وليفييه لامّ... - ليونارد كوهين... الكلمات والموسيقى والصوت الحائر

نوفمبر 30, 2016 اضف تعليق

 عن الحياة
صوت في حيرة من أمره يمضي وكأنه يتلمس طريقه في لحن بسيط مثل ألحان أغاني الأطفال أو في اغنية نتجرعها كما نفعل حين نغامر خبط عشواء في الوجود. ورنة صوته كأنها متحفظة أو بعيدة المنال، مع انها تخفق على وقع لجاجة الكلمات الشعائرية. وبدأ ليونارد كوهين مسيرته المهنية في الغناء في سن الثانية والثلاثين، وقلب رأساً على عقب معايير موسيقى الروك ان رول، وغيّر تاريخ الثقافة الغربية. وهو دخل عالم الفن من الكتابة والشعر، فهو صاحب «أفلانش» (انهيار جليدي) و»هاليلويا» و»سو لونغ» و»ماريان». وتحمل موسيقاه نفحة أدبه وكأنها صدى كتاباته. وهو رمز الالتقاء الغريب والبديهي، في آن، بين الأدب والروك، قبل عقود من تجرؤ المفكرين على مدح ما سموه «بوب كالتشر» (ثقافة البوب أو الثقافة الشعبية). وفي ترويج ألبوم كوهين الأول في 1967، «سونغس اوف ليونارد كوهين» (أغاني ليونارد كوهين)، لجأت شركة «كولومبيا» الى عبارة وردت في «بوستون غلوب» في وصف روايته الأولى: «جايمس جويس إذ نات ديد» (جايمس جويس لم يمت). ومقارنته بجايمس جويس قد لا تكون في محلها في ميزان تاريخ الأدب، ولكنها مرآة هالة الأديب الكبير التي كانت تلف كوهين في عيون مستمعيه الذين كانوا لا يرون ان اسطواناته قصائد جديدة نُقلت الى عالم الموسيقى، بل التحام هائل بين الكلمات والنوتات والألحان وتجسيد ذروة العصر الذهبي لموسيقى البوب يوم كانت لصيقة بالثقافة المضادة. ولم يكن اعتراض محبيه وجمهوره على منح لجنة نوبل جائزة نوبل للأدب إلى بوب ديلن، وليد محبة ومودة او انحياز اعتباطي فحسب. فهذا الكندي كان أديباً، شأن ديلن. وأدبه من نوع آخر، ولكنه متوهج مثل نظيره الديلني (نسبة الى ديلن).

وبعض كلمات اغانيه هي من اعظم الأعمال الشعرية بالإنكليزية في القرن العشرين. وبعض قصائده قرئت أكثر من كلمات أغان شعبية. وفي 1969، أسرّ في مقابلة مع «نيويورك تايمز» انه يخلط بين الشعر والأغاني: «لا فرق بين أغنية وقصيدة. وفي بعض الأحيان، أغانيي هي قصائد في وقت اول، وفي أحيان أخرى، قصائدي هي أغان... وكل كتاباتي أخصص لها ألحاناً موسيقية ترافق تلاوتها على وقع الغيتار». وحين صدر ألبومه الأول في كانون الأول (ديسمبر) 1967، كان كوهين فناناً ناجزاً، يرتدي بدلة مخططة من رأسه إلى أخمص قدميه. فالألبوم وسم بـ «أغاني ليونارد كوهين» وكأن صاحبه ذائع الصيت وحياته ناجزة أو مكتملة قبل ان يبدأ الغناء. وأغنيته الأولى يعجز وصفها بالكلاسيكية عن نقل ما تحمله من نفحة أبدية تسري فيها. فـ «سوزن» اريستوقراطية من عالم موسيقى الفولك في غرينويش فيلج. ولحن الأغنية هذه يوحي بأن كوهين كان ليكون في زمن آخر وفي بلد آخر، واضع أغان روحانية أو مدوناً انجيلياً، وهو لا يحاكي كيرواك او فولكنر او ميلتون بل يقارع مصاف هوميروس والملك داود. وكوهين كان يعد لتغيير العالم منذ ولادته في مونتريال في 1934. وهو قال أكثر من مرة في مسيرته المهنية إنه كان في طفولته صاحب رؤى خلاصية. ولم يخفَ عليه أنه سيكون عظيم الشأن، قائداً أو كاتباً. وعاش حياته وهو ينتظر هذه اللحظة المفصلية (الارتقاء الى مصاف رجل يخلف بصمته في العالم) على وقع السفر والحب والكتابة والإقبال على تجارب متباينة. وعلى خلاف عدد من اساطير البوب الذين تُجمع سيرهم الذاتية على سردية تتبع خطاً مستقيماً من الطفولة الى الخاتمة، من العسير تناول سيرة كوهين المتعرّجة. فهو كان في حيرة من امره طوال ثلاثة عقود. وهذه الحيرة هي وراء اختلاف طريقة غنائه عن اسلافه ومعاصريه وورثته.

وموت والده المفاجئ في 1944، يوم كان في الثانية والخمسين من العمر، حمل ليونارد اليافع على كتابة نصه الأول، وهو في التاسعة من العمر. وروى هذه الحكاية في قصته «ذي فايفوريت غايم» وفي قصتين تجمعان السيرة الى الرواية. وعشية الجنازة، سرق ربطة عنق والده وأحدث مزقاً فيها زرع فيه نصاً كتبه، ودفنها في اليوم التالي في الحديقة. وإلى هذه الحادثة، خلفت حوادث اخرى اثراً كبيراً فيه. فالبطل في «ذي فايفوريت غايم» ينوّم مغناطيسياً الخادمة، شأن ليونارد الشاب الذي حمل الخادمة وهي «منوّمة» على خلع ثيابها. فشعر بالمتعة الجسمانية والسلطان الناجم عن القدرة على الإغواء. وهو اشترى غيتاراً كلاسيكياً مقابل 12 دولاراً كندياً، وأصيب بأول انهيار عصبي يوم كان في السابعة عشرة من العمر، وتعرف على سفر اشعياء حين كان يقرأه مع جده لأمه، الحاخام سولومون كلونيتسكي- كلين، ووقع على قصائد غارسيا لوركا في 1950 في مكتبة صغيرة في مونتريال.


* صحافي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 13/11/2016، إعداد منال نحاس.

بول شاوول... أمين نخلة نحّات الديباجة العربية

نوفمبر 27, 2016 اضف تعليق

 عن جريدة المستقبل
الشاعر اللبناني الكبير امين نخلة رحل قبل أربعين عاماً (1976)، ومنذ رحيله كأن صمتاً صفيقاً أطبق عليه، وعلى شعره ودوره، ربما لأن أي مرجعية طائفية أو سياسية أو حزبية أو قبلية لم تتبنّه، أو لأن شعره المرهف لم يصل إلى الأجيال الجديدة. في هذه المناسبة، مقاربة لبعض جوانب شعره ونثره.

أمين نخلة، في الحركة الأدبية اللبنانية والعربية، له موقعه المتفرد، ووقعه الخاص، وعالمه تتنسمه ولو من بعيد، وتستشفه من فضاء «صاح»، ومن ذهن منقشع، ومن لغة صافية مصفّاة مطهرة مقطّرة كأنما من انبيق هنا. منحوتة كأنما بإزميل خفي، دقيق هناك. يعرف كيف يحذف بقدر ما يعرف كيف يقطف، ويختار، بإرهاف شعري قلما وقعنا على مثيله في الموزون العربي، وربما في غير الموزون.

إنه وارث اللحظات «اللغوية» العالية في الشعر. وارث مخزون «عبيد الشعر»، في التراث العربي، من أيام زهير المتأمل في اللغة وفي العالم، ولبيد ذي المناخات المظللة في المجاز، وأبي تمام ذي الضربة المفردة، والصيغ المفاجئة، والمتنبي ذي القصيدة المنسوجة، المركبة، المجدولة بوشائجها الداخلية، وإيحاءاتها الخفية؛ وهو وارث النثر العربي في قطوفه الأبهى والأصعب منذ «نهج البلاغة» الى عبدالحميد الكاتب والجاحظ.. وعبدالله بن المقفع.

فهو من إلفة ذلك الخزين، ومن وريفه، يستل «ديباجته»، وينحت حجارته من مقالعه، ويصوغ جواهره من ذهبه وفضته.

على أن «الأمين» وبقدرة الشاعر على تفتحات أوسع، وعلى مهارات وتجارب أعم، عرف كيف يفتح عينيه وقلبه وذهنه على الخزين الغربي ولا سيما الفرنسي، فأصابه منه هبوب ولفح من بودلير (القصيدة السوداء)، الى ألفونس دوديه (المفكرة الريفية)، وإلى البرناسيين أمثال لوكونت دي ليل وهيريديا وفرانسوا كوبي، من دون أن ننسى بعض الرومانطيقيين والرمزيين.

لكن أمين نخلة، على الرغم من أن البعض ومنه صلاح لبكي وأنطون قازان رأيا أنه متأثر بالبرناسية، والبعض الآخر أنه متأثر بالمسحة البودليرية (وإن ملتبسة)، فإنه، في العمق، بقي خارج المدارس المقننة ذات المواصفات والقوانين والتحديات المرسومة، حتى عندما احتدمت «المعارك» بين ذوي الاتجاهات الرومانطيقية كالياس أبو شبكة والرمزية متمثلة بأديب مظهر (كرائد لها قصفه الموت قبل إتمام تجربته) ويوسف غصوب وخصوصاً سعيد عقل، بقي هو على الهامش. فهؤلاء وهم من كبار الرواد، حاولوا تبنّي بعض المناخات والتنظيرات المتصلة بمفاهيم الشعر الرومانطيقي والرمزي، فصنف بعضهم في الخانتين: سعيد عقل في الرمزية وإن كانت نسبته الى الرمزية في حاجة الى مراجعة، وأبو شبكة في الرومانطيقية. وهنا برزت الاختلافات في النظر الى القصيدة، لتعكس الاختلافات الفرنسية والأوروبية حولها، فالرومانطيقيون (وخصوصاً أبو شبكة) يرون أن الشاعر مجرد وسيط يتلقى القصيدة (بالوحي) كاملة ناجزة تماماً كما يخرج الوليد من أحشاء أمه، وليس على الشاعر أن يتدخل في عملية «الخلق» التامة هذه. «فالوحي» الآتي من «ربات الشعر» ومن ملائكته ومن «شياطينه» أيضاً، لا يحتاج الى «أي» اعتداء يقوم به الشاعر عبر الصنعة أو الشغل أو التعديل أو التغيير، وكلنا يعرف أن الياس أبو شبكة هاجم بول فاليري واتهم بعض الرمزيين وكان يقصد تحديداً سعيد عقل، بالتقليد وباستيراد الأفكار والتجارب، وفي هذا الإطار وصف سعيد عقل، ومن يسعى الى صناعة القصيدة أو صوغها أو نحتها.. بالنجارين.

[ الرمزيون

الرمزيون، في المقابل، أطلوا من الضفة الأخرى، أي من ضفة فاليري وفرلين مع سعيد عقل ومن ضفة ألبير سان وبودلير مع أديب مظهر ويوسف غصوب.. ومارسوا عملية «ذهنية» أو فكرية، أو واعية على القصيدة، باعتبار أن «العفوية» غير موجودة، وأن على الشاعر أن يزيل عامل الصدفة (ولو موضوعية)، فتكون القصيدة منتوجاً مادياً أو نحيتة أو «جوهرة» تلمع في كل أطرافها؛ أما الناحية الأخرى المهمة التي اكتسبها رمزيونا من الفرنسيين فهي التعبير بالإيحاء، وبخلق مناخات دالة وموحية تشير الى الحالات التي تكوّنها كيمياء اللغة بطريقة غير مباشرة. وهنا إحالة على رامبو حيث الإيحاء عنده بالصورة، وكذلك الى مالارمه حيث الإيحاء يتم عبر صهر الصورة بكيميائية لغوية مكثفة، وإلى فاليري حيث يتم ذلك عبر «اللغة داخل اللغة»، خصوصاً أن شاعر الفرنسيين استفاد من مختلف التجاربالمذكورة ولا سيما من مالارمه وفرلين.

فأين نضع أمين نخلة من هذه المعمعة، وهذا التصادم بين المفاهيم واللغات، وهذه الخصومات «الجمالية» في التعاطي مع القصيدة؟ إن وضع البعض أمين نخلة في لائحة البرناسيين غير دقيق، ومن دون أي انتماء البرناسيين في بعض جوانب التعاطي مع لغة مشغولة، مادية (وهذا من ارث الكلاسيكيين الفرنسيين)، موضوعية، واضحة، إلا إنه يختلف معهم عميقاً من حيث غنائيته العالية والحميمة معاً. ومن حيث تجاوز اللغة الدقيقة عنده إلى ما يشبه كيميائية مظللة مفتوحة على دلالات نفسية وشعورية وكذلك ذهنية غير محددة. وهنا بالذات يلتقي «رمزية» بودلير الموشحة بمناخات ووريف، ورمزية فرلين «المائية» الملتبسة، لكن من دون التوصل الى مجاراة مالارمه في لعبته «الصعبة» والمركبة، ولا فاليري في ملحميته الداخلية التراجيدية.

فأمين نخلة قابل هذه التجارب الغربية (الفرنسية) بانفتاح محسوب، معتدل، كمن يقطف من الحديقة من خارج سياجها، أو كمن يتنشق عبقها من بعيد، فلهذا نجد عنده التماعات من بودلير، وأجواء من فرلين، وآثاراً من البرناسيين، لكن من دون أن يشكل أي منها في شاعرنا «نصاً» كاملاً، أو نموذجاً يحتذيه، او فكرة جاهزة يحاول أن يجسدها في القصيدة.

[ الموروث

لهذا قال عنه صلاح لبكي في كتابه المهم «لبنان الشاعر» في سياق كلامه على شعراء تلك الاتجاهات، انه «على حدة«.

ونعتقد ان تشرب أمين نخلة من الموروث العربي القديم، وعلاقته العضوية به، وقراءاته الواعية المختزلة لمتونه، جعلت شاعرنا يميل الى ذلك الموروث ميلاناً راجحاً من دون أن يفقد صلاته «بالجديد» الفرنسي (الذي كان في الاربعينات من قديمه خصوصاً عندما نعرف أن السوريالية وقبلها الدادائية كانتا سلمتا كل مفاتيحهما وشحبتا...) في نهاية العشرينات، فجديدنا في تلك المرحلة كان من قديم الفرنسيين أو على الأقل من متاعهم «المضبوب» في الخزائن امام هجمة الدادائية والسوريالية.

وعلينا هنا الا نعتبر هذا الميلان الى الماضي وكأنه انتساب كلي اليه، او تماه عمومي به، فأمين نخلة يبقى من كبار المجددين في القصيدة العربية الحديثة، ومن كبار صائغي مقولة «الفن الصعب» و»الغموض الضروري في الشعر«. وإعادة قراءته بتأن تكشف الى أي مدى نفخ في «الديباجة» القديمة روحاً جديدة، مطلة على اللغة كمعطى اولي لا بد للشاعر من أن يعجنه من جديد، ويصوغ علاقات غير مألوفة في نسائجه وعلاقاته، ولهذا يمكن التمييز بوضوح مثلاً بين لعبة البحتري الجمالية وبين ضربة أمين نخلة، لا للمفاضلة ولكن للتمييز، تماماً كما يمكن التمييز بوضوح بين لعبة أبي تمام وضربة سعيد عقل. اذاً هناك مسافة ما بين القديم كمخزون، هي مقطوف وبين الجديد كصائغ لهذا المخزون صوغاً «مختلفاً» ومضيفاً اليه شيئاً من إرهاف آخر هو في النهاية ارهاف الشاعر الثري والشفيف.

من هذه الشفافية المتعددة صاغ أمين نخلة شعره ونثره معاً اللذين منحاه صفة «الجوهرجي» والصائغ، الذي ينحت المفردة ويُطرب الايقاع، ويشرع المتن على التباس حي، وأحياناً على غموض غير مركب أو معقد أو لغوي بارد، أو تجريدي «عقلاني». كما نجد أحياناً كثيرة عند سعيد عقل.

هذا الجوهرجي البارع، والماهر، مروّض اللغة، يعرف كيف يشتغل في دقائق العلاقات، «بصحو لامع»:

«كأن الصحو يلمع في ظنوني ويخفق في ضلوعي ألف غصن» ومن هذا «الصحو» يدقق في تتبع التفاصيل لكن على اقتصاد في العناصر: «آمنت بالتدقيق والضبط يا واضع الخط على الخط»، وهي تفاصيل يومية معيشة، ولعله بحق شاعر تفاصيل اتبعه نزار قباني ولكن على غير لغة وعلى غير معدن، ومن عناوين قصائده «العقد الطويل»، «المشط»، «الأظافر»، «المناديل»، «الشفة»...

لكن هذه التفاصيل كسواها، تكتنز تلك الكيمائية التي توحي بها كحالات أو كأجواء: «وعلى مسقط القميص إلى الخصر وعند انفلاته جهد مجهد»، أو: «ألف غصن في ألف غصة غصن وقيام على الغصون ومعقد».

من هنا يمكن القول إن التعبير المادي الملموس الموروث عن (البرناسيين) يتجاوز ماديته إلى إشارات تثير مكامن أو إيماءات. وأحياناً يطل على التجريدي: «ان الظلام المرتمي لجة أعمق غوراً من ضمير الفناء». وأحياناً يكون طقساً خاصاً من الحالات: «ما أكثر الدمع والعويل في دوحة خلفها الهديل، يا أمة الشوق: أي فقد قام به حزنك الطويل». كأن هذه القصيدة من أحزان فرلين.

على أن أمين نخلة الذي لا يغرق في الرمزية ولا يبالغ في التأويل، يعتمد البوحية أحياناً ولكن برشاقة وأناقة وجمالية قريبة، أي بوحية بلا تبسيط: «كأن في دله ومشيته غصنين جاءا وثالثاً قصر»، أو «في شفتيه من وهم عضهما ورد يعرى وفستق يقشر»، أو «أمشي وتمشي جدتي في ثقلو مهلة، أنا أجاري ضعفها وهي تجاري قوتي».

من هذه البوحية القريبة يمكن أن نقارب عدداً لا بأس به من قصائد المناسبات عنه وهي موفورة بالنسبة إلى مجموع قصائده التي جمعها في «الديوان الجديد» (الصادر عن منشورات الكتاب اللبناني في بيروت العام 1962). وفي هذه القصائد المناسبية تزدوج لغة أمين نخلة بين خضوع لمتطلبات هذا النوع، وبين تفرّد خاص به، إذ ينزع عنها المواصفات الخطابية الفضفاضة، ويمتهن في صوغها براعة مبتكرة.

وكما برز نخلة في القصيدة الموزونة برز في نثره العالي، المتجدد، الذي يعتبره البعض أفضل ناثري العربية منذ الجاحظ، بل ويرى البعض أن شعرية أمين نخلة مكتنزة، معبّرة في نثره أكثر مما هي في موزونه (تماماً كما قيل عن جبران مثلاً). فمن «المفكرة الريفية» إلى «في الهواء الطلق» إلى «ذات العماد»... تطلع كتابة نثرية لا تختلف كثيراً في تقنياتها عن قصائده، من حيث التطرّف اللغوي، والصفاء، والتقطير، والنحت، والجمالية التي تدهش. فكأن أمين نخلة واحد في شعره وفي نثره وفي مقالاته، صائغ واحد يصوغ بأصابع مرهفة ودقيقة وحيّة وأنيقة.

إنه من كبار شعرائنا.. ومن أكثر المغبونين.

مختارات من شعره

[ الشفة

في «الأشرفية« يوم جئت وجئتها،

نفسي على شفتيك قد جمعتها!

ذقت الثمار، ونكهة إن لم تكن

هي نكهة العنب الشهي فأختها

الكرم اورق يوم جئت عريشه،

أروي عن الشفة التي قبلتها،

وترنح العنقود، يقطر لذة،

لما انثنيت فقلت: اني ذقتها..

ياقوتة حمراء غاصت في فمي،

وشقيقة النعمان قد نولتها.

لولا نعومة من بها وحنو ما

بي في الهوى للقمتها وللكتها!

ملساء مرّ بها اللسان، فما درى!

لولا تتبع طعمها لأضعتها،

وكأنما بخلت علي بلفظة،

وهناك في كتب العبير قرأتها...

❊❊❊

من مُرقص الغزل ارتجلت قصيدتي،

وبكل واد للهوى رددتها

أفرغت من شم ومن ضم ومن

متعات ثغرك في الحروف وصغتها

شعر بأشهى الطعم من أشهى فم،

طابت قوافيه وأسعد بختها

والذ تأدية وافصح منطقاً:

إغضاء عينك، يومذاك وصمتها

[ الحبيب الأول

أحبك في القنوط، وفي التمني،

كأني منك صرت، وصرت مني!

أحبك فوق ما وسعت ضلوعي،

وفوق مدى يدي، وبلوغ ظني.

هوى مترنح الاعطاف، طلق،

على سهل الشباب المطمئن.

❊❊❊

أبوح إذن، فكل هبوب ريح

حديث عنك في الدنيا، وعني.

سينشرنا الصباح على الروابي،

على الوادي، على الشجر الأغن.

أبوح إذن، فهل تدري الدوالي

بأنك أنت أقداحي، ودني؟!

أتمتم باسم ثغرك فوق كأسي،

وأرشفها، كأنك، أو كأني...

[ طيب الشوق

بيني وبينك ما لا تحمل الرسل

والشوق أطيب مما تطعم القبل

قد هوّن البعد أن الشوق يدركه

والظن من زعمات الوهم والأمل

أقول للهاتف المشتاق في سَحَر

يا مالئ الدن دمعاً إنني ثمل

من كان في الحب يسلو بعد صاحبه

معزز الدمع، هذي أدمعي ذُلل

حلت على صور التذكار لي شفة

مبتلة، وهي تحت الورد تشتعل!

فم يحف فمي من طيب قبلته

بأحمر من عقيق طعمه عسل

مزودي الريق: أذني فيك سائلة

أين الفرائد أخت الشهد، والجمل

ومن مصيري استجابات لما سألت،

إن كان في الحب لا يعطى الذي يسل

[ دفتر الغزل

أنا لا أصدق أن هذا

الأحمر المشقوق فم!

بل وردة مبتلة

حمراء، من لحم ودم

أكمامها شفتان – خذ

روحي وