محمد عبد الحميد بيضون... سقوط وهم : الرئيس القوي

فبراير 27, 2017 اضف تعليق

تمت صناعة وهم الرئيس القوي لدى قسم من اللبنانيين باللعب على الحنين للماضي حيث كان للبنان دولة محترمة ولو بالحد الأدنى . اليوم بدأ هذا الوهم بالترنح بل انه على وشك السقوط بسبب انعدام القدرة على الحسم وآخر العنقود هو السلاح الفلسطيني حيث المعارك تدور في مخيم عين الحلوة في صيدا ويتم استقدام المسلحين من خارجه دون ان تحرك الدولة اللبنانية اَي ساكن رغم كثرة الكلام والوعود في كل المواضيع الاخرى.

في عام ٢٠٠٦ اتخذ المجتمعون على طاولة الحوار في المجلس النيابي وهم نفسهم المتسلطون على الحكم الْيَوْمَ قراراً بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتناسوا السلاح داخلها٠لكن السلاح خارج المخيمات هو بالحقيقة سلاح تابع للوصاية السورية التي يتبع لها معظم أركان طاولة الحوار لذلك لم ينفذ القرار وبقيت القواعد العسكرية الفلسطينية اسماً والسورية واقعاً ولَم يرشقها احد بوردة.


عام ٢٠٠٧ انفجر القتال بين الجيش اللبناني ومنظمة شاكر العبسي التي أسموها "فتح الشام" والتي ارسلها بشار الأسد لتخريب الوضع في لبنان رداً على قرار لبنان انشاء محكمة دولية في قضية اغتيال رفيق الحريري.  هذا القتال انحصر في مخيم البارد في الشمال وكانت المفاجأة هي إطلاق أمين عام حزب الله شعاره أو تهديده بوجه الجيش عندما قال ان المخيم خط احمر.

انتهت معارك الشمال بخسارة كبيرة للجيش مع دمار المخيم ومع اغتيال العميد فرانسوا الحاج ورغم ذلك لم يطرح اَي من الطبقة السياسية موضوع نزع السلاح من المخيمات رغم ان القرار ١٧٠١ ينص على نزع كل سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية.  بل على العكس بدأت تصدر من جماعة الممانعة وعلى رأسها حزب الله مواقف تؤكد ان السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات هو خط الدفاع الاول عن سلاح المقاومة.


الرئيس الفلسطيني محمود عباس طالب الدولة اللبنانية بنزع السلاح من المخيمات وعودتها الى السيادة اللبنانية عشرات المرات وكذلك أهل المخيمات الفقراء الذين لا يريدون سوى الأمن والخلاص من تسلط الميليشيات وعبثها لكن الدولة اللبنانية تشيح بنظرها عن هذا الواقع وتتهرب من مسؤوليتها عن الأمن وعن السيادة وعن تنفيذ القرار الدولي ١٧٠١.

الطريف ان الجيش يبني جداراً امنياً كفاصل بين المخيم والمحيط وليس لدى اَي مسؤول اَي قدرة على اتخاذ قرار بسط سلطة الدولة وأمنها على المخيمات اذا لم نقل كامل الاراضي اللبنانية تأكيداً لسيادة الدولة حيث ان السيادة صارت فقط في يد حزب الوصاية.


ما أسعدنا في لبنان لدينا رئيس قوي بدون......... سيادة٠

(*)نائب ووزير سابق
فارسيه (منمنمات)

فارسيه (منمنمات)

فبراير 26, 2017 اضف تعليق


الفارسية (المنمنمات -)

المنمنمة miniature صورة صغيرة في مخطوط، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية minium التي تعني المداد الأحمر الذي كان يستخدمه النساخ للتأشير، أو لتدبيج rubrication الحروف الاستهلالية بالمواضع المهمة من النص، وتعني كلمة miniare الكتابة أو التصوير باللون القرمزي، وامتدت كلمة miniature فيما بعد لتشمل الرسوم التوضيحية المصورة بأي حجم وأي شكل تظهر به سواء داخل أطر أم (غرات) أم حروف استهلالية.
فالمنمنمة تصوير دقيق فوق ورق رِقِّي، أو قطع من العاج، أو صور إيضاحية في المخطوطات.
التأثير الصيني
يمثل وصول الاختراع الصيني «الورق» إلى العالم الإسلامي منعطفاً أساسياً في انتشار صناعة الكتاب والمكتبات، ودور الحكمة والعلم، وازدهار محترفات النسخ والتخطيط والتدوين والتصوير والتذهيب والتجليد حتى صار حي الوراقين يمثل العصب الرئيس في خطط التنظيم الحضري.
الشاه بشمان وهومايا في حدائق القصر


