الغراب والبلبل لاليليا ابو ماضي

يونيو 26, 2017 اضف تعليق
 

قال الغراب وقد رأى كلف الورى وهيامهم بالبلبل الصّدّاح
لم لا تهيم بي المسامع مثله ما الفرق بين جناحه وجناحي؟
إني أشدّ قوى وأمضي مخلبا فعلى م نام النّاس عن تمداحي؟
...

أمفرق الأحباب عن أحبابهم ومكدّر اللّذّات واالأفراح
كم في السّوائل من شبيه للطّلا فعلى م ليس لها مقام الرّاح؟
ليس الخطوط من الجسوم وشكلها السرّ كلّ السرّ في الأرواح
والصّوت من نعم السّما ولم تكن ترضى السّما إلاّ عن الصدَّاحِ
حَكّم القضاء فإن نقمت على القضا فاضرب بعنقك مدية الجراحِ

بعد نصف قرن على هزيمة يونيو 1967: «الزعيم» في الفن المصري مازال يُغني ويعظ

بعد نصف قرن على هزيمة يونيو 1967: «الزعيم» في الفن المصري مازال يُغني ويعظ

يونيو 15, 2017 اضف تعليق


Jun 15, 2017
القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: لم تكن هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967 مجرد معركة خاسرة يمكن تجاوزها حتى الآن في ظل آفة العيش في ظل التاريخ، لم تزل هذه الآثار ترمي بشرر على وعي الأجيال المصرية والعربية. فالحدث لم يكن مجرد هزيمة كما سجل الهزائم المعهود لدى العرب، بل كان تجسيداً لحال ابتدأ بأزمة ــ رغم ما جسده من حلم مشروع ــ وكان من الحتمي أن تنفجر هذه الأزمة في وجه الجميع. وما بين سنوات الفرح والإيهام ببعض الإنجازات، يصحو وطن البلاغة ليجد أوهامه قد تبددت، فالبعض تنبأ، والبعض لم يستطع التصديق، والبعض الأخير جعل من الأمر سلعة يحيا ويناضل من خلالها في خطب عصماء ومؤلفات فارغة، تليق بهذا الوعي المنتهَك. ولم يكن الفن بعيداً عن السياسة في يوم من الأيام، فهو الصوت الأرّق، والأقوى تأثيراً وترسخاً في نفوس الجماهير ــ مرحلة القطيع التي لم يزل يحياها الكثيرون ــ ومن خلال الأغنيات والأشعار والأفلام والمسرح، تمت أسطرة البطل وصورته، وأصبح التسبيح باسم البطل الأوحد هو سمة ذلك العصر، الذي كان لا بد أن يستفيق أصحابه على صفعة لم تزل وجوههم تحملها حتى الآن.
يا أهلاً بالمعارك والنهار اللي عدّى
«وصحيت على ثورة بتهز الدنيا/ولقيت أوطاني حكمها بإيديا/وجمال قدامى بينادي عليا/قوم أرفع راسك واشبع حرية».
«كانت الصرخة القوية/من ميدان في اسكندرية/صرخة أطلقها جمال/إحنا أممنا القنال/ضربة كانت من معلم/خلى الاستعمار يسلم».
«يا أهلاً بالمعارك/يا بخت مين يشارك/بنارها نستبارك/ونطلع منصورين».
«إحنا الشعب/إحنا الشعب اللي اخترناك من قلب الشعب/يا فاتح باب الحرية/يا ريس يا كبير القلب».
«صورة صورة صورة/كلنا كده عاوزين صورة/صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة».
«عدّى النهار/والمغربية جايّة تتخفّى ورا ضهر الشجر/وعشان نتوه في السكة/شالِت من ليالينا القمر».
بعض مقاطع من أشهر الأغنيات في وجدان المصريين، أغنيات واكبت رحلة البطل الأوحد، وجد عبد الناصر ضالته في صوت عبد الحليم حافظ، كما وجد الأخير وجوده في هذه الأغنيات، وتلاقت مصائر البطل السياسي والشعبي مع مطرب الثورة ومُنشدها الأول. شاب صغير ملامحه كما ملامح آلاف المصريين، ضئيل الجسد ويحمل صوتاً جباراً كحلم، الأمر درامي إلى حدٍ كبير، وما النهايات إلا صورة صادقة للبدايات. لم يكن عبد الحليم يكذب أو يدّعي في ما تغنى به، كذلك الثنائي الأشهر معه، صلاح جاهين، وكمال الطويل ــ الأخير إلى حدٍ ما، نظراً لميوله الوفدية ــ ومن خلال الأغنيات الأقرب إلى البيانات والمنشورات الثورية، التي تذاع وتتواتر كخطب وأقوال الزعيم الخالد، استمرت الحالة كأغنية طويلة لا تنفصل مقاطعها، من حركة التأميم، إلى العدوان الثلاثي، مروراً بالوحدة مع سوريا وحرب اليمن والعودة المأزومة منها ــ لم تظهر الأزمة أو الكارثة في الأغاني طبعاً ــ حتى يوم الخامس من يونيو 1967. لتبدأ مرحلة الانحدار أو السقوط المدوي، ليصبح صوت عبد الناصر أقل حدة وجرأة، ويصبح صوت عبد الحليم أكثر حزناً ويُتماً عن المعهود، لنصل إلى أغنية «عدّى النهار» التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي ولحنها بليغ حمدي، نغمة حزينة وتائهة لا تعرف لها طريق. بعدها عاد مطرب العواطف وقد «أدخلته يد الله في التجربة»، دون أن ينسى وهو في قمة الوله والحب أن يُلمّح في مقطع عاطفي دال .. «ما رمانا الهوى ونعسنا/واللي شبكنا يخلصنا».
من رد قلبي إلى الشيطان يعظ
ولم تكن السينما بعيدة عن هذه الأحلام/المتاهات، بل أصلت لصورة الزعيم ورفاقه، وأصبح الجيش ورجاله هم الأمل المرتجى، وما الإصلاح والصلاح إلا عن طريق هؤلاء الفتية الذين زدناهم هدى. يوسف السباعي، عز الدين ذو الفقار، ضابطان سابقان في الجيش، إضافة إلى فئة الكتاب والمخرجين من أصحاب الميول الاشتراكية، وكذلك البقية الباقية من الفنانين عديمي الموقف السياسي، والمُهللين للركب العظيم ــ الفئة الفنية الغالبة ــ فكان الانتقام من العصر البائد/عصر الملك، ووصمه بكل الشرور والموبقات، وما العصر السعيد ــ عصر يوليو ــ إلا جنة الخلد على الأرض. العديد من الأفلام التي تناولت حال الزعيم وحركته الثورية، أعمال متباينة المستوى، إلا أن أكثر فيلمين تأثيراً هما .. «رد قلبي» و»الناصر صلاح الدين»، وقد رسّخا في وجدان الشعب المصري والعربي صورة الزعيم ونضاله وحكمته وحلمه الدائم بعالم سعيد. فها هو ابن الفلاح يصبح ضابطاً في الجيش، ويخوض الحروب، ويحب ابنة الباشا ــ شكل انتقامي من الفئة الإقطاعية بمفهومها المصري ــ وها هي حركة التأميم، وحلم التغيير تم بالفعل، فلم يعد هناك سادة ولا عَبيد، فقط أسوياء كأسنان المشط.
ظهرت بعد ذلك نغمة انتقادية بعد استتباب الحلم الثوري، الذي أصل بدوره للمناخ البوليسي الذي مسخ المصريين ــ حتى الآن ــ النغمة التي تعالت في فيلم «شيء من الخوف» الذي كتب السيناريو له عبد الرحمن الأبنودي وأخرجه حسين كمال، وتصوير عصابة السلطة والحاكم الأوحد، الذي لم يستطع بأفعاله كسب قلب حبيبة طفولته.
ثم جاء فيلم «ميرامار» قصة نجيب محفوظ وإخراج كمال الشيخ، ليوضح أسباب ما آلت إليه الأمور، من فساد مدّعي الثورية وتهميش جيل آخر، حُكم عليه أن يعيش دوماً في الظِل.
 وفي الأخير نجد فيلم «الشيطان يعظ» عن قصة بعنوان «الرجل الثاني» لنجيب محفوظ، وأخرجه أشرف فهمـي، وهو يوضح من خلال رموزه كيف بدأ الأمر بفكرة البطولة والتضحية وانتهى.
 فها هو (شطا الحجري) يريد أن يصبح فتوة وينضم إلى عالم الفتوات، مجرد «كوّاء» بسيط كما العديد من أهل الحارة، لكن حلمه وطيشه يحثانه على المخاطرة. الاسم نفسه ذو دلالة ــ كحال اسماء شخصيات محفوظ ــ البطل صاحب الشطط في الفكر والأفعال، لا يجد إلا الانضمام إلى فتوة حارته، الأقرب إلى أفكاره في تحقيق العدل أو نموذج الفتوة الصالح ــ هكذا يظن ــ لكن الرجل يتخذه وسيلة لتحقيق أهدافه، بأن يتتبع فتاة شابة، ويحاول الإيقاع بها اختباراً لأخلاقها، لكن الحجري يقع في حب الفتاة، ويهرب ليتزوجها بعيداً عن عين فتوة حارته، وهنا تكون الطامة الكبرى، باللجوء إلى فتوة آخر أكثر شراسة، فشطا وأمثاله وما يمثلونه مجرد دُمى في يد الكبار، فما كان من اغتصاب زوجته أمام عينيه، ليحمل آثار هذا العار زمناً طويلاً. هكذا عالج محفوظ الأمر، وهكذا كانت الرؤية الفنية لأحداث جسام في تاريخ وحياة الناس، وبما أن الأكثرية في هذه المنطقة تعشق التغني بالألم، فالأمر لم ينته، ويتناقل ويتداول ويتواتر كحكاية أسطورية تقترب حد التقديس. ولم يشفع مرور نصف قرن على كارثة استفاقت عليها المنطقة بالكامل، لكنها لم تزل حتى الآن لم تصدق، وتعمل في إصرار يدعو للعجب في استنساخ نسخ مشوهة من الحاكم الفرد المطلق، ومحاولة مستميتة لارتباط وجودهم بوجوده، الأمر يكمن في ثقة مفقودة بالنفس، وخوف متأصل في أن نتجاوز عتبته.

