مولد أُمَّة: ريتشارد زينيث (في سيرة فرناندو بيسوا)

مارس 28, 2017 اضف تعليق

ترجمة: أمير زكي

«كبيرة وضخمة هي النجوم،
كبير وضئيل هو القلب، وبإمكانه
أن يحمل أكثر من كل النجوم، كونه
بلا مكان؛ أعظم من السماء الواسعة»
من رباعيات بيسوا
على خطى رباعيات عمر الخيام




اسم فرناندو بيسوا الثاني صنع الكثير؛ هو الذي يعني بالبرتغالية "شخص". مشهور بتقسيم نفسه إلى حشد من الذوات الأدبية البديلة التي أطلق عليها «الشخصيات المستعارة» بدلاً من "الأسماء المستعارة"، وهبها سيراً ذاتية، ووجهات نظر دينية وسياسية، وأساليب كتابة متنوعة – زعم بيسوا أنه -وسط كل هذا العالم المولد ذاتياً- فهو الشخص الأقل واقعية بين الجميع. «لقد قسمت كل إنسانيتي وسط الكتاب المتنوعين الذين أخدمهم كمُنَفِّذ أدبي». هكذا يشرح بيسوا في إحدى الفقرات عن تكوين وتقييم أصدقائه الكتاب الخياليين. ثم يشرح أكثر في الفقرة نفسها: «أنا أوجد كنوع من الوسيط إلى نفسي، ولكني الأقل واقعية من الآخرين، الأقل جوهرية، الأقل شخصية، وأتأثر بسهولة بهم جميعاً». نقص أي يقين عمن هو -بغض النظر عن كونه نفسه- يمثل القضية الرئيسية في شعر بيسوا، وهو يستخدم الشخصيات المستعارة للتأكيد على انفصاله الذاتي الساخر. في قطعة نثرية موقعة باسم آلفارو دي كامبوس - المهندس البحري الداندي والأكثر إثارة بين الشخصيات المستعارة - نقرأ التالي: «فرناندو بيسوا، ولنتكلم بدقة، غير موجود».
اسم بيسوا الثاني - في ضوء الشكوك الذاتية الوجودية - يقدره الفرنسيون بشكل خاص، طالما أن كلمة "personne" لا تعني فقط "شخص" ولكن أيضاً، كما في جملة "Je Suis Personne" تعني"لا أحد". على أي حال فـ بيسوا كان -بشكل محدد جداً أو غير محدد جداً- شخصاً ما. وهذا الاسم الثاني الذي عنى "شخص" ليس هامشياً بالتأكيد بالنسبة إلى تعلقه ذي الهوس الأحادي بشخصيته، تعددها واستدامتها، خلال عمله الأدبي الكامل. أعني أن بيسوا الذي ربما وربما لا يؤمن بالله ولكنه يؤمن كثيراً بالقدر وبرموزه وإشاراته، كان عليه أن يكون على وزن اسمه، لقد كان اسمه مُحَدِّداً له.
أما الشيء المُحَدِّد أكثر فهو الوضع الثقافي والأسري الذي نما فيه بيسوا كشخص وكفنان. فمع هوسه الكامل بحياته الداخلية، كان واعياً تماماً بكون الأحداث الخارجية التي تُشَكِّل وتُحَدِّد ما نحن عليه داخلياً. في قطعة نثرية معنونة بـ "البيئة" موقعة باسم كامبوس ومنشورة عام 1927 لاحظ: «المكان يكون على ما هو عليه بسبب موضعه. حيثما نكون هو ما نحن عليه». ولكن بينما أدرك الدور المُحَدِّد للبيئة، فـ بيسوا مع ذلك لم يكن حتمياً صارماً. في النسخة الطويلة من القطعة المذكورة كتب: «الرجل الذي قفز من فوق الجدار كان لديه جدار ليقفز من فوقه». الجدار -بكونه شرطاً ضرورياً- كان بهذا المعنى مُحَدِداً، ولكنه ليس مُجبَراً، طالما استطاع الرجل أن يختار إن كان عليه أن يقفز أم لا.
عبقرية بيسوا الخاصة يمكن شرحها جزئياً على الأقل ببيئتين شكلتاه – لشبونة، حيث قضى السنوات السبع الأولى من حياته وكل حياته الناضجة، ودربان، بجنوب أفريقيا، حيث عاش طوال أعوامه المُشَكِّلة عاطفياً وفكرياً، من سن السابعة وحتى السابعة عشر. شخصية بيسوا الأساسية تشكلت بلا شك قبل أن ينتقل مع أمه من لشبونة إلى دربان، ولكن الناتج الأدبي كان نتيجة واضحة لهذا اللقاء أو الصراع بين هاتين البيئتين ولغتيهما المختلفتين، وثقافتيهما المختلفتين. كأن الثقافة الإنجليزية –ودربان في هذا الوقت كانت ذات تقليد إنجليزي مكتمل أكثر من إنجلترا نفسها– هي الجدار الذي قفز فوقه بيسوا الشاب المتحول، بينما ظل أبداً برتغالياً بشكل كبير.

ولد فرناندو آنتونيو نوجويرا بيسوا في 13 يونيو عام 1888، يوم عيد القديس آنتوني، ويوم الإجازة الرسمية في لشبونة، حيث تُنَظَّم الاحتفالات الحاشدة على شرف القديس وشرف المدينة نفسها. عيد القديس آنتوني هو عيد لشبونة، ولا يوجد عيد ميلاد يمكن أن يكون أكثر ملائمة لـ بيسوا، الذي كان كاتب مدينته الأساسي؛ حتى يمكنني أن أجادل أنه كذلك أكثر من كون كافكا كاتب براغ، أو كون جويس كاتب دبلن؛ فعلى الرغم من أن كافكا قضى حياته كلها في براغ، فالمدينة غير محسوسة كثيراً في كتاباته، باستثناء اليوميات. جويس في المقابل كتب بهوس عن مسقط رأسه، ولكن من ذاكرته، هو الذي قضى فيها وقتاً قليلاً جداً في سنوات نضجه. بيسوا لم يترك لشبونة سوى نادراً كناضج، وكتب عن المدينة بشكل مباشر (خاصة في "كتاب اللاطمأنينة") ومن خلال الذاكرة المتخيلة، خلال صوت آلفارو دي كامبوس المتحرر، الذي كتب في زياراته المتكررة إلى بريطانيا (التي من المفترض أنه كان يعيش فيها) قصيدتي "زيارة لشبونة من جديد" (1923) و"زيارة لشبونة من جديد" (1926)، المشبعتين بالنوستالجيا، وهما من أقوى قصائده.
كل من أبوي بيسوا أنمى تطوره الثقافي. كانت الأسرة تعيش في مواجهة دار الأوبرا بلشبونة، وربما حضر بيسوا كطفل صغير عرضاً أو اثنين مع أبيه؛ الناقد المولع بالموسيقى إلى جانب كونه موظفاً حكومياً. أُم بيسوا -وهي من جزر الآزور- كانت متعلمة بشكل جيد وعلمت ابنها ليقرأ ويكتب في سن صغيرة جداً. ولكن في النهاية فسنوات بيسوا المبكرة في لشبونة تميزت أيضاً بالفقدان والانفصال؛ توفى أبوه من السل في الشهر الذي تلي عيد ميلاده الخامس وبعد ستة أشهر توفى أخوه الرضيع، بين الوفاتين انتقلت الأسرة إلى مجاورات أصغر. في العام التالي قابلت أم بيسوا زوجها الثاني؛ الضابط البحري الذي ترك لشبونة بعد عدة أشهر لحصوله على وظيفة في موزمبيق، وبعد ذلك أصبح القنصل البرتغالي في دربان؛ عاصمة مستعمرة ناتال الإنجليزية بجنوب أفريقيا.

منظر أمه التي تنتقل إلى أفريقيا لتعيش مع زوجها المستقبلي بالنسبة لـ بيسوا الذي ربما ظل مع أقاربه دفعه لكتابة قصيدته الأولى، في يوليو عام 1895:

«إلى أمي العزيزة

أنا هنا في البرتغال
في الأراضي التي ولدت فيها.
ومع كثرة حبي لها
فأنا أحبك أكثر».

الرباعية التي تُقتَبَس عادة كتعبير على إخلاص بيسوا البنوي، تدل أيضاً على عاطفته غير العادية لموطنه –"غير عادية" طالما أن ذا السبعة أعوام الذي تنحصر معظم علاقاته الشخصية غالباً مع عائلته المباشرة لا يمكن أن تتوقع منه كثيراً بأن تكون لديه فكرة واضحة عما هو الوطن، وأكثر من ذلك أن يكون مرتبطاً به. بيسوا خلال حياته وعلى الرغم من أنه سينتقد البرتغاليين لكونهم منتمين للمقاطعات وأفسدوا القادة السياسيين والنظام السياسي البرتغالي، كان وفياً بحدة لمسقط رأسه.
في فبراير عام 1896، وصل بيسوا وأمه التي تزوجت ورقياً من زوجها الثاني من شهرين إلى دربان، حيث التحق الصبي بمدرسة ابتدائية تديرها راهبات أيرلنديات وفرنسيات. بعد ثلاثة أعوام التحق بمدرسة دربان العليا، حيث تلقى تعليماً متطلباً ومن الدرجة الأولى. بيسوا رغم كونه أجنبياً، بدا طالبا متميزاً، وعندما التحق باختبار القبول في جامعة رأس الرجاء الصالح، عام 1903، فاز بجائزة الملكة فكتوريا لأفضل مقال بالإنجليزية - كان هناك 899 متقدماً.
تجربة بيسوا الأفريقية كانت تجربة كتابية في الأساس. وعلى الرغم من أن زملاءه في الفصل أحبوه كثيراً إلا أنه لم يشارك في الرياضة أو يكوِّن الكثير من الصداقات، ولا يبدو أن مدينة دربان ولا الريف المحيط بها قد تركا أثراً كبيراً عليه. من ضمن مئات القطع الأدبية التي كتبها خلال حياته الناضجة، لم يشر إلى أفريقيا بوضوح أبداً حتى عام وفاته، عندما كتب قصيدة "Un Soir à Lima"، التي تستدعي أمه وهي تلعب على البيانو في المنزل في دربان، مستمعاً إليها وهو بجانب النافذة، بينما يحدق بالخارج في المساحة الأفريقية الشاسعة التي يضيئها القمر. ما أحاط بيسوا، رغم كونه يعيش في أفريقيا، كان غالباً الأدب الإنجليزي: شكسبير وميلتون والشعراء الرومانتيكيين – شيلي، بايرون، كيتس، وردزوورث – وديكنز وكارليل في النثر. وهو أيضاً أعجب بـ بو.
قريباً جداً أصبح بيسوا يكتب بالإنجليزية. ما "حفظه" للأدب البرتغالي كانت رحلة إلى البرتغال استمرت لسنة وشملت الأسرة –بيسوا، أمه وزوج أمه، وبعض الأطفال الذين ولدوا للزوجين الجديدين– في عام 1901-1902. هناك كتب بيسوا قصائده المعروفة الأولى بالبرتغالية (إلى جانب الرباعية المذكورة الموجهة إلى أمه)، واحدة منها نشرت في جريدة "لشبونة" عام 1902. في كل من لشبونة وجزيرة تيرسيرا -حيث اتجهت الأسرة لزيارة خالة بيسوا، الشاب الصغير، الذي وجد أمامه فجأة الكثير من الوقت بدون واجبات مدرسية ليعمل عليها- بدأ بيسوا في صناعة جرائد مفصلة مشابهة للواقعية تضم أخباراً ونكاتاً وتعليقات وقصائد منسوبة لصحفيين خياليين، وصنع للعديد منهم سيرا ذاتية تخصهم.
عندما عاد إلى دربان، ابتكر بيسوا في سن الخامسة عشر أو السادسة عشر شخصية تشارلز روبرت آنون -أول أنا بديلة- ليوقع به كمية كبيرة من الكتابات الإبداعية التي تضم القصائد والقصص القصيرة والمقالات. وسريعاً ما انضمت لهذه الشخصية المستعارة الثانوية الشخصية الأكثر خصباً آلكسندر سيرش، سواء كان ذلك بينما بيسوا في دربان أو بعد فترة قصيرة من عودته النهائية إلى لشبونة في خريف 1905. سيرش -الذي كتب أيضاً بالإنجليزية- كان من المفترض أن يكون قد ولد في لشبونة في اليوم نفسه مثل بيسوا، وهو عبر مثله مثل آنون عن الاهتمامات العقلية والقلاقل الوجودية لشاب على عتبة التحوّل إلى ناقد. ومن المؤكد أن بيسوا ظل إلى الأبد على هذه العتبة. بدلاً من أن ينزل إلى شؤون الحياة العملية، استمر في مصارعة المشكلات النظرية والأسئلة الكبرى: وجود الله، معنى الحياة ومعنى الموت، الخير في مواجهة الشر، الواقع في مواجهة المظهر. فكرة (أليست مجرد فكرة؟) الحب، حدود الوعي، وهكذا، كل ذلك كان مغذياً ثرياً لأشعاره، يتقدم في عالم الأفكار أكثر منه الأفعال الواقعية.
في ديسمبر عام 1904، مر بيسوا باختبار الآداب المتوسط وتلقى الدرجة الأعلى في ناتال، تلك التي كانت ستهبه منحة حكومية ليدرس في أكسفورد أو كامبريدج، ولكن كانت هناك عقبة: المتقدمون كان عليهم أن يقضوا السنوات الأربع السابقة في مدرسة ناتال. وبسبب رحلة لشبونة في 1901-1902 لم يعد بيسوا مؤهلاً. وبدلاً من الذهاب إلى إنجلترا، عاد ذو السبعة عشر عاماً الأكبر من سنه إلى لشبونة، حيث درس الأدب في الكلية لحوالي سنتين قبل أن يرفت. لم يحصل على درجات أكاديمية؛ لم يلتحق بامتحانات السنة الأولى بسبب المرض، والسنة الثانية بسبب إضراب الطلبة. أثناء وجوده في الكلية وبعدها كان يقضي ساعات طويلة في المكتبة الوطنية يدرس الفلسفتين اليونانية والألمانية، والأديان العالمية، وعلم النفس، والفكر التطوري (الثقافي والاجتماعين أكثر من البيولوجي). كان يقرأ الكثير من الأدب الغربي، خاصة بالفرنسية (هوجو، بودلير، فلوبير ورولينا، من ضمن الآخرين)، والإنجليزية والبرتغالية، وقراءاته بهذه اللغة الأخيرة ملأت فراغاً حقيقياً في تعليمه الجنوب أفريقي.

كتب بشكل مستمر: الشعر والنثر وفي الفلسفة وعلم الاجتماع والنقد الأدبي. خلال السنوات الأولى في محيط موطنه كتب أحياناً بالبرتغالية، ولكن كتب أكثر بالفرنسية (الشخصية المستعارة الفرنسية الوحيدة لدى بيسوا كانت جان سول التي ظهرت عام 1907)، ولكن معظم ما كتبه كان بالإنجليزية. طموح بيسوا -حتى بعدما عاد إلى لشبونة- كان أن يصبح شاعراً عظيماً بالإنجليزية، واستمر في كتابة قصائد بهذه اللغة حتى قبل أسبوع واحد من وفاته. في عام 1917، قدم مجموعة بحجم كتاب من الشعر -"العازف المجنون"- إلى ناشر في لندن رفضها فوراً، ولكن واحدة من قصائد الكتاب ظهرت بعد ثلاثة أعوام في المجلة ذات السمعة الحسنة "آثينايوم". في عام 1918 نشر بيسوا لنفسه كتابين صغيرين من الأشعار الإنجليزية، مع إثنين آخرين في عام 1922، وتلقت تلك مديحاً حذراً من الصحافة البريطانية. عن كتابه "35 سونيتة" (1918)، أشارت ملاحظة بملحق التايمز الأدبي: «قدرة السيد بيسوا في الإنجليزية أقل قيمة من معرفته بالإنجليزية الإليزابيثية... السونيتات... ستهم الكثيرين بسبب شكسبيريتها المتطرفة شكسبيرياً، والخدع التودورية المتعلقة بالتكرار والتضمين والتناقضات بالإضافة إلى أهمية ما تقوله». جريدة "جلاسجو هيرالد" كانت مجاملة أيضاً، ولكنها أشارت: «سوء محدد في الخطاب، بسبب تقليد حِيَل شكسبير».
إنجليزية بيسوا كانت إنجليزية الكتب التي يقرأها، وهذا تضمن الروائيين المعاصرين، مثل ه. ج. ويلز، سير آرثر كونان دويل وو. و. جاكوبز، ولكنه افتقد الطبيعة الفجة للسان الأم. إنجليزيته، رغم أنها كانت بارعة بالمعنى الأدبي للكلمة، كانت إنجليزية تخصه -أكثر أدبية و قديمة إلى حد ما، وعادة فتنوعها رسمي بالنسبة للغة. الشعر الذي كتبه كان ممتعاً بسبب الأفكار والمشاعر التي يتضمنها، مثلما كان كذلك بسبب الاستخدام المهاري للتقنيات، ولكن مثله مثل البيانو الذي يعزف خارج النغمة، أو الكاميرا غير المركزة، فإنجليزية بيسوا كانت تحتوي تشويهاً طفيفاً أفسد التأثير الكلي.
اللغة الإنجليزية زودت بيسوا بدخل متواضع ولكن مُعتَمَد عليه، هو الذي كان يأكل عيشه بترجمة وكتابات خطابات بالفرنسية والإنجليزية للشركات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية التي تعمل بالخارج. هو أيضاً حاول أن يقوم بعمل بمفرده، أساساً كوكيل لشركات المناجم البرتغالية التي تبحث عن استثمار أو رأسمال من بريطانيا أو أي مكان آخر، ولكن لا يبدو أنه استطاع أن يحصل على أي صفقة مربحة.
على أي حال فالإنجليزية ساعدت بيسوا بأفضل شكل في النثر الذي كتبه بالبرتغالية. إن كان الأدب الأنجلو أمريكي أثر فيما كتبه بيسوا، فاللغة الإنجليزية نفسها أثرت في كيفية كتابته. الإنجليزية تميل أكثر من اللغات الرومانسية لتكرار الكلمات –من أجل الوضوح، من أجل الاستقامة البنائية، والتأثير البلاغي– وبيسوا تبع هذا الاستخدام في البرتغالية (في "كتاب اللاطمأنينة" على سبيل المثال). وبينما تُوَظِّف سونيتات بيسوا الإنجليزية نحواً معقداً مستمداً من النماذج الإليزابيثية، فالإنجليزية الحديثة ألهمت التعبير المباشر الذي يصف الشعر المنسوب إلى آلبرتو كاييرو وآلفارو دي كامبوس.
بعد موجة الإبداع الشعرية الأولى لـ بيسوا بالبرتغالية، مع حوالي دستة قصائد متبقية تعود إلى سنتيه الثالثة عشر والرابعة عشر، لم يعد لكتابة الشعر بلغته الأم (باستثناء نماذج شاذة هنا أو هناك) حتى اقترب من عمر العشرين، بعد ثلاثة أعوام من العودة إلى لشبونة. مع عام 1911 ربما كان يكتب أشعاراً بالبرتغالية بقدر الأشعار الإنجليزية، في العام التالي نشر، في مجلة مؤسسة بأوبرتو، مقالين طويلين عن وضع الشعر البرتغالي الحديث من المنظورين الاجتماعي والنفسي. ثم عاد بيسوا لنفسه. عام 1913 نشر قطعته الأولى من النثر الإبداعي؛ فقرة من "كتاب اللاطمانينة"، الذي سيعمل عليه لبقية حياته، وفي عام 1914 نشر بالبرتغالية أشعاره الأولى كناضج. وهذا هو العام الذي ولد فيه أعظم شعراء البرتغال في القرن العشرين: آلبرتو كاييرو، آلفارو دي كامبوس، ريكاردو ريس، وفرناندو بيسوا نفسه.
ألبرتو كاييرو، الذي انبثق من روح بيسوا في نهاية شتاء عام 1914، عاش في الريف، بدون أي تعليم رسمي، وقال إنه يريد رؤية الأشياء على ما هي عليه، بدون أية فلسفة:

«الذي يهم هو أن تعرف كيف ترى،
أن تعرف كيف ترى بدون التفكير،
أن تعرف كيف ترى بدون الرؤية،
وألا تفكر أثناء الرؤية،
وألا ترى أثناء التفكير».

زعم كاييرو أنه «شاعر الطبيعة الوحيد»، ولكن رؤيته عن الطبيعة كانت مثالية، وتقديره لها كان مجرداً، وشعره كان غالباً فلسفة خالصة. أن تتكلم عن رؤية الأشياء بشكل مباشر فهو مساو بألا تراها بشكل مباشر فيما بعد. كاييرو كان لحظة النيرفانا الشعرية، استحالة ملفوفة بأبيات روحانية ذات جمال نادر وكريستالي. دعاه بيسوا بالأستاذ وقال –بعد عشرين عاماً– إن آلبرتو كاييرو "ظهر" بداخله في 8 مارس عام 1914، هذا "اليوم المنتصر" في حياته، الذي كتب فيه مرة واحدة «في نوع من "النشوة" من ثلاثين إلى خمس وأربعين قصيدة كونت ديوان "راعي القطيع"؛ عمل كاييرو (وبيسوا) الشعري الأكثر جلالاً. عرفنا من المسودات أن هذه القصة ليست صحيحة تماماً، ولكنه كتب ما يقرب من ثلاثين قصيدة في خلال أسبوعين من مارس في هذا العام، والقصائد اللاحقة التي كتبت باسم كاييرو نادراً ما وصلت للوضوح الذهبي البادي في هذا الفيض المبدئي.
"وُلِد" في 16 أبريل عام 1889، كان كاييرو بأشكال عدة إشارة إلى صديق بيسوا الأقرب الكاتب ماريو سا كارنيرو (1890-1916). كاييرو [Caeiro] هو كارنيرو [Carneiro] (الكلمة البرتغالية من "خروف") بدون الـ "Carne" أو "اللحم"، وآلبرتو كاييرو حسب مهنته كان راعياً مثالياً «أنا لم أرع أبداً الخراف، ولكن يبدو الأمر وكأنني فعلت ذلك» كما يشرح في بداية "راعي القطيع". كان برجه -بشكل تلقائي بما يكفي- هو الحمل. انتحر سا كارنيرو عام 1916، قبل عدة أسابيع من عيد ميلاده السادس والعشرين، وآلبرتو كاييرو -وفقاً لـ "سيرته الذاتية"- مات شاباً أيضاً، في عمر السادسة والعشرين، من جراء السل، كتب بيسوا عن كلاهما: «هؤلاء الذين يحبهم الله يموتون شباباً».
لم يُفهم كاييرو فقط كـ "شاعر الطبيعة"، ولكن أيضاً كحداثي متعدد الآراء، وقد كتب قصائد "تقاطعية" مستلهمة من التكعيبية وخَطَّط لسلسلة من "الأناشيد المستقبلية". ولكن القصائد التقاطعية في النهاية نسبت إلى بيسوا نفسه، والطموحات المستقبلية انتقلت إلى ألفارو دي كامبوس، الذي أوجِد في بداية يونيو عام 1914، كمنبثق من آلبرتو كاييرو. العلاقة العضوية بين الاثنين انعكست في اسميهما المتشابهين، وليس الأمر كذلك فحسب فـ "دي كامبوس" تعني "من الحقول": جاء آلفارو من الحقول حيث وجَه آلبرتو مخيلته أو قطيعه المجازي.

ولد كامبوس وفقا للسيناريو في آلجارف[1]عام 1890، درس الهندسة البحرية في جلاسجو، ارتحل إلى الشرق، وعاش بضعة أعوام في إنجلترا حيث كان يطارد الشباب والفتيات، ثم عاد أخيراً إلى البرتغال، واستقر في لشبونة. قصائد كامبوس المبكرة -كـ "النشيد المنتصر"- احتفت بالآلات والعصر الحديث بحيوية راسخة وصاخبة. قصائده المتأخرة كانت أقصر وكئيبة في نغمتها، ولكن قناعة كامبوس الأساسية استمرت:

«أن تشعر بكل الأشياء بكل الطرق،
أن تعيش كل الأشياء من كل الجهات،
أن تكون الشيء نفسه بكل الطرق الممكنة في الوقت نفسه،
أن تدرك في نفسك كل الإنسانية في كل لحظاتها،
في لحظة مبعثرة، مبالغة، كاملة، منفصلة واحدة».

آلفارو دي كامبوس كان أكثر الشخصيات المستعارة شعبية، عبر عن آرائه في الشئون السياسية والأدبية في المقالات والحوارات المنشورة (ظاهرياً بمساعدة بيسوا) في مجلات لشبونة. كان مولعاً بمعارضة آراء خالقه، الذي انتقده لأنه ذو ذهن عقلاني جداً، مع «هوس بتصديق الأشياء الممكن إثباتها»، كان يستمتع أيضاً بالتدخل في حياة بيسوا الاجتماعية. كان يحل محل فرناندو في المواعيد مما يسبب الانزعاج والضيق لهؤلاء الذين لا يتسلون بمثل هذا العبث.

ريكاردو ريس، الثالث في ثالوث شخصيات بيسوا المستعارة مكتملة النضوج، ظهر أيضا في يونيو عام 1914، ربما بعد عدة أيام من آلفارو دي كامبوس. طبيب ومهتم بالكلاسيكيات، دعاه بيسوا بـ «هوراس اليوناني وهو يكتب بالبرتغالية»، ألف ريس أناشيد موزونة غير مقفاة عن تفاهة الحياة والحاجة لقبول قدرنا:

«طالما لا نفعل شيئاً له قيمة،
في هذا العالم المرتبك سواء بقي أو فني،
وحتى ما هو مفيد لنا نخسره،
سريعاً جداً، في حيواتنا،
إذن دعنا نفضل لذة اللحظة
على الاهتمام العبثي بالمستقبل...»

ولد ريكاردو ريس، وفقاً لخالقه، عام 1887 في أوبرتو، التي أصبحت نقطة تمركز القوى الملكية المتبقية بعد تأسيس الجمهورية البرتغالية، عام 1910. عام 1919 استولى الملكيون على أوبرتو ولكنهم هزموا سريعاً، عند هذه النقطة هرب ريس –المتعاطف مع الملكية (اسمه الثاني يعني "ملوك")- إلى البرازيل، حيث يفترض أنه عاش لبقية حياته، على الرغم من أن هناك أوراقاً –ضمن آلاف الأوراق التي تركها بيسوا بعد وفاته– تحتوي على عنوان د. ريس في بيرو.

كل الشخصيات المستعارة الثلاث كانت تعبيرات عن "الشعورية"، وهي واحدة من الاتجاهات الأدبية (كالتقاطعية المذكورة) التي ابتكرها بيسوا، واعتنقها أصدقاؤه الكتاب الحداثيين. في فقرة موقعة باسم توماس كروس –الناقد والمترجم الإنجليزي المتخيل الذي خلق بعد عام أو اثنين بعد كاييرو وريس وكامبوس– ميز بيسوا بدقة بين الشعراء الثلاث وأنواع الشعورية التي مثلوها: «كاييرو له مبدأ واحد: يجب أن يتم الشعور بالأشياء على ما هي عليه. ريكاردو ريس لديه نوع آخر من المبدأ: الأشياء ينبغي الشعور بها، ليس فقط على ما هي عليه، ولكن أن تضعها أيضاً تحت قانون أو معيار له مثال كلاسيكي محدد. أما عند آلفارو دي كامبوس فالأشياء يجب أن يتم الشعور بها ببساطة».
عام 1914 كان نقطة تحول في شعر "الاسم الحقيقي" الذي وَقَّع بنفسه فرناندو بيسوا، ولكنه لم يكن الشخص نفسه، أو بيسوا بلحمه ودمه، المعروف أنه يعيش مع خالته آنيكا. آلفارو دي كامبوس قال إنه قابل بيسوا الاسم الحقيقي بعدما قابل كاييرو عام 1914 وسمعه يتلو "راعي القطيع" مختبراً "صدمة روحية" أدت إلى ظهور أكثر أعماله أصالة حتى الآن.
فيما وراء كل التخييل الذاتي الذي أدى في الحقيقة إلى تحول أو ذروة عميقة في فن بيسوا الأدبي، كان كاييرو وكامبوس وريس هم النتيجة الأكثر ظهوراً لهذا التحويل، لأنهم قدموا شيئاً جديداً تماماً، ولكن فكرة الشخصية المستعارة نفسها لم تكن جديدة؛ فبجانب الشخصيات المستعارة المذكورة التي كتبت بالإنجليزية والفرنسية، فقد ابتكر بيسوا في شبابه العديد من الصحفيين البرتغاليين–د. بنكراسيو، وجودنسيو نابوس– كتبوا خارج صفحات الجرائد التي بدأ "عملهم" فيها، السيد نابوس ظل "نشطاً" حتى عام 1913 على الأقل، وفيسينت جويديس، أول شخصية مستعارة تكتب البرتغالية بكثافة تم ابتكاره بالفعل عام 1908. الشخصية المستعارة في الحقيقة، تعود إلى طفولة بيسوا، الذي كتب في عامه السادس خطابات لنفسه موقعة باسم شخص يدعى شوفالييه دو با.
وصف بيسوا مشروعه الفني كـ «دراما مقسمة إلى أشخاص بدلاً من فصول». بكلمات أخرى هو خلق مجموعة من الشخصيات ولكن بدون مسرحية ليمثلوا فيها، ما لعبوه بشكل مؤكد هو الحياة التي اختار خالقهم الخجول المنطوي ألا يعيشها في العالم الفيزيقي. يشرح في فقرة من "كتاب اللاطمأنينة": «أنا خلقت العديد من الشخصيات بداخلي». «كل حلم من أحلامي، في اللحظة التي أحلم بها فيه، يتجسد فوراً في شخص آخر، الذي يكون بالتالي الشخص الذي يحلم، وليس أنا. من أجل أن أُخلَق فقد دمّرت نفسي... أنا خشبة مسرح خالية حيث يمثل العديد من الممثلين مسرحيات عديدة».
لا عجب إذن أن بيسوا -الذي اعتبر نفسه «كاتباً مسرحياً أساساً»- قد أعجب بـ شكسبير وميلتون (الذي يعتبر عمله "الفردوس المفقود" عملياً دراما شعرية) على حساب كل الكتاب الآخرين. نشر بيسوا مسرحية قصيرة روحانية تدعى "البحار" [O Marinheiro] وصنفها على أنها "دراما استاتيكية" وترك مجموعة من المسرحيات غير المكتملة بالبرتغالية والإنجليزية، ولكنها مسرحيات "استاتيكية" فحسب، حيث لا يُتوقع حدث، ولكنها مسرحيات مثيرة للاهتمام. مثله مثل روبرت براونينج -الشاعر الذي قرأه وقدّره كثيراً- فـ بيسوا استخدم غرائزه الدرامية بشكل أفضل في شعره. ولكنه تجاوز الشاعر الإنجليزي، لأن شخصياته الدرامية تعدت كونها ذوات شعرية؛ لقد جعلهم شعراء شبه مستقلين.
كل هذا يصبح أكثر إثارة للدهشة عندما نحفر بشكل أعمق في نسق الشخصيات المستعارة الذي تَضَمَّن مُنَجِّماً، مُكَرَّساً، فيلسوفاً، عدة مترجمين، كتاب يوميات، نبيلاً أقدم على الانتحار، فتاة حدباء تموت من السل. إلا أنني لم أشرح بعد (إن كان بإمكاني الشرح) ما أدى لانفجار 1914 الذي حول بيسوا إلى كاتب عظيم. لقد ذكرت المدى الواسع من الأدب والتعلم الذي امتصه الكاتب قيد التحقق كطالب بالمدرسة وكشاب، وأثناء وبعد التحاقه القصير بالجامعة، وعلينا أن نضيف إلى هذه المكونات الرمزيين الفرنسيين (مالارميه، فيرلين، رامبو وميترلينك البلجيكي الذي يكتب بالفرنسية)، الذي قرأهم فيما بين عامي 1909 و1912. في هذا الوقت أيضاً اتجه بيسوا نحو الشعر البرتغالي، من تعبيراته المبكرة في أغاني التروبادورات[2] في القرن الثالث عشر (بعضها تمت ترجمته إلى الإنجليزية) إلى الأعمال المعاصرة لـ تيشيرا دي باسكاس (](1877-19523] وشعراء "حركة سودوسيستا" الآخرين، الذين أعلنوا عن النوستالجيا الوطنية كقيمة روحية وطاقة خلاقة. ولكن في النهاية ما أجج الخليط المعقد للتحصيلات الأدبية واللغوية، واستثار نوعاً من رد الفعل الخيميائي كان والت ويتمان؛ يمكن الجدل أنه المؤثر الأعظم على شعر بيسوا، وبشكل أعمق على بيسوا كفنان.
ولكن الأمر ليس كما افترض العديد من النقاد، أن بيسوا كان "ابناً" للشاعر الأمريكي. تأثير ويتمان مميز وواضح في شعر آلبرتو كاييرو وآلفارو دي كامبوس ولكن كلا من الشخصيتين المستعارتين ليستا فقط مستلتين منه، لأنهما لم يكن يمكن أن يوجدا بدون المدخلات العديدة الأخرى من خلفية بيسوا الأدبية الثرية. وعلى الرغم من ذلك يبدو أن ويتمان توظف كمدخل لينفتح مشروع بيسوا وقوة شخصيته. قصيدة "أغنية لنفسي"[4]هي أغنية للعالم كله –يتم الشعور وتجسيد العالم بداخل الذات– وكانت هذه الجرأة وهذه الجسارة هي التي استثارت بيسوا وعالم شخصياته المستعارة، التي كان من الممكن ألا تكون رغم ذلك سوى ظاهرة سيكولوجية مثيرة للفضول وتدريب أسلوبي، بدون نتيجة أدبية واقعية. أشار بيسوا لهذا القَدَر في المقال المكون من جزئين «ملاحظات من أجل استطيقا لا أرسطية» المُوَقَّع باسم ألفارو دي كامبوس والمنشور عام 1925؛ يدافع المهندس البحري في المقال عن استطيقا مبنية على القوة الداخلية الشخصية –قوة الشخصية– أكثر من الجمال الخارجي والآني، فن مبن على المشاعر أكثر من الذكاء. ينتهي المقال بالتأكيد الشديد على أنه «حتى الآن... هناك فقط ثلاثة تعبيرات حية فقط عن الفن غير الأرسطي. الأول هو القصائد الرائعة لـ والت ويتمان؛ الثاني القصائد الأكثر روعة لأستاذي كاييرو؛ الثالث هو النشيدين –"النشيد المنتصر" و"النشيد البحري"– اللذين نشرتهما بمجلة "أورفيو"».
"أورفيو" كانت جريدة أدبية أنشأها بيسوا وصديقه ماريو دي سا كارنيرو وكتاب مهمون آخرون عام 1915. قدمت بظهورها القصير –لم ينشر منها سوى عددين– الحداثة إلى البرتغال. العديد من أعضاء المجموعة كانوا على اتصال مع التكعيبيين والمستقبليين في باريس، بينما تابع بيسوا -من خلال قراءاته- التيارات الأدبية الحديثة في بريطانيا وأسبانيا وفرنسا وأماكن أخرى (على سبيل المثال حصل على نسخ من جريدة "بلاست" الجريدة الدوامية[5]التي نشر فيها عزرا باوند قصائد عام (1914). أثارت "أورفيو" ردود فعل غاضبة وساخرة في الصحافة والوسط الثقافي، ولكن عبقرية عمل بيسوا تم التعارف عليها بشكل كبير.
عام 1917 نشر بيسوا -باسم ألفارو دي كامبوس- بياناً مثيراً في العدد الوحيد من جريدة "برتغال فوتوريستا"، التي صادرها البوليس من على أرفف بائعي الجرائد؛ دعمت البرتغال الحلفاء في الحرب، وبينما لم يكن مانيفستو بيسوا -كامبوس العنيف مؤيداً للألمان، فقد حمل انتقادات للبريطانيين والفرنسيين وقادة الحلفاء بالقدر نفسه الذي انتقد فيه فيلهلم الثاني وبسمارك. وبعد انتقاد الزمن المعاصر بسبب «عدم قدرته على خلق أي شي عظيم». دعا مانيفستو كامبوس إلى «إلغاء دوجما الشخصية» وأكد على أن «لا ينبغي على الفنان أن تكون لديه شخصية واحدة فحسب طالما أن "الفنان الأعظم" سيكون الشخص الذي لا يُفرِط في تحديد نفسه والذي يكتب معظم الأنواع الأدبية بأكبر قدر من التناقضات والتعارضات». بكلمات أخرى فالفنان الأعظم ستكون لديه شخصيات متعددة، ("خمسة عشر أو عشرين" هكذا يشرح المانيفستو) كـ فرناندو بيسوا.
هذه لم تكن المرة الأولى التي يتنبأ فيها بيسوا أو يعلن عن عظمته الفنية؛ في مقالات عن الشعر البرتغالي نشرها عام 1912، تصور البزوغ المتضمن لـ "شاعر عظيم" سيتجاوز لويش دي كامويش[6]؛ المعروف عالمياً كشاعر البرتغال الأول. من الواضح أن بيسوا كان يعد المسرح بشكل مسبق من أجل دخوله الكبير (أو دخولاته، لوجود عدة شخصيات مستعارة). ولكن العظمة الشخصية، في شكل اللا أخلاقية الأدبية، كانت فقط جزءا من حلمه. في ملحق لهذه المقالات -كتلك التي نشرت عام 1912- تنبأ بيسوا أيضاً بالفجر في البرتغال، بـ "نهضة جديدة" ستنتشر من حدود البلد حتى بقية أوروبا، كما كانت النهضة الإيطالية من عدة قرون مضت.
سيصوغ بيسوا فيما بعد رؤيته عن النهضة البرتغالية بداخل نسق "الإمبراطورية الخامسة"، بفهم جديد للنبوءة القديمة، من الإصحاح الثاني من سفر دانيال. تفسير النبي لحلم نبوخذ نصر[7]، ملك بابل، يتم فهمه تقليدياً على أنه تاريخ الإمبراطوريات العسكرية العظيمة في العالم الغربي –البابلية، الفارسية، اليونانية، الرومانية، في حين أن الخامسة تفهم عادة على أنها الإمبراطورية البريطانية. تبنى بيسوا وجهة نظر "روحية" أو ثقافية، فقد فهم الإمبراطوريات الخمس على أنها اليونان وروما والغرب المسيحي وأوروبا ما بعد النهضة، ثم –على المدى القريب– البرتغال. الفكرة هي أن البرتغال، عن طريق لغتها وثقافتها، وبشكل أخص بسبب أدبها، ستسيطر على بقية أوروبا؛ "إمبريالية الشعراء" كما توضح واحدة من الفقرات التي كتبها بيسوا عن الموضوع.
قومية بيسوا كانت بناءة كما كانت انفعالية. لم تكن لديه أوهام عن التراجع النسبي للبرتغال في مواجهة بقية أوروبا، حتى يكون هدفه هو اللحاق بها. هو اتخذ الثقافتين البريطانية والفرنسية كنماذج ليحاكيها، على الأقل في جوانب بعينها، واتخذ العالم المتحدث بالإنجليزية كأفضل مخرج للترويج للثقافة البرتغالية بالخارج. وهو بالفعل خطط عام 1900 لينشر -في دار نشر صغيرة أنشئت بالميراث الصغير الذي تركته له جدته لأبيه- قائمة طويلة من الأعمال البرتغالية الكلاسيكية والمعاصرة التي ترجمت إلى الإنجليزية إلى جانب مجموعة من الكلاسيكيات الأجنبية؛ تتضمن أعمال شكسبير الكاملة بالبرتغالية. "إمبريزا آيبيس" كما دعيت الدار، كان من المفترض أيضاً أن تنشر مجلات، ومقالات سياسية، وأعمالاً علمية، وأخيراً وليس آخراً عدة أعمال لـ بيسوا وشخصياته المستعارة، بالإنجليزية والبرتغالية.
كانت طموحات بيسوا الأدبية الشخصية -كما تصورها- مرتبطة تماماً باهتمامه ليجعل البرتغال أكثر كوزموبوليتانية وليروج لثقافته بالخارج. كانت كتاباته تستهدف تعليم البرتغاليين -سواء بشكل مباشر أو عن طريق ضرب الأمثلة- وجعلهم أكثر أوروبية. وبسبب أن كتاباته أصيلة ومميزة جداً (بيسوا لم يكن أبداً متواضعاً) فهي ستقنع الأجانب بقيمة وحذق الأدب البرتغالي المعاصر. بيسوا بترويجه لأعماله شعر أنه يروج للبرتغال. هذا التفكير ربما كان مُبَرَراً من منظور المواهب الأدبية المعتبرة، ولكن مهاراته الإدارية كانت محدودة، والصعوبات الاقتصادية أجبرت "إمبريزا آيبيس" على إغلاق أبوابها فوراً.
عام 1919 ملأ بيسوا مذكرة بخطط غزيرة عن شركة أكبر حجماً –دعيت مؤقتا بكوزموبوليس أو أوليسيبو– ستكون مهمتها إثراء التبادل الثقافي والتجاري بين بريطانيا والبرتغال؛ مجموعة شركات بمكاتب في لشبونة ولندن، تقدم معلومات لرجال الأعمال والمسافرين، وخدمات ترجمة وترجمة فورية، ونصائح قانونية، وخبراء في الإعلان والعلاقات العامة، ومساعدات بحثية وتحريرية، ومستضيفة للعديد من الخدمات الأخرى. فرع لشبونة سيتضمن أيضاً شركة ملحقة تروج للسلع البرتغالية، وتشجع على مصانع جديدة، ومدرسة تقدم دورات في التدريب المهني والإثراء الثقافي، ودار نشر لن تنشر للكتاب المعاصرين فحسب ولكن الكلاسيكيات الأدبية في نسخ رخيصة، إلى جانب مجلات، وأدلة مهنية، وكتب إرشادية.
ما ظهر من كل هذه الخطط عام 1921 كان وكالة تجارية صغيرة ودار نشر تدعى "أوليسيبو"، التي لم تفعل الكثير بخلاف نشر نصف دستة كتب، تضمنت كتابين صغيرين لأشعار بيسوا بالإنجليزية، وإعادة طبع لمجموعة شعرية لـ آنتونيو بوتو المثلي الجنسي المعلن لمثليته، وكتيب للمثلي الأكثر صراحة راوول ليل وهو "Sodoma Divinizada" (سدوم المُرَبَبة) الذي قام عنوانه بالتأثير المتوقع. أقام الطلاب الكاثوليك المحافظون حملة ضد "الأدب السدومي" فحُظِر الكتابان، وهاجمهم بيسوا بدوره، عن طريق منشورات نشرها بنفسه سخرت من أخلاقية الطلبة المدعين ودافع بحدة عن كاتبه. هذا الحادث كشف جانباً آخر من برنامج بيسوا لخلخلة المجتمع البرتغالي وتعليمه ومن الممكن أن ينطبق ذلك على الحضارة الأوروبية في المجمل، طالما أدى كتاب ككتاب راوول ليل لاهتياج عام في أنحاء القارة. وعلى الرغم من أن بيسوا كان يميل إلى أن يكون محافظاً في السياسة، إلا أن دفاعه عن حق الفرد في التعبير الحر –حتى في الأمور الجنسية– كان متقدماً كثيراً عن عصره.
في عام 1924 أنشأ بيسوا جريدة "آثينا"، التي أظهرت -بأعدادها الخمسة، وبطريقة يضرب بها المثل- كيف ارتبط ترويجه لذاته باهتمامه بالارتقاء بالثقافة البرتغالية. المجلة -بداية من عنوانها وشكلها المصور الأنيق- كانت تعبيراً مثالياً للنهضة الجديدة التي يستبقها بيسوا قبل 12 عاماً، وفاترينة عرض للشاعر العظيم –فرناندو بيسوا– الذي يفترض أن يكون رأس حربة الإحياء الثقافي البرتغالي. كانت منشوراً فريداً –تضمنت إنتاجات ثقافية، مقالات وقعها بيسوا أو آلفارو دي كامبوس، وترجمات لـ بيسوا لمدونات من "الأنطولوجيا اليونانية"، أشعار لـ إدجار آلان بو، وجزء من مقال والتر بيتر عن دافنشي– وتم تقديم ريكاردو ريس وآلبرتو كاييرو لأول مرة إلى العامة، مع مختارات كبيرة من أشعارهما.
الإحياء اليوناني الجديد الذي قُصِد من هاتين الشخصيتين المستعارتين أن يستبقاها –ريس بالمناخ التراثي والإشارات الغزيرة إلى الآلهة في أناشيده، وكاييرو بـ "الموضوعية المطلقة" لرؤيته الواضحة المباشرة– تدعمت بـ "الوثنية الجديدة"؛ النسق الفلسفي والديني المغروس في شعره والمُفَصَّل في النصوص التنظيرية الموقعة باسم ريس وآنتونيو مورا؛ الشخصية المستعارة التي مثلت "التابع الفلسفي" لـ كاييرو.
أن تتساءل إن كان بيسوا قد آمن بالآلهة الوثنية الذي تنبأ ودافع عن عودتها من أجل البرتغال مشابه لأن تتساءل إن كان قد "آمن" بالشخصيات المستعارة التي جسدت (خاصة كاييرو) أو تبنت (ريس ومورا) القضية الوثنية الجديدة. هؤلاء الأشخاص وهذه القضية كانا جزءا من الحزمة نفسها، أو بالأحرى من البعثرة نفسها، طالما أن ما لم يؤمن به بيسوا هو الوحدة. «الطبيعة هي أجزاء بدون كل» كان -وفقاً لـ بيسوا- بيت كاييرو الأعظم والأكثر صدقاً (من القصيدة السابعة والأربعين لـ "راعي القطيع") وفي إحدى الأناشيد قال ريس «كما أن كل نافورة يتوسطها إله، أليس الأجدى أن يكون لكل إنسان الإله الخاص به؟» ظاهرة الشخصيات المستعارة تعكس قناعة بيسوا بأنه حتى على مستوى الذات لا توجد وحدة، وإن دافع عن استعادة الوثنية بآلهتها التي لا تعد، فهذا لأنه رفض رؤية الوحدة المطلقة المتعلقة بالعالم الآخر التي تتبناها المسيحية والأديان الموحدة الأخرى. هذا لا يعني القول إنه لم يرغب في الوحدة. في تلك الشخصيات المستعارة فذات بيسوا المجزأة، للمفارقة، حاولت أن تبني عالماً صغيراً ولكنه كامل من الأجزاء المتشاركة التي تشكل كلاً متماسكاً. وكل إبداعاته الأدبية كانت محاولات للوصول إلى الوحدة، لحظة الكمال، في وسط فوضى الوجود العامة.
ربما بسبب هذا الوعي الملح بهذه الفوضى، فـ بيسوا رغم توجهه في الشك من كل شيء، آمن أو أراد أن يؤمن بالبعد الروحي. موقفه الديني بدا معبراً عنه جيداً في الأبيات الافتتاحية لقصيدة لـ ألفارو دي كامبوس، الذي مالت أعماله الأخيرة للحديث مباشرة عن قلب صانعه:

