بودلير: يخيفني الشعراء

يناير 31, 2017 اضف تعليق


روبير كوب
ترجمة : أنطوان أبوزيد


منذ مستهلّ آذار من عام 1866، كان بودلير مقيما في بروكسيل لسنتين خلتا. كان قد غادر باريس آملا في إجرائه بعض المحاضرات حول دولاكروا، وحول غوتييه، أو حول «الفراديس المصطنعة»، وأن يجد له ناشرًا أعماله الشعرية الكاملة، ولِمَ لا يكن لاكروا وفربوخوفن، الناشر الذي يُعنى بأعمال فيكتور هوغو؟ وباتت أشغاله تزداد صعوبة، وراح يسعى الى إحداث إنجازات في قصائده النثرية، التي نُشر بعضها في «مجلّة باريس»، وتقدّم بقصائد جديدة من «أزهار الشرّ» من تلك التي ضمّها بوليه ـ مالاسيس الى «القطع المدانة» في العام (1857) وظهرت تحت عنوان «الفضلات» وصدرت في أمستردام. وكانت شهرة الشاعر قد ذاعت، في الحلقة الضيّقة التي ضمّت كلًّا من غوتييه، وبانفيل، ولوكونت دوليل، وتجاوزت شهرة كلّ من فيكتور هوغو وسانت بوف، وأطلق عليه حينا لقب ألويسيوس برتران «الانحلال» وحينا آخر «الرائي» الذي أسبغ على الشعر رعشة جديدة» (على حد وصف فيكتور هوغو).

في حين أطلق عليه نقّاد الأمبراطورية الثانية (فرنسا) «أمير الجيَف» ورسّامو الكاريكاتور. وما إن هلّ القرن العشرون حتى توالت الأوصاف على بودلير سلبية في الغالب؛ إذ لقّب «بالكاتب النافث الكبريت والملعون لإساءته الى الأخلاق العامة والتقاليد، والذي تثير قراءة بعض قصائده الحواسّ لواقعيّتها الفجّة التي تخدش الحياء». ولم يتمّ ردّ الاعتبار القانوني اليه إلا في العام 1949. والحال أنّ أجيالا صاعدة من الشعراء والمؤلّفين سعت، في أواسط الستينيات من القرن التاسع عشر الى البروز، إبان الحقبة الأمبراطورية، من أمثال: ليون دياركس، وهنري كازاليس، وفرنسوا كوبيه، وشارل كرو، ولويس كزافييه دو ريكار، وأرمان رينو، وأوجين لوفيبور، وروبير لوزارش. بيد أنّ هؤلاء لم يخلّفوا ـ لضآلة إبداعهم ـ أثرًا يعتدّ به المتأدّبون ويستذكرونه. ما عدا مالارميه وفيرلين اللذين كانت لهما إسهاماتهما في الحياة الشعرية الفرنسية لا تُنكر ولا يمكن أن يُعزى الفضل فيها الى بودلير. وبالمقابل، لم يكفّ الشعراء الأوائل عن الإشارة الى تأثرهم ببودلير وانتمائهم الى مذهبه الشعري. وليس أدلّ على ذلك من مجلة «البرناسي المعاصر» التي ضمّت في عددها الصادر في 31 آذار من العام 1866، مساهمات لكل من غوتييه وبانفيل ولوكونت دوليل، الى جانب من ذكرناهم أعلاه (ليون دياركس وآخرون) جنبا الى جنب، وهو اليوم الذي شهد سقوط الشاعر في كنيسة سان لو بمدينة نامور، والذي خرج من سقطته مفلوجًا ومنعقد اللسان. وقد اعتبر بارباي دوريفيللي هؤلاء الشعراء يدينون ببنوّتهم لبودلير الذي يعدّ دانتيه عصره، في حين اعتبرهم موريس بارّيس، في كتابه «لطخات حبر» الصادر عام 1884، «شعراء بالنثر منحطّين ويصدرون مباشرة من معين واحد هو بودلير».

الجرأة
وفي مقابل التكريم الذي لقيه هؤلاء الشعراء، من على صفحات مجلة (لارتيست) «الفنان» في الأول من شباط 1865 ووصفهم بالسيمفونية الأدبية، على حدّ قول مالارميه، لا يبدي بودلير أيّ شعور حيال هؤلاء. وكان فيرلين قد سبق له تكريم بودلير في ثلاث مقالات أفردها له وحده في مجلة «الفن»، أيام 16 و30 تشرين الثاني، و23 كانون الأول العام (1865). وقد أسرّ له بارباي دوريفيللي لبودلير قائلا: «لقد كُرّمت جيّدا من على صفحات جريدة منشأة حديثا وهي الفن. ولئن كان الفريق جيّد الإعداد وأدبيا للغاية، من حيث طبيعته العميقة، فإنّه عديم الخبرة على نحو بيّن! لكم يظنّون امتلاك الدنيا أمرًا يسيرًا، وكم أخشى أن نعاود تكرار هذه اللازمة الأبدية عن الجرأة، والفرق بينها وبين الصلف، وكبوات الفشل واليأس التي شهدناها مرات متتالية في الثلاثين سنة الأخيرة! إنّ ما ينقص هؤلاء الوافدين الجدد (الى ميدان الشعر) هو التقليد (بمعنى التراث)، تقليد نسبيّ، أو فيلق يحسن بهم أن يلتحقوا به، حتّى وهم يستمسكون بقافلة الشباب، طوعا أو كرهًا، أو بسلطة، أو وسيط وحي، أو شاعر مستشار».. ولمّا تلقّى بودلير، بعد شهرين من الكلام المشار اليه، النص الذي كتبه فيرلين عنه، كانت ردة فعله أشد قسوة. إذ قال لسكرتير سانت بوف، جول تروبا: «لقد تلقيت من السيد لومِرّ عددين من مجلة الفن (لار) اللتين تحويان المقالة التي تخصّني.. تصفّحتُ هاتين المجلّتين. هؤلاء الشباب لا تنقصهم الموهبة، ولكن كم من الجنون (في ما يأتونه)! كم من المبالغات! كم من الافتقار الى الدقة! الحق يقال، إني أخشاهم خشية عظيمة! وبي رغبة عارمة أن أكون وحيدا». ولم يلبث، في النهار نفسه، أن خاطب أمه قائلا: «إنّ لدى هؤلاء الشباب موهبة، ولكن ما هذا الجنون لديهم! ما هذه المبالغات، وما هذا التنفّج الجدير بالفتيان! منذ سنوات عديدة تفاجئني، من هنا وهناك، العديد من محاولات تقليدي. إني لا أعرف أمرًا أشد إثارة للشبهة من المقلّدين، وما أكثر ما أحبّ الوحدة! ولكنّ هذا الأمر غير ممكن، ويبدو أن مدرسة بودلي قائمة».

كليشيهات
والواقع أنّ فرلين، في مقالاته عن بودلير، كان يعترض على الكثير من الكليشيهات التي لطالما ربطت بودلير بالرومنطيقيين الصغار. فقد رأيته، بالضدّ من ذلك، يشدد على «الفرادة العميقة» التي يتميّز بها مؤلّف «أزهار الشر»، والذي بدا له أنه يمثّل الإنسان المعاصر خير تمثيل وعلى نحو جوهري»، لا «الإنسان الأخلاقي، أو السياسي، والاجتماعي»، إنما الإنسان «النفساني المعاصر، على نحو ما صنعته الحضارة المتطرّفة، الإنسان المعاصر بحواسّه الشديدة التيقّظ والمرتعشة، وروحه الثاقبة، ودماغه المتشبّع تبغًا، ودمه المشتعل كحولاً». يستعيد شعرُ بودلير المواضيع الكبرى التي يقاربها أيّ شعر، لا سيّما «الحدود المشتركة»، من مثل الحب، والموت، والسكَر. وقد أضاف اليها موضوع باريس، الذي كان سبقه اليه الروائيون، من دون الشعراء وغيره الكثير. على أن مجرّد المقارنة بين قصائد بودلير وبين قصائد فرلين، تبيّن أنّ الأخير اقتبس من بودلير عددا من العبارات والعناوين والصوَر، من مثل «أغنية الخريف» و «مساوئ القمر» الذي بات لدى فرلين «محاسن القمر».. حتى ليقول بول فاليري عن فرلين: «انه لولم يقرأ فيرلين بودلير في زمن حاسم «أزهار الشر لما كان فرلين» (الشاعر المعروف). وهذا ممّا وافقه عليه العديد من شعراء زمنه، في النصف الثاني من القرن التسع عشر.

عن مجلة «ماغازين ليترير» (الفرنسية، تشرين الثاني 2016)

وحوش الحداثة: المسخ عند المائة

يناير 31, 2017 اضف تعليق
 ألكساندر بيليت

ترجمة/ محمد محفوظ

"عندما استيقظ جريجور سامسا في أحد الصباحات من كوابيس، وجد نفسه في سريره وقد تحول إلى حشرة عملاقة".

عد مرة أخرى واقرأ ذلك السطر الافتتاحي. حاول، إذا استطعت، ألا تتآلف نفسك معه. تخيّله في عقلك. اسمح لنفسك أن تتفاجأ بالتخيّل. استيقظ -وأنت في سريرك -بعد حلمٍ تمنيت ألا تعود إليه أبداً، فقط لتكتشف بأن هنالك شيء مخطئ للغاية.

 اجعل الاستدراك الذي توصلت إليه الآن، بدون أن تفسره، عبارة عن مخلوق زاحف عملاق، يذكرك بالصرصور، بالخنفساء أو قملة الفِراش. دع حقيقة هذا الإدراك تغوص بك في: الحيرة، والخوف، والعجز، والرعب المطلق المذلّ. أن تعلم بأن أشد المقربين والأعزاء منك، عندما يرونك، فإنهم سوف يشمئزون في قرف، ومن المحتمل أن يحاولوا تدميرك. أن تصبح الآن خارج الإنسانية بشكل حاسم.

 من الجيد أن يكون هذا السطر والصفحات التي تلته قد أصبحوا بعضاً من أهم رموز الأدب الغربي في القرن العشرين. وهنالك نقاشات معتبرة حول مقدار صحة ما تم ترجمتهم إليه، ولكن هاتان الكلمتان الأخيرتان -سواء قرئتا "حشرة عملاقة" أو "هامّة ضخمة شنيعة” -تولّدان بشكل مباشر معنىً مقلق بشكل عميق، وساحر لا يمكن مقاومته.

لقد انقضت قرابة المائة عام منذ ظهور النسخة المطبوعة الأولى لـ "المسخ". كتبها فرانز كافكا في عام 1912 كتشتيت لحالة معذبّة من الإحباط المؤقت الذي يمر به الكتّاب حينما يعملون على رواية جديدة. تسببت كثرة المراجعات، مع نشوب الحرب العالمية الأولى، في تأخير النشر لثلاثة أعوام حتى أُكتوبر في عام 1915.

بعد تسعة أعوام توفي كافكا الذي لم يكن مشهوراً بعد. تاركاً صديقه المقرب ماكس برود مع تعليمات بحرق جميع اعترافاته الأخيرة، والتي تضمنت أغلب الأعمال التي نعرفها لكافكا. قام برود مشكوراً بعصيان وصايا صديقه -والبعض أصروا بأن تلك الوصايا لم تكن نوايا جادة بطبيعة الحال. تزامناً مع بقية أعمال المؤلف، تم حظر “المسخ” في ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي. وخلال ربيع براغ في تشيكوسلوفاكيا، شهدت قصص كافكا طفرة جديدة من الاهتمام، قبل أن تعبر وتسحق الدبابات الروسية المطامح الديموقراطية والراديكالية للمدينة، كافكا أصبح أيضاً محظوراً في بلد نشأته.

سيقال الكثير الذي لا يمكن حصره حول فرانز كافكا، وحول "المسخ" بالتحديد. لكن التاريخ الغامض والمضطرب للمؤلف، يوضح سبب أهميّة قصته ونفوذها في الخيال الشعبي. لقد كانت متفرّدة، وعاطفية، وبالأخص، صورة مؤثرة عن العالم الحديث الذي نُسج وراء سيطرتنا، والضرر الذي أحدثه على الروح البشرية.

آراء كافكا السياسية وإرباك حالة الإحباط المؤقت في حكايته الرمزية:

 من المغري أن ينظر لـ "المسخ" كعمل لحكاية رمزية سياسية، فمسلمات كافكا الراديكالية ترجّح من كفّة هذا الرهان، وسمحت للبعض بأن يعتبروا جريجور ممثلاً للبروليتارية، وعائلته هي الجماهير، وهكذا دواليك. هنالك العديد من التفسيرات بنيّة حسنة من الراديكاليين والماركسيين، والذين يصرّون بأنها لا تعني إلا هذا التفسير. لكن هذا النوع من التحليل، يحصر بشدة منظار التفسير، ومن المحتمل أن يعيفنا عن مقاربة تقدير الصورة الفنية الكاملة لمؤلف مثل كافكا، وقصة مثل "المسخ".

هذا لا يعني بأن نقول إن آراء كافكا السياسية لم يكن لها دور في القصة. بالتأكيد يجب أن يكون لها أثر. ففي الوقت الذي كتب "المسخ" فيه، كان فرانز كافكا -بشكل حماسي جداً -معتنقاً لأقصى اليسارية، ولمبادئ الأناركية الشيوعية. فقد حضر العديد من اجتماعات مكافحي العسكريتارية ومكافحي الدولتية، ومجلته كانت مليئة بالبيانات مثل "دائماً تذكر كوربوتكين."

 هذه الآراء السياسية -التي يعرّفها مايكل لوي في كافكا بـ "الرومانسية الليبرالية الاجتماعية" -وضعت المؤلف في معزل بمقدار كاف عن ذلك النوع من الميكانيكا الخام التي قد تُخضِع أي حليل لأعماله لما يمكن اعتباره بأنه نوع من الروتين المتناظر. بوضوح وحدّة أكثر، كان كافكا واسع الخيال إلى حد بعيد جداً ليصنّف هكذا. إنه لذو مغزى كبير أن السوفييت وكتلة الأنظمة الشرق أوروبية؛ الذين قضوا فترة طويلة منذ أن حظروا أي نوع من الديالكتيكية المادية الصادقة والمطواعة والمرتكزة على الماركسية الحقيقية، أن يكونوا مرعوبين من كافكا، وأن يصنّفوا أعماله بـ "المنحلّة". فمواضيعه الرئيسية -كان الاغتراب فيها حقيقي جداً، للدرجة التي أحدث أموراً فظيعة ومرعبة للحالة البشرية، دون ذكر اتهاماته اللاذعة لكل الأشياء البيروقراطية -لا يمكن لها أن تنعكس بشكل جيد على النقص الهائل في “الاشتراكية القائمة.".