"سمكة قابلة للذّوبان" أندري بريتون

يونيو 13, 2017 اضف تعليق

أقلّ من الوقت اللازم لقول هذا، أقلّ من الدّموع اللازمة للموت: لقدْ عَددتُ كلَّ شيء. قُمتُ
بإحصاء الأحجار؛ إنّها بعدد أصابعي وأصابع أخرى قليلة؛ وزّعتُ مطبوعات دعائيّةً على
النّباتات، لكنّها كلّها لم تقبلْها منّي. مع الموسيقى نسَّقْتُ أعمالي لثانيةٍ فحسب والآن ما عدتُ
أعرف كيف أنظر إلى الانتحار ذلك أنّني إذا شِئتُ أن أنفصل عن نفسي، فالمَنفذ إلى الخارج هو
في هذه الجهة، وأضيف متماكراً : المدخل، الدّخول هو من الجهة الأخرى. تَرى ما الذي يبقى
عليك فِعلُه. السّاعات، الغَمّ، لا أقيم لها حسابا معقولا؛ أنا وحدي، أنظر عبر النّافذة؛ لا يَمرّ
أحد، أو بالأحرى لا أحد يمرّ (أُشَدِّد على يمرّ). هذا السّيّد، ألا تعرفونه؟ إنّه السّيّد هُوَ هُو. أقدّم
لكم السّيّدة مدام. وأبناءَهُما. ثمّ أعود ناكصاً على عقبيّ...

ترجمة مبارك وساط

هاروكي … راكضًا! – هاروكي موراكامي

يونيو 10, 2017 اضف تعليق
 ترجمة : بثينة الإبراهيم


في كل مقابلةٍ أُسأل عن أهم صفةٍ يجب أن تتوفّر في الروائي، والجواب واضحٌ جدًا: لا بد أن يتمتّع بالموهبة، إذ ليس مهمًّا مقدار الحماس الذي تملكه أو الجهد الذي تبذله في الكتابة، فإن كنتَ تفتقر إلى الموهبة كليًا عليك أن تتخلّى عن رغبتك في أن تصبح روائيًا. وهذا شرطٌ أكثر من كونه ضرورة، لأنك لا تستطيع تحريك أفضل نوعٍ من السيارات ما لم تملؤها بالوقود!

لا يمكن للمرء، مع ذلك، أن يتحكّم بمقدار الموهبة أو جودتها، إذ قد يجدها غير كافيةٍ ويرغب في زيادتها، أو قد يحاول أن يكون مقتصدًا فيها لجعلها تستمر لزمنٍ أطول، لكن الأمر في كلتا الحالتين ليس بهذه السهولة. إن الموهبة مستقلّةٌ بذاتها فتسيل وقتما تشاء وتجفّ وقتما تشاء، هكذا تجري الأمور. هناك بلا شك عددٌ من الشعراء ومغنّي الروك الذين انطفأ نبوغهم في أوج عظمتهم– أشخاصٌ مثل شوبرت وموزارت اللذين جعل موتهما المأسوي المبكر منهما أسطورتين-يتمتعون بجاذبية ما، لكن هذا ليس النموذج الذي ينطبق على الأغلبية الساحقة منا.

وإن سألوني عن ثاني أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الروائي، فالجواب سهلٌ أيضًا: التركيز؛ قدرتك على تكثيف كل مواهبك المحدودة فيما بين يديك مهما يكن، ودون هذا لن تتمكن من إنجاز أي شيء ذي قيمة، في حين أنك لو استطعت التركيز بشكلٍ كامل، عندها ستتمكن من تعويض تذبذب الموهبة أو حتى قصورها. أركز عادةً في عملي لثلاث أو أربع ساعات كل صباح، فأجلس إلى مكتبي وأستغرق كليًا فيما أكتب، فلا أرى أو أفكر بأي شيءٍ آخر، فلا يمكن للروائي الذي يتمتع بقدر هائل من الموهبة وبذهن عامر بالأفكار العظيمة الجديدة، لا يمكنه أن يكتب كلمة إن كان يعاني ألمًا في أسنانه المسوّسة، لأن الألم يعيق التركيز. وهذا ما عنيته بقولي إنه لا يمكن تحقيق شيءٍ دون تركيز.

والأمر المهم الذي يلي التركيز هو ببساطة: الصبر. إن ركزت على الكتابة لثلاث أو أربع ساعات في اليوم ثم شعرت بالتعب بعد أسبوع من ذلك، فلن تكون قادرًا على كتابةٍ عملٍ روائي طويل. الذي يحتاجه الكاتب – على الأقل من يطمح بأن يكون روائيًا- هو الجلد على التركيز كل يوم لستة أشهر أو لعام أو لعامين. يمكنك مقارنة ذلك بعملية التنفس، فإن كان التركيز يشبه الشهيق، فإنّ الصبر هو فنّ الزفير ببطء، أن تتنفس و تحتفظ بالهواء في رئتيك في الوقت نفسه. ومالم تتمكن من الموازنة بين الاثنين- الاستمرار في التنفس والاحتفاظ بالهواء- سيكون من الصعب أن تكتب الرواية باحترافية على المدى الطويل.

تختلف هاتان الصفتان – التركيز والصبر- عن الموهبة لحسن الحظ، إذ يمكن اكتسابهما و شحذهما عبر التمرين. يمكنك أن تتعلّمهما عندما تجلس كل يوم إلى مكتبك وتدرّب نفسك على التركيز على نقطة محددة، وهذا يشبه كثيرًا تمرين العضلات، إذ عليك باستمرار أن تنقل موضوع تفكيرك إلى جسدك كاملًا وتتأكد أنه استوعب جيدًا المعلومات الضرورية لك لتكتب كل يوم وتركز على العمل الذي بين يديك. وستتوسع تدريجيًا حدود مقدرتك، وسترتفع معاييرك بشكلٍ غير ملحوظ. هذا ينطبق على الجري بشكل يومي لتقوية عضلاتك و خلق بنية العدّاء لديك.

اعترف كاتب الروايات البوليسية العظيم رايموند تشاندلر** مرةً في إحدى رسائله الخاصة أنه يحرص على الجلوس إلى مكتبه والتركيز كل يوم حتى وإن لم يكتب شيئًا. أفهم تمامًا الغرض من ذلك، فهذه هي الطريقة التي يمنح بها تشاندلر نفسه القوة الجسدية التي يحتاج إليها الكاتب المحترف، إنه يقوّي عزيمته، وقد كان هذا نوعًا من التدريب اليومي الذي لا يستغني عنه.

إن كتابة الرواية بالنسبة لي هي نوعٌ من العمل اليدوي جوهريًا. الكتابة بحد ذاتها عملٌ ذهني لكن إنهاء كتاب كامل هو عمل يدوي، صحيحٌ أنه لا يتضمن رفع أوزان ثقيلة أو جريًا سريعًا أو وثبًا عاليًا، لكن رغم ذلك لا يرى الناس واقع الكتابة إلا ظاهريًا، ويظنون أن عمل الكاتب عمل ذهني هادئ ينجزه في مكتبه. فإن كان لديك القدرة على رفع كوب القهوة إذن يمكنك أن تكتب رواية كما يرون! ولكنك حينما تحاول الكتابة ستجد أنها ليست عملًا هادئًا كما يبدو. إن العملية بأكملها – الجلوس إلى مكتبك وحصر تفكيرك في أمر ما مثل شعاع الليزر وتصور شيءٍ من الأفق الفارغ وابتكار قصة واختيار الكلمات المناسبة واحدة تلو الأخرى والحفاظ على الاستمرار في المسار نفسه – تتطلب طاقة قصوى لوقت طويل أكثر مما يستطيع معظمنا أن يتخيل. قد لا يكون جسدك يتحرك لكن هناك جهدًا مضنيًا ديناميكيًا يبذل في داخله.