الشاه بشمان في الصيد
أمير شاب بثياب إيرانية (زي إيراني)
(نحو1560-1570م)
رستم على رأس جيشه
انتشر الورق مع العملة الورقية (الكاغد) في القرن الرابع الميلادي، ووصل إلى سمرقند عام 700ميلادية. يذكر المؤرخ عبد الملك الثعالبي أن صناعة الورق في سمرقند وصلت إلى المسلمين إثر معركـةتاليس عـام 751م، التي أَسَر في أثنائها القائدُ زياد بن صالح عدداً من الصنّاع الصينيين، وقد ورد في بعض المصادر الصينية نص تاريخي يشير إلى وجود فنانين صينيين في تلك الفترة في الكوفة، وأنهم علَّموا الصناع المسلمين النقش والتصوير، إضافة إلى نسج الحرائر وغيرها. ومهما يكن من أمر فلا يستبعد وجود فنانين صينيين في محترفات سمرقند أو تبريز أو بغداد، ولاسيما أولئك الذين دخلوا الإسلام. وابتدأت فكرة تصوير المخطوطات من التحليات القرآنية وهجرتها إلى هوامش السور والآيات.
وتنجلي الأمور أكثر في إيران إبّان العصر المغولي، فبعد ما خلفته بداية تلك الفترة (القرن الثالث عشر الميلادي) من تدمير محترفات المدن، صارت تبريز وبغداد المقر الشتوي. وكانت الأسرتان المغوليتان الحاكمتان في إيران قد استلمتا مقاليد الحكم في الصين أيضاً، وسعى أحفاد جنكيزخان وهولاكو إلى الاتصال مع أبناء عمومتهم التتار البوذيين فيها.
تولى الخان الأكبر مانجو الحكم عام 1251، وأقام في سمرقند عام 1255، وأسس أسرة الإيلخانات التي حكمت فارس حتى عام 1336، واتبع المصورون في البداية مدرسة التصوير العربية والأسلوب السلجوقي إضافة إلى الأساليب الفنية المغولية الجديدة، وإن أقدم المخطوطات التي تمثِّل هذا الخليط نسخة باللغة الإيرانية من كتاب «منافع الحيوان» لابن بختيشوع؛ كُتبت وصُوِّرت في مدينة مراغة القريبة من تبريز بأمر الأمير غازان محمود خان.
ومن المراكز التي تجلَّى فيها تطوُّر مدرسة التصوير المغولية مدينة تبريز في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، وأحسن مثال على أسلوب هذه المدرسة مخطوطة «تاريخ الأمم القديمة» أو «الآثار الباقية» التي كتبها البيروني (707هـ)، ويظهر التأثير المغولي واضحاً في مخطوطة «جامع التواريخ» للوزير رشيد الدين، سرد فيها موضوعات من تاريخ الأنبياء وملوك الفرس والعباسيين والسلاجقة وقصص من الإنجيل وتاريخ الهند.
أما المخطوطة التي تُظْهِر أوج تطوُّر هذه المدرسة نحو الأساليب الإيرانية فهي مخطوطة «الشاهنامة» (كتاب الملوك) التي نظمها الشاعر الفردوسي للملك محمد الغزنوي، واشترك في تصويرها أبرع مصوري ذلك العهد، وثمة نسخة أخرى للشاهنامة بأسلوب مختلف، إذ قَلَّتْ فيها العناصر الصينية وبرزت خصائص المدرسة المغولية بتقسيم الصورة إلى مقدمة ومؤخرة.
أُسست في كل من إيران والعراق بعد سقوط الأسرة الإيلخانية مدارس تصوير مرموقة في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وكانت مراكزها مدينتي بغداد وتبريز إبّان حكم الجلائريين، ومدينة شيراز إبان حكم المظفرين.
حاول تيمورلنك إخضاع الصين بعد خراسان وإيران والأتراك، ولكن الأمر تغيّر حينما سقط حكم أسرة «وَنْ» المغولية في الصين واستلمت أسرة مينغ الوطنية ابتداء من عام 1368م. كان التيموريون حذرين في البداية، ثم عقدوا الصلات الدبلوماسية والتجارية معهم. وكان هذا موقف ابنه شاه رخ ثم حفيده بيسنقر الذي أرسل في أثناء حكمه المصوِّر غياث الدين النقاش في بعثة إلى الصين من عام 1420 حتى عام 1424 عاد بعدها بذخيرة من الملاحظات والرسوم وبعض المصورين، ويؤكد ذلك أن منمنمات تلك الفترة متأثرة بطراز «مينغ»، ولعل أبرزها قصائد خواجو كرماني التي تمثل إحدى تصاويرها غَرَام الأمير الفارسي هماي وابنة إمبراطور الصين هومايون (1396). وتحمل هذه الملحمة رمزاً لعلاقة الصين بإيران في تلك الفترة التي ترصعت بعدد من تصاوير المناظر من دون أشخاص وبلون واحد. وكان يغلب على تصاوير تلك المرحلة هيئة السحنات الصينية، وقد تغير الأمر مع حكم السلطان حسين بيقرا ووزيره مير علي شير، بحيث أخذت التقاليد الوطنية في التصوير تنهض وتندحر التأثيرات الصينية مع اسم بهزاد في هراة.
الاستعارات الغرافية graphiques
نقل الورق الصيني بعضاً من حساسيته الغرافية مثله مثل «خيال العرائس» أو «خيال الظل»، فالمادة ليست وسيطاً حيادياً كما يرى بعضهم، ومع أن الإيرانيين توصلوا إلى صناعة أنواع راقية من ورق الحرير والكتّان، فقد ظلوا يستوردون أنواعه المعروفة من الصين.
أما بقية المفردات الزخرفية فهي موجودة في كل مكان حيث يحل البورسلان (الخزف)، إذ حافظ الإيرانيون على احترامهم لصناعته، وهذا ما تؤكده لوحة رضا عباسي: «شاب يحمل إناء صينياً بعنق طويلة»، ومن هذه العناصر التي انتقلت إلى إيران: التنين والفينيق واللقلق والوحوش الخرافية مثل: وحيد القرن والبراق والمجنحات وأبي الهول، ثم هيئات الجن والسحرة والممسوسين والمسوخ السحرية على غرار رسوم مخطوطات «آجوج وماجوج» في بلاد الواق الواق، أو «زال يحمله السيمورغ»، وقد تكون أيضاً بتأثير مباشر من عرائس «خيال الظل» التهكمية (التي ذكرها عمر الخيام)، وتأثر بها كل من محمدي وسلطان محمد. ثم أنواع الطيور (ولاسيما البط)، والغزلان والأرانب، والجذوع المعمرة وأنواع السرو والبامبو (غير موجود أصلاً في إيران)، ثم الصخور الإسفنجية والغيوم التنينية والأهلة اللولسية والأمواج الحلزونية وألسنة اللهب البوذية وغيرها. ويمكن الاطّلاع على هذه الاستعارات في تصاوير مخطوطة «جامع التواريخ» والمصور «سلطان محمد» الذي غلب على مناظره طراز «مينغ».
وفي تصاوير شيراز في الفترة المغولية تُشاهد ملابس وأسلحة وأزياء صينية، وتبدو ملامح شيرين في تصاوير مدرسة هراة صينية أكثر منها أرمنية، وتظهر أشد التأثيرات في التصاوير التي يغلب عليها الخط بالحبر الصيني من دون ألوان، مثل مخطوطة «مختارات إسكندر» أو «شاهنامه السلطان إبراهيم».
التعارض الفلسفي (الروحي)
معركة  رستم وأفرازياب
شاه نامه الشاه طهماسب (إيران، تبريز، نحو 1530-1535)
غواشما وذهب وحبر على ورق (طهران، متحف الفن المعاصر)
يبدو التعارض بين الطرفين أعمق غوراً، والفلسفة الصينية الطاوية البوذية تكشف علاقة المصور بالطبيعة؛ فهي تمثل (بالنسبة إلى تخطيطاته) الإحالة المطلقة التي يستمد منها خطوطه بعد تأملات مديدة. يهاجر الكاهن (الشامان، وهو نفسه المصور والشاعر) روحياً إلى الفلك الأعلى من سلسلة الجبال والوهاد والهضاب، سالكاً مسالك المجاهدات الصخرية والنباتية والمائية، وحاملاً على ظهره مرآته الخاصة، ثم يعوم روحياً في رطوبة الكون وأبخرته السديمية وسحبه وغيومه، وتتشخص عناصر الطبيعة فتنقلب الصخور إلى عظام بشرية، والجذوع إلى عضلات، والسواقي والشلالات إلى عروق وشرايين، والرياح والسحب إلى شهيق وزفير. يصوِّر الفراغ على أساس أنه «رئة قدسية»، ويسعى ألا يخنق هذا الفراغ بالتفاصيل والعناصر حيث تحتل كلها زاوية قَصِيَّة في هامش رحابة الوجود الكوني المطوِّق للإنسان بوصفه جزءاً من كل، ومن تمفصل الخلاء (وهو الأصل) بالامتلاء (وهو الاستثناء)، يداهم رئة الفراغ بقصيدة شعرية مستلهمة من المشهد، يعيد رسمه (بعد تخزينه في الذاكرة) بفرشاة شبقة للألوف المؤلفة من الألوان المائية. فرشاة عاصفة حدسية صدفوية، يقتنص سلوكها المتسارع ما امتصته الذاكرة في ساعات أو أيام، وغالباً ما تنتظم هذه الآلية في متتاليات من اللوحات للموقع الجغرافي نفسه، فتتحول لفيفةً (رولو) على امتداد عشرات الأمتار عمودياً أو أفقياً على الحرير، ثم تمهر بأختام حمراء صريحة تمثل اسم المحترَف أو السلطة الحاكمة. وتطوى اللفافات ولا تفتح إلا ضمن طقوسها ومناسباتها الخاصة.
يتناقض هذا الإيقاع الحدسي - الذاكراتي المتسارع مع طبيعة إنجاز المنمنمة الإيرانية المتراكم في ساعات أو أشهر أو سنوات. ثم لا يوجد أي مصور فارسي يقوم بدور الشاعر، لأن الملاحم الشعرية الإيرانية تمثل الخزان الثقافي للسير الشعبية، لدرجة تبدو الموضوعات متكررة غالباً، فقد رسمت «شاهنامة» مرات عديدة، وفي كل مرة كانت تُؤدَّى بحساسية مغايرة وفق المحترِف أو الفنان. وبمقارنة الفناء الضوئي الرحب في «اللفافة» الصينية بمفهوم «النور» في المنمنمة الفارسية، ولاسيما عند «بهزاد»؛ يتوضح التعارض الجوهري بين الفلسفتين، إنه التعارض بين مفهوم التشبيه (المقاربة مع المنظر الطبيعي) والتنزيه (الشطح بالعالم باتجاه الحلم والتجلي القلبي)، لهذا تبدو التصاوير المغولية المبكرة المتأثرة بالمعنى الصيني، ومثالها رسوم مخطوطة «جامع التواريخ» أشد وصفيّة وواقعية من رسوم «مدرسة بهزاد» الأقرب إلى التعبيرية اللونية، ولاسيما في تكوينات المعارك؛ حيث تتشرد بؤر اللون، وتتشظى المساحات الصباغية لدرجة تطغى فيها تجريدات الألوان وحواراتها على دلالات الأشكال، وهنا يتم العبور من مفهوم اللون إلى تأويلين صريحين؛ الأول يرتبط بالنور الطبيعي، والثاني بالنور «البصري»، أو الضوئي. أي فناء النور في النور (وفق آية النور القرآنية)، تماماً كما يُصوَّر بالأبيض على الأبيض والذهبي على الأصفر، فالمذهبون يضبطون نوطة المساحات المسطحة المقتصرة على بعدين والمنزهة عن الحجم والظل والمنظور الصيني، وتخضع الصناعات الذوقية الإسلامية عموماً لهذه الصبوة النورانية بما فيها المواد العاكسة للنور مثل السيراميك والمرايا والبحرات وأنواع الزجاجيات، لدرجة تبدو فيها المدينة وكأنها مشكاة قزحية من الألوان الوامضة أو المرايا المتعاكسة.
ويبدو أن معظم المصورين الإيرانيين (ولاسيما بهزاد) جعلوا من سلم ألوانهم نوراً من التجلي والغبطة المستديمة من دون أدنى حسبان للمزدكية (لأنها بالنسبة لأمثالهم نوع من الزندقة)، ولا يمكن إدراك عمق صوفيتهم اللونية إلا بالرجوع إلى المناخ الروحي لعصرهم وبيئتهم، فالتمفصل يبدو عضوياً بين الاتجاهات الصوفية والأبعاد الباطنية في التصوير.
من المعروف أن الشاه إسماعيل (مؤسس الدولة الصفوية عام 1502م، من سلالة الشيخ صفي الدين) مؤسس الطريقة الصوفية وفرقة الدراويش، ولم يكن ابنه طهماسب بأقل منه رهافة وثقافة، فقد حكم نصف قرن من الزمان مشجعاً على الموسيقى والتصوير والشعر، وكان مصوراً بارعاً لدرجة أن مصوري مكتبته لا يضعون اللمسات الأخيرة على تصاويرهم إلا بعد استشارته، أو تعديلاته لها أو تصحيحها، وفي عهده أيضاً تطور طراز خط النستعليق تطوراً كبيراً.
                    رستم يجندل خصمه  انتصار رستم على قاشاني
         صفحة من الشاه نامه (إيران، نحو 1499)    شاه نامه طهماسب (إيران، تبريز، نحو 1530-1531)
              غواشما وذهب وحبر على ورق   (طهران، متحف الفن المعاصر)
يعمل المصورون الإيرانيون غالباً ضمن سلسلة صوفية متوارثة، كان ميرزا علي يعمل مع ابنه سلطان محمد الذي كان يعمل بدوره مع ابن ابنته زين العابدين، ومير سيد علي مع ابن مير مطغر. وهذا ما يذكِّر بسلطة النقابات الروحية (الصوفية) المتأخرة والتي كانت تراقب تجويد المهن الذوقية بمنح الإجازة أو سحبها.
توافق أغلب الملاحم الشعرية التي عالجها المصورون من جهة أخرى صوراً قرآنية، على غرار «يوسف وزليخة» و«إبراهيم والنار» و«أهل الكهف»، ثم قصص الأنبياء والمتصوفة من المعراج إلى حلقات الذكر والأولياء والنسّاك والدراويش والمنشدين، بل إن بعض المؤلفات المصوَّرة اختصت بالسيرة على شاكلة: «مجالس العشاق» لمجد الدين البغدادي (1522م)، و«سبحة الأبرار» لنور الدين حاجي (1562)، أو «منطق الطير» لفريد الدين العطار (عرفانية السيمورغ)، أو «مثنوية» جلال الدين الرومي، ثم «روضة الصفاء» (شيراز1475)  أو (كتاب الوجد «حالنامة»، شيراز 1591م)، أو «كتاب النور» شيراز، و«مطلع الأنوار» (تبريز، 1500- 1505).
