يانيس ريتسوس صياد التفاصيل المدهشة

أبريل 30, 2017 اضف تعليق


  رفعت سلام - الحياة

أيار (مايو) هو شهر يانيس ريتسوس. وُلد في الأول من أيار (مايو) 1909، وفي الشهر ذاته من العام 1936، نُشرت قصيدته «إبيتافيوس» في جريدة «ريزُوسبَاستِيس»، ثم في كُتيب من عشرة آلاف نسخة (رقم استثنائي لمثل هذا العمل)، فذاع اسم الشاعر -بقصيدة واحدة- في أرجاء اليونان. قصيدة من عشرين أنشودة جنائزيَّة للأم في رثاء ابنها القتيل على يد البوليس، في تظاهرات الأول من أيار (مايو) في مدينة ثيسالونيكي، خلَّصت ريتسوس -بضربة واحدة- من الشكلية والتعليمية اللتين سادتا أعماله الأولى. خيطٌ من السخرية، غير خطابية. غنائية عارية، من لحم ودم، من خلال لغة مألوفة وثرية. غنائيةٌ مشدودةٌ إلى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي، والأسطورة الوثنية، والطقس الأرثوذُكسي.
بعدها، يتخذ شكل قارة شاسعة ذات بلدان. لكل بلد جغرافيته التي تسكنها شعوب وقبائل. لكل شعب وقبيلة لغةٌ أخرى، وإيقاع وأساطير، وجبال ووديان وسهولٌ، وتاريخ غابر عريق. لكل منهم أحلامه وانكساراته الخبيئة، التي لا يعرف بها أحد إلاَّ في لحظة الهذيان. ولكل حلم وانكسار قصة طويلة طويلة لا تتسع لها الأوراق البيضاء. كل ورقة تعويذةٌ سحرية أو رقية. وكل تعويذة أو رقية وعدٌ بحياة أخرى أبدية.
هو سيد «اليومي». تلك الإيماءة أو الحركة العادية التي تقع -في سهوٍ منا- كل لحظة، كل يوم.
لكنّ «اليومي» -لديه- ليس يومياً في جوهره؛ ليس الغاية. إنه أداة لما هو أبعد، ما هو أعمق، ما هو أعصى على الإدراك. الأهم أنه ليس «ذاتيّاً» (على نقيض ما يكتبه مَن استفادوا منه من شعرائنا العرب، من كُتاب «قصيدة النثر»). إنه يتستّر على رؤية الجوهري؛ أو ينسج من هذا «اليومي» شبكة لاصطياد الجوهري، والإيقاع به، واقتناصه (كثيراً ما يقع القارئ نفسه في هذه الشبكة، يتخبط في خيوطها الظاهرية، الخارجية، والتماع بعض عُقَدها الملونة، التي لا يرى سواها).
ليس اليومي الذاتي، بل «يومي» العالم: الإنسان البسيط في تفاصيله العادية، والكائنات في حركتها وإيقاعها شبه السري، والأشياء في حضورها المنسي.
فالعالم -لا الذات- هو مركز القصيدة وهدفها؛ والتفاصيل هي شواهد الحضور والفاعلية. أما «الذات»، فهي الفاعل الخفي، الذي يرصد ببصيرته الحركة والإيقاع وتحولات المشهد المتغير، بما يكشف عن أعماقه الغائرة، السرية والدفينة والكامنة والاحتمالية؛ ما لم تره عينٌ أو سمعت به أذن أو خطر على قلب شاعر من قبل.
ذلك يعني أن بنية القصيدة (مهما كان قِصَرها) تخاصم العشوائية والاعتباطية؛ بل إن قِصَر القصيدة يفرض الحدَّ الأقصى من الرهافة والإحكام والعضوية، لتصبح كل جملة -بل كل كلمة- مشروطةً بأن تكون ضروريةً كليًّا للسياق، ليحافظ على كثافته وتوتره وصلابته بلا ترهل.
هكذا، تتوالى الصور المنتقاة بعناية ورهافة قُصوَى، وقد تبدو كل صورة -في ذاتها- مألوفة؛ لكنّ الانتقاء الدقيق للصور، وتتاليها وتراتبها، يخلق أو يكشف في ما بينها، وفي ما وراءها، علاقات لم تبصرها العين العابرة، ولم يلمسها الذهن الاعتيادي. وتظل «لحظة التنوير» مرهونةً بالبيت الأخير، الذي يفجر المفاجأة المدهشة (كأن الرصد والتتالي والتراتب السابقين كانوا نوعاً من الاستدراج إلى الفخ الأخير).
شاعرٌ لا يكتب نفسه، أو ذاته «الشخصية»؛ ولا يتخفَّى وراء «الأنا» الشعرية ليقدم «الذاتي» الحميم باعتباره جوهر العالم؛ ولا تصلح قصيدته لأن تكون «سيرةً» شعرية ذاتية له، فهو لا يختصر العالم في ذاته، لا يجعل من ذاته مركز الكون، ومعيار الوجود؛ بل إنه ليس مشغولاً أبداً بذاته الشخصية، فيحولها إلى مركزٍ للقصيدة وعالمه الشعري. إنه مشغولٌ دائماً وأبداً بالآخر، باكتشاف العالم، وذلك الجوهري الكامن وراء تغير التفاصيل الخارجية، والشعري الكامن في ما وراء نثرية الحياة اليومية، والأبدي المتخفي في أشكال وإشارات ومظاهر جزئية عابرة.
الذات/ الأنا، في القصيدة، تكاد ألا تكون حاضرة؛ فهي متواريةٌ إلى ما يشبه الإلغاء؛ هي -من وراء الصُّوَر والسطور والفجوات بينها- ذلك المراقب الساهر اليقظ على أشياء العالم (لا أشياء الذات)، من دون أن يَرِف له جفن أو يغمض بصر؛ يرصد الإيقاعات والتحولات الأدق من قدرة البصر على الرصد والالتقاط، فتصبح «البصيرةُ»/ الخيال الفاعلَ الأساسي في الرؤية والاكتشاف.
وحتى قصائده الدرامية -الطويلة- تعتمد المنهجية نفسها تقريباً، على رغم اتساع مدى الرؤية، وتعددية الأدوات البنائية، فهي -في جوهرها- نسيجٌ متلاحمٌ من تلك التفاصيل المرهفة، واحدةً واحدةً، بلا تجريد أو ذهنية. تلك القصائد/ الأعمال هي التي تُوحِّد الوجود وتفاصيله المكثفة؛ تُوحِّد التاريخي بالأسطوري، الآني بالماضي، الفانتازي باليومي، الشعري بالنثري، فتكتشف المجهول من المعروف، والمدهش من المألوف، وتقدم قراءتها الفريدة للعالم وتاريخ الكون.
هكذا، يقول أوريست وأوغاممنون وهيلين ما لم يقولوه من قبل، لأنهم -في أعماله- يخرجون من صورتهم القديمة ليطرحوا الأسئلة الراهنة، العصية (لا يتخلون تماماً عن ذواتهم الأسطورية السالفة؛ بل يصبحون قابلين -في تحولهم الجديد- للإحالة إلى الراهن؛ حيث تتخفي -تحت الملامح الأسطورية- علامات الاستفهام التي يطرحها وعي القرن العشرين متعدد الطبقات). إنها أعمالٌ متعددة الطبقات، متعددة الأبعاد، متعددة الآفاق، بلا انتهاء.
وعلى رغم انتمائه، حتى اليوم الأخير من حياته، إلى الحزب الشيوعي اليوناني، بقيت قصيدته خارج مفهوم «الســياسي» بمعناه الدارج، التحريضي، الخطابي، التمجيدي، المباشر، بأي معنى، فـ «السياسي» غائرٌ في أعماق القصيدة، إلى حد ألَّا تكاد تدركه العين، ولا تدركه ســـوى البصيرة الرهيفة. كما أنه ليس «السياسي» العابر، المعبر عن لحظة - أو مناسبة - مارَّة؛ بل إنه أقرب إلى استخلاص «جوهر» تلك اللحظة العابرة في ما يتجاوزها، لتصبح مناسبةً، من جديد، لاكتشاف بعض أبعاد الوجود الإنساني وتجلياته، بعض أبعاد الألم والحلم والطاقة على الاحتمال والتجاوز.
قصيدة متحررة من وطأة اللحظة الراهنة، ولو كانت تلك اللحظة أحد حوافز القصيدة؛ فليست ردَّ فعل أو أداة (ليست -بالتالي- قصيدةً استعماليةً، أو خطابية، في هذه المناسبة أو تلك، على هذا المنبر أو ذاك، على رغم أنف لحظة كتابتها، أو «المثير» الموقت، العابر).
هنا الترجمة العربية الأولى لقصيدة «دقَّـات سَاعة الحائِـط» 1988 - 1989، وهي آخر ما كتبه ريتسوس الذي توفي عام 1990.
مقاطع من قصيدة «دقات ساعة الحائط»
اللَّيلَةَ المَاضِيَةَ، مَرَّ بِي فِي الشَّارِع
الرَّجُلُ الأَعمَى العَجُوز.
كَانَ يُمسِكُ بِزَهرَةِ رَبِيع -
حُجَّتِي الأَخِيرَة.

حَتَّى شَجَرَة الدَّردَار
مَعَ قُدُومِ المَسَاء
أَحيَاناً مَا تَنظُرُ إِلَى نَفسِهَا فِي المِرآة.
آنَئِذٍ، تَكتَسِي الوُجُوهُ بَمَزِيدٍ مِنَ اللَّون.

فِي مُنتَصَفِ الصَّالَةِ الشَّاسِعَة
مِنضَدَةٌ كَبِيرَة
فَوقَهَا صُندُوقُ تشِيلُّلو فَارِغ.
هَل تَذكُر؟

وَهيَ تَهبِطُ السَّلاَلِم،
سَقَطَت مِن شَعرِهَا وَردَة.
لَم أَلتَقِطهَا.

تَكُون أَفضَلُ حِينَ لاَ تَقُولُ شَيئاً.
فَلتَقُل «غَداً»
وَسَتَكُونُ كَاذِباً.
فَاللَّيلُ لاَ يَستَطِيعُ إِخفَاءَك.
(كارلوفاسي، 20 أغسطس 1988)

*
هَذَا العَام، لاَ تَستَدِير
زُهُورُ عَبَّادِ الشَّمس نَحوَ الشَّمس.
تُحنِي رُؤُوسَهَا،
مُحَملِقَةً فِي الأَرضِ الجَافَّة.

فَلتَتَسَاءَل عَمَّا تُفَكِّرُ فِيهِ الطُّيُور
فِي بِدَايَاتِ الخَرِيف
عِندَمَا تَتَسَمَّرُ عَرَبَةُ اليَد
بِمَا فِيهَا مِن أُصُصِ الزُّهُورِ الفَارِغَة
فِي ظِلِّهَا
وَتَكُونُ لِلصُّخُورِ العَارِيَة
الكَلِمَةُ الأُولَى وَالأَخِيرَة.

الرِّيشَةُ البَيضَاءُ
لِطَائِرٍ مُهَاجِر
حَطَّت وَسطَ المُلصَقَات.
الحَدُّ الأَدنَى مِنَ العَوَالِم -
كُل العَالَم.
رَحَلَ البَعضُ بِالقَارِب،
وَالبَعضُ بِالقِطَار.
ظَلَّت السَّيِّدَةُ العَجُوزُ فِي الوَرَاء
مَع مِغزَلِهَا
وَجَرَّةٍ مِن فخَّار.
الخَرِيطَةُ عَلَى الحَائِطِ فَارِغَة.

جُنُودُ الأَمس عَجَائِز الآن.
الكَلِمَاتُ أَيضاً تَنقَرِض.
عَلَى المِنضَدَةِ بَيضَةٌ وَاحِدَة.

الأَحجَارُ التِي رَسَمتَ عَلَيهَا
- وُجُوهاً وَأَجسَاداً جَمِيلَة -
تَترُكُكَ بَارِداً.
وَالدُّخَانُ المتَصَاعِدُ مِن سِيجَارَة
مُترُوكَةٍ مُشتَعِلَةً فِي مِطفأَة
هُو دُخَانٌ مِن مَدفأَةٍ
فِي إِيثَاكَا مَا ضَائِعَة - وَ «بِنِيلُوب»
تَجلِسُ إِلَى نُولِهَا
مَيِّتَة.

مُعظَمُ العُملاَتِ الذَّهَبِيَّة
أَخفَيتُهَا فِي شُقُوقِ الحَائِط.
مَن يَدرِي، فَرُبَّمَا يَعثُرُونَ عَلَيهَا
حِينَ يَهدِمُون المَنزِل.

مَدَّدُوا الغَرِيقَ عَلَى رَصِيفِ الشَّحنِ وَالتَّفرِيغ.
كَانَ شَابّاً، وَوَسِيماً.
السَّاعَةُ فِي مِعصَمِه الأَيسَر
كَانَت مَا تَزَالُ تَدُق.

إِذَا مَا كُنتُ قَد أَخبَرتُكَ بِأَكَاذِيب،
فَلَم يَكُن هَدَفِي أَن أَخدَعَك
بَل فَحَسب لأَحمِيك
مِن ظِلِّك.

كُل أَوسِمَتِه الذَّهَبِيَّة
مُعَلَّقَةٌ عَلَى الحَائِط،
وَهوَ تَحتَ التُّرَاب
بِسِنَّتَين ذَهَبِيَّتَين.

انفَتَحَ البَابُ مِن تِلقَاءِ ذَاتِه.
لاَ أَحَد هُنَاك.
هُو الوَقتُ الذِي تَعَلَّمتَ فِيه
أَن تَتَوَقَّفَ مُنتَظِرًا.

حَجَرٌ فَوقَ الآخَر:
لاَ يَقُوم بِبِنَاء مَنزِل.
كَلِمَةٌ بَعدَ الأُخرَى -
كَلِمَاتٌ فَحَسب - لاَ قَصِيدَة.

ذَاتَ يَومٍ كَانَ لَدَيكَ حِصَانٌ شَاهِقُ البَيَاض.
لِجَامُه الآن
حَولَ رَقَبَتِك.
إِلَى أَينَ يَأخُذُك؟

هَذِهِ الأَشيَاءُ البَسِيطَةُ، المُعتَادَة
أَصبَحَت أَصدِقَاءَه.
الآنَ يَجلِسُ مَعَهُم فِي صَمت
وَيُشعِلُ سِيجَارَة - نَجمَتَه الوَحِيدَة.

(أثينَا، 28 سبتمبر 1988)
*
حِينَ لَم يَعُد يَنفَعِلُ بِالأَحدَاث،
أَو الأَحلاَم،
خَلَعَ فَردَةَ حِذَاء،
وَأَبقَى عَلَى الأُخرَى.
يَستَلقِي فِي سَرِيرِه
مُتَظَاهِرًا بِالنَّوم،
وَيُطفِئُ السِّيجَارَةَ فِي فَمِه.
(20 أكتوبر 1988)
*
عَلَى مَرِّ الزَّمَنِ، أَسمَاءُ الأَشيَاء
لَم تَعُد مُنَاسِبَة. دُخَانُ السَّجَائِر
يَملأُ المَنزِل. النِّيكُوتِين
يُسَمِّمُ شِفَاهَ الصَّمت.
غَدًا، لا بُدَّ مِن شِرَاءِ مِظَلَّة.
(20 ديسمبر 1988)
*
نَعُودُ إِلَى مَا هَجَرنَاه،
إِلَى مَا هَجَرَنَا. فِي أَيدِينَا،
مَجمُوعَةُ مَفَاتِيح لَن تَفتَح
دُرجاً أَو حَقِيبَةً أَو بَاباً -
نَخبِطُهَا فِي بَعضِهَا البَعض وَنَبتَسِم
لأَنَّه لَم يَعُد هُنَاكَ مَن نَخدَعُه -
وَلاَ حَتَّى أَنفُسنَا.
(1 يناير 1989)

شارل مالك السياسيّ اللبنانيّ القوّاتيّ

أبريل 29, 2017 اضف تعليق

أفضّل الكلام على الدكتور شارل مالك وهو في وَسَط معمعان سياسيّ ضاغط وخطِر.
في هكذا ظرف، تَبرز استقامة المرء، وصِدقُ نيّاته وفعّاليّة ُ قدراته. فداخلُه خارجُه. وخارجُه تجسيد لما في داخله. في مثل هذه الحال، نفهم الشخص على حقيقته. علمًا بأنّ "السياسيّ"، في الدكتور مالك، عنوانٌ من عناوين. لا هو الأفضل ولا هو الأقلّ شأنًا. لكلّ منها أهميّته الكبيرة في نطاقه، خصوصًا وإنّها، كلَّها، عابقةٌ بعطر يسوع المسيح.
عاصر الدكتور مالك، في لبنان، أزمتَين سياسيّتَين وجوديّتَين، في فترتَين لا يباعد بينهما سوى عقدَين تقريبًا. الأولى بين العام 1956 والعام 1958. والأخرى منذ العام 1975 وحتى رحيله إلى بيت سيّده في العام 1987، بعد ذكرى ميلاد حبيبه يسوع بثلاثة أيّام. فكان في صلبهما ديناميًّا، ملتزمًا فعّالًا، ونافذًا قويًّا.
في الأولى، عمِل رسميًّا من على منبر الدولة اللبنانيّة. فكان، في الوقت نفسه، وزيرًا للخارجيّة من تشرين الثاني 1956 حتى أيلول 1958، ووزيرًا للتربية حتى آب 1957، ونائبًا في المجلس النيابيّ اللبنانيّ، في دورة وحيدة، في العام 1957. في هذه الفترة، كان في العلانيّة وصاحبَ سلطة.
أمّا في الأزمة الثانية، فعاش "المقاومة اللبنانيّة" في أعماق أعماقه، سواء أفي "جَبهة الإنسان والحرّيّة"، أم في "الجَبهة اللبنانيّة"، أم ضمن "القوّات اللبنانيّة". وهذه النُقطة هي التي ألقِي عليها، الآن، شعاعةً من شُعلة، وهي شبه مجهولة من المواطنين عمومًا.
كنّا ثلاثةً على تواصل دائم: المعلّم شارل مالك، والقائد بشير الجميّل وأنا، خصوصًا في اللحظات العصيبة. لم نُخفِ عنه، في الأمور التي ينبغي أن يكون مطّلعًا عليها، لا معلومةً، ولا تحرّكًا، ولا اتّصالًا جرى مع أيٍّ كان.
اللقاءات كانت تتمّ نهارًا وليلًا. نحلّل. نتناقش. نستنتج. ونتوافق على ما ينبغي القيام به. 
ولطالما اجتمعنا وحدنا-الدكتور مالك وأنا- ساعات طويلة، خصوصًا في الليالي، في مكتبه في الطابق العلوي من منزله، نتباحث في رؤى المقاومة اللبنانيّة.
في 27 أيلول 1980، التقَينا: الدكتور مالك وبشير وسائر قياديّي القوّات اللبنانيّة، ومنهم الدكتور سمير جعجع والعقيد ميشال عون، في خَلوة سرّيّة في دير سيّدة البير في المتن. وكنتُ قد اقترحت على بشير أن يطلب إلى الدكتور مالك أن يرئس اللقاء ويدير أعماله. فوافق بشير بحماسة.
كان الموضوع مركّزًا على المرحلة التي تلي 7 تمّوز من ذلك العام، وخصوصًا على انتخابات رئاسة الجمهوريّة في لبنان والتي ستجري بعد عامَين.
وضعتُ للخَلوة "ورقة عمل" تشتمل على عدد من السيناريوهات، خلاصتُها ضرورةُ أن تتسلّم المقاومة اللبنانيّة السلطة في العام 1982، وذلك بإيصال بشير إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة.
في البند الأوّل من "ورقة العمل"، حدّدتُ الهدف بالآتي: "الوصول إلى السلطة". فاقترح الدكتور مالك استكمال الصياغة بإضافة عبارة "بقصد التسهيل في تطبيق أهداف القوّات اللبنانيّة". ثمّ أبرز أهمّ سبب يفسّر، إستراتيجيًّا، ما كان يجري، فقال: "... المؤامرة، في أبعادها البعيدة، هي فصلُ مسيحيّي لبنان عن مسيحيّي العالم الغربيّ، وضمُّهم إلى العالم الشرقي والاكتفاء بذلك. كلّ شيء له مغزى متوسّطيّ-غربيّ-أوروبّيّ-مسيحيّ-تحريريّ-إنسانيّ لا يريده خصوم لبنان. لبنان حجر عثرة وشوكةٌ، لأنّ عنده هذه الخِصال. هذا مهمّ من الناحية الحضاريّة...وينبغي درس علاقاتنا الخارجيّة بشكل دائم." 
في الحقيقة، هذا تفسير واقعيّ، صحيح، يشرح بدقّة وإيجاز ما حصل. والتفسير إيّاه ما زال صالحًا حتى اليوم. وسيبقى صالحًا إلى ما لا أدري من الزمن. 
وممّا هو جدير بالذِكر، بالمناسبة، أنّ الدكتور مالك كشف لنا عن سرّ مهمّ، فقال "في العام 1945، حين وصولي إلى أميركة، بدأتُ بالتفاوض لإقامة محالفة معها. وبعد أربعة أشهر، وصلنا إلى هذا النصّ: "في كلّ مشكلة حيويّة تنشأ لأيّ من الفريقَين المتعاقدَين، يتفاوضان بشكل حلّها بالتوافق". أرسلتُ النصّ سرًّا إلى بشاره الخوري. جاء الجواب: "لا يمكن السير في هذا التحالف". 
في يقيني، إنّ موقف الرئيس بشاره الخوري هو الموقف الصحيح الحكيم. لماذا؟ لأنّ لبنان، في تركيبته الديموغرافيّة، وفي غير الظروف العصيبة والاستثنائيّة جدًّا، عليه ألّا يدخل في أيّ حلف، في المفهوم المتداوَل للكلمة. وعليه أن يعلن حياده.
وخلال النقاش صرّح أحد الحاضرين عن خوفه من شغور مركَز الرئاسة، فعلّق الدكتور مالك: "لا يجوز، مطلقًا، المجازفة، ولا يجوز التأخّر في الإفادة منها إذا الساعةُ قدّمت نفسها. أهمّ شيء هو توحيد الكلمة المسيحيّة وتوسيعها وتعميقها، وتوطيد مكاسب 7 تمّوز في الأوساط المسيحيّة، وتقوية علاقاتنا الخارجيّة." وهذا ما طبّقه سمير جعجع بعد ستّةٍ وثلاثين عامًا من اجتماع سيّدة البير.
وكرّر الدكتور مالك تحذيره فقال: "الموقف الأميركيّ-الأوروبّيّ-الفاتيكانيّ تِجاه الشرعيّة في لبنان هو موقف طبيعيّ. الشيء الموجود المعترف به دوَليًّا هو الشرعيّة على ضعفها. إذا طارت هذه الشرعيّة ولم يحلّ محلّها، بسرعة، شرعيّة أخرى، سيحصل فراغ في لبنان لا يملؤه شكل يلائم المصالح المسيحيّة. إذًا من أجل مسيحيّي لبنان الشرعيّة ضروريّة في الوقت الحاضر." 
واليوم، وبعد مرور سبعةٍ وثلاثين عامًا، نلاحظ دقّةَ هذا الإدراك وصحّتَه. وهذا، أيضًا، ما حقّقه سمير جعجع.
ثمّ اقترح تحديد الهدف وأسلوب العمل ووسائلَه، فقال: 
+ "الهدف: خلق وطن يضمن الأمن والحرّيّة والعدالة والانفتاح لجميع الكيانات اللبنانيّة.
+ والأسلوب: منطق ثوريّ.
+ والوسائل: 1 –تقوية القاعدة الشعبيّة بشتّى الوسائل.
2 –تقوية المحالفات القائمة وخلق تحالفات جديدة.
3 – الوصول إلى الحكم في النهاية."
وفي نتيجة الخَلوة، اتّخذنا قرارًا باعتماد أحد السيناريوهات المذكورة في "ورقة العمل"، وأوصلْنا بشير الجميّل إلى الرئاسة في 23 آب من العام 1982. وكان الدكتور مالك إلى جانب بشير والحاضرين في قاعة الاجتماعات في المجلس الحربيّ، يشاهدون عمليّة الانتخاب تلفزيونيًّا. وكان أوّل المهنّئين.
هذا نموذج حيّ لموقِف نظريّ وعمليّ للدكتور شارل مالك السياسيّ اللبنانيّ القوّاتيّ، محدّدٍ زمانًا وظرفًا.
وأختم كلمتي بمقطع من مقال لي بعنوان "شارل مالك: كاهنُ المعاناة والمتفقِّهُ بلبنان"، نشرتُه في مجلّة "المسيرة" في العام 2004، في ذكرى وفاة الدكتور مالك السابعة عشرة، قلت فيه: "إذا أردنا أن نَفِيَ شارل مالك بعض حقّه، ونُبقيَه حيًّا في وِجدان الأجيال المسيحيّة الطالعة، ومحبّي الحقيقة، والمتفانين من أجلها، علينا أن ننقل "حسّ المسؤوليّة المرهف" الذي يضرب في أعماق خُلُقيّته الرفيعة إلى مَن هُم حولنا وأبعد من حولنا، وإلى كلّ مكان وزاوية من هذا العالَم المشرقيّ. علينا أن ننشر روحَ المسؤوليّة. قلقَ المسؤوليّة. إرادةَ الاضطلاع بمسؤوليّة المسؤوليّة."
معراب في 27 نيسان 2017 
أنطوان نجم

مار جرجس وسيدنا الخضر

أبريل 27, 2017 اضف تعليق


محمود الزيباوي|الأربعاء26/04/2017
شارك المقال :
  • 312
  • Google +0
  • 1
  • مار جرجس وسيدنا الخضر
  • الخضر مع أحد الزهاد، منمنمة فارسية من القرن السادس عشر، متحف والترز.
  • - منمنمة فارسية من القرن السادس عشر، متحف والترز.
  • القديس جاورجيوس، منمنمة سريانية من القرن الحادي عشر، بطريركية السريان الأرثوذكس في دمشق.
  • القديس جاورجيوس، أيقونة سورية من عام 1859، مطرانية الأرمن الكاثوليك في حلب.
  • ابتلاء جرجيس، "زبدة التواريخ"، القرن السادس عشر، سرايا توبكابي، اسطنبول.
  • جاورجيوس منقذا الأميرة، جدارية معاصرة.
كما في كل عام، تردّد اسم جورج في صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في  يوم 23 نيسان-ابريل، وهو اليوم الذي يحتفل فيه العالم المسيحي بتذكار هذا القديس الخيّال. وتردّد بهذه المناسبة اسم الخضر، وهو الاسم الذي يُعرف به القديس المسيحي في العالم الإسلامي كما يُشاع اليوم. فمن يكون القديس جورج؟ ومن يكون الخضر؟ وهل صحيح أن الاسمين المختلفين هما لشخص واحد كما تقول العامة؟ 

هو جورج بلغة الفرنجة، وجاورجيوس في الكتب المسيحية العربية، وأصل الاسم كلمة يونانية معناها الحارث. عاش القديس جاورجيوس في القرن الثالث، وأقدم المصادر التي تتحدّث عن هذا القديس تعود إلى القرن الخامس، وتؤكّد أنه شهيد من مدينة اللد في فلسطين، كرّمه المسيحيون بتشييد ضريح فوق قبره. حاز هذا القديس على شهرة واسعة، وحظي بإكرام قلّ مثيله، ونسج الرواة حوله سِيَراً عديدة تزخر بالخوارق والعجائب، وبات من الصعب التمييز بين السيرة الأصلية والروايات المتفرّعة. في الذاكرة الجماعية، تحضر في المقام الأوّل صورة القديس ممتطياً جواده، مغمداً رمحه في تنين متوحش. في الواقع، يظهر جاورجيوس في الفن منذ القرن السادس، وتتكرّر صوره في القرون التالية، لكنه لا يظهر مع التنين في نهاية القرون الوسطى.

لا نجد أثراً لقصة جاورجيوس قاتل التنين في أقدم سير القديس، وهذه القصة هي بحسب أهل الاختصاص رواية دخيلة ظهرت في القرن الثاني عشر، وانتشرت في ما بعد. تقول هذه الرواية أن القديس مرّ في طريق عودته من كبادوكية إلى فلسطين، في مدينة تُدعى لاسيا يحكمها ملك كافر، وكان في جوار هذه المدينة بحيرة عظيمة يعيش فيها تنين متوحش. اقترح الملك تقديم طفل من أطفال أهل المدينة قرباناً في كل يوم على أن يتمّ اختيار الضحية بالقرعة. وافقت الرعية، وبات التنين يلتهم كل يوم طفلاً من الأطفال، إلى أن وقعت القرعة على ابنة الملك.

رضخ الحاكم، وبعث بابنته الأميرة إلى الوحش بعدما ودّعها بحرارة، فمضت طائعة، والتقت في طريقها إلى البحيرة بجاورجيوس، فسألها عن حالها، وقرر مواجهة التنين معها، وطلب منها أن تجحد بآلهتها، وأن تدعو للإله الحق، فأطاعته، فمضى وقضى على التنين أمام عيون الملك ورعيته، فتخلّوا عن آلهتهم، واعتنقوا المسيحية. فنياً، لا تظهر هذه القصة في الفن قبل القرن الرابع عشر، ويمكن القول أنها تكوّنت في القرن الخامس عشر، ثم انتشرت انتشاراً عظيماً، وباتت أشهر صور القديس في الشرق والغرب.

في العالم العربي، يُقال اليوم ان جاورجيوس هو الخُضر، لكن هذه المقولة الشائعة لا تجد أي سند مقنع. يُعرف جاورجيوس باسم جرجيس، وتظهر العودة إلى الميراث الإسلامي في شكل جلي أن إكرام جرجيس ليس تقليداً مستحدثاً، فالشواهد الأدبية التي تتحدث عنه عديدة، ومنها ما يعود إلى أكثر من ألف سنة. في العصر العباسي الأول، وضع المسعودي كتابه الضخم "مروج الذهب"، وفيه تحدّث عن جرجيس في باب "ذكر أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم"، وقال: "وممن كان في الفترة بعد المسيح عليه السلام جرجيس، وقد أدرك بعض الحواريين فأرسله إلى بعض ملوك الموصل، فدعاه إلى الله عز وجل، فقتله، فأحياه الله وبعثه إليه ثانية، فقتله، فأحياه الله، فأمر بنشره ثالثة وإحراقه وإذرائه في دجلة، فأهلك الله عز وجل ذلك الملكَ وجميعَ أهل مملكته ممن اتبعه، على حسب ما وردت به الأخبار عن أهل الكتاب ممن آمن، وذلك موجود في كتاب المبتدأ والسير لوهب بن مُنَبِّه وغيره". 

في الجزء الثاني من "تاريخ الرسل والتاريخ"، صاغ الطبري في "ذكر خبر جرجيس" سيرة طويلة زاخرة بالخوارق التي لا يتصورها عقل. جرجيس هنا واحد ممن أدركوا بقايا حواريي عيسى بن مريم في فلسطين، فسمعوا وأخذوا منهم. كان كثير المال، عظيم الصدقة، يربح من التجارة، وينفق كل ما يربحه في أعمال الخير والإحسان. وقد وجد هذا المؤمن الموحّد نفسه في مواجهة مع ملك الموصل حين ذهب إليه ليهديه المال، ذلك أنه كان يخشى أن يؤذيه المشركون في دينه، إلا أنه فوجئ بأن هذا الملك كان يوجب كل زواره بالسجود أمام صنم عظيم ويلقي بالنار كل من لم يسجد أمام هذا الوثن. وقد دفع هذا المشهد بالرجل الصالح إلى الجهاد، فقسّم المال الذي حمله على أهل ملّته، وذهب الى الملك ليجاهده لا بالمال بل بنفسه، ودعاه إلى عبادة الله ورفض عبادة الأوثان، وتعرّض إلى شتى أنواع التعذيب قبل أن يحظى بالراحة من بلاء هذه الدنيا مكللاً بفضائل الشهداء.

هكذا دخلت قصة جرجيس الذاكرة الإسلامية من الباب الواسع، وبات شهيداً من كبار شهداء الموصل. يُجمع أشهر الرحالة على الإشارة إلى وجود مقام لهذا الشهيد في المدينة التاريخية العراقية. في نهاية العصر العباسي، ذكر ياقوت الحموي في "عجم البلدان" قبر جرجيس النبي القائم في وسط مدينة الموصل. وفي العصر المملوكي، كتب ابن بطوطة في "تحفة النظار": "وبهذه المدينة مشهد جرجيس النبي عليه السلام وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل إليه وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد لله تعالى". وهذا المسجد هو على الأرجح "مسجد النبي جرجيس" الكائن في منطقة سوق الشعارين، وهو من معالم الموصل. 

لا تمت سيرة النبي جرجيس بأي صلة إلى سيرة الخضر، ولا تتقاطع معها بأي شكل. لا يرد اسم الخضر في النص القرآني، غير أنه مذكور في حديث البخاري، وهو في كتب المفسرين اسم "العبد الصالح" صاحب موسى في سورة الكهف (65-82)، والآراء الخاصة في هذا الاسم عديدة، والحديث في نسبه وفي نبوته وفي تعميره يقود إلى بحر من القصص والأخبار المتباينة. والشائع أن الخضر مشى على المياه، وأنه لم يمت، وهو مرشد كبار المتصوفة ومعلمهم. في حديث نقله البخاري، وُجد موسى "خضراً على طنفسة (أي سجادة) خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه". وفي كتب التراث، يتكرر حديث يقول أن الأنبياء الأحياء أربعة إلى يوم البعث، اثنان في السماء، وهما عيسى وإدريس، واثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس. وينقل ابن عساكر عن الحسن البصري قوله بأن إلياس "موكل بالفيافي، والخضر بالبحار، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، فإنهما يجتمعان في كل عام بالموسم". 

جرى الخلط بين جيرجيس والخضر في الأزمنة الحديثة كما يبدو، إذ لا نجد أي إشارة إلى هذا الربط في المصادر القديمة. في قرية "سهوة الخضر" الواقعة في محافظة السويداء، نقع على كنيسة أثرية تحمل اسم القديس جاورجيوس. وفي جنوبي القدس، كذلك، تحوي قرية "الخضر" كنيسة باسم القديس جاورجيوس. هنا وهناك، تمّ ربط اسم القرية باسم شفيع الكنيسة، وبات الخضر الرديف الإسلامي للقديس جاورجيوس، لكن هذا الربط لا يفسّر شيوع هذه المقولة في عصرنا، والأرجح أن هذا الخلط يعود في الأساس إلى مقام مسيحي حمل اسم جاورجيوس، ثم حمل اسم الخضر عند تحوّله إلى مقام إسلامي في مرحلة لاحقة، وهذا الموضوع يحتاج إلى بحث علمي معمّق. 
- See more at: http://www.almodon.com/culture/2017/4/26/%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%AC%D8%B1%D8%AC%D8%B3-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B6%D8%B1#sthash.mTsQz57I.dpuf
مايا دياب تنقذ عراقة الوسط الثقافي

مايا دياب تنقذ عراقة الوسط الثقافي

أبريل 27, 2017 اضف تعليق


روجيه عوطة|الأربعاء26/04/2017
شارك المقال :
  • 66
  • Google +1
  • 0
مايا دياب تنقذ عراقة الوسط الثقافيحين تقترح نضال الأشقر حفلة لمايا دياب، تسدّد ديون "مكانها العريق"، فهذا اعتراف بأن وسطها الثقافي لا يحقق ذلك
منذ أيام، تعلو ضجة إنتقادية، موضوعها، إحياء الفنانة مايا دياب لحفلة "غير شكل" على خشبة "مسرح المدينة" (15 أيار)، وذلك، "برفقة تخت شرقي وغناء"، بالإضافة إلى وصلة رقص يقدمها الفنان أليكسندر بوليكيفيتش. سبب هذه الضجة أمران: الأول، هو الإعتراض على استقبال "مسرح المدينة"، بوصفه "مكاناً عريقاً"، لنجمة شعبية، فهذا، وبحسب "الضاجّين"، بمثابة تشويه له، وطبعاً، لـ"تاريخه الثقافي". 

الثاني، هو سعر البطاقة، التي على محبي مايا وأليكس أن يدفعوه، وهو مئتا دولار، لكي يتسنى لهم التفرج عليهما، بالتوازي مع متابعة "المفاجآت" التي وعدهم إعلان الحفلة بها، عدا عن تناول مأكولات "العشاء الخاص" الذي "يحضره طباخون ماهرون". وبحسب الضاجّين أيضاً، سعر البطاقة مرتفع مقارنةً بأسعار البطاقات التي اعتادوا شراءها عند مشاركتهم في النشاطات الثقافية البيروتية، لا سيما المسرحية، التي يقدمها "المدينة" أو غيره.

القليل من التوسع هنا مفيد. ثمة، وعلى أساس الضجة الإنتقادية، دخيلة على الوسط الثقافي، وهي الفنانة الاستعراضية والغنائية، مايا دياب، طلبت منها مديرة "مسرح المدينة"، نضال الأشقر، أن تحيي حفلة على خشبته تكون داعمة له، لكي يسدد ديونه السنوية ويحافظ على أسعار تذاكره المنخفضة. بالتالي، من الممكن القول أن تلك النجمة المدعوة إلى "المكان العريق" هي، فعلياً، منقذته، التي ستجذب إليه الساهرين من الطبقة الوسطى والعليا، فسيدفعون مئتي دولار من أجل بقائه، وفي المقابل، سيمارسون تسليات البصبصة والصدح والهز والتفاجؤ والأكل، أي يستهلكون متعاتهم.

لقد فتح "مسرح المدينة"، باعتباره إحدى القِبلات الثقافية، بابه للثقافة الشعبية، ممثلةً بالنجمة مايا دياب، وذلك، لكي تنقذه من ديونه وتضمن استمراريته. ولقارئ تصريحات الأشقر حول الحفلة اياها أن ينتبه إلى أنها، ولولا حاجتها إليها، لكانت وصفتها بـ"الهابطة"، ووضعتها في مواجهة ما سمته "الحفلات الجدية". ثم، وعند الوقوف على ردودها، تظهر نبرتها تبريرية وغاضبة على حد سواء، كما لو أنها، في ظنها، ارتكبت ما يشبه "الفعلة"، وكأنها ليست مقتنعة بها، لكنها، أقدمت عليها عنوةً: "حسناً، أتيت بمايا دياب لكي أنقذ مسرحي، فماذا أفعل أيها المنتقدون؟".
وهذا ما يتصل بملصق الحفلة. فالتحديق فيه، يفيد بكونه مصمماً على نحو نبرة الأشقر أيضاً، بحيث أن مؤلفه رمى إلى  جذب الساهرين بالإنطلاق من وعدهم بإمتاعهم، لكنه، فعل ذلك بأسلوب غير مثير، كأنه يتأرجح بين إرادته و"ضميره الثقافي الجدّي". فمن ناحية، يريد أن يصمم ملصقاً جذاباً، ومن ناحية أخرى، "ضميره الثقافي" يأمره بألا يفعل ذلك، خصوصاً أنه اعتاد تصميم ملصقات العروض "الجدية"، وفي النتيجة، أخرج "بوستر" مباشراً، يبدأ بـ"سهرة غير شكل"، ثم يشرح محتوياتها المُتعَوية، أي الرقص والإندهاش والتخت والأكل ووجه مايا دياب، محيطاً إياها بإطارات مضاءة وملونة. لكنه، ولكي يخفف مما يجده "انحداراً" من "العراقة"، و"انحرافاً" عن "الجدية"، أضاف، وباللغة الأجنبية، Burlesque.

دائماً، وعندما ينفتح فن الوسط الثقافي، ولنسميه باقتضاب الفن الثقافي، ولأسباب متعلقة بضعف مقوماته، على الفن الرائج، يقدم على ذلك كأنه يُحسن إليه، ويتنازل له عن "مكان" بقربه. فالفن الثقافي، وكما يعتقد منتجوه، هو "جدي" و"رزين" و"مهموم"، في حين أن الفن السائد "هزلي" و"هابط" و"ركيك". وتالياً، لما ينفتح الأول على الثاني، يبدو أنه "ينزل" إليه، لكنه، وبالفعل نفسه، غالباً ما يحسب أنه يمده بمعنى آخر، يفقتر إليه: يرغب فيه، وفي الحين ذاته، يرفضه بسبب ضميره. أما مرد هذه الرغبة، فهو التوق إلى الرواج، إلى الشهرة، التي يمتلكها الفن الشعبي.

بغرور، ومكابرة، وإدعاء، يرغب الفن الثقافي في الذيوع الميديوي، الذي يتميز به الفن السائد، لكنه، ولكي ينفي هذه الرغبة، يسترها بخطابات وإجراءات متنوعة، من قبيل الإستحضار الروحي، كما في حفلات الإستعادات الغنائية لنجوم الطرب الشعبي، ومن قبيل العرض المفرغ منه، كما في حالة ذلك الفنان المعاصر، الذي، ذات مرة، استقدم السيارات التي يركنها سائقوها على الكورنيش البحري بعد أن يبثوا صوت الموسيقى الصادحة منها، استقدمها إلى أحد المراكز الفنية، وكان هذا هو "عمله الفني" طبعاً. يومها، اقترب منها المتفرجون، وهم، في غالبيتهم من الفنانين، كما لو أنهم يكتشفونها للمرة الأولى!

وربما، أقل تلك الخطابات والإجراءات نكراناً ومراوغةً، هي التي نمّت عنها تصريحات الأشقر، صاحبة حلم "الديفا"، التي قالت إنها أتت بمايا دياب لكي تحصل على أموال تسدد بها ديون مسرحها، وبعبارة أخرى: جاءت بها لأنها أكثر شهرة من باقي الفنانين الثقافيين، بحيث تستطيع أن تجذب الكثير من المتفرجين. فهي نجمة. أما هُم، فلا. كلام الأشقر دقيق، فالوسط الثقافي، وعلى الرغم من شدة رغبته في الرواج الميديوي، لم ينجح في إنتاج نجوم لهم شعبية تستقطب كمّاً من المتفرجين، الذين لم نعتَد رؤيتهم في المسارح والمعارض والمؤسسات الفنية. وفي الوقت نفسه، لا يبدل ذلك الوسط موضوع رغبته، بل يبقي نفسه عليها، ويحاول، بأساليب شتى، تحقيقها، إلا أنه غالباً ما ينتهي إلى نوع من الهذر الذي لا يحمد عليه. 

إحدى التعليقات الإنتقادية على حفلة مايا دياب في "مسرح المدينة"، سجلتها ندى بو فرحات. اللافت فيه أن هذه الفنانة تصف نفسها، وبطريقة هزئية، بـ"النجمة ندى بو فرحات"، قبل أن تبدأ بالمقارنة بين أسعار بطاقات عروضها المنخفضة، وسعر بطاقة حفلة دياب المرتفع. على أن هزء بو فرحات، ومقابلتها بين "عرق الجبين" و"التخت الشرقي"، لا يبدد رغبتها في أن تكون "نجمة"، ولا يبدد، تحديداً، أنها تستعمل في عروضها المسرحية أدوات ميديوية، وتحت عناوين "تحرروية" لا تُغني ولا تسمن، لتحقيق رغبتها تلك، لا سيما مخاطبة النزوعات عبر الكلام البذيء والفرجة الخليعة وغيرهما، تماماً، كما تفعل أي وسيلة إعلامية تبغي رفع عدد متابعيها.

حين تقترح نضال الاشقر على مايا دياب ان تحيي حفلة لدعم "مكانها العريق" وانقاذه من ديونه، تشير بذلك الى ان وسطها الثقافي لا يمكنه ان يحقق ما تحققه تلك الفنانة، وتشير الى كونه لم ينتج نجومه، على الرغم من طموحه الظاهر باستمرار الى هذا. لكن، المهم ايضاً، انه في حال تخلّى عن هذا الطموح، عن انشداده الى الرواج الميديوي، قد يرتطم بفراغه، وبعجزه عن انتاج شيء بلا ان يكون استهلاكه المُتعَوي هو قوامه الاول والأخير، وبلا ان يقع في ما يسمى "نخبوية"، وهي، في حالتها المحلية، صيغة للعجز عن قول المفيد والضروري من خلال العمل الإبداعي. 

ثم، لنتذكر ان انتقاد حفلة دياب بسبب سعر بطاقة حفلتها، يحصل في ظل مهرجان "بايبود"، حيث يصل سعر البطاقة الى مئة دولار، من دون أن يعترض عليها أحد، فضلاً عن عروض أخرى، المقارنة بين سعر بطاقتها ومضمونها يدفع المتفرج الى الاكتشاف بأنه تعرض لعملية نهب. فعلياً، على الوسط الثقافي ان يفتش عن مخرج له من عقدته الميديوية، من دون أن يستند الى الفن السائد، أو يتطفل عليه، وفي الوقت نفسه، يعتقد بأن "السائد" هو أقل شأناً وقيمة منه، وفي اثناء ذلك، عليه ان يشكر مايا دياب لأنها تُسعف عراقته.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/2017/4/26/%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%A8-%D8%AA%D9%86%D9%82%D8%B0-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A#sthash.W67I2MLo.dpuf
غرافيتي الشعراء

غرافيتي الشعراء

أبريل 27, 2017 اضف تعليق


يحبّ الكثير من رواد الغرافيتي الوجوه المعروفة (فيروز، محمود درويش، صباح، لوركا، رامبو، غسان كنفاني، أمل دنقل) والشعارات أو العناوين والكلمات "المشرقطة" على الجدران لأنهم يدركون قوة الكلمة المعروفة والحاضرة في الوجدان والذاكرة. يعرفون أنّ بعض الثورات والتحركات الاحتجاجية كانت شرارتها كلمة غرافيتية على جدار، ويعرفون أنّ الغرافيتي فيض في التعبير يحكي هموم المواطن العادي.

عندما يتم اختيار قصيدة أو أبيات شعرية لرسمها وتزيينها على الجدران، يجري انتقاء جمل يغلب عليها طابع شعاراتي يرتبط بالحدث أو بالموجة السائدة والحدث ووعي الناس، المهمّ أن تصيب الهدف المرجو وترضي ذات الفنان أو المحتجّ. فالغرافيتي من الأدوات المشجّعة على الاحتجاج، وربّما الاستعراض. تنطوي الكلمة المباشرة في الغرافيتي على شيء من الغواية و"العضلات" الفكريّة وربما الاندفاع الثوري والمدني، وتختصر الكثير من التفاصيل، ربما لأن الفنان يريد إيصال رسالته من دون مواربة، يهرع إلى الجدران "الهامشية" أو "الاستراتيجية" التي تشدّ العابر. لهذه الأسباب يختار الفنان الجمل المألوفة والنافلة ويطلسها في اللحظات الخاطفة بطريقة فنية وبصمة خاصة.

في العالم العربي، قلّة من الشعراء العرب والأجانب، استُخدِمت عبارات من قصائدهم لتكون فكرة لعمل غرافيتي أو طبعة "ستنسل" (زنكو) على جدران بعض المدن والبلدات والمخيّمات. وعلى رغم أهمية بعض الشعراء وحضورهم الشعبي، لم يندفع الغرافيتيون لاستنباط جمل منهم، ربما لأنّ شعرهم لا يناسب المرحلة أو لا يتناسب مع وجهة نظرهم الثقافية والسياسية. غير أنّ الثورات العربية ساهمت إلى حدّ ما في ترويج بعض الشعر، سواء الشعاراتي منه أو الفلسفي والحكمي. لنقل إن بعض الشعر "الشعاراتي" ساهم في الترويج للثورات من خلال الغرافيتي. ولا بدّ أن يعطينا التأمّل في بعض الأعمال المرسومة انطباعاً عن بعض الشعر والشعراء على الجدران، وعن الذائقة الأدبية السائدة.

ثمّة مجموعة من الغرافيتيين في بعض البلدان العربية، استخدمت عبارات لأبي القاسم الشابّي وأمل دنقل وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وبابلو نيرودا ولوركا ومحمود درويش وتوفيق زياد وأحمد فؤاد نجم. الأبنودي مثلاً، حضر في الغرافيتي المصري، وحضوره أتى كتشجيعللتثوير الاجتماعي. نقرأ من قصائده العامّيّة على رسوم الجدران عبارات "لسه النظام ما سقطش"، و"الثورة مش حكر... لا ملكك ولا ملكي/ ملك اللي يومها سند صدرُه على السونكي/ واللي الرصاصة شالت عينه ولم يبكِ". لا يحمل كلام الأبنودي أيّ تأويل خاص، كلامه ليس كليشّيه، ولا يتّسم بشعرية خاصة، وإن كان يدعو إلى تراجيديّة ما.
بين نيرودا والشابّي

من بين العبارات التي وُظّفت في غرافيتي الثورة المصرية عبارة للشاعر التشيلياني بابلو نيرودا: "يمكنك أن تسحق الأزهار ولكن ليس بمقدورك أن تؤخر قدوم الربيع". هذه العبارة الرومنطيقية المثاليّة الثورية كانت إشارة تفاؤليّة إلى واقع التحوّلات السياسيّة التي حصلت في العالم العربي، ووظفت في مواجهة العقل الأمني والاستبدادي ولبناء الأمل في التغيير، وهي قريبة من شعار آخر كتبه الثوريون "إنْ عشتَ فعش حراً أو متْ كالاشجار وقوفاً"، ومن عبارة الروائي إرنست همنغواي في رواية "الشيخ والبحر": "قد يتحطّم الإنسان... لكنّه لن يُهزم". الأرجح أنّ في معظم العبارات الشعرية التي توظف في الغرافيتي شيئاً مشتركاً: أنّها تنشد الحرية والموقف وأحياناً الرمز.

اختيار قوال الشعراء لتكون غرافيتي على الجدران، يأتي تبعاً لمعايير سياسيّة و"نضاليّة" و"نمطيّة"، وأحياناً ثقافيّة وعصبويّة وثوريّة ومزاجيّة. في تونس استحضر بيت الشابي الشهير "إذا الشعب يوماً أراد الحياة..."، الذي كتب على جدران المدارس وأصبح يعبّر عن وجدان المتظاهرين ومرحلة التحولات الجديدة التي حصلت غداة سقوط زين العابدين بن علي. كأن لا شيء أقوى من العبارة الشابيّة النمطية المستهلكة، لتكون تعبيراً عن توجهات المحتجين والمتظاهرين. ثمّة تقاطع في المعنى بين عبارة نيرودا المذكورة أعلاه وبيت الشابي، لكن الفرق في الموسيقى الداخلية وروحية اللغة والصورة. ففي عبارة نيرودا شعرية "خارقة" وصورة تتكوّن في مخيّلة القارئ من غير أن يغوص الشاعر في المباشرة، وفي بيت الشابي خطابيّة جاهزة تشبه القبضات المرفوعة. وعلى هذا لم يكن مستغرباً أن يكون هذا البيت الشعري مستهلكاً ليس فقط في أعمال الغرافيتيين فحسب بل في أصوات الفنانين والملصقات الحزبية العربية عموماً والتونسية خصوصاً. فهو يردُ في خطب السياسيين وأناشيد بعض الفنانين "الثوريين"، ويستعمله الباحث عن الحرية والآتي من "سلالة الطغيان"، ليصبح مثل عبارة "القدس عروس عروبتكم" لمظفر النواب و"أناديكم" لتوفيق زياد. جمل شعاراتية تستنزَف في الاستعمالات الشعبوية والإعلامية والميديائية والسياسية، قالها شعراء وصارت ملكاً عاماً، كلافتات حزبية وعصبية. بالطبع ليس ضرورياً أن يتضمن الغرافيتي شعراً حداثوياً أو قصيدة نثر أو تفعيلة، فهو في كل الأحوال له أهداف محددة ويحمل "رسالة" محددة في ظروف معيّنة.


«لا تصالح» من القاهرة إلى دوما

توظيف قصيدة "إرادة الحياة" المدرسية التعليميّة للشابي في الحراك السياسي والثوري التونسي، يوازيها استعمال قصيدة "لا تصالح" للشاعر المصري أمل دنقل في الحراك الثوري المصري وفي الثورة السورية على جدران مدينة دوما في الغوطة الشرقية. تبدو في البداية أقرب إلى "الوصية" الواعظة، لكنّ من يقرأ القصيدة كاملة يجد نفسه أمام حكاية (حدوتة) مأسوية. استحضرت "لا تصالح" في مراحل سياسية سابقة، إذ كان دنقل قد بدأ كتابتها قبل توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، لا لأنه يرفض السلام وإنما لأنه يرفض الاستسلام، فتحوّلت قصيدة عروبية قومية يسارية "كاريكاتورية" يردّدها رافضو التنازلات التي قدّمها السادات ثمناً للصلح مع إسرائيل. وكانت حدَّة رفضه السياسي في ذلك الوقت مقرونة بالسخرية التي كانت تدفعه إلى كتابة أسطر من قبيل: "أيّها السادة: لم يبقَ انتظارْ/ قد منعنا جزيةَ الصمت لمملوكٍ وعَبْدْ/ وقطعنا شعرةَ الوالي (ابن هند)/ ليس ما نخسره الآنَ.../ سوى الرحلة من مقهى لمقهى/ ومن عارٍ لعَارْ!".

واستحضرت "لا تصالح" على الجدران في كنف تحركات ميدان التحرير ضد نظام حسني مبارك وكُتبت بأشكال متعدّدة ومتنوّعة وملوّنة ومزركشة، وتناقلتها صفحات الـ"فايسبوك" لتصبح نشيد الجيل الجديد في تلك اللحظة. ولم يقتصر استعمالها على عنوانها وعبارتها الأولى الجذريّة والوعظية. فبعدما فقد الشاب المصري أحمد حرارة عينيه في تظاهرات الثورة في مصر، ثمّة من رسم طبعة "ستنسل" لوجهه الحزين مع مقطع من القصيدة الدنْقلية: "أترى حين أفقأ عينيك ثمّ أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى". كانت قصيدة دنقل الأكثر تعبيراً عن حادثة أحمد حرارة الأليمة والمأسوية، كأنها مكتوبة لتصف حادثة هذا الشاب بالذات.

في دوما السورية رُسمت قصيدة "لا تصالح"، وتكمن أهمّية ذلك في المزاوجة بين اللوحة والمكان، فالحائط الذي اختاره الفنان ليرسم عمله، هو ما بقي من منزل دمّره قصف الطيران الأسدي. الحائط في ذلك المكان لديه لغة أقوى من الشعر، ويزيد من وقع لغته قصيدة دنقل وألوانُ الرسام. الغرافيتي، وإن كان فيه شيء من "جمالية الخراب" التي تعشقها الكاميرا، يومئ بالتأكيد إلى جوهر المأساة السورية.
صلاح جاهين: أحلام الملايين وأفراحهم

تبدو قصائد الشاعر صلاح جاهين الأقرب إلى وجدان المصريين، فهو وحده من استطاع أن يترجم مشاعر ملايين المصريين وأحلامهم وأفراحهم كلمات حية متوثّبة مليئة بالدفء والزهو والنشوة، ويتجلّى حضوره في الأعمال الغرافيتية سواء تلك التي كُتبت في الغرف الخاصة أو شوارع الثورة. أحدهم كتب في غرفته فوق سريره: "ياللي يبحث عن إله تعبده/ يبحث الغريق عن أي شيء ينجده/ الله جميل وعليم ورحمن ورحيم/ أجمل صفاته... وانت راح توجده/ عجبي!". خلال الثورة المصرية لجأ أحد الغرافيتيين إلى رسم متظاهر يعيد رمي قنبلة مسيلة للدموع على الشرطة، مرفقة برباعية لصلاح جاهين: "غمض عينيك وارقص بخفّة ودلع/ الدنيا هي الشابة وانت الجدع/ تشوف رشاقة خطوتك تعبـدك/ لكن انت لو بصيت لرجليك... تـقع/ عجبي!!".

ورسم شاب يطلق على نفسه "نيمو"، غرافيتي على مبنى محافظة الدقهلية يتضمّن صورة الإعلامي باسم يوسف وجزءاً من إحدى رباعيات جاهين: "قومتوا ليه، خفتوا ليه، لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس". الغرافيتي كان تضامنياً مع الإعلامي الشهير بسبب الحملات عليه، وقال نيمو: "ما يفعله باسم يوسف يستحقّ التقدير والاحترام والتكريم، لو كنا في بلد يحترم المواهب والفن ويقدر النقد، لكن للأسف في دولة الإخوان أصبح كل شيء ليس له قيمة". وأضاف: "من يعارض الرئيس والإخوان يصبح كافراً، ويستحقّ الجَلد أو القتل ولم أجد أكثر من رسم الغرافيتي للتعبير عن حالة باسم يوسف".

الأبنودي أيضاً حضر في الغرافيتي المصري، وحضوره أتى كتشجيع في التثوير الاجتماعي فنقرأ من قصائده العامّية على رسوم الجدران عبارات "لسّه النظام ماسقطش" و"الثورة مش حكي.. لا ملكك ولا ملكي".

 

 محمود درويش الأكثر حضوراً

وقبل مدّة، قدّم الفنان الفرنسي آرنست بينو رسماً جدارياً "أيقونياً" بالأبيض والأسود لصديقه الشاعر محمود درويش، يقف بكامل أناقته ووسامته وطلّته، مرتدياً بنطالاً أسود وقميصاً شبه أبيض. كأنه لم يغادر الحياة، أو كأنه يمشي باتجاه من ينظر إليه، وحول نظارته السميكة طيف من أحلام كبيرة.

حين رسم بينو صورة درويش في الأماكن العامّة بحجمه الحقيقي، كان قصده أن يبقيه جزءاً من المشهد اليومي الفلسطيني، لأنه (أي درويش) في رأي بينو "يوازي فلسطين وفلسطين توازي درويش"... لكنّنا لا ندري لماذا اختار الرسام الفرنسيّ صورة الشاعر لا شعره؟ كأنّ نجوميّة وجه الشاعر كانت أقوى من نجومية شعره بالنسبة إلى الفنان الآتي من فرنسا.

كثيرون من الفلسطينيين التقطوا صوراً تذكارية مع لوحة درويش الـ"بوب آرت"، وقد وزعها الفنان في أماكن متنوّعة، فيشاهدها المرء على الجدار العازل الذي بنتْه إسرائيل، وقرب المستوطنات، وفي الأسواق، وفي المخيّمات والقرى والمدن، وحتى في المتاجر، وذلك حتى تكتسب سياقات ومعاني مختلفة. صورة درويش لم تكن مجرّد غرافيتي أو "ستنسل" مصيرُه الزوال، بل كانت نموذجاً جديداً ومغايراً للرسم على الجدران، فآرنست بينو معروف عالمياً بتركيزه على المزاوجة بين اللوحة والمكان الذي تعرض فيه، وهو يجعل المرء يشتهي أن يلتقط صورة لرسوماته.

حضرت صورة درويش في رسم بينو الجداري، وحضر بعض شعره في غرافيتي العديد من الناشطين في لبنان والأردن وفلسطين وسورية الذين وجدوا فيه وسيلة للتعبير عن أنفسهم ومحيطهم. بعض الذين كتبوا قصائد لمحمود درويش على جدران مدينة رام الله وأماكن أخرى في فلسطين، يبدو أنّهم سمعوها بصوت الفنان مارسيل خليفة ولم يقرؤوها من خلال ديوان. فعلى أحد الجدران كتبت قصائد" في البال أغنية، يا أخت عن بلدي"، و"أحنّ إلى خبز أمي"، وثمّة من يختار جملاً لدرويش تكون بالنسبة إليه أقرب إلى الحكمة أو المبدأ مثل "وطني ليس حقيبة".

من بين الشعراء العرب يبدو محمود درويش الأكثر حضوراً في الغرافيتي الشعري لأسباب مختلفة ومتعدّدة، سياسيّة ورمزيّة وثقافيّة وأيديولوجية. فعدا حضور صورته كغرافيتي، يراوح انتقاء الغرافيتيين من شعره وفق مزاجيات مختلفة، بين مَن لديهم ذائقة شعرية ذاتية ومَن تأسرهم الكليشيهات والعبارات الطنانة. ثمّة من يختار جملاً لدرويش تكون بالنسبة اليه أقرب إلى الموقف الذي يعبّر عن الواقع الفلسطيني مثل "صامدون". ثمّة عبارات فيها بعض من ثقافة الحياة. فعلى أحد أسوار مخيّم البقعة في الأردن كتب أحد فناني الغرافيتي: "أريد قلباً طيّباً لأحشو بندقية"، و"على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة"، والجملة الأخيرة رسمت في أكثر من عمل وبأشكال مختلفة ومتباينة. ففي بيروت كتبها الفنان الشاب يزن حلواني حين رسم بورتريه لدرويش في منطقة فردان قبل أن يأتي أحدهم في الظلام ويطلي البورتريه، ولاحقاً كتبت مكانها عبارة "الزنى اجرام". لذلك قرّر يزن إعادة رسمها في تونس حيث قضى درويش جزءاً من حياته. تتميّز أعمال حلواني في أنها تجمع بين الخط العربي المنمّق والغرافيتي "الأيقوني"، محاولاً إعادة الاعتبار إلى الخط العربي قبل الغرافيتي.

