضم القصائد. وبعد الاطمئنان على أحوالي الشخصية بشكل عام، وآرائي في الكتب الجديدة، عاد ليُمهلني أسبوعًا لقراءة القصائد قبل أن نتناقش فيها.
ذهبتُ بعد أسبوع؛ فاعتذر عن عدم تمكنه من القراءة لمشاغله العديدة خلال الأسبوع الماضي. كنتُ على وشك اقتراح ترك القصائد لديه، بلا موعد، إلى أن يسعفه الوقت لقراءتها، ولكنه فاجأني بقوله: لن أعطل القصائد، وسأقرأها مطبوعة. حاذرتُ من التسرع في الفهم. سألني: هل تعرف الشاعر «فوزي العنتيل»؟ قلت: نعم؛ قال: إن مكتبه في الطابق الثاني. فلتذهب إليه بالديوان، وسأتصل به تليفونيًّا قبل أن تصل إليه.
رحب بي فوزي العنتيل ترحيبًا حارًّا، كشف عن مضمون المكالمة. قال إنه سيقرأ الديوان لكتابة تقرير صلاحيته للنشر. واعتذر عن هذا المسلك البيروقراطي الذي لا يمكن التجاوز عنه. شربتُ القهوة معه، وانصرفت.
بعد ذلك الأسبوع، تم تسليم الديوان مع التقرير إلى إدارة النشر، ليأخذ طريقه إلى المطبعة. وانقطعتُ عن هيئة الكتاب، حتى لا يبدو ذهابي نوعًا من الإلحاح على سرعة النشر، مدفوعًا بالاطمئنان إلى صدور قريب للديوان، مع وجود الشاعر على رأس الهيئة.
ولكني- في صيف تال- صحوت على خبر وفاته، الليلة الماضية، في صحف الصباح. وفُجِعت في أنه- لحظة موته- لم يكن يبعد عني بأكثر من مائة متر، وأنني كنتُ سهرانًا- في الشرفة- دون أن أدري بموته بجانبي.
وتعمق لديَّ الشعور بأن موته ينطوي على «جريمة قتل»، حين علمتُ بالملابسات. فالشاعر لا يحتاج إلى رصاص أو سكين لقتله. فقتله.. ربما كان مرهونًا بكلمة.. كلمة واحدة. وكانوا يعرفون ذلك تمامًا. أطلقوا عليه الكلمة، بل وابلاً من الكلمات فخر صريعًا، لوقته.
مات الشاعر.. وعاش القتلة. ولكنها ميتة مرادفة للحياة، وعيشة مرادفة للموت.


أندري بريتون...على طريق سان رومانو

أغسطس 14, 2017 اضف تعليق

الشِّعر يُمارَس في سرير كما الحُبّ
شراشفه المهوّشة هي سَحَرُ الأشياء
الشعر يُمارَس في الغابات
--
إنّ له الفضاء الذي يَجِب
ليس هذا لكن الآخر الذي تُحَدِّد حالَه
عينُ الحِدَأة
الطَّلُ على نبتة ذنَب فرس
ذكرى قنّينة ترامينير مُغَبّشة بالبخار على صينية
من فضّة
رأس مِرساة عالٍ من التّورمالينi على البحر
وطريق المغامرة الذّهنيّة
التي تصعد شاقوليّةً
وكلّ وقفة تجعلها تتجلّل بعشب شائك
لا يُصرَخ بهذا على السّطوح
ليس لائقاً ترك الباب مفتوحاً
أو دعوة شهود
--
أسراب الأسماك صفوف طيور القُرقُب
السّكك الحديد بمدخل محطّة كبرى
انعكاساتُ الضّفتين
الثّلوم في الخبز
فقاقيع الجدول
أيّام الرّوزنامة
عُشبة القدّيس يوحنّا
--
مزاولة الحبّ ومزاولة الشِّعر
لا يتناغمان مع
قراءة صحيفة بصوتٍ مرتفع
--
اتّجاهُ شعاع الشّمس
الوميض الأزرق الذي يصل بين ضربات بلطة الحطّاب
خيط الطّيارة الورقيّة التي في شكل قَلب أو شبكة
الضّربات الموزونة لِذيول القنادس
إسراع البرق
دفق حبّات المُلبّس من أعلى الدّرجات العتيقة
الانجراف الثّلجيّ
--
غُرفة الجذب السّحريّ
لا يا سادة ليست الغرفة الثّامنة
ولا أبخرةَ غرفة جماعية مساءَ يوم أحد
أشكال الرقصات المنجَزة فوق البرك والمضاءة من الخلف
رسم حدود جسد امرأة بخناجر تُقذَف
التفافات الدّخان الواضحة
خصلات شَعرك
منحنى إسفنجة الفيليپين
عُقَد الثعابين المرجانيّة
دخول اللبلاب في الخرائب
أمام كل هذا ما يلزم من وقت
--
العناق الشعري مثلما العناق الجسدي
طالما يستمرّ
يمنع أيّ منفذ على بؤس العالَم