                     صفحة من الشاه نامه
           (إيران، نحو 968هـ/1560-1561م)
         حبر ورسوم ملونة ولمسات ذهبية على ورق
تسيطر هذه الروح (الصوفية) على بناء الملاحم الشعرية نفسها على مثال خماسية نظامي، وتتكشف «إشراقيته» في فصلين منها (الخماسية): مخزن الأبرار وليلى والمجنون. ويكاد يشار إلى النبي r في معراجه لسمو الأداء الشعري والرسم، وكذلك الأمر مع الشاعر جامي الذي كان على منزلة عالية في سلم الطرق الصوفية، ومثله سعدي وحافظ.
خلّف المصورون كثيراً من الرسوم التي ترصد أحوال الدراويش ومواجيدهم، ومثال ذلك تصاوير بهزاد: «فقهاء في مسجد» من بستان سعدي، و«درويش من بغداد» (قد يكون ترميزاً للحلاج). وهناك قاسم علي: «جماعة من المتصوفة يتناقشون في حديقة» (1485م)، إضافة إلى معاني الحب المطلق «ليلى والمجنون» ترميزاً إلى «العشق الإلهي». وفي رسوم المعراج يعتمر النبي r العمامة الصفوية ذات الوتد الأحمر ومحجب الوجه، ويثقل كاهل براقه أنواع الطنافس والسجاجيد المحلية.
لعل أبرز تظاهرات هذه الصبوة الوجدية موضوع ثنائية: «السكر والصحو» الرمزيتين والاستعارة هنا من مشاهد الخمرة وكؤوس الـراح ونشوة الثمل. لعل أبرزها صورة أنجزها سلطان محمـد في تبريـز (1527م) من ديوان حافظ بعنوان: «سكر هذا العالم» تمثل مجتمعاً مترنحاً من نشوة السكر، يرقص بعضهم ويتدحرج آخرون، ويتأمل أحد مشايخهم المرآة، وتبدو في طرف التكوين شرفة تطل على حديقة ورجل يمسك بيده حبل يتدلى منه إبريق من الخمر.
المنظور البصيري، ومقام «السماعي» في نوطة ألوان المنمنمة الفارسية ولاسيما مدرسة بهزاد:استعادت مدينة هراة مركزها الفني في فترة حكم حسين ميرزا (873-911هـ)، آخر حكام الأسرة التيمورية، وتعد فترة حكمه من العصور الذهبية، وكان هو ووزيره المؤرخ مير علي من مشجعي الأدب والتصوير في إيران، وظهر في عهده كمال الدين بهزاد[ر] أبرز مصوري إيران في العصر الإسلامي، وتلاميذه مراك نقاش وعبد الرزاق وقاسم علي وشيخ زادة، وكان بهزاد من أوائل المسلمين الذين اهتموا بوضع تواقيعهم على أعمالهم الفنية.
وفي العصر الصفوي وبعد أن تمكن الشاه إسماعيل من السيطرة على هراة نحو عام 916هـ/1510م نقلَ المصورين المشهورين إلى تبريز، وعيَّنَ كبيرهم بهزاد رئيساً للمكتبة الملكية عام 1522م، ويعد بهزاد المؤسس لمدرسة التصوير الصفوية الأولى التي تكونت وازدهرت في تبريز وقزوين. وضمت هذه المدرسة: سلطان محمد وشيخ زادة وأقارك ومظفر علي وميرسيد علي ومحمدي وسيد كير نقاش وشاه محمد ودوست محمد، ولما كان هؤلاء متأثرين بأساليب المدرسة التيمورية فقد كان الإنتاج الأول لمدرسة التصوير الصفوية الأولى في تبريز استمراراً لما كان سائداً في هراة مع تغيير طفيف في درجات الألوان التي زاد هدوؤها. وفي عهد الشاه عباس (1587 ـ 1629م) اشتهر كل من المصورين محمدي الذي نفث الروح في التصوير الفارسي بعد خبوه، وأقا رضا، ورضا عباسي [ر].
اكتشف المصورون الإيرانيون صيغة من «التعبيرية اللونية» قلبت مفاهيم الفن المعاصر في أوربا القرن العشرين، وتعتمد هذه الصيغة على التحول من الغبطة الروحية إلى الغبطة الموسيقية في اللون، وتتراكم في هذه التقاليد الثقافة الصوفية والرمزية العرفانية في تحكم الألوان. وقد نقلت الباحثة المتصوفة إيفا ميروفيتش Eva Meyerovitch في مؤلَّفِها الشهير عن سيرة جلال الدين الرومي؛ سلماً سباعياً من المحطات الذوقية تتبدل فيه معاني الألوان بتغيير أحرف الجر كما يأتي:
1 - السفر إلى الحق: نور أزرق
2 - السفر من الحق: نور أصفر
3 - السفر على الحق: نور أحمر
4 - السفر مع الحق: نور أبيض
5 - السفر في الحق: نور أخضر
6 - السفر عن الحق: نور أسود
7 - السفر بالحق: نور بلا لون، يتجلى ذلك في تصوير آغا ميراك لبهرام غور مع زوجاته الأميرات السبع، يزور كل يوم واحدة منهن تحت قبة مغايرة الألوان كالآتي: الأسود والأصفر والأخضر والأحمر والصندلي والأبيض والأزرق الفيروزي تماماً مثل ألوان جنان الفردوس السبع.
ويتجلى ذلك أيضاً في صفحة من رسوم مصنف إسكندر (شيراز 1410م) وتمثِّل الصورة إبراهيم uتطوقه النيران، وتخضع ألوان النار فيها إلى معنى الآية: )قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم[ (الأنبياء: 69) معبرة عن معنى الأزرق والأخضر بدلاً من الأحمر والأصفر، تماماً مثل تدرجات ألوان الأحصنة لدى بهزاد.
تبدو لوحة بهزاد: «يوسف وزليخة» (بستان سعدي 1488-1489 من محفوظات المكتبة القومية في القاهرة) من أرهف الأمثلة على استقلال قيم التصوير الإيراني عن أي تأثير، بل تناقضها الأسلوبي - الروحي الصريح مع نظيره الصيني. فالتكوين العام داخلي ومعماري ومتعامد، أو بخطوط هندسية مائلة بدرجة 45 ْ، ومتعارضة؛ حيث تعكس صورة المتاهة التي تمثلها الأبواب السبعة. يُقَسَّم التكوين إذاً على أساس شطرنجي وفق منظور عين الطائر (أو عين السيمورغ) الذي يسبر «وحدة وجود» (بصرية - بصيرية)، هو الذي يكشف العناصر من وجوهها الظاهرة والباطنة، فالمشربية تتظاهر بشتى سطوحها من الواجهة والخلف والأسفل والأعلى. تتغلغل عين المشاهد في شتى حنايا الفراغ، من دون خط أفق سكوني، أو خطوط هاربة إليه وفق «منظور ألبرتي» Alberti في عصر النهضة الإيطالي. ويخالف هذا المنظور الروحي المتوازي الخطوط نظيره الصيني، وهو المنظور المقلوب الذي تلتقي خطوطه في الأسفل (بعكس المنظور الإيطالي)؛ أي إن ثمة مخالفة جوهرية تشير إلى اعتماد المنمنمة الفارسية (مدرسة بهزاد)، وعلى نحو مطلق، على السطوح الملوَّنة ذات البعدين من دون أدنى تدرج للظل والنور، ومن دون اهتمام بالتعبير عن الكتلة، مما يسمح بتوزيع «أوركسترا» الألوان الباردة والحارة والمحايدة بطريقة التنويط الموسيقي، وفق مقام لحني أفقي، كما هو في «السماعي» الشطحي. أي التحول من رفيف الصباغة إلى ذبذباتها الصوتية. ويزداد هذا التناقض حدة حينما نتذكر أن ألوان المنمنمات ذات مادة كتيمة (مثل الغواش) على الورق، بعكس التصوير الصيني الذي يُنجَز بالألوان المائية على الحرير، كما وأن هناك فرق كبير بين تواتر صفحات المخطوطة وطريقة فرد «اللفافة» الصينية، مما سمح للمدرسة البهزادية أن تطور علاقة ساحة الصفحة الداخلية بالهوامش؛ وذلك حفاظاً على إيقاع النص المنسوخ مع التصاوير المتوازية معه. وهنا يتم الوصول إلى واحدة من الأسرار الصناعية المرتبطة بأحابيل هجرة الرسم من الفراغ المهندَس إلى الفراغ المطلق، حيث يبدو الزمان والمكان بحالة إطلاق، من دون تمايز جغرافي أو حضري، ومن دون تمييز بين الفصول أو حالات الليل والنهار.
يعكس المنظر الصيني رحابة جغرافيته الطبيعية، بعكس الفردوس الإيراني الذي يمثل جناناً طوباوية بسبب قساوة الواقع الجغرافي.
لإدراك البعد الصوفي في المنظور البهزادي؛ لابد من مراجعة ليس بصريات ابن الهيثم وإنما أبي حامد الغزالي في كتابه «مشكاة الأنوار»، يشرح فيه على لسان القطب المصوّر لتلميذه أو مؤيده معنى المنظور القلبي أو البصيري الذي يصحح الأوهام السبعة التي تتعثر بها حاسة البصر، ومنها أنها ترى العناصر البعيدة أصغر من القريبة، ولا ترى ما هو مخفي منها، مؤكداً أن لعين البصيرة القدرة أكثر من العين المبصرة على كشف الحقائق الباطنة في الوجود، كما يهدي شرح السُّهروردي للإنشاد أو السمعي الصوفي إلى توّحد الحواس (السمع والبصر) في ساحة القلب، لأنه مركز التجلّي والتبيان الشطحي.
هذا ما طبقته المنمنمة الفارسية، ولاسيما مدرسة بهزاد، في الاعتماد على التنويط الموسيقي اللوني، وذلك لأن اللون صائت، وأن لكل لون صوته الخاص (أزيزه وصداه الروحي) وهذا ما ألهم مدرسي الباوهاوسBauhaus في ألمانيا اعتماد تجارب من هذا النوع كان يشرف عليها بول كلي Paul Klee، ثم صمم زميله المدرس ڤاسيلي كاندينسكي W.Kandinsky «الأورغ الملون» في بداية القرن العشرين.
يبتدئ المصور بعد إنهاء الرسم التخطيطي بتوزيع الألوان النورانية المحايدة أو الصامتة حيث تغمر مساحات شاسعة من التكوين على غرار مشتقات الرمادي والأصفر أو الذهبي أو الأهرة الباردة، ثم ينتزع البؤر البيضاء من محيطها، مثل تحديد مواقع العمامات الصفوية مع أوتادها الحمراء، ثم يبدأ بحثه الجدّي عن المقام اللوني المسيطر ابتداء مما تقترحه بصورة حدسية هذه المبادرات الصباغيّة، ويبحث بطريقة لا تقبل التعديل عن المكملات اللونية لأحمر العمامة مثلاً وفق نوعه.
يتزامن اللون الجديد المقابل (الأزرق) مع الأول، ثم يصل إلى مكملات صوتية أخرى من دون أن يشوش سلم الإدراك البصري - الصوتي. وتتعقد بالتدريج الجوارات اللونية حيث تبدو بؤرها الإشعاعية متباعدة، ترصّع الفراغ المحايد مثل الجواهر وقطع الزجاج المعشق، حيث تغلب لديه دوماً القيم التجريدية على دلالات العناصر، بما فيها الأشخاص، فاختيار لون القميص أو الرداء مرتبط ليس بواقعيته وانتسابه إلى الشخص الذي يرتديه، وإنما إلى المجموعات اللونية التي تجاوره بعكس منمنمات العهد المغولي التي كانت تستعيد آلية تصميم عرائس «خيال الظل» في رسم الحدود الحاسمة للشخص. ويزداد التنغيم تعقيداً بين السطوح عندما تكون ذات طبائع زخرفة متباينة فتبدو وكأنها ملصقات أو مقصوصات «تكعيبية» رهيفة. لعلّ أبلغ مثال على هذا المنهج هو تكوينات تصاوير: «تعمير قصر الخورنق» و«المأمون في الحمام الشعبي» «خمسة نظامي» عام 1494م (المتحف البريطاني - لندن) لذلك فإن الحدود غير واضحة بين الذكر والأنثى، فالكون التعبيري يقع في احتدام اختيار اللون وليس في السمات السيكولوجية للأشخاص.
أما لوحة «يوسف وزليخة» التي مر ذكرها، فتتميز بقدرة المصور بهزاد على العزف على الأزرق ومشتقاته الخضراء. عُرف من سلالمه اللونية ثلاثة أنواع من الأزرق وثلاثة من الأخضر ومثلها من الأحمر. كذلك فإن اختيار قطوعه الورقية بقياس شبه تربيعي يعطيه الحرية في التكوين اللوني، ومضاعفة لعبة الهوامش المعمارية في الداخل والخارج. يتفوق يهزاد في تقانته اللونية المتوهجة على شتى مصوري العهود التيمورية والصفوية: ألوان تخزّن حرائق الشمس ورطوبة الفردوس، تماماً مثل الإحساس الصائت بإطفاء قطعة الجمر في حوض من الثلج.
يصرّح أحد كبار معلمي التصوير الصيني: «في البدء كان الخط»، أما بالنسبة إلى بهزاد ومدرسته «في البدء كان اللون». كان المنمنمون من أمثاله لا يكشفون مراحل تطور ألوان منمنماتهم إلا على مريديهم المقرّبين، من هنا تُدرك أهمية النماذج الباقية النادرة غير المكتملة (على غرار التصوير المنشور في Les Jardins du désir ص74 تبريز - عام 1535 - قياس 20.8 × 11.5سم) والتي تثبت أن توزيع اللون كان يتم بطريقة تجريدية بمعزل عن دلالات الموضوعات، وأن بعضها كان يختم واللوحة مقلوبة؛ وهذا ما يفسر لماذا أصبحت هذه التصاوير ترسم على حدة وتُلصق في أماكنها من المخطوطة بعد أن كانت تُنفَّذ مباشرة في مواقعها، وهذه بعض إنجازات بهزاد ومدرسته، إذ كان يمهد للوحاته بعبارة «عمل العبد بهزاد»، فقد جعل القرار النهائي في إخراج تصاوير الكتاب في يد المصورين إثر مرحلة مديدة من سيطرة الخطاطين.
أسعد عرابي
الموضوعات ذات الصلة:
بهزاد (كمال الدين ـ) ـ رضا (عباسي ـ) ـ الصين (الفن في ـ) ـ المنمنمات (فن ـ).

جيل دولوز.. النقد والعلاج السريري *

فبراير 24, 2017 اضف تعليق



ترجمة: حسين عجة
"الكتب الجميلة مكتوبة بلغة أجنبية".. بروست، ضد سانت بيف

تنتظم النصوص الحالية، التي لم يُنشرَ البعض منها، فيما كان القسم الآخر قد نُشرَ، من حول إشكاليات محدّدة. أو إشكالية بعينها، تسحب اللغة أبعد من أخاديدها المألوفة وتجعلها تهذي؛ الكتابة: فالكاتب، كما يقول بروست، يُبدع ضمن لغته الأم لغة أخرى أجنبية نوعاً ما.

 فهو يطرح قوى نحوية أو قاعدية جديدة. بيد أن إشكالية الكتابة لا تنفصل كذلك عن إشكالية أخرى تتعلق بنظر وسماع محدّدين: في الحقيقة، عندما تُبدع لغة أخرى ضمن اللغة الأم، تميل هذه الأخيرة بكاملها نحو حدها "اللانحوي"، "اللاقواعدي"، أو تتواصل مع ما هو خارج عنها.

لا يمثل الحد خارجية ما للغة، لكنه خارجها: يتشكل ذلك الخارج من رؤى وسماعات لا لغوية. بيد أن اللغة وحدها ما يجعلها ممكنة. وهكذا، هناك رسم وموسيقى خاصين باللغة، باعتبارهما ألواناً ومصوتات ترتفع فوق الكلمات. فنحن نرى ونسمع عبر الكلمات، وما بين الكلمات. كان بيكيت يتحدث عن "حفر ثقوب" في اللغة، بغية سماع ورؤية ما تم "تطريزه في الخلف". إذ علينا القول عن كل كاتب: بأنه مُتلصلص، وصاغي، "قيل خطأ رؤيه خطأ"، مُلّونٌ وموسيقي.

أن تلك الرؤى والسماعات ليست شأناً فردياً، لكنها بمثابة أشكال لتاريخ وجغرافيا لا تتوقف عملية إعادة إبداعها. الهذيان هو منْ يُبدعها، كونه مسار يجر الكلمات من طرف إلى آخر من الكون. أنها وقائع تقف على حدود اللغة. لكن عندما يسقط الهذيان في الحالة العلاجية، حينئذ لا توصلنا الكلمات إلى شيء. إذ نكف عن رؤية أو سماع أي شيء عبرها، ما عدا ذلك الليل الذي فقدَ تاريخه، ألوانه وأناشيده. الأدب صحة.

ترسم تلك الإشكاليات طرقاً. فالنصوص المقدمة هنا، والمؤلفين الذين يتم تناولهم، هي الطرق. البعض منها قصير، والبعض الآخر أطول، لكنها تتقاطع، تمر في ذات الأماكن، تقترب أو تنفصل عن بعضها، وكل واحدة منها تمنح نظرة عن الأخريات. البعض من تلك النصوص يشكل مأزقاً بحكم المرض. كل عمل سفر، رحلة، لكنه لا يقطع هذه الدروب الخارجية إلا بفضل الأسفار والرحلات الداخلية التي يتركب منها، والتي تبني له معبره أو ترافقه.

الأدب والحياة  
من الواضح بأن الكتابة لا تعني فرض شكلاً (تعبيراً) على مادة مُعاشة. ذلك لأن الأدب يقف بالأحرى إلى جانب اللامتشكل، أو اللامنجز، كما قال "غومبروفج" وقام بفعله. فالكتابة شأن يتعلق بالصيرورة، غير الناجزة أبداً، التي لا تكف عن إعادة صنع نفسها، وتفيض على كل مادة قابلة للعيش أو معاشة. كذلك فأنها مسار، أي مَعْبرٌ للحياة التي تخترق ما يمكن عيشه أو المعاش. كما لا يمكن فصل الكتابة عن فعل الصيرورة: فحينما يكتب المرء يصير-امرأة، يصير-حيوان أو نبات، يصير-جزيئة وحتى يختفي ذاتياً.

تتداخل حالات الصيرورة هذه مع بعضها وفقاً لخط خاص، مثلما يحدث ذلك في رواية من روايات "لكليزيو"، أو أنها تتعايش جميعها على جميع الأصعدة، وفقاً لأبواب، عتبات ومناطق تشكل الكون برمته، كما هو في عمل "لوفكرافت" القوي. إذ لا تسلك الصيرورة الاتجاه المعاكس، ولا يصير المرء رجلاً، حين يطرح الرجل نفسه باعتباره شكلاً تعبيراً مُهيمناً يدعي فرض نفسه على كل مادة، فيما تتمتع المرأة، الحيوان، والجزيئة دائماَ بمركب هروبي، يفلت من تقعيدها الخاص. هل من علة أكبر للقيام بفعل الكتابة من عار أن يكون المرء رجلاً؟ فحتى عندما تكون المرأة هي من يتحول، عليها أن تصير-امرأة، لأن هذه الصيرورة لا شأن لها بحالة يمكن للمرأة أن تدعيها لنفسها. فالصيرورة هي ليست بلوغ شكلاً بحد ذاته (شخصنة، تقليد، أو محاكاة)، ولكن العثور على منطقة للتجاور، منطقة للاتمايزية أو اللااختلافية، إلى حد لا يصبح فيه تميّيز الرجل لنفسه عن أية امرأة ممكناً، ولا عن أي حيوان، أو جزيئة: ليس لأن هذه الأشياء غير دقيقة أو عامة، ولكن لكونها مُفاجئة، أي غير قائمة من قبل، فهي لا تتحدد في شكل أكثر من تفردها ضمن جمهور.

يمكننا أقامة منطقة تجاور مع أي شيء، شريطة خلق وسائلها الأدبية، وبالتالي جعلها تتجاور مع أي كوكب، على حد تعبير "أندريه دي هوتيل". فهناك شيء ما يمر ما بين الأجناس، الأنواع والممالك(1). ذلك لأن الصيرورة هي دائماً "بين" أو "في وسط" ما: امرأة من بين نساء أخريات، أو حيوان وسط بقية حيوانات أخرى. بيد أن أداة التنكير هذه لا تفقد أي شيء من قوتها إلا إذا كان الطرف الذي تجعله يتحول يخسر خصائصه الشكلية التي تدفع نحو استخدام أداة التعريف "الـ" (كما في قولنا" هذا الحيوان...")، مثلاً. فحينما يصير "لكليزيو" هندياً، يبقى هندياً غير ناجزاً، 
فهو لا يعرف كيف "يزرع الذرة، ولا كيف يقلم جذعاً": أنه يدخل ضمن منطقة تجاور، أكثر من اكتسابه خصائص شكلية(2). كذلك فأن بطل السباحة، عند كافكا، لم يكن يعرف السباحة. كل كتابة تتضمن على العاب قوة، لكن دون محاولة خلق توافق ما بين الكتابة والرياضة، أو جعل الكتابة لعبة أولمبية، إذ لا تتمّ ممارسة العاب القوة تلك إلا عبر الهروب والتخلي العضوييّن: رياضي في سريره، كما قال "ميشو". فالمرء يصبح حيواناً بالقدر الذي يموت فيه الحيوان؛ وعلى عكس ما يدعيه حكم مسبق روحاني، الحيوان يعرف كيف يموت وهو يحس بذلك الموت أو يتوقعه.

يشرع الأدب، كما يقول لورنس، بموت قنفذ ما، أو بموت حيوان الخلد، وفقاً لكافكا: "كانت مخالبنا الصغيرة الحمراء البائسة مشدودة بحركة تثير الشفقة. فنحن نكتب من أجل العجول في ساعة موتها، كما يقول "مورتس"(3). على اللغة بلوغ الدورات النسائية، الحيوانية، الجزيئية، وكل دورة هي صيرورة قاتلة. ليس هناك من خط مستقيم، لا في الأشياء ولا في اللغة. والقواعدية هي مجموع الانعطافات الضرورية في كل مرة من أجل الكشف عن الحياة في الأشياء. ذلك لأن الكتابة ليست سرداً لذكريات المرء، لسفراته، لتجاربه الحبية وأحزانه، أحلامه وتخيلاته الإيهامية (فنتازمات). فالخلل سيظل ذاته، إن كان بحكم الواقعية الصارمة أو المخيلة: في كلتا الحالتين، سيتعلق الأمر بشخصية الأب وبشخصية الأم، أي بالبنية "الأوديبية" التي يتم قذفها في الواقع أو تقحم على المُتخيل. فالأب هو ما يجري البحث عنه في نهاية الرحلة، أو في قلب الحلم، ضمن مفهوم صبياني عن الأدب. حيث لا يكتب المرء إلا من أجل والده ووالدته. لقد دفعت "مارت روبير" بهذه الصبيانية إلى حدودها القصوى. فذلك النوع من التحليل النفسي لا يترك للروائي فرصة أخرى سوى أن يغدو طفلاً مُضيعاً، فاقد للوالدين (نغل) أو طفل مُستعاد(4). إذ لا تنجو حتى الصيرورة الحيوانية من "الأوديبي"، على شاكلة "هذه قطتي وهذا كلبي". كما قول لورنس: "كما لو كنت أنا زرافة، والإنكليز العاديون يكتبون عني ككلاب مؤدبة ذات تربية حسنة، فهنا تكمن كل المشكلة، فالحيوانات شيء مختلف... أنكم تكرهون غرائزياً الحيوان الذي أنا عليه"(5).

وبصورة عامة، لا تعالج الإيهامات ما هو غير محدد إلا باعتباره قناعاً لشخص أو لتملك ما: "طفل يُضرب" يتحول فجأة إلى "أبي ضربني". بيد أن الأدب يقتفي الدرب المعاكس، ولا يطرح نفسه إلا عندما يكتشف من تحت الأشخاص المرئيّين قوة اللاشخصي، والذي لا يعني أبداً ما هو مُغفل، ولكن التفرد في أعلى درجاته: رجل ما، امرأة ما، حيوان ما، بطن، طفل...  وليس الشخص الأول والثاني في القواعد المستخدمة كشرط للعبارة الأدبية؛ فالأدب لا يشرع إلا عندما يتولد فينا شخص ثالث ينزع عنا إرادة قول أنا (ما يسميه بلانشو بالمحايد)(6). مما لا شك فيه، تتمتع الشخوص الأدبية بفرديتها الكاملة، وهي ليست لا غامضة ولا عامة؛ بيد أن جميع ملامحها الفردية ترفعها نحو رؤية تضعها في حيز غير محدد، هو بمثابة صيرورة تفوقها كقوة: "أخاب" و"موبي ديك".
كذلك فإن شخصية "البخيل" ليست نمطاً من الأنماط، بل، على العكس من ذلك، شخصية تدفعها ملامحها الفردية (حب فتاة، الخ) نحو رؤية معينة، فهو يرى الذهب، بطريقة تجعله يهرب باتجاه ساحرة يكتسب معها قوة البخيل العادي، غير المحدد...، مزيد من الذهب، ومن الذهب ثانية... إذ ليس ثمة من أدب يخلو من التخريف الخيالي، غير أنه لا يمكن للتخريف ولا لوظيفته، مثلما لاحظ ذلك برغسون، تخيل أو قذف أنا بعينها. فهي تطال بالأحرى تلك الرؤى، وتنهض إلى مصاف التحولات أو القوى.