هناك أشخاص في العالم ( بعدد أصابع اليد فقط) يتمتعون بموهبة هائلة لا تبهت أبدًا، وتكون أعمالهم ذات جودة عالية. هؤلاء القلة المحظوظون يمتلكون ينبوع مياه لا يجف أبدًا بغض النظر عن مقدار ما يستخدمونه منه، وهو أمرٌ رائع في الأدب، فمن الصعب أن نتخيل تاريخ الأدب دون كتاب مثل شكسبير أو بلزاك أو ديكنز، غير أن العمالقة في نهاية الأمر عمالقة، شخصيات أسطورية استثنائية، أما البقية الباقية من الكتّاب الذين ليس باستطاعتهم بلوغ قمم كهذه ( بمن فيهم أنا طبعًا) عليهم أن يكملوا ما ينقصهم من موهبتهم المخزونة بأي وسيلة استطاعوا، وإلا فإنه من المستحيل أن يواصلوا كتابة روايات قيمة، وهذه المناهج والاتجاهات التي يتبعها الكتاب لفعل ذلك تصبح جزءًا من شخصياتهم وهو ما يميزهم عن غيرهم.

إن أكثر ما أعرفه عن الكتابة قد تعلمته من خلال ممارسة الجري كل يوم، فهي دروس جسدية عملية أعرف بها مدى دفعي لنفسي، مقدار الراحة المعقولة أو المفرطة، والمدى الذي يمكنني به بدء أمر ما والحفاظ عليه لائقًا و متجانسًا، متى يصبح الأمر ضيق الأفق وجامدًا، إلى أي حد علي أن أكون واعيًا للعالم الخارجي وإلى أي مدى عليّ التركيز على عالمي الداخلي؟ إلى أي حد علي أن أكون واثقًا بقدراتي، ومتى يجب أن يراودني الشك حيالها؟ أعرف أنني لو لم أصبح عداءً للمسافات الطويلة بعد أن بدأت الكتابة لم يكن عملي ليصبح مختلفًا على نحو واسع. مختلفًا بأي شكل؟ يصعب علي القول، لكن الأمر كان سيختلف حتمًا.

بكل الأحوال، أنا سعيدٌ أنني لم أتوقف عن ممارسة الجري كل هذه السنوات، والسبب في ذلك يعود لكوني أحب الروايات التي كتبتها، وأنا متلهف لمعرفة الرواية القادمة التي سأكتبها. وباعتباري كاتبًا بقدرات محدودة – شخص غير كامل يحيا حياة ناقصة محدودة- فإن شعوري هذا يعد إنجازًا حقيقيًا، ولو وصفته بالمعجزة فسأكون مبالغًا لكنني أشعر أنها كذلك فعلا. وإن كان الجري كل يوم يساعدني في تحقيق هذا فعلي أن أكون ممتنا له.

يسخر الناس أحيانًا ممن يمارسون الجري كل يوم زاعمين أنهم يفعلون كل ما يستطيعون ليعيشوا عمرًا أطول، لكني لا أعتقد أن هذا هو السبب الذي يدفع أولئك لممارسة الجري، بل لأنهم يريدون أن يعيشوا الحياة إلى أقصى مدى. إن كنت تنوي أن تعيش سنواتك بسعادة، فمن الأفضل أن تحياها بأهداف واضحة وأن تكون حيًا بمعنى الكلمة على أن تحياها بشكل ضبابي، وأنا أؤمن أن ممارسة الجري تساعدك على ذلك. أن ترهق نفسك إلى أبعد حد ضمن نطاق قدراتك الفردية هو جوهر الجري ومجاز الحياة، وبالنسبة لي فإن ذلك ينطبق على الكتابة أيضًا.








* مقتبس من كتاب «What I talk when I talk about running»، سيرة يخصصها الكاتب للحديث عن تجربته في الجري والكتابة، نشرت باللغة الإنكليزية عام 2009 عن دار فينتاج/ نيويورك.

– هاروكي موراكامي **


** رايموند تشاندلر:(23 يوليو 1888 – 1959)، أديب أميركي، من أعماله: السبات العميق/ الأخت الصغرى/ الوداع الطويل.


بورخيس مقدّما"أوراق العشب"لوالت ويتمن

يونيو 08, 2017 اضف تعليق

ترجمة حسّونة المصباحي

هنا نص المقدّمة التي خصّصها خورخي لويس بورخيس (1899-1984 للتّرجمة التي أنجزها لديوان الشاعر الأميركي الكبير والت ويتمن"أوراق العشب:

عندما نَعْبر من الإنبهار والدّوار عند قراءتنا الأولى لديوان "أوراق العشب"، إلى القراءة المجدّة لواحدة من أكثر السّير وَرَعا لمولّفها، فإنّنا نشعر بالخيبة. في اكفهرار، وسطحيّة الصّفحات التي أشرت اليها للتّوّ، نحن نبحث عن المتسكّع نصف-الإلهيّ الذي تبرزه القصائد. ونحن نعجب لأننا لا نعثر فيها على أثر له. وتلك كانت على الأقلّ التّجربة التي حصلت لي شخصيّا، كما حصلت لإصدقائي. وواحد من أهداف هذه المقدّمة هي شرح، أو السّعي الى شرح هذا النّشاز المحيّر.

هناك كتابان فريدان من نوعهما صدرا في نيويورك عام 1855، وكلّ واحد منهما بمواصفات تجريبيّة. وكلّ واحد منهما مُختلف عن الآخر. الأوّل اشتهر على الفور، إلاّ أنه اليوم حبيس الأنطولوجيّات المدرسيّة ومعروض فقط لفضول الباحثين والأطفال، أعني بذلك"هايواتا" للونجفالو. هذا الكاتب أراد أن يكتب بالإنكليزية الملحمة الأسطوريّة للهنود الحمر الذين كانوا قد سكنوا في أنكلترا-الجديدة . وبالإضافة الى البحر الشّعريّ الذي لا يذكّر بالبحور المعتادة، استوحى المؤلف عمله من "الكاليفلا"الفينلانديّة الذي اصطنعها -أو أعاد بناءها-إلياس لونروت. أمّا الكتاب الثّاني فقد كان "أوراق العشب".
سبق أن أشرت الى أنّ الكتابين مختلفان. وهما كذلك بالتّأكيد.

فالأوّل كان عملا متعقّلا لشاعر جيّد كان قد استكثف أسرار المكتبات ولم يكن ينقصه لا الخيال ولا حسن التنصّت. أمّا الثاني-أي "أوراق العشب" فقد كان تجلّيّا لعبقريّة خارجة عن المألوف. والشيء الذي يجمع بين الكتابين هو أنهماكانا ملحمتين أميركيّتين.
في ذلك الوقت كانت أميركا الرّمز الخارق لمثل أعلى والذي فسد اليوم الى حدّ ما بسبب الإفراط في اللّجوء الى صناديق الإقتراع والبلاغة المفخّمة رغم أن الملايين من النّاس لا يزالون يدفعون دمهم ثمنا من أجل ذلك. العالم برمّته كان يتطلّع الى أمريكا وإلى "ديمقراطيّتها العظيمة". ومن بين العديد من الشّهادات، تكفيني شهادة غوتة الذي قال:"أميركا أنت الأفضل"... وتحت تأثير أمرسون الذي كان بمعنى معيّن معلّمه، فرض ويتمن على نفسه كتابة ملحمة هذا الحدث التّاريخي الجديد: الدّيمقراطيّة الأميركيّة. وعلينا ألأّ ننسى أن أولى الثورات التي شهدها عصرنا، تلك التي ألهمت الثورة الفرنسيّة وثوراتنا نحن، كانت الثورة الأميركيّة والتي كانت الديمقراطيّة جوهرها.

كيف نتغنّى بهذه العقيدة الجديدة للشعوب؟ ثمّة حلّ يفرض نفسه على كلّ كاتب سيختار أو سيحاول من خلال تسهيلات البلاغة، أو إعتمادا على المبدأ البسيط للكسل، أن ينسج بطريقة مجّدّة قصيدة غنائيّة أو استعارة غنيّة بالإستشهادات الرنّانة إلاّ أن ويتمن أعرض عن ذلك لحسن الحظّ.

وقد فكّر بأنّ الديمقراطيّة حدث جديد، وأنّ التّغنّي بها يتطلّب أسلوبا جديدا أيضا. وكنت قد تحدّثت قبل حين عن الملحمة. وفي كلّ النّماذج الشّهيرة التي كان الشابّ ويتمن على اطلاع عليها، والتي كان يصفها بالإقطاعيّة، كانت هناك شخصيّة مركزيّة -أخيل، أوليس، أيني، رولان، السيد، سيغفريد، المسيح – والذي مقامه أعلى من مقام الشخصيّات الأخرى، والتي لم تكن غير شخصيّات عاديّة. هذا التفوّق الذي يحظى به البطل، فكّر ويتمن في القيام بمحاولة بهدف أن يجعله تماثلا مع عالم انهار وسيعمل على انهياره، ألا وهو عالم الإرستقراطيّة. لذلك فإنّ ملحمته لا يمكن أن تتماثل مع هذا النّموذج. لا بدّ أن تكون متعدّدة، عليها أن تعلن عن المساوة المطلقة والتي لا مثيل لها بين البشر، أو أن تفترضها. هذا القرار العنيد يبدو وكأنه يقود حتما الى خليط غير متجانس وفوضويّ. ولكن ويتمن الذي كان عبقريّا، تحاشى هذه المجازفة بمهارة فائقة. وقد أنجز بسعادة التّجربة الأكثر جرأة، والأشدّ طموحا، والتي لم يسجلها التاريخ الأدبي من قبل أبدا.
أن نتحدّث عن التجارب الأدبيّة فإنّ ذلك يعني التحدّث عن المحاولات التي فشلت تقريبا، لكن بطريقة مجيدة، مثل "الوحدات"لغونغورا، أو مؤلّفات جيمس جويس. أما تجربة ويتمن فقد نجحت الى حدّ أننا نسينا أنها تجربة.
في مكان ما من كتابه، يشير ويتمن الى لوحات من القرون الوسطى للعديد من الشخصيّات، بعضهم يتمتّعون بالمهابة وبالمجد، ويعلن أنه يقترح على نفسه أن يرسم لوحة لا متناهية، مسكونة بعدد لا متناه من الشخصيّات، لكلّ واحدة منها مهابة. لكن كيف يمكن تحقيق مثل هذه المأثرة؟ ومع أن الأمر يبدو عسيرا وربما مستحيلا، فإنّ ويتمن توصّل الى إنجاز ذلك.
وكان لابدّ أن يكون له، مثل بايرون بطل، إلاّ أنّ بطله، رمز الديمقراطيّة الأميركيّة المتعددّة، يتوجّب عليه أن يكون متعّددا هو أيضا، وأن تكون له له القدرة على الحضور الكلّيّ مثل إله سبينوزا المنتشر في كلّ مكان. وهو ابتكر كائنا غريبا نحن لم ننته بعد من إدراك خفاياه، ومنحه إسم والت ويتمن. هذا الكائن له طبيعة مزدوجة. إنه الصّحفيّ المتواضع والت ويتمن، أصيل "لونغ ايزلاند"، والذي بإمكان صديق مستعجل أن يحيّيه على أرصفة "مانهاتن". وهو أيضا ذلك الرجل الآخر الذي كان الأول يبتغي أن يكون لكنه لم يَكُنْه، رجل يعيش للمغامرة وللحبّ. وهو متكاسل، وشجاع، وغير مبال، ويجول في أمريكا طولا وعرضا. لذلك نحن نقرأ في مقطع من الكتاب أن ويتمن ولد في "لونغ إيزلاند"، وفي مقاطع أخرى، نحن نقرأ أنه ولد في الجنوب. وفي واحدة من القصائد الأكثر ارتباطا بسيرته، أعني بذلك "أغنية نفسي" هو يستعرض فترات بطوليّة من الحرب المكسيكيّة، ويقول إنه سمع النّاس يتحدّثون عنها في "التّكساس"، في حين أنه لم يذهب الى هذه المنطقة أبدا. كما يعلن أنه كان شاهدا على شنق جون براون المناهض للعبوديّة، والحال أنه لم يكن شاهدا على ذلك. وبإمكاننا أن نعدّد الأمثلة من هذا الصّنف. والحقّ أنه لاتكاد صفحة من الصّفحات تخلو من الخلط بين ويتمن الحقيقي، وويتمن المتخيّل، والذي سيصبح حقيقيّا الآن في خيال وفي حساسيّة الأجيال البشريّة.

وكان ويتمن متعددّا قبل ذلك. فقد قرّر أن يكون لامتناهيا. وقد جعل من بطل "أوراق العشب"كائنا مثلّثا. فقد ألحق به شخصيّة ثالثة هو القارئ نفسه، القارئ المتحوّل والمتعاقب. وهذا الأخير لا ينقطع عن التّماثل مع الشخصيّة الرئيسيّة في الكتاب . أن قراءة "ماكبث"هي طريقة لقارئها أن يكون "ماكبث". وهناك كتاب لفيكتور هوغو عنوانه: "فيكتور هوغو من خلال شاهد على حياته". ويبدو أن ويتمن كان الأوّل الذي استعمل حتى النّهاية، حتى الّنهاية اللأّمتناهية، والمعقّدة، هذا التماثل المؤقّت. في البداية لجأ الى الحوارات. والقارئ يتحاور مع الشاعر، ويسأله عمّا يسمع وعمّا يرى، أو هو يبوح له بالحزن الذي به يشعر حتى وإن لم يكن قد عرفه أو أحبّه من قبل . ويجيب ويتمن على أسئلته قائلا:
أرى الرّاعي الأرجنتيني يعبر السّهل، أرى الفارس الذي لا يماثله آخر والوهق في يده، أرى على السّهل الجنوبيّ المعشوشب ملاحقة القطيع المتوحّش"...
وهذا أيضا:
هذه الأفكار هي في الحقيقة أفكار جميع الناس في كلّ العصور وفي جميع البلدان،وهي ليست خاصّة بي
وإذا لم تكن أفكاري وأفكاركم فهي لا شيئ أو تكاد تكون لاشيء
وإذا لم تكن اللّغز والحلّ اللّغز فهي لا شيء
 ها هو العشب ينمو في كلّ مكان حيث الأرض والماء
وها الهواء الذي يتقاسمه الجميع والذي فيه يسبح الكون
كثيرون أولئك الذين قلّدوا بطريقة أو بأخرى نجاح نبرة وبتمن مثل ساندبورغ، لاس ماسترس، ماياكوفسكي، بابلو نيرودا... لا أحدتجرّأ على أن يبتكر بعده شخصيّة معقّدة ومتعددّة مثل ويتمن غير صاحب "يقظة فينيغن"(جويس). وأنا احبّ أن أؤكّد أن ويتمن هو في الآن نفسه الرجل المتواضع الذي عاش بين 1819و1892، وذاك الذي أراد أن يكونه من دون أن يتوصّل الى ذلك، وهو أيضا كلّ واحد منّا، وكلّ واحد من أولئك الين يعمّرون الأرض... إنّ نظريّتي في تثليث ويتمن، بطل عصره، لا تفترض الهدف غير المعقول لنقض أيّ شيء ، أو التّقليل من شأن عمله العظيم، بل بالعكس هي تبتغي تمجيده وإلإعلاء من شأنه. فابتكار شخصيّة مزدوجة أو مثلّثة، ولامتناهية هو بكلّ بساطة طموح مبدع عبقريّ. وإنجاز مثل هذا العمل كان نتيجة مهارة ويتمن الهائلة والخارقة. في جدل في مقهى حول جينيالوجيا الفن، وحول مختلف التّأثيرات في التّربية الجنسيّة والمحيط، اقتصر الرسّام "ويسلير" على القول:"Art happens "وهذا ما يوحي بأنّ العمل الفنّي والجمالي هو في الحقيقة لا يمكن أ يفسّر. وهذا ما أدركه العبرانيّون القدماء الذين يتحدّثون عن "الرّوح". وأمّا الإغريق فيتحدّثون عن "ربّة الفنّ".

وبالنسبة لترجمتي، ماذا تراني أقول؟ لقد كتب فاليري يقول بإنه لا يوجد شخص يمكن أن يفهم نقائص العمل الأّ صانعه ومبتكره. ورغم أن المعتقد التّجاريّ الباطل الذي يريد أن يكون المترجم الجديد قادرا على أن يترك من سبقوه حمقى وأغبياء ، فإنّي لا أتجرأ على أن أعلن أنّ ترجمتي أفضل من التّرجمات السّابقة. وعلى أيّة حال أنا لم أهمل تلك التّرجمات.
- See more at: http://elaph.com/Web/Culture/2017/5/1148874.html#sthash.8mgfzXOv.dpuf