ترجمة 
مبارك وساط


فواز طرابلسي... أيام مع محمود درويش

فواز طرابلسي... أيام مع محمود درويش

أغسطس 13, 2017 اضف تعليق


في حصار بيروت 1982:

فواز طرابلسي

Aug 12, 2017
تشاركت ومحمود درويش أياما كثيفة لا تنسى خلال حصار بيروت صيف 1982. التقينا في شقة صديقه غانم زريقات. والتقينا في شقتي في حي الملّا، وكانت مركزا للرفيقات والرفاق خلال الحصار. فيها شاهدنا فيلمين معبّرين جدا عن حالتنا، أو حاجتنا، في تلك الفترة، «عمر المختار» لمصطفى العقاد و«عز الدين القسام» الأقل جودة ومن انتاج منظمة التحرير الفلسطينية. ولما انتقل محمود من شقته إلى فندق «كاڤالييه» المتفرع من شارع الحمرا تحولنا إلى الفندق وفيه ماء جارية وبيرة باردة وعازفة بيانو في البار. ذات مرة اصعدنا انا وسعدي يوسف إلى غرفته وقرأ علينا أبياتا من «مديح الظل العالي» قيد التأليف: «اقرأ باسم الفدائي الذي خلقَ/من جزمة أفقَ». كم بدت مريرة وصادمة ومتألقة تلك الكلمات حينها.
 وفي ذلك الفندق كان الوداع بحضور عدد من أعضاء «الفيلق العربي» من مناضلين ومثقفين جاؤوا من أطراف العالم العربي للتضامن مع المقاومة الفلسطينية وبعضهم قاتل في صفوفها. دارت الأحاديث عن موعد المغادرة ومقصده وواسطة الانتقال، برا أو بحرا. قرر محمود أن لا يغادر: أنا شاعر ولست مقاتلا. عند احتلال القوات الإسرائيلية بيروت، انقطعت عني أخبار محمود. إلى أن علمت انه غادر سالماً عن طريق الجو.
التقينا مجددا في باريس. هو انتقل إليها مباشرة وأنا جئتها بعد عامين، عندما قررت مغادرة العمل الحزبي واستئناف الدراسة. في باريس سكن في «ساحة الولايات المتحدة» في حي راق من باريس 16، يجاوره تجار أسلحة عرب. نزوره في شقته البيضاء الأنيقة، نضغط على زر الإنترفون: «انا يوسف، يا أبي» تيمناً بإحدى القصائد التي افتتح بها مرحلته الشعرية الجديدة. في باريس، نمت صداقة ونضجت صحبة فاروق مردم بك والياس صنبر وجوزيف سماحة وآخرين. دعاني للانضمام إلى أسرة تحرير مجلة «الكرمل»، ونشر لي كتابي «غيرنيكا-بيروت». كتبت عن تلك الفترة بالتفصيل في رثائي لمحمود بعنوان «ذكاء القلب» ولن أكرر. أكتفي بالقول إن معادلة «ذكاء القلب» عندي تختزل محمود درويش الشاعر والإنسان.
ما لم أكتبه هو مرافقتي لمحمود خلال كتابة «ذاكرة للنسيان. سيرة يوم واحد. الزمان: بيروت، المكان يوم من أيام آب 1982» (1987). حبس نفسه لأسبوعين في البيت. أنجز المخطوطة جرة واحدة وسلّمني إياها. منذ أيام عثرت على الأوراق الثلاث المؤرخة بتاريخ الاثنين 18 آب (أغسطس) 1986، التي دوّنت عليها مقتطفات وملاحظات أود أن أشارك القارئ بالبعض منها.
القهوة-الفاتحة. كان على محمود درويش أن يبرأ من صدمات بيروت ليكتب عن بيروت نصه النثري الأكثر تألقاً ودرامية. ولما شرع في الكتابة، كانت الفاتحة صفحات لا تنسى عن طقسه المقدّس في صنع القهوة: القهوة، «أختُ الوقت»، «صوت المَذاق» و«صوت الرائحة».
الماء: الحرب تهمّش حتى الشِعر، يقول: «تنكة من الماء تساوي وادي عبقر». قد لا يكون هذا هو السبب الوحيد لاختياره النثر على صنعة أهل عبقر. ولكن المؤكد أن ما من ظمأ يضاهي ظمأ تلك الأيام من آب اللهّاب. صار صوت الماء هو الحرية. على العطش يستنجد الشاعر بأسماء الماء الحسنى عند ابن سيده، كمن يتمتم صلاة استسقاء. حتى أنه يعرّج على الخلاف الفقهي حول عبارة «وكان عرشه على الماء» في الآية: مَن خلقه اللهُ قبل الآخر، العرشَ أم الماء؟ والماء هو البحر والفدائي، الذي يسأل محمود ماذا يقصد بالبحر في شعره، لامس فزع محمود الأسطوري من اليمّ.