«أنا لا أعرف إن كانت النجوم تحكم العالم،
إو إن كان بإمكان التاروت أو أوراق اللعب
أن تكشف أي شيء،
أنا لا أعرف إن كان هز الزهر
يمكنه أن يقود لأي نتيجة.
ولكنني أيضاً لا أعرف
إن كان من الممكن الوصول لأي شيء
عن طريق العيش كما يعيش معظم الناس".
5 يناير 1935

على الرغم من أنه لم يعرف -إن كان يعرف شيئاً- ما وراء أو خلف ما نحن عليه أو ما نراه، فـ بيسوا لم يكن مهتماً بوضوح بـ «العيش بالطريقة التي يعيشها معظم الناس». قضى حياته بأكملها باحثاً عن الحقيقة، عندما لم يبتكرها، وهذا البحث قاده إلى درع كامل من المباديء السرية والممارسات السحرية. ولأنه كان يهتم بالنجوم فقد كان يُنَجِّم بشكل غزير، وقد قرأ طوالع المئات من أصدقائه وأفراد أسرته والرموز التاريخية والثقافية ولنفسه. وبشكل أبرز فقد قرأ عشرات الكتب وكَتَب مئات الصفحات عن الباطنية، والتقاليد النسكية كالكابالا وجماعة الصليب الوردي والماسونيين الأحرار والثيوسوفية والخيمياء وعلم الأرقام والسحر والروحانية.
الاهتمام بالسحر اختلط بميل بيسوا الوطني لصناعة ما يطلق عليه "الوطنية الباطنية" المعبر عنها في نسق الإمبراطورية الخامسة وخُلِّدَت في كتاب "الرسالة" Mensagem، وهو نوع من إعادة الكتابة السرية لكتاب كامويش "اللوزياد". كتاب الشعر البرتغالي الوحيد الذي نشر في حياة بيسوا، عام 1934، "Mensagam"، لم يكن فحسب تدريباً على الحنين إلى أيام البرتغال المجيدة أثناء عصر الاستكشاف؛ فتلك الأيام ستكون مستقبل البرتغال إلى جانب كونها مصيرها الماضي، والمستقبل هو الآن، وفقا للبيت الأخير في الكتاب: «لقد حلت الساعة».
عندما نجمع الصورة كلها –الشخصيات المستعارة والنهضة الجديدة والشاعر العظيم والإمبراطورية الخامسة والوطنية الباطنية والوثنية الجديدة مع الأستاذ كاييرو كرمز لها– نصل إلى الرؤية الشاذة المطلقة: البرتغال كمركز الإمبراطورية الثقافية التي خطط لها بيسوا وهي تشع على كل أوروبا؛ حيث الوثنية الجديدة تحل محل الكاثوليكية، وآلبرتو كاييرو يحل محل يسوع كنوع جديد ومختلف من المسيا، وربما يجلس آلفارو دي كامبوس (الذي حلم دوماً بأن يكون قيصر) على عرش الإمبراطور. بالتأكيد فـ بيسوا لم يؤمن بهذه الرؤية بأي شكل حرفي، ولكنه آمن بها شعرياً ومجازياً، وراهن بحياته واسمه الشعري عليها. بالنسبة له وبداخله -في عالمه المكون من الشخصيات المستعارة- فقد وُجِدَت النهضة الجديدة، والإمبراطورية الخامسة، والوثنية الجديدة. ووفقاً لهذا التاريخ الأدبي لبرتغال القرن العشرين، فالشاعر العظيم (العظيم بقدر –إن لم يتجاوز– كامويش) ولد في الحقيقة عام 1888.
جوهر مثال بيسوا الوطني، ووسائل إدراكه، يتم التعبير عنه في فقرة من "كتاب اللاطمأنينة" نشرت في إحدى المجلات عام 1931:

«ليست لدي مشاعر اجتماعية أو سياسية،  إلا أنه بطريقة ما فأنا وطني بشكل كبير. وطني هو اللغة البرتغالية. لن يزعجني على الإطلاق إن غُزِيَت البرتغال أو احتلت، طالما ظللت أنا في سلام. ولكنني أكره بشكل كبير -بالكراهية الوحيدة التي أشعر بها- ليس هؤلاء الذين يكتبون برتغالية سيئة...، ولكن الصفحة المكتوبة سيئاً ذاتها...»

"كتاب اللاطمأنينة" منسوب إلى برناردو سواريس؛ المحاسب الذي اعتبره بيسوا «نصف شخصية مستعارة»، شخصيته مشابهة وإن لم تكن مطابقة لشخصيته. بيسوا -الذي يكتب باسمه- لم يكن ليقول أبداً أنه لا يملك مشاعر سياسية؛ ولكن بالنسبة له كما بالنسبة لـ سواريس، فالصفحة المكتوبة جيداً كانت شغفه، والصفحة المكتوبة جيداً بالبرتغالية كانت وطنه، وقوميته. بيسوا في الحقيقة كان مرتبطاً بشكل مباشر بالمجتمع وبالسياسة في أيامه، ولكن كان يتخذ مواقفه عن طريق الكلمة المكتوبة تلك التي تضمنت في العام الأخيرة من حياته -1935- هجوماً مباشراً على نظام سالازار[8]، عندما مرر قانوناً يحظر المجتمعات السرية كالماسونيين الأحرار.
أما عن حياة بيسوا الشخصية؟ علاقاته الأسرية؟ قصص حبه؟ فقد حافظ بيسوا على روابط قوية بأقاربه، هو الذي عاش وهو شاب مع عدة خالات (عندما لم يكن يعيش في الغرف المستأجرة)، ومع أمه وأخته غير الشقيقة بعدما عادا من جنوب أفريقيا عام 1920، هذا الذي تلي وفاة زوج أم بيسوا. وقد كان بيسوا وفياً لأصدقائه، وهم غالباً ذوو توجهات أدبية، هؤلاء الذين كان يقابلهم بانتظام في مقاهي لشبونة. ولكن بيسوا ظل متحفظاً تماماً تجاه أصدقائه وعائلته. كان محاوراً جيداً، سريع البديهة، وكريماً بطريقته، ولكن حياته ومشاعره الداخلية انتقلت إلى كتاباته. كانت لديه علاقة رومانسية قوية واحدة، والتي كانت إلى حد كبير مسألة كتابة أيضاً: مجموعة من خطابات الحب المتبادلة عام 1920 ثم عام 1929. لعب بيسوا، خاصة في المرحلة الثانية من العلاقة، لعبة أدبية سامية بطريقة ما، موقعاً أحد خطاباته باسم آلفارو دي كامبوس، بينما زعم في الخطابات الأخرى أنه سيجن. قالت الحبيبة أوفيليا كيروس عندما أصبحت أكبر أن بيسوا الذي قابلته في المكتب الذي كانا يعملان فيه سوياً صرح بحبه لأول مرة حاملاً شمعة في يده ومستعيراً كلمات من "هاملت": «عزيزتي أوفيليا، أنا ضعيف في الأرقام؛ ليس لديّ المهارة لأعد الأنّات: ولكنني أحبك كثيراً، كثيراً جداً، ثقي بذلك». هل كان اسمها هو ما حث بيسوا المفرط في الأدب والمتلاعب دوماً ليغازلها من الأصل.
عندما كان صبياً صغيراً، كان الأدب هو ملعب بيسوا، وهو لم يتركه أبداً. ومثله مثل الكثير من الفنانين، وأكثر منهم، فقد رفض فرناندو بيسوا أن يكبر. ظل يعيش في عالم التخيل. أو هل يمكن أن نسميه عالم التأدب؟ الإيمان، الإيمان الخالص كان يضجر بيسوا. هو استخدم مخيلته الخصبة ليصنع أشياء غزيرة التعبير – قصائده الرائعة، نثره الحاذق، ووطنه الممتلئ بالشخصيات المستعارة؛ الذي كان عمله الشعري الأعظم.