أندرو جي. تابلر... النزاع على ما بعد «داعش» في شرق سورية

يونيو 08, 2017 اضف تعليق

بدأ شد الحبال على من سيحكم شرق سورية بعد «داعش». وفي 18 أيار (مايو)، دمرت أميركا موكباً عسكرياً متحالفاً مع الرئيس السوري بشار الأسد، إثر تجاهله تحذيرات من التقدم نحو التنف، وهي قاعدة عمليات خاصة أميركية وبريطانية على الحدود السورية – الأردنية. والقاعدة هذه يشملها اتفاق مبرم في تشرين الأول (أكتوبر) 2015 بين أميركا وروسيا لخفض احتمالات الصدام بين القوات التي تدعمانها في سورية. والحادثة هذه وقعت بعد أيام على إعلان قاعدة حميميم الروسية أن قواتها الجوية ومستشارين إيرانيين عسكريين سيدعمون سعي قوات الأسد الى التقدم في الشرق، لتطهير الطريق بين دمشق وبغداد والحؤول دون تشكيل منطقة عازلة تدعمها أميركا في شرق سورية. وكل هذه الحوادث حصلت، إثر إعلان واشنطن في التاسع من الشهر الماضي، أنها ستزود الفصائل الكردية في «قوات سورية الديموقراطية» بأسلحة ثقيلة لمساعدتها على السيطرة على عاصمة «داعش»، الرقة.
وهذه الخطوات تعلن أنها ترمي الى محاربة «داعش» فحسب، لكن اللاعبين المختلفين في سورية يعدون لما بعد «داعش»، وعين كل منهم على مكامن ضعف الآخر. واتفاق الحؤول دون الصدام الروسي – الأميركي سيُمتحن قريباً، ويرجح أن تزيد احتمالات الصدام. واليوم، يتعاظم خطر وقوع مواجهة أميركية عسكرية مباشرة ليس مع قوات الأسد فحسب، بل مع داعميه الإيرانيين والروس. والحؤول دون إفلات مثل هذه المواجهة من عقال السيطرة يقتضي اتفاق واشنطن وموسكو على إحداثيات منطقة «تخفيف التصعيد» أو التهدئة في جنوب سورية للتركيز على داعش واحتواء طموح إيران الى جسر بري عبر سورية الى المتوسط. لكن مسار الأمور يشير الى أن مثل هذا الاتفاق مستبعد في القريب العاجل.
وتشير تقارير إعلامية الى أن ضربة 18 أيار الأميركية على قوات موالية للأسد، وقعت إثر رفض هذه القوات وميليشيات شيعية العودة على أعقابها بعد طلقات أميركية تحذيرية. وكانت القاعدة الروسية في حميميم، وجهت في الأيام السابقة، رسائل عدوانية وأعلنت التزام التعاون مع إيران. وذهبت برقية صادرة عن القاعدة هذه، الى أن قرار روسيا وإيران تشجيع القوات الحكومية على التقدم نحو الشرق، يأتي بعد خطوتين أميركيتين بارزتين:1) الضربة الصاروخية على قوات الأسد في نيسان (أبريل) نتيجة «لضربة غاز السارين المزعومة» – وهذه الضربة تنتهك القانون الدولي والاتفاق الروسي – الأميركي في 2013 لنزع ترسانة الأسلحة السورية الكيماوية. و2) قرار واشنطن زيادة دعم القوات الكردية، على رأسها «قوات سورية الديموقراطية» لتحرير الرقة.
والحق يقال أن الضربتين هاتين علامتان على زيادة المشاركة الأميركية في الحرب السورية. والخطة الأميركية لقتال داعش في سورية أُعدت في عهد الإدارة الأميركية السابقة، وتستند الى دعم وحدات «حماية الشعب» الكردية، وهي الذراع المسلح لحزب «الاتحاد الديموقراطي»، الفرع السوري من «العمال الكردستاني» المدرج على لوائح الإرهاب الأميركية، والعدو اللدود لتركيا. ولجبه هذه المعضلة، أنشأت أميركا منظمة «قوات سورية الديموقراطية» وشجعت جماعات غير كردية على المشاركة مع الأكراد في محاربة داعش في شرق سورية ووادي الفرات. وأملت واشنطن بأن يدعم السنّة العرب، وهم غالبية السكان في شرق سورية وفي وادي الفرات على وجه التحديد، القوات هذه. ووادي الفرات هو مركز داعش وقبلها كان معقل «القاعدة»، والسيطرة عليه هي مفتاح هزيمة التنظيم الإرهابي. والأهم من الهزيمة هذه، الحؤول دون عودة التنظيم أقوى مما كان في المستقبل. وعلى المستوى العسكري، أحرزت الخطة نجاحاً. فـ»قوات سورية الديموقراطية» قلصت رقعة سيطرة داعش، وطوّقت الرقة، وحازت إعجاب المستشارين الأميركيين. لكن على المستوى السياسي، هيمنة الأكراد على «قوات سورية الديموقراطية» على حالها، على رغم التحاق بعض المقاتلين العرب بها. لكن معظم هؤلاء هم من المسيحيين العرب أو أقليات أخرى أو من أبناء القبائل الرحل البدوية السنّية التي تنافس القبائل المستقرة في وادي الفرات. وما لم تقنع واشنطن «وحدات حماية الشعب» بالتراجع عن هيمنتها على «قوات سورية الديموقراطية» والمشاركة في السلطة مع القبائل المستقرة، لن يسع الأكراد الإمساك بالرقة ووادي الفرات وقتاً طويلاً.
ويدرك كل من روسيا وإيران أن قدرة «قوات سورية الديموقراطية» على الإمساك بالأرض محدودة، ويرى أن انهيار داعش في شرق سورية هو فرصة سانحة أمام قوات الأسد لاستعادة الأراضي. وفي الأشهر الأخيرة، دعمت طهران وموسكو مساعي الفيلق الخامس، وهو مزيج من ميليشيات موالية للأسد، للتقدم الى الشرق من حلب الى منبج في شمال وسط سورية - لقطع منطقة تركيا العازلة في شمال حلب - ونحو الجنوب والشرق على طول الضفة الغربية من نهر الفرات في اتجاه الرقة. وهذه الخطوة تمنح روسيا عدداً من الخيارات، منها تقديم النظام السوري للسنّة العرب في وادي الفرات على أنه بديل ناجع عن «قوات سورية الديموقراطية»، من جهة، ودعم «وحدات حماية الشعب» في حال عززت واشنطن تعاونها مع تركيا، من جهة أخرى. وهذه الخطوة المزدوجة هي السبيل أمام موسكو الى إفساد الخطط الأميركية في المنطقة.
ولا شك في أن الخطة الروسية – الإيرانية طموحة، لكن يشوبها عيب خطير: نقص عديد قوات الأسد يحول دون استعادة أي منطقة من دون أن تنكشف القوات هذه في مناطق أخرى. ومع تقدم الفيلق الخامس نحو الشرق في الأشهر القليلة الماضية، سرعان ما بدأت الحكومة تخسر في شمال حماه، وصارت تخشى خسارة هذه المدينة (حماه). وعلى رغم أن الأسد توسل مراراً بغاز الكلورين منذ اتفاق 2013، إلا أنه لم يستخدم غاز السارين القاتل (في خان شيخون) إلا بعد خسائره الأخيرة. وأدى استخدام السارين الى ضربة أميركية على قاعدة الشعيرات الجوية التي دمرت نحو خمس السلاح الجوي السوري، ووجهت رسالة مفادها أن واشنطن لن تسمح لنظام الأسد بأن يتوسل بالغاز القاتل للخروج من النزاع بمساعدة روسية وإيرانية.
وإثر إدراكهما أن النظام لا يملك موارد القتال على جبهات كثيرة، اقترحت موسكو وطهران، في مطلع أيار (مايو)، إنشاء مناطق «تخفيف التصعيد» أو مناطق النظام مقابل «ضمان» روسيا وإيران وقف إطلاق النار. وهذا الإجراء يسمح لروسيا وإيران بقبول تقسيم سورية من دون التنازل عن مناطق لدول الجوار، الأردن وتركيا تحديداً. وترى واشنطن أن منطقة شرق غربي سورية، وهي تشمل درعا والمنطقة المتاخمة لمرتفعات الجولان - هي أكثر المناطق المناسبة «لتخفيف التصعيد». ففي هذه المنطقة، المعارضة المسلحة أكثر اعتدالاً والمرابطة الإيرانية هناك صغيرة وقدرتها محدودة لإفساد المتفق عليه. وفرص نجاح اتفاق تخفيف تصعيد تدعمه واشنطن وموسكو في هذه المنطقة، كبيرة. وتأمين منطقة الجنوب لا يحمي الأردن وإسرائيل من «الجهاديين» ونظام الأسد فحسب. فهذه المنطقة قد تكون منطلق العمليات ضد داعش والتحرك نحو الشرق الى وادي الفرات. وفي وسع القوات العربية في الجنوب السوري التي يدعمها الأردن أن تكون بديلاً عن «قوات سورية الديموقراطية» أو مكملة لها.
ويشير إعلان روسيا عن عمليات مشتركة مع إيران لمساعدة الأسد على التقدم نحو الفرات، الى عزم موسكو دعم طهران لإنشاء ممر بري من إيران يعبر العراق وسورية ومناطق سيطرة «حزب الله» في لبنان، ويوفر جسراً برياً للسلاح الثقيل (الإيراني) الى سورية ولبنان. لكن هذه المساعي لا تساهم في ثني دول المنطقة عن دعم المعارضة، بل تؤجج النزاع. وقد تحمل المساعي هذه، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب على الرد، فإدارته تسعى الى احتواء الطموحات الإيرانية التوسعية الى خارج دوائر نفوذها التقليدي والى شرق سورية. ولم تتضح بَعد نتيجة تقدم النظام نحو الشرق. وفي الأيام الأخيرة، انتزعت قوات موالية للنظام وميليشيات شيعية ترفع أعلام روسية، أراضي من داعش في البادية، شرق دمشق في جنوب سورية. لكن السيطرة على مناطق أقرب الى الفرات والإمساك بها يقتضيان عديد قوات أكبر، ويمتحنان رغبة الروس والإيرانيين في التصعيد. وحري بواشنطن أن تترك النظام يتمدد نحو وادي الفرات في انتظار أن تتوقف عجلة قواته عن الدوران. وتقتضي هذه الخطوة التزام اتفاق الحؤول دون الصدام - وهذا الاتفاق أميركي - روسي - لحماية التنف في وقت تواصل أميركا تعزيز مواقع المعارضة - وشطر راجح منها من العرب السنّة - في المنطقة. وتشير مصادر سورية وروسية الى أن الأسد يسعى الى السيطرة على دير الزور. ويتسنى لواشنطن في الأثناء تعزيز قوات المعارضة في الجنوب في اتجاه البوكمال على الحدود العراقية.


* باحث، صاحب «في عرين الأسد: إفادة شاهد من واشنطن على المعركة مع سورية»، عن «فورين أفيرز» الأميركية، 3/6/2017، إعداد منال نحاس

لماذا كتب بيسوا‮ كتاب اللاطمأنينة‮

يونيو 05, 2017 اضف تعليق
كارلوس سكيلار
 ترجمة ـ‮ ‬أحمد عبد اللطيف

‮«‬كل شيء‮ ‬يرهقني،‮ ‬حتي ما لا‮ ‬يرهقني‮. ‬سعادتي مؤلمة جدًا مثل ألمي‮» ‬


اللغة البرتغالية لغة العيون المفتوحة والشفاه الناعمة التي نادرًا ما تتمدد‮. ‬لغة الحروف المتحركة في الأنف‮.‬

و"كتاب اللاطمأنينة‮": ‬كتاب الأرق والضياع،‮ ‬سم الأوكسيجين المقزز،‮ ‬استحالة الإمساك بإحساس ما‮ ‬يدفع إلي الحياة‮.‬
السؤال‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون‮: ‬لماذا نكتب،‮ ‬بعيدًا عن طموحنا للكتابة أفضل؟ البعض‮ ‬يقول‮: ‬لنكون حتى في الحد الأدنى مما نعتقد أننا نكونه،‮ ‬حتى ولو كنا أكثر سخافة أو أقل حجمًا أو لا شيء على الإطلاق؛ حتى لا نكف عن الكتابة،‮ ‬ولو كنا نحتقر أنفسنا في الكتابة؛ حتى نواصل تجرع السم،‮ ‬وانتزاع الفراغ‮ ‬الضروري وغير المناسب؛ حتي نتوه،‮ ‬بلا سعادة،‮ ‬بلا مصب،‮ ‬بلا عودة صوب المحيط؛ حتى نمتلك رؤية عن النقصان والفشل‮. ‬

بيسوا‮: ‬لماذا‮ ‬يكتب؟ لماذا‮ ‬يدعو للتوقف عن الكتابة دون ممارسة دعوته كاملًة؟ لا أحد‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يطبق العقاب على ذاته‮: ‬كتابة الكتابة المتوترة تشبه من‮ ‬يملأ رئتيه بالهواء ويتنفس أفضل قليلاً،‮ ‬دون أن‮ ‬يعالج ذلك مرض التنفس‮. ‬أي مرض؟ أي شفاء؟
ضياع العذوبة،‮ ‬غياب الحماس،‮ ‬عدم الاهتمام بالحقيقة،‮ ‬التفكير كثيرًا،‮ ‬أن تكون الهامش الخاص للخضوع،‮ ‬الرغبة في النوم ومعرفة أنه هو الفيكشن في السرير،‮ ‬الحائط،‮ ‬الحبر،‮ ‬الظل‮.‬
الكتابة،‮ ‬أحيانًا،‮ ‬نتاج لعدم العثور علي شيء ليقال،‮ ‬والعثور علي مشاعر في كل هذا الذي لا‮ ‬يحتوي مشاعر‮: ‬الكتابة في ضجر الانعزال،‮ ‬الكتابة كعزلة منعزلة‮.‬

‮ ‬الشرود بعيدًا عن الحياة‮. ‬نحت صورة وتشابه مع العزلة نفسها‮.‬
فقط أحاديث الأحلام مع الأصدقاء المتخيلين تكتسب روحًا ودورًا‮. ‬البقية محض رغبة في النوم والعجز عن قول أي شيء،‮ ‬والتبخر أمام مرآة الفراغ‮.‬

إذ لا شيء‮ ‬يصل إلي أي مكان،‮ ‬والتوقف عن الكتابة نبل‮: ‬كل ما كُتب لا‮ ‬يتعدي كونه ظلاً‮ ‬مضحكًا للكلمة المحلوم بها‮. ‬
الكتابة لأن المعرفة استحالة‮.‬

إن سأل بيسوا نفسه،‮ ‬سيضجر من نفسه،‮ ‬لن‮ ‬يتعرف عليها،‮ ‬يُرهق من الحياة ويتطلع للعبث‮: ‬ليس لهجر الوجود،‮ ‬بل لعدم الوجود من الأصل‮. ‬وبين هجر الوجود وعدم الوجود من الأصل‮: ‬خراب‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعالج بالكتابة دون فائدة،‮ ‬بإرادة من‮ ‬يرسم طريقًا من مكان لا‮ ‬ينطلق منه أحد إلي مكان لا‮ ‬يصل إليه أحد‮. ‬

‮    ‬قراءة‮ "‬كتاب اللاطمأنينة‮" ‬وطرح سؤال‮: ‬لماذا كتب بيسوا هذا الكتاب؟ ربما‮ ‬يتضمن هنا إجابة ممكنة‮: ‬كتبه من أجل النقصان،‮ ‬من أجل الدفاع عن العدم،‮ ‬من أجل رفض‮ ‬غرور الحقيقة وخيانة أي نظرية محتملة‮. ‬

‮   ‬كان‮ ‬يجب أن‮ ‬يكتبه،‮ ‬إذن،‮ ‬لأن في العمق لا شيء‮ ‬يكمن إلا الحزن،‮ ‬حزن مثل الغسق،‮ ‬مصنوع من إرهاق،‮ ‬من دعاوٍ‮ ‬مزيفة؛ حزن مثل الضجر‮ ‬يحتوي بداخله شعورًا ما،‮ ‬أي شيء،‮ ‬كل شيء؛ أصفر شاحب،‮ ‬صوت من‮ ‬يصرخ داخل‮ ‬غرفة مظلمة،‮ ‬مثل شق لحزن قديم،‮ ‬أو مثل حزن عند رؤية طفل‮ ‬يبكي،‮ ‬رعب مفاجئ لقلب منهك‮.‬

‮    ‬حزن‮ ‬يمكن تعريفه،‮ ‬وفي نفس الوقت لا‮ ‬يمكن تعريفه‮. ‬في النهاية‮: ‬حزن بلا سبب‮.‬
مع ذلك،‮ ‬بيسوا لم‮ ‬يوجد أبدًا،‮ ‬بحسب ألبارو دي كامبوس،‮ ‬إحدى الشخصيات التي ابتدعها بيسوا نفسه ليخفف عن نفسه تعب الحياة،‮ ‬ليرفع عن كاهله هذا المجهود الضخم الذي‮ ‬يعني الحفاظ علي الوجود‮.‬

‮    ‬إن قسّمنا أنفسنا في عدة فقرات،‮ ‬إن قسمنا أنفسنا في عدة عزلات،‮ ‬ربما لا تكون شقاوة الحياة شديدة الفظاعة أو القسوة أو الإلحاح أو العبثية؛ إن كنا آخرين كثيرين،‮ ‬دون أن‮ ‬يفكر واحد لنا جميعًا،‮ ‬ولا‮ ‬يجمعنا،‮ ‬ولا‮ ‬يلفت انتباهنا،‮ ‬ربما نستطيع أن نشعر،‮ ‬أن نتحدث أو نكتب عن العزلة بطريقة أخرى‮: ‬بصوت من اللاطمأنينة‮. 

‮ ‬اللاطمأنينة قد تكون أحد أطنان الحقيقة الأكثر تطرفًا‮: ‬الجسد‮ ‬يعتم،‮ ‬الروح تبدو متمددة في الجوانب والصوت خليط سائل بين أجزاء الخريف،‮ ‬أجزاء الجاذبية،‮ ‬أجزاء النسيان وأجزاء الهجر‮. ‬ما تبحث عنه اللاطمأنينة هو الاعتراف بين أن تقول كل شيء وألا تقول شيئًا،‮ ‬وسط بصمة وتجويف،‮ ‬في منتصف الطريق بين التجلي المطلق والتثبيط الكامل‮. ‬

‮   ‬لا،‮ ‬ليس صوتًا،‮ ‬إنه أصوات كثيرة‮: ‬ما‮ ‬يبغض،‮ ‬ما‮ ‬يستاء،‮ ‬الكراهية،‮ ‬الفعل اللاإرادي الذي‮ ‬يمتزج بالحلم الإرادي،‮ ‬حمل الولادة والشعور بأنه لم‮ ‬يولد أبدًا لا من أجل الفعل ولا من أجل الحلم‮. ‬كأن الجسد في مكان آخر والكلمات تتعارك إما من أجل تحررها أو من أجل ذعرها‮. 
  ‬
‮  ‬اللاطمأنينة مثل الحزن،‮ ‬نعم،‮ ‬إنها مثل الأمل بلا علامات،‮ ‬بلا أفق‮. ‬صوت منفرد‮ ‬يسأل نفسه عن العزلة التي هي في الوقت نفسه متعددة وقليلة‮.‬

بيسوا،‮ ‬الذي لم‮ ‬يوجد،‮ ‬يوجد في حجرة هادئة،‮ ‬في حجرة وحيدة،‮ ‬في حجرة بلا أعداد،‮ ‬بلا نور،‮ ‬بارتياب في الصمت أو في نطق اللغط الذي‮ ‬يلتهب في عزلاته المتعددة‮. ‬التفكير بحساسية أم الإحساس بتفكير؟ هذه هي المسألة‮. ‬التفكير في فتور الشمس حتي تحرق،‮ ‬التفكير في إيقاع القلب حتى تتحور دوخته أو سكينته،‮ ‬التفكير كالحياة،‮ ‬متجنبًا عبء الاضطرار للحياة تحت فرمان التفكير المتعسف‮.    ‬

عزلة بيسوا،‮ ‬هذه العزلة الخاصة برجل لا وجود له،‮ ‬هذه العزلة التي تُصب في اثنين وسبعين رجلاً‮ ‬حقيقيًا،‮ ‬تقبل كل شيء،‮ ‬تتلقي كل شيء،‮ ‬حتي ما‮ ‬يعلوها‮: ‬السماء المفتوحة،‮ ‬المصير الصامت،‮ ‬الإنسانية المضطربة،‮ ‬الأديان العمياء،‮ ‬والآلهة الموتي‮...