ثمّة غرافيتيات درويشية يغلب عليها الطابع الشعري المحض، مثل "إنا نحب الورد لكنّا نحبّ القمح أكثر ونحب عطر الورد، لكن السنابل منه أطهر"، أو "تُنسى، كأنك لم تكن/ تُنسى كمصرع طائر/ ككنيسة مهجورة تُنسى،/ كحب عابر/ وكوردة في الليل تُنسى"، "تنسى كحب عابر، وكوردة في الثلج، تنسى فاعلم بأنك حرٌ وحيّ حينماتنسى" (من قصيدة "الآن، إذ تصحو، تذكر"). أو "أنت بداية روحي وأنت الختام" من قصيدة "يطير الحمام"، حيث تتنوع أشكال الغرافيتي التي تستوحي شعر درويش بين وضع صورته المألوفة أو وضع رموز من التراث الفلسطيني الشعبي.
 سراقب على موعد

غير أنّ حيطان بلدة سراقب شمال سورية، كان لها موعد دائم ومميّز مع قصائد درويش، وكان لتوظيف الشعر في الغرافيتي نكهة مختلفة، كأنّ من كان يكتب هناك لا يميل إلى الشعارات الشعرية والإيديولوجيا، بل كان أكثر حماسة لجمل تعبّر عن الذات والموت والحياة. استحضر ناشطو الثورة من ديوان "ورد أقلّ" قصيدة "ونحن نحب الحياة، إذا ما استطعنا إليها سبيلا"، خطّوها بألوان علَم الثورة، الأخضر والأبيض والأحمر والأسود. اختيار الكلمات الشعرية في المدينة السورية كان يأتي تبعاً لانعكاس الأحداث. في البداية كانت الثورة سلمية فكُتبت عبارة درويش التي تتغنّى بحب الحياة. لكن على رغم المناداة بالسلمية لم تنجُ الثورة من جحيم القتل النظامي وقد اختار السراقبيون من ديوان درويش "أوراق الزيتون" فكتبوا بالأحمر: "يحكون في بلادي، يحكون في شجن، عن صاحبي الذي غاب، وعاد في كفن"، و"أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كلّ الأزقة، ينشدون: صامدون، صامدون، صامدون"، و"ابتكرنا الياسمين، ليغيب وجه الموت عن كلماتنا".

كان لتوظيف شعر درويش في الغرافيتي نكهة خاصة مختلفة ربما بسبب كثرة الاختيارات وتنوعها، اذ تحوّلت بعض كلماته مثل "صامدون" و"حاصر حصارك" و"أحنّ إلى خبز أمي"، كليشيهات بسبب استعمالها السياسي والحزبي والثوري، أما معظم العبارات الأخرى فبقيت في إطارها الشعري، إذ بقي للجمل زخمها لأنّ فيها شيئاً من الغموض ومن تجربة درويش في مرحلة ما بعد القصيدة المباشرة المنغمسة في همّ القضية.

ثمّة غرافيتي يستحضر عبارة "مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟" من قصيدة "لاعب النرد" التي يرثي فيها درويش نفسه. لعابر أن يسأل ما دخل هذه العبارة الذاتية بـ"الثورة السورية"؟ الأرجح أنّ من يكتبها هو أكثر ثورية في طروحاته الفردية والأدبية، وهو لا يميل إلى الشعارات المباشرة والكليشاوية. فمثل هذه العبارة، حتى وإن كُتبت على جدار في إطار فن الشارع، تبقى نخبوية، ولا تفهمها إلّا قلة قليلة من المتابعين الفعليين لمسيرة الشاعر.

ولا يقتصر الأمر في سراقب على جملة واحدة، فشبّان الغرافيتي اختاروا عبارات لدرويش من ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" الذي يحضر فيه الموت بكل وطأته: "فافرح، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء، لأنَّ موتاً طائشاً ضلَّ الطريق إليك. من فرط الزحام، وأجّلك"، و"أنت تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ. لا تنس مَنْ يطلبون السلام". أشعار درويش على جدران سراقب، تنتمي إلى المعنى، وساهمت بشكل فاعل مع الرسوم الأخرى في كسر "السيطرة الغامضة" التي فرضتها ثقافة البعث من خلال نشر الصور التي تقدّس آل الاسد والحاكم. حين حضر شعر أمل دنقل ومحمود درويش على الجدران السورية، كان إشارة إلى تحوّل ما في الشارع السوري، حيث كان الإعلام السوري الأسدي يقصر الشعر على عبارة للجواهري في مديح الأسد: "سلاماً أيها الأسد"، ترد في موسيقى نشرات الأخبار البعثية.

درويش الذي كرّس الكثير من شعره للقضية الفلسطينية، حضر بقوة في الحراك السوري كأنّ كلّ القضايا تتشابه في لحظة الشدّة، وما قاله عن واقع فلسطين في محنتها، ينطبق على سورية التي تعيش أزمتها، فنجد أحد السوريين يختار عبارة "ذهب الذين تـحبهم ذهبوا/ فإما أن تـكـون أو لا تكون" ليكتبها على أحد الجدران، أو "عبارة "فأنت الآن حرّ فحرّ"، كأنّ هذه الجمل الشهيرة تعبّر عن كل شخص في هذا الشرق.

محمود درويش الذي باتت قصائده وصورته لوحاتٍ جدارية في الأماكن العامّة من نابلس إلى سراقب، لطالما كتب مواقفه الصارخة في وجه معنى الجدران السياسية التي زرعتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وفي قصيدة "لوحة على الجدار" يربط درويش الحائط بالموت الجماعي، يورد عبارات مثل: "كانت الجدران تستعصي على الفهم". ذلك الجدار السياسي الإسرائيلي الذي كتب عنه درويش تختلف معانيه عن الجدران التي يكتب عليها شباب الغرافيتي قصائد درويش نفسه، لكن ما يمكن قوله هو أن شباب الغرافيتي في رسوماتهم الجدرانية غالباً ما يطمحون إلى هدم جدران الخوف في أنظمة الطغيان.


 جدران لم تنسَ غسان كنفاني ولا سعيد عقل

يمكننا أن نضيف إلى شعراء الغرافيتي الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي عام ١٩٧٢ في منطقة الحازمية (شرق بيروت)، يعتبر الأكثر حضوراً في رسوم الغرافيتي من بين الأدباء العرب، خصوصاً في المخيمات الفلسطينية. يبدو بالنسبة إلى مريديه ذلك المناضل والسياسي قبل أن يكون أديباً له قصصه ورواياته.أحد أقوال كنفاني التي وظفت في الكتابات الـغرافيتية عبارة "لن أموت حتى أزرع في الأرض جنتي"، وهي كتبت في مخيّم الدهيشة الفلسطيني بصيغة أخرى "لن أرتدّ حتى أزرع في الأرض جنتي". باتت هذه العبارة الغيفارية شعاراً للحالمين بتحرير فلسطين، لكنّها لم ترقَ إلى مستوى عبارة "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" التي يعتبرها بعض النقاد أشهر جملة في الأدب الفلسطيني فضلاً عن كونها إحدى أكثر الجمل إثارة للجدل وهي وردت في رواية "رجال في الشمس" وباتت أشهر من الرواية نفسها، واختيرت لتكتب كغرافيتي على خزان مياه في مشهد رمزي.

من الرسوم الجدارية اللافتة في بيروت، غرافيتي للشاعر سعيد عقل في منطقة الجميزة - مار نقولا، لرسام جديد ربما نجهله حتى الآن. تنضمّ إلى سلسلة غرافيتيات المشاهير المنتشرة على جدران بيروت، واللافت أنّ الرسام بدأ متماهياً من جنون عظمة سعيد عقل وحبه لذاته، فاختار إلى جانب الرسم عبارة "سئل نزار قباني من أشعر شعراء العربية، فقال: سعيد عقل إذ قبل وإلا فالمتنبي".

هذه الرسوم القليلة والمتنوعة، أصبحت معالم سياحية وثقافية في مناطق بيروت وغيرها، تستقطب العديد من المهتمين والمثقّفين وبعضها أزيل بسبب التحوّلات السياسية والميدانيّة. هي لغة المدينة الجميلة والقابل للتحول.

إضافة تعليق جديد