المؤلف: ريتشارد زينيث (1956) كاتب ومترجم أمريكي-برتغالي ومترجم بيسوا الأبرز للغة الإنجليزية

الهوامش:
 [1] Algarve بجنوب البرتغال.
[2] Troubadour مغنون وعازفون انتشروا في البرتغال وأسبانيا في العصر الوسيط.
[3] Teixeira de Pascoaes شاعر برتغالي
[4] Song to myself إحدى قصائد ديوان "أوراق العشب" لوالت ويتمان.
[5] Vorticism الحركة الحداثية التي ظهرت في القرن العشرين وكان أحد أقطابها الشاعر الأمريكي عزرا باوند.
[6] Luís de Camões (1524-1580) الشاعر الشهير بأنه الأعظم في تاريخ البرتغال؛ عمله الأبرز هو "اللوزياد" الذي يعارض أعمال الشاعر اليوناني هوميروس.
[7]  الإمبراطورية الخامسة أو المملكة الخامسة هي مملكة ذكرها دانيال في تفسير لحلم نبوخذ نصر، وهي تتلو أربع ممالك من ذهب وحديد ونحاس تتجاوز وتنتصر على كل الممالك السابقة وتثبت للأبد، استخدم بيسوا هذه الفكرة للتعبير عن فكرته عن الإمبراطورية البرتغالية.
[8] António de Oliveira Salazar (1889-1970) رئيس الوزراء البرتغالي في الفترة من 1932 إلى 1968.

المرجع: مولد أمة؛ مقدمة ترجمة ريتشارد زينيث للأعمال المختارة لفرناندو بيسوا؛ كتاب "أكبر قليلاً من العالم بأسره"– 2006

المصدر: Boring Books

«مرآة دمشق» لجان بيارفيليو يفضح فظائع الأسدَين: الإرهاب في صُلب النظام السوري!

مارس 27, 2017 اضف تعليق






الباحث والدبلوماسي والكاتب جان فيليو أصدر كتاباً بعنوان «مرآة دمشق»، يتناول فيه تداعيات الحرب في سوريا، ودور آل الأسد الإجرامي، وانغماس روسيا، وانعزال أميركا. المؤلف عرف «الأسدين» وسوريا والعالم العربي جيداً، فهذا الكتاب شهادة دامغة لتاريخ آل الأسد وفظائعه، وتواطؤ الأمم المتحدة معه. هنا الحوار الشيق الذي أجرته معه «لونوفيل أوبسرفاتور» في عددها الحالي.

 فيما دراستك الجديدة «مرآة دمشق» التي صدرت في كتاب (عن دار لادوكوفيرت، باريس)، تتّهم الغرب بترك سوريا؟

- في هذه الذكرى السادسة للثورة السورية، حاولت أن أربط المشهد بزمنه الطويل، من القديس بولس الى هنري كيسنجر. وهذا من شأنه أن يتيح نظرة جديدة حول أزمة يشعر الجميع ازاءها بالعجز، وبحسب منظور معروف لدى المؤرخ، فإن هذا النوع من الموقف غالباً ما يفضي الى تحميل الضحية الذنب.. كما اننا لا نقدر أو لا نريد أن نساعد، نحملها كل أخطاء العالم، ليس سوى تبرير السلبية المعمّمة... التضحية بحلب، وهي من أقدم المدن في التاريخ البشري، هي من هذا المنظور، انعطاف رئيسي. وبتركها الأمم المتحدة للاغتصاب، حتى الخريف الماضي، فإنّ كل مبادئ الحقوق الإنسانية قد اغتصبت فيها.. وهذا بعدما تمَّ الحصول على البراهين، لكن من دون تحديد المذنب، القصف الكيماوي، في آب 2013، وعدم تسمية مرتكبي الجرائم «المشهودة والموثقة شكّل فشلاً ذريعاً وحدويّاً للمجتمع الدولي... فالوحوش استيقظت متروكة، وحرة، ونرى أنّه من غير الممكن» « احتواؤهم في سوريا. لأن «ما يحدث هناك ليس سوى شأن عربي.. فقد يعنينا، طبعاً، بمستويات القيم، لكن خصوصاً لأنه جزء من مستقبلنا الجماعي، هو صحيح أخلاقياً لكن استراتيجياً باطل.

 ماذا يمكن أن تفعل الأمم المتحدة؟

- استمرت الأمم المتحدة في احتضان نظام الأسد كممثل وحيد لسوريا. أما معارضوه فقد بقوا في الأطر الدبلوماسية للأمم المتحدة. فالأمم المتحدة، نفت هذا حق الشعب السوري بتقرير مصيره ضد نظام يحكمه كجيش احتلال.. لقد صعدت الأزمة بتدويلها مدّعية بعدها حلّ القضية بمصالحة المتدخلين الخارجيين: وكان يجب اعتماد العكس، كما اقترحت أكثر من ثلاث سنوات، وقف إطلاق النار المحلي بين المتنازعين، من دون اللجوء الى الخارج.

 بعد ست سنوات، أين صارت الثورة السورية؟

- بلا شك نصف مليون قتيل، وضعفهم من الجرحى، والمعوقين، نصف السكان مطرودون من منازلهم، سواء بنزوح داخلي أو خارجي... فضّل بشار الأسد أن يدمّر البلاد من أن يفقدها، ليحارب بعدها الخراب والركام. ولكي نجد مثيلاً لمثل هذا الرئيس الأسد يجب أن نتذكر غزو تيمورلنك لسوريا عام 1400. لا تنازل ولا شفقة. ينتظران من النظام، وضع الاسد المعارضة بين اختيارين: الثورة أو الموت، والأسد شارك بشكل حيوي وكبير بنمو ظاهرة داعش وترسيخها وتقويتها، هذه الظاهرة التي انقلب عليها عام 2015 وحاربها! وهو ما زال يلعب لعبة الفرع القديم من القاعدة في سوريا. فعندما لا يستطيع أن يسحق، فهو «يجاهد» لزرع الموت في المعسكر الثوري.

والاتجاه المسمى «معتدلاً» ما زال موجوداً برغم دعم خارجي مبدئياً في نقطة الصفر. فهذه الجماعات وُلدت في منطق الدفاع عن النفس، ولم ينظروا أبداً للكفاح المسلّح. إنه نبل الثورة السورية، لكن أيضاً ضعفها، لأنّه ليس لهذه الجماعات القدرات لتكوين جيش تحرير متماسك.

أما المعارضون المدنيون، فقد صفت الحرب بعض أكثر المتفانين، مثل رازان زيتونة، التي «اختفت» منذ 2013، وما زال مصيرها مجهولاً. لكن داخل سوريا وفي «الشتات» فإنّ مثل هذه الخلايا تستمر من دون أن ترتبط بأي طرف إسلامي أو دولة أجنبية.

في المناطق التي ما زال فيها نوع من الإدارة الذاتية، فإن الذرائع القوية مستمرة بين الجماعات المسلحة واللجان المدنية. وإذا كان علينا أن نعطي هذه «الطريق الثالثة» حيثية أو حيزاً، فلا بدّ من «منطقة أمنية»، تحظى على الأقل بضمان عدم القصف بالقنابل.. لكن لا مصلحة للنظام في ذلك، وكذلك روسيا. واتجاهات الولايات المتحدة من أوباما الى ترامب هي في مساعدة الميليشيات الكردية المتفقة، أو المفتوحة على دمشق.

 مَن إذاً في يده السلطة في سوريا؟

كان من حظي كدبلوماسي أن ألتقي حافظ الأسد وكذلك بشار.. فلفهم النظام، علينا أن نكفّ عن تحليله من منظار منطق الدولة. فهو ليس عنده سوى منطق واحد: السلطة.

كل ما من شأنه دعم سلطته هو جيد، إنها «الدولة البربرية» كما وصفها المناضل الشهيد ميشال سورا الذي خطفه حافظ الأسد... والمرجح أنه أعدمه. فالإرهاب ليس انحرافاً بل في قلب النظام.

عبقرية هذا النظام هو توصله الى تسليم حربه الخاصة الى آخرين. ليحاربوا بالوكالة عنه. عام 1982، فقد عوّض السوفيات خسائر الجيش السوري في وجه إسرائيل.. اليوم، توصل الأسد الى جرّ بوتين مباشرة الى جانبه: فنجاة النظام وحلفائه، صار هاجس عرّابهم..

فبوتين والأسد يتشاركان رؤية واحدة للعالم. هما رجلان جاءا من المخابرات، وريثان تحت طلب نظام مافيوي، فهم بوتين أنه يستطيع الإفادة من تراجع أميركا ليتخذ مكانته وحضوره في العالم، وقد توصّل بوتين الى أخذ الأمم المتحدة كرهينة، وجعل موسكو تتفرد بالمبادرة، ورد الفعل لأميركا.

لكن الروس اليوم تعمقوا كثيراً في التزاماتهم الى درجة لم يعد في استطاعتهم الانسحاب. فهم مرغمون على تكثيف الالتزام. لعب بوتين بالبوكر، كدّس أرباحاً، لكنّ الأسد لا يجعله يترك الطاولة.

 هل تظن أنّ فرنسا ستشارك في العملية التي تحضَّر للرقّة؟

- غارقون في الفوضى العميمة. فرنسا تطالب منذ 2015 بعملية في الرقة؛ لأنها المهد الذي خطّط فيه «داعش» للاعتداءات ضد بلدنا. لكن وحدها قوة عربية وسنيّة، يمكن أن تقوم بها. فالمسألة تتعلق بمدينة عربية وسنّية، تحمل هوية إسلامية وعشيرية ومحافِظَة.. كل قوة تأتي من الخارج سترفض وترد، أما باريس فمن غير المعقول ألاّ تشارك في معركة الرقّة. لكن مع أي حلفاء في الميدان، حتى الآن، ولا أي دولة ما عدا فرنسا، استخلصت نتائج تعيين داعش كعدو ذي أولوية.

  وهل انتخاب ترامب يمكن أن يغيّر المعطيات؟

- حتى الآن، يتوتر ترامب ويتكلم كيفما اتّفق، لكنّه يستمر في اتّباع سياسة أوباما، فبين إرث سلفه، وبين المأزق الذي وضعه فيه بوتين، فهامش تحرّكه بات محدوداً، على كلٍّ فقدت الولايات المتحدة معنى التعاطف الشعبي. وأخيراً من خلال شعاره «أميركا أوّلاً»، يسجّل ترامب عدم اهتمامه بالقضايا العالمية، وتالياً بالشرق الأوسط. فأميركا لا تصوغ سياسة متماسكة متجانسة.. وهذا بالنسبة الى المؤرخ أمر رائع، لكنه مرهق بالنسبة للمواطن: فنحن أمام قوة تستنقع من تلقائها في التناقضات الإقليمية لأنها ترفض أن يكون لها رؤيا واضحة لما تتمناه.

  كيف ترى مستقبل سوريا؟

- نحن في هروب الى الأمام نحو الأسوأ. يجب عدم التقليل من تقدير القوى المحاربة خصوصاً تلك التي نجت. لقد أهملوا طويلاً الى درجة لم يعودوا يؤمنون بالاعتماد على أنفسهم.

فلا ننسى أنّ جزءاً من مصيرنا يتحقق هناك.. وهي هذه القوى، التي، في اللحظة المناسبة، سيبنون سوريا المستقبل.

ترجمة وتقديم: بول شاوول

حنّا دياب، صوتٌ من أصوات ألف ليلة وليلة

مارس 25, 2017 اضف تعليق

كريستياني داميان[1]




بِالرّغم من أن ليس لهما وجود إطلاقًا في أيّ مخطوطة أصيلة[2] لكتاب ألف ليلة وليلة فإنحكايتي "علاء الدين والسراج المسحور" و"علي بابا واللصوص الأربعين" أصبحتا، مع مرور الزمن، حكايتين نموذجيتين لهذا المؤلَّف العربي المعترف به، وبجدارة، كجزءٍ من الأدب العالمي. تانك الحكايتان الشهيرتان، مع حكايات أخرى كوَّنت الترجمة الغربية الأولى لألف ليلة وليلة، ليس لهما مصدرمعروف إلّا حَنّا دياب، وهو المؤلف للذكريات المنشورة في هذا الكتاب لأول مرة بلغتها العربية الأصلية.
وقبل التسعينيات من القرن العشرين، عندما اكتشف الباحث الفرنسي جيروم لنتان مخطوطة هذه الذكريات في المكتبة الرسولية في مدينة الفاتيكان، فإن المعلومات الوحيدة عن حياة حنا دياب لم تتوفر إلا في يوميات[3] المستشرق الفرنسي أنطوان غالان (1646-1715)، المترجم الغربي الأول لألف ليلة وليلة. نجد في يومياته تلك إشاراتٍ عديدةً إلى حنا دياب، خاصّةً خلال الفترة التي قضاها في باريس نزيلًا عند بول لوكا (1664-1737)، والذي كان سائحًا يجوب العالم الشرقي لشراء المجوهرات والمخطوطات والمسكوكات والمداليات وأغراض قديمة أُخرى لملك فرنسا ولنبلاء بلاطه. ومع كون الإشارات الموجودة في يوميات غالان لا تزوّدنا بمعلومات كثيرة عن حنا، فإنها تُعْلِمُنا، باقتضاب، أنه ماروني من حلب أتى إلى باريس صحبة بول لوكا، وبقي في العاصمة الفرنسية على الأقلّحتى الفترة التي بين مارس/آذار ويوليو/تموز سنة 1709، وتلمح إلى انه كان رجلًا مثقفًا، والأهمّانها تكشف لنا أن حنا قصّ على غالان حكايات طريفة كثيرة، وهذه الحكايات استخدمها غالان فيما بعد لـ"تكميل" ترجمته ألف ليلة وليلة، لأن مخطوطة الكتاب الوحيدة المتوفرة لديه آنذاك كانت "ناقصةً"، في حين أنه كان قد انتهى من نقلها إلى الفرنسية.[4]
إن أول إشارة إلى حنا في يوميات غالان هي في 17 مارس 1709، فيغلب على الظن أن في هذا التاريخ تعرّف ذلك المستشرق على حنا: "ذهبتُ صباحًا إلى بيت بول لوكا لكي أردَّ له المداليات التي كان قد أعطانيها منذ ثمانية أيام. تحدثت بعض الوقت مع حنا، ماروني من حلب، وهو، بالإضافة إلى لغته العربية، يتحدّث التركية والبروفنسالية وبشكل مقبول الفرنسية"[5]. الإشارة القادمة، المؤرخة بتاريخ 25 مارس، قد ذكرت الحكايات الجميلة التي حكاها الماروني السوري: "صباحًا ذهبتُ لأزور السيد بول لوكا، الذي كان مهيئًا للخروج، فبقيتُ مع السيد حنا، ماروني من حلب، والسيد حنا حكى لي بعض الحكايات العربية الجميلة جدًّا، ووعدني بأنه سيقوم بتدوينها وإرسالها لي".[6] بعد هذه التذكارات الأولية، فإن أكثرية الإشارات إلى حنا في اليوميات تأتي مصاحبةً بملخَّصاتٍ لحكاياته، وهي 16 حكاية، نشرت منها 12 في المُجلّدات الأربعة الأخيرة لترجمة غالان لألف ليلة وليلة.
إن الحكاية الأولى لحنا المشار إليها في اليوميات هي بالضبط حكاية علاء الدين المشهورة، والتي انتهى حنا من سردها، على حسب سجلات غالان، يوم 5 مايو 1709.[7]وخلافًا لحكايات حنا الأخرى المذكورة في يوميات غالان، ليس لحكاية علاء الدين أيّ ملخص، ويغلب على الظن أنها تُرجمتْ إلى الفرنسية استنادًا إلى نصٍ كتبه بالعربية حنا نفسه، فهذا ما يوحي إليه بعض الملاحظات الموجودة في اليوميات في يومي 3 و15 نوفمبر سنة 1710 وفي 10 يناير 1711:
"الإثنان، 3 نوفمبر. منذ اليوم السابق بدأت قراءة الحكاية العربية للسراج، التي كتبها لي منذ أكثر من سنة الماروني الدمشقي[8] الذي كان قد جلبه معه السيد بول لوكا، بغية ترجمتها إلى الفرنسية. انتهيتُ من القراءة هذا الصباح. وها هو عنوان هذه الحكاية: قصة علاء الدين، ابن خياط، وما حدث له مع ساحر إفريقي بسبب سراج".
"السبت، 15 نوفمبر. باشرتُ صباحًا العمل في دراسةٍ عن القرآن (...). وليلًا باشرتُ كذلك العمل بحكاية السراج".
"السبت، 10 يناير. قد انتهيتُ من ترجمة الجزء العاشر من ألف ليلة وليلة العائد إلى النص العربي الذي كنت قد تسلمتُه من يدي حنا، أو جيان ديـپـي، الذي جلبه معه إلى فرنسا السيد بول لوكا عند عودته من رحلته الأخيرة إلى الشام. كنتُ قد بدأتُ هذه الترجمة في شهر نوفمبر ولم أشتغل فيها إلّا ليلًا".[9]
تثبت هذه الملاحظات أن حنا سلّم غالان نصًّا مكتوبًا لحكاية علاء الدين، وأنه، إذن، وفى بوعده بأن يكتب له بعض حكاياته. حتى الآن هذه هي الإشارات الوحيدة عن أُصول حكاية علاء الدين والسراج المسحور، التي نشرها غالان تباعًا سنة 1711 في المجلدين التاسع والعاشر من ترجمته ألف ليلة وليلة.
وبين السادس من مايو والثاني من يونيو لسنة 1709، حكى حنا لغالان حكاياته الباقية،[10] والتي أخذ المستشرق بتدوينها بشكل ملخّص يسلّط الأضواء غالبًا على ترتيب الحبكة الأدبية. إنه من الممكن، في بعض من تدويناته لهذه الحكايات – كما هو الحال في "حكاية علي بابا" –،أن نلاحظ بعض التغييرات التي قام بها غالان فيما بعد عندما نشر ترجمته لها في ألف ليلة وليلة. في الملخّص الموجود في يومياته لقصة علي بابا، والذي يعكس الحكاية كما سمِعها من حنا، فإن عنوانها هو "لطائف مرجانه أو اللصوص الأربعون الذين أُهلكوا بحيلة جاريةٍ"، والبطل اسمه خوجا بابا، وفي كهف اللصوص، علاوةً على الكنوز، توجد أيضاً مائدة عليها أكل ومؤونة كثيرة. في الصيغة المطوّلة التي نشرها غالان سنة 1717 في الجزء الحادي عشر من ترجمته، قدسميتْ الحكاية: "علي بابا واللصوص الأربعون الذين أهلكتهم جارية"، فتغيَّر اسم البطل إلى علي بابا وحذف الأكل والمؤونة من الكهف. إنه لمن المعبّر أن نلاحظ سبب وجود تلك المؤونة في حكاية حنا، إذ إنّ للمؤونة وجودًا كذلك في حكايات عربية أخرى تُشبه "علي بابا"، مِمَّا يدل على أنها صيغ ليس لها علاقة بترجمة غالان.[11] إلا أن التغييرات التي قام بها غالان، بما فيها التفاصيل المتعلِّقة بمجرى أفعال الشخصيات وملامحها، لم تغيّر من بنية الحكاية-المصدر، بل أبقت الحبكة ذاتها والتيمات الأخرى الآتية من التراث السردي لسوريا، وهي مسقط رأس حنا.
بالإضافة إلى حكايتي علاء الدين وعلي بابا، اللتين أصبحتا مصدرَ إيحاءٍ للمسرحيات الغنائية وللصور المتحركة وللأفلام ولإنتاجات أدبية عديدة، هناك أيضًا موضوع آخر موجود في حكاية أخرى لحنا عرف نجاحًا كبيرًا ودخل في إنتاجات ثقافية وفنية متنوّعة: السجاد السحري. يبرز هذا الموضوع في حكاية دوِّنتْ في 22 مايو 1709، والتي أدخلها غالان في الجزء الأخير (الثاني عشر) لترجمته لألف ليلة وليلة تحت عنوان "حكاية الأمير أحمد والجنية پاري بنو" المنشورة بعد وفاته في 1717. وحتى الوقت الحاضر، ليس لتلك الحكايات التي قصّها حنانصّ مكتوب أقدم من ترجمة غالان، فمخطوطاتهاالمتأخِّرة اكتُشف عنها أنها ليستْأكثر من أعمال مزوَّرة تُرجمتْ من ترجمة غالان ثمّ ادّعتْ – أو ادّعوا عنها – أنها "أصيلة"، كما هو الحال بالنسبة إلى المخطوطتين العربيتين لحكاية علاء الدين، واللتين قام بترجمتها من الفرنسية إلى العربية كلّ من ديونيسيوس شاويش وميخائيل الصباغ، والمخطوطة العربية لحكاية علي بابا، والتي قام بترجمتها من ترجمة غالان المستشرق الفرنسي جان ڨارسي (1774-1859).[12]
وحسب المعلومات المتوفّرة اليوم، ففي اللحظة التي توطدتْ علاقته بحنا، كان غالان قد انتهى من ترجمة مخطوطته "الناقصة" لألف ليلة وليلة. ولدى استحالة الحُصول على مخطوطةٍأُخرى للكتاب تتضمّن حكاياتٍ جديدةً، وربَّما لدى ضغوط كلّ من الناشر وجمهور القراء المتشوقين لإكمال القراءة، قد يكون غالان رأى في حنا مصدرًا حيًّا لحكايات يمكّنه من استكمال ترجمته. ففي هذا السياق دخل حنا إلى تاريخ تكوين ألف ليلة وليلة بسرده الحكايات، إما مشافهةً، وإماكتابةً، وأخذتْ حكاياته هذه، مع مرور الزمن، تمثّل هذا النشاط العربي خير تمثيل.
حتى اكتشاف ذكرياته، كانت لاتزال شخصية ذلك الماروني الحلبي غامضةً، إذ، باستثناء يوميات غالان، لم تتوفّر أي شهادة أخرى عن وجوده، حتى في يوميات بول لوكا المنشورة[13]، والتي لم تذكره قط. ولكن بقي نصّ ذكريات حنا مجهولًا لدى الجمهور بعد اكتشافهفي تسعينيات القرن العشرين، ولم يعرف به إلا بعد نشر ترجمته الفرنسية سنة 2015،والتي قام بها كل من بولي فهمي-تياري وبيرنار إيبيرجير وجيروم لنتان[14] – والآن، في طبيعة الحال، بهذا الإصدار الجديد الذي تنشره لأول مرة بلغته العربية منشورات الجمل بتحقيق كل من صفاء أبو شهلا جبران ومحمد مصطفى الجاروش.
ويأتي نشر هذه الذكريات، من دون شكّ، بمعلومات مهمة عن حنا، ابتداءً من اسمه الكامل: أنطون يوسف حنا دياب. ونصه، الذي كتبه عندما كان قد تجاوز السبعين ونيفًا من عمره، يروي الرّحلة التي قام بها منذ أكثر من نصف قرن صحبة بول لوكا كترجمان له في المدن العربية المختلفة التي مرّا بها. وحسب ملاحظاته، فإن الرحالة الفرنسي كان قد وعده، إذا رافقهفي رحلته، بوظيفة في مكتبة الملك. لهذا السبب جاب حنا، بين 1707 و1709،أماكن كثيرة في البحر المتوسط، منها طرابلس الغرب، وصيدا، وقبرص، ومصر، وليبيا،وتونس، لِيَمُرَّ فيما بعد بليفورنو، وجينوا، ومارسيليا، وباريس، وأخيرًا بورساليا، حيث استقبله الملك لويس الرابع عشر، إلا أنه، بعد وصوله إلى فرنسا، وجد حنا نفسه بين بول لوكا وأنطوان غالان بسبب صراعهما من أجل مصالحهما الخاصّة ونمائمهما، ولذا لم يفِ بول لوكا بوعده، ما أدّى إلى قرار حنا بأن يقفل عائدًا بمفرده إلى حلب، وقبل عودته النهائيةإلى هناك مرّ في طريقه ببعض المدن التركية، منها أزمير والأستانة.
ومن بين تجاربه في العاصمة الفرنسية، حيث تعرّض إلى الشتاء الرهيب لسنة 1709، توجد ملاحظة تستحق الانتباه لأنها الوحيدة، في ذكرياته، التي تشير إلى الحكايات التي رواها لأنطوان غالان:

فف"وفي تلك الايا[م] صغرت نفسي واتضجرت من السكنه في تلك البلاد. وكان يزورنا كثير اوقات رجل اختيار، وكان موكل على خزانة كتب العربيه وكان يقرا مليح بالعربي، وينقل كتب عربي الى الفرنساوي. ومن الجمله كان في ذلك الحين ينقل كتاب عربي الى الفرنساوي وهو كتاب حكاية الف ليله وليله. فهذا الرجل كان يستعين فيّ لاجل بعض قضايا ما كان يفهمهم، فكنت افهمه اياهم. وكان الكتاب ناقص كام ليله، فاحكيت له حكايا الذي كنت بعرفهم، فتمم كتابه من تلك الحكايا. فانبسط مني قوي كثير، ووعدني بان كان لي مساله حتى يقضيها من كل قلبه" (ص 128و).

ي هذا المقطع، بعد تلميحه إلى اللحظات الصعبة التي عاشها في باريس بسبب البرد القارس لتلك الحقبة وندرة الطعام، يذكر حنا زيارات ذلك العجوز ("الاختيار") المسؤول عن الكتب العربية، والذي كان يقوم بترجمة كتاب ألف ليلة وليلة من مخطوطة ناقصة. بيد أن حنا لم يذكر اسمه – وهذا النسيان مبرر، لأن ذكرياته لم تكتب إلا بعد مرور أكثر من خمسين عامًّا، واعتمادًا فقط على ذاكرته لا غير – فإنه لمن الواضح أن هذا المقطع الفريد والقصير شهادة، أولًا، على لقائه بغالان فعلًا، والأهمّ من ذلك، شهادة على الخدمة الرئيسية التي قدّمها لذلك المستشرق: الحكايات التي رواها له، والتي استعملها غالان لتكميل ترجمته لألف ليلة وليلة. وهكذا فإن هذه الملاحظة المهمّة تؤكّد المعلومات التي تتضمّنها يوميات غالان، والتي تقوم بتفصيل حكايات حنا، كما قد قلنا، وتشير أيضًا إلى مساعدته لفهم بعض المفردات العربية التي لم يتبيّنها غالان.
علاوةًعلى أنها تؤكد مساهمة حنا الحاسمةفي ترجمة غالان الفرنسية، فإنها تثبت كذلك موهبته كراوٍ، إذ إن طريقة سرده المشوّقة تكشف عن طرائف وعادات بلدان مختلفةوتقصّ حوادث مفاجئة، من أمثال العواصف وغارات القرصان، وتسجّل محادثات وحالات تعبّر عن حكمة، جاعلةً القارئ يزداد اهتمامًا بما يقصه.
إحدى الوقائع التي يسردها حنا تلفت الانتباه بشكل خاص لأنها، كما قد أشارتإلى ذلك الترجمة الفرنسية،[15] تحتوي على عناصر يبدو أنها دخلتْ في إنشاء حكاية علاء الدين. يحدّثنا الماروني في روايته (ص 9ظ)أنه، في بداية الرحلة، خلال وقفتهما بضيعة كفتين،أراد بول لوكا أن يزور أنقاض دير وكنيسة كانا في جبل قرب تلك الضيعة. وفي المكان نفسه اهتمّ الرحالة الفرنسي بقبر تغمره صخرة، فطلب من أحد رعاة المنطقة أن ينزل إلى ذلك القبر من خلال فجوةٍ موجودةٍ هناك، وأمره بأنه يُعطيه كلّ ما يجده داخل القبر. وإذا بالراعي يجد، من بين الأغراض المودعة هناك، سراجًا! في هذا المشهد، فإن كلًّا من الجبل وشخصية الأجنبي الباحث عن غرض ثمين وإنزال رجل مسكين من أبناء البلد إلى تحت الأرض لتلبية رغبة هذا الأجنبي مهما كلّف الأمر، وكذلك وجود السراج نفسه، كل هذا يبدووكأنه عناصر من تجربته الحياتية انتشلها من ذاكرته لتكوين حكاية علاء الدين.
ويمكّننا اكتشاف مخطوطة حنا المهمّةمن التوصلإلى معلومات جوهرية عن شخصيتهالتي لم يكن لها إلّا وجود غير مقنع في يوميات أنطوان غالان. وبالإضافة إلى المعلومات المفصّلة عنه، فإن ذكريات رحلته تُرينا أيضًا ذوقه بالعجيب وبالغريب، وفوق ذلك، تكشف لنا، بواسطة نثره الجذّاب والمليء بالمغامرات، أن موهبتهالروائية المشار إليها تجعل من الوارد تمامًا أن يكون إبداعه الشخصي من وراء النجاح المستمر لأغلبية الحكايات التي رواها لغالان. خلال رحلته، شارك حنا في مسير ألف ليلة وليلة صوتًا يصدي في هذا العمل الخرافي، فورثنا بعضًا من أجمل حكايات الأدب العالمي، والتي تستلهمها إنتاجات أدبية وثقافية جديدة على مدى الزمن في مختلف أنحاء العالم.
ساوباولو، في أكتوبر 2016

(ترجمة:م م ج)



[1] باحثة في جامعة ساو باولو، حيث نالت درجة الدكتوراه، متخصصة بكتاب ألف ليلة وليلة. درست وبحثت في باريس تحت إشراف الدكتور أبو بكر شرايبي.
[2] نستثني هنا، في طبيعة الحال، المخطوطتين اللتين لفّقهما كلّ من القسيس ديونيسيوس شاويش والمغامر العكاوي ميخائيل الصباغ.
[3] راجع: Le Journal d’Antoine Galland (1646-1715). تحقيق فريديريك بودن وريشارد والير، بمساعدة ميشيلي آسولاتي وإيتيان فاميري وأبو بكر شرايبي للملحوظات. نُشر العمل كاملًا في باريس بجزأين سنة 2011.
[4] هذه المخطوطة، والتي قُسِّمت عند تجليدها إلى ثلاثة أجزاء، تنتهي بشكل فُجائي في الليلة 282، عند بداية "حكاية قمر الزّمان وولديه الأمجد والأسعد". كان غالان قد تسلَّم هذه المخطوطة سنة 1701 ونشر ترجمته لها بين 1704 و1706. اليوم، تحمل المخطوطة الأرقام 3609 و3610 و3611 عربي، وهي محفوظة في المكتبة الأهلية الفرنسية في باريس.
[5]غالان، المصدر المذكور، ص 286، المجلد الأول.
[6]غالان، المصدر المذكور، ص 290، المجلد الأول.
[7] "هذا الصباح انتهى الماروني حنا الحلبي من قصّه لي حكاية السراج". (غالان، المصدر المذكور، ص 321، المجلد الأول).
[8] يخطئ غالان فيكتب "دمشق" بدلاً من "حلب".
[9] عن محمّد عبد الحليم، Antoine Galland, sa vie et son oeuvre، باريس، نيزيت، 1964، ص 275.
[10] ومنها،بين حكايات أخرى، "هارون الرشيد"، "المكفوف بابا عبدالله"، "سيدي نُعمان"، "الفرس المسحور"، "مدينة الذهب"، "الأختان الحاسدتان لأختهما الصغرى"، "علي خوجا"، "الحبّال الفقير الذي أصبح غنيًا" إلخ.
[11] للمزيد من التفاصيل عن حكاية علي بابا واللصوص الأربعين راجع عمل أبو بكر شرايبي، “Galland’s ‘Ali Baba’ and Other Arabic Versions”، في Marvels & Tales: Journal of Fairy-Tales Studies، 18/2، 2004، ص ص 159-169.
[12] راجع محسن مهدي، The Thousand and One Nights (المجلد الثالث)، ليدن-نيو يورك-كولونيا، بريل، 1995، ص ص 51-86. راجع كذلك: محمد الجاروش (تحرير)،الليالي العربية المزورة، بيروت-بغداد، منشورات الجمل، 2011. وعن جان فارسي، الذي كان الغموض يكتنف شخصيته، راجع: كاتيا زكاريا، “Jean-Georges Varsy et l’«Histoire d’Ali Baba»: revelations et silences de deux manuscrits récemment découverts”، في مجلة Arabica، ليدن، بريل، 2015، العدد 62، ص ص 652-687.
[13] باول لوكا، Deuxième Voyage du Sieur Paul Lucas dans le Levant (octobre 1704 – septembre 1708)، منشورات جامعة سانت إيتيان، 2002.
[14] حنا دياب، D’Alep à Paris. Les Peregrinations d’um jeune syrien au temps de Louis XIV.ارليز، آكتز-سود، 2015.
[15] عن فرضية وجود عناصر من حياة حنا في حكاية علاء الدين، راجع مقدّمة بيرنار إيبيرجير في المصدر المذكور، ص ص 29-30.

بؤس الشعراء بعيون الرسامين

مارس 24, 2017 اضف تعليق

الزبير مهداد
عن ايلاف



كارل شبتزفيك شاعر ورسام ألماني عصامي، ينتمي إلى التيار الرومنسي، ولد في بافاريا عام1808 .درس الصيدلة وعمل صيدليا عام 1832، وكان يحب الرسم ويزاوله في أوقات فراغه، ثم تفرغ له ابتداء من عام 1833، معتمدا على جهوده الذاتية في تعميق تكوينه الفني، اشتهر بلوحاته الصغيرة والمتوسطة الحجم، كانت لوحاته مستوحاة من حياة الناس العاديين من الطبقة المتوسطة أو البورجوازية الصغرى، وكذلك من المناظر الطبيعية.
عمل شبتزفيك في إحدى الصحف رساما للكاريكاتير خلال الفترة من 1843 إلى 1853. واصل الرسم إلى سنين متأخرة من عمره، حتى وافته المنية عام 1885. مخلفا أعمالا كثيرة موزعة على متاحف ألمانية وأوروبية، ومن لوحاته الشهيرة لوحة الشاعر الفقير (1839) Der arme Poet التي تصور شاعرا يعاني الفقر والوحدة، يعيش تعيسا في غرفة خالية من المتاع مظلمة.
اللوحة كسرت الصورة النمطية الشائعة لدى الناس حول الشاعر، هذا الإنسان المبدع، الرقيق المشاعر، المرهف الإحساس، الواسع الخيال، يتخيله الناس يعيش حياة مخملية باذخة مثل شعره، يرفل في النعيم والظروف المريحة للبورجوازية الصغرى. لا يمكنهم أن يتخيلوا مقدار العوز والفقر الذي يعانيه أكثرهم. فجاءت اللوحة تميط اللثام عن واقع مرير لهذه الفئة من المبدعين، الذين يطربوننا ويسعدون حياتنا بقصائدهم الرائعة وأناشيدهم التي ترددها الأجيال في حبور، في حين أنهم يعانون البؤس، هذه اللوحة يعدها الألمان ثاني أشهر لوحة بعد "الجوكندا".
وعلى نفس المنوال، أنجز الرسام الكاريكاتوري الفرنسي هونوري دومييH. Daumier لوحة "الشاعر في غرفة السطح" Poète dans la mansarde، سنة 1842، شخص فيها حياة شاعر بئيس في غرفته يعيش ظروفا قاسية، هذه اللوحة التي يطغى عليها السواد، يتوسطها جسم شاحب نحيل كالشبح، بأنف حاد وشعر مهمل ولحية كثة، الشاعر بلباس النوم، جالس على سرير أقيم في زاوية الغرفة، جدرانها السوداء ثبت عليه رفا به بعض المتاع، وقبعة معلقة، بجوار السرير شمعة مضيئة ضوءها باهت لا يكاد يتعداها، وكرسي وضع عليه ملابس قليلة رثة. يتوجه بعينيه صوب السقف بعينين ملتهبتين، تنمان عن شعور باطني بقلق عظيم، وغضب وأنواع العصاب، ويمسك بيده اليمنى ريشة، لعله يخط بها بعض ما تجود به قريحته من أبيات شعرية.
اللوحة الكاريكاتورية لا تسخر من ظروف الشاعر، لكنها توجه رسالة واضحة المغزى لكل من يغض البصر عن ظروف هذه الشريحة البئيسة من المثقفين.
أصداء هذه اللوحة نجدها بارزة بشكل واضح في قصيدة الشاعر الفرنسي بودلير الذي كان معاصرا للرسام وصديقا له، وعنوانها "الغرفة المزدوجة" وتعد إحدى أهم قصائد النثر في الأدب الفرنسي قاطبة، تكلم الشاعر عن حياة متخيلة في النعيم، يتوقف فيها الزمن على لحظات السعادة التي يعيشها الشاعر فيها، وأخرى واقعية يفتح عليها عينيه، إنها حقيقة طيفية فبين حلم بالجنة والكابوس لا يوجد حيز لأي شيء (يا للهول! إني أتذكر! إني أتذكر! أجل! هذا الكوخ القذر، وهذه الإقامة للسأم، وبالتأكيد، هو سأمي. هاهو ذا الأثاث السخيف المغبر، والمهشم؛ فالمدخنة بدون لهيب، وبدون جمر، منزوعة، وملطخة بالبصاق: النوافذ التي حط عليها المطر أخاديد على غبارها. والمخطوطات الممحوة، أو غير المتممة، والرزنامة التي سجل عليها قلم الرصاص، التواريخ الحزينة. آهٍ! لقد تذكرت! فقد ظهر الزمن مجدداً؛ الزمن يسود الآن ملكاً؛ وعاد مع العجوز البشع تماماً، موكبُه الشيطاني من الذكريات، ومن الحسرات، ومن التشنجات، من المخاوف وأنواع القلق، والكوابيس، من الغضب وأنواع العُصاب. أؤكد لكم أن الثواني الآن تتحرك بقوة، وبأبهة، وكل واحدة منها تعلن، وهي تنساب من البندول: "أنا الحياة العنيدة التي لاتحتمل!") (ترجمة محمد الاحسايني)
الحطيئة، وابن دقيق العيد، ومعروف الرصافي والشاعر القروي، وبودلير وأحمد فؤاد نجم وآخرون غيرهم، عاشوا فقراء بؤساء، لكنهم أبدعوا أكثر وأفضل من أي أحد آخر. فعلى الرغم من بؤسهم وفقرهم فقد بصموا تاريخ الإبداع الإنساني بأسلوبهم المميز، وبمعانقتهم أحلام الناس، ومشاطرتهم آلامهم والكتابة عنها، كان إبداعهم الرفيع مرآة صافية عكست بصدق وأمانة معاناتهم، فخلفوا للأجيال اللاحقة تراثا رائعا غنيا وخالدا.
ففي اليوم العالمي للشعر، في الوقت الذي نتحلق فيه حول هذا الفن النبيل، ينبغي أن نستحضر معاناة كثير من الشعراء الذين يعيشون البؤس ويكابدون قسوة الحياة وشظف العيش كل يوم، بلا أجرة قارة ولا مكافآت مجزية ولا معاش ولا تأمين صحي، دون أن يلتفت إليهم أحد. تمنعهم عزة النفس أن يمدوا أيديهم لأحد أو يصدحوا بأصواتهم بالشكوى
- See more at: http://elaph.com/Web/Culture/2017/3/1138880.html#sthash.HxpXjReS.dpuf