(*) كارلوس سكيلار‮ "‬بوينوس آيرس‮- ‬1960‮"  ‬باحث بالمجلس الوطني للأبحاث العلمية والتكنولوجية في الأرجنتين،‮ ‬وفي فرع التربية بكلية أميركا اللاتينية للعلوم الاجتماعية‮. ‬منذ‮ ‬2005،‮ ‬بالتعاون مع دييغو سكليار،‮ ‬يذيع في‮ ‬يوينوس آيرس برنامجًا بعنوان‮ "‬أفضل ألا أفعله‮". ‬وهو مؤلف للعديد من الدواوين منها‮ "‬خيوط فيما بعد‮" "‬صوت بالكاد‮"‬،‮ ‬وصدر له حديثًا‮ "‬الكلمات ليست مستعجلة‮" ‬و"الحديث مع الغرباء‮". ‬كذلك مؤلف للعديد من الكتب التربوية‮ ‬والفلسفية‮.

فواز طرابلسي: سمير قصير... لا ازيد او انقص كلمة عما كتبت في ذكراك الاولى

يونيو 02, 2017 اضف تعليق

سمير قصير، كيف أضعتك؟
تعرّفت اليه في باريس بواسطة الصديقين الياس صنبر وفاروق مردم بك. كان ذلك منذ ربع قرن. رافقت هذا الذي اسماه محمود درويش «الطفل المعجزة » الى حين دخل «سن الثقالة »، حسب تعبير جوزيف سماحة، ولازمته بالغا، الى ان كان ما كان.
ميساء وجنى تذهبان معاً الى دروس اللغة العربية وتعودان في المترو مع امّيهما نوال وهالة. نحضر ولادة ليانه وقد أراد سمير ان يسمّيها على اسم ليانه بدر، زوجة صديقنا المشترك ياسر عبد ربه، وقد تعرّف عليه للتوّ وأعجب به. نقاشاتنا الطوال يحفزها فضوله الذي لا حدود له ونباهته الاكيدة، وهو يجهّز اطروحته عن حروب لبنان. طرف إعجاب لديه تجاه تجربة منظمة العمل الشيوعي، التي إنتمى اليها العديد من اصدقائه، ويستغرب كيف انه لم يهتدِ اليها، وقد كان عضوا في الحزب الشيوعي. ولما إنتقلنا من شقتنا في شارع إدمون غوندينيه، في باريس الثالثة عشرة، إستأجرها سمير.
كانوا يسمّونه «إبني». أقولها لا تبجّحاً ولا إدعاء أبوّة او زعماً بأني أم الولد. وانما لتعريف مَن لا يعرف عن عميق علاقتي بسمير. انا عايشته صديقا وزميلا. اما اذا كان نجَمَ عن تلك العلاقة اي اثر لي على افكار سمير وسلوكه ، فهذا ما اعتزّ به. مهما يكن، غيّر سمير اكثر من «اب». لكنه لم يجحد بالسابقين: 
- غسان تويني لا يحبّ فواز. نحن نحبه!
رافقته بإعجاب وحماس في تجربة مجلته «اوريان اكسبرس ». شجّعني ان اكتب بالفرنسية. كتبتُ وهو صحّح ونشر. ولما أعياني التفرنس، ترجمت حنان عبّود مقالاتي. كانت المجلة حلم سمير الصحفي. وهي من ألمع المنتجات الصحافية التي عرفها لبنان فترة بعد الحرب. من اسف انها لم تكن بالعربية. ومن اسف اكثر انها لم تدم طويلا. لكنها ستظل معلما في طريقة مختلفة للعمل الصحفي اغتالتها مقتضيات سوق الاعلانات.
رافقته في تجربة ادارة برنامج حوار سياسي على تلفزيون لبنان. انتهى الامر باقفال البرنامج عندما قرر سمير دعوتي وجوزف ابو خليل لنقاش تجربة الحرب الاهلية ذات ١٣ نيسان. لم يمنعوا الحلقة، الغوا البرنامج بكل بساطة. كان هذا مطلع نزاعه مع الاجهزة.
***
جمع بيننا، الى اشياء كثيرة، التعصّب لحزب الماكنتوش. إنتمينا اليه باكرين وما بدّلنا تبديلا. كذلك تشاركنا في إقتناص آخر مبتكرات الإلكترونيات. اشترى هاتفا نقالا جامع الامكانات وشجعني على شراء مثيله. فعلت عندما كنت في احد بلدان الخليج. لم يعجبه الامر. يبدو اني اشتريت جهازا اكثر تطورا من جهازه. مع ذلك، ارسل لي بواسطة « السن الازرق » عنوانه الالكتروني ومعه صورته. 
اضعت هاتفي النقّال في نيويورك واضعت معه صورة سمير.
***
اقول له احيانا: « تواضع قليلا! »
- « هل تعرف ما يقول نيتشه في هذا الموضوع ؟ »
- « لا »
- يجيب بالفرنسية: «المتواضعون، صدّقوهم. انهم كذلك ».
ويفيد النعت الفرنسي لا التواضع بل المسكنة او المحدودية. 
لم اوافقه. وهو ظل الى التفوّق يطمح. 
وعندما إغتالوه، وجدوا في سيارته كتابا لنيتشه.
***
أضعت سمير عندما ذهبت الى نيويورك في ربيع ٢٠٠٥. 
أشهر مضت وهو معتكف في شاليه على البحر ينهي مخطوطة «تاريخ بيروت » وانا من جهتي اجهز سفرتي للتعليم في نيويورك. إفترقنا على فتور. اخذ يتحاشاني عندما عزم امره على المساهمة في تأسيس «حركة اليسار الديمقراطي ». عندما كنت ادعوه سابقا للمساهمة في مشاريع تجميع اليسار كان يعتذر مبديا استعداده لأن يكون «رفيق درب » ليس الا. وإذا به يقرر فجأة خوض غمار السياسة اللبنانية. طالبته والياس خوري بجلسات نقاش. جاءت الاجوبة مقتضبة: «النقاش يكون في داخل الحركة. مكانك محفوظ. » ليته درى ان الشباب اليساري الجامعي الذي كان يفاوض للانضمام الى «اليسار الديمقراطي » اقترحوا ان احلّ محله في الهيئة القيادية.
مهما يكن، كان عموده الاسبوعي على الصفحة الاولى من جريدة «النهار» قد دفعه الى السياسة اليومية وكوّن له جمهورا يطالبه بما هو اكثر من مجرد رأي. اخذ يتشوّق الى تجربة حزبية لم تتح له خلال الحرب. كنت على النقيض منه. انا الذي إنشق وشقّ وأسس في غير حزب وتنظيم ومنظمة، انا الخارج من عدة تجارب حزبية، واطولها واغناها واكثرها ايلاما تجربة منظمة العمل الشيوعي، تكاثرتْ شروطي المسبقة وتطلباتي للانخراط في مغامرة حزبية جديدة. وكنت قد ناقشت مؤسسي «اليسار الديمقراطي » مدى سنوات، ولم القَ عندهم غير لون من القومية الليبرالية: قومية لبنانية تنطوي على تلخيص الاستقلال اللبناني بالعداء لسورية، وليبرالية سياسية، سرعان ما سوف تكتمل بليبرالية اقتصادية. اضف الى ذلك جوابهم المغلوط على العلمانية المبدأية للحزب الشيوعي بتأكيدهم على ان السياسة اللبنانية هي سياسة طوائف فلا بد من العمل من خلال الطوائف، الى حد اعتبار الطوائف هي «القوى الحية » في المجتمع اللبناني. قد تكون الطوائف «حيّة» لكنها تلدغ وتميت. 
قليلة ومتباعدة كانت اتصالاتنا خلال اقامتي للتدريس في نيويورك في فصل الربيع من ذلك العام المشؤوم. بعث إلي رسالة الكترونية يسألني متى أعود الى لبنان. أجبته: بعد تصويتكم لصالح لائحة رفيق الحريري في بيروت. وكان أمين عام حركة «اليسار الديمقراطي » الياس عطالله قد أعلن ان حركته سوف تمنح أصواتها للائحة التي يتزعمها رفيق الحريري في بيروت. وجدت في ذلك تأكيدا لمخاوفي وابتعاداً عن اي هاجس من هواجس بناء رؤية، ومواقف، ومواقع مستقلة لليسار لا معنى ليسار جديد دونها. أجاب: « قد نضطر لاكثر من ذلك ». رددت: « وما الذي يضطركم؟ ». اجاب: « دعنا من ذلك، هناك ندوة عن النهضة العربية في الجامعة اليسوعية واريدك ان تشارك فيها بمساهمة عن احمد فارس الشدياق ». 
تبيّن اني عائد بعد انعقاد الندوة. عدت بعد اغتياله بايام معدودة.