 مثلما قال الناقد الأدبي الماركسي إيرنست فيشر خلال كلمته في مؤتمر عن كافكا معقود في تشيكوسلوفاكيا في عام 1963 (قبل خمس سنوات من حظر ورقة المؤتمر رسمياً):

 إن كافكا شاعر يهمنا جميعاً. فاغتراب الإنسان الذي صوره بكثافة قصوى، قدّر درجات الفظاعة في العالم الرأسمالي. رغم ذلك، لم يكن بأي حالٍ من الأحوال أن يبرز في العالم الاشتراكي. فلكي تتغلب على "هذه الظاهرة" خطوة بخطوة -من خلال مجابهة الدغمائية والبيروقراطية من أجل الديموقراطية الاشتراكية ومبادرتها ومسؤوليتها -فإن هذه طريق طويلة ومهمة عظيمة… سيجد القارئ الاشتراكي آثاراً لمشاكله متضمنة في أعمال كافكا، وسيُجبر الموظف الاشتراكي لأن يتفكّر المسائل اليقينية بتدبّر أكثر وبنسق متباين.



 يتحدى هذا "النسق المتباين" عمليات تفكيرنا كي تذهب لأبعد من المجاز المبسّط. كانت ديفا يسن بلتر أول صحيفة تنشر الرواية، وأحد أهم ناشري المدرسة التعبيرية الألمانية. بشكل مشابه لماركسية فيشر وغيره من الراديكاليين المنشقين المساعدين لكافكا، كانت التعبيرية ثورة تصحيحية لمواجهة الواقعية "الرسمية" لتلك الحقبة. لقد لفتت الانتباه إلى الزوايا المهملة والمخفية من الوجود الإنساني، والتي دعت إلى مساءلة المفاهيم الإيجابية كالحرية والسعادة والتحيين الذاتي للمجتمع. ومع جنون الحرب العالمية الأولى، كُنتُ قاب قوسين أو أدنى من الحق، وتساءلٌ مثل هذا سيكون مناسباً جداً.

كانت "المسخ" مطابقة لمشروع ورسالة عمل التعبيريين للفن. فهي تخبرنا قصته من وجهة نظر موضوعية حادة، تغوص بعمق أكثر وأكثر في داخل ارتباك جريجور الشخصي، في الألم والأسى. من النادر أن نغامر أبعد مما يراه ويشعر به. فقط عندما تصبح الرواية في أقصى نهايتها، فنحن نغادر سجن شقته العائلية نهائياً. توصيف الشخصيات ومحيطها غالباً ما كان دقيقاً ولكن لم يكن مفرط الدقة، كما لو كانوا مجرّد مكون واحد لحركة جارفة وكأنها تصرخ ليتم التعاطي معها كلياً.

ما الذي -مهما كان -يتم في الحقيقة وصفه؟ إنه لمن السهل بصراحة أن يُترك العمل كما لو كان “اغتراباً” ويتغاضى عنه. وهذا ليس بالمقدار الهائل لعدم الواقعية بقدر ما هو غير مُرضي. يمكن أن يكون للاغتراب مفهوم داخلي وخاص به، ولكن من أجل “المسخ” فهنالك الكثير، أكثر مما يحدث، أكثر بكثير مما يعطى مثلاً ويُدرك. ما الكثير هنا ليخبرنا بهِ كافكا؟


 الإجابة عن هذا السؤال تستلزم الإجابة عن سبب استعارة كافكا من القوى فوق الطبيعية. فأكثر من ذلك كله، هو لم يحكي قصة مجرّدة عن غريغور سامسا، ذلك الرجل الذي استيقظ ذات يوم مع حالة سيئة من الملل. إنه يحكي لنا عن جريجور سامسا الإنسان السابق الذي تحول إلى حشرة قذرة وبغيضة وعملاقة. ففي صميمها، كانت "المسخ" قصة عن وحش. ولذلك، يقول تشاينا ميفيل:

 أظن أن ما يحدث هنا، أن هنالك شيء ما عن الحداثة والرأسمالية، التي لا يمكن لك ببساطة أن تفكر بها بطرق “واقعية”. عوضاً عن استمرارية معاودة ظهورها على هيئة “عودة المقموع”، فأنت لا يمكن لك أن تتصورها إلا في قالب فظيع.


 تخصيص ميفيل قوي بذكره للحداثة. فعالم كافكا كان أحد تلك التي يمكننا أن نقول عنها "التجربة الحديثة"، والتي اكتسبت قوة دافعة لا مثيل لها وأصبحت شبه مهيمنة على القارة الأوروبية. جُرف والده من حالة الركود للمدن الصغرى والمتجانسة للإمبراطورية النمساوية-المجرية، وقُذِف في إثارة وإذهال تمدّن مدينة براغ. كانت تلك حياةٌ لم يكن للمنطق المقبول "السبب-الأثر"؛ أن يتشبث فيها بخيطٍ نحيل كهذا في أي وقتٍ مضى.

 يبدو أن كافكا قد تصارع بنفسه مع طبيعة زلقة للهوية في هذا السياق. بخلاف مطامح والده الاستيعابية، سعى فرانز لاستعادة نوع من تصوّف الشتيلت¹ اليهودي ودمجه في داخل التجربة الكوزموبوليتانية. مع ذلك؛ سنكون جهلاء لو اختزلنا راديكاليته السياسية في محاولته لتزوير هوية، فقد يبدو أن كلتيهما متجذرتان في رغبته للانسجام وتسخير الإمكانيات المتناقضة للحياة المتطورة. ما هو أكثر تأكيداً، هو إدراكه التام لهذه المساومة الشيطانية التي تقدّم هذه الإمكانيات لمتقاسميها: من أجل أن يجد المرء الهوية الجديدة، عليه أن يكون مستعداً للحصول عليها مدمرةً ومنحرفةً بشكلٍ أسوأ من كل الإدراك البشري.

 الوحوش والوحشية

 من الحقيقي أن نصيغ بأن "المسخ" لم تكن مجرد قصة عن الوحش، وإنما قصة عن "الوحشية". فقبل كافكا، روى العديد من المؤلفين كل أساليب القصص عن التحول الحرفي للبشر. والعقيدة الأدبية لأوروبا الشرقية بالتحديد مليئة بالقصص عن العرافات والمخططات فوق الطبيعية التي فُرِضت على الناس، وانتزعتهم من بشريتهم وحولتهم إلى ما يشبه الحيوان القذر أو المخلوق المنفّر.

 لكن هذه القصص في العادة تتضاعف كحكايات أخلاقية أو أن تؤدي ما يشابه الدور التحذيري. إذا ما تحول شخص ما إلى جرذ، فإن ذلك بسبب تجسيده لما يشابه الخطأ باتجاه شخص آخر. أو إذا كان المتحول بريئاً، إذاً فقد كان هنالك ما يشابه الفاعل الآخر في القصة، والذي كان دوره إما للتأكيد بأنهم سيعودون بعد التحول، أو أن الذي قام بفعل التحويل قد استبصر بحقهم القصاص العادل. وفي العادة فقد كان هنالك حس عظيم إما بالعدالة أو الظلم التي يتمثّل في التحوّل بحد ذاته.

لم يوجد في “المسخ” شيء من ذلك. بالتأكيد نحن نشعر بالتعاطف مع جريجور ونقاتل مع ما كان قد أصبح عليه، ولكن لم يكن هنالك أي نقاش حول الصحيح أو الخطأ. تحوله جوهرياً فاقد لخصيصة الحس الأخلاقي، والأداة المترية الوحيدة للقياس التي نمتلكها في مقابل ما نقدّر به الأحداث للرواية، هي في أغلب مداها انفعالات جورج.

بالتأكيد فإن القصة تمتلك كليّة سردية، بالرغم من كل شيء. على الأقل فهناك كليّة ما؛ يمكن البناء عليها من تجربة جريجور وعائلته، بالرغم من كونها أبعد من إدراكهم. وهنالك العديد من الأسباب للإيمان بأن هذا التكتل للتجارب المتشابهة هو في حقيقته وراء مأزق غريغور.

أشار العديد من المحللين لوظيفة غريغور بأنها هي المذنبة، وهنالك بالتأكيد ما يشير إلى ذلك. تصف العديد من الصفحات الأولى للعمل شيئين ذوي علاقات مترابطة: هيئته شبه-الحشرية الجديدة، والمتطلبات الفيزيائية والعاطفية لوظيفته كمندوب مبيعات متنقل. كان هذا بدون شك متعمدا من جانب كافكا. فالمروء يذكّر بالطريقة التي يتم بها وصف عمل على أنه عملية تحول شنيعة في الأعمال الأدبية المختلفة، على سبيل المثال: “الأدغال” لـ أبتون سنكلير.

طريقة كافكا هنا ملحوظة بشكل مختلف عن سنكلير في العديد من الأساليب الواضحة. بينما يروجيس ومساعديه في اتحاد الجمعية انمسخوا مجازياً -تم تكسير أجسادهم وامتهانهم بطريقة مذلة حقّرتهم لشيء أقل مماثلةً لما هو بشري -فإن تحوّل جريجور كان حرفياً. بخلاف الحكايات الخرافية التي تروى في السابق، فإن تحول جريجور لم يكن التواء في حبكة الرواية ليطرأ لاحقاً في القصة، بل كان الحبكة الرئيسية للرواية. فقد استمر غريغور في الشعور بتحوّله طوال الكتاب. كان الاكتشاف الفارق متمثلاً في عدم قدرته على الكلام، وإدراكه لذلك جعله الآن يفضّل القمامة المتعفّنة كطعام، مع التلاشي في قدرته لأن يستشعر عواطف معينّة كلما استمر في صراعها في وجود إحساسه بالعزلة والوحدة. إذا كان التغيّر الفيزيائي قد طرأ قبل الصفحات الابتدائية للكتاب، فإن الانفساخ الحقيقي هو في حياة غريغور الداخلية.

إن أكثر اختلاف بارز هنا بأي طريقة كانت، لم يذكر بشكل واضح الرابط بين العمل والتجرّد من البشرية في “المسخ”. فبالكاد تمت الإشارة إليه، منذ بداية الصفحتين الأوليتين للقصة.

"أوه، يا إلهي" هكذا فكّر، "يا لها من وظيفة مرهقة تلك التي اخترتها! السفر يوماً بعد يوم. العمل وكأنه سيأخذ جهداً أكبر من ذلك الذي تبذله لعملك الخاص في المنزل، وفوق كل هذا هنالك لعنة السفر. الخوف من إنشاء علاقات في القطارات، الطعام السيئء والغريب، الاتصال بمختلف الناس طوال الوقت، حتى تصبح غير قادر على معرفة أحد أو أن تصبح صديقاً معهم. فليذهب كل ذلك إلى الجحيم!" كان يشعر بحكة طفيفة على بطنه، ودفع نفسه ببطء على ظهره باتجاه اللوح الأمامي للسرير، كي يستطيع أن يرفع رأسه بشكلٍ أفضل؛ ولكي يعرف أين كانت الحكة، ووجد حينها أن بطنه مغطاة ببقع بيضاء صغيرة لا يعلم مما صُنِعت، وحينما حاول أن يستشعر المكان بواحدة من أقدامه، قام بإرجاعها بسرعة، لأنه في نفس اللحظة التي لمسها بها، خضع كلياً لقشعريرة باردة.

 وبقدر ما إذا كان هنالك رابط ما، ففي أفضل الأحوال فإنه قد تم التلميح به. لقد كان مبنياً للمجهول، ومستقل وعسير الوصف. إن توظيف كافكا لصوت سردي كالذي يمكن وصفه اليوم بـ "الواقعية السحرية" أو "مجرى الأثر الجارف ²" هو توجيهي هنا: ذلك الذي نقول عنه غريباً بالنسبة لنفس الانطباع عن الممكن تمييزه والمبتذل، والخيالي يصبح دنيويا والعكس صحيح. إن عرض هذا النوع من مكافحة-الوضعية الذي تمثله المدرسة التعبيرية، والسببية بين إنهاك غريغور وتحوّله، هو أمر غير قابل للوصف. ممكن وغير ممكن، وبقدر ما هو ممكن، فإن هنالك قوى أوسع توحي به.

في الحقيقة، فقد تم التأكيد علانيةً بأن غريغور هو مجرد عمل منهك ومتطلبّ على والديه المتورطين بدينٍ ماليٍ عظيم. فمن خلال الكتاب، نحن نسمع محاولات عائلته لإيجاد سُبلٍ للتعويض عن الخسائر في الدخل: التخلي عن الخادمة، وعرض إحدى غرف الشقة للإيجار. وفي الحقيقة، فإن أحد هؤلاء المستأجرين هو من ساهم للمشاركة في موت غريغور. عندما خرج المستأجرون الثلاثة من غرفتهم ليسمعوا أخته جريت وهي تعزف بكمانها، كانت محاولة غريغور أن ينسلّ من خلال الباب حتى يسمع بشكل أفضل؛ أن آلت به ليتم اكتشافه بواسطة أحدهم. لقد أُحبطوا، وفزعوا، وخرجوا مباشرةً بعد أن هددوا والد غريغور باتخاذ إجراء قانوني بحقه. أصبحت عائلته، اليائسة والخجلة، تفكّر محبطةً -أمام غريغور -بالطريقة التي سوف تخلصهم منه. كان قد أصبح عِبئاً عاطفياً، وبشكل نهائي، عائقاً مادياً.

 جريت، كانت قبل هذا المحامية الوحيدة لجريجور، الوحيدة التي كانت تجلب له طعامه الآسن وتناشد والدهما أن يحفظ حياة أخيها، اصبحت الآن تشير إليه بـ “it” (هذا/هذه لغير العاقل): “يجب عليها أن ترحل… تلك هي الطريقة الوحيدة، يا والدي. يجب عليك أن تتخلص من الفكرة القائلة إن تلك هي غريغور. نحن فقط نؤذي أنفسنا بالإيمان بها لفترة طويلة. كيف يمكن لتلك أن تكون غريغور؟ إذا ما كانت هي غريغور، فإنه سيدرك منذ مدة طويلة استحالة عيش البشر مع حيوان مثل ذلك، وكان ليرحل من تلقاء نفسه."