حوار بابلو نيرودا مع مجلة باريس ريفيو – يناير 1970 /

مارس 23, 2017 اضف تعليق


أجرى الحوار: ريتا غويبرت

ترجمة: راضي النماصي

“لم أعتقد بأن حياتي ستنقسم يومًا بين الشعر والسياسة.”، بدأ بابلو نيرودا خطاب ترشحه لرئاسة تشيلي عن طريق الحزب الشيوعي بهذه العبارة. “أنا من أبناء هذه البلاد، والذين عرفوا لعقود نجاحات وإخفاقات وصعوبات تواجدنا كوطن واحد، ومن شارك الفرح والألم بنفس القدر مع كل الشعب. أتيت من طبقة عاملة، ولم أحز في يومٍ ما سلطة، وكنت ولا أزال أعتقد بأن واجبي هو خدمة شعب تشيلي بأفعالي وبقصائدي. عشت وأنا أغني لهم، وأدافع عنهم"...

لأنه مصنف يساريًا، سحب نيرودا ترشيحه بعد شهور من المنافسة الصعبة في الحملات الانتخابية، واستقال من أجل دعم مرشح الوحدة الشعبية: سلفادور الليندي. أجريت هذه المقابلة في منزله في إيسلانيغرا خلال شهر يناير سنة 1970 قبل استقالته.

إيسلانيغرا، أو الجزيرة السوداء، ليست بجزيرة وليست سوداء. هي منتجع شاطئي أنيق يبعد أربعين كيلومترًا جنوب فالباريسو، وعلى بعد ساعتين بالسيارة من العاصمة سانتياغو. لا أحد يعلم من أين أتى الاسم. يعتقد نيرودا بأن الاسم أتي من الصخور السوداء، والتي تحمل أشكال جزر. قبل ثلاثين سنة، حينما لم يكن هذا المكان بنفس الفخامة، اشترى نيرودا من عائدات كتبه ستة آلاف متر مربع على ساحل البحر، وتتضمن تلك المساحة بيتًا صغيرًا على أعلى جرفٍ حاد. ”ثم بدأ المنزل بالنمو، كما ينمو البشر، وكما تنمو النباتات.”.

لدى نيرودا منازل أخرى، يملك منزلًا في هضبة سان كريستوبال في العاصمة سانتيغو، ومنزل آخر في فالباريسو. جاب محلات الأنتيكة والخردة لكي يزين منزله بكل الأشياء. يسأل نيرودا “ألا يشبه ستالين؟” وهو يشير إلى صورة لمغامر إنكليزي يدعى مورغان في صالة الطعام بمنزله في إيسلا نيغرا. ثم يستأنف القول: ”لم يرد بائع التحف أن يبيعني هذه الصورة، ولكن حينما أخبرته أني تشيلي، سألني ما إذا كنت أعرف بابلو نيرودا، وهكذا أقنعته ببيعها لي”.

يسكن نيرودا “ملاح الأرض” بشكل شبه دائم في منزله بإيسلا نيغرا، مع زوجته الثالثة “ماتيلدا”، والتي يسميها “باتوخا”، تلك المعشوقة التي طالما تغزل فيها بقصائد الحب الشهيرة.

طويل القامة، ممتلئ الجسم، ذو بشرة زيتونية، ملامحه المميزة هي أنف حاد وعينان بنيتان واسعتان مع الجفون. تحركه بطيء لكنه ثابت، ويتحدث بوضوح دون غطرسة. عندما يذهب مع أحدهم للمشي، فهو يحمل نوعين من الأطعمة، برفقة عصاه ومعطفه الريفي الطويل.

يسلي نيرودا زواره القادمون باستمرار في إيسلا نيغرا، وهناك دائمًا تلك الطاولة المخصصة لضيوف الدقيقة الأخيرة. يقوم نيرودا بأكثر تساليه في المشرب، والذي يدخل إليه المرء من خلال ممر صغير من شرفة تطل على البحر. على سقف الممر الصغير تتبدى نقوش فيكتورية وجهاز هاتف قديم. توجد على رفوف النافذة مجموعة من الزجاجات، وقد تم تصميم المشرب كصالون سفينة. للغرفة جدران زجاجية على البحر، نحتت على أطرافها كتابات بخط يد نيرودا، وأسماء أصدقائه الموتى.

خلف المشرب تظهر بوضوح علامة “لا ديون هنا”. يأخذ نيرودا دوره كساقي بمنتهى الجدية، ويحب أن يقدم لضيوفه مشروبات مخلوطة، بالرغم من أنه يفضل السكوتش والنبيذ. يتواجد ملصقان ضد نيرودا على الجدار، واحد منهما سبق واشتراه وهو عائد من رحلته الأخيرة إلى كاراكاس. يظهر ذلك الملصق صورة كبيرة لوجهه، مع عبارة أسفل الملصق “نيرودا، عد إلى موطنك”. أما الآخر، فهو غلاف مجلة من الأرجنتين، يحمل صورة له، ومكتوب في الأسفل “لماذا لايقتل نيرودا نفسه؟”.

الوجبات في إيسلا نيغرا تشيلية نموذجية، وقد ذكر نيرودا بعضها في قصائده: شوربة محار، سمك بصلصة الطماطم، وقطع من الجمبري الصغير. النبيذ كله من تشيلي. في الصيف، يُقدم الطعام في شرفة تطل على حديقة تحتوي محرك قطار قديم. يقول نيرودا عنه: "ياله من محرك قوي وطاحن، مزمجر وذو صفير حاد، ويطلق أصواتًا كالرعود… أحبه لأنه يبدو وكأنه والت ويتمان"...

تم هذا الحوار خلال فترات قصيرة متقطعة. في الصباح، عقدنا الحوار في المكتبة، والتي تعتبر جناحًا جديدًا في المنزل. انتظرته حتى يفرغ من إجابة بريده، ويفرغ من إحدى قصائده في كتابه الجديد. أو يصحح ألواح الطباعة لأجل الطبعة التشيلية الجديدة من ديوانه الأشهر: عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة. حينما يكتب القصيدة، فهو يستعمل الحبر الأخضر في دفتر عادي. يستطيع نيرودا كتابة قصيدة طويلة في وقت قصير نسبيًا، بعدما يصحح قليلًا من الأخطاء. ثم تتم طباعتها على الآلة الكاتبة من قبل سكرتيره وصديقه المقرب لأكثر من خمسين سنة: هوميرو آرسي.

بعد الظهر، حينما يفرغ من قيلولته، كنا نجلس سويًا على مقعد حجري، في الشرفة المطلة على البحر. كان نيرودا يتحدث وهو يمسك بالمذياع الخاص بجهاز التسجيل، والذي كان يسجل صوت تكسر الأمواج، كما لو كان خلفية موسيقية لصوته.

الحوار

غويبرت: لماذا غيرت اسمك؟ ولماذا اخترت بابلو نيرودا؟

نيرودا: في الحقيقة لا أتذكر. كنت وقتها في الثالثة عشر أو الرابعة عشر من عمري. أتذكر أن أبي قد انزعج كثيرًا حينما أفصحت له عن رغبتي بالكتابة. في أكثر أحواله تفاؤلًا، كان يعتقد أن الكتابة ستدمرني وتدمر العائلة. كان يفكر على نطاق محلي، مما لم يجعلني أغضب، ولم أتحمل أي مسؤولية من تلك الأسباب. لذلك كان تغيير اسمي أحد الأسباب الدفاعية.


غويبرت: هل اخترت نيرودا تيمنًا بالشاعر التشيكي: جان نيرودا؟

نيرودا: قرأت قصة قصيرة له. لم أقرأ شعره من قبل، لكن كان لديه كتاب اسمه “قصص من مالا سترانا”، وهي يحكي عن أولئك الناس البسطاء، الذين يقطنون حيًا بنفس الاسم في براغ. من المحتمل أن اسمي الجديد قد أتى من هناك. ومع ذلك، فإن التشيكيين يحسبوني واحدًا منهم، واحدًا من أمتهم، وقد تواصلت معهم بشكل جميل أكثر من مرة.


غويبرت: في حالة إذا انتُخبت رئيسًا لتشيلي، هل ستستمر بالكتابة؟

نيرودا: الكتابة لدي أشبه بالتنفس. فكما لايمكن أن أعيش بلا تنفس، فإني لاأستطيع العيش بدون الكتابة.


غويبرت: هل تعرف شعراء تبوؤا مناصب عالية سياسية ونجحوا؟

نيرودا: فترتنا هي فترة الشعراء الحُكَّام: ماو تسي تونغ و هو شي منه. ماو تسي تونغ يمتاز بصفات أخرى: فهو، كما تعرف، سباح ماهر، وأنا لا أعرف السباحة على الإطلاق. هناك شاعر عظيم آخر، ليوبولد سينغور، رئيس السنغال؛ وآخر يدعى آيم سيزار، شاعر سريالي، وهو أمير الجبهة الفرنسية في المارتينيك. في بلدي، لطالما تورط الشعراء بالسياسة، ولكن لم يحز أحد منهم على رئاسة الجمهورية. على الجانب الآخر، كان هناك رؤساء ممن يكتبون النثر. فعلى سبيل المثال: رومولو غاليغوس، وكان رئيسًا لفنزويلا.


غويبرت: كيف أدرت حملتك الرئاسية؟

نيرودا: أعددنا منصة في بادئ الأمر، ومن ثم عزفنا على الدوام أغانٍ فولكلورية. وكان هناك من يُكلف بشرح آفاقنا السياسية الصارمة، والتي تتعلق بحملتنا. بعد ذلك، أصررت على الذهاب إلى القرى كونها أكثر حرية، وأقل تنظيمًا، أي: أكثر شاعرية. كنت دومًا أنتهي بتلاوة الشعر. وإذا لم أفعل ذلك، سيغادر الناس حملتي بخيبة أمل. أردت منهم أن يسمعوا أفكاري السياسية بالطبع، ولكن لم تكن في غالبية حديثي، لأن الناس يحتاجون أيضًا نوعًا مختلفًا من اللغة.

غويبرت: كيف يتفاعل الناس معك عندما تتلو قصائدك؟

نيرودا: انهم يحبونني بشكل عاطفي للغاية. في بعض الأحيان لا أستطيع دخول أو الخروج من بعض الأماكن. لدي مرافقون خاصون يحمونني من الحشود، وذلك بسبب إحاطة الصحافيين بي. وهذا يحدث في كل مكان.

غويبرت: إذا كان عليك أن تختر بين رئاسة تشيلي وجائزة نوبل، والتي رشحت لها أكثر من مرة، فماذا ستختار؟

نيرودا: لايمكن أن يكون هناك سؤال خيارات بين شيئين مختلفين لهذه الدرجة.

غويبرت: وإن وضعنا رئاسة تشيلي وجائزة نوبل هنا على الطاولة؟

نيرودا: في تلك الحالة سأقوم وأذهب إلى طاولة أخرى.

غويبرت: هل تعتقد أن تتويج صامويل بيكيت لجائزة نوبل العام الماضي كان عادلًا؟

نيرودا: نعم، أعتقد ذلك. يكتب بيكيت أشياء قصيرة لكنها عظيمة. أينما حلت جائزة نوبل على شخص، فهي بالتأكيد تشريف كبير للأدب. لست من الأشخاص الذين يجادلون حول أحقية شخص ما بالجائزة من عدمها. مايهم في هذه الجائزة – إذا كان لها أي أهمية – هو منح بعض الاحترام لمن توج بها. وهذا مايهم.

غويبرت: ما أقوى ذكرياتك؟

نيرودا: لا أعلم. لعل أقوى ذكرياتي هي حينما عشت في إسبانيا، في ذلك المجمع العظيم من الشعراء. لم أعرف مجموعة بهذا القدر الأخوي من الشعراء في أمريكا اللاتينية إلا وتملؤها الإشاعات، كما يُقال في بوينس آيرس. بعد فترة من العيش هناك، كان من الفظيع أن نرى جمهورية من الأصدقاء بهذا الحجم تمزقها الحرب الأهلية، مما بين الوجه البشع للتحكم الفاشي. تفرق أصدقائي: منهم من قتل كغارثيا لوركا وميغيل هرنانديز، ومنهم من توفى في المنفى. حياتي بالمجمل غنية بالذكريات، وبالمشاعر العميقة، وكل منهما أثر في حياتي بشكل أو آخر.

غويبرت: هل يسمحون لك الآن بدخول إسبانيا؟

نيرودا: لست ممنوعًا بشكل رسمي. دعتني السفارة التشيلية هناك في مناسبة خاصة لأقرأ عليهم بعض القصائد، وكان من المحتمل أن يدعوني أدخل، لكني لم أذهب إلى هناك عن قصد. لم أرد أن تدعي الحكومة الإسبانية في ذلك الوقت أنها ديمقراطية عن طريق إدخال من حاربها بكل قوة في الماضي. لاأعرف. منعت من دخول عدة بلدان، وتوضح لي من أشخاص آخرين أن هذا الموضوع لا يؤلم بقدر ما يفعل لك في البداية، وهذا بالضبط ماحدث لي.

غويبرت: تنبأت قصيدتك الغنائية، والتي كتبتها في غارسيا لوركا، بنهايته المأساوية.

نيرودا: نعم، كانت تلك القصيدة غريبة. غريبة لأنه قد كان شخصًا سعيدًا. بالفعل، كان مخلوقًا مبتهجًا. عرفت القليل من الناس بمثل سجيته، وكان هو تجسيدًا لـ ….. حسنًا، لا أقول للنجاح، ولكن لحب الحياة. لقد استمتع بكل دقيقة من حياته. هو مسرف في سعادته. ولذلك السبب، كانت جريمة إعدامه واحدة من أشنع جرائم الفاشية التي لاتُغتفر.

غويبرت: كثيرًا ما كنت تذكره في قصائدك، وكذلك كنت تذكر ميغيل هرنانديز.

نيرودا: كان هرنانديز بمثابة ابن لي. كشاعر، كنت أعتبره أقرب لتلميذي، وتقريبًا عاش جزءًا كبيرًا من حياته في بيتي. اقتيد إلى السجن ومات هناك فقط لأنه كذب الرواية الرسمية لموت غارسيا لوركا. إذا كانت روايتهم صحيحة، فلماذا أبقوه الفاشيون حتى الموت في السجن؟ لماذا رفضوا نقله إلى المستشفى حينما كان يحتضر، كما طلبت السفارة التشيلية؟ كانت وفاة هرنانديز اغتيالًا أيضًا.

غويبرت: ما الذي تتذكره من السنين التي أمضيتها في الهند؟

نيرودا: كان بقائي هناك حدثًا عارضًا، ولم أكن مستعدًا له. غمرتني روعة تلك القارة، وشعرت برغم ذلك باليأس. لأن حياتي وعزلتي هناك قد طالت. في بعض الأحيان، كنت أشعر بأني محتجز في فيلم صوري، فيلم رائع ولكن لا يمكنني مغادرته. لم أشعر بالتصوف الذي ألهم العديد من الأميركيين الجنوبيين والأجانب في الهند. كل من يذهب إلى الهند، في محاولةٍ منه لإجابة دينية حول أسئلة تؤرقه، يرى الأشياء بطريقة مختلفة. أما بالنسبة لي، فقد تأثرت بالظروف الاجتماعية التي تعصف بذلك البلد. تلك الأمة المعزولة عن السلاح كانت ضعيفة للغاية، ومقيدة إلى نير الإمبريالية. حتى الثقافة الإنكليزية، والتي كان لدي ميل كبير تجاهها، أشعرتني بالبغض كونها صارت أداة تقييد فكري للعديد من الهندوس في ذلك الزمان. اختلطت بالعديد من الشباب المحتجين هناك خلال بعثتي الدبلوماسية، ومن خلال منصبي استطعت التعرف على كل أولئك الثوار، والذين شكلوا تلك الحركة العظيمة، التي أدت في النهاية للاستقلال.

غويبرت: هل كتبت ديوانك “المقام على الأرض” في الهند؟

نيرودا: نعم، بالرغم من الهند لم يكن لها ذلك التأثير الفكري على قصائدي.

غويبرت: كتبت كل رسائلك المؤثرة إلى الكاتب الأرجتيني هيكتور أياندي من رانغون، صحيح؟

نيرودا: نعم. كانت تلك الرسائل مهمة في حياتي. لأني لم أعرفه ككاتب. لكنه أخذ على عاتقه، باعتباره شخصًا صالحًا، أن يرسل لي الأخبار والمجلات الدورية باستمرار، كي يساعدني في عزلتي. كنت خائفًا من أن أفقد قدرتي على التواصل بلغتي الأم، لأني ولسنوات لم أستطع التحدث مع أحدهم بالإسبانية. طلبت في إحدى رسائلي من رافائيل ألبيرتي قاموسًا إسبانيًا. عُينت في منصب قنصل، ولكنه كان منصبًا منخفضًا ولايمتاز بمكافأة. عشت في فقر مدقع وعزلة أكثر بؤسًا. لم أستطع رؤية إنسان آخر لأسابيع.