الحصار: يرتقي التعبير نثراً عن الغزو والحصار الإسرائيليين إلى المستوى التوراتي مثلما سوف يرتقي إلى مستوى التعبير الملحمي في قصيدة «مديح الظل العالي». القنبلة الفراغية خارجة من سفر يشوع وتدمير بيروت قرين تدمير أريحا. ومناحيم بيغن يتقمص الملك سليمان باحثا عن ملك صور ليوقّع معه معاهدة سلام. لكن التظاهرات العارمة في تل أبيب ضد غزو لبنان لا تثير لدى محمود أي حماس أو تعاطف. «إسرائيل تسرق منا كل الأدوار: فمنهم القاتل ومنهم الضحية». يفضل أن يكون بين المنتصرين ولو كان الثمن ان تخرج تظاهرات الاحتجاج ضده.
أصدقاء الحصار: يعرفنا بالبعض ويخبّئ البعض الآخر، أو هكذا يظن. في كل الأحوال، لن أكشف ما قرر ستره. ابن عمه سمير درويش، أول ضحايا القصف الإسرائيلي للمدينة الرياضية يوم الرابع من حزيران (يونيو). جاره ألبير أديب وزوجته؛ شاعره «ي»، الذي انتقل من دائرة الري في بغداد إلى دائرة الدم في بيروت؛ صديقه وزميله «س» الذي يمارس نقد النقد بالعضلات؛ «صديقنا الكبير فـ«؛ «الحلزون»؛ «الطاووس العجوز»؛ «الجرادة»؛ «م» الذي يستحضر معه ذكرى عزالدين قلق؛ «بسام» و«الصنم» الساكن عنده؛ و«ز» و«هاني» وحكاية الصيّاد الذي يريد العودة إلى «الحمامة»، وأساتذة وأدباء ومستشارون، وغيرهم.
 حضرت النساء طبعاً. خرجت المرأة اليهودية من المنام، و«هـ» التي تكره الفلسطينيين وتحب بشير الجميل؛ و«ج»، خصوصا «ج»، «مطلع الجنون وجهنم والجنة» ومعها حضرت «جميع الشهوات المنتصرة على حرب بجماع لا يتحقق الا في الخوف من الموت». في الحصار، تحضر المرأة بأل التعريف ليسألها الشاعر «كم امرأة انت؟». كأنه في امرأة واحدة أحب كل النساء أو كأن محمود يطرح على نفسه سؤاله الدائم عما إذا كان فعلا قد أحب في حياته.
ومحمود مصمم على مقاومة الحصار بكل الوسائل. جزمة الفدائي لا تسدّ الأفق على الحذاء النسوي وهذا بدوره يتسامى كما لا حذاء: «والحذاء العالي يغيّبُ القدمَين في أهبة الرقص فوق الدخان المتصاعد من رغبة محروقة. والحذاء العالي يتلع الجِيدَ كلحظة انتفاض الخيول على هاوية». وبالحب تكون المقاومة ولو كان نزوة، «نزوة هي مجال الشاعر في التباس التشابه بين المرأة والأغنية». امتنع عن المجامعة خلال فترة الكتابة ليستحضر شبقه زمن الحصار. وهذا ما تيسر من آياته «لا أعرف إن كنت أحبك ما دمت أخبّيء دمي تحت جِلدك وفي شُعيرات السِرّ المقدّس أذرف عسلَ النحلِ الأحمق».
بيروت: ليست فقط خيمته ولا هي فقط نجمته، وحيدتين أو أخيرتين. بيروت حِيرته. هل يحبّها؟ السؤال كاف بتأمين ديمومة الحيرة. على الشاعر أن ينتج وصفات ومعادلات وصيغا لا متناهية لتبديد حيرة لن تتبدد:
بيروت، عاصمة الأمل؛ بيروت، الشارع الأخير الخارج عن هندسة الطاعة.
بيروت الحرب الأهلية حيث النافذة تعادي النافذة التي تواجهها. بيروت «هوية المعارضة العربية لنظام البطش العربي»؛ بيروت-الحرية «رئة يتنفّس منها نفر من البشر، بينهم القاتل والقتيل»؛ بيروت المتعددة ـ «حالة. فكرة. إحالة. زهرة خارجة من نص. فتاة تربك المخيلة» ـ تحيله إلى «بيروت غناء الفوارق والفروق» قبل أن يعلن العاشق الاستسلام: «لا بيروت في بيروت»!
 والحصار، الموشك على هزيمة أخرى، طرح الأسئلة الكبيرة التي حشرت نفسها هنا أيضا في ذلك اليوم-المكان من آب 1982…