 ومع ذلك، فإنها جريجور. فهو ما يزال لديه الوعي، بالرغم من فقدانه القدرة على التواصل به. هو يحاول أن يسترد أدنى جزء ثمين من إنسانيته المفقودة، وفي خضم محاولته، يخسرها نهائياً. إن مشهد موته المفجع والكئيب، هو ما ترتّب عند انهزامه عائداً لغرفته:

 “ما الذي أعمله الآن إذن؟” يسأل جريجور نفسه وهو محاصرٌ في الظلام. اكتشف بعدها بقليل بأنه غير قادر على الحركة نهائياً. وهذا لم يكن مفاجئاً له، فقد بدى له العكس، بأنه من غير الطبيعي، أن يكون قادراً حتى ذلك الحين على التحرك الفعلي في الأرجاء على تلك الأقدام المنحنية والضعيفة، وشعر أيضاً أن ذلك مريح نسبياً. صحيح أن كامل جسده يحكّه، ولكن بدى أن الألم يخبو ويخبو ببطء، وقد يختفي كاملاً بشكل نهائي… عاد ليفكّر في عائلته بحبٍ وعطف. لو كان ذلك ممكناً، فقد شعر بوجوب مغادرته بشكل أقوى حتى من شعور أخته. ظل بعد ذلك في حالة من الخواء والتأمل المسالم حتى سمِع ساعة البرج وهي تشير إلى الثالثة فجراً. ظلّ يشاهد بينما بدأ ببطء كل شيء حوله يصبح مضيئاً، وفي خارج نافذته أيضاً، حينها، وبطريقة خارج سيطرته، تدلّى رأسه إلى الأسفل كلياً، وفاضت آخر أنفاسه واهنةً من مناخيره.

كانت أفكار وأحاسيس غريغور الأخيرة عبارة عن المرحلة النهائية في تحولّه. فقد استطاع أن يشاهد نفسه خارجياً، وكان مرتاحاً مع خسارة السيطرة على أي جزء من جسده. أصبح بشكل صادق يرى نفسه كسلعة فقدت كل قيمتها الاجتماعية، ومن الأفضل أن يتم التخلص منه بكل بساطة. مرةً أخرى، إن الالتقاء بين الخيالي وغير الملاحظ يصنع خليطاً -من نوعٍ غريب -من العواطف الجيّاشة والجنائزية، وتسمح لنا أفضل الترجمات الإنكليزية كفاءةً أن نجرّب هذا الخليط غير المريح بأنفسنا. ففي آخر لحظات حياة غريغور، نحن نتعاطف معه بالتزامن مع الرعب لما قد أصبح عليه، وبالكيفية التي تعامل معها.

 في صورة متناقضة -مع ذلك -نجد أيضاً أنه من الصعوبة أن نقاوم الارتباط بالراحة التي استعرتها عائلة جريجور بعد موته، بالقدر ذاته من الراحة بالنسبة لجريجور نفسه. نحن لا نستطيع أن نمد له يد العون ولكن نستشعر أيضاً إحساسهم بالحرية من العبء الذي أصبح عليه، إنها خاتمةٌ مقلقة: أن ندرك بأننا أيضاً نشارك في تشيؤ بطل الرواية. إذا ما كانت إنسانية أحدهم قابلة للقياس من خلال الطريقة التي سيُتذكّر بها، فإن جريجور سامسا قد محي تماماً. حتى في موته، فإنه قد توحّش كلياً وبشكل قطعي. لن يحسم السبب مطلقاً، وبالتأكيد فإنه ثانوي للمكيدة التي تحاك بها.

 مسخٌ حديث

 في السابع عشر من أكتوبر، ظهر مقالٌ طويل في النيويورك تايمز بعنوان "الميتة المنعزلة لجورج بيل". كان موضوع التسمية عن اكتشاف جسد ميّت لرجُلٍ مُسنّ بعد قرابة الأسبوع من موته في شقته القذرة في كوينز. كان بيل مُكتنِزاً، تكدّس في جسده عبر سنين حياته الاثنتبن وسبعين ما يكفي من مُتعٍ لم يستطع الاستغناء عنها، كما لو أنها فاضت جزئياً في مأوى معيشته. ولكن مذ أنه لم يكن له أقرباء وأصدقاء معروفين، فتركّز المقال حول الآلية الطويلة والشاقة للتعرف على جسده، على الرغم من أن معظم المنخرطين في التعرّف على تلك الكومة المتحللة من اللحم والعظام الذابلة، "يعلمون" بأنها كانت -في أغلب الظن -جثة جورج بيل.

 أسئلةٌ كثيفة يتم تقيُؤها تلقائياً بواسطة هذا المقال، والعديد منها مثيرٌ للأعصاب على نحو تام. كيف أمكن -في واحدة من أكثر مدن العالم كثافة بالسكان -ألا يوجد أحد قادر على "معرفة" شخص ما من دون ريب؟ إذا كان المجتمع الحديث يقدّر قيمتنا من خلال المقدار الذي نمتلكه، فلماذا إذاً أمكن نسيان رجلٍ كاد أن يغرق حرفياً في متعته، واستُقبِل موته بهذا القدر من اللامبالاة الباردة؟ بقدر ما هي مزعجة، فإن هذه الأسئلة حول كيفية قدرة المجتمع اللامتناهية لنبذ حياة إنسانٍ ما فإنها أيضاً تعكس كيفية التناقضات المادية والروحية التي أشعلت خيال كافكا الذي ما يزال مستمراً معنا بشكلٍ كبير.

إنه من الحقيقي أيضاً أن تجد نفس هذه المضايقات والمقلقات وقد انتقلت إلى داخل ثقافتنا الشعبية بهذه الطريقة المتنافرة. فأفلام الرعب الجسدية -سواء كانت العمل الأول لديفيد كرونبيرق أو التصوير الفوري الأكثر فظاظة لسلسة حريش³ الإنسان -كانت الأمثلة الوحيدة الأكثر مباشرةً والتي يستحضرها الذهن. بشكلٍ جليّ، لا يمثّل أي منها الانمساخ المعاصر في الطبيعة كقوة غير طبيعية. بالرغم من أن بعض أفلام كرونبيرق تمتلك طابعاً أكثر شبحية، إلا أن أخرى مثل الذبابة وفيديودورم تصوّر التشوّه للشكل البشري كطفرة علمية أو تكنولوجيّة. كيانات كان من المفترض أن تجعل حياتنا أفضل، إلا أنها اُختُلست بواسطة أولئك الذين يؤمنون بِالخطو قُدماً في بُعدين من التقدّم. نفس تلك الواقعية المُتخشّبة التي ثار ضدها كافكا ومعاصروه، ما تزال تنتقد اليوم بشكل متكرر.

ما الذي يضع هذه النوعية من الأفلام في ظل “المسخ” بشكل راسخ، وبشكل أقل منها، لنقول، فيلم “فرانكشتاين” لماري شيلي؟ بينما تجترّ الأخيرة الكيفية التي تعيد فيها الحداثة تعريف إحساسنا بماهيّة ما يصنع إنسانيتنا، فإن قصة كافكا تكرّ وتفرّ وجودياً حول كيفية الالتواء والانحراف الحاد التام لنفس هذه الإنسانية، وهو اختلافٌ منطقيّ. مع أن كافكا وشيلي كانا راديكاليين سياسياً في زمانهما وموطنهما، إلا أن كافكا كان يكتب انعكاس الرؤية من مرآة خلفية لديها ما يقارب الأكثر من مائة عام في التجربة الاجتماعية الحديثة. وعلى الرغم من أن المذبحة المصنّعة والسلعية عرضاً من الحرب العالمية الأولى يمكن لها أن تغدو السبب وراء شحوب شيلي، إلا أن القدرة التكنولوجية لغاز الخردل، ودبابات مارك خمسة، والأسلاك الشائكة، كانت جميعها محبوكة بقدر كبير في زمن كافكا ومكانه.

لا يحتاج المرء بشكل تلقائي لأن يدمج ما له صلة برأس المال والإمبراطورية وجهاز الدولة القمعي لينخرط في مثل هذا النوع من النقد للاغتراب والنفور، ولا شيء منهما علني بهذا القدر في "المسخ". لكن إذا كانت هذه الاعتبارات غير ظاهرة للعلن، فإنها أيضاً ستصبح واضحة منذ لحظة الإشارة إليها. لقد تمت مواراتها من خلال الرعب والخزي لعائلة غريغور، وثقل الدين الساحق، وإرهاق عمله، وما لا يمكن تفسيره حين يجمع كل ذلك ليحوله إلى منبوذ حقيقي.


إن الفن المنفّر، والمشابه لغريغور إلى حدٍ كبير، هو ما تم استخدامه كأداة في “المسخ“. إنه يقدم نوعاً من مجرى الأثر الجارف ²، بين ما يمكن أن يصنّفه بيرتولت بيرتشت، بالعاطفي والملحمي، والشخصي بصفة وثيقة، والتاريخي بشكل رائع. قد تكون القوى التي تستطيع تحويلنا بعيدة المنال عن إدراكنا الشخصي، ولكنها أيضاً عادية بشكل جوهري.


 قد يكون هذا هو الإرث الأكثر أهمية من حكاية فرانز كافكا. إنه تذكير في عالمٍ يسيطر عليه رأس المال أن الرعب مألوفٌ جداً، كما لو كان شبه متخفٍ في مدى النظر الصريح. لأجل ذلك، فإنه قادرٌ على تحويل الحالة البشرية إلى شيء لا يمكن وصفه.

¹ شتيلت (يديشية) “مدينة صغيرة” بلدة أو مجتمع يهودي صغير يوجد في أوروبا الوسطى والشرقية قبل الهولوكوست.

² أصل الكلمة “slipstream” ولا يوجد لها مرادف أو معنى في العربية. فهي تصف أثر الهواء المندفع من محرك نفاث، أو الهواء الذي تخلفه وراءها سيارة مسرعة، فيجر في سبيله ما يجاوره. كأن يتحسن اقتصاد دولة ما، فيتحسن تباعاً لذلك اقتصادات الدول المجاورة، فيما يمكن وصفه بأنه slipstream = مجرى الأثر الجارف.

³ دابة صغيرة ذات أرجل كثيرة تعرف عند العامة بأم أربعة وأربعين.

جورجيو أغامبين عن (أمام القانون) لكافكا

يناير 31, 2017 اضف تعليق



فصل المسيح والسيد: مشكلة القانون عند والتر بنجامين

ترجمة: حسن القطان

سأحاول أن أقرأ قصة لكافكا من وجهة نظر بنجامين، "أمام القانون" والتي يمكن العثور عليها في مجموعة قصصية بعنوان "طبيب ريفي" وفي رواية "المحاكمة". بطبيعة الحال، لا أعني بأن بنجامين سيقرأ القصة كما سأقرؤها أنا. بالأحرى، سأحاول أن أقدم بشكل غير مباشر تصور بنجامين عن المهمة المسيحانية (وهي الإيمان بالمسيح المنتظر الذي سوف يأتي ليخلص شعبه بنو اسرئيل عند نهاية العالم)، من خلال تفسير أحد أمثولات كافكا.

     أفترض هنا بأن القارئ يتذكر قصة حارس الباب الذي يقف أمام باب القانون، و الرجل من الريف الذي يسأل إذا كان بإمكانه أن يدخل، منتظرا دون نجاح إلى أن سمع الحارس يخبره ـ في نهاية حايته ـ بأن الباب كان مخصصا له وحده. إن الأطروحة التي أنوي تقديمها هي، بأن هذه الأمثولة هي تشبيه لحالة القانون في العصر المسيحاني، وهو العصر الذي يكون فيه القانون مطبقا ولكن دون تأثير. الباب المفتوح الذي لا يمكن الدخول إليه هو شفرة لهذه الحالة للقانون. المفسران الإثنان اللذان قدما أحدث تفسيرين لهذه الأمثولة هما جاك ديريدا وماسيمو كاجياري، وكلاهما أكد على هذه النقطة.

    "القانون”، يكتب ديريدا، يحفظ نفسه من دون أن يبقى محفوظا من قبل حارس يحفظه، حارس لا يحفظ شيئا، يبقى الباب مفتوحا، ويفتح على لا شيء. وكاجياري يحدد بوضوح حقيقة أن قوة القانون تكمن تحديدا في استحالة الدخول للمفتوح مسبقا، للوصول إلى المكان الموجود فيه المرء أصلا: ”كيف يمكن لنا أن نأمل بأن “نفتح” إذا كان الباب مفتوحا مسبقا؟ كيف يمكن لنا أن نأمل بأن ندخل المفتوح؟ في المفتوح، يوجد، الأشياء هناك، المرء لا يدخل إلى هناك، يمكننا أن ندخل فقط أينما يمكننا أن نفتح. المفتوح مسبقا يجمد. الرجل من الريف لا يمكن أن يدخل، لأن الدخول للمفتوح مسبقا مستحيل أنطولوجيا.

من السهل أن نميز تشبيها بين الوضع التي تصفه الأمثولة والقانون في حالة تطبيقه بدون تأثير، و الذي يكون فيه القانون فعالا بالتحديد ما دام لا يطلب شيئا وقد أصبح غير قابل للتحقق. الرجل من الريف قد سلم بقدرة القانون لأن القانون لا يطلب شيئا منه، لا يفرض عليه شيئا سوى حظر القانون نفسه. لو كان هذا التفسير صحيحا، لو كان الباب المفتوح صورة للقانون في زمن نفيه المسيحاني، إذا من هو الرجل من الريف؟

في تحليله للأمثولة، يقترح كيرت واينبرغ، بأننا سنرى “صورة لمسيح مسيحي معاق(يعيقه شيء ما) “في هذا الرجل العنيد الخجول من الريف. يمكن أخذ هذا الاقتراح بعين الاعتبار فقط عندما نعيد المسيحانية لسياقها الفعلي. إن الذين قرؤوا كتاب سيغموند هورويتز  “Die Gestalt der sterbenden Messiahs” سيتذكرون بأن صورة المسيح في التعاليم اليهودية هي صورة مثناة.