***
المرة الوحيدة التي التقيت بها بالرئيس الراحل رفيق الحريري، دار اللقاء خلالها حول سمير قصير. حصل ذلك خلال احد اجتماعات حلقة نقاش في «النادي الدبلوماسي » الذي تنظمه الجامعة اللبنانية الاميركية في اول اربعاء من كل شهر. ذلك الاربعاء، كان رفيق الحريري مدعوا للتحدث عن آخر التطورات السياسية امام السفراء العرب والاجانب. قبل الحديث، تجوّل بين المدعوين برفقة الإعلامي مارسيل غانم. عندما مرّا من امامي، هزّ الرأس أدبا، فبادلته بالمثل، فإستغرب مارسيل اننا لم نسلّم واحدنا على الآخر. سأل متعجبا: «الا تعرفان واحدكما الاخر؟ » . والافتراض ان الحريري كان في حركة القوميين العرب ولا بد اني اعرفه منذ تلك الفترة. وهذا لم يحصل. ولا انا كنت في حركة القوميين العرب اصلا. أجبته على مسمع من الحريري: «هو لا يعرفني. انا اعرفه وقد مثّلنا فيلما معًا. » والاشارة الى فيلم عمر اميرآلاي عن الحريري بعنوان «الرجل ذو الحذاء الذهبي »، اعطانا عمر في آخره دقائق معدودات لي ولالياس خوري وسمير قصير لنبدي الرأي في الحريري ومشروعه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. 
ردّ الحريري مشيرا الى الفيلم: «لا. انك لا تعرفني. انتم لا تعرفونني. لو كنتم تعرفوني لما صدر منكم عني في الفيلم ما صدر. » 
- «فلنتعارف إذاً، أجبتُ، ولكن على الملأ. دعوناك الى نقاش علني بعد عرض الفيلم على تلفزيون «المستقبل» فلم تستجب. »
خلال تلك الايام، كان سمير يتعرّض لمضايقات رجال جميل السيّد بعد ان احتجز جواز سفره اثر عودته الى بيروت من سفر. إعتبرت وجود رئيس الوزراء مناسبة لاثارة الموضوع في حضرة ذلك الحشد من السفراء والدبلوماسيين العرب والاجانب. وكان السفير الاميركي بينهم إن لم تخني الذاكرة. تحدثت عن الملاحقة الفظة التي يتعرّض لها الصحفي والمثقف سمير قصير من قبل الاجهزة الامنية، دون ان توجه اليه تهم محددة. فاجأني جواب الحريري بصراحته المتناهية:
- «بلى. حصل ذلك. هذا العمل من صنيع جميل السيّد. »
واردف معلناً واعلن عن معارضته إحتجاز جواز سفر سمير قصير والمضايقات التي يتعرّض لها. 
اردت ان اواصل فأقول: «ولكنك رئيس الوزراء وجميل السيّد موظف عند وزير داخليتك! » لم افعل. كنت اعرف اكثر من ذلك، كنت اعرف اين مكامن السلطة الحقيقية في البلد. تذكّرت ان رئيس الوزراء السابق الدكتور سليم الحص إعترض ذات مرّة على مؤتمر صحفي عقده جميل السيّد حول الوضع في المخيّمات الفلسطينية. ذكّر رئيس الوزراء مدير الامن العام بأن عليه ان يستحصل على اذن من رئيسه، وزير الداخلية، قبل ان يعقد مؤتمرا صحفيا او ان يدلي بتصريحات علنية. لم يستجب احد للحص. ولم يردّ احد عليه. كان جميل السيّد خارج طائلة المساءلة والمسؤولية. 
لم أخبر سمير بما جرى في حضرة الدبلوماسيين. لكن الرئيس الحريري، الذي كان يتناول العشاء في أحد مطاعم بيروت، اتصل به هاتفيا تلك الليلة ودعاه وجيزيل خوري الى الالتحاق به. إفترض الحريري اني قد رويت لسمير ما جرى. ولما عرف اني لم افعل، روى له بالتفصيل ما قاله امام السفراء. ودعاه وجيزيل الى مرافقته الى منزله لتناول القهوة. خلال الانتقال الى منزل الحريري في قريطم، تدخلتْ سياراتُ المرافقة لموكب رئيس الوزراء فقطعتْ الطريق على سيارة رجال جميل السيّد لمنعها من الاستمرار في تعقّب سيارة سمير. 
***
من اواخر المقابلات التلفزيونية التي اجراها سمير مقابلة مع ريما مكتبي على «المستقبل». سألته ريما عني وقد كانت طالبتي في الجامعة اللبنانية الاميركية. أجابها: «انه في اميركا. وقد أضعنا واحدهما الآخر منذ غادر ». 
اضعنا واحدهما الآخر. 
انا أضعت سمير، وأضاعه كثيرون معي، عندما اراد «ورثة الزور »، على غرار «شهود الزور »، وضع انتمائه الفلسطيني (النضالي) في مواجهة انتمائه السوري. 
وانا اضعت سمير قصير عندما قدموا كتاباته ومواقفه في السنوات القليلة الاخيرة من حياته القصيرة، على انها حياته كلها وكتاباته كلها وموافقه كلها. اراد ويريد « ورثة الزور » طمس مقالاته في «مجلة الدراسات الفلسطينية » و «الموند دبلوماتيك » المنحازة الى اليسار والحركة الوطنية اللبنانية، بما فيها مقالاته عن «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ». واراد ويريد «ورثة الزور » الغاء كل تجربة «الاوريان اكسبرس » التي قامت لنقد مشروع الرئيس رفيق الحريري في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والإعمار والثقافة. 
وانا أضعت سمير قصير عندما قرأت ان «مؤسسة سمير قصير » ادرجت إسم دولة اسرائيل في لائحة الدول المشاركة في «مسابقة سمير قصير للصحافة الحرّة ».
***
ومهما يكن، هذا هو الضياع الاوجع:
ان لا انزل الى «الروضة» لاقابله. 
ان لا تخبرني رشا السلطي بآخر مجادلة بين سمير قصير وجوزيف سماحة في احدى السهرات. 
ان لا يأتي لاخذي في «مشوار» مزهوا بسيارته الجديدة. فأعمّدها له سيارة تليق بحديث نعمة فكري وثقافي. ويزهو بالتعبير.
ان لا اراه يغازل إبنتي جنى وكأنه مراهق من جيلها. 
ان لا اقرأ له عموده الاسبوعي في «النهار». موافقا او معارضا او بين بين. ومعجبا بما يكتب على الدوام.
ان لا اخرج معه وجيزيل الى مطعم فخم في الاشرفية. 
ان لا اقرأ له مخطوطة لكتاب جديد له بعد «تاريخ بيروت ». 
ان لا أقرئه الباقي من فصول مخطوطتي عن تاريخ لبنان الحديث. 
ان لا اسمع عن مشاريعه اللامتناهية. 
ان لا اسأله عما جرى لمشروع اصدار الف ليلة وليلة عن «دار ليال » التي اسسها. 
ان لا استطيع ان أناكفه عن مآل حركته السياسي واختلف معه في السياسة. وطظ في السياسة.
ان لا استطيع ان أجيب على سؤال ابنتي جنى عما سوف يكون موقف سمير من العدوان الاسرائيلي في تموز ٢٠٠٦ لو بقي على قيد الحياة.
ان لا... ان لا...
والـ «ان لا » هذه هي الموت، يا سمير. وتظن الموت مزحة؟
***
الشهداء، أفضلهم احياء عند اهلهم واحبائهم واصدقائهم يرزقون.
قد يبدو هذا القول بديهيا. وهو ليس بالبديهي. لا يقوله التمثال ولا الملصق. وإن كنت لا اتصوّر بيروت بعد الآن من دون طلّتك محجورًا في قالب البرونز على حافة ماء رقراق فيه كل نضارتك وانفلاتك وحريتك. لا اتصوّر بيروت بعد الآن دون طلعتك الجميلة في ملصق يواظب شبابٌ حركتك او طلابك على لصقه على جدران شارع الحمرا او عواميد الطريق الفرعي بين خندق الغميق وبرج الغزال...
سمير، كيف أضعتُك ؟