غويبرت: كانت هناك علاقة حب شهيرة بينك وجوزي بليس، والتي كنت تذكرها دومًا في قصائدك.

نيرودا: نعم. كانت امرأة تركت بصمة عميقة في شعري. لطالما تذكرتها، حتى في أحدث كتبي.

غويبرت: إذًا شعرك يرتبط بشكل قريب من مجرى حياتك؟

نيرودا: هذا أمر طبيعي. يجب أن تنعكس حياة الشاعر على قصائده. هذا قانون فن، وقانون حياة.

غويبرت: يمكن تقسيم شعرك إلى مراحل، أليس كذلك؟

نيرودا: لدي أفكار مربكة حول ذلك الموضوع. أنا لا أمتلك مراحل؛ النقاد يكتشفونها. إذا أمكن لي قول أي شيء، فيمكنني القول بأن قصائدي تملك امتيازات عضو بشري: رضيع حينما كنت صغيرًا، طفولي حينما كنت شابًا، يائس حينما كنت أعاني، ومقاتل حينما انخرطت في النضال الاجتماعي. يحضر خليط من هذه الحالات في قصائدي الحالية. لطالما كتبت بدافع من داخلي، وأعتقد بأن هذا الأمر يحدث لجميع الكتاب، الشعراء خصوصًا.

غويبرت: رأيتك ذات مرة وأنت تكتب داخل السيارة.

نيرودا: أكتب أينما أستطيع ومتى أستطيع، أنا أكتب بشكل دائم.

غويبرت: هل تكتب كل شيء بيدك؟ أم تكتب بالآلة الكاتبة؟

نيرودا: منذ أن حصل لي حادث وكسرت اصبعي قبل عدة أشهر، لم أستطع استخدام الآلة الكاتبة. عدت إلى عادات الشباب وصرت أكتب بيدي. اكتشفت لاحقًا أنني حينما أكتب قصائدي بيدي، فإنها تغدو أكثر حساسية، وقابلة للتشكيل أكثر. يقول روبرت غريفز في مقابلة أنه لكي نفكر فيجب علينا أن نحيط أنفسنا بأشياء أقل مما لم يصنع باليد. كان بوسعه أن يضيف بأن الشعر يجب أن يكون مكتوبًا باليد. فصلت الآلة الكاتبة تلك العلاقة الحميمة لي مع الشعر، وأعادتني يدي إلى تلك العلاقة أقرب من قبل.

غويبرت: ما ساعات عملك؟

نيرودا: لا ألتزم بجدول معين، ولكن أفضل الكتابة في الصباح. ما يعني أنه لولا تواجدك اليوم وإضاعة وقتي ووقتك، لكنت الآن أكتب. لا أقرأ أشياء كثيرة خلال اليوم، بل أفضل الكتابة طوال اليوم، ولكن بقمة انشغالي الفكري، أو في قمة شعوري بتجربة، أو أثناء احساسي بشيء ما وهو يخرج مني بشكل صاخب – دعنا نسميه الإلهام – يتركني راضيًا، أو مرهقًا، أو هادئًا، أو فارغًا، إلى أن أصل لحالةٍ لاأستطيع معها الاستمرار في الكتابة. بعيدًا عن ذلك، أود لو أعيش طوال اليوم جالسًا قرب مكتب. أود لو أضع نفسي في معترك الحياة، في منزلي، أن أخوض السياسة، أن أبقى في الطبيعة. أن أبقى في تجوال لا ينتهي. ولكني أكتب بشكل مكثف أينما استطعت وكيفما استطعت. لايزعجني الأمر حينما أكون كثير من الأصدقاء حولي وأنا أكتب.

غويبرت: هل تعزل نفسك عما يحيط بك أثناء الكتابة؟

نيرودا: نعم. ولكن الهدوء التام يستفزني ويزعجني.

غويبرت: لم تلق في يوم بالًا نحو النثر.

نيرودا: النثر…. طوال عمري، لم أشعر بضرورة التعبير عن نفسي إلا بالشعر. لم يهمني يومًا أن أعبر من خلال النثر. أكتب النثر حينما يجتاحني شعور معين، أو في مناسبة معينة تستدعي السرد. الحقيقة أنه يمكنني أن أستغني عن كتابة النثر للأبد، ولكنني أكتبه بشكل مؤقت.

غويبرت: إذا كان عليك أن تنقذ أحد أعمالك من حريقٍ ما، فأي أعمالك تختار؟

نيرودا: لاشيء منها. وما حاجتي لها؟ أفضل أن أنقذ فتاة، أو أن أنقذ مجموعة جيدة من القصص البوليسية، فهي تجلب اهتمامي أكثر من أعمالي الخاصة.

غويبرت: أي نقادك فهم قصائدك بشكل أفضل من غيره؟

نيرودا: أوه، نقادي! لطالما مزقوني إربًا إلى شرائح، بكل الحب أو بكل الكره المتوفر في هذا العالم! في الحياة، وكما في الفن، لايمكن لشخص أن يرضي الجميع، هذا أمر يحدث معنا كلنا. دائمًا مانتلقى القبلات والصفعات، المداعبات والركلات، وهذه حياة الشاعر. ما يزعجني هو التشويه الحاصل في تفسير الشعر في أكثر من مناسبة في حياة المرء. على سبيل المثال، في مؤتمر الكتاب العالمي في نيويورك، والذي جلب أناسًا من مختلف أصقاع الأرض، قرأت قصائدي الاجتماعية. وأكثر منها في كاليفورنيا، قرأت قصائدي التي كتبتها في كوبا دعمًا للثورة الكوبية. ولكن الكتاب في كوبا بدلًا من أن يساندوني، قاموا بتوقيع عريضة وزع منها ملايين النسخ، يعتبرونني فيها شخصًا محميًا من الأميركيين الشماليين، حتى أنهم اعتبروا دخولي إلى الولايات المتحدة نوعًا من منحة! هذا تفسير غبي، إن لم يكن افتراءًا. لأن هناك العديد من الكتاب يسكنون البلدان الشيوعية قد حضروا المؤتمر، وقد تمت دعوة بعض الكتاب من كوبا. نحن لم نفقد شخصياتنا كمناهضين للإمبريالية بمجرد ذهابنا إلى هناك. على كل حال، فقد صدر ذلك الادعاء، إما بحسن نية أو مجرد حسد من الكوبيين. ما يحدث الآن كوني مرشحًا من حزبي لرئاسة الجمهورية يؤكد كوني صاحب تاريخ ثوري. من الصعب أن نجد ممن وقعوا تلك العريضة من يوازي تاريخه الثوري واحدًا بالمائة مما قمت به وقاتلت لأجله.

غويبرت: كنت قد تعرضت لانتقادات بسبب طريقة عيشك، وحالتك الاقتصادية.

نيرودا: بشكل عام، كل هذه أكذوبة. بمعنى آخر، تلقينا إرثًا سيئًا من إسبانيا، والتي لم تسمح يومًا لشعبها بالتميز في أي أمر. لقد حسبوا كريستوفر كولومبوس حال عودته. ولم يتسبب بذلك الإرث سوى البورجوازي الحسود، الذي يفكر فيما يملكه الناس وما لا يملكونه. في حالتي الخاصة، كرست نفسي لتعويض الشعب. ومايوجد في منزلي، كتبي على سبيل المثال، فهي أعمالي. لم أستغل أحدًا في حياتي، وهذا أمر غريب. لايأتي مثل هذا اللوم لمن يكتب وفي فمه ملعقة من ذهب! بدلًا عن ذلك، يوجهون أصابع اللوم نحوي، أنا الذي عملت لخمسين سنة. يقولون دائمًا: “انظروا، انظروا إليه كيف يعيش. لديه منزل جيد، ويشرب نبيذًا جيدًا”. ما هذا المنطق؟ قبل كل شيء، من الصعب أن تشرب نبيذًا سيئًا في تشيلي، لأن كل النبيذ هنا جيد. إنها مشكلة تعكس بشكل ما التخلف الموجود في بلادنا، والرداءة التي نعيش بها. أنت بنفسك أخبرتني يومًا حول نورمان ميلر، وكيف تلقى مبلغًا يوازي تسعين ألف دولار أميركي لمجرد أنه نشر ثلاث مقالات في مجلة بأميركا الشمالية. هنا، لو تلقى كاتب لاتيني مثل ذلك المبلغ، لأطلق الكتاب الآخرون احتجاجاتهم: “يا له من إسراف! ياله من أمر فظيع! متى سيتوقف؟!”، بدلًا من أن يبتهجوا لأن كاتبًا يستطيع جني مثل تلك المبالغ. حسنًا، كما قلت لك، هذه هي المصائب التي نجنيها من وراء تخلفنا الثقافي.

غويبرت: لعل أغلب الانتقادات التي واجهتك، صدرت بسبب كونك شيوعيًا.

نيرودا: بالفعل. قيل أكثر من مرة بأن الذي لا يملك شيئًا لن يخسر شيئًا عدا قيوده. أنا أخاطر في كل مرة بحياتي، وبشخصي، وبكل ما أملك: كتبي، ومنزلي. احترق منزلي من قبل، وقد تم اضطهادي، وتم اعتقالي أكثر من مرة، تم نفيي من البلاد، ووضعت تحت الإقامة الجبرية. رآني أفراد الشرطة أكثر من مرة بشكل صريح. أنا لست مرتاحًا مع ما أملكه، ولكن هذا كل مالدي. سخرت نفسي لأجل نضال الشعب، وهذا النضال كان منزلي لأكثر من عشرين سنة تحت مظلة الحزب الشيوعي، والذي يضعني العامة الآن على رأسه. أنا أعيش في هذا المنزل الآن بكرم من قبل حزبي. حسنًا، لندع أولئك الذين حسدوني يقاسون ما قاسيته، وليدعوا على الأقل أحذيتهم في أي مكان ليستعملها أحد آخر!

غويبرت: تبرعت أكثر من مرة بمكتبات مختلفة. ألست تشارك الآن في مشروع “مستعمرة الكتاب” في إيسلانيغرا؟

نيرودا: لقد تبرعت بأكثر من مكتبة إلى الجامعة الوحيدة في بلادي. أنا أعيش على دخل كتبي، وليست لدي أي مدخرات. ليس لدي ما أتخلص منه، إلا ما أدفع كل شهر من نتاج كتبي. بذلك الدخل، أمكن لي جمع مبلغٍ معين لشراء قطعة أرضٍ على الساحل، لكي يستطيع الكتاب إمضاء الصيف هنا، وكتابة أعمالهم الإبداعية في مناخ جميل بشكل استثنائي. سيؤسس المكان مؤسسة كانتالاو، وسيديره بشكل مشترك كل من الجامعة الكاثوليكية، جامعة تشيلي، ومجتمع الكتاب.

غويبرت: ديوان عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة هو أحد دواوينك المبكرة، ولايزال يقرأ حتى الآن عن طريق الآلاف من المعجبين منذ طباعته أول مرة.

نيرودا: كتبت في مقدمة الطبعة الجديدة، والتي تحتفي بصدور مليون نسخة من ذلك الكتاب – بالمناسبة، سيبلغ عدد النسخ مليونان قريبًا – بأني لاأفهم لماذا يحدث كل هذا الاحتفاء. لماذا لايزال الناس يقرأون الكتاب الذي يحتوي حزن الحب، ووجعه، خصوصًا من قِبل الشباب. بكل صراحة، لاأستطيع فهم ذلك. ربما يمثل طرحًا شابًا للعديد من الألغاز، وربما يجاوب عليها. هو كتاب حزين، ولكن جاذبيته لاتهدأ.

غويبرت: أنت من أكثر الشعراء ترجمة، نحو ثلاثين لغة. ما اللغة التي قدمت أفضل ترجمة لشعرك.

نيرودا: ربما الإيطالية، للتشابه بين اللغتين. بالنسبة للإنكليزية والفرنسية، وهي لغتان أعرفهما غير الإيطالية، فهما لايرتبطان بالإسبانية، لا نطقًا، ولا في مكان الكلمات، ولا حتى في وزن الكلمات ولونها. الأمر لايتعلق بقدر الترجمة. المنطق يؤكد بأن على قدر الترجمة، يصل الشعر. بينما في الواقع، أمانة الترجمة، ونقل المعنى، قد يدمر القصيدة. في العديد من الترجمات إلى الفرنسية – ولاأقول كلها -، أجد أن شعري يهرب، ولاشيء يبقى. لا أحد يستطيع التظاهر بسبب أن الكتابة المترجمة تطابق الأصل، لكن من الواضح أنني لو كتبت الشعر بالفرنسية، فلن يبدو النصان متشابهان، وذلك لاختلاف قيمة الكلمات. كنت سأكتب شيئًا مختلفًا تمامًا.

غويبرت: قلت بأنك قارئ جيد للقصص البوليسية، من هو مؤلفك المفضل؟

نيرودا: هناك عمل عظيم ينتمي لهذا النوع من الكتابة، وهو يدعى نعش لأجل ديميتريوس للكاتب إريك أمبلير. قرأت كل أعمال أمبلير التي تلته، ولكن لم يوجد عمل يحاكي جمال أساسات ذلك العمل، ودسائسه الاستثنائية، وجوه الغامض. جورج سيمينون أيضًا مهم، ولكن لايوجد أحد يكتب القصة البوليسية بغموضها، وبكل الرعب الذي تحتويه مثل تلك القصص، كما يكتب جايمس هادلي تشايس. روايته التي بعنوان لا زهور للآنسة بلاندش تعتبر رواية قديمة، لكنها تبقى أحد تحف القصص البوليسية الخالدة. هناك تشابه غريب بين تلك الرواية، ورواية الملاذ لويليام فولكنر، ذلك الكتاب الهام. لكني لم أستطع معرفة أي منهما صدر أولًا. بالطبع، حينما يتحدث أحدهم عن القصة البوليسية، يتبادر إلى ذهني داشيل هاميت. هو الشخص الذي أنشأ مايعرف بالتوهيم ماخلف الروائي، ومنحه أساسات قوية. هو المبتكر العظيم، ومن خلفه المئات من الروائيين. لايفوتني جون ماكدونالد، كونه أحد ألمع الأسماء. كلهم كتاب عظماء ويعملون بمشقة على كتبهم. وربما كل من يتبع تلك المدرسة من الروائيين، مدرسة الأدب البوليسي في أمريكا الشمالية، يُعتبر ناقدًا لمجتمع أميركا الشمالية الرأسمالي المتداعي. ليس هناك ما هو أكبر من الشجب الذي يظهر في تلك الروايات حول فشل وفساد السياسيين والشرطة، وتأثير المال في المدن الكبرى، والفساد الذي يطفح كل مرة في أجزاء أمريكا الشمالية، والذي يعتري “الطريقة الأميركية في الحياة”. ذلك الأدب هو الشهادة الأكثر درامية على ذلك العصر. وحتى الآن، لايزال النقاد يعتبرونه أكثر أنواع الرواية سطحية، بما أنهم لم يتناولوها بعين الاعتبار.

غويبرت: ما الذي تقرؤه من الكتب الأخرى؟

نيرودا: أنا قارئ للتاريخ، خصوصًا تلك الكتب الأثرية، والتي تتحدث عن تاريخ بلادي. لدى تشيلي تاريخ متفرد. ليس بالطبع بسبب منمنمات الآثار القديمة، والتي لا توجد هنا، بل لأن شاعرًا ابتكر هذه البلاد، وهو العظيم ألونسو دي إيرثيلا زونيغا، والذي عاش في زمان كارلوس الخامس. كان أرستقراطيًا باسكيًا ممن وصل مع الغزاة الأوائل لإسبانيا، وهذا أمر غريب بما أن أغلب من أرسل إلى تشيلي يكون من المحاربين. كان ذلك المكان هو أسوأ مكان يعيش فيه المرء. جرت الحرب بين الأراكونيين والإسبان هنا لعدة قرون، وكانت أطول حربٍ أهلية في تاريخ البشرية. قاتلت تلك القبائل نصف الهمجية لأجل حريتها ضد الإسبان مدة ثلاثمائة سنة. قدم زونيغا، ذلك الشاب الإنساني، مع أولئك القادة الذين أرادوا أن يحكموا كل القارة، ونجحوا في ذلك، باستثناء هذا الشريط الضيق والمسمى تشيلي. كتب ألونسو ملحمة تدعى لا أراوكانا، وهي أطول ملحمة في الأدب القشتالي، وقد شرف فيها قبائل أراوكانيا المجهولة. أولئك الأبطال المجهولين، والذي منحهم ألونسو أول اسم لهم، قد مدحهم ألونسو أكثر من بني جلدته، المقاتلين القشتاليين. نشرت لا أراكونيا في القرن السادس عشر، وترجمت عن القشتالية، وانتشرت كالهشيم في أنحاء أوروبا. يالها من ملحمة رائعة لشاعر عظيم. حازت تشيلي ذلك التاريخ العظيم والبطولي منذ نشأتها. لم ننحدر نحن التشيليون، كما انحدر عدة أقوام مهجنة من الاسبان والهنود الأمريكيين، من جنود إسبانيين عن طريق الاغتصاب والتنكيل، ولكن عن طريق زواج طوعي أو قسري للأراكونيين مع سبايا إسبانيات خلال سنين الحرب الطويلة. نحن استثناء. بالطبع، يلي ذلك مرحلة استقلالنا الدموي منذ 1810. تاريخ مليء بالمآسي، وبالمعارضات، والنضال تحت أسماء مثل سان مارتين، بوليفار، خوسيه ميغيل كاريرا وأوهيجنس، من خلال صفحات طويلة من النجاحات والإخفاقات. كل ذلك يجعلني قارئًا لتلك الكتب التي أنفض عنها الغبار، والتي تثيرني وتلهمني إلى أقصى حد. تجعلني تلك الكتب نائيًا عن الجميع، أعاني البرد هناك، ضمن خطوط عرض بلادي وصحرائها. سبخاتها في الشمال، وساحلها المزهر، وجبال الانديز الثلجية. هذه بلادي، تشيلي. أنا ممن ينتمون لهذه البلد حتى الفناء، والذي لايمكن أن أتركها للأبد، مهما عوملت بالحسنى في بلاد أخرى. أحببت مدن أوروبا الكبرى، وأقدر وادي آرنو، وشوارع معينة في كوبنهاجن وستوكهولم، وبالطبع باريس، باريس، باريس، ومع ذلك سأبقى مشتاقًا للعودة إلى تشيلي.