   منذ القرن الأول قبل ولادة المسيح، تم تقسيم المسيح إلى المسيح ابن يوسف والمسيح ابن داود، المسيح من بيت يوسف هو المسيح الذي يموت، يقضى عليه في المعركة أمام قوى الشر، المسيح من بيت داود هو المسيح المنتصر، الذي سيقضي بالنهاية على الأرميلوس (المسيح الدجال في التعاليم اليهودية) ويعيد المملكة. بينما يحاول علماء اللاهوت المسيحيون ترك تثنية صورة المسيح جانبا، يبدو من الواضح بأن المسيح الذي مات و بعث مجددا، يجمع في شخصه المسيحان الإثنان الموجودان في التعاليم اليهودية. جدير بالذكر أن نوضح بأن كافكا، من جانبه، قد كان مدركا لهذه التعاليم، من خلال كتاب ماكس برود Heidentum, Christentum, Judentum.

   كتب شولم مرة بأن المسيح ابن يوسف هو صورة بائسة، لا تخلص أحدا أمام القانون، ويتزامن تدميرها مع تدمير التاريخ بينما هذا التشخيص صحيح بالفعل، لست متأكدا تماما بأنه يمكن الحفاظ عليه بأكمله إذا نظر المرء للدور الذي اضطر المسيح ابن يوسف للعبه في مصلحة تثنية صورة المسيحانية (والتي من الممكن أن يكون قد فكر فيها كافكا عند تصوره لمسيح دولته). في التعاليم المسيحية، والتي تعرف مسيحا واحدا، المسيح الذي يحمل مهمة مزدوجة، بما إنه مخلص و مشرع. بالنسبة لعلماء اللاهوت، فإن الجدلية (الديالكتيك) بين هاتين المهمتين يشكل المشكلة الخاصة بالمسيحانية.

   في رسالته عن القانون، عرف توماسو كامبانيلا صورة المسيح كما يلي، مناظرا لرأي لوثر وابيليار حول موضوع هذه الجدلية. لوثر لا يعترف بالمشرع ولكن بالمخلص، بيتر ابيلار يعترف فقط بالمشرع وليس المخلص. ولكن الكنيسة الكاثوليكية تعترف بهما كلاهما.


أحد الصفات الخاصة بأمثولات كافكا، هو أنها في نهايتها تحمل احتمالية تغيير كامل ومفاجئ يغير معناها تماما. في التحليل النهائي، كل مفسري الأمثولة قرؤوها قصة (ذات معنى أخلاقي) عن الفشل أو الهزيمة المحتومة لرجل الريف أمام المهمة المستحيلة المفروضة عليه من قبل القانون.


على الرغم من ذلك، يجدر بنا التساؤل حول إذا ما كان نص كافكا يسمح بقراءة مختلفة. يبدو بأن المفسرين ينسون، في الواقع، الكلمات التي تنتهي فيها بالتحديد هذه القصة. “هنا لم يكن أحد آخر يقدر أن يحصل على إذن بالدخول، إذ أن هذا المدخل كان مخصصا لك وحدك. سأذهب الآن و أغلقه”. لو كان صحيحا بأن انفتاح الباب ذاته هو ما أسس، كما رأينا، القدرة الخفية و“القوة” الخاصة بالقانون، سيكون إذا من الممكن أن نتخيل بأن سلوك الرجل من الريف ليس إلا استراتيجية معقدة وصبورة لإغلاق الباب من أجل إيقاف القانون المطبق حينها.


المعنى الأخير للقصة إذن ليس، كما كتب دريدا، ذلك الذي ل “حدث ينجح في عدم الوقوع” (أو حدث في عدم حدوثه: حدث حدث أن لم يحدث). بل بالأحرى، العكس هو الصحيح: القوة تتكلم عن كيف أن حدث شيء ما فعلا من خلال أن يبدو بإنه لم يحدث، و التناقض الظاهري لقصة رجل من الريف يعبر بدلا عن ذلك عن تعقيد المهمة المسيحانية، التي شبهت بالقصة. إنه على ضوء ذلك، يجب علينا أن نقرأ الفقرة المحيرة في دفتر كافكا التي تقول، “المسيح سيعود في الوقت الذي لا يعود فيه ضروريا، سيأتي فقط بعد وصوله، لن يأتي في آخر يوم، و لكن في اليوم الأخير".

هذه البنية المزدوجة المضمنة في هذا الإيمان المسيحاني، يقابلها النموذج الذي كان يفكرفيه بنجامين حين يتكلم ، في أطروحته الثامنة، عن “حالة استثناء فعلية” مقابل حالة الاستثناء التي نعيش فيها.


هذا النموذج هو الطريقة الوحيدة التي يمكن للمرء أن يفهم فيها شيئا كال”إسخاتون” (يوم الحساب، ما بعد يوم القيامة). أي، شيء ينتمي للزمن التاريخي و قانونه، ولكنه يقوم، بالوقت نفسه، بوضع حد له.

على الرغم من إنه حين يطبق القانون، نحن نواجه فقط بأحداث تحدث دون حدوثها، وهي بذلك تختلف بشكل غير واضح عن أنفسها(الأحداث)، هنا، بدلا عن ذلك، فيتم التفكير بالحدث المسيحاني عبر صورة ثنائيةـ موحدة. هذه الصورة، في الغالب، تؤسس المعنى الفعلي لانقسام المسيح الواحد (كما القانون الواحد) إلى صورتين مختلفتين، الأولى تستهلك في اكتمال التاريخ والأخرى، التي تحدث، إذا جاز التعبير، فقط بعد وصولها بيوم. هذه الطريقة الوحيدة التي يمكن فيها لحدث المسيح، بأن يتزامن مع الزمن التاريخي، ولكن دون أن يتم تمييزها فيه في الوقت نفسه، محدثة في الإسخاتون” التعديلات الصغيرة” التي، بناء على قول الحاخام كما أخبر بذلك بنجامين، تتكون المملكة المسيحانية منها.

من يحتاج للشعراء؟ – خورخي لويس بورخيس (ترجمة: راضي النماصي)

يناير 29, 2017 اضف تعليق



جريدة “نيويورك تايمز” – 8 مايو 1971


ما يقوم بمقايضته الكاتب أو الشاعر دائمًا غريب. أتذكر اقتباسًا لتشيسترتون[1] يقول فيه: “هناك شيءٌ واحدٌ تبقى له الحاجة مستمرة: كل شيء!”. بالنسبة للكاتب، تعني كلمة “كل شيء” أكثر من كلمة شاملة، فهو يأخذها بشكل حرفي، وتعني له الشيء الأهم والأساسي، وهو التجربة البشرية بشموليّتها. على سبيل المثال، يحتاج الكاتب للعزلة، وينال حصّته منها. ويحتاج أيضًا للحب، ويجد من يشاطره الحب ومن لا يشاطره. وهو أيضًا يحتاج للصداقة.. بل يحتاج للكون بأكمله في واقع الأمر. يجب أن يكون الشخص شاردًا، يعيش حياتين بشكلٍ أو آخر، لكي يصبح كاتبًا.

منذ زمنٍ بعيد، نشرت كتابي الأول “[2]Fervor de Buenos Aires” سنة 1923. لم يكن هذا الكتاب مديحًا لبوينوس آيرس قدر ما كان محاولةً مني لوصف ما أشعر به تجاه هذه المدينة. عرفت لحظتها أن الكثير ينقصني، على الرغم من أنّي عشت في جوٍّ أدبي، فأبي كان كاتب رسائل، ومع ذلك لم يكن الأمر كافيًا. احتجب إلى ما هو أكثر من ذلك، ووجدته فعلًا على يد الصداقات وفي المحادثات الأدبية.

ما يجب أن تمنحه جامعةٌ عظيمةٌ لكاتبٍ شاب هو، وبشكلٍ دقيق، التالي: الحوار، فن النقاش، فن الموافقة، وفن الاختلاف؛ وربما يكون الأخير هو الأهم من بينها كلها. بعيدًا عن كل ذلك، نستطيع أن نقول بأن اللحظة باتت مؤاتية حينما يحس الكاتب الشاب بأنه يستطيع صياغة مشاعره من خلال القصائد. يجب عليه أن يبدأ ذلك من خلال تقليد الشعراء الذين يحبهم. هكذا، يجد الشاعر صوته الداخلي بينما يفقد ذاته أثناء التقليد، أي يعيش حياتين في ذات الوقت، حياته الواقعية بكل ما يمكنه، وحياةً أخرى يتقمص بها، هي حياة يحتاج لخلقها، ويصيغ بها أحلامه واقعًا.

هذا هو الهدف الأساسي في برنامج كلية الفنون بجامعة كولومبيا. أنا – في هذا المقام – أتحدث بالنيابة عن العديد من الشبان والفتيات الذين يناضلون في هذه الجامعة من أجل أن يصبحوا كتّابًا، ولم يجدوا صوتهم بعد. أمضيْتُ أسبوعين في هذا المكان وأنا أشرح لهؤلاء الطلاب التوّاقين للكتابة، وأستطيع أن أرى ما تعنيه هذه الدورات لهم، وأن أرى أهميتها – أي الدورات – للأدب. لا يحظى الشبان في بلادي بمثلها.

دعونا نفكر بكل الشعراء والكتّاب الذي لم يظهروا بعد، وعن احتمال جمعهم سويًا وتعليمهم في مكانٍ واحد. أؤمن بأن هذا هو واجبنا، مساعدة هذه الكفاءات المستقبليّة لتحقيق هدفهم النهائي بكشفهم لأنفسهم، والذي سيخدم الأدب العظيم لاحقًا. الأدب ليس مجرّد ضمٍ للكلمات، ما يهم فعلًا هو ما لم يقل، أو ما يمكن أن يُقرأ بين السطور. ما لم يكن مرتبطًا بالإحساس في دواخلنا، فليس الأدب إلا لعبة، وكلنا نعلم بالطبع أنه أكثر من ذلك.

كلّنا نملك متعة القارئ، ولكن الكاتب يملك تلك المتعة بالإضافة إلى مهمّة الكتابة؛ وتعدّ هذه التجربة مكافأة بالإضافة لغرابتها. نحن ندين لكل الكتّاب الشّباب بفرصة اجتماعنا سويًّا، وبفرصة الاتفاق والاختلاف، وأخيرًا ندين لهم بالوصول لحِرْفَةِ الكتابة.

خالد الحروب... من هتلر والإنجيل إلى «داعش» والقرآن

يناير 29, 2017 اضف تعليق
عن الحياة

الهوس والتفاهة اللذان يمتاز بهما خطاب الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب تجاه شؤون كثيرة منها «الإسلام الراديكالي» سوف يسرّعان في جرّ العالم نحو حقبة جديدة من «صدام الأديان والأصوليات». تاريخ البشر، قديماً وحديثاً، حافل بحقب دموية تسبب فيها قادة رعناء مهووسون بخطابات دينية أو شعبوية أو شوفينية، يقودون شعوبهم والعالم إلى بحار من الدماء. عندما يتحدث زعيم شعبوي لقوة عظمى وصل إلى الحكم على رافعة الشعارات الغرائزية التي تمجد الأنا الجماعية وتطهرها وتشيطن الآخر وتجرمه، فعلى العالم توقع الأسوأ.
تاريخ البشر يقول لنا، أيضاً، أن استغلال الدين وتوظيفه وتحويره هي الطريقة الأقصر للوصول إلى قلوب عامة الناس وتثويرهم وحشدهم كالقطيع وراء الزعيم أو الحزب أو الدولة التي تقوم بالتوظيف. خطورة خطاب ترامب لا تحتاج إلى نقاش مُعمق، وبعض من تلك الخطورة يتأتى من تراكم إدراك غربي وغير غربي خلال العقود القليلة الماضية يحصر العنف الديني واستغلال الدين في المسلمين والإسلام، بسبب صعود التنظيمات الأصولية الإسلاموية التي تنسب نفسها للدين والجهاد، وآخر تمظهراتها «القاعدة» و «داعش». هذا الإدراك الغربي المُختزل والتسطيحي يخلق البيئة المناسبة لتبني سياسات عنصرية وفجة وحربية أيضاً ضد الآخر. على ذلك، من الضروري معرفياً وسياسياً التوقف ملياً وموضعة العنف المنسوب للدين في سياقاته التاريخية من ناحية، وإدراك اتساع نطاق تطبيقاته لتشمل معظم إن لم يكن كل الأديان والثقافات. لا تقدم هذه السطور أية مرافعة اعتذارية للعنف الإسلاموي الذي يستخدم الدين من قريب أو بعيد، بل تدينه بلا تردد ومن دون «لكن»، بيد أنها توسع النقاش وتوجه الاتهام إلى الغرب أيضاً حيث تاريخه القديم والقروسطي والحديث حافل باستغلال الدين ويفيض بالعنف الديني الدموي. لا يحق لترامب ولا لأي زعيم غربي أن يتغاضى عن تواريخ عريضة في إبادة الشعوب الأصلية سواء في القارة الأميركية نفسها، الشمالية والجنوبية، وكذا في بقية مناطق العالم حيث استخدم الدين لمصلحة سياسة الاستعمار والاستئصال وعلى نطاق واسع.
في كتاب كلاسيكي رصين صدر أواخر القرن الماضي بعنوان «الإنجيل والاستعمار»، The Bible and Colonialism تصدى بروفسور الإلهيات مايكل بريور في جامعة ساري آنذاك إلى العلاقة الوثيقة بين العديد من المشروعات الاستعمارية الغربية والإنجيل. درس بعمق المسوغات الدينية التي ساقها الاستعمار الأبيض لجنوب أفريقيا ولأميركا اللاتينية ولفلسطين، وأبرز آليات تبرير العنف بحدوده القصوى ضد الشعوب الأخرى. وفق المنظور الديني المُحور والمُؤول، فإن تلك الشعوب غير المسيحية، سواء كانت الهنود الحمر في أميركا والسكان الأصليين في أميركا اللاتينية ونظائرهم في أفريقيا بطولها وعرضها، ثم العرب في فلسطين، كانت هذه الشعوب محكومة بالخطايا الأبدية، ولذا كان عليها أن تخضع لخيارات القوة المسيحية البيضاء: إما أن تتطهر عبر التبعية للاستعمار، وإما أن تواجه خيار الإبادة. وروجت الخطابات المرافقة للقوة الباطشة آنذاك بأن الاستعمار الغربي كان تعبيراً عن انتصار الرب ورغبته في توسيع مملكته، وكل من يواجه هذه الرغبة عليه تحمل النتائج الإبادية.
وإذا كانت الكتب والدراسات التي تعرضت للنازية وهتلر والهولوكوست تكاد لم تُبق شيئاً إلا ونبشته وفككت جوانبه، إلا أن مسألتَي الجذر الديني للفكر النازي واستخدام هتلر الإنجيل ظلتا من أقل الجوانب بحثاً. وهذا النقص هو ما دفع راي كومفورت Ray Comfort للعودة إلى تاريخ هتلر وفكره وتأويلاته وتوظيفه الدينَ ثم إصدار كتابه المهم العام الماضي بعنوان «هتلر والرب والإنجيل»: Hitler, God and the Bible. الفكرة الأساسية التي يطرحها كومفورت في كتابه ويثبتها عبر العودة إلى حياة وأفكار وخطابات وممارسات هتلر هي أنه من دون الاعتماد على المسيحية والتأويل الديني وليّ أعناق النصوص واستغلالها ما كان لهتلر ولا لدولة الرايخ أن يصلا إلى ما وصلا إليه، أو أن يسوغا إبادة ستة ملايين يهودي في المحرقة. يجادل كومفورت بأن هتلر كان مقتنعاً بأن ما يقوم به من «غربلة» للجنس البشري تفرض ضرورة التخلص من الأجناس الرديئة، وترقية «الجنس الآري الأبيض» فوق الجميع، هو ترجمة لإرادة الرب وأن تلك الغربلة مسندة بمسوغات إنجيلية. يحتاج الكتاب إلى وقفة خاصة به، لكن على الأقل خلاصته المدهشة يجب أن تخفف من غرور الخطاب الغربي المعاصر الذي يحصر ممارسة توظيف الدين لمصلحة العنف بالمسلمين.
لنتأمل الأيام الأولى من حكم ترامب والقرارات التي وقعها كي تعطينا فكرة أولية حول نزعة الاستئصال والإبادة تجاه الأخر، سواء أداخلياً مثل إعلان حرب ضد فقراء أميركا عبر إلغاء نظام التأمين الصحي (اوباما كير) الذي استهدف الشرائح الفقيرة، كما التضييق على المهاجرين غير البيض، مسلمين وغير مسلمين، أو خارجياً مثل إقامة سور يفصل الولايات المتحدة عن المكسيك وإجبار هذه الأخيرة على تحمل نفقاته وغير ذلك كثير. ليس العنف والتطرف وتوظيف الدين حكراً على المتطرفين في بلدان العالم العربي والإسلامي، وهذا مرة أخرى ليس قبولاً بهم ولا دفاعاً عن إجرامهم. فهؤلاء يبدون وكأنهم هواة مقابل ما تقدمه لنا التجربة التاريخية حول نفس الممارسة وتوظيف الدين سواء في التاريخ الأوروبي والغربي القديم والحديث، وكما تمثل أيضاً خلال القرن الماضي في التجربة اليهودية الصهيونية التي بررت التطهير العرقي الذي شنته ضد الفلسطينيين بمسوغات دينية وتوراتية.


* كاتب وأكاديمي عربي

رميم ميشال سورا بين عنفين متآخيين ... حسبهما "الباحث" لا يتحالفان ابداً

يناير 28, 2017 اضف تعليق

 وضاح شرارة

غداة زيارة الرئيس السوري، السيد حافظ الأسد، باريس، تلبية لدعوة الرئيس الفرنسي، السيد جاك شيراك، أعملت جرافات "رسمية" أسنانها المعدنية الضخمة في تربة حرج يقع بحذاء مخيم شاتيلا الفلسطيني وبإزاء ما يعرف باسم الضاحية الجنوبية. و"تبحث" الجرافات عن رميم رفات، أو بقايا ميشال سورا. فحرج القتيل، المسمَّى في هذا المعرض باسم صادق على مسمِّيه، هو بقية من حرج صنوبر بيروت باعدت الطرق الكثيرة، والعريضة والسريعة، بينه وبين الحرج الأم. فأقام الحرج، على ذواء واندثار، شاهداً على غابة كانت متصلة ثم آلت إلى التقطع. وانفصل عن الغابة، وهي التي أحرق الجيش الإسرائيلي ما استبقته الطرق منها في عام 1982، والتحق، سكاناً مهاجرين ومقيمين بأراضي الغير، ومثالَ سكن وبناء عابراً ومستعجلاً، بالضاحية العتيدة. وألقت الضاحية بعض أوزارها السياسية، ومن هذه الأوزار جثمان ميشال سورا "الحياة"، في 25 تموز / يوليو 1998، رهينة "الجهاد الإسلامي" وقتيله، على الحرج هذا.

فطوت أرضه، بين ملجأ لاذ به الفلسطينيون غداة إجلائهم عن أرضهم، وبين "خطط" أحياء اتخذت منها الحركة الخمينية الناشئة غداة 1982 معقلاً وحصناً وحمى وسجناً، طوت جثمان الرهينة المريض الذي لم يُسعف، ووارت الغريب الأعزل بأرض غريبة. وتُدعى هذه الأرض، اليوم، إلى إخراج بقايا من انطوت عليه وكتمته طوال نيف واثنتي عشرة سنة. ويصدر البحث عن الرميم، في أرض لبنانية، عن أمر سوري وانقياد حزب اللهي. أما الجرافات، وقوة الحراسة من عدسات الصحافة والإعلام، فـ "لبنانية" أم حريرية؟.

وقد يكون التواطؤ هذا بين القوة الآمرة والقوة المنقادة والممتثلة آخر خسارة يُمْنى بها ميشال سورا، "الباحث" في اجتماعيات الشرقين الأدنى والأوسط، بعد خسارته حريته ثم حياته. فهو خلص في نهاية مطاف بحثه ودراسته، وغداة نيف وعقد من السنين أقامها يتنقل بين أهل المجتمعات التي اختار دراستها، وتعلم لغتها، وتزوج منها، وأراد لابنتيه أن تنشآ فيها - إلى تعليل الحركات الإسلامية الناشئة، في النصف الأول من العقد التاسع، رداً داخلياً، واجتماعياً عضوياً، على إخفاق "الدولة" الليبرالية، الوطنية والاستقلالية.

فهذه "الدولة"، البعثية والناصرية، ولدت عن يد الغرب المستعمر من "الدولة" الاستقلالية والتقليدية. وكانت ولادتها، شأن سلفها، بعملية قيصرية لم تبرأ منها ولا من آثارها، على زعم سورا، إلى اليوم. وليس العنف "الإسلامي" الذي نمَّت به، بين 1979 و1982، "حوادث" حلب وحماه السوريتين، وصادف انتصار خميني بإيران و"تصدير الثورة الإسلامية"، إلا الإرهاص بولادة المجتمعات الإسلامية، من داخل، حداثتَها الخاصة وبلورتها هذه الحداثة الخاصة.
والحق أن سورا، وبعض زملاء له مثل جيل كيبيل صاحب "النبي وفرعون"، 1982 وأوليفييه روا "الإسلام والثورة"، 1985 - في أفغانستان، لم يذهبوا إلى مديح الثورة الخمينية و"دولتها" الإيرانية، وحرسها الثوري وبازارييها و"آياتها" و"حججها". بل قصروا ما زعموه تشخيصاً اجتماعياً على الحركات الإسلامية السياسية والثورية قبل استيلائها على الحكم، وفي أثناء تصديها لما سماه سورا "دولة البربرية".
وعليه ليست الحركات الإسلامية إلا مظهر "خروج المجتمع على دولته"، على ما قال في المعارضات السورية غير الإسلامية، مستعيداً وسم كتاب في أصل الدولة لبيار كلاستر، الفرنسي، ذاع صيته ورأيه. وليس عنف الحركات الإسلامية إلا ردَّ جواب العنف "البربري"، أو "الكلياني" ج. كيبيل، الذي تباشره "الدولة" الوطنية والعلمانية في مجتمعاتها المغلوبة، وكان أي العنف إرثها من بنية الدولة الغربية. ووقف ميشال سورا الإرهاب على الدول وأجهزتها، في آخر مقالة كتبها، وبرأ منها الحركات الشعبية نفسها.

فكان مديح الحركات الإسلامية الثورية، المصرية والأفغانية والسورية وبعض التيارات اللبنانية المحلية، وتأويلها نقداً إجتماعياً وتاريخياً، داخلياً وعضوياً، للحداثة الغربية بوجهيها الليبرالي والاستبدادي الكلياني التوتاليتاري، نازعاً ثقافياً فرنسياً نزع إليه ميشال سورا، وأخذ به، على بعض التردد والحذر. وما زال يأخذ به كتّاب وصحافيون يشتهون علاقة "عضوية" بشعبهم وأرضهم وذاكرتهما. وما تطنب فيه، اليوم، صحافة مستعجلة تردد أصداء انفعالات "أُسَرية"، فتشيد بـ"صداقة" ميشال سورا وخاطفيه، وتحمل قتله على سوء التفاهم المعلَّل والمعذور، قد يكون بدوره صدى هذا النازع الذي غلب على بعض المثقفين، وعلى إرادتهم الخروج من "الإستشراق" الذميم إلى دراسة تشارك المجتمعات والقوى الإجتماعية المحلية همومها.

وردَّ من نصبوا أنفسهم، من غير تكليف ولا توكيل ولا حجة، أولياء على هذه المجتمعات وأوصياء، صاع نقد "الإستشراق" صاعين. فنسبوا كل دراسة يباشرها أجنبي لـ"مجتمعهم" إلى الإستيلاء والإستكبار، وإلى تمهيد الطريق لهما. فكانوا تلامذة نجباء لأساتذتهم النقاد. أما الأساتذة النقاد، وبعضهم استفرع همه في الكشف عن أباطيل "تغطية" الإعلام الأميركي أخبار الثورة الإيرانية و"روحانيتها السياسية" على زعم "أستاذ" الأساتذة، فسكتوا عن مصير سورا، وعن التذرع إلى خطفه وقتله بنهوض كل معرفة على سلطة وغلبة وتعسف، أي سكتوا عن تذرع خاطفيه وقتلته بالحجة النقدية التي يحتج بها الأساتذة على "الغرب". واليوم "تبحث" الجرافات عن عظام الرجل في أرض يوالي عليها ورثةُ "النقد" الاجتماعي والتاريخي الإسلامي مَنْ وسم سورا عنفهم في الإسلاميين وحركاتهم بـ"البربرية". وترعى المؤاخاة الولاء من غير إِحَن ولا ضغينة. وكان ميشال سورا، وريث ربيع عام 1968 و"ماويته" نسبة إلى الصيني ماوتسي تونغ العجيبة، يحسب أن المؤاخاة هذه مستحيلة، وأن عنف "الشعب" لا يخطئ غرضه ولا يصيب ضيفاً ظن خيراً في ضيافة مضيفه. وكأن استعصاء رميم الرجل على الجرافات ونبشها إحجام عن التثبت من حقيقة هذه المؤاخاة.
* كاتب لبناني
نشرت في الحياة30/7/1998

في مديح الهجاء – تشارلز سيميك / ترجمة :فاضل العزاوي

يناير 28, 2017 اضف تعليق


ما من شرطي عصري للفكر إلا ويكرر القول بأن ماهو خاص سياسي و بأن الأنا المستقلة لا وجود لها ، و حتى إذا ما وجدت فإنها لن تكون في صالح المجموع . و في كل مكان يعد عدواً ، بهدف إرضاء آخر نظرية حول إصلاح البشرية، كُل من لا يُوافق  علة أن أناهُ محكومةٌ اجتماعياً و أنه يمكن التحكم بها. في أكاديمية الأكاذيب، حيث تُخلط الحماسة الجديدة بالكراهية، وحيث الأطفال والمجانين و حدهم يقولون الحقيقة ، يقف الفرد المُصر على فردانيته في الركن و وجهه إلى الجدار، على حد تعبير غوبلز.

الأرثودوكسية، التفكير الجمعي، والفضيلة وفق التعليمات هي مُثل كُل دين و مشروع اجتماعي طوباوي. المشكلة الوحيدة التي يواجهها مفكرو مثل هذه الأنظمة هي السؤال، كيف يمكن إضفاء الإثارة على المسايرة. إن الآيدولوجيات من القومانية وحتى العنصرية لا علاقة لها في الواقع بالإفكار: إنها مخابئ لكهنةِ الإنبعاث الذين يوفرون الفرصة أمام العادلين، حتى يتمتعوا هم أنفسهم بالشعور بالتفوق "سوف نظل محافظين على السعادة الأبدية و الوئام إذا ما ضحينا بالفرد"، و هذا هو مايلقى من جديد في كل إجتماع للصالحين .

لقد علمتني الخبرة التاريخية أن أكون حذراً تجاه كل إعلانٍ جماعي. حتى نقاد الأدب أنفسهم يثيرون شكي عندما يعممون . بالطبع هناك شعراء ورسامون شبان يلتقون ويؤثرون في بعضهم و ينتمون إلى نفس روح العصر، و مع ذلك هل ثمة أدبٌ يملكُ قيمةً ما كتب من قبل مجموعة ؟ هل ثمة فنانٌ حقيقي ما في أي وقت إعتبر نفسه مجرد جزء في حركة؟ هل ثمة فنانٌ حقيقي ما في أي وقتٍ اعتبر نفسه مجرد جزءٍ في حركة ؟ هل ثمة أحدُ ما بجد هو ما بعد حداثي، مهما كان مدلول هذه الكلمة ؟ إنني أضيق بالأنظمة. وعيي الجمالي يقول لي : هذه الشاعرة أصيلة لأنه لا يمكن وضع أي ماركةٍ عليها . إن الفرادة لا تقبل الإنتقاص لكل حياة هي أن تمجد و يدافع عنها. وإذا ما اضطر المرء أحياناً للعودة إلى مفردات الشتيمة لصد طويلي اللسان، فليكن ذلك .

