ريجيس دوبريه... بين أوروبا وأميركا... حضارة وثقافة ماديتان

مايو 31, 2017 1 تعليق


يُرصد تغير حضارة من الحضارات من طريق ملاحظة تغير أحوالها السائرة والبالغة العادية: فالديكور (الأثاث) ليس تفصيلاً ثانوياً. وفي نهاية الثمانينات، استبدلت المؤتمرات الإعلامية الرئاسية في فرنسا الكرسي الذي يجلس عليها الرئيس بمكتب من زجاج (بليكسيغلاس) على خطى البيت الأبيض. وهذا منعطف. فإلى حينها، كانت السلطة في فرنسا جالسة وثابتة غير متحركة (الكرسي علامة الحسم– التحكيم). واليوم، صارت متحركة: الاقتراب من المنصة بخطوات مرنة وخفيفة. فالوقوف هو صنو الدينامية، والجلوس استبدادي وأبوي يبالغ في الاعتداد بالنفس. وكأن الرئيس حين قام عن كرسيه ليدردش مع الصحافة، ارتمى في حضن روما الجديدة وصدع برسوم العهد الأميركي. ومع الرئيس جيسكار ديستان في 1974 كان المنعطف. فهو كان مديراً مالياً إنكليزي اللسان، وشاباً ناجحاً في مواجهة مع الجميع. ولكنه جاء قبل أوانه، أي قبل غلبة «ديزني لاند» وصور «السلفي» والهواتف الخليوية المحمولة. وسعى فرانسوا ميتران إلى إبطاء سيرورة «الأمركة» (غلبة الحضارة الأميركية) وكانت صورته على ملصق حملته الانتخابية الرئاسية في 1981 تظهره واقفاً وخلفه جرس كنيسة علامة على التقاليد المحلية. والسيرورة هذه مرت في مراحل كمون في فرنسا ثم بلغت مراحل ظهرت فيها وفشت، واليوم بلغت ذروتها. وفي كتابي «حضارة. كيف أصبحنا أميركيين»، سمة وقوف إيمانويل ماكرون حين سماع النشيد الوطني (ثني الذراع اليمنى ووضعها على القلب مثل المواطنين الأميركيين عوض إرخاء الذراعين والساعدين على الجانبين) هي حركة تلقائية لا إرادية. فالواحد منا هو ابن زمنه ومحيطه. وهذا ثمن يفاعته: فهو من جيل لم يعرف غير الهيمنة البصرية الأميركية التي صارت مثل طبيعة ثانية. والتفتيش المالي أو المصرفي هو عالم ذهني تغلب عليه الولايات المتحدة- وهي الموئل– الأم في عصرنا هذا- التي توجه دفة العولمة. وهذا عالم أميركا، عالم العقود، والدوائر الرقمية وحقوق الأقليات ووسائل الإعلام والشركات والتسويق، وغلبة الصورة. وفي حضارة أميركا ما بعد الحداثة الاقتصاد هو الفيصل ويتبوأ موقع السلطة. والحضارة عابرة للحدود وعمرها قرون. وهي مرآة شخصية جماعية تبسط نورها وتتمدد. وانتشارها وثيق الصلة بطابعها الإمبريالي. فالجاز بلغ فرنسا في 1917 مع الجيش الأميركي. والثقافة هي مرآة شخصية محلية تصمد وتقاوم ولكنها محلية وتراوح مكانها. وعلى ما كانت الحال في العهد الروماني حين برزت ثقافة غالّية- رومانية وأفريقية– رومانية، وإسبانية– رومانية، ثمة ثقافة غالّية- أميركية (فرنسية– أميركية): فالفرنسيون لن يخسروا أنواع جبنة الروكفور (ديغول أعلن ذات يوم من الصعب حكم بلد فيه 2000 نوع جبنة) وجوائز غونكور في العصر الأميركي.
والهوية كلمة محبطة، فهي دفاعية الطابع. بينما عينُ الحضارة على الجامع العام وهي شاملة وتجمع قوة استقبال وتلقي إلى قوة إرسال وبث أو اتصال. والموقف الفرنسي الخائف من الهجرة غير سار. فالحضارة حين تكون في أمثل أحوالها لا تخشى استقبال الأجانب، بل ترحب بهم وتطبعهم بطابعها. والثقافة هي ترس وحاجز. ولم تعد أوروبا حضارة تصدر معاييرها. والانتماء إلى حضارة تذوي يبعث على الضيق والقلق. ولكن المفاجئ هو قلة عدد القلقين. وهذا دليل على عملية مثاقفة أو تلاقح ثقافات ناجحة. والحداثة أبصرت النور في الدول البروتستانتية ونعيش اليوم انتصار الدول هذه، ومنها ألمانيا. فالولايات المتحدة كانت بروتستانتية وابتكرت الصيغة الإنجيلية، النيو- بروتستانتية. وهذه كانت في وقت أول معتقد مسافرين ونازحين، على نحو ما لاحظ أوليفيه أبيل (مفكر فرنسي بروتستانتي). وجنيف كانت منطلقاً منها يغادر المرء، ويمضي قدماً... حاملاً القدير في قلبه، ولا حاجة به إلى دور عبادة ولا إلى رهبان وأحزاب وأسرار. وأميركا هي المدى الفسيح والأحجام الضخمة والحركة والحرية من غير معوقات. وهذه الحركة من غير قيد بلغت القمر وقد تبلغ قريباً المريخ. ودور التاريخ والذاكرة في أميركا لا يشبه نظيره في فرنسا. وولد الشعور القومي في أوروبا مع اختراع الطباعة بينما برزت الولايات المتحدة مع شيوع الصورة الصناعية- المصورة- والسينما. وصارت أكبر منتج للصور. والصور تطبع بسرعة تفوق سرعة الكتابة، ولا يحتاج متصفحها (المشاهد) إلى مترجم.
والامبراطورية تعيش قروناً. وأميركا تملك 700 قاعدة عسكرية و10 حاملات طائرات في وقت يملك فيه كل من الصين وروسيا حاملة طائرات يتيمة. وهي بلد مهيمن على القطاعات العلمية والنقدية والتجارية والتكنولوجية والسينمائية والموسيقية. وعلى رغم المنافسة الصينية (الاقتصادية)، إلا أن بكين خاوية الوفاض من مشروع تقترحه على العالم، فهي لا تبالي بنفوسنا (أفكارنا وثقافتنا) ولا تريد أداء رسالة أخروية أو مصيرية مختلفة. وجل ما تريده هو حيازة شركاتنا ونبيذنا ولا تريد الفوز بعقولنا ولا قلوبنا. والحضارة الصينية موجودة ولكن لغتها هي عائق يسوِّرها. ولا تشعر الصين أنها مصطفاة للسهر على هناء الإنسانية. وأنا أدرس التفاعل بين التقنية والثقافة وأثر الأدوات في مَن يبتكرها ويستخدمها. والأدوات المادية والعقلية المعاصرة ولدت في أميركا، وهي حاملة لطريقة عيش وتخيل وشعور. وتحمل كل وسيلة نقل رؤية إلى العالم. فعلى سبيل المثل، القطار (شبكة الحديد المكهربة) جماعي واشتراكي- ديموقراطي، وهو يفترض أن ثمة دولة مركزية تنظم مواعيد حركته. والطائرة معولمة. والسيارة فردية وليبرالية، ففي مقدور الواحد الذهاب أينما يشاء ساعة يريد. وحين «يشعل» المرء جهاز الكومبيوتر، عليه الكلام باللهجة العالمية وإلا لم يبرز ولم يُلحظ.
وربما أبالغ في التعلق بهذا البلد الغريب حيث في الإمكان إلقاء قصيدة في اجتماع وحيث الرأسمالية ليست أقصى مراحل التاريخ الإنساني، وحيث للكاتب دور لا نظير له في الخارج. ولكن هذه الفرادة الفرنسية تتبدد. وليس في الإمكان الحؤول دون مواصلتي الكتابة بالفرنسية إلى أن يحل يوم لا يعود ما أكتبه مفهوماً. ولكن ما نخسره من جهة، نربحه من جهة أخرى. فبعض الملكات تتقلص وتنكمش، وبعض آخر يتطور. والقدرة على قراءة الصورة تطورت تطوراً هائلاً، وننتقل من عالم الكتابة إلى عالم الفيديو. وأنا أميل إلى الأول أكثر من الثاني، لذا، قد أنزلق، إلى حد ما، إلى بطالة تقنية. والمثقفون مضطرون إلى مواكبة التغيرات. ولم يعد النفوذ يبسط من طريق المكتوب بل من طريق السمعي– البصري والرقمي. وصار رواج الكتب رهن الظهور في برنامج لوران روكييه التلفزيوني. ولكنني أبكر في النوم، ولا أتابع البرنامج هذا. وأتفهم دواعي غيري للظهور في مثل هذه البرامج. فمنهم من هو أكثر ليونة مني أو أكثر شجاعة أو تواضعاً. ولكن الظهور في برنامج روكييه مهين حين يملك المرء شيئاً من الكبرياء. وغيري يصدع بما تقتضيه المهنة. فالمثقف، على خلاف الباحث العلمي الذي يَنظم نظرية أو يثبت وقائع، هو من يصنع الرأي، ويرغب في التأثير في مسار الأمور واستمالة الناس.


* مثقف فرنسي، عن «لوبس» الفرنسية، 18/5/2017، إعداد منال نحاس جريدة الحياة

حين جاء وَقْتُ الاعتقاد لروبير ساباتييه

مايو 31, 2017 اضف تعليق

حين جاء وقت الاعتقاد، شَكَكْت.
لا تستطيعُ غير ذلك، فالشّكّ هو اعتقادُك.
الشّكّ يرتدي لباسًا لحفلةٍ راقصة، وهو شَرِس، ولا يرقص.
المنفى هو أن يفقد المرء الذّاكرة، أن يرى رُوحَه التي نسيت كلَّ شيء تهيم
بلا انتهاء في أبديةٍ
حيث العدم يُلَطِّخُ بِحِبْرِهِ ذكرياتك، تلك
الأشياء الواهية التي تجعلك تعيش.
تتحدّثٌ عن الرّوح وتقول إنّك تَشُكّ.
تناقض؟
كلّا! ما هي إلّا فاصِلةٌ أضاعتْ جُملتها بالخطأ، خُطّافٌ نَسِيَ أَنْ يُهاجِر، وربّما أنتَ
في هيئةِ نَمْلَةٍ حَزِينة.
……………………….
(ترجمة : مارك وساط

نسوان بوكوفسكي | تشارلز بوكوفسكي/ترجمة: أسامة منزلجي

مايو 29, 2017 اضف تعليق


يحتوي ما يلي فصلاً من رواية تشارلز بوكوفسكي المجنونة "نسوان" 1978 مسبوقة بمقدمة مدهشة عن أدب وحياة بوكوفسكي بقلم باري مايلز

مقدّمة
باري مايلز
كان تشارلز بوكوفسكي شاعر لوس أنجليس. ليس لوس أنجليس المنازل الريفية في منطقة هوليوود هيلز ذات مشاهد الأضواء المتشابكة البراقة التي تحبس الأنفاس، وأحواض الاستحمام، وأشجار النخيل والسيارات الرياضية المُصطفة على الممرات، بل لوس أنجليس الأحلام المُخفقة، والوظائف العقيمة، والعاهرات، والعاملين في صناعة الجنس، والمقهورين، والمكسورين، والمُختلين. أناسه. لقد أحبّ هوليوود القديمة: أكواخ الشواطئ المبنية رخيصة التي تهزّها الطرقات السريعة، وأشجار النخيل الميتة والأرصفة المُشقّقة، وحاويات القمامة الممتلئة، والسيارات المتوقفة وسط حركة المرور المزدحمة، وأجهزة تلفزيون الجيران المدوّية من خلال النوافذ المفتوحة، والصراخ في الليل وطائرات هليكوبتر الشرطة تحوم فوق الرؤوس؛ أحبّ حانات منعطفات الشوارع، ومنافذ بيع الأطعمة السريعة المبهرجة، ومحلات بيع مجلات الجنس والمواخير، والرسوم والعبارات البذيئة على الجدران وقضبان الأمان الفولاذية الثخينة على واجهات المحلات التجارية ومحلات بيع المشروبات. إنها مدينته.
   وُلِدَ في أندرناخ، ألمانيا، في عام 1920 لأمٍّ ألمانية وأب ألماني-أميركي أقام مع الجيش الأميركي العامل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. في سن الرابعة، انتقل الأب بالعائلة إلى مسقط رأسه في مدينة لوس أنجليس. كان بوكوفسكي طفلاً وحيداً، نشأ وسط عائلة فاشية، باردة، شديدة الصرامة، يتلقى فيها الضرب المبرح بانتظام. في فترة المراهقة أُصيب بحالة شنيعة من بثور الشباب إلى درجة اضطرَّ بسببها إلى الانسحاب من المدرسة. وانتشرت البثور على كامل وجهه وظهره، وحتى على جفنيه. وكان في كل يوم يذهب إلى عيادة المرضى الخارجيين في مستشفى مقاطعة لوس أنجليس لكي تُفقأ. وبسبب خجله من شكله، وافتقاره إلى الأصدقاء والأمان في المدرسة، انسحب إلى عالم داخليّ خاص به.
   أصبح مُدمناً على الكحول ومتشرداً، يتسكع في أرجاء أميركا فيما يصفه بأنه "سُكر الأعوام العشرة". وأضحت تجاربه وتشرده مادة قصصه، ولكن من الخطأ اعتبارها سيرة ذاتية بالمعنى الصارم للكلمة. لقد كان كاتب أدب ودائماً يُضحي بالحقيقة لصالح القصة الجيدة. وينبغي أنْ نتذكّر أيضاً أنَّ بعضها حكاها له أناسٌ آخرون ثم حُوِّلت إلى صِيغة المتكلِّم. وقد رُويَتْ بأسلوب أحد رواد البار : سلسة، فكهة وتتجاوز الذات، صُمِّمتْ لتسلّي وتُمتِع ؛ قصص عن شجارات، عن أيام في مضمارا السباق، وآثار السُكر وحوادث الطرد، قصص خشنة عن حياة صعبة.
   أفضل قصصه كانت نتاج حياته العاطفية. كان يبدأ ببطء شديد. أول علاقة جنسية أقامها مع "عاهرة بثلاثمائة دولار" في فيلادلفيا أثارت شبقه إلى درجة أنه كسر عمود السرير. الثانية كانت وهو في سن السابع والعشرين عندما قابل جيم كوني بيكر. كانت أكبر منه بعشرة أعوام، مدمنة كحول وفتاة استعراض سابقة تعيش على قفا ثري عجوز. كانا ينتقلان معاً من نُزُل إلى آخر، عادة في منطقة ويستليك من وسط لوس أنجليس القديم بالقرب من متنزه ماكارثر، ودائماً يُطردان بسبب الشجار، والسُكر، وغالباً، لعدم دفع قيمة الإيجار. وقد تولى بوكوفيسكي أعمالاً عدة عقيمة، غالباً في ورش، ولكنه كان في أغلب الأوقات يُعاني من آثار السُكر إلى درجة أنه يعجز عن الوصول إلى مقر عمله ولذلك نادراً ما كانت تلك الوظائف تدوم طويلاً. أحياناً كانت جين تعمل طابعة على الآلة الكاتبة مع نتائج مُشابهة. وعلاقته بجين والفترة التي عاش خلالها في الفنادق الرخيصة استخدمها كأساس لكتابه " زير الحانات "، الذي تحول لاحقاً إلى فيلم سينمائي من بطولة ميكي رورك وفيه دناواي.
   انتهى هذا كله في ربيع عام 1955 عندما استيقظ ليجد الدم يتدفق من فمه ومن طيزه. وأُخِذَ إلى القسم الخيري في مستشفى لوس أنجليس العمومي حيث كاد يموت لأنه لم يكن يمتلك " بطاقات دم " (ضمان طبي) فلم ينقلوا إليه الكمية الكافية من الدم. وكان محظوظاً بنجاته من الموت. وفي الليلة التالية التي أمضاها هناك لفظ الدم وأُصيب بالإغماء على الأرض بينما كان يُحاول بلوغ الحمّام. وعندما استعاد وعيه كان مُحاطاً بالممرضات وسمع الطبيب يطلب بغضب أنْ يُنقَل إليّه الدم. وقد احتاج استقرار حالته إلى تلقّيه تسع عبوات من الدم وثمان من الغلوكوز. وحسب رأي بوكوفسكي الخاص، عانى من أذى دائم تضمّن تلفاً في الدماغ  بسبب إهمال المستشفى التي تركته في حالة متقدمة من فقدان الذاكرة ومن بطء واضح في النطق.
   بحلول عام 1958 كان بوكوفسكي قد نشر من الشِعر في مجلات أدبية صغيرة ما يكفي لإصدار ديوان صغير. ولم تُنشَر قصائد "زهرة" و "قبضة وعويل بهيمي" حتى عام 1960، لكنها كانت الخطوة الأولى. وعلى امتداد حقبة الستينيات تسبّب في إغلاق مجلات أدبية صغيرة بأعماله وعندما بدأ النشر السرّي، باشر في كتابة عمود منتظَم، بعنوان "ملاحظات عجوز قذر"، لصالح صحيفة في لوس أنجليس اسمها "مدينة مفتوحة" Open City. تلك الأعمدة كانت تتألّف من نثر، وقصص قصيرة أساسها تجاربه التي خاضها في أثناء عشر سنوات من القصف، وحالات إلقاء القبض عليه، والشجار، وعلاقاته العاصفة مع تساء. وقد نُشرت تلك الأعمدة في كتاب تحت العنوان نفسه وساعدت على بناء شهرته.
   منذ أواخر حقبة الخمسينيات وخلال الستينيات عمل بوكوفسكي في نوبات ليلية في مكتب بريد لوس أنجليس المركزي. كان عملاً مُرهِقاً لكنه مكّنه من أخذ قسط من الراحة نهاراً وزيارة مضمار السباق. وطوال تلك الفترة، أخذت دواوين صغيرة، ونشرات ومقطوعات في مجلات تظهر. في عام 1959، وبتشجيع من ناشره في دار بلاك سبارو بريس، جون مارتن، ترك عمله وأصبح كاتباً متفرغاً. كان غياب الأمان يُخيفه إلى درجة أنه انتهى من تأليف روايته الأولى، " مكتب البريد "، في 21 يوماً.
   سارت حياة بوكوفسكي بموازاة " الجيل الضائع " Beat Generation: كان في نفس عمر أعضائه لكنه انحدر من خلفية مختلفة جداً  وعلى الرغم من وجود عدد من الضائعين  في لوس أنجليس، من أبرزهم ستيوارت ز. وجماعة فينيس، إلا أنه لم يكن يعرف أي شيء عنه. ومع ذلك، غالباً ما يُعتَبَر منهم بسبب مواقفه الصلبة، غير المُهاودة : فلا موضوع مُحرَّماً بالنسبة إليه، مهما كان مُحرِجاً، وفظاً أو شخصياً. وتبدو حياته العاطفية كأنها مُبتلية بعنّة مؤقّتة بسبب الكحول ولكن عندما ينجح في ممارسة الجنس، يُخبرنا عن ذلك بتفاصيل دقيقة. إنه يخسر شجارات البار كلها ويكاد يُصاب بكسر في حلبة السباق. ويكتب عن أشخاص مكافحين عاديين، وعن زملائه من العاملين في الورش أو في مكتب البريد؛ يكتب عن جيرانه، وساعي بريده، وقبل هذا وذاك يكتب عن نسائه.
   "نسوان" هي رواية بوكوفسكي العفنة. كتبها في عام 1977، وهي سريعة، تعتمد على الحوار، لا تحتوي إلا القليل من الكلمات الطويلة، وتتقدم بصعوبة. كُتِبَتْ بسرعة، بمساعدة ثلاث زجاجات من النبيذ الأبيض في كل ليلة.
   كان بوكوفسكي في أواخر خمسينيات عمره عندما كتبها وتكشف عن عقلية الثلاثينيات اتجاه المرأة؛ عن أفلام هوليوود السوداء في الأربعينيات، عن "معركة الجنسين" لجيمس ثربر؛ عن الفترة السابقة للهيبيز، وحتماً عن وجهة النظر من المرأة في الفترة السابقة للكومبيوتر الشخصي. لقد كان بوكوفسكي ينتمي إلى زمن مختلف، ولكن بينما يبذل أقصى جهده لفهم ما يجري من حوله، لا تساعده حقيقة أنَّ العديد ممّن يعرف من النساء متلاعبات، مجنونات، مُخدّرات أو مُصابات بحالات ذهان متطرفة. وأخريات يشكّلن جماعات أدبية، ونساء وحيدات تأثرن بكتابته ويراسلنه ليتصلن به، أو سائحات شابات من المانيا أو هولندا يتوقفن ليُضاجعن بوكوفسكي كجزء من برنامج عطلتهن في أميركا. بالنسبة إلى مَنْ يواجه صعوبة من الحصول على أية امرأة طوال السنوات الثلاثين الأولى من عمره كان ذلك كله أمراً مُربكاً جداً.
   إنَّ بوكوفسكي يعلم كيف يُبرِز الفكاهة في هذا ويُحسن استخدامها. وعندما دعاه جيرانه، براد وتايني داربي، هو يُدير محلاً لبيع مجلات الجنس وهي متعرية، إلى بيتهما ليشاهدها وهي تجرب بعض الملابس الجديدة المكشوفة اشترتها من محلات فريدريك في هوليوود، بدأ بوكوفسكي يتصبب بالعرق ويمسح جبينه، مُعبّراً طوال الوقت عن دهشته من ثدييها وساقيها، صائحاً "يا يسوع، انظر إلى هذا!". وطبعاً شاهدت صديقته الصور الفوتوغرافية لتينا وهي جالسة في حجره. في الواقع، لقد أحبَّ الطريق الوعرة: كان في حاجة إلى الشجارات الصاخبة، والكؤوس المكسورة، وبعثرة كتبه وملابسه في كل أرجاء الفناء. لقد حوّلته طفولته الخالية بصرامة من المشاعر إلى ما سمّاه "رجل متجمّد". لقد احتاج النفاذ إليه إلى الكثير من الجهد. وكل الشجارات في البار والشرب كانت محاولة في الحقيقة ليشعر بشيء ما. وعلاقاته بالنساء كان لابد أنْ تكون عاصفة لكي تكون حقيقية. ولكن عندما وقع في الحب، غاص فيه عميقاً.
   اشترك بوكوفسكي مع بوروز وغينسبرغ في حب لوي-فردينان سيلين، ولكن مصدر التأثير الأكبر فكان كنوت هامسن، الفائز بجائزة نوبل، والتي عكست روايته "جوع" (1890) تجارب بوكوفسكي الخاصة خلال حقبة تشرده، وجون فانت، الذي كان لروايته "اسأل التراب" (1939) وتدور حول الواقع الصعب لوضع الطبقة العاملة في لوس أنجليس في حقبة الثلاثينيات، أبلغ الأثر عليه. كتب بوكوفسكي يقول : " كان له أعظم الأثر عليّ، لقد أحببتُ أسلوبه في الكتابة. كان منفتحاً وسهلاً، وواضحاً وانفعالياً، وباختصار كان أسلوباً جيداً لعيناً ". إنَّ أسلوب بوكوفسكي مُصاغ إلى حد بعيد على غرار أسلوب فانت. وبعد ذلك بسنوات عديدة، عندما أصبح بوكوفسكي ثرياً ومشهوراً، عقد مع فانت صداقة، وكان فانت عندئذٍ أعمى ومريضاً، وساعده في الكتابة وفي نشر روايته الأخيرة.
   "نسوان" هي رواية عَرَضية وقد ألّفها على غرار "الديكاميرون" . والكتابان مُؤلّفان من مقاطع قصيرة ومنفصلة. بوكاتشيو لديه 103 مقطع. وطبعاً بوكوفسكي لديه واحد. وهو يُعالج وجهة نظر الذَكَر الأميركي التقليدي من المرأة ومن الجنس مع الكثير من السخرية، لكنَّ ذلك لم يكن كافياً لمنع تعرُّض الكتاب لانتقاد أنصار حقوق المرأة وكذلك العديد من النساء اللواتي ذُكرن فيه، وبالتحديد ليندا كينغ التي دُهِشَتْ من الصورة التي رسمها لها. وعندما انتهى بوكوفسكي من كتابته كتب إلى صديقه أ. د  وينانز يقول: "قد أتعرَّض للقتل بسبب هذا الكتاب. إنه مكتوب بأسلوب متذبذب بين الكوميديا الراقية والسوقية وأبدو فيها أسوأ من أي شخص لكنهم لن يفكروا إلا في الطريقة التي رسمتهم بها ". إلا أنه يقول "إنه كتاب يضجّ بالمرح الفاقع".
***
" إنَّ العديد من الرجال الطيبين وُضِعوا تحت الجسر  على يد امرأة "
هنري تشيناسكي

1

   كنتُ في الخمسين من العمر ولم أكن قد ضاجعتُ امرأة منذ أربع سنوات. لم يكن لي أصدقاء من النساء. كنتُ أنظر إليهن في أثناء مروري بهنّ في الشوارع أو أينما صادفتهن، ولكن من دون شوق وبإحساس بالعقم. كنت أستمني باستمرار، لكنَّ فكرة إقامة علاقة مع امرأة – حتى من دون جنس – لم تخطر على بالي. كان لدي ابنة في السادسة ولدت خارج رباط الزواج. كانت تعيش مع أمها وكنتُ أعيلها بالمال. كنتُ قد تزوجت قبل ذلك بسنين عديدة وأنا في الخامسة والثلاثين، ولم يستمر ذلك الزواج أكثر من عامين ونصف العام. وطلّقتني زوجتي. لم أقع في حبال الحب إلا مرة واحدة. وقد ماتت بفعل حالة إدمان حادّة على الخمر. ماتت في الثامنة والأربعين وكنتُ في الثامنة والثلاثين. كانت زوجتي أصغر مني بـ 12 عاماً. وأعتقد أنها هي أيضاً ماتت الآن، مع أني لستُ متأكّداً. ظلت تكتب لي رسالة طويلة في عيد الميلاد على مدى ستة أعوام بعد طلاقنا. لم أردّ عليها أبداً...

   لستُ متيقناً متى قابلتُ ليديا فانس. كان ذلك قبل حوالي ست سنوات وكنتُ قد تركتُ عملاً استمر اثنا عشر عاماً كموظف صغير في البريد وكنتُ أحاول أنْ أصبح كاتباً. كنتُ مرعوباً وعاقرت الخمر أكثر من أي وقت آخر. كنتُ أجرّب تأليف روايتي الأولى. في كل ليلة كنت أشرب وأنا أكتب ثُمن غالون من الويسكي وحزمتين من علب البيرة تضم كل منهما ست عبوات. كنتُ أدخّن سيجاراً رخيصاً وأطبع على الآلة الكاتبة وأشرب وأستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية عبر الراديو حتى الفجر. وضعت نُصب عيني هدفاً أنْ أكتب عشر صفحات كل ليلة لكنني لم أكن أعلم إلا في اليوم التالي عدد الصفحات التي أنجزت. وأنهض في الصباح، أتقيّأ، ثم أمشي حتى الغرفة الأمامية وأنظر إلى الأريكة لأرى كم صفحة موجودة هناك. كنتُ دائماً أتجاوز الصفحات العشر. أحياناً تكون 17، أو 18، أو 23، أو 25 صفحة. وطبعاً كان يجب ترتيبه أو التخلُّص منه. واستغرق مني تأليف روايتي الأولى إحدى وعشرين ليلة.
   رأى مالكو الفناء الذي كنتُ أعيشُ فيه حينئذٍ، وكانوا يعيشون في الجزء الخلفي، أنني مجنون. وفي صباح كل يوم عندما أستيقظ أجد كيساً كبيراً من الورق الأسمر عند المدخل. كانت محتوياته تتنوع لكنها في الغالب كانت بندورة، وفجل، وبرتقال، وبصل أخضر، علب من الشوربة، وبصل أحمر. وكل ليلتين كنتُ أشرب البيرة معهم حتى الساعة الرابعة أو الخامسة فجراً. ويغيب العجوز عن الوعي وأمسك بيد المرأة العجوز واقبّلها بين حين وآخر . وكنتُ دائماً أُعطها واحدة كبيرة عند الباب. كانت مُجعّدة بشكل فظيع ولم يكن لها حيلة في ذلك. كانت متدينة وبدتْ ظريفة عندما تعتمر قبعتها الوردية وتذهب إلى الكنيسة....

ايفان زيباري ...اللازورد ..... نهاية السطر ( قصيدة)

مايو 29, 2017 اضف تعليق



سأنضو الشتاء من القصيدة
واضع في نهاية السطر
اللازورد
سيمضي الليل نحو زمهرير الحرف
سيحبو النسيان نحو ارض الشمس
سأترك المأساة في شواطىء الفينيق
واعانق رذاذ الكبرياء  
ستتحطم الامواج بعيدا
سترحل الكثير من النوافذ العارية
ستنهمر زخات العطر
ويتوقف نبض المطر
وابقى انا .....
وحيدا برفقة
منفضة سجائري
وكأس الجن
استمع الى اغاني ( داليدا ) وهي تراقص الوجع بالفرنسية
سألفظ اخر انفاسي
سأستنشق الهواء الطلق
من
رئة التبغ الجيفاري  
سأكتب رسالة بخيط الموت والولادة
لعينيك الخضراوان
ولشفتاها الحمراوان
سأمزق عشق امرأتين بالرصاص والقلم
سأهجو اللآلىء المزدحمة بالاخضر     
سأغزو الصدوع المحفورة بالاحمر
سأفعل كل هذا
وانا وحيد .....
انا المسموم بعبث العشق
انا
 المجرد من وباء اللهفة
انا
الشراع المتكسر المثقوب في يساره
 بلقاء هذه ..... ووداع تلك
بوداع هذه ..... ولقاء تلك
اي
هرطقة غائبة عن الوعي
تعيشها
ايها الشمولي الغارق بالزيف
انتحر .....
كن ثائرا حقيقيا وافعلها
فعشق ثائرتين بلا قلب
كهجرة ( المونامور )
تسيل منها الدموع هنا
و
توقد فيها الشموع هناك
انتحر .....
احمل امتعتك الثورية وغادر
لملم نهاياتك الخائبة وسافر  
 فثمة موعد مع
نهاية السطر
مع
اللازورد .....




شاعر وكاتب

جلال الدين الرومي ومحمد إقبال

مايو 28, 2017 اضف تعليق

الدكتور خليفة عبد الحكيم

ترجمة عن الأُردية: هاني السعيد


چو رومی در حرم دادم اذاں  من    از وآمو ختم اسرارِ جاں  من

بہ دورِ فتنۂ عصرِ کہن او            بہ دورِ فتنۂ عصر رواں  من

إنَّ ما ادَّعَاه إقبال في هذين البيتين ليس تساميًا شعريًا، بل تعبيرٌ عن الحقيقة؛ فمن أنواع الفتن التي تواجهها الأمم: فتنٌ سياسية، وفتنٌ علمية أو عقلية، وفتنٌ أخلاقية وروحية. والدليل على رسوخ مكانة أي أمةٍ يرتبط بمدى تمكُّنها من استعادة توازنها مجددًا بعدَ تزلزُلِ أركانُها بكل تلك الأنواع من زلازل الفتن.

وقد ظل الإسلام عُرْضةً لكلِّ ضروب الفتن على مدار تاريخه -الألف وأربعمائة عام-؛ فبعد وفاة الرسول الكريم مباشرةً اندلعت فتنةُ منع الزكاة في سائر بلاد العرب، وكذلك فتنةُ جمعِ مدَّعي النبوة الكاذبة كبرى القبائل، وإصرارهم على الرِّدة، وقد تذبذبَ وتزلزلَ -حينًا- إنسانٌ عظيم المكانة وقوي الإرادة مثل سيدنا عمر الفاروق، لكنْ سرعان ما شدَّت بصيرةُ سيدِنا أبي بكر من أزره. وليس ذلك فحسب، بل ظلت تندلع ألوانٌ شتى من الفتن السياسية والعَقدية، لكن بقيت الحضارة والثقافة والسياسة الإسلامية وسادت العالم. ثم اندلعت فتنةٌ كانت هي الأكثر خلخلةً للأمَّة من جذورها، ألا وهى فتنة التتار، التي أرانا اللهُ -كفيلُ الإسلام- فيها هذه المعجزةَ التي عبَّر عنها إقبالُ بقوله:

نالت الكعبةُ حراسًا من المعبد

ذَكَرَ إقبالُ في هذين البيتين فتنةَ العصر القديم التي أنعم الله على الرُّومي فيها بوجدانٍ خاص، وبصيرةٍ نافذةٍ لإخمادها ومقاومتها. ومع انتشار فتنٍ سياسية طاحنةٍ في عصر الرُّومي، إلا أنَّ الفتنة التي يشير إليها إقبال هي الفتنة العقلية، الأخلاقية، الروحية؛ ففي عهد الرومي قامت العقلية الساذجة- الناشئة على تعاليم نوعيةٍ محدودةٍ من حكماء اليونان- بتحويل العقائد الإسلامية إلى أحاجٍ من المنطق وعلم الكلام، فنفر منهم أهل الروحانيةِ البسيطة صارخين:

رہِ عقل جز پیچ در پیچ نیست

بر عاشقاں  جز خدا ہیچ نیست

و الإسلام أيضًا يدعو الإنسان إلى التدبُّر والتفكر والدراسة العميقة لبدائع خلق الأرض والسموات، ويعتبر من لا يستعملون عقولهم أنعامًا، بل مخلوقاتٍ أدنى منها. والعقل الذي يرشدنا القرآن الكريم إلى استعماله هو الذي يتأسَّس على الدراسة الواسعة والواعية للأنفس والآفاق، ويستطيع استخلاص النتائج منها ببصيرةٍ صافية لم ينلها التلوث. فإنْ لم يكن الأمر كذلك يظل العقل يلعب بالظَنِّيَّات فقط، ويبدأ الاستمتاع بهذه اللعبة.

وقد كان هيكل العلوم العقلية في عصر مولانا الرومي على هذا النحو الذي لم يكن يُسْهم في النظر إلى الطبيعة ولا يشارك في توسيع وتزكية النفس. بل كان محصورًا في مجادلاتٍ عقيمة، نحو: كلام الله حادثٌ أم قديم؟ وهل الذات منفصلةٌ عن الصفات أم متصلةٌ بها بلا انفكاك؟ وهل ينتج عن تعدُّد الصفات الشركُ في التوحيد أم لا؟ وهل يستطيع الله أن يجعل المستحيل ممكنًا أم لا؟ و هل التوحيد خالصٌ منزهٌ عن كل العلائق والزوائد أم الزوائد جزءٌ وجوبي منه؟ إلى غير ذلك من المجادلاتِ المنطقية التى أصبحتْ جزءًا من الدين آنئذ، بل يمكن القول بأنَّ هذه المجادَلات كانت قد نَحَّت الدينَ الأصلي وحلَّت محله. وتسبَّبت هي وبعض التكتلات السياسية في ظهور فرقٍ عَقَديةٍ لا تُحصى بين المسلمين بناءً على اختلافاتٍ فرعيةٍ غير أصولية.

 وافتتنَ أصحاب المعقول حتى صاروا مريدين للحكماء اليونانيين، فقدَّسوا ظنياتهم، واعتبروها بمنزلةِ الوحي الإلهي. كانوا يقولون إنهم أهل عقل، لكنهم كانوا أيضًا في الحقيقة أهل نقل. فخلطوا هذه الظنيات بجوْهر الإسلام بحيث بات من المحال فصلُ اللبن عن الماء. كما كان المتكلمون أهلَ مناظرات، والمتقشفون أهلَ ظاهر. ولم يكن لدى المتكلمين سوى القيل والقال، ولم يكن لدى العلماء الملقَّبين بالراسخين في العقيدة سوى حب المظاهر والحَرفيّة. ولم تكن روحُ الدين الحق مع هذه الطبقة ولا تلك.

 وكان مُدَّعو الروحانية يميلون إلى الرَّهبانية وترك الدنيا، أو على الأقل يُعلِّمونَهما. ولم تكن لديهم الرغبةُ في النظر في الآفاق ولا في تسخير الطبيعة ولا تقوية الأمة. فأصبح التصوفُ سبيلًا لتجنُّب الحياة؛ إذْ لم يكن هناك أي مجال في الحياة – في نظرهم- جديرًا بالاهتمام. وكان تعليم القرآن قائمًا على نحو أن الظاهر حق والباطن أيضًا حق. الأول حق والآخر أيضًا حق. لا بطلانَ ولا فتور في خلق الله والكون، لكنَّ المستهينون بالدنيا جعلوها حلمًا للمجانين:

أُحجية لا للفهم ولا التفهيم

يصفُ القرآنُ الكريم العلم والحكمة بالخير الكثير، لكنَّ الصوفية كانوا يقولون: إن العلم حجابٌ أكبر. يذكر الله أنَّ الوجود حقيقي ويُقدِّمه لخلقه كنعمة، بينما يرى الصوفي أن وجودك هو أكبر ذنب. وكذلك كان الصوفية الكرام العارفون للحقيقة يردِّدون هذه الكلمات أيضًا، لكن كانت لديهم تعبيرات لطيفة. واتخذت هذه التصوُّرات عند المتصوفين صبغة الفرار من الحياة، واتخذ التصوف الخاطئ توصيف العدم بدلًا من الوجود مسلكًا له:

صورتِ وہمی بہ ہستی متہم داریم ما

چوں  حباب آئینہ بر طاقِ عدم داریم ما

كان الكون كله قد أمسى حلم الله:

تا تو ہستی خدائے  در خواب است

تونہ مانی چو او شود بیدار

وطالما أنَّ الله يحلم، سيظل هذا الكونُ الكيميائي قائمًا. فإذا نهض فلن يكون سوى:

عدمی عدم  عدمی عدم     زعدم چہ صرفہ بری عبث

كان هدف الإسلام أن تُعاش هذه الدنيا بحيث تصير دينًا، لكن تعليم ترك العلائق تفاقم إلى:

تركِ الدنيا وتركِ العقبى وترك المولى وترك التَّرك

والخلاصة: أن المُلّا في عصر الرُّومي أصبح من أهل الظاهر، والفقيهَ من أهل الزُّهد. وقد أغفلت هذه الفئةُ لُبَّ الدَّين وراحت تمضغُ عظامه، بل كانت تتصارعُ على تلك العظام. ولمولانا الرُّومي بيتٌ شهيرٌ عن هذا الوضع، يقول:

من  ز قراں   مغز ہا برداشم

استخواں  پیش سگاں  اندا ختم

الأمرُ الذي يدعو إلى التأمُّل الآن هو ما نوعُ التطابق بين عصريْ الرُّومي وإقبال؟ وما وجهُ التماثل بين زاوية النظر التي اختارها كلاهُما بما يتناسب مع أحوال وأفكار عصريْهما؟

كان يشيعُ في عصر الرُّومي نوعٌ خاص من العلوم العقلية، ونمطٌ معيَّنٌ من الفلسفة قد صار جزءًا من التعليم، ويتبين من قراءة المثنويِّ أنه كان على درايةٍ تامةٍ بكل العلوم العقلية في عصره، ومع درايته بها، وتبنِّيه لكل جانب من جوانب الحقيقة فيها لم يكن فريسةً لأيِّ عقلية محدودةٍ وظنية، بل كان الروميُّ ينتقدُ كل مسألةٍ ببصيرةٍ حادَّة وجرأةٍ فائقة، ويعتبر أنَّ العقل نعمةٌ عظيمةٌ من الله. وكان مولعًا بالحكمة، لكنَّ دائرتي العقل والحكمة عنده كانتا متَّسعتان جدًا. ولم يكن عقله محدودًا بالماديات والمحسوسات فحسب، بل تصوَّر العقل مظهرًا عالميًا من صفات الله؛ لذا يقول:

آں  چہ دریا ہا ست در پہنائے  عقل

ونظرية الحياة عنده من المادة إلى الله هي العيش والعيش فقط. لكن لها مدارج عديدة من أدنى مراتب الانحطاط إلى أعلى درجات الرفعة. كلُّ درجة حياة هي درجة من العيش، وحيثما يكون العيش تكون هناك درجة أو أخرى من العقل أيضًا. لذا يذكر العارف الرومي مدارج العقل الجَمَادي، والعقل النباتي، والعقل الإنساني، والعقل النَّبوي. وليس بين خلق الله ومظاهره أي مظهر يخلو من الحكمة. الفرق فقط أنَّ درجة المظهر هي درجة العقل نفسها.

نجد عند إقبال والرومي عديدٌ من النظريات المشتركة والمتماثلة؛ فنظرية الذات التي صارت تخصُّ إقبال بفضل عبقريته، نجد تصوراتِها الأساسية عند الرومي، وكان عامة الصوفية قد جعلوا التوكيد على الفناء والترك هو عين الدِّين، فحوَّلها الرومي إلى نظرية البقاء. ومع صحة القول بأنَّ كل تطورٍ يلزمه فناء الحالة السابقة عليه، لكنَّ المقصود هو البقاء والارتقاء. وعند الرُّومي أيضًا أنَّ استحكامَ الذات وجوبيٌّ، وطريقته تضيف إلى قوة التسخير. وبينما قرَّر التصوف الأعجمي أنَّ ترك الحاجاتِ وسيلةٌ للتقوى، يقول الرومي: لا، الحاجة مصدر الوجود، ومنبع الخير. نعم علينا أنْ نراعي حتمًا ألا تكونَ الحاجةُ متدنيةً ومهلكة؛ فمتطلبات الحياة يجب أنْ تكون رفيعة. ودرس الرومي في ذلك هو:

پس بیفزا حاجت اے  محتاجِ زود

يكتب مولانا الرومي في تحليل هذا المصرع في المثنوي أنَّ الله أيضًا لم يخلق السَّماء والأرض عبثًا، بل خلقهما لحاجةٍ ما.

يُعبِّر إقبال عن هذه الفكرة بأشكالٍ متعددة في شعره الفارسي والأُردي:

زندگانی را بقا از مدعا ست     کا روانش راورا از مدعا ست

زندگی در جستجو پوشیدہ است     اصلِ او در آرزو پوشیدہ است

آرزو جانِ جہانِ رنگ و بو ست     فطرتِ ہر شے  امینِ آرزو ست

از تمنا رقص دل در سینہ ہا     سینہ ہا از تابِ او آئینہ ہا

بعد ذلك نجد جوهرَ نظرية خلق العقل عند إقبال يتمثل في أن العقل الساعي إلى التفرد والطاوي للكون هو أيضًا إعجازُ الأمل، والعقل لا يُولد إلا من رحم الأمل.

 هناك أيضًا عدةُ أمور أخرى مشتركة بين إقبال والرومي. فكلاهما من أتباع البقاء، وكلاهما من الميَّالين للارتقاء. يقول مولانا: تصدر الحياةُ كلها من ذاتِ الله، وتميل الحياةُ كلها إلى الرُّجوع إلى الله؛ لأنَّ أصل أصول الوجود أنَّ كل شيءٍ يرجع إلى أصله،

ہر کسے  کو دور ماند از اصلِ خویش

باز جوید روزگارِ وصلِ خویش

وفي هذا الرجوعِ إلى الله يصعد كلُّ شيء إلى أعلى. فلا تكمن في كل وجود نَزْعة إلى الإبقاء على نفسه فحسب، بل – أيضًا- رغبةٌ مضطربة لإظهار إمكانياته الخفية. فتظهرُ الأقدام من التَّوق إلى السرعة، والمناقير من التوق إلى الصوت. ولأنَّ ذات الله لامتناهية فإنَّ المرحلة لا يمكن أن تُطوى أبدًا:

كل لحظةٍ طورٌ جديد، برقٌ للتجلي جديد

فليُقدِّر الله ألا تُطوى مرحلة الشوق

يقول القرآن الكريم إنَّ الآفاق قد تُسخَّر لآدم، أما إقبال والرُّومي كلاهما فلا يقنعان بتسخير الآفاق فقط. يقول العارف الرومي:

بریز کنگرۂ کبریاش مردانند

فرشتہ صید و پیمبر شکار و یزداں  گیر

ويهتفُ إقبال مؤيدًا له:

در دشتِ جنونِ من جبریل زبوں  صیدے

یزداں  بکمند آور اے  ہمت مردانہ

وموضوع العقل والعشق مشتركٌ أيضًا عند إقبال والرومي. ومقامات العقل والعشق أيضًا من نوعٍ واحد عند كليهما. فالعشق أصل الحياة والذات عند كليهما، وهو وحدهُ ضامن البقاء والارتقاء. صحيح أنَّ العقل هو المظهر للعشق، لكنه مظهرٌ على أية حال. العقل أداة العشق الطَّيِّعة، والمساعد في تحقيق غايته. أما حضور الحياة فمن نصيب العشق، وإنْ كان العقل عاملًا في ظهوره:

مع أنَّ العقل ليس بعيدًا عن العتبة     لكنْ ليس مكتوبًا له الحضور

         في العلم أيضًا سرور                 لكنه جنةٌ بلا حور

تتفشى أسرار الآفاق بالعقل، لكن تنكشفُ أسرار الذات بالعشق:

مذہبِ عشق از ہمہ دیں  ہا جد است

عشق اصطرلاب اسرار خدا ست

وقد استقلَّ مفهوم العشق عند كليهما عن المفهوم العام إلى درجة أنَّ مولانا الرومي حذَّر الناس قائلًا: إنَّ ما أذكره من عشقٍ لا تفهموه إطلاقًا على أنه عاطفةُ الرغبةِ في الأشياء والأشخاص:

ایں  نہ عشق است ایں  کہ ور مردم بود

ایں  فساد از خو ردنِ گندم بود

فعِشقُ كليهما هو محاولةُ تكوينِ صفات الله في الذات، وتفسيرُ “وتخلَّقوا بأخلاق الله”، يقول مولانا:

عشق آں  زندہ گزیں  کو باقی است

و ز شرابِ جانفزا یت ساقی است

عشقُ الأشياء والأشخاص شيءٌ غادٍ وآتٍ، وبتغيُّر المحبوبِ يتغير العشق، وبفناء المحبوبِ يفنى عشقهُ إنْ عاجلًا أو آجلًا. أما عشقُ كليهما فهو تبنِّي جميع حالاتِ الأنفس والآفاق، وتحويلُها إلى جزءٍ من الحياة. ولا يمكن أنْ يبقى هذا العشقُ محدودًا بعالم النَّضارة وعالم الماء والطين:

أنت أحمقٌ! قنعتَ بعدَّة براعم

وإلا ففي الحديقةِ أيضًا علاجٌ لضيقِ الطرف

ومما ينبغي ملاحظته في النهاية اشتراكُ الرومي وإقبال في مسألة عقديةٍ أخرى، حيث كان الصوفي أو المُلَّا، المتكلم أو الحكيم، جميعهم قد جعلوا عقيدة الجبرِ جزءًا من الدين و جزءًا من الحكمة. وأسسوا مفهومًا خاطئًا للقدر، هو أنَّ كل ما سيحدث محددٌ منذ الأزل: زهدُ الزاهد، وخلاعة الخليع، واحتسابُ المحتسب، وسرقةُ السارق، الكلُّ صادرٌ عن المشيئة الإلهية. وشاعت عقيدةُ الجبر هذه في عقائد المسلمين و أدبيَّاتهم حتى تأثَّرت بها طاقات الكفاح في الحياة بصورة سيئة:

حافظ بخود نہ پوشیدایں  خرقۂ مَے  آلود

اے  شیخ پاک دامن معذور دارمارا

در کوی نیک نامی مارا گذر نہ وارند

گر تو نمی پسندی ، تغیییر کن قضارا

أو يقول مير تقي مير:

بلا حقٍّ اتُهمنا نحنُ المجبُورون بالاختيار     افعلْ ما شئت فقد أساءُوا سمعتنا عبثًا

واتُخذ من مقولة “قد جفَّ القلم” هذا المعنى القائل أنّ قلم كاتب القدر قد جفَّ إلى أبد الآبدين، بعد أنْ سجل القدرَ المفصَّلَ للجميع، ولا يمكن الآن أي زيادةٍ فيه أو نقصان. مولانا الرومي هو الشخصُ الوحيد بين الحكماءِ والصوفية الذي أعدَّ مجموعة كبيرة من الأدلة ضد هذا التفسير للقدر، وقال: إنَّ القدر اسمٌ لدستور الله المقرَّر. والقدرُ لا يُجبرُ الزاهد على الزهد، ولا السارق على السرقة، بل يقول إنَّ قانون الله ثابتٌ في أنه سيصدُر عن التقوى نوعٌ خاصٌّ من النتائج، وعن العصيان والطغيان نوعٌ آخر. واسم ذلك هو سنةُ الله التي لنْ تجد لها تبديلًا.

وإقبال أيضًا مؤمنٌ إيمانًا راسخًا بالاختيار في ذات الإنسان. وهو يقول: إنَّ الكافر مُسيرٌ والمؤمن مُخير، ويسمُو المؤمن بذاتِه فيصلُ إلى مقامٍ يتعانقُ فيه رضاهُ مع رضا الله:

اسْمُ بالذاتِ إلى أنه قبل أنْ يحلَّ أي قدر

يسألُ الله العبدَ بنفسه أخبرني ماذا يرضيك؟

يستدل مولانا الرومي باستدلالٍ لطيف، هو أنَّ الكلب أيضًا يدركُ مسألة الجبر والاختيار، فمع أنَّ الكلب عندما يضربه أحدٌ بحجرٍ يشعر بالضربة من الحجر، إلا أنه لا يعدُو ليعضَّ الحجر؛ لأنه يعرف أنَّ الحجر مُسيَّر، وأنَّ الضارب مُخيَّر، ويجب الانتقام منه، لذا يعدو ليعضَّ ضارب الحجر.

ويرى إقبال والرومي كلاهُما أنَّ المفهوم الخاطئ للقدر قد ألحق ضررًا شديدًا بذات الإنسان وحياته الأخلاقية، لذا عارضاهُ كلاهُما بضَراوة، وقدَّما مفهومًا للقدر يُبرزُ الذات الإنسانية وطاقاتِ الكفاح ويُحسِّن الحياة.



[*])) نُشرت بالأرْدية للمرة الأولى في مجلة “ماہ نو” (الشهر الجديد) في إبريل سنة 1952م. ثم جُمِعت بعد وفاة الدكتور خليفة عبد الحكيم بعدَّة سنواتٍ في المجلد الثاني الخاص بالدراسات الإقبالية من كتاب “مقالات الحكيم” بتحقيق شاهد حسين رزاقي، والذي صدرت طبعته الأولى في سنة 1969م عن معهد الثقافة الإسلامية بلاهور، الباكستان. ثم أُعيد نشرها مؤخرًا في مجلة “إقبال ریویو” (عرض إقبال) في إبريل سنة 2007م عن أكاديمية إقبال بحيدر آباد، الهند في عدد خاص عن مولانا جلال الدين الرومي بمناسبة مرور 800 عام على ميلاده. 
عن موقع الطواسين

أنطوان شلحت ... خفايا ترجمة الأدب العربي إلى العبرية

مايو 28, 2017 اضف تعليق

يوسف زيدان نموذجًا
أعادت الضجة التي أثارها الكاتب المصري يوسف زيدان، حين صرح أخيرًا في برنامج تلفزيوني بأن الناصر صلاح الدين” أحقر قائد في التاريخ لأنه تسبّب بالقضاء على نسل الفاطميين، ولم يحرّر القدس لكنه دخلها مضطرًا لوقوع أخته في الأسر لدى الصليبيين”، هذا الكاتب إلى “صدارة” الاهتمام في وسائل إعلام دولة الاحتلال، بالأساس من زاوية مُحدّدة ترتبط بترجمة الأدب العربي إلى اللغة العبرية وفيما إذا كانت هذه العملية مُحتكمة عمومًا إلى “معايير” تقع خارج النسق مُسبق الأدلجة الذي اختطته مؤسساتها الثقافية منذ نحو سبعة عقود.
وفي نطاق تقرير مطوّل ظهر في صحيفة “معاريف” (21 مايو/ أيار 2017)، عرض محرّر الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي “غالي تساهل” جاكي حوجـي هذه الضجة بتفاصيلها كافة تحت عنوان يُوحي بأن زيدان “متمرّد تسلسلي على التاريخ العربي الإسلامي”، وختمه بتوقع رغبيّ ورد في صيغة سؤال حول الضجة المقبلة التي تدور في خلد زيدان وهو ماض نحو تحطيم رموز التاريخ العربي؟

داخل هذا كله أشار المُحلل الإسرائيلي إلى صدور رواية زيدان “عزازيل”، الفائزة بجائزة البوكر العربية لعام 2009، في ترجمة عبرية قبل أربعة أعوام. ولفت إلى أن حلقة أخرى من “تمرّد” زيدان تتمثّل في موقفه حيال دولة الاحتلال ومكانة المسجد الأقصى في القدس. وهو موقف لاحت مؤشراته المبكرة بالتزامن مع ترجمة “عزازيل” إلى العبرية في نهاية عام 2013، عندما دعا زيدان في مقابلة أدلى بها إلى صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية (متخصصة في الشؤون الاقتصادية) إلى تغيير “المقاربة العربية إزاء إسرائيل”.

ومما قاله في تلك المقابلة (بترجمة حرفية عن العبرية): “علينا أن نعيد النظر من جديد في أفكارنا حيال المسألة اليهودية. إننا لا نعي كم تؤثر هذه الأفكار علينا. لقد تحولت معاداة السامية إلى مهنة جميع الساسة. وكل سياسي يرغب في زيادة شعبيته يقوم بشتم إسرائيل، لكن عندما يصل إلى سدّة الحكم لا تواجهه أي مشكلة معها. وهذه قمة الغباء. هكذا لا يهتم أحد بمصالحنا، وعلينا أن نعي هذا الأمر تمامًا”.
في حينه حاول زيدان أن ينفي عن نفسه شبهة “التواصل” مع دار النشر الإسرائيلية “كنيرت- زمورا بيتان” التي تولت ترجمة “عزازيل” إلى العبرية وإصدارها، وزعم أنه باع حقوق الترجمة إلى الإنكليزية والعبرية لصالح دار النشر “أتلانتيك” في لندن، مشيرًا إلى أن هذه الأخيرة باعت حقوق الترجمة إلى العبرية لدار النشر الإسرائيلية من دون علمه. غير أن محرّر الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي ذاته سبق أن أكد في تقرير أذيع يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول 2013، نقلًا عن مصادر قال إنها مطلعة، أن زيدان وُضع في صورة ترجمة كتابه إلى العبرية ووافق على ذلك منذ اللحظة الأولى. وأضاف أنه التجأ إلى التعمية على هذه الموافقة كي لا يتعرّض لأي هجوم في مصر من جراء قيامه بإجراء اتصال مع اسرائيل. 


في 15 يناير/ كانون الثاني 2014 تناولت صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية المذكورة سالفًا، موضوع ترجمة الأدب العربي إلى العبرية في نطاق قراءة مدلول ثورات “الربيع العربي”، فأشارت إلى أنه منذ أن بدأت أولى شرارات هذه الثورات في تونس وحتى انقضاء ثلاثة أعوام عليها، تُرجمت في دولة الاحتلال من العربية إلى العبرية أربعة كتب تيسّر لقارئها إمكان الإطلالة على ما سمّته “التيارات العميقة” داخل المجتمعات العربية، بعضها كُتب قبل تفجّر “الربيع العربي”. وهذه الكتب هي “عزازيل” ليوسف زيدان؛ “بنات الرياض” لرجاء الصانع؛ “نمر من ورق” لزكريا تامر؛ “الثورة في سورية” لفؤاد عجمي. وجميعها صدر بالعبرية عام 2013.
ووفقًا لما قاله حوجي للصحيفة، وافق مؤلفو هذه الكتب الأربعة على ترجمة كتبهم إلى اللغة العبرية، حتى وإن جرى ذلك عبر طرف وسيط من دولة غربية باع حقوق الترجمة إلى دور نشر إسرائيلية. وبرأيه “هذه الحقيقة مشجعة جدًّا، كونها تُظهر أن مثقفين عربًا يرون بأن جمهور القراء في إسرائيل جدير بالاهتمام، على الرغم من أن السياسة في دولهم لا تأخذه في أدنى اعتبارها تحت سطوة النشاط الذي يقوم به مناهضو التطبيع” مع دولة الاحتلال. ولفت إلى أنه من ناحية هؤلاء الكتّاب فإنهم بمجرّد هذه الموافقة “يُقدمون على خطوة بعيدة المدى تنطوي على شجاعة وسباحة ضد التيّار، ولا سيما أن الأمر لا يتعلق بكتّاب من الهامش الأدبي إنما بكتّـاب تُعدّ مؤلفاتهم الأكثر رواجًا في المجتمعات العربية وفي العالم الواسع”.

في ضوء ذلك، بوسعنا أن نقدّر أن هذه الموافقة فتحت الباب في السنوات اللاحقة أمام مزيد منها في ما يتعلق بترجمة الأدب العربي إلى العبرية، مثلما حدث أخيرًا مع عملين أدبيين عربيين آخرين تُرجما إلى العبرية العام الفائت: “2084- نهاية العالم” لبوعلام صنصال، و”ميرسو، تحقيق مُضاد” لكمال داود.
ودافعي للتنويه بهذا الموضوع يعود إلى حقيقة أن إعلاء شأن موافقة كتاب عرب على ترجمة نتاجهم إلى اللغة العبرية تبدو أهم في دلالتها من أي قيمة أخرى تنطوي عليها تلك الأعمال الأدبية، في ظل اشتداد حملة مناهضة التطبيع، ولا سيما الثقافي مع دولة الاحتلال في أرجاء العالم العربي. وبالتالي فإن أي قراءة للمسألة تتناءى عن بُعدها السياسي هذا ستكون مفارقة للرغبات الإسرائيلية الدفينة الواقفة وراء أي عملية ترجمة من الثقافة العربية إلى العبرية.
وقد أظهر استطلاع جديد للرأي العام في دولة الاحتلال أجري عام 2015، أن نحو ثلثي السكان اليهود (65،4%) غير مهتمين بتاتًا بالتعرّف إلى نتاجات الثقافة العربية إلا بمدى ما يفيدهم إطلاعهم عليها في مواجهة القضايا الأمنية من الباب المُغرض “اعرف عدوّك”.
فضلًا عن هذا فإن عملية الترجمة من العربية في الآونة الأخيرة تبدو محكومة أكثر من أي شيء آخر بمحاربة الحراك الذي يدفع إلى الأمام بمناهضة التطبيع وفرض المقاطعة والذي أمسى يقض مضاجع دولة الاحتلال في الحلبة الدولية. ويعني هذا تفاقم محاولات إخضاع أي ترجمة من الأدب العربي وغيره من مضامير الثقافة العربية إلى غايات مسبقة البرمجة والأدلجة، بقدر ما إنه يفسّر التركيز على مسألة موافقة الكتاب العرب على ترجمة نتاجهم. ومن المُهّم الإشارة هنا إلى أن عملية الترجمة من العربية إلى العبرية لم تتحرّر من هذه المحمولات قبل هذه الفترة الأخيرة، وهو ما تشفّ عنه، على سبيل المثال، تجربة تُعدّ استثنائية في هذا الصدد خاضتها دار النشر “أندلس”، ولم تعمّر طويلًا.

تجربة “أندلس”
تأسست دار “أندلس” عام 2000 من طرف الناشطة الراديكالية ياعيل ليرر وتخصصت في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى العبرية. واستمر نشاطها خمسة أعوام أصدرت خلالها ترجمات لشعراء وكتاب عرب أبرزهم محمود درويش وسيرين الحسيني- شهيد وجبرا إبراهيم جبرا وطه محمد علي من فلسطين، والياس خوري وهدى بركات وحنان الشيخ من لبنان، ومحمد برادة ومحمد شكري من المغرب، والطيب صالح من السودان.
وحظي محمود درويش بترجمة ثلاث مجموعات صدرت عن هذه الدار على التوالي وهي “لماذا تركت الحصان وحيدًا؟” (2000) و”حالة حصار” (2003) و”جدارية” (2006). وفي عام 2000 صدرت عن دار نشر أخرى (دار بابل) ترجمة لمجموعته “سرير الغريبة”. وأنجز الشاعر الفلسطينيّ الراحل محمد حمزة غنايم ترجمة هذه المجموعات الأربع إلى اللغة العبرية.
تزامن صدور أول مجموعة شعرية لدرويش مترجمة إلى العبرية مع اتخاذ وزير التربية والتعليم الإسرائيلي في ذلك الوقت يوسي سريد (من حزب “ميرتس” المحسوب على ما يُسمى “اليسار الصهيوني”) قرارًا ينص على تضمين قصيدتين له في قائمة النصوص الاختيارية في منهاج تدريس الأدب في المدارس العبرية، ما أدّى إلى إثارة عاصفة كبيرة. وبحسب ما تؤكد ليرر، فإنه حتى عام 2000 لم يكن بالإمكان أن تتعثر بمجموعة شعرية كاملة لدرويش مترجمة إلى العبرية، علمًا بأنه كانت هناك عدة قصائد مترجمة له نشرت في المجلات والملاحق الأدبية الإسرائيلية، علاوة على ترجمة كتابه “ذاكرة للنسيان” (1989)، وكتاب الرسائل بينه وبين سميح القاسم (1991). غير أنه منذ عام 2000 وحتى رحيله عام 2008 تُرجمت لدرويش إلى العبرية أربع مجموعات شعرية.
وتضيف ليرر أنه عندما صدرت مجموعة “لماذا تركت الحصان وحيدًا؟” بالتزامن مع قرار سريد المذكور، التزم جميع الذين هاجموا قرار تدريس قصائده الصمت المطبق. وتكتب: “لقد اعتقدت، لأول وهلة، أن ألق شعر درويش هو السبب الواقف وراء هذا الصمت، لكن سرعان ما تبيّن لي أن درويش كان على حق عندما قال في أكثر من مناسبة إن قراء اللغة العبرية لا يصيخون السمع إلى شعره… على الرغم من أنه يكتب لنا أيضًا”. وتمضي قائلة: “إننا لا نفلح، إلى الآن، في التخلص من عقلية المحتل، التي ليس في إمكانها أن ترى في أحد أبرز المبدعين من مواليد البلد الأصلاء سوى أنه عديم الثقافة. إنها العقلية ذاتها التي ترى في الثقافة الفلسطينية مجرّد فولكلور، وفي أفضل الحالات فإنها تهتم بإبداعات هذه الثقافة، كما درج درويش على القول، لا لذاتها، إنما إمّا من باب اعرف عدوك، أو من أجل أن تعقد سلامًا مع هذا العدو فقط”. ولفتت ليرر إلى أن هذه العقلية المختلة هي نفسها التي حكمت التعامل مع أمسية شعرية عقدها درويش في حيفا، يوم 15 تموز/ يوليو 2007، وحظيت باهتمام وسائل الإعلام العبرية كافة، فقط من باب أنها تشكل في قراءتها إحدى علائم “التطبيع الثقافي”. غير أن هذا الاهتمام ظلّ في الوقت عينه متغاضيًا، بصورة شبه تامة، عن نصوص الشاعر، وخصوصًا تلك المترجمة إلى العبرية، على الرغم من أنها كانت في متناول يد أي قارئ عبري. وتعكس مبيعات مجموعاته الشعرية، خلال الفترة المحايثة لتلك الأمسية في حيفا، الفجوة الهائلة بين “الاكتراث الإعلامي” الإسرائيلي وبين الاهتمام الحقيقي بشعره، إذ بلغت هذه المبيعات سبع نسخ من “لماذا تركت الحصان وحيدًا؟”، وسبع نسخ أخرى من “حالة حصار”، وخمس عشرة نسخة من “جدارية”. وفي مجرّد هذا ما يرمز إلى الحصار الإسرائيلي المُحكم المفروض على قراءة شعر درويش.
تقرّ ليرر أن درويش كان يواجه صعوبة في رفض طلبات ترجمة شعره إلى اللغة العبرية، على الرغم من أن يأسه من إمكان التوصل إلى حياة مؤسسة على العدالة والمساواة في فلسطين ازداد في الأعوام الأخيرة من حياته. وتذكر أنه عندما طلبت ترجمة “حالة حصار” بادر بالسؤال: “ما جدوى ذلك؟ إنهم لن يقرأوا”.
جاءت تجربة “أندلس” إذًا بمثابة محاولة لفتح ثغرة في الحصار الإسرائيلي المضروب على الثقافة العربية والفلسطينية، غير أن نجاحها في إحداث مثل هذه الثغرة لم يعقبه نجاح في اختراق حصار آخر أشدّ وأدهى على قراءة نتاجات تلك الثقافة حتى بعد ترجمتها إلى العبرية.
درس درويش
إلى جانب ترجمة المجموعات الشعرية الأربع السالفة لدرويش إلى العبرية، حاول غنايم أن يستجلي بدايات الاهتمام بترجمته إلى العبرية في دولة الاحتلال، فتوصل إلى أن هذه البدايات “تأخرت” حتى أوائل ثمانينيات القرن العشرين الفائت، وجاءت عاكسة شكلًا من أشكال “التكفير عن الذنب” ساد الشارع الثقافي الإسرائيلي في تلك الفترة بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، وتواصَلَ بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وطفق أصحابه يقنعون أنفسهم بأن مسار أوسلو الذي كان آنذاك في بداياته سيحررهم من هذه العقدة الى الأبد. ويؤكد غنايم أن الإسرائيليين احتملوا من درويش “قصيدته المجازية” عن تلك المجزرة التي أقنعوا أنفسهم بعدم المسؤولية عنها، لكن لم يحتملوا كلماته المباشرة عنهم، كما تجسّدت في قصيدته “عابرون في كلام عابر”، التي حولته من رمز أو بطل أدبي معذب، كانت نصوصه القاسية بمثابة حل أدبي لعقدة ذنب تطورت لدى فئات مثقفة منهم، في الأساس تجاه الفلسطينيين، إلى رمز مفاجئ بهذه القدرة على الإيلام، والتحدي، وعلى أن يكون قابلا للاستفزاز، وتحويل القصيدة الى حجر ضد الجندي المحتل، ابن الجيل الجديد، الذي أمسكت به عين الكاميرا قبل عين الشاعر وعيون الكلمات، يقوم بتحطيم عظام فلسطيني في مثل عمره! وصار هذا الرمز مفاجئا ومؤلما عندما انبثقت عبر كلمات قصيدته نبرة الاحتجاج، بعد أن عجزت قوة الصورة والوصف الشعري عن اختراق حاجز اللامبالاة تجاه ألم الإنسانية المعذبة. وأظهر هذا أن عملية الترجمة كانت محكومة لقوانين اللعب التي وضعتها المؤسسة الثقافية، الحاضرة بقوة في الصحافة الثقافية العبرية، والمتحكمة بقوة في قوانين الإنتاج والإستهلاك الثقافي. ونصّت تلك القوانين على استبقاء ما يحمله درويش لقرائه كشاعر فلسطيني ورمز وطني من الطراز الرفيع “خارج السياق”. وبلغة الشاعر الإسرائيلي إسحاق لاؤور، يشكل درويش أكثر من مجرد شاعر فلسطيني مشرد، يحمل حكاية شعبه، ويصر على كتابتها باستمرار، بل يجعل منها مشروعا قوميا كبيرا في تدوين الحكاية الكبيرة شعرًا ونثرًا، حتى يضعها بين يدي الأجيال. ولهذا السبب فإنه بنظر كثيرين من المثقفين الإسرائيليين شوكة في العين، ولا حاجة إلى ما هو أكثر من قصيدته تلك عن الانتفاضة، لإبراز الشعور الجماعي بالإهانة. ولم تكن وراء هذا الشعور سوى قضية واحدة هي أن الإسرائيليين غير مستعدين بعد لقبول الرواية الفلسطينية باعتبارها جديرة بالبحث والنقاش. ولعل أبرز مظاهر هذا الشعور ما أقدمت عليه محررة مجلة “حدريم” (غـُرف) الأدبية التي حجبت قصائد كانت ستنشرها للشاعر في عدد جديد كان في المطبعة (العدد 7، 1988)، ونشرت في نفس المساحة المخصصة لها الكلمة التالية: “كان مفروضا للصفحات التالية أن تحمل خمس قصائد جديدة لمحمود درويش، كتبت عام 1987، وترجمها إلى العبرية رؤوبين سنير. لكن قصيدة درويش الأخيرة، التي تدعونا للنهوض شيبة وشبانا، حاملين موتانا وذكرياتنا، والانصراف من هنا، “من أرضنا، من بحرنا، من كل شيء”، لا تدعني أضمّن هذا العدد قصائده الأخرى. بهذه القصيدة عبر درويش الهاوية المفتوحة بين الشاعر المقاتل والباحث عن الصخب الكلامي. هذه ليست قصيدة سياسية، أو موقفا مهما تكن شجاعته أو مرارته، وإنما خطاب كراهية وتحقير”!
هذه الكلمة كانت واشية بأنه حتى في أوج مسعى “التكفير عن الذنب” الذي تلاشى في الأعوام اللاحقة رويدًا رويدًا، لم تكن الترجمة من العربية إلى العبرية تنحو منحى استبطان ما يقوله الآخر الفلسطيني والعربي إنما منحى البحث عما يشبع رضى الذات الصهيونية الرافضة لأن تنفصل عن صورتها.

فتياتٌ نحيلات ليانيس ريتسوس

مايو 26, 2017 اضف تعليق

فتياتٌ نحيلات
على السّاحل
يَجْتَنِينَ المِلْح، مُنحنيات
فهنّ لا يَرَيْنَ البحر
شِراعٌ
شراع أبيضُ يومئ إليهنّ من عُرْض البحر
وهنّ لا يَلْحَظْنه
يَسْوَدُّ الشّراع
مِنْ فَرْطِ الحُزن
……………………………
(ترجمة : مبارك وساط

دار عبدالله/ لا أطيق الدراما السورية

مايو 26, 2017 اضف تعليق
بكلّ صراحة، لا أطيق شي اسمه "دراما" سورية، وأتعجَّب من بلد مستوى التنمية فيه منخفض، ومعدّلات الفقر في أعلى مستوياتها، والحريات السياسية مهدورة، وكان ينتج عشرات المسلسلات كل عام!، المهزلة التي تسمّى "دراما" سورية، هي أداة من أدوات السلطة لزيادة الإحكام والخضوع والسيطرة، "التنفيس" البايخ في "بقعة ضوء" مثلاً هي أداة حكم لا أكثر، بالإضافة إلى أنّ "الدراما" السورية حوّلت أشخاص تافهين وأوغاد إلى نجوم، أنا شخصياً أخاف من باسم ياخور وأيمن زيدان من قبل الثورة، كما أخاف من أي ضابط مخابرات.
ومن تقاليد هذه الدراما، مثلاً، احتقار اللهجات الريفيَّة الشعبيَّة، وربطها بالغباء والتخلف والجهل والسطحية والتراجع. اللهجة الشاوية في بقعة "ضوء" دوما دليل الدونية والفقر والأميّة، ولهجة أهل الساحل في "ضيعة ضايعة"، دليل القبليّة والغباء أو السلطة والمخابرات. ناهيك عن عشرات المسلسلات التافهة المصورة في فلل وشقق، تصور تفاصيل حياة فارهة غنيّة، لا يعيشها ربما سوى 10% من الشعب السوري. الدراما السورية بدلاً من أن تكون صوت الفئات المهمشة والفقيرة، كانت أداة للاستخفاف بهم وتحقيرهم. 
وأستغرب لحد الآن عدم مشاركة نسبة كبيرة من الممثلين السوريين مباشرة بشكل ميداني مع الجيش العربي السوري.

(*) مدونة كتبها دار عبدالله في صفحته الفايسبوكية

“سومري” قصيدة للشاعر الأميركي أ. ر. أيمونز، ترجمة سركون بولص

مايو 26, 2017 اضف تعليق

ولدتُ ساكناً للأهوار

معرِّضاً للطوفانات والرياح العاصفة

أشربُ ماءً موحلاً في أسفار صيدي الطويلة

أهشُّ سحابات البعوض من مشاتل القصب

أنا الذي عرفت تقلّبات الغرْيَن، والقنوات المتحركة

بسبب الأمطار حين تهطل من مشارفها العالية

والهضاب الناهضة برخاوة وحوشٍ تصعد من الماء:

أسرابُ البطّ والأوزات المحلقة لا تقربني

على الضفاف الجنوبية المالحة

قرب الخليج:

شبكة العنكبوت المتأرجحة

المبسوطة، رطبةٌ، على ممرّات القصب

نشرت رعب الفجر البارد عبر وجهي:

عرفت ,انا أنهض حاملاً حفنة أصداف مكسورة

من القاع الطينيّ المنخول، كم عاليةٌ

هي تلك العتبة التي لا تُطال للسلام، وآجرات المعبد الزرقاء.