لا يكتب المرء مع حالات عصابه النفسي. فالعصاب، والذهان لا يشكلان معابر نحو الحياة، لكنها حالات نسقط فيها عندما يتم قطع المسار، منعه أو إغلاقه. فالمرض لا يشكل سيرورة، ولكنه قطع لها، كما هو الأمر في "حالة نيتشة". كذلك فأن الكاتب نفسه ليس شخصاً مريضاً، لكنه بالأحرى طبيب، طبيب لنفسه وللعالم. فالعالم هو مجموع العلامات المرضية التي يدخل عبرها المرض في الإنسان. حينئذ، يظهر الأدب بمثابة صحة: لا لأن الكاتب يتمتع بصحة عظيمة (نجد هنا نفس الغموض الذي نلتقي به في الرياضة)، بل لتمتعه بصحة صغيرة لا تقاوم متأتية من واقعة أنه قد رأى وسمع أشياء أكبر منه بكثير، أكثر قوة مما يتحمل، وهي قوى خانقة، ينهكه عبورها، ومع ذلك تمنحه تحولات تجعلها الصحة الكبيرة مستحيلة(7). فمما سمع ورأى، يرجع الكاتب وعيناه محمرتين، وأذناه مثقوبتين. ما هي الصحة الكافية لتحرير الحياة عندما تكون سجينة في الإنسان وبسببه، ضمن الأجهزة العضوية والأنواع وبسببها؟ فصحة أسبينوازا الصغيرة، إذا ما بقيت، ستشهد، وحتى النهاية، على رؤية جديدة ينفتح أمامها معبر ما.

تكمن الصحة كأدب، ككتابة، في خلق شعب منعدم. ذلك لأن من واجب الوظيفة التخريفية إبداع شعب. فالمرء لا يكتب عن ذكرياته، اللهم إلا إذا جعل منها أصلاً ومصيراً جماعياً لشعب قادم، لكنه منغمراً حالياً في خياناته وتنصله عن تاريخه.
يتمتع الأدب الأمريكي بمثل هذه القوة الاستثنائية على خلق كتاب يسردون ذكرياتهم الخاصة، لكنها ذكريات شعب كوني مركب من مهاجرين من شتى البلدان. فالروائي توماس وولف "يضع عبر كتابته أمريكا برمتها، وذلك بالقدر الذي يمكن فيه لتجربة رجل واحد احتوائها"(8).

أن شعباً كهذا، بالدقة، ليس مدعواً للهيمنة على العالم. فهو شعب أقلية، أقلية أبدية، تقبض عليها صيرورة-ثورية. وقد لا يوجد شعب كهذا إلا في جزئيات الكاتب، باعتباره شعباً لا شرعياً، دوني، خاضع للهيمنة، دائم التحول، وغير ناجز. أن عدم الشرعية هذه لا تشير على حالة عائلية، بل على مسار أو انعطاف الأجناس. أنا بهيمة، عبد أسود من جنس دوني، وإلى الأبد.

تلك هي صيرورة الكاتب. فكافكا، بالنسبة لأوربا الوسطى، وملفل بالنسبة لأمريكا، يقدمان الأدب كونه صوتاً لشعب أقلية، أو لكل شعوب الأقليات، والتي لا تجد التعبير عن نفسها إلا بفضل وعبر الكاتب نفسه(9). فمع أن الأدب يحيل دائماً على ذوات متفردة، لكنه تنسيق لصوت جماعي. الأدب هذيان، بيد أن ذلك الهذيان لا علاقة له بالأم والأب: ليس هناك من هذيان لا يمر عبر الشعوب، الأجناس والقبائل، ولا يقطن كهاجس التاريخ العام. كل هذيان هو تاريخ-عالم، "تحريك للأجناس والقارات". الأدب هذيان، وضمن هذه التسمية يلعب مصيره بين قطبين آخرين للهذيان. فالهذيان مرض، المرض بامتياز، وذلك في كل مرة يتم فيها تنصيب جنس دعي بنقاوته وهيمنته على الآخرين. أن معيار الصحة ذاك يشير على هذا الجنس اللاشرعي، المكبوح، الذي لا يكف عن التململ تحت أشكال الهيمنة المتعددة، والذي يقاوم كل أنواع الانسحاق والحبس، وبالتالي يقتحم الأدب باعتباره مساراً.
هنا أيضاً، يُهدّد المرض دائماً بقطع ذلك المسار أو تلك الصيرورة، وسنلتقي بنفس الغموض الذي رأيناه في الرياضة والصحة، إذ لا ينبغي أن يمتزج الخطر المتواصل لهذيان الهيمنة بهذيان اللاشرعية، ولا يجب أن يُجَرْ الأدب نحو فاشية مُقنعة، أي باتجاه ذلك المرض الذي يناضل الأدب ضده، شريطة أن يقوم هذا الأخير بفحصه حتى في نفسه وأن يناضل ضدها. فاستخراج العنصر الإبداعي للصحة، أو أبداع شعباً، أي خلق إمكانية للحياة، يشكل الهدف النهائي للأدب.

أن الكتابة لهذا الشعب المنعدم حتى... ("حتى" لا تعني "نيابة عنه"، بل "التوجه نحوه"). فما يقوم به الأدب ضمن اللغة يظهر هنا بصورته الأفضل: يقوم بالدقة، كما يقول بروست، برسم نوع من اللغة الأجنبية، والتي هي ليست لغة أخرى، ولا لهجة إقليمية يتم العثور عليها، بل صيرورة-أخرى للغة، أي التقليل من قوة اللغة الغالبة ذاتها، ترك الهذيان يحملها، جعلها خطاً لساحرة، تفلت من نظام الهيمنة. لقد دفع كافكا ببطل السباحة على القول: أنا أتكلم نفس اللغة التي تتخاطبون بها، ومع ذلك لا أفهم ولا كلمة مما تقولون. فخلق النحو،الأسلوب، هو ما يشكل صيرورة اللغة: ليس هناك من إبداع للمفردات، ولا نفع في المصطلحات الجديدة خارج التداعيات النحوية التي تتطور عبرها.

ذلك لأن الأدب يعمل على تقديم الجانبين، فمن ناحية، يعمل على تفكيك أو تحطيم اللغة الأم، ولكنه أيضاً، من الناحية الثانية، يبدع لغة أخرى داخل اللغة، وذلك بخلقه للنحو. "الطريقة الوحيدة للدفاع عن اللغة هي مهاجمتها... فكل كاتب مرغم على خلق لغته..."(10). وقد نقول بأن اللغة أصبحت تحت قبضة هذيان يخرجها من أخاديدها الخاصة. أمّا الجانب الثالث، فيأتي من حقيقة أنه لا يمكن للغة الأجنبية أن تحفر لنفسها حيزاً ضمن اللغة الأم ذاتها ما لم تترنح اللغة برمتها، وما لم تُدفع نحو حد، خارج أو قفا مركباً من رؤى وسماعات لا تمت للغة بصلة. ليست تلك الرؤى أوهاماً، بل أفكار حقيقة يراها الكاتب ويسمعها ما بين تقاطعات اللغة، عبر فواصل اللغة. وهي لا تشكل انقطاعاً في المسار، لكن وقفات تنتمي له، كالأبدية التي لا يمكن الكشف عنها إلا عبر الصيرورة، أو الممر المخفي إلا بفضل الحركة. أنها ليست خارج اللغة، لكن ما يشكل خارجها. فالكاتب، كرائي وصاغي، هو هدف الأدب: أن مرور الحياة عبر اللغة هو ما يشكل الأفكار.

تلك هي الجوانب الثلاثة التي لا تكل عن الحركة عند أرتو أيضاً: سقوط الحرف ضمن تفكك اللغة الأم (ر، ت...)؛ إعادة تناولها ضمن نحو جديد أو في أسماء جديدة؛ وفي النهاية، الكلمات-العواصف هي بمثابة حمل نحوي، إبداع لغة جديدة كحد قاعدي تميل صوبه كل اللغة. كذلك لا يمكننا منع أنفسنا من القول، مهما كان إحساسنا بذلك ضعيفاً، بأن "سلين" في روايته "رحلة نحو نهاية الليل" كان قد فكك اللغة الأم، وفي روايته "الموت بالأقساط" قد أبدع نحواً جديداً ضمن اللغة، أما روايته "عصابة القرقوز" وعلاماتها التعجبية، فقد كانت بمثابة حد للغة، رؤى ومصوتات انفجارية. ربما ينبغي على اللغة الأم أن تكون لغة شنيعة حتى يكتب المرء، لكن بطريقة يرسم فيها الحد النحوي ما يشبه اللغة الأجنبية، وبأنه يتحتم على اللغة بكاملها الكشف عن خارجها، بعيداً عن كل نحو. يحدث أحياناً بأن نقوم بمباركة كاتب ما، لكن ذلك الكاتب يعرف بأنه لم يبلغ الحد الذي فرضه على نفسه والذي لا يكف عن التخفي، كما يعرف بأنه ظل بعيداً عن إنجاز صيرورته. فالكتابة تعني أيضاً أن يصير المرء شيئاً آخر غير كونه كاتباً. كانت فيرجينا وولف تجيب على أولئك الذين يسألونها ما هي الكتابة بالتالي: منْ الذي تحدث معكم عن الكتابة؟ فالكاتب لا يتحدث عن هذا، لأنه مهموم بشيء آخر سواه. إذا ما أخذنا هذه المعايير في نظر الاعتبار، سنرى بأنه من بين أولئك الذين يصنعون الكتب ضمن نية أن تكون أدبية، بما في ذلك المجانين، قليل منهم منْ يحق له تسمية نفسه كاتباً.

* هذه المقالة الأولى مأخوذة من كتاب للفيلسوف الفرنسي "جيل دولوز"، الذي يحمل عنوان "النقد والعلاج السريري"، وقد تمّ نشره منذ فترة قصيرة نسبياً، أي بعد رحليه بسنوات.
(1): انظر "اندريه ديهوتيل"، "أرض الذاكرة"، منشورات الجامعة" وعن الصيرورة-كوكباً "انظر "يوميات خرافية"
(2) "ليكلزيو"، في روايته "هاي"، منشورات "فلامريون"، ص 5، وروايته الأولى "محضر الدعوة"، منشورات "فوليو-غاليمار" ففي هذا العمل يقدم "ليكلزيو" مثالاً نموذجياً تقريباً لشخصية تستحوذ عليها رغبة التحول إلى امرأة، ثم إلى فارة، ومن بعدها لشيء غير ملموس، وفي الأخير تلاشيها هي بالذات
(3) "جان فرنسوا باييّ" في "الأسطورة المبعثرة"، إنطولوجيا عن الرومانسيين الألمان، منشورات 10/18 ص. 38
(4) "مارت روبيير" "رواية الأصول وأصول الرواية"، منشورات "غارسييه".
(5) د.ج. لورنس، رسائل مختارة، منشورات "بلون"، ص. 237.
(6) "موريس بلانشو" في نصه السردي "جانب النار"، منشورات "غاليمار"، ص 563، 564، وفي كتابه "المحاورة اللانهائية" والذي يقول فيه: "شيء ما يحدث للشخوص لا يمكنها إدراكه إلا إذا ما تخلت هي عن قوتها بنطق مفردة أنا". فهنا، يبدو أن الأدب يُكذب الأطروحة الألسنية التي تصر على أهمية ضمائر التوصيل، لاسيما الشخص الأول والثاني، أي ما يشكل شرط التعبير.
(7) عن الأدب بمثابة صحة، أو حتى بالنسبة لؤلئك الذين لا يتمتعون إلا بصحة هشة، أنظر "هنري ميشو" في الملحق الذي كتبه تحت عنوان "ممتلكاتي" لكتابه "عودة الليل"، وكذلك "ليكلزيو"، "هاي"، ص 7 والذي يقول فيه "ربما سنكتشف في يوما بأنه لم يكن هناك شيئاً اسمه الأدب، ولكن فقط الطب".
(8) "اندريه باي" في المقدمة التي كتبها "لتوماس وولف" في روايته "الموت صباحاً"، منشورات "ستوك". 
(9) انظر تأملات كافكا عن أدب ما يمسى "بالأقليات"، وكذلك يومياته، منشورات "كتاب الجيب" ص 179-182، وما كتبه "هنري ملفل" عن "الأدب الليلي"، تحت عنوان: "من أنت يا هوثرن"؟

(10) "أندريه دي هوتيل"، "أرض الذاكرة".
8 دقائق و59 ثانية إلى السيدة فيروز

8 دقائق و59 ثانية إلى السيدة فيروز

فبراير 23, 2017 اضف تعليق


بيار لوي ريمون

Feb 24, 2017
أبرر لنفسي اختيار هذا العنوان الغريب: ألم يكن المخرج السينمائي فيليني قد سمى إحدى روائعه «ثمانية ونصف»؟ غير أن الرائعة التي سأتناولها في هذه السطور هي السيدة فيروز، سيرة غنائية بامتياز لا تترك لي مجالا كبيرا لأجول بخاطري في مرتع مترامي الأطراف من الهيامات. فالمشهد في أقصى درجة من الواقعية: رحلة محددة المسافة غير مقدرة زمانا، لا من باب التاريخ ولا من باب التوقيت. حافلة ركاب كما لم نعد نراها في سنواتنا يخترق شبحها سنة 1979 وأخواتها.
 مسافة بين ضيعتين لم أنفق جهدا في محاولة قياسها، فهي رحلة داخلية في النهاية. أجل من يصدق، من منظور التنظيم المنطقي للقصة الخيالية، أن المرء يقطع «الضيع والجرود» لمجرد الانتقال من ضيعة إلى ضيعة؟ من يصدق أن الطريق الرابط بين «الضيعتين» أحدهما واقع في «الجبل» والآخر في «قاضي بطرون» ليس إلا طريقا تصعد عليه حافلة متقلقلة بالكاد يضطر مسافروها للنزول حتى يدفعوها في عز الحر؟ ثم من يصدق أن لمجرد عيون «عليا» التي تعمل عملها في الرجل المسكين ضحية زوجته «البشعة»، تتمنى راوية القصة ان يتركها الرجل تصعد وحدها إلى «تنورين»؟
حقا «نيالهن» «ما افضى بالهن» ركاب تنورين الذين لم تلاحقهم الأغنية كما تلاحقني أنا منذ أزيد من عشرين عاما، ملاحقة بدأت عندما طرقت الأنغام مذياع سيارة الوالدين في رحلة قصيرة داخل مدينة الرباط في صباح مشهود كنا فيه ذاهبين إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون المغربية لأشارك في برنامج الشباب، في دار البريهي المحبوبة التي علمتني الكثير، بما فيها اللغة العربية، وإذا بأغنية غريبة تطلع على الهواء، أجد معنى كلماتها غريبا علي، كلمات تبدو عربية فعلا، لكن في الوقت نفسه يخيل إليّ أنها آتية من المريخ، وعلى أنغام موسيقا غربية، وكأني بها توفر بالمجان صاروخ الصعود إلى المريخ.
سنوات بعد الحدث سأتعلم أن زقزقة من زقازيق عصافير المشرق ضربتني ساعتها بكيفية أثرت علي تأثير الميسم الذي لا يمحى.
تواصلت عملية الملاحقة بعد انتهاء الأغنية عندما وجد صديقي المذيع الصحافي رشيد الصباحي فرصة سانحة لمناقشة فريق عمله في معنى «البوسطة»، في مسعى ذهني صباحي من العيار الثقيل يستهدف انتشالهم من «فخ» تأويل الكلمة تأويلا مغربيا معتادا يعرف البوسطة بوصفها مكتب البريد: «هو الكار اللي كيركب المسافرين» قال بصوته الأستاذي الذهبي الذي أوصل إلى الملايين خلال أكثر من ثلاثين عاما ثقب بصيرة من حرم من نعمة البصر.
أغنية مؤصلة في زمان كان لا يزال فيه للأغاني كلمات ذات معنى، ومسارها يخترق الجغرافية الداخلية لملايين من اللبنانيين عبر العالم، والمذهل بالنسبة لي أنا، الباحث الفرنسي الذي يراقب الظاهرة من الخارج، من كل الأعمار والأجيال وبدون استثناء، وهذا أيضا يؤثر فيّ، أقولها بهذه البساطة: شعب ملتف صفا واحدا حول إنتاجه الفني، تقوده الأنغام كما قادته الصحافة في تاريخه ولا تزال.
«واحد عم ياكل خس، واحد عم ياكل تين» وأنا أتناول الكسكس المغربي وأحن إلى طبخ أمي الذي تعلمت تحضيره في المغرب الذي تبناني يوما.
تقول أغنية فيروز في العامية اللبنانية: «مانِك عارفة شو بيعملو فيّ عيونك السود»؟ على أي حال، لقد علمت اليوم ماذا عملت فيّ الأغاني الفيروزية.
٭ كاتب فرنسي

قصيدة للشاعر المنسي محمد طالب

فبراير 23, 2017 اضف تعليق
(محمد طالب) شاعرٌ عراقيّ منسيّ، من جيل الستينات. غادرَ العراق نهاية السبعينات وأقام بالجزائر. قُتل على أيدي العصابات الظلامية عام 1994.
أنشر(*) هنا آخر قصيدةٍ كتبها قبل استشهاده، وفيها نبوءة غريبة لما سيحدثُ في العالم العربي.
.
.
.
اوصدْ بابَكْ
ثمّةَ دوّاماتُ غبارٍ، وعواصفُ تدعوكْ
جثثُ الكثبانِ المنقولةُ في الريح،
والآبارُ الناضبةٌ المتهدمة
اوصدْ بابكْ
ثَمّ ذئابٌ تعوي، تملأ ليلَ العالمْ
وبغامٌ منهمرٌ بحنينْ
ثمّ شرائعُ دوّنها الأعرابُ على الرملِ
وانصرفوا
ومناجمُ غائرةٌ في ذاكرةِ الصحراء
ثمّة ظلماتٌ جاثمةٌ
ونعامٌ ورئالْ
ثمّة واحاتٌ داكنةٌ ومهبّاتٌ صفراء
اوصدْ بابكْ
ثمّةَ سحبٌ راحلةٌ
وطيورٌ راحلةٌ، ومحطات
وقوافلُ
وحقائبْ
اوصدْ بابكْ
ثمّة أحلامٌ معشبةٌ كحقولْ
ثمّةَ طرقٌ.. ثمّةَ نيرانٌ وجفافْ
اوصد بابكْ
ثمّة صحراء
مضطجعةٌ
كأنثى
اوصدْ بابكْ
ثمّةَ همٌّ واحدْ
اوصدْ بابكْ
ثمّةَ وحشٌ ينتظرُ...