إن البهجة الأولى التي لا تنسى، تلك التي زودتني بها اللغة كانت في إكتشافي "الكلمات البذيئة". لابد أنني كنت في الثالثة أو الرابعة من عمري عندما سمعت ذات مرةٍ إحدى  هذه الكلمات . عندما أعدتها و لفظتها بصوتٍ عالٍ لأثير إعجاب الجميع صفعتني أمي وقالت لي ألا ألفظ تلك الكلمة ثانيةً . حسناً، فكرت إذن توجد كلمات ثمينة لا ينبغي على المرء أن يلفظها بصوت عال! إن هذا ليس صحيحاً تماما. فقد كانت لي عمة عجوز، اعتادت أن تتكلم بهذه الطريقة، حالما تفتح فمها. و كانت أمي ترجوها عندما تأتي لزيارتنا ألا تتكلم هكذا بحضور الأطفال، وهو رجاء ما كانت تلتزم به. إن امتلاك مثل هذه الشخصية وهذه السلاطة في اللسان في بلدٍ شيوعي كان عبئاً جدياً. كانت أمي تقول: "سوف ندخل جميعاً السجن بسببكم". ثمة لحظات في الحياة تصرخ طلباً للشتيمة الحقيقية، حيث يفرض الشعور العميق بالعدالة الضرورة المطلقة لكي نشنع بأفظ لغةٍ ممكنة، أن نهزأ، أن نصب الشتائم ، أن ننثرها وأن نغلظ القول. كتب روبرت برتون قبل زمنٍ طويل في "تشريح الكآبة": "لا أريد أن يمنعني أحدٌ من ارتكاب هذا الخطأ ." إنني أوافقه الرأي . فإذا كان ثمة ما أُريد توسيعه وإيصاله إلى الكمال فهو ذخيرتي من اللعنات .

لقد تعلمت التالي من تاريخ القرن العشرين: الأفكار الغبية وحدها يمكن أن يعاد إستخدامها. إن حلم بعض المصلحين الإجتماعيين هو أن يكون رأساً لتنفيذ عقوبة سجن تنويرية و مقومة للأرواح . ما من امرئٍ مغتر بنفسه، لا طعم له، شرس الخُلق و فاشلٌ جنسياً إلا ويحلم بتصعيد عجزه الجنسي إلى قانون. بذلات ماو: إن ملياراً من البشر يرتدون الملابس ذاتها و يزعقون بشيء ما من كتابه الأحمر يشكلون الآن أيضاً الأمل السري للرؤيويين الجدد .

ما يكاد المرء يدرك أن الكثير مما يراه و يسمعه يخدمُ فكرةً واحدةً هي جعل الخديعة تبدو جديرةً بالإحترام، حتى تتعرضه المصاعب. فقد إنتبهت عمتي العجوز مثلاً قبل المثقفين الباريسيين بزمنٍ طويل إلى أن الإتحاد السوفيتي و ما يسمى بالديموقراطيات الشعبية هي من الرأس حتى أخمص القدمين كلام فارغٌ و أكاذيب. كانت واحدةً من النساء اللواتي يرين فوراً ماوراء الواجهة. و في كل الأحوال فإنها ما كانت لتملك فكرةً ساميةً عن البشرية. لم يكن ذلك لكونها شكاءةً، أو موهومةً بأحكام مسبقة عن حفرةِ الأفعى . بالعكس تماماً. كانت تأكل وتشرب وتضحك من كل قلبها وتخون زوجها العجوز أحياناً من وراء ظهره، خطفاً فوق التبن .

بيد أنها كانت تمتلك رأساً واضحاً لا بلبلة فيه بصورة غير عادية . كانت تقول لأيٍ كان إن نظامنا الثوري الذي يرى في اللسان السليط و انعدام الأفكار جرائم سياسية و يعتبر اؤلئك التعساء الذين قد يقبض عليهم متلبسين بها عناصر مريضة ، ليسو سوى كومةً هائلةً من القاذورات بما في ذلك المارشال تيتو شخصياً . كان مبعث انفجاراتها هو ما تعتبره بلاعةً عند الناس الآخرين . وفي رأيها أنها كانت محاطةً بالجبناء وضعيفي العقل. الجرائد والمذياع كانت تُثير عندها نوبةً من الجنون اللفظي ، فتصرخ بأمي و جدتي " ألا تتقيآن عندما تسمعانهم يتحدثون هكذا ؟"

ولم يكن ليرضيها حتى إذا وافقتاها الرأي وهمستا آمنتين اليها بنعم، إن هؤلاء الشيوعيين ليسوا سوى حفنةً من الفلاحين القتلة الأميين المغفلين وأعواناً ستالينيين وما هو أكثر من ذلك . فقد كان ثمة ما يثير قلقها بلا حدود عند البشر كنوع. كلا، إنهم لم يكونو فيما مضى غير ذلك. إن جنون الضعة و الغباوة كان موجوداً دائماً. كانت تعقد يديها بسبب الحيرة المرة تلو الأخرى فوق رأسها، عاجزةً عن فهم الأمر . كانت ذلك بالنسبة لها ، مثل مرض حساسية غير قابل للشفاء ضد كل ماهو مخطئ و قذر . لكن ذلك لم ينقص من قدرتها على الابتهاج بالحياة ، إذ كانت تملك طريقتها في طرد الأرواح الشريرة، الأمر الذي يتطلب منها العمل طوال اليوم. كان صب اللعنات عليها يوفر لها ، كما أعتقد ، بدون أن تعرف هي ذلك، ولي أيضاً، أنا الذي كنت أتنصتُ من وراء الباب المغلق وأبتسمُ بلا حياء، متعةً ملكية .

في كتاب بعنوان "تناقضات النوع " تزودنا جوديت لوربير بصياغة نسوية لهذه الغباوة اللانهائية : "في عالم تسودة المساواة الشديدة يتوجب تأهيل و تدريب نفس العدد من البنات و الصبيان للعلوم الإنسانية و الطبيعية، للعمل الفكري و اليدوي في كل المهن. و من بين الذين يحصلون على نفس الشهادات ينبغي تعيين النساء و الرجال بالتناوب لنفس العمل، أو أن يقتصر فقط على تعيين الرجال وحدهم لأعمال النساء و النساء وحدهم لأعمال الرجال، حتى يتم إشغال نصف أماكن العمل بالرجال و النصف الآخر بالنساء".

إن هذا يبدو جميلاً جداً، ولكن كيف سيكون الأمر مع رجال الشرطة وحراس السجون والمخبرين الذين يحتاجهم المرء لتنفيذ كل ذلك؟ هل سينظمون في وحدات على أساس المساواة الصارمة بين الجنسين؟ نأمل ذلك. و لكن لا تنسوا، أنه ما من حديثٍ هنا عن الفرد ، وهو أمر يتميز به جميع أدعياء القداسة الورعين و أنبياء السعادة الشاملة. كيف يمكن أن نحمي أنفسنا من هذه الوحوش التي قسم أفراد المجتمع إلى نافعين وغير نافعين؟ المواطن المثالي في نظر هؤلاء هو العبد المتطوع. إنهم يريدون لأميركا أن تكون مدرسةً للفضيلة ، حيث ينبغي التحري بكل دقة عن الدلالة السياسية لغروب الشمس في قصيدةٍ ما .

كنت أعرف صبياً في الثالثة عشرة من عمره ، يكتب رسالةً يهاجم فيها الرئيس جونسون بسبب حرب فيتنام. و يا لها من رسالة! إن رئيسنا أبله و قاتل و إنه هو نفسه يستحق أن يُرمى بقنابل النابالم و بما هو أسوأ من ذلك . ذات مساء، إذ كان الصبي جالساً إلى مائدة الطعام في المطبخ مع أمه و أخته التي روت لي الحكاية ، يتناولون حسائهم ، انفتح الباب و النوافذ المؤدية إلى سلم الحريق دفعةً واحدة و أحاط بهم رجالٌ يشهرون مسدساتهم بالمائدة. أعلنوا أنهم من مكتب التحقيقات الفيدرالي ( FBI  ) و أرادوا أن يعرفوا من يكون أنتوني بالميرو . أشارت كلتا المرأتين إلى الصبي الذي كان يرتدي نظارةً طبية و يمتلك نظرةً فضية . لقد كلفهما الأمر الكثير من العناء لإقناع الرجال بأنه هو كاتب الرسالة. حيث كانوا يتوقعون قاتلاً شيوعياً ضخم الجثة بشعر طويل و ذخيرة من الأسلحةِ و القنابل .

ذات يوم سمعت إمرأةً مسنة في مكتب المساعدة الإجتماعية تصرخ : "ماذا تريدون مني؟ دمي؟" ظلت تصب لعناتها على الناس طيلة خمس دقائق أخرى، ليس لأنها كانت تتوقع الحصول على ما يمكن أن يزيل عنها الحيف الذي لحق بها ، و إنما لتشعر فقط للحظة قصيرة بأنها معافاةٌ و نقية .



نشر بمجلة عيون الثقافية الصادرة عن دار الجمل العدد الثاني للعام 1996.

تشارلز سيميك Charles Simic شاعر و مترجم و كاتب أمريكي من أصل صربي ولد في العام 1938.

ميشيل سورا: اليساري ضد إرهاب «الدولة التقدمية» وسطوة الطائفة

يناير 27, 2017 اضف تعليق



كان لتلك الأيام أثرٌ بالغٌ في روحه وذاكرته، حين رأى الفتى الفرنسيُ الذي ولدَ في بنزرت في تونس عام 1947، واسمه ميشيل، كيف تقوم القوات الفرنسية بقصف المدينة العربية الساعية للّحاق بركب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي في العام 1961، وكيف سقط أكثر من ألفَيّ قتيل وجريح معظمهم من المدنيين.
حين عاد إلى فرنسا كان النزوع إلى اليسار هو المسار الأليق بعقل ميشيل ووجدانه، انخرط في الثورة الطلّابية العاصفة التي شهدتها باريس في عام 1968، وبعد حصوله على شهادة عليا في علم الاجتماع، قرر العودة مجدداً إلى العالم العربي الذي أحبه وخرج منه من دون إرادته، ولكنه عاد هذه المرة إلى المشرق.
في عام 1971 سافر ميشيل سورا، وكان في الرابعة والعشرين من عمره، للإقامة في لبنان، وصار صديقاً للفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا يملؤون شوارع بيروت الغربية والمخيمات. أجاد اللغة العربية، ودرّس اللغة الفرنسية تطوعاً في المخيمات. رأى في القضية الفلسطينية تجسيداً للمثالية الثورية التي لم تتمكن أبداً من تخطّي المجال النظري في الحي اللاتيني كما وصفه صديقه بعد ذلك.
وبعد عام، أي في 1972، انتقل إلى دمشق، وأتمّ فيها دراسة الماجستير حول أعمال أديب الثورة الفلسطينية غسان كنفاني، وأعد أطروحة أخرى عن رائد القومية العربية ساطع الحصري، ثم عُيّن أستاذاً زائراً في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق، وبقي فيها حتى عام 1978، ليعود مجدداً إلى بيروت التي كانت قد دخلت في أتون الحرب الأهلية، وينضمّ إلى فريق مركز دراسات الشرق الأوسط. عاصر كل تفاصيل الحرب الأهلية وصراع الطوائف ونضال اليسار التقدمي العربي، الفلسطيني واللبناني، المتجاوز للانقسام الطائفي، وعاش يوميات الاحتلال الصهيوني لبيروت، وبقي يدافع عن الوثائق والمستندات الفلسطينية التي قام الصهاينة بعد ذلك بسرقتها ونقلها إلى فلسطين المحتلة.

في العام 1979 اقترنَ ميشيل بفتاة سوريّة من حلب، وصار أكثر التصاقاً بالعالم العربي وجزءً من هذا المجتمع الذي يضجّ بالانقسام والحروب والاستبداد. يقول عنه صديقه: «لا أظن أننا نستطيع أن نفصل العربي من الفرنسي في شخص ميشيل، فقيمة ميشيل هي في ترابط هذيْن الاثنيْن معاً، وفي هذه الروح التي جمعت ثقافتيْنا وعالميْنا.».
كان ميشيل سورا من الباحثين الغربيين القلائل الذين ينتمون إلى اليسار، وفي الوقت نفسه لم يتعاطفوا مع النظام السوري «الاشتراكي التقدمي» في معركته ضد تنامي الحالة الإسلامية في السبعينات، ثم المواجهات الدامية التي حصلت في أواخر ذلك العقد وبداية الثمانينات، ولم يَعِشْ القلق الغربي من إمكانية ظهور «خمينية جديدة» في سورية، الذي كان سبباً في غضّ الطرف عن جرائم النظام في مواجهته الدامية مع الإسلاميين.
بقي ميشيل متابعاً لكل الإجراءات التي قام بها النظام السوري منذ قيام «الحركة التصحيحية» عام 1970، ورَصَد تنامي الحضور الطائفي العلوي في مفاصل حزب البعث أولاً، ثم الجيش والأمن، ثم باقي أجهزة الدولة ومؤسساتها، وقام بتتبّع وتوثيق يوميات الصراع الدموي الذي تفاقم بعد عام 1979، وكتب عن أعمال النظام خارج حدوده، وبالذات حوادث الاغتيال والخطف والتفجير التي قام بها في لبنان والأردن والخليج وأوروبا. وبعد أن دوّن كثيراً من الجرائم التي حصلت في حماة ومدنٍ سوريّة أخرى عديدة، كتب ما يُشبه النبوءة: «يكفي التلفظ باسم حماة، لنفهم أن نهر العنف يشق طريقه من الآن فصاعداً في هذا البلد كالجرح».
كان ميشيل ينشر دراساته الموسعة في مجلة إسبري (Esprit) البحثية الفرنسية المرموقة، ويفعل ذلك باسمٍ مستعار خشية أن تطاله يد النظام. في تشرين الثاني/نوفمبر 1983 نشر فيها -تحت اسم جيرار ميشو- دراسة مهمة بعنوان «سورية الدولة المتوحشة»، وفي تشرين الأول/أكتوبر 1984 نشر دراسةً عن «إرهاب الدولة»، وأخرى عن «المجتمع السوري ضد دولته»، ورابعة عن «الطبقة، والطائفة، والمجتمع في سورية»، وكتب عدة دراسات في توثيق تصاعد الحالة الإسلامية وتحليلها في سورية منذ عام 1963، وتنامي الصراع مع النظام بعد ذلك حتى مواجهات 1982.