غويبرت: في مقال بعنوان “معاصريّ”، ينتقد إرنستو مونتينيغرو الناقد الأورغواياني رودريغيز مونيغال، كونه صرح بأنه يتمنى لو يدرس الكتاب المعاصرون في أوروبا وأمريكا الشمالية الأدب اللاتيني ومن يكتبون فيه، إن أرادوا أن يحسنوا أدبهم. شبه مونتينيغرو بتهكم ماقاله مونيغال، كأن نملة تقول لفيل: “هيا، اصعد على ظهري”. ثم اقتبس من بورخيس: “على النقيض من الولايات المتحدة الهمجية، لم تنتج هذه البلاد (هذه القارة) أي كاتب ذو مقروئية عالمية، مثل ويتمان أو إيميرسون أو بو. كما لم تنتج كاتبًا عميقًا، مثل هنري جيمس أو ميلفيل".

نيرودا: لماذا يهم إن كنا نملك أسماء مثل ويتمان أو كافكا أو بودلير في قارتنا أم لا؟ تاريخ إبداعنا الأدبي كبير بحجم الإنسانية كلها. لايستطيع أحد في أميركا الشمالية برغم أعداد المثقفين الهائل فيها، أو أوروبا برغم تاريخها العريق، أن يقارن نفسه بتنوعنا الثقافي في أمريكا اللاتينية دون كتب، أو يقارن معانيها بمعانينا في التعبير عن الذات. من السذاجة أن يرمي أحدهم أحجارًا في بركة الآخر، وتمر حياته وهو يأمل أن يتجاوز تلك القارة أو الأخرى. بجانب أن هذا الأمر كله لايعدو كونه رأيًا شخصيًا.

غويبرت: هل لك أن تعلق على الشؤون الأدبية في أميركا اللاتينية؟

نيرودا: أي مجلة تصدر من هندوراس أو نيويورك، أو مونتيفيديو أو غواياكيل، تكتشف أنها كلها تقدم نفس الكاتالوج الأنيق لأدب مستلهم من إليوت أو كافكا. هذا مثال للاستعمار الثقافي. نحن لانزال مغمورين بالاتيكيت الأوروبي. هنا في تشيلي، على سبيل المثال، سترى سيدة المنزل وهي تريك أي شيء – أطباق صينية مثلًا – وتقول لك بابتسامة راضية: “إنها مستوردة”. معظم السلع الفظيعة في البيوت التشيلية هذه الأيام مستوردة، وهي من أسوأ الأنواع. تنتج من مصانع في ألمانيا وفرنسا. تلك القطع التي لامعنى لها تُعتببر الأفضل هنا فقط لأنها مستوردة.

غويبرت: هل السبب هو الخوف من عدم المطابقة؟

نيرودا: بالطبع كنا كلنا نخاف من الأفكار الثورية أثناء الأيام الخوالي، وخصوصًا معشر الكتاب. في هذا العقد، خصوصًا بعد الثورة الكوبية، أصبح الموقف على العكس تمامًا. يعيش الكتاب تحت رعب عدم تصنيفهم كيساريين متشددين، لذلك تجد بعضهم أشبه برجال العصابات. هناك من يكتب فقط نصوصًا تجعلك تظن أنهم في الجبهة الأولى ضد الإمبريالية. نحن، ممن خضنا هذه الحرب، نستمتع حينما نرى الأدب ينحاز إلى جانب الشعب؛ ولكن، نخاف في نفس الوقت من أن يتحول إلى مجرد موضة، وأن يصير الكاتب من عديمي المقروئية، والتصنيف كيساري متشدد، لأنه لن يمضي في الطريق بذات الثورية. في النهاية، كل أنواع الحيوانات يمكن تواجدها في غابة أدبية. في إحدى المرات، حينما تمت إهانتي لعدة سنوات من قبل أشرار لاهم لهم إلا مهاجمة حياتي وشعري، قلت: “لنتركهم وشأنهم، فالغابة تسع الجميع. إذا استطاعت الفيلة أخذ مساحة مناسبة، وهي تأخذ الكثير من المساحات في أفريقيا وسيلان، فمن المؤكد أن هناك مساحة لجميع الشعراء.”.

غويبرت: يتهمك بعض الناس بالعدائية تجاه خورخي لويس بورخيس.

نيرودا: ربما يتخذ ذلك العداء منحى ثقافيًا أو فكريًا نظرًا لتوجهاتنا المختلفة. يستطيع الواحد منا أن يحارب بهدوء، لكن لدي أعداء آخرون عدا الكتاب. بالنسبة لي، فعدوي هو الإمبريالية، وأعدائي هم الرأسماليون ومن ألقوا بقذائف النابالم على فيتنام. لكن بورخيس ليس عدوي.

غويبرت: ما رأيك بكتابات بورخيس؟


نيرودا: إنه كاتب عظيم. وكل من يتكلم الإسبانية يفخر بتواجد شخص مثله على رأس هرم أميركا اللاتينية. كان لدينا القليل من الكتاب الذين يمكن مقارنتهم بالأوروبيين قبل بورخيس، ولكن لم يكن لدينا كاتب بهذه المقروئية العالمية قبله. لا أستطيع أن أقول بأنه الأعظم، وأرجو أن يتجاوزه الكثير، ولكنه بطريقة ما فتح الطريق وجذب اهتمام أوروبا الأدبي نحو بلداننا. لكن بالنسبة لي، فلن أستعدي بورخيس لمجرد أن الآخرين يودون ذلك. إذا كان يفكر كديناصور، حسنًا، فإنه لن يتعارض مع تفكيري. هو لا يفهم شيئًا مما يجري في العالم المعاصر، وهو يعتقد بأني لا أفهم شيئًا كذلك. إذًا، نحن على وفاق.

غويبرت: في يوم الأحد، رأينا بعض الشباب من الأرجنتين يعزفون ويغنون قصائد لبورخيس، ألم يبهجك ذلك المنظر؟

نيرودا: تسرني تلك القصيدة كثيرًا، فهي تظهر لي كم أن بورخيس شاعر محْكم – ولنستخدم ذلك المسمى- وذكي ومعقد يمكن له أن يتحول إلى مثل ذلك الشكل الشعبي، وبتلك اللمسة الشاعرية. أحببت قصيدته كثيرًا، ويجب على الشعراء اللاتينيين تقليدها.

غويبرت: هل كتبت أي أغانٍ تشيلية فولكلورية؟

نيرودا: كتبت بعض الأغاني المشهورة في هذا البلد.

غويبرت: من هم الشعراء الروسيون الذين تفضلهم؟

نيرودا: لعل الرمز المهيمن على الشعر الروسي هو ماياكوفسكي، مثل بثورته لروسيا ما مثله والت ويتمان في أميركا الشمالية. لقد تشرب الشعر حد أن كل قصائده استمرت كونها ماياكوفسكية، وتستطيع أن تعرف ذلك من أول قراءة.

غويبرت: ما رأيك بالكتاب الروس الذين غادروا روسيا؟

نيرودا: من يرغب في مغادرة مكان فيجب عليه أن يفعل ذلك. هذه مشكلة شخصية تمامًا. ربما يشعر بعض الكتاب السوفييتيين بالامتعاض من علاقتهم بالمنظمات الأدبية، أو من حالتهم المادية والاجتماعية. ولكني لم أر علاقة لا تشوبها الخلافات بين الدولة والأدباء أكثر من البلدان السوفييتية. غالبية الكتاب هناك يفخرون باشتراكيتهم، وبحرب تحررهم ضد النازيين، وبالنسيج الاجتماعي الذي صنعته الاشتراكية. إذا كان هناك استثناءات، فهو أمر شخصي بحت، ويحتاج الاستقصاء وراء كل حالةٍ لوحدها.

غويبرت: ولكن العمل الأدبي هناك لا يمكن أن يكون حرًا، يجب أن يعكس خط الدولة الفكري.


نيرودا: هذه مبالغة في القول. عرفت الكثير من الكتاب والرسامين هناك ممن لا يحابون شخصًا أو آخر في الدولة، وأي شيء يحكى هناك حول هذا الموضوع فهو من قبيل المؤامرة، ولكن الحقيقة عكس ذلك. بالطبع، فكل ثورة تحتاج لحشد قواتها، والثورة لايمكن أن تستمر بدون تنمية. الضجة الناجمة عن التغيير من الرأسمالية إلى الاشتراكية لايمكن أن تستمر دون تحقق مطالب الثورة، وبكل قوات الدولة والمجتمع، وذلك يشمل الكتاب، والمفكرين، والفنانين. فكر بالثورة الأمريكية، أو حربنا لأجل الاستقلال ضد إسبانيا. ما الذي كان سيحدث لو أن أحد الكتاب أو الفنانين وقف بصف المستعمر؟ لو حدث ذلك، لكنا قد سقطنا وتم اضطهادهم. هذا من أكبر المبررات للثورة لكي تبني مجتمعًا من الصفر (في النهاية، لم يجرب أحد نقل مجتمع من الرأسمالية والخصوصية إلى الشيوعية) أن تحشد طاقات مفكريها. ربما تتعارض الرغبات في مثل تلك البرامج، وعمومًا لايحدث ذلك إلا في السياسة والإنسان. لكن آمل بأنه مع الوقت والاستقرار ستتمكن المجتمعات الاشتراكية من التخفيف على كتابها لأجل التفكير في المشاكل الاجتماعية، ويكون الكتاب قادرين على ابتكار ما يرغبونه.

غويبرت: ما النصيحة التي تسديها للشعراء الشباب؟

نيرودا: أوه، لا توجد نصيحة للشعراء الشباب! يجب عليهم أن يشقوا طريقهم بأنفسهم؛ يجب عليهم أن يواجهوا العقبات لكي يعبروا عن أنفسهم بشكل صحيح ويتغلبوا عليها. ما لن أنصحهم به أبدًا هو أن يبدأ الواحد منهم بالشعر السياسي. الشعر السياسي أعمق في مشاعره من أي نوع – على الأقل بقدر حب الشعر – ولا يمكن كتابته وأنت مجبر، لأنه سيخرج بشكل مبتذل وغير مقبول. يجب عليك أن تبدع في كل ألوان الشعر وأغراضه لكي تكتب شعرًا سياسيًا. ويجب عليه أن يتلقى الانتقادات بصدرٍ رحب حول خيانته للأدب أو خيانته للشعر. وأيضًا، يجب أن يتسلح الشعر السياسي بالمحتوى والعناصر، وبالثراء الفكري والعاطفي، من أجل أن يتخلى عن نوع آخر من الشعر. وهذا نادرًا مايتحقق.

غويبرت: دائمًا ما تقول أنك لا تؤمن بالأصالة.

نيرودا: أن تبحث عن الأصالة في كل القيم هو شرط حداثي. في أيامنا، كان الشاعر يريد أن يجلب الاهتمام لنفسه، وهذا الانشغال السطحي يقضي على خصائصه العصية. كل شخص يحاول أن يجد طريقًا يبرز فيه، لا من أجل العمق أو الاكتشاف، ولكن لأجل التنوع. أكثر الفنانين أصالة ستجده يغير مراحل عمله لكي يجاري الزمان والحقبة التي يعيش فيها. أكبر مثال على ذلك هو بيكاسو، الذي بدأ بإنشاء فنه عن طريق النحت والرسم في أفريقيا أو الفنون البدائية، ثم وجد طريقه الخاص وتحول بقوة جعلت الآن أحد المعالم الثقافية لهذا العالم.

غويبرت: ما التأثيرات الأدبية على بابلو نيرودا؟

نيرودا: يتبدل الكتاب في دواخلهم بطريقة ما، كما أن الهواء الذي نتنفسه لاينبع من مكان واحد. تنقل الكاتب الداخلي أشبه بتنقله من منزل لآخر: يجب عليه أن يغير الأثاث. يرتاح بعض الشعراء مع ذلك. أذكر فيدريكو غارسيا لوركا حينما كان يسألني دومًا أن أقرأ سطوري وقصائدي، كان يطلب مني التوقف دومًا في منتصف قراءتي وهو يقول:” توقف، توقف! لاتكمل، كي لاتؤثر علي".

غويبرت: لنتحدث حول نورمان ميلر. كنت من أوائل الكتاب الذين تحدثوا عنه.

نيرودا: بعدما صدرت رواية ميلر بفترة وجيزة، والمسماة بـ”العاري والميت”، وجدتها في مكتبة بالمكسيك. لم يعلم أحد بأمرها، وحتى صاحب المكتبة لم يعلم شيئًا عنها، كان دافعي الوحيد لشرائها هو أنني على وشك رحلة، وأود قراءة رواية أميركية جديدة. ظننت بأن الرواية الأميركية ماتت بعد العظام الذين بدأوها، الذين بدأوا بدرايزر، وانتهوا بهيمنغواي وشتاينبك وفولكنر. لكني اكتشفت كاتبًا عظيمًا آخر، بألفاظ عنيفة، ومشتبكة بدقة مع قدرة عظيمة على الوصف. لطالما أعجبت بشعر باسترناك، ولكن روايته دكتور زيفاكو تعد مملة إذا ما قارناها بالعاري والميت، ماع دا وصفه الشاعري للطبيعة. أتذكر في ذلك الوقت أنني كتبت قصيدة بعنوان “لتستيقظ فواصل السكك الحديدية”، وتلك القصيدة التي استدعيت فيها شخص لينكولن، كانت مخصصة للسلام العالمي. كتبت فيها عن أوكيناوا والحرب في اليابان، وذكرت أيضًا نورمان ميلر. وصلت قصيدتي إلى أوروبا وتمت ترجمتها، وأتذكر بأن المترجم قال لي بأنه عانى كثيرًا ليعرف من يكون نورمان ميلر هذا. لم يعرفه أحد في الواقع، ولا أزال أشعر بالفخر كوني من أوائل الكتاب الذين اكتشفوه.

غويبرت: هل يمكنك التعليق على تأثرك العميق بالطبيعة؟

نيرودا: منذ طفولتي، حافظت على مشاعري العميقة تجاه الطيور والأصداف والغابات والنباتات. ذهبت لأماكن عديدة من أجل أن أرى أصدافًا بحرية، وقد جمعت الكثير منها. كتبت كتابًا بعنوان “فن الطيور”، كتبت عن الحيوانات المنقرضة، الزلازل البحرية، وحتى “زهرة العشّاب”. لا أستطيع العيش بعيدًا عن الطبيعة، ربما أحب الفنادق ليومين، وأحب الطائرات لساعة، ولكني أسعد حينما أتواجد بين الأشجار في الغابات، أو على الرمال، أو أثناء الإبحار، وحينما أتواصل مباشرة مع النار، الأرض، الماء، والهواء.

غويبرت: هناك رموز تتكرر دائمًا في قصائدك، وهي تأخذ على الدوام شكل البحر والأسماك والطيور….

نيرودا: لاأؤمن بالرموز. إنها بكل بساطة أشياء كما هي. حينما أقول البحر مثلًا فأنا أعنيه دون أي معنى آخر. ظهور بعض الثيمات في قصائدي هو ظهور مادي لاأكثر.

غويبرت: ما دلالات كل من الحمامة والغيتار في شعرك.

نيرودا: الحمامة تدل على الحمامة، والغيتار يدل على آلة موسيقية تدعى غيتار.

غويبرت: إذًا، فأنت تعني أن من يحاول تفسير تلك الأشياء بغير ما هي ….

نيرودا: عندما أرى حمامة، فإني أسميها حمامة. الحمامة، سواء كانت موجودة أم لا، لديها شكل بالنسبة لي، سواء بذاتها أو شكل موضوعي، ولكنها لا تتجاوز كونها حمامة.

غويبرت: قلت عن ديوانك “اقامة على الأرض” مرة بأنه “لا يساعد المرء على الحياة، بل يساعده على الموت".

نيرودا: مثل ذلك الديوان لحظة مظلمة وخطيرة في حياتي. تلك اللحظة كانت الشعر من دون مخرج. كنت أحتاج إلى أن أولد من جديد فقط لكي أتجاوز تلك المرحلة. تم إنقاذي من ذلك اليأس الذي لازلت أجهل عمقه، والذي خلفته الحرب الأهلية الإسبانية، وعدة مناسباتٍ أخرى جعلتني أتأمل. قلت مرة بأنه لو كانت لدي السلطة والقوة، لمنعت انتشار ذلك الكتاب، ولخططت لعدم طبعه مرة أخرى. إنه يضخم الشعور بالحياة كعبء مؤلم، وكشعور قاتل. ولكني أعرف بأنه من أفضل كتبي، وذلك لأنه يعكس حالتي الذهنية. مع ذلك، حينما يكتب الواحد منا – ولاأعلم إن كان ذلك ينطبق على بقية الكتاب – فهو يفكر ماإذا كانت كلماته ستحط على الأرض. كتب روبرت فروست في إحدى مقالاته بأن الألم هو وجهة الشعر الوحيدة: “دعوا الألم وحده مع الشعر”. لكني لاأعلم ماسيفكر به لو رأى شابًا منتحرًا ودمائه تنزف على أحد كتبه. حدث هذا الأمر لي: انتحر شاب بجانب أحد كتبي، وكان مليئًا بالحياة حسب مايقال عنه. لا أشعر حقيقة بالذنب لمقتله، ولكن مرأى تلك الصفحة الملطخة بالدماء لاتجعل ذلك الشاعر يفكر، بل كل الشعراء… بالطبع، سعد أعدائي بهذا الأمر – كما يفعلون دومًا معي – واستفادوا سياسيًا جراء لومي في بلادي، مما أشغل رغبة في لكتابة شعر متفائل وسعيد. هم لم يعرفوا بذلك الأمر، ولم يسبق لي أن تخليت عن شعوري بالوحدة والألم والسوداوية بسبب ذلك الحادث. لكنني أحببت تغيير نبرة قصائدي، أحب أن أجد كل الأصوات، وأطارد جميع الألوان، وأبحث عن قوى الحياة أينما كانت، سواء بناءة أو مدمرة.

مر شعري بجميع المراحل التي مرت بها حياتي؛ منذ الطفولة الوحيدة وحتى العزلة في البلاد النائية البعيدة، عزمت على أن أجعل من نفسي جزءًا من هذه الإنسانية العظيمة. نضجت حياتي، وهذا كل مافي الأمر. كل من نمط الشعراء في القرن الماضي أن يكونوا سوداويين معَذبين، ولكن من الممكن أن يتواجد شعراء ممن يعرفون الحياة ومشاكلها، ومن ينجو من تلك المشاكل بالتعايش مع الحاضر. ومن يهرب من الحزن إلى السعادة الوافرة.