(*) نقلا عن صفحة الروائي العراقي حميد العقابي

فواز طرابلسي: جوزيف سماحة التوأم/١٠ سنوات من ألم الانفصال

فبراير 23, 2017 1 تعليق
جوزيف وفواز وجار الله عمر

لست أستغرب عندما يتحدث زهير رحال عني او معي ويسمّيني «جوزيف». ولا انا أستنكر عندما تعبّر لي جنى نصرالله عن عميق صدمتها والحزن على وفاة «فواز». فقد اعتدت، كما اعتاد جوزيف، مثل هذا الخلط بيننا. فبيني وبين جوزيف سماحة شَبَه توأمة لا فكاك منها، تحمل من خصائص التوأمة الشيء الكثير: تعلّق التوأم الشديد بالآخر، مقداراً من المنافسة والغيرة بينهما ومقادير من تطلّب الواحد ان يكون الآخر مثله. ولعلني كنت الاكثر تطلبا والاقل تسامحا. وجوزيف الاكثر باطنية.
تعرفت الى جوزيف سماحة عام ١٩٧٢ من ضمن مجموعة شباب دخلت في حوار مع منظمة العمل الشيوعي قصد الانضمام وكنت مكلفا بالمتابعة معهم. ضمت المجموعة حازم صاغية ووليد نويهض وغانم ابو غانم وآخرين. جوزيف وحازم قادمان من علاقة بحزب العمال الثوري العربي الذي اسسه ياسين الحافظ وقد إختلفا مع ياسين على الموقف من المقاومة الفلسطينية. اما وليد وغانم فمن شباب الحزب السوري القومي الاجتماعي الذين كانوا يثيرون قضايا الديمقراطية الداخلية في الحزب ويطالبون بموقف عملي مشارك تجاه المقاومة الفلسطينية وبالانحياز يسارا في العقيدة الاقتصادية والاجتماعية.
إذ قررت المجموعة الانضمام الى المنظمة التحق جوزيف ووليد باسرة تحرير مجلة «الحرية» الاسبوعية. كان جوزيف آنذاك طالبا في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية. قليلون يعرفون ان الطالب المتفوّق في الفلسفة نال منحة لاكمال دراسته الجامعية في باريس الا انه تنازل عنها وقرر البقاء في لبنان ملبّيا نداء واجب نضالي كان يلحّ عليه الحاحا. 
مطلع الصداقة السريعة والحميمة التي نشأت بيننا اختياري لجوزيف شاهدا على زواجي وقرارنا السكن في طبقتين متجاوزتين في بناية واحدة مع نشوب الاقتتال الاهلي وعجز كلينا على البقاء في مسكنه هو في عمق الاشرفية وانا على خطوط التماس في زقاق البلاط. 
وفي «الحرية» ايضا مارس جوزيف اول تجربة له في رئاسة تحرير مطبوعة صحفية. في خريف العام ١٩٧٦، عندما طلبتْ مني قيادة المنظمة ان أغادر الى باريس، لدواعٍ قيل لي وقتها انها أمنية، تسلّم جوزيف مسؤولية الاشراف على لجنة الاعلام التي استدرجت مشاركة كوكبة من الشباب المندفع والموهوب، شكل الفوج الثاني من مثقفي المنظمة واعلامييها، ومن اسف انهم ما لبثوا ان تفرّقوا ايدي سبأ. اني اتحدث عن: زهير هواري، سعد محيو، جورج ناصيف، نصير الاسعد، نهلة الشهال، سليمان تقي الدين، عبدالله اسكندر، نجاة طاهر، شربل داغر، رودولف القارح، وليد نويهض، احمد قعبور، زينب شرف الدين، سعدى العبدالله، حسن ضاهر، وفي الاخراج السينمائي، مارون بغدادي ورندة الشهال، وفي التصوير الصحفي، رمزي حيدر وبلال قبلان، غيرهم. 
خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها جوزيف تلك المسؤولية، وقد كان يعمل منذ مدة في «السفير»، اسهم في «تهوية» المجلة وتغليب الطابع المهني الصحفي عليها وفتح ابوابها على مساهمات من خارج دائرة المنظمة، قبل ان ينتقل لرئاسة تحرير جريدة «الوطن» الناطقة بلسان الحركة الوطنية اللبنانية.
في «الوطن»، اندفع جوزيف في مشروع الحركة الوطنية حتى النهاية، وبالحدة السجالية المستوحاة آنذاك من المناخ الحربي الذي كنا نعيش فيه. فاستثار عداء جهاز المخابرات الذي يرأسه جوني عبده. فتلقى جوزيف تهديدات عديدة اضطرتنا الى اتخاذ اجراءات حماية مشددة، فأسكنّاه في مكاتب المجلة في حيّ الفاكهاني. وللتسلية والترويح على النفس كان علينا ان نزوّد جوزيف بطاولة كرة الطاولة، رياضته الداخلية الاثيرة بعد البليار. وكان من دواعي سروري ان ازوره لالاعبه واخسر دوما امامه في كرة الطاولة كما كنت اخسر في البليار.
غادر جوزيف منظمة العمل الشيوعي في ظروف لا تشرّف المنظمة ولا قيادتها. عند انهيار مشروع الحركة الوطنية، وتخلي يسارها عن برنامجع الديمقراطي الجذري والعلماني، كان لسان حال جوزيف: اذا لا تغيير، فالمصالحة بين الفرقاء النزاع اجدى والعمل في سبيل استعادة وحدة لبنان. كتب جوزيف سلسلة مقالات انتقد فيها تخلي الحركة الوطنية عن العلمانية، وتماهيها مع الاسلام السياسي، فصدر قرار تنظيمي بفصله. ولكن من أسف ان جوزيف عبّر عن مراجعته تلك باتخاذه موقفا ملتبسا من حكم امين الجميّل والمفاوضات الاسرائيلية-اللبنانية التي افضت الى إتفاق ١٧ ايار.
اتذكر ذلك الانقلاب عند جوزيف وانا اتفكّر في الاسابيع الاخيرة من حياته. في «الاخبار» ايضا ذهب جوزيف الى النهاية فيما اعتقده مشروع تغيير في لبنان يحسم الصراع بين خط «اميركي» وخط «وطني قومي مقاوِم ». فوضع كل ما اوتي من موهبة وقدرة جدلية دعما لمشروع المعارضة حسم المعركة باسقاط الحكومة في الشارع. ولكن جوزيف كان قد تعلّم من الدرس الاليم لحروب ١٩٧٥-١٩٩٠. فتوقف عند «الخط الاحمر »: الاقتتال الاهلي، وقد لاحت بوادره في كانون الاول الماضي. فقال: كفى. 
هذه «الكفى» هي في اعتقادي وصية جوزيف، بل صيحته، في وجه المعسكرين المفلِسين في لبنان.
غادر جوزيف منظمة العمل الشيوعي وفي نفسه توق لم يفتر للعمل الحزبي الجماهيري رافقه حتى ايامه الاخيرة. ولكن الخيط الناظم لفكره ظل موسوما باشكاليات النشأة الفكرية التي طرحتها المنظمة اول عهدها. فكانت محاولاته المتكررة للجمع بين نزعة قومية عربية وبين استلهام ماركسية غير تقليدية وعقلانية. تتنازعه دوما رغبتان: رغبة عارمة في التغيير الجذري لما كان يسميه، بعد ياسين الحافظ، «عمارة المجتمع العربي » من جهة ومن جهة اخرى حماسة لا تقل عنها زخما للدفع في النضال على جبهة المسألتين الوطنية والقومية. الا ان جوزيف ما لبث ان جنح في السنوات الاخيرة الى تغليب الثانية على الاولى، وايلاء الاولوية لما اعتبره معارك فاصلة في ساحة صراع بين معسكرين - معسكر «الهجمة امبريالية » في مواجهة معسكر المقاومات الاسلامية تسندها وتقودها «انظمة الممانعة ». ذهبتْ في جريرة تلك الاولوية امور عدة في المسألتين الوطنية والقومية ذاتها: الاستيعاب الجاد لأبعاد مسيرة الحلول الثنائية، والقياس الفعلي لمدى التعارض بين «انظمة الممانعة » وبين الولايات المتحدة الاميركية، وحدود المقاومتين الاسلاميتين في لبنان وفلسطين، إن من حيث التصدي لامبريالية عصر العولمة او من حيث مشروعهما المجتمعي ناهيك عن محدودية دورهما العسكري في اطار الحلول الثنائية للنزاع العربي الاسرائيلي. وقد تمت تلك الاولويات ايضا على حساب نقد الانظمة العربية (ناهيك عن النظام الايراني ) وعلى حساب اعطاء التحويل الديمقراطي الداخلي ما يستحقه من الاهمية بما هو مسار داخلي يلبّي حاجات شعبية عربية حقيقية، ناهيك عن استخفاف جوزيف الشديد بمسألة الاقليات في العالم العربي.
ولكن فيما يتجاوز هذا كله، لم يكف جوزيف مرة عن الحلم بتجديد وتفعيل اليسار في لبنان والعالم العربي، ولم يتخلف مرة عن اية محاولة من المحاولات التي بذلت من اجل ذلك، حضورا او كتابة او مشاركة. وكم سوف يسرّ جوزيف لو علم ان رفاقه لفّوا نعشه بالعلم الاحمر الى جانب علم لبنان.
جوزيف الصحفي. 
لن اطيل عن دور جوزيف في اسر التحرير. سواي اقدر على الكلام في الموضوع مني. يكفيني التشديد على تقديسه العمل الجماعي، وإن يكن يأخذ دوما على نفسه من العمل ما هو قاتل، ودأبه على مساعدة زملائه او المبتدئين على حد سواء، وقسوته على الذات في المراجعة والنقد الذاتي، وقدرته المذهلة على تخيّل المواضيع واقتراح زوايا جديدة للنظر الى كل عنوان من عناوين الصحيفة وكل قسم من اقسامها، وهو الذي يملك حدسا مدهشا لالتقاط الظواهر الجديدة من الشرق اوسطية الى العولمة مرورا بظاهرة الحركات الاسلامية والظاهرة الحريرية.
تقلّب جوزيف في مطبوعات عدة تتراوح بين اقصى اليسار واليمين النفطي المحافظ. مرورا بـ «اليوم السابع »، المؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية و «السفير» حيث امضى جوزيف اطول تجربة صحفية له. في كل هذه، كان جوزيف مدركا كليا لأن العمل الصحفي مهنة لتحصيل لقمة العيش. والمعاش عنده لسداد الديون بالدرجة الاولى. وهنا ايضا يذهب في التجربة الى نهاياتها، يلاعب اصحاب المطبوعة حول الحدود والالتزامات، يمطّ ما استطاع اليه سبيلا من الممكن وغير الممكن ومن النقد والمواقف، ثم يكتم، ويبطن، الى ان يكتشف ان التجربة استنفدت اغراضها، او يبلغ عنده السيل زباه، فينفجر ويغادر. هكذا كان جوزيف يمارس اقدس قيمة نذر نفسه لها: حرية الرأي. بل قُلْ الحرية فقط.
اما صحيفته المثالية ففي مكان آخر. حلمنا معا في المنفى الباريسي بصحافة من نوع جديد. فكانت تجربة «زوايا». تعطي اهمية خاصة للجمالية في الاخراج (تولاها اميل منعم الدي رافق جوزيف في «الاخبار»)؛ وتفتح زاوية خاصة لنقد «الاستغراب»، اي كيف ينظر شرقيون الى الغرب، بديلا من استمرار النقيق في نقد الاستشراق. وتطرح موضوع الديمقراطية بما هي ثورة وعملية تحويل جذرية داخلية وبقوى داخلية. وتفرد زاويا خاصة للمرأة ولفن التصوير وثقافة العين، والثقافة الشعبية. سعت «زوايا» ان تكون مستقلة التمويل على امل ان يمدها بعض متمولي اليسار باكلاف طباعة وتوزيع لا اكثر. فلفظت انفسها وهي على اهبة ولادة عددها الرابع المخصص لقضايا المرأة العربية. حمل جوزيف الحلم ذاته الحلم الى «الاخبار». ولكن جوزيف غادر و «الاخبار » تحبو وإن تكن بصماته الصحافية فيها تبعث على الامل. 
على امتداد لا اقل من عقد من الزمن، ارتبط اسم جوزيف سماحة بافتتاحيات انيقة، ليست تخلو الواحدة منها من «لمعة» من اللمعات المميزة لاسلوبه، تتقطّر منها كثافة ثقافية وفكرية تهتدي بمتابعة جلودة، وبحساسية مفرطة للخبر وتحليله وتقليبه على غير وجه. هي افتتاحيات يستحيل ان تترك القاريء في اللامبالاة، تصدم او تثير النقاش او تدفع الى المعارضة او تستفز الى الفعل. وليس سرّا ان جوزيف تخيّل كتابته الصحفية رسالة ذات مؤدى عملي. يحدوه ايمانٌ عميق بدور الكلمة ودور المثقفين في إرشاد وعقلنة وتوجيه الفعل السياسي. من هنا انه رأى الى كتابته الصحفية بما هي فعل سياسي بامتياز، والسياسة هَوَسه الاكبر. ولم يكن يتردد في شخصنة ذلك الدور إذ يتصوّر نفسه يلعب دور المثقف الذي يرشد «الامير»، وقد لعب ذلك الدور فعلا، الى هذا الحد او ذاك، وبهدا القدر او ذاك من النجاح، تجاه الحركة الوطنية اللبنانية، في اواخر ايامها، او تجاه منظمة التحرير الفلسطينية (خلال عمله في «اليوم السابع » و «السفير»)، او تجاه التيار القومي العربي بعامة واخيرا ليس آخرا تجاه المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان.
لكن هذا الصحفي من طراز جديد لم يكن بدون مفاجأت. في الجدل والمحاججة، يبزّ جوزيف نفسه. يوظف كل تربيته الفلسفية لممارسة لعبته الاثيرة في ان يقنعك بوجهة نظر ثم يقنعك بنقيضها، على غرار احمد فارس الشدياق ينظم قصيدتين متوازيتين ومتعارضتين على نفس الوزن والقافية، واحدة في مدح باريس وثانية في ذم باريس! أجاد جوزيف تلك لعبة، احيانا لضرورات التماشي مع خط المطبوعة، او لتبرير تيار سياسي يدعمه، ولكن لعبته الجدلية هذه كانت ايضا، واكاد ان اقول كانت بالدرجة الاولى، بمثابة انتقام جوزيف السرّي من السفسطة والتقّعر العقائدي والسطحية والاستسهال والفهلوة. اراه يطأطيء برأسه تعليقا على هذا التحليل تعلو وجهه ابتسامة خبيثة.

جوزيف الانسان.
قال لي مرة انه مقصّر في تعداد ايجابياتي، فأجبته: انا المقصِّر في مديح سلبياتك. يملك هذا الرجل اجمل السلبيات في الدنيا، خصوصا تجاه من هم اقرب الناس واحبّهم اليه. يسيء اليك بقول او فعل، ثم لا يعود يعرف كيف يتراجع او يعتذر، وقد يستغرق الجفاء اشهرا طويلة. ثم يعود اليك إبن سيسيليا المدلّل بشبح ابتسامة، فينتهي كل شيء فتستأنفان الجلسة وكأنكما تواصلان حديثا من ليل امس. ولن ازيد.
رجل عابس، جوزيف سماحة؟ العبوس إن هو الا قناع جوزيف آخر. لن اقول جوزيف الضاحك. فالامر ارقى من الضحك بكثير. ولن اقول عنه انه «يحب الحياة »، حتى لا أهين جوزيف ولا أهين الحياة. 