الدكتور برهان غليون، أحد أصدقاء ميشيل المقربين، كتب عنه: «حين عدت إلى دراسات ميشيل سورا المنشورة في الثمانينيات، وجدت فيها، على الرغم من مرور الزمن، وثيقة أنثروبولوجية وتاريخية نادرة تُفسّر الآليات والمبادئ الأولى لتأسيس نظام الأسد وعمله، وأساليب حكمه، وتعاملاته مع الرأي العام السوري والعالمي، والتي لم تتغير كثيراً منذ تأسيسه… إن هذه الدراسات تقدّم لنا، ربما أكثر من أي كتاب آخر حديث، مفاتيح أساسية للإجابة عن سؤال: لماذا وصلت سورية إلى الوضع الكارثي الذي نعرفه اليوم؟»، وأضاف: «لم تخدع شعارات التقدمية والاشتراكية والعداء للإمبريالية التي كان يُظهرها نظام الأسد ميشيل سورا، واكتشف، منذ مقالاته الأولى، بحدسه الرهيف، أنه لا يوجد عند الأسد مشروع آخر، لا بناء أمة ولا بناء دولة ولا إقامة عدالة اجتماعية، وإنما بناء سُلطة، وتأمين وسائل القوة الكفيلة بالدفاع عنها.».
أما صديقه الآخر جيل كيبل، الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون العالم العربي والفكر الإسلامي، فقد كتب عن ميشيل سورا: «أنه بحذاقته كعالم اجتماع، ونفاذ بصيرته كباحث ميداني، خرق أقنعة الأنظمة الكبرى التي اختزلت أحداث المشرق بظواهر عارضة محلية للصراع بين الإمبريالية والاشتراكية كما كان يُردد آنذاك. وأن تحليله لواقع المجتمع السوري وتشريحه لنظام الحكم وما نتج عنه من عنف يسمح لنا بفك رموز الانتفاضة السورية الحالية منذ اندلاعها في ربيع 2011 أكثر مما تمّ إنتاجه من دراسات صدرت عقب هذه الانتفاضة. وأن ثمة أجيالاً من الباحثين في العالم أجمع يعودون في أعمالهم البحثية إلى العمل التأسيسي الذي وضعه سورا، لكونه يبقى مرجعاً ضرورياً لإجراء أي بحث جدّي حول المشرق العربي وسورية ولبنان بشكل خاص.».
في ربيع عام 1985 سافر ميشيل سورا إلى باريس في إجازة قصيرة التقى خلالها بعددٍ من أصدقائه السوريين، وتحدثوا مطولاً عن الوضع المشتعل في سورية ولبنان، وفي 21 أيار/مايو عاد من باريس إلى بيروت حيث مقر عمله وعائلته، ولم تمضِ ساعات على عودته حتى تم اختطافه من قِبَل منظمة «الجهاد الإسلامي» التي كانت إحدى واجهات حزب الله حديث التشكل. بقي ميشيل سورا معتقلاً ومختفياً في ظروف مجهولة وغامضة ومن دون أي معلومات بشأنه، حتى أعلنت المنظمة ذاتها في آذار/مارس 1986 عن تصفية «الباحث الجاسوس ميشيل سورا» ونشرت صورته بعد موته. فيما تقول مصادر أخرى أنه تم إهمال علاجه عمداً على الرغم من مرضه حتى مات في المعتقل. لقد قُتِلَ سورا بكل الأحوال.
مات ميشيل سورا عالم الاجتماع البارز والممزوج بروح المشرق وهمومه وعمرُه لم يكن قد تجاوز التاسعة والثلاثين، رحل وترك زوجته الشابة وابنتيه، زلفى ذات الأربعة أعوام وليلى ذات العامين، اللتين نشأتا على مبادئ والدهما وشجاعته. وقد جمعت العائلة ما كتبه سورا من دراسات عن سورية لإعادة طباعتها في كتاب، صدر بالفرنسية في عام 2012 تحت عنوانٍ يحمل ما يكفي من دلالة: سورية الدولة المتوحشة. وفي هذا الأسبوع صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بتقديم الدكتور برهان غليون والدكتور جيل كيبل.الدولة المتوحشة
*****
قدّم َصديقُه المخرج السوري الراحل عمر أميرلاي عام 1996 فيلماً وثائقياً عن قصة موته، وأسماه: في يومٍ من أيام العنف العادي، مات صديقي ميشيل سورا.
هنا رابط القصة المثيرة حول البحث عن جثمان ميشيل سورا في لبنان، الذي لم يتم اكتشاف مكانه سوى في عام 2006، ونُقِلَ بعد ذلك إلى باريس.

نواف القديمي

كاتب وباحث وناشر من السعودية. مدير الشبكة العربية للأبحاث والنشر

قانون الانتخاب في لبنان: أوهام عدالة التمثيل والمناصفة

يناير 27, 2017 اضف تعليق


محمد م الحجيري

في النظر الى الواقع اللبناني، يبدو أن سلوك الأقطاب المتحكمين بالسلطة اللبنانية، يعرفون مسبقاً نتائج الانتخابات النيابية من خلال القوانين المقدمة، وصراعهم الآن ليس على "عدالة التمثيل" أو "المناصفة بين المسلمين والمسيحيين"، بل هدف كل فريق منهم، قطف أكبر عدد من النواب لتكريس دوره، وهذا المآل يبدو صعباً جدا في خضم التوازن المذهبي والطائفي، كان سهلا أيام الوجود السوري تكريس قانون يخترعه غازي كنعان ويفرضه على الآخرين كما يفرض النواب، اليوم الأمور أكثر تعقيداً حتى الآن، صراع مرير له جذوره التاريخية وآفاقه المستقبلية، كأن الجميع يبحث عن تأبيد نفسه في مجلس النواب ويحلم بالنفط والغاز وتوريث الأبناء والاصهرة...

عملياً عدالة التمثيل تبدو كذبة أو هي خطاب للشحن الانتخابي والطائفي وكليشيه من الكلشيهات التي اعتمدت في السنوات الأخيرة(مقاومة، محكمة دولية، حقوق المسيحيين)، فلا عدالة في التمثيل طالما مجموعة من اللبنانيين عديد سكانها 35 من نسبة السكان وتأخذ 50 في المئة من النواب، ومن حق لكل طائفة أن تطالب بحقوقها، وعلى هذا المناصفة التي اقرت في الطائف، غير منصفة انتخابياً وان كان مهمة سياسيا للحفاظ على طائر الفينيق ومقولة أن لبنان لا يطير بجناحيه، وفي الواقع من يرفع شعار "المناصفة"(المستقبل)، هدفه الحفاظ على نفوذه في الحكم، ومن يريد "المناصفة الحقيقة"(التيار العوني) فهو يريد التحكم بالسلطة والعودة الى زمن الجمهورية الأولى، وبين هذا وذاك لا احد يجرؤ على التصريح بمراده....

ومن يريد النسبية الشاملة (حزب الله نموذجاً)، بالتأكيد لا يريد عدالة التمثيل، كيف ولا وحزب الله الماسك بزمام الأمور والمال والسلاح والنفوذ، أمام هذا لا يبقى الناخب ناخباً، بل تصبح الانتخابات مجرد فلكلور لمشهد معروف النتائج. وما يسعى اليه حزب الله هو مروحة من المناصرين له من مختلف الطوائف...

بالمختصر، التيار العوني والقوات اللبنانية يبحثان عن زيادة عدد نوابهما للتحكم بمفاصل الحكم، "الرفيق" وليد جنبلاط يريد إبقاء الدور الدرزي و"بيضة القبان" لهذا يحب قانون الستين المعروف النتائج، تيار المستقبل يتخوف من أن تكون الانتخابات ضده وضد نفوذه... حزب الله يلعب دور الوجود السوري وان بوتيرة ناعمة، فحتى الآن مهما كانت نتائج الانتخابات، لا شيء يمر من دون موافقته.

بريس كوتورييه - عالم «ما بعد الوقائع» يتمدد

يناير 25, 2017 اضف تعليق


الحياة
ولجت الديموقراطية عالم ما بعد الوقائع، ولم تعد بينات بائنة على ما وقع تقنع الناخبين. وعلى رغم أن عبارة «بوست - تروث» ظهرت في الولايات المتحدة في 2004، فإن الطعن في مفهوم الحقيقة أبصر النور في الستينات مع مفكرين فرنسيين من أمثال ديريدا وفوكو. وفي نهاية السبعينات، بدا أن كل ما تحمله الفلسفة الجديدة، جديد ويقطع مع سالفه (أعمال أندريه غلوكسمان وبرنار – هنري ليفي) وأعمال اليمينيين الجدد من أمثال ألان دي بينوا. ولكن أصحاب حس السخرية لم يفتهم أن ما يقوله «الجدد» لا يحمل جديداً: فهم يرددون ما انفك يفسره منذ عقود أمثال ريمون آرون وكلود لوفور، وآخرين يعيدون ما حمله كارل شميدت، وبعضهم الثالث اقترح العودة الى ليبيرالية عمرها قرن. واليوم، تنتشر عبارة «ما بعد». وكأننا ندرك في عالم بالغ القدم أننا متأخرون أو لاحقون عليه. ولم يعد في وسعنا زعم الجِدة، فنحن نأتي (في مرحلة ما) بَعد، ونكمل ما سبقنا. ولكن ما يلي ننزع عنه طابعه ولونه، ونطعن فيه. فـ «ما بعد» يخالف ما يقال أكثر مما يبني بناء عليه. فما بعد العلمانية يرى ان العالم لا يتجه الى الخروج من الدين، كما حسِب الأوروبيون. وما بعد الحداثة تعلن إخفاق مشروع الحداثة، والأنوار. وما بعد الديموقراطية هو نظام تتفلت فيه القرارات من أيدي الجسم الانتخابي وتؤول الى مؤسسات غير منتخبة خارج المحاسبة. وأكثر عبارة نقع عليها أينما بدّل المرء نظره، هي عبارة ما بعد الوقائع والحقيقة التي وجدت طريقها الى قاموس أكسفورد. وبعضهم يرى انها تفسر الضيق او القلق السياسي اليوم وحوادث مثل الاقتراع الإيجابي على بريكزيت (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) وانتخاب دونالد ترامب.
وعبارة «ما بعد الحقيقة» أو ما بعد الوقائع صاغها المفكر الأميركـــي رالف كييـــس، في كتاب نشره في 2004، عنوانه «عصر ما بعد الحقيقة. نـــقص الأمانـــة والخداع في الحياة المعاصرة». ويقدم الكاتـب عمله بالقــول:» فـــي الماضي، كانت الحقيقة والأكاذيب. واليوم، لدينا الحقيقة والأكاذيب ثم بيانات لا يعتد بها، وعلى قدر ما هي ثانوية لا تفند ولا يقال انها خاطئة وضالة...» وفي عالم ما بعد الحقيقة والوقائع «تلتبس الحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين النزاهة وغيابها، وبين الخيال والواقع الفعلي». ومسرح المعارك السياسية اليوم هو هذا الحيز الغامض والملتبس.
ونظام ما بعد الوقائع والحقيقة سمته الأبرز افتقار حوادثه الى التماسك واعتبار شطر راجح من الرأي العام أنها مثبتة ويعول عليها. ووسائل الإعلام تفند أشباه «الوقائع»، وتلجأ الى التحقق منها كلما أعلن سياسي ما يبدو انه «حقيقة معدلة الى الأحسن»، وتسعى الى تبيان الحقيقة من الكذب. ولكن المُثبت والبائن لا يُبدِّل ما في نفوس الناخبين. ويبدو ان تشذيب الخبر والوقائع مما يشوبها من تضليل وكذب، يثبت الناس على آرائها. وراق لمؤيدي البريكزيت ودونالد ترامب أن «النخب اليبرالية» لا توافقهم الرأي. فهم يعرّفون أنفسهم على انهم خلافها. ولذا، لم تلق الحملات الكبيرة ضد الشعبوية التي شنتها الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة الموثوقة، آذاناً صاغية، وأدت الى خلاف ما رجت. وفي وجه الخطابة التقليدية - وأعلامها من التكنوقراط - وعِظات «الصواب في السياسة»، برز الخطاب الاستفزازي والصاخب الذي انتهجته شخصيات مثل دونالد ترامب وبوريس جونسون، في صورة الأصيل والموثوق. فهو يتماشى مع الثقافة الشعبية، اي ثقافة تلفزيون الواقع، ويبدو انه «صائب»، على رغم انه على خلاف الوقائع.
والسياسي في عالم ما بعد الوقائع «يوضب» الوقائع على ما يشاء. فهو في مثابة «حرفي الهراء» الذي وصفه الفيلسوف الأميركي هاري ج. فرانكفُورت في كتابة «فن قول الهراء او الحماقات» (2006). وميّز فرانكفُورت بين الكاذب، وهو على يقين من ان الحقيقة موجودة وأنه ينتهكها، وبين «الحرفي» هذا الذي ضاع في بحر اكاذيبه، فلم يعد يعرف اين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأكاذيب. ومثل هذا الحرفي يندد بـ «فساد النظام» وتلفه، وهو لا يسعى سوى الى النفاد بمصالحه. فهو يقول ان كذب النخب المعمم يحمل الضحية على الكذب. وفي كتابه السابق، «عن الحقيقة» الصادر في 2008، تناول فرانكفُورت أخطار التذرر والتفكك في مجتمعاتنا نتيجة اختلاط الحدود بين الواقع والكذب. فـ «حين يذيع المرء بنات خياله على انها وقائع، يخسر المجتمع أسسه». ولا تقوم قائمة لمجتمع ديموقراطي في غياب اجماع على معنى الكلمات وحقيقة الوقائع، ومن غير تشخيص المشكلات التي تقتضي العلاج. وثقة الناس تهتز حين تشعر أن كثراً من الممسكين بمقاليد الحياة الاجتماعية والسياسية يغشون وينشرون معلومات كاذبة لتحسين مراتبهم ومواقعهم.
ولم يخف أعداء الديموقراطيات الليبرالية فوائد التلاعب بميلنا الى عدم التصديق. فبوتين يمطرنا بمعلومات كاذبة. فهو نسب صاروخ «بوك» الذي دمر رحلة بوينغ 777 بين امستردام وكوالا لامبور (فوق اوكرانيا) الى الجيش الأوكراني، على رغم ان التحقيق الدولي أثبت ان الانفصاليين الموالين للروس هم من اطلقوه، وقال إن الجثامين والأشلاء في موقع انفجار الطائرة جلبت من بعيد. «ويساهم انفجار الأخبار الكاذبة وتعاظم أعداد مروجيها في تبدد ثقة الناس في ما يسمعون ويقرأون»، كتبت لوري بيني في «نيو ستايتمن». والإنترنت هو أداة ما بعد الوقائع والحقيقة. فشبكات التواصل الاجتماعي ونظم الحسابات الشبكية يطوّقان رواد الإنترنت بـ «فقاعة معرفية».
واليسار كان اول ضحايا هذه الأضاليل والمعلومات الكاذبة، فانحسرت شعبيته الانتخابية، وكان اول المنددين بنظام ما بعد الحقيقة، وأعلن ان الشعبويين يروون ما تيسر لهم من قصص وأكاذيب للتلاعب بالانفعالات الجماعية. فهم ينفون كل الآفات التي يناضل ضدها اليسار: التلوث والرأسمالية والاحتباس الحراري والتفاوت الاجتماعي... ووعود الشعبويين ديماغوجية ترفع لواء الديموقراطية المباشرة لترجيح كفتهم على كفة المؤسسات التمثيلية. واليمين شأن اليسار تنزل به اضرار نظام ما بعد «الواقع». فالحزب الجمهوري الأميركي ينظر بعين الاستياء إلى ترامب.