دور الأدب والأدباء. «وإذا كنا نشكو التقصير في القدرة على اتقان لغة الناس، في العملية الإبداعية، فإن ذلك لا يمنعنا من الإصرار على التعبير عنهم لنصل إلى لحظة يحقق فيها الأدب عرسه الأكبر، حين يصبح الصوت الخاص هو الصوت العام. نعم إن للأدب دورا… وإن انقطاع التفاعل بين النص وبين الذي يتحول النص ـ فيهم ـ إلى قوة هو اغتراب الأدب الذي يصفّق له الآن المبشرّون بالهزيمة النهائية لكل شيء». مقطع كأنه تطبيق لـ«أطروحات عن فيورباخ» لكارل ماركس!
نقد النقد والنقد الذاتي. الشاعر لا يرحم أحداً في المسؤولية عن التجربة الفلسطينية في لبنان. لا أبو عمار ولا جورج حبش ولا مثقفين لبنانيين في انكفاءتهم الطائفية. انحيازه إلى الفدائي الفلسطيني: «المدجّج بجهل خلاق بموازين القوى… الذي يصحح لغة العرب». أقنعه مثقفون بأنه بديل السائد «وحين انقضّ عليه السائد طالبوه بالنقد الذاتي لأنه أفرط في الوطنية… إلى درجة الخروج من حظيرة السائد».
 يقول فلاديمير ماياكوفسكي إن الحياة تطرح علينا مشكلات عملية لا حل لها إلا بواسطة الشَعر. يمكن النظر إلى تعاطي محمود درويش مع وقائع وتداعيات وموحيات التجربة الفلسطينية في لبنان على أنها محاولات متعددة لتطبيق تلك المعادلة.
النقد الذاتي واجب: لم نفهم لبنان. لم نرَ منه «غير صورتنا على وجه الحجر المصقول». يليها: لا أحد يفهم لبنان. هل هذا تهرّب من تحمّل المسؤولية أم محاولة في الفهم بعمق: ألأن الواقع المفكك لا يُدرَك أم لأن الوعي المفكك لا يُدرِك؟ لا جواب. بل معادلات يحق للشِعر وحده أن يجيزها لنفسه. «ماركس واقفا على رأسه، معيداً هيغل للوقوف على قدميه بأدوات ماكيافيللي الذي أسلَمَ على باب خيمة من خيام صلاح الدين».
لا يكفي. في الوعي إدراك عميق لتناقضات فلسطين. «لماذا يكون الوطن اللبناني منافياً لفلسطين؟ لماذا يصير الرغيف المصري منافياً لفلسطين؟ ولماذا يصبح السقف السوري منافياً لفلسطين؟». أسئلة تكتسب راهنية متزايدة بعد الانتفاضات العربية، وتفسح مجالا للتفكير في نسج العلاقات المتجاوزة للمتنافيات. أسئلة تصفع تبسيطية «القضية المركزية» و«يا وحدنا» و«فلسطين البوصلة» وما نسج على منوالها. فماذا يتبقّى؟
«ذاكرة للنسيان». هل المقصود، في هذه المعادلة المستحيلة، استذكار التجربة الفلسطينية في لبنان ثم يطويها النسيان؟ أم المقصود انتشال ما هو منسيّ منها، أو ما يراد طويه بل طمسه، لاستحضاره من أجل استذكاره؟ يلعب محمود على الكلمات ولا يلعب، فيترك لنا مقاربة جدلية موحية.
 «ذاكرة للنسيان» نقض لـ «تنذكر وما تنعاد»، المثل الشائع الذي أرسى نهجا كاملا في التعاطي مع الحروب والذاكرات الجمعية، قوامه أن تذكر العنف يمنع تكراره. نَقَضَ الزمنُ والتاريخُ هذا المعادلة ونقضها تطورُ العلوم المعنية بآليات اشتغال العقل البشري. والبداهة المخفية هنا هي أن كل عملية تذكّر، إنما هي عملية نسيان في الوقت ذاته. الذاكرة تنتقي من مجموع مواد تنطبع عليها ما تستبقيه، أتمّ ذلك بطرائق واعية أو لا واعية. أي أن الذهن البشري هنا يمارس عمليتين: يتذكر وينسى. من جهة ثانية، فالمرء لا ينسى إلا ما يعرفه، أي ما يتذكره. حيث النسيان، الفردي والجمعي، ليس سهوا أو فقدانا للذاكرة، بل هو قابلٌ لأن يكون عملية إرادية واعية. وثمة في ذاكرتنا الجمعية ما يستوجب النسيان بالتأكيد.
هكذا تستقيم المعادلة لتطرح السؤال الكبير في كل حالة: ما الذي يجب تذكره وما الذي يجب ان نتذكره لننساه؟
هذه معادلة تستحق ان ننقذها من النسيان!

هوس الجملة الأولى: اليوم ماتت أمي!

أغسطس 10, 2017 اضف تعليق

برنار كيريني 15 مارس 2017
                                                            
"لكي تكون جملة ما أخيرة، يلزمها جملة أخرى
 كي تؤكد ذلك، فهي ليست بذلك أخيرة".

 جان فرنسوا ليوتار


الجملة الأولى مشاكسة. ذلك ما فكر فيه غولد يومَ قرر أن يخط فيه الكتاب الذي طالما حلم بإنجازه منذ سنوات عديدة. أنفق ساعات طويلة إزاء ورقته البيضاء وهو يفتش عن الجملة الأولى المثال. فكلما وضع طرف قلمه على الورقة محاولا إزاحة معصمه ليرسم مدار الحرف الأول؛ حتى يتوقف كل مرة مستشعراً انزعاجاً من أن توجد طريقة أخرى أفضل لبدء النص. لأن كل ما سيكتبه سينحدر منها، ذلك أن جملة أولى سيئة سوف تُعدي الكتاب برمته. يجب أن تكون جلموداً؛ حجراً صلداً يمكن البناء فوقها بكل أمان، يلزم إتقان صياغتها حتى تبلغ غاية الكمال. إذ سوف يبدأ بها أغلب قرائه المقبلين، لأنها بشكل ما هي مقابل اليد التي نبسطها للمصافحة لدى موعد أول. إذا كانت أظافركم متسخة أو إذا سحقتم أصابع محادثكم وأنتم تهزون يده مثل عصفور دوري ميت، فلا تتوقعوا أن تثيروا لديه انطباعاً حسناً. ذلك هو شأن الكلمات الأولى من كتاب. كان غولد يطاردها طيلة نهار، مستشعراً قلقاً عارماً بمجرد التفكير في الانخراط معها في صراع بلا هوادة، وكأنها حيوان محتال وماكر.


ربما كان قلق البدايات هذا هو الذي دفع الناس إلى ابتكار عبارات المفتتح. فهي وسيلة للغش بشأن الجملة الأولى، وذلك باستعارتها من كاتب مشهور. كان غولد لا يقبل تلك الخطة التي يعتبرها ضرباً من ضروب الجبن. بإمكان أي كان، في عرفه، أن يأخذ من كتاب رائع جملة كي تنعكس عبقريتُها بلا مسوغ على النص الذي ستفتتحه؛ هذا الشكل من التنصل من المسؤولية بالتستر خلف رجل عظيم مرفوض بالنسبة إليه. ولعل ذلك أشبه بأن يخطف من فوق غطاء سيارة برلينية فاخرة شارتها ويلصقها فوق الغطاء الأمامي لسيارته الشخصية العتيقة. استبعد غولد، الذي لم يكن من الصنف الذي ينجرّ خلف السهل، فكرةَ عبارة المفتتح واستمر في البحث عن الجملة الأولى المثالية. فكر في فلوبير الذي قال إنه لم يعثر على الجملة الأولى لكتابه "بوفار وبيكيشيه" إلا بعد أن قضى "أمسية من العذاب". فكيف اجتاز الكُتاب الكبار هذه التجارب؟ قرر غولد أن يتمعن في بعض البدايات المستخلصة من رواياته المفضلة، آملا بأن يعثر لدى الكبار على معلومات جديرة بمساعدته على تخطي تلك العقبة.




الجملتان الأوليتان الأكثر شهرة في الأدب الفرنسي هما بلا شك: "اليوم، ماتت أمي" و"كثيراً ما آوي باكراً إلى فراشي". رددهما غولد مرات عديدة، كل واحدة بصوت مرتفع. ليستا في الظاهر ذاتي بال، لكن يجب التسليم بأن بساطتهما تنبئ عن عبقرية حقيقية. ما إن نتفحصهما عن كثب، حتى يتبادر إلينا بأنهما قد وضعتا، على ما يبدو، خصيصاً من أجل العملين العظيمين اللذين افتتحتاهما. وكأن اللغة الفرنسية قد كُيّفت منذ القدم لتتيح هذا التنسيق للكلمات الممتازة، بله التنضيد الذي يحق اكتشافه، وهو لأناس من أمثال بروست وكامي. خطر لغولد أنه يوجد، على ما يبدو، منتشراً في الهواء الطلق، نوع من قطعان الجُمل الأولى الكاملة والتي لا يستطيع أن يراها ويأسرها سوى الكتاب الكبار وحدهم. وبما أن كاتباً كبيراً يكتب، بطبعه، الكتب العظيمة، فالكتب العظيمة تتسم دائماً بالجمل الأولى الممتازة.