جوزيف سماحة امير من كبار امراء الفرح. 
اني اشاهد جوزيف يمتشق فجأة عصا في احدى السهرات ويأخذ يلاعبها في رقصة منفردة على الطريقة المصرية. 
واني اراه ممسكا برأس حلقة دبكة، لم يعد يجاريه فيها الا زهير رحال، يسنده فيما جوزيف يلف ويدور. يفاجئك بقفزة غير متوقعة او يروّعك إذ يخرّ راكعا. ويذهلك عندما يلامس الارض مسّاً كأنه يعتذر منها ثم يرعبك عندما يدبك دبكة رِجلٍ مجنونة. ان كل جوزيف سماحة الفنّان يتلّخص في رقصه الدبكة. كم اجاد احمد بيضون إذ قال فيه انه يكتب إفتتاحياته كمن يرقص. نسي احمد ان يضيف ان جوزيف يكتب كمن يرقص الدبكة تحديدا. فلست تدري الى اين هو آخذك في محاججته الى ان يوصلك الى خلاصة لم تكن تتوقع ان تتلقى فيها الخبطة التي أعدّها لك.
اخيرا، أرانا نتهالك معاً على احد المقاعد، بعيد الثالثة فجرا، يتعتعنا السكر، نستمع في هناءة قدسية الى فيروز في أغاني الجمعة الحزينة، او نرتّل معا، بأصوات منكَرَة كاصوات مَن تعرفون، «يا مريم البِكر/فُقْتً الشمسَ والقمرا »، عندما الحزن في كيميائه ينقلب شحنات مخبّلة من النشوة والفرح.
وبعد، يا جوزيف، وهذا بعض من كل، مَن سمح لك بأنْ تأخذ نصفي وتغادر؟

مدن الأمس... سمير عطاالله

فبراير 22, 2017 اضف تعليق

22 شباط 2017
عن النهار

تذكّرت مصر في أسبوع واحد، مرور 90 عاماً على ولادة أحمد بهاء الدين، وعام على غياب محمد حسنين هيكل. قامتان من صحافتها، وعلامتان من الصحافة العربية في القرن العشرين. وأسلوبان مختلفان، في الكتابة والحياة والسياسة. بهاء كان أقرب إلى الانطواء، هيكل كان عكسه. بهاء لم يرد من السياسة، ولا قَبِلَ، أكثر من أن تمهد لعمله الصحافي. هيكل حوَّل الصحافة إلى عمل سياسي، إلى جانب عبد الناصر وبعده، رافضاً المناصب والمواقع، ولكن خائضاً المعارك السياسية، إلى درجة دخول السجن أيام أنور السادات.
كلاهما، بهاء وهيكل، كوّن ذروة الصحافة المصرية وحداثتها وتحوّلها إلى صحافة عربية، ينتظرها القارىء في كل عاصمة بعدما كان ينتظر الصحافة الأدبية وحدها. وفي أي حال، كانت المرحلة مرحلة العمالقة والتحديث: محمد التابعي، مصطفى وعلي امين، احسان عبد القدوس، وبقية الكوكبة.
وكان العصر لا يزال عصر الصحف والمجلات معاً. وأحدثَ بهاء، في سعة ثقافته وسعة صدره، تطويراً مفرقياً، عندما رأس تحرير "صباح الخير" وجعلها ابتسامة مصر في حقبة التقشف، بينما انصرف احسان عبد القدوس إلى تطوير "روز اليوسف" التي ورثها عن والدته، فاطمة اليوسف، اليتيمة الطرابلسية التي اصبحت سيدة المسرح والصحافة في عاصمة النيل.
كان هيكل يتبرم من تكرار القول إن اللبنانيين أسّسوا صحافة مصر، ويصرف النقاش في هذا الموضوع بيده. غير انه عاد في السنوات الاخيرة الى وضعهم في مراحلهم التاريخية، وخصوصاً في "الاهرام"، الصحيفة التي أسّسوها لعقود قبل أن تؤمّم، ويصبح مؤسسها الحديث، ومؤسس حداثتها. وربما كان موقف هيكل من "اللبنانيين" سياسياً وشخصياً. فهو رجل الناصرية، وهم كانوا رجال القصر الملكي، إثنان منهم في مجلس الشيوخ، كريم ثابت مستشار الملك فاروق، والشيخ انطون الجميل، رئيس تحرير "الاهرام".
طبعَ اللبنانيون، أو "الشوام" بطابعهم، جزءاً كبيراً من الحياة الثقافية والصحافية والنقابية، وحتى الأدبية في مصر. وفيما كانت روز اليوسف على المسرح، وماري كويني في السينما، كانت مي زيادة ترعى، أول وآخر صالون أدبي من هذا الحجم في تاريخ مصر. وسبب بروز سيدات لبنان في هذه الحقول المعاصرة، أن المجتمع المصري كان لا يزال شديد المحافظة. وكانت المرأة التي ترسل مقالاتها إلى النشر، تُعتبر رائدة في الأدب النسائي، مثل الدكتورة بنت الشاطىء. وفي هذا المناخ التقليدي والبادىء الانفتاح، تدفق كبار أدباء مصر، أمثال طه حسين والعقاد، والشيخ الطرابلسي مصطفى صادق الرافعي، وولي الدين يكن، على صالون مي، مثلما كان أدباء فرنسا يتدفقون على صالون المدام ريكامييه.
ولم يقم لـ"صالون مي" شبيه في أي عاصمة عربية. فإذا توافرت "مي" أخرى، فمن اين تأتي بسرب أمثال العقاد وعميد الأدب العربي وسائر نجوم الرحلة الزاهرة، التي سوف تعرف في ما بعد بـ"عصر النهضة"؟ وهو العصر الذي لم يستمر ولم يتكرر، إلا لمرحلة عابرة، هي ايضاً، في حنايا بيروت الثقافية الماضية، التي مثل قاهرة أوائل القرن العشرين، احتضنت في النصف الثاني منه حركات الحداثة الشعرية والترجمة، وتحولت إلى مجمّع للفازعين من الخوف والرقيب.
وقَّع الشاعر شوقي ابي شقرا أمس ذكرياته (دار نلسن) من تلك المرحلة، مطرزة بأسلوبه وطفولته ودهشته الدائمة. كل شاعر كان يحمل همه عارفاً أن لا مدينة له سواها. عبد الوهاب البياتي بتمرده، أو احمد الصافي النجفي بالغترة والعقال، وتحتهما ترجمة عمر الخيام، ولهوه، وطربه، وما قصَّر في الاعمار طول السهر.
حركة "شعر" في رأس بيروت، وقلعة "الاداب" في الخندق الغميق. وما بين الجبهتين، يزدهر شعر الرحابنة أنيساً عليلاً ظليلاً، ومُغنّى على صوت فيروز. من أجل هذه المجموعة المزدحمة من مصابيح الشعر وأنوار الأدب، قامت في "النهار" صفحة ثقافية يومية أولى، وملحق أدبي أسبوعي أول. وكان قلم شوقي أبي شقرا يقلّم الزوائد والزؤان في اللغة، لكي تصبح الافكار والكلمات اللامعة أكثر بياناً عفوياً وأقل تبييناً منظوماً.
كانت "النهار" يومها مجمّع المواهب ومركز التحديث. كل قادم حمل إليها اسلوبه وطريقته. وعلى رغم الغيرة الضارية بين أهلها، كانت تخرج على الناس كل صباح مثل دفاتر البنات، موضبة بلا بقعة، ومرتبة ولا أثر عليها للممحاة الفاعلة فعلها في هشاشة الحواشي، توحد اطارها النهائي "مديرية" فرنسوا عقل، حامل الاختام. ولكن، أبعد من ذلك، كانت "الاهرام" في القاهرة، فمداها كان من مدى مصر. وبحذاقته، أعطى هيكل في الجريدة، مكاتب لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين وكل علم. وخلافاً لتقاليد الكبار بألاَّ يكتبوا إلا بالسياسة، كتب "الجورنالجي" هيكل في كل شيء، من مقابلة مع اينشتاين في نيو جيرزي، إلى وصف للعلمليات الجراحية في الصين، دون تخدير إلا بالابر. وقال نجيب محفوظ، لو كتب هيكل الرواية، لما آلت الينا نوبل. واعتُبِرَ هذا الكلام لذعة مبطنة، لا مديحاً صريحاً. أي ان هيكل كان يضيف من مخيلته ما يتناسب وجملته الطويلة والمذوقة، بعكس بهاء، الذي ميَّزه الاقتضاب والسلاسة والبساطة.
لم تكن أهمية مصر يومها فقط في انها أكبر وأقوى دولة عربية، بل في انها، إلى جانب ذلك، في كل بيت عربي. وإذ أغلق إمام اليمن بلاده دون أي نسمة، خوف أن تختبىء فيها ريح، لم يكن يتمالك إلا أن يقرأ "الاهرام" سراً، هو ووزيره فقط. وإذ كانت قوة مصر العسكرية موضع جدل، اقتحمت قوتها الناعمة الندوات والاجواء والمسارح: السينما والغناء والضحكة والصحافة والشعر البلدي الساخر والرواية الكبرى. وبفضل هذا النوع من الأثر تقدمت أيضاً بيروت الصغيرة، فيما غارت تحت كمّ الرقيب، مدنُ التاريخ مثل دمشق وأرض دجلة والفرات.
تلاحظ في كتب الرحالة والمستشرقين الكبار، أنهم عندما جاؤوا إلى المنطقة لم يكن فضولهم رؤية حكامها. اللهم إلا الانبهار الذي تركه فخر الدين على الجميع، وخصوصاً لامارتين. كانوا يأتون بحثاً عن آثار الفكر والحضارة، ناهيك بمعالم السحر والجمال. ثم أين، في أي مكان من العالم، كنت تجد الزعامة في يد سيدة، مثل نظيرة جنبلاط، مولودة في القرن التاسع عشر، فيما لم تقترع المرأة الفرنسية إلا العام 1945.
كانت المسألة على الدوام، العلاقة بالحضارة. ترك بونابرت مجموعة كبيرة من الهزائم، وانتصاراً دائماً في القانون. هذا كل ما بقي من امبراطوريته، والباقي تحول إلى كتب يجمعها هواة تاريخه والقادرون على الطبعات الأولى. إحدى أهمها في العالم، موجودة عند ايلي خليل.
تبدو مذكرات شوقي ابي شقرا مثل قاموس للأسماء التي صنعت ألق لبنان قبل أن يُسحل إلى الحرب: محمود درويش القادم من الجليل، ويوسف الخال القادم من وادي النصارى، وأدونيس القادم هو ومحمد الماغوط من سوريا الكبرى، والبياتي الآتي من دجلة، والكلاسيكيون الذين لا يتوقف عندهم طويلاً لئلا يرشقهم بالحصى. فالذي يتذكر هنا هو الشاعر، لا الناقد. وعالمه أشبه ما يكون بعالم "والت ديزني"، الصاعقة فيه لا تؤذي والفجرُ جمال. وكما في شعره، كما في نثره المائل بخطورة نحو الشعر، لا يلامس شوقي المخالفة عملاً بوصايا الأم وهي تودّعه كل صباح إلى المدرسة: إذهب خاسراً كطفل، ولا تعد رابحاً كألم.
بدأ الوجه العربي الحضاري بالتهدم في بيروت. دُفع الشعراء والكتّاب والموسيقيون والرسامون والمفكرون جانباً، وتدافع الخشنون والمرعبون من كل صوب. أوقفوا أنسي الحاج على جدار، وهموا بفتح الرشاشات عندما مرت امرأة لم تعرف من هو من ظهره، لكنها اشفقت على نحوله ورجفة العصفور فيه، فنهرت القتلة. صارت صورة العرب المرهفين ذكريات. صفحات تبرق من خلف التاريخ. من القاهرة إلى بيروت، شريط مصور في سينما صامتة. غاب الرجال، وبهتت المدن والحزن أمير الديار. ذات زمن كنا واحة العرب ومدرسة قانون روما. واليوم، مررت بديار ليلى.