   
 من كتاب
A. R. Ammons Sumerian Vistas 1987

عبدالدائم السلامي/ قراءةُ الروايةِ بعضٌ من كتابتِها

مايو 26, 2017 اضف تعليق


إنّما أنا قارِئٌ. أقرأ نصوصًا فلا أُنْهي قراءَتها إلاّ بمشقّةٍ لأنّها مكتوبةٌ بأيادي الموتى؛ باردةٌ، مُصْطنَعةٌ وخرقاءُ، لا رغبة عندها في تثوير لحظتِها وفي تحريرِ قُرّائها من رِبْقةِ أنظمةِ الرقابة اليومية. وأقرأ أخرى فأعْلَقُ بها؛ أُقبِلُ عليها إقبالَ الرّاغِبِ، وأتفرّغُ لها تفرُّغَ الرَّاهِبِ. أنْ أقرأ روايةً يعني أنْ أُجيِّشَ كلَّ طاقاتي المعرفيةِ وأحوالي النفسية وأترحَّل إلى عالَمها المتخيَّل، أحُلُّ بها، وأتشابكُ مع كائناتها بجسدي ووعيي، أُذيبُها فيَّ لتُذيبَني هي فيها، ويُشِعُّ جسدي بها لتخفقَ هي بحرارةِ جسدي. الأجسادُ تحيا بالحكايات وتلتذُّ بها، أجسادُنا روائيّةٌ في خَلْقِها الأوّلِ. ولن تبلُغَ قراءةُ الرواية غايتَها إلاّ متى تسلّح القارئُ بخيالٍ روائيٍّ، بخيالٍ مَرِنٍ وغيرِ حسابيٍّ. وإنه لا يُفيدُ الروايةَ كثيرًا خيالُ ناقدٍ مكتظٍّ بصدى مقولات السَّرد ونظرياته، خيالٌ "رَكيكُ البلاغةِ في وصفِ البلاغةِ" على حدِّ عبارة التوحيدي، لا يرى صاحبُه في الروايةِ إلا جثّةً تَقْبَل القسمةَ والقيسَ والانتهاك. 
إنّ عدمَ اطمئناني لمقولاتِ السّرد لا يعود إلى إيماني بكونها عاجزةً -لأسبابها الثقافية- عن قراءة نصوصنا الأدبية فحسبُ، وهو أمرٌ فصّلتُ فيه القولَ ضمن مقالاتٍ سابقةٍ، وإنّما يعود أيضًا إلى خشيتي من أنّ تقديسَ نقّادِنا لها في كتاباتهم ودعوتَهم الملحّةَ إلى اتِّبعاها سبيلاً وحيدةً إلى القراءة قد يجعلانها قادرةً على إخضاع نصوصِنا لأحْكامِها تحت مُسمَّى "القراءة العلمية" (كلّ ما قيل عن القراءة العلمية لا يستطيع أن يُحيط بعِلْمِ لحظةٍ قرائيّةٍ واحدةٍ). وهو أمرٌ أجدُ له صورةً جليّةً في أغلبِ كُتُبِنا النقديةِ التي لم يعِ أصحابُها بعدُ أنّ في احتكامهم لتلك المقولات تضييقًا منهم على متخيَّلِنا الحكائيِّ المحليِّ، وإجهازًا عليه بتمكينِ ثابتٍ من الآراء ليتحكّمَ في مُتحرِّكٍ حَيٍّ من دَلالاتِ النُّصوصِ. وعليّ في هذا الشأن أنْ أُشيرَ إلى أنّ الطاغي على قراءاتنا النقدية للرواية هو ما يكتُبه نقّاد لا يقرؤون الرواية، فإذا قرؤوها كتبوا عنها كلامًا يقف عند شكلِها ومكوّناتها، هو كلامٌ لا يزيد عن كونه تطبيقاتٍ مدرسيةً مُتلعثِمةً لمناهج غربية، بل قُلْ: إنه تطبيقاتٌ ساذَجَةٌ يتفنّن هؤلاء في إعلاء شأنها وفرضها على الناس وَصْفاتٍ صالحةً لقراءة أيّ نصّ دونما تَنبُّهٍ منهم إلى شخصية ذاك النصِّ الثقافية، وإلى غاياته الفنية والاجتماعية والقِيَمِية. ولعلّ من أجْلَى صُوَرِ ذلك كتاباتُ صلاح فضل وجابر عصفور وسعيد يقطين وصبري حافظ وغيرهم.
كلّ قارئ إنما هو شخصيةٌ من شخصيات الرواية التي يَقْرأُ، هو شخصيتُها المُتخيَّلةُ خارجَ اللغة، شخصيتُها التي تنتظر "خروج" تلك الرواية لتدخلَ إلى مَتْنِها، لتتحرّكَ فيها وتَجْعلَها تترحَّلُ من حَيِّزها الرمزيّ صوبَ أُفُقٍ واقعيٍّ. القارئُ هو الشخصيةُ التي لا يكتبها الروائيُّ، ولكنّه ينتظر منها أن تكتُبَ حياةَ روايته: أيْ أنْ تُنزِّلَها منازِلَ في الواقع أدبيةً (فنيّةً وقِيَميةً)، وهي منازلُ تحيا بها الروايةُ بين الناس وتُحيي مراغبَهم في الدفاع عن حقّهم في حياة جَذْلَى. وإذا أردتُ الاستفادة من خزائن استعارات الصوفيّين قلتُ: تظلّ الروايةُ في وَرَقِها عالَمًا حيًّا بالمجاز إلى أنْ تُقْرَأَ، وحينذاك تصيرُ بقارئِها عالَمًا حيًّا بالحقيقةِ. وعليه، فإنّي لا أُسمّي الروايةَ روايةً إلاّ متى قُرِئتْ، ومن ثَمَّ تكون القراءةُ عنصرًا من عناصِرِ تكوُّنِها، أو قُلْ: ليست القراءةُ إلاَّ مُنْتَهَى مَراحلِ تَكْوِينِ الروايةِ. 
كان الجاحظ حكّاءً بليغًا، كان ابنَ وَقْتِه بامتيازٍ، سلّط فكرَه على مجموعته البشريّة فاحصًا أنظمتَها ناصحًا، فاكتشف فيها عيوبَها، ثمّ صبَّ تلك العيوبَ –هجاءً وسخريةً- في إهابِ كياناتٍ مَحْمولةٍ في نماذجَ بشريّةٍ مُتخيَّلةٍ أو حقيقيةٍ مازالت تتحرّك في ذاكرتنا الثقافية (ومتى خَلا واقعُنا الراهنُ من شخصيات الجاحظ؟)، منها نموذج "أحمد بن عبد الوهاب" في رسالة "التربيع والتدوير"، حيث جمعَ فيه صفات الإنسان المتزلِّفِ، فاسدِ الخِلْقة والخُلُق، الذي خالف منطِق الهندسةِ فبدا مُربَّعًا ومُدوَّرًا في الآن ذاته، و"كان ادعاؤه لأصناف العِلْم على قَدْرِ جَهْلِه بها، وتَكلُّفَه للإبانة عنها على قَدْر غباوتِه فيها"، ومنها نموذج "مُعاذة العنبرية" التي تُحيلُ حكايتُها في كتاب البخلاء على الإنسان المفرِط في البُخلِ والمُقنِعِ به غيرَه إقناعًا يخرج بصفةِ البُخلِ من مرتبة المذمومِ إلى مرتبةِ حُسْنِ التَّدْبيرِ والحِكمةِ فيه، من ذلك قولها: "ولَستُ أخافُ مِن تَضييعِ القَليلِ إلا أنَّهُ يَجُرُّ إلى تضييعِ الكثيرِ". 
وإنّ في النَّمذجةِ الجاحظيّةِ، على حدِّ ما رأينا، ما يمثّل أرضيّةً مفيدةً وخصبةً لقراءة روايتنا العربية، ذلك أّنّ الروائيّ لا يكتب نصّه لعِبًا (قد يسخر، وقد يهجو، ولكنه لا يلعب) وإنّما هو يكتبه وفي نفسه فكرةٌ يرغب في تبليغِها القارئَ، يكتبه ليقترحَ أسلوبًا فنيًا في تجديد فنّ السّرد و/أو ليكشفَ عن عَطَبٍ في واقع الناس، ويتخيّر لذلك كيانًا حاملاً فكرتَه، هو النموذج الذي يتحرّك في الرواية، وما على القارئ إلا أنْ يَبْحث عن تلك الفكرةِ، عن ذاك النَّموذجِ، ليجمعَ شتاتَ تفاصيله في النصّ، ثُمَّ يُخْرِجُه كاملاً للناس، أيْ يكتبه بكلِّ القِيَمِ الفنية والإتيقيّة التي فيه. 
قراءة الرواية، أعني الروايةَ التي هي روايةٌ، حدثُ حُبٍّ يحتاج إلى مُداعبةٍ ومُلاعبَةٍ، يحتاجُ إلى مَديحٍ ناعِمٍ يسهِّلُ التحامَ جسديْ القارئ والرواية التحامًا لا مكانَ فيه لثالثٍ بينهما يمارس وظيفةَ المراقبة والزّجرِ والتوجيه. وفي خلال ذاك الالتحام تتكشّفُ منهما أحوالٌ، وتهيجُ بينهما مباهجُ ودَلالاتٌ لا تحتاج إلى تَكَلُّفِ نظرياتٍ ومناهجَ لتَأْوِيلِها وإنّما تحتاج إلى طَبْعٍ قرائيٍّ له خِطابٌ شخصيٌّ يستكشفُ به أدبيةَ المقروء (فنًّا وغايةً) ويكتبها بأدبٍ. وبالتلخيص أقول: إنّه لَمِنَ المفيدِ للقارئِ أنْ يُقبِلَ على الروايةِ بقلبِه، وعَقْلِه، ثمّ يديْه، بلا شوكةِ المناهج أو سِكّينِ النظريّات، وألاّ يترك مسافةً بينه وبينها، لأنّ كلّ مسافةٍ إنّما عي فضاءٌ يحتلُّه الآخرُ (أنظمةً وقوانينَ) ليفرض فيه وصاياه عليهما. الروايةُ -أعني الروايةَ التي هي روايةٌ- تستأهل المديحَ؛ لأني أرى أنّ كتابةَ روايةٍ أو قصّةٍ أو قصيدةٍ إنّما هي شهادةٌ على كوننا أحياءً، الروايةُ تحميني من موتِ الإنسانيِّ فيَّ، وتحميني من عُنفِ الخارجِ، وتحميني من مجّانية العُزْلةِ، أنْ أقرأ روايةً يعني أن أعيشَ حياةً لا أُحاسَبُ عليها يومَ الحِسابِ.
حجاب

حجاب

مايو 25, 2017 اضف تعليق