سحب غولد كتبه المفضلة من مكتبته لكي يقرأ منها جُمَلَها الأولى وحدها. ووقف، ما لا يخلو من مفاجأة، على أن عدداً من العباقرة قد ابتكروا بأنفسهم حيلا لبقة كي لا يشْقَوْا بخصوص البدايات.


-لجأ بعضهم  إلى عبارات المفتتح. إن غولد غير متفق، كما رأينا، مع تلك الطريقة، لكنه يرى أن كيفية استخدامها من طرف الكتاب الكبار ليست مذمومة. فلا شيء يربط بين كاتب فاشل يرفض أن يواجه قلقه بخصوص الجملة الأولى مستشهداً بكاتب كبير وبين عبقري يحيِّي نداً له باقتباسه عبارة له. لأن عبارة المفتتح ليست، بالنسبة لهذا الأخير، إلا حيلة للتعبير عن انتمائه لمجمع العقول الكبيرة، وليست ذرعاً لن يكون بمقدوره أن يشن غارة بدونها على كتَابِه ذاته. في نهاية المطاف، وانطلاقاً من مستوى معين من الإجادة، يصير الكتّاب الكبار شخصاً واحداً، يتحولون إلى عدد من الوجوه المتميزة لواحد يدعى الأدب. يرى غولد عالم الكتّاب الكبار مثل نوع من محفل "المائدة المستديرة" حيث كلُّ جزءٍ كل، والكل كل جزء. لا يهم إذن، في هذا الخيار، أن تكون جملة الكتاب الأولى للكاتب الكبير زيد قد كتبت في الواقع من طرف الكاتب الكبير عمرو: يتعلق الأمر في كلتا الحالتين بعيون الأدب. يبقى هناك افتراض بأن يضع الكاتب الكبير زيد، في مفتتح عمله العظيم، اقتباساً من كاتب رديء حارثة، لكن الفكرة تقزز غولد كثيرا، ما جعله يرفض حتى التفكير فيها.


-خطرت لفلاديمير نابوكوف فكرة هائلة، وهي أن يثبت في مستهل روايته" لوليتا" نوعا من التمهيد كتبه طبيب خيالي هو الدكتور جون رِي. كان ذلك لفتة حاذقة منه: لن يجرؤ أحد على أن يطالب من وثيقة طبية أن تصدر عن خصوصيات أسلوبية فريدة. فالمرء لا يختار طبيبا بناء على جمال أسلوبه. تخلص نابوكوف إذن، على هذا المنوال، من قلق البدايات بتحميل جون ري عبء ذلك، واستطاع أن يكتب منسلخاً عن كل غم، وبلا عذاب. يشبه هذا تماما أن نبتكر بأنفسنا عبارة المفتتح، وننسبها إلى شخص خيالي لا يكون الأسلوب ضمن اهتماماته الأساسية.


-أما أوسكار وايلد، خلاف ذلك، فقد اختار المشقة. افْتُتِحَ كتابه "بورتريه دوريون غري" في فخامة منقطعة النظير، بتصريح يذهل القارئ تماما. "الفنان خالقُ الجمال"، وهي الجملة الأولى من ذلك التقديم. فهمَ غولد بأنها تشكل جزءا لا يتجزأ من النص وبأن وايلد الشجاع لم يضعف قدام العدو: صارت تلمع مثل الشمس تماما، ولم ينفك يعجب بها أكثر فأكثر.


-بدأت رواية "الجبل السحري" لتوماس مان، هي أيضا، بوصف مسهب، وقد توصل غولد بشأنها إلى الخلاصات نفسها: المقدمة هي نص الرواية عينها، ذلك أن مان جابه خوفه من غارتها بكل البسالة التي يحق لنا أن نتوقعها من رجل عظيم.


كانت لموزيل، جويس، فوكنر، بويز، لورانس، أورويل، سيلين ودوبلان كلهم جمل أولى تتسم بإتقان مدهش. تساءل غولد حول منهجيته وهو يتقدم شيئاً فشيئاً في مباحثه: ألم يكن من الحصافة أن يكتفي بدراسة طريقة عبقري واحد عوض أن تتوزعه سبل البحث؟ أو ليس هناك شيء من ادعاء أخرق في دراسة الكبار وحدهم؟


قد تعلمه الجمل الأولى المأخوذة من كتب تافهة ومن روايات رديئة، بشكل أفضل، وبطريقة أكثر واقعية كيف يتمكن من التخلص من خوفه. هل شاء إذن أن يوفق من الوهلة الأولى في نسج جملة استهلالية شبيهة بجمل كل من والسر أو ستيرن، هو الذي لم يقدر أبدا أن يكتب كتابا جراء عجزه عن الشروع فيه؟ فكر في الأمر، لحظة، ثم استبعد ذلك التعليل. واضح أنه كان سيكون، بالنسبة إليه، من التواضع دراسة الجمل الأولى لأعمال أقل فخامة من تلك التي تواثب عليها، لكن اختيار معلم سيئ، عن طواعية، هو سلوك مناف في العمق لأية بيداغوجيا. من أراد أن يتعلم الرسم فهو يستفيد أكثر من تأمل أعمال ماتيس منه من التحديق في روث ريفي. ينطبق هذا الأمر أيضا، وبشكل منطقي، على الأدب.


كيفما كانت الحال، فدراسة الجمل الأولى لرواياته المفضلة لم تفد غولد كما ابتغاه. استخلص من قراءاته انطباعاً ملتبساً. أحياناً، يشعر بأنه مستعد، وهو يقول في نفسه، بأن الحاجز لم يكن، في نهاية المطاف، سوى نفسيّ، وبأن الكلمات الأولى لا تهم أكثر من تلك التي تليها؛ يتعلق الأمر بالإرادة وبالحالة النفسية، وهذا لا علاقة له، مع ما يمكن زعمه، بالاستعصاء الوجودي للجملة المعنية. لكنه يقول في قرارة نفسه، في أحايين أخرى، بأنه لن يفلح أبدا، وأن الجملة الأولى غول رهيب بالنسبة إليه، وبأن الكتاب الكبار هم وحدهم القادرون على التباري معها. لقد هزمه الوهن إذن والتجأ إلى الاستخفاف، عازماً على استعمال الورقة الخسيسة للمعارضة الساخرة (ما كان سيمنح  شيئاً من هذا القبيل: "اليوم، ماتت أمي، ولم يمنعني ذلك من أن أنام باكراً"). طاوله الوهن واستشعر بأن الجملة الأولى الممتازة، تلك التي يبحث عنها منذ زمن، تزدريه مثل شخص تافه. شرسة وحقودة، أشعرته إلى أية درجة هو حقير، لا يليق بالكبار. وبما أنه لا يستطيع أن يتحمل إمكانية كتابة بداية يُرثى لها، بدا له أنه لا مخرج من ذلك المأزق.


خطرت له إذن فكرة عبقرية. وبما أنه لم يستطع مجابهة العائق فقد تخطاه. هل سيخفق في إيجاد الجملة الأولى المثالية؟ فليكن إذن! سوف يبدأ بالثانية. أخذ قلمه بحمية وكتب: "(...) ذلك ما جعلني أتوقف هنا". كان انبساطه هائلا. الصخرة التي كانت تسد قنواته الذهنية قد انزاحت الآن. لقد بدأ غولد كتابه، الكتاب الذي يبدأ بالجملة الثانية. تأملها، مفعما برضى عميق. سرعان ما لمح، مع ذلك، بأن هناك مشكلا ما. إنه، على كل، جد بسيط: القارئ الذي سيفتح كتابه سيبدأ مباشرة بالجملة الثانية، دون أن يدرك أن الأمر لا يتعلق بالأولى. إذا تمكن غولد من أن يكتب فلأنه يدرك بأنها لم تكن الجملة الأولى، لذلك فليس لها أن تسعى إلى الكمال. ولو أرادها أولى، ربما لبحث عن صيغة أكثر رونقاً، مع احتمال أن يترصد على مدى أيام وأيام الشكل المثالي. أفسدت لامبالاة القارئ المتوقعة فكرته: إذا سيعتبر القارئ الجملة الثانية على أنها الأولى، فغولد لن يتمكن من كتابتها هي أيضاً. فكر إذن أن يضع في مفتتح الكتاب توطئة توضيحية تشرح بأن الجملة الأولى هي الجملة الثانية؛ لم يعمد هذا، لسوء الحظ، إلا إلى تغيير موطن الخلل، لأن هذه التوطئة هي التي ستحتوي على جملة الكتاب الأولى والحقيقية، فلم يتمكن من كتابتها.


ثارت أعصاب غولد. صار مرتجفا، وسنحت له فكرة أكثر جذرية. ما دام وضع الجملة الأولى بين قوسين يؤدي إلى الاعتقاد بأن الجملة الثانية هي الأولى، فقد وضع الجملة الثانية بين قوسين أيضا. وصارت الثالثة هي الأولى: سوف يضعها هي أيضا بين قوسين مثلها مثل الرابعة والخامسة عندما يحل دورها. كتب غولد، وهو في كامل احتدامه، الفقرات الثلاث الأولى من كتابه دفعة واحدة: "(...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...) (...)"؛ لم يلزمه إذن في الأخير إلا يوم وليلة كي ينهي كتابه. قرأه مرتين وهو مملوء زهوا، قبل أن يسقط منهكاً. صار غولد كاتب رواية، لما لم تبدأ بالجملة الأولى فإنها لم تبدأ نهائيا.


قضى غولد، بعد سنوات من ذلك، على الخوف المتوجس من الجملة الأولى وكتب كتباً حقيقية. إلى درجة أنه صار كاتبا محترما، ومعروفا في أوروبا بأسرها. عندما بلغ آخر أيام حياته، دبج مذكراته. ستكون كتابه الأخير، كتبه بلغة عفوية وصافية. تحدث فيه باستهزاء عن القلق العبثي الذي كان بمثابة حجر عثرة بشكل مؤقت في شبابه أمام طموحه الأدبي. انساقت إليه الكلمات وكأن بفعل ساحر. قرر، بعد أسابيع كثيرة من المتعة الخلاقة، أن ينهي كتابه. فصار، ثمة، فجأة، فريسة قلق رهيب: راح يشك، لا يراوح مكانه، وفقد ثقته التامة بنفسه. لقد بلغ به الكبر مبلغا كي يأمل في كتابة كتاب آخر، فهو يدرك أن الكلمات التي سوف يدبجها الآن ستكون هي كلماته الأخيرة. ستكون الكلمة الأخيرة من كتابه هي الكلمة الأخيرة في حياته، إيماءته الأدبية النهائية، أي نوعا من الوصية. يلزمه أن يجعل منها شيئا لا ينسى، وقد طرد هذا الاقتضاء النوم من جفنيه. خشي غولد أن يموت دون أن يعثر على الجملة الأخيرة الكاملة. كان ذلك عذابا حقيقيا بالنسبة إليه. وسرعان ما أحس بقواه الأخيرة تخونه، وانهار، وبغمغمة غضب، كتب على الورقة: "(...)" تأمل الصفحة الأخيرة من كتابه الأخير، هنيهة، وفهم أن طمسه للجملة الأخيرة لا يكفي، لأن ما قبل الأخيرة سوف تصير الأخيرة. طمس إذن ما قبل الأخيرة. وما قبلها. وتلك التي قبل ما قبلها. واحدة تلو القريبة منها، محا غولد في ساعات قليلة الخمسمائة صفحة التي تتكون منها مذكراته، لعدم تمكنه من ختم كتابه بجملة أخيرة رائقة. صار كاتب كتاب لما لم ينته بجملة أخيرة ممتازة مستحيلة، لم يبدأه بتاتا. جملة عمله الأخيرة هي إذن الجملة الأخيرة لكتابه السالف: فحصها بانزعاج وقال في نفسه بأنه لن يودّع الأدب حتما بذلك الشكل. طمسها إذن، وكذا تلك التي قبلها. محا كتابه ما قبل الأخير هو أيضا من النهاية حتى البداية، خوفا من الكلمات الأخيرة. انقض غولد، وهو ممسوس، على كتبه كلها ومحاها بالمقلوب. توقف وجيب قلبه وهو منشغل بمحو روايته الثانية. وخلّف هكذا عملا غير تام. ليس لأنه لم ينجزه كاملا، ولكن، لأن الوقت قد أعوزه كي يدمره بكامله.  



* ولد برنار كيريني في بلجيكا سنة 1978، ويعيش ويعمل في فرنسا. نشر مجموعته الأولى "قلق (أو هوس) الجملة الأولى" منذ أكثر من عقد من الزمن. وهي التي أخذ منها النص أدناه، والذي يحمل نفس العنوان. أثارتني حينها كتابته التي استفادت كثيراً من الأدب الغرائبي واللامعقول على اختلاف تنويعاته، سواء لدى إدغار ألان بو، أو بورخيس أو حتى لدى كافكا، مع محاولة منح مسحة شخصية لمتاهات نصوصه. فإذا كانت قصصه متفاوتة القيمة، ولا تمنح جميعها لذة استكشاف عوالم بسيطة في صور مثيرة تبطن عمقاً أخاذاً، فإن نتاجه التالي لم يعد يغريني للسبب ذاته.


يبني كيريني نصوصه بوعي حرفي خاص، لأنه لم يكن قط في صغره ممسوساً بالأدب، بل لم يكن يقرأ حسب اعترافه، إلا في المرحلة الجامعية، ما دفعه إلى دراسة القانون وأهّله إلى امتهان التعليم في نفس المادة.


كتب في الصحافة أولا، ثم مارس فيها أيضا النقد الأدبي، خاصة بعدما صدرت له مجاميع قصصية وأعمال أخرى. وهذا النص الذي بين أيدينا ترجمْتُه وفاء لبدايات كيريني التي كنت قد خلت أنها تعد بالأجمل!


   


المترجم: عبد الله كرمون 

عن ضفة ثالثة