* كاتب افتتاحيات في «فرانس كولتور»، عن «لوبوان» الفرنسية، 19/1/2017، إعداد منال نحاس.

صادق جلال العَظم.. المحاكمة!

يناير 25, 2017 اضف تعليق

رشيد الخيون
 جريدة الاتحاد

ظهر صادق جلال العظم (1934-2016)، بعد سنوات طويلة مِن محاكمته ببيروت (1969)، مع يوسف القرضاوي، في مناظرة تلفزيونية، ومع أن حديثه ليس فيه ما يتعرض للدين، إلا أن المتصلين كانوا يلقون السَّلام على القرضاوي ويتجاهلون العظم، مع الرَّد عليه بأغلظ الألفاظ وأعنفها، إشارة إلى إخراجه مِن الملة، حتى سمعتُ أحدهم قالها، ولم أتأكد حينها هل كان مازحاً أم جاداً! واصفاً المناظرة بالمبارزة، وبما لا يجوز التَّشبيه: «برز الإيمان كلُّه إلى الشِّرك كلِّه»! والحديث معروف في بعض كتب التَّاريخ كـ«التَّأريخ المستبصر» لابن المُجَاور (ت 690ه).

كان عنوان المناظرة «بين الدِّين والعلمانية». ومعلوم أن القرضاوي كإسلامي يعتبر العلمانية كفراً، حسب كتابه «الإسلام والعلمانية وجهاً لوجه»، وليس أكثر من تكفير العلمانية لدى الصحوويين، مثل «العلمانية نشأتها وتطورها» لسفر الحوالي، وتلامذة سيد قطب (أعدم 1966) وشقيقة محمد قطب (ت 2014). لكن الذي اعتبر العظم الشرك كله والقرضاوي الإيمان كله، لم يفهم أن الجدل كان في الفكر الديني وليس الدِّين نفسه، وهؤلاء لا يريدون التمييز بين الفكر الديني، وفيه نتاج البشر من تفسير وتأويل، والدِّين العبادة والإقرار بوجود الخالق، مثلما لا يريدون التمييز بين الإسلام السياسي والإسلام الدِّين، لهذا اعتبروا «السياسة عبادة».




طُلب من العظم، في البرنامج المذكور، تعريف العلمانية فقال نصاً: «ترتيب سياسي واجتماعي، في وقت واحد، وأنا هنا أُقدم التعريف للعلمانية ليس بالمطلق، في كلِّ زمان ومكان، وإنما التَّعريف بالعلمانية بما يهمنا ببلداننا العربية بصورة خاصة، كترتيب سياسي ملائم لشروط العصر الذي نعيش فيه، أُعرف العَلمانية على أنها الحياد الإيجابي للدولة وأجهزتها وأدواتها ومؤسساتها إزاء الأديان والمذاهب والطوائف والفِرق والأثنيات الموجودة في مجتمع ما، أو التي يتألف منها ذلك المجتمع، وأُشدد على الحياد الإيجابي، أي أنها دولة ترعى كل هذه الأديان والطوائف». ثم أتى على نموذج الهند حيث تعيش أقلية مسلمة كبيرة محمية بالعلمانية.
ذلك مجمل الموضوع الذي دار حوله الجدل، والذي جعل القرضاوي الإيمان كلّه بينما العظم الشّرك كلّه! وأين هو الإيمان وأين الشرك مما دار بينهما؟! إنما جرى الحديث بين مؤمن بدولة دينية وغير مؤمن بها، جدل في أفكار بشرية لا صلة له بإيمان أو شرك.

أكثر اللقاءات أو المقابلات التي جرت للعظم يبرز فيها هذا التصور (إيمان وشُرك). كانت البداية بكتابه «نقد الفكر الديني» (1969)، والرجل أثاره مشهدٌ كأن مبتدعه أراد السخرية بضحايا حرب 1967، وتشرد الفلسطينيين من أرضهم، عندما كتبت الصُّحف المصرية واللبنانية آنذاك مبشرةً بخروج السيدة مريم لتزيل آثار الهزيمة بمعجزة، فاُعتبر ما جاء في «نقد الفكر الديني» عن هذا الموضوع طعناً بالدين، ثم اُضيف نقاشه لقضية «إبليس»، وإشارته إلى الذين يحاولون تكبيل القرآن بنظريات علمية، وكان يناقش كتاب يوسف مروّة «الإسلام تجاه تحديات الحياة المعاصرة»، الذي ميز آيات في الرياضيات وأخرى في النسبية وعلم الجيولوجيا.. ما اعتبره العظم «توفيقاً تعسفياً محضاً».

قُدم العظم للمحاكمة بتهمة ازدراء الدينين المسيحي والإسلامي معاً، فنفى أن يكون ما كتبه موجهاً للعقائد الدينية، بقدر ما كان للفكر الديني، بما يخص العقل لا العقيدة. نسى المحرضون، على شاكلة من اعتبره «الشرك كله»، أن الشهرستاني (ت 548ه) جعل المقدمة الثالثة من كتابه «الملل والنِّحل»، وكان شافعي الفقه أشعري العقيدة، حواراً بين «إبليس» والذات الإلهية، ولم يرده أحد، وأن شقيق الإمام أبي حامد الغزالي (ت 505ه)، محمد الغزالي (ت 520ه)، وكان يُدرس في المدرسة النَّظامية ببغداد، له رأي مختلف في هذه القضية (ابن الجوزي، المنتظم). بمعنى أن الأمر كان مطروقاً، وفي تلك العهود لا في هذا العصر الذي مِن المفروض أن يكون العقل فيه محمياً.

أُغلقت القضية ضد العظم، وكان حينها كمال جنبلاط (اغتيل 1977) وزيراً للداخلية، فحاور العظم في مكتبه حوار الثقافة، كذلك استضافه مفتي طرابلس نديم الجسر (ت 1980) في ندوة عن كتابه وبحضور موسى الصدر (قتل 1978)، من دون اعتباره «الشرك كلَّه». أما هو فعندما أُدخل المعتقل وانتزعت نظاراته منه فطلب نسخة من القرآن، فكيف يقرؤها بدون النظارات، فسقط بأيديهم وأعادوها له (حديث تلفزيوني مع العظم).

رحل العظم، وحتى آخر لقاء به (2013)، لم يتراجع في نقد الفكر الملتبس، ورجالاته الذين مازالوا يراكمون الأفكار في إخضاع الدين للسياسة. أما الدين كعقيدة فلم يمسه العظم بسوء. أنشد القرضاوي في تلك المناظرة: «سارت مشرقةً وسرتُ مغرباً/ شتانِ بين مشرقٍ ومغربِ»(الصَّفدي، الوافي بالوفيات)، وهو بيتٌ أكثرَ الأولون مِن إنشاده ولم يُعرف قائله، لكنَّ الأحقَ بالشكوى من التّباعد هو ابن دمشق، فهو يريد إسلام الحرية لا الاستبداد الديني والمحاكمات على الظن والترصد!

خورخي لويس بورخيس، أوسڤالدو فيراري

يناير 25, 2017 اضف تعليق

ترجمة: محمد الضبع

في مارس من سنة ١٩٨٤، بدأ خورخي لويس بورخيس سلسلة حوارات على الراديو مع الشاعر والكاتب الأرجنتيني أوسڤالدو فيراري، والتي بدأ اهتمام قرّاء الأدب اللاتيني بها يظهر مؤخرًا. تجدون في المحادثة التالية المجموعة الثانية من هذه الحوارات، والتي سوف تصدر في كتاب كامل قريبًا.

أوسڤالدو فيراري: بورخيس، أحد مقالاتك يحمل عنوان "عن تقديس الكتب" يجعلني هذا العنوان أفكر في كتب وفي مؤلفين تذكرهم باستمرار.

خورخي لويس بورخيس: لا أتذكر أي شيء بهذا الخصوص… هل كنت أتحدث عن الكتب المقدسة؟ عن حقيقة أنه في كل بلد هنالك تفضيل ما لكتب معينة؟
فيراري: لقد ذكرت السابق، نعم، ولكنك أيضًا أشرت إلى الأشخاص الذين ينتقدون الكتب لصالح اللغة الشفهية. على سبيل المثال، هنالك مقطع لأفلاطون يتحدث فيه عن القراءة المفرطة التي تؤدي إلى إهمال الذاكرة والاعتماد على الرموز.

بورخيس: أظن أن شوبنهاور قال: “أن تقرأ يعني أن تفكر بعقل شخص آخر.” هذه هي الفكرة ذاتها، صحيح؟ حسنًا لا، إنها ليست الفكرة ذاتها ولكنها عدائية تجاه الكتب. هل تحدثتُ عن هذا؟

فيراري: لا.
بورخيس: ربما كنت أتحدث عن حقيقة أن كل بلد يختار، أو يفضل أن يقدّم بواسطة كتاب ما برغم أن هذا الكتاب لا يمثل بالعادة خصائص البلد ذاتها. على سبيل المثال، يعتبر البعض شكسبير ممثلًا للإنجليزية بالطبع، ولكننا لا نجد أي من الخصائص الإنجليزية التقليدية في شكسبير. يميل الإنجليز للتحفظ والتكتم، بينما يجري شكسبير كنهر عظيم، إنه يزخر بالمبالغة والمجاز، إنه المثال المعاكس تمامًا للرجل الإنجليزي. وفي مثال آخر نجد غوته، لدينا الألمان الذين يصلون بسرعة إلى التعصب، بينما نكتشف أن غوته على عكس هذا تمامًا، رجل متسامح، يحيي نابليون عندما يجتاح نابليون ألمانيا. غوته ليس رجلًا ألمانيًا تقليديًا. الآن يبدو هذا النمط واضحًا، أليس كذلك؟

فيراري: خاصة في حالة الكلاسيكيات.
بورخيس: خاصة في حالة الكلاسيكيات، نعم. وبالنسبة لفرنسا، فإنها بلد تملك تراثًا أدبيًا ضخمًا لدرجة أنها لا تستطيع اختيار اسم واحد، ولكن إن ذهبنا مع فيكتور هيوغو، نجد أن هيوغو لا يشبه معظم الفرنسيين.

فيراري: في تلك المقالة أيضًا، أشرت إلى الكتاب الثامن من الأوديسة، حيث تسرد حديث الرب عندما أعطى المصائب وسوء الحظ للبشر، كي يجدوا شيئًا بإمكانهم أن يغنوا له.
بورخيس: نعم، هذا صحيح، كانت الفكرة أن يجد البشر لأجيال وأجيال سببًا مقنعًا للغناء.

فيراري: نعم.
بورخيس: حسنًا هذا سبب كافي لإثبات أن الأوديسة جاءت بعد الإلياذة، لأنه ليس بإمكان أحد تخيل انعكاس كهذا في الإلياذة.

فيراري: بالتأكيد، لأن هومر يعطي فكرة البدايات…
بورخيس: نعم، وكما قال روبن داريو: هومر الواثق كان يملك هومر آخر في داخله. لأن الأدب يفترض دائمًا مقدمة، أو تقليدًا. قد يقول أحدهم إن اللغة بحد ذاتها تقليد، كل لغة تقدم مدى من الاحتمالات والمستحيلات أيضًا، أو الصعوبات. لا أتذكر تلك المقالة، "تقديس الكتب".

فيراري: إنها في محاكم تفتيش أخرى.
بورخيس: أنا متأكد من وجودها، لأنني لا أظن أنك قمت باختلاقها فقط لاختبار ذاكرتي.

فيراري: (يضحك) إنها موجودة، من كتابات سنة ١٩٥١.
بورخيس: آه جيد، حسنًا، في تلك الحالة لدي كل حق في نسيانها. سيكون أمرًا محزنًا تذكري لسنة ١٩٥١.

فيراري: ولكنك انتهيت عند تلك النقطة بواسطة ستيفان مالارميه.
بورخيس: آه نعم، أن كل الأشياء تؤدي إلى الكتب، صحيح؟

فيراري: بالطبع.

بورخيس: نعم، لأنني آخذ تلك الأسطر من هومر وأقول إنها تؤدي المعنى ذاته. ولكن هومر مازال يفكر بالأغاني، بالشعر الذي يصعد في إلهام. وعلى العكس تمامًا، مالارميه كان يفكر حينها بكتاب، وبطريقة ما، في كتاب مقدس. الحقيقة أنهما الشيء ذاته، كل شيء يوجد لينتهي أخيرًا في كتاب، أو كل شيء يؤدي إلى كتاب.

فيراري: هذا يجعلنا نقول إن الأحداث دائمًا تنتهي بأن تصبح أدبًا. ولكن الكتاب الذي طالما نصحت بقراءته، حتى أولئك الذين لا يهتمون بالأدب، كان الإنجيل.

بورخيس: لأن الإنجيل عبارة عن مكتبة. الآن، كم هي غريبة تلك الفكرة عن العبرانيين عندما نسبوا سفر التكوين، ونشيد الأناشيد، وسفر أيوب، إلى كاتب واحد، هو الروح القدس. من الواضح أن هذه الكتب تعكس عقولًا مختلفة وعقودًا وأزمنة مختلفة، وتنتمي إلى فترات متنوعة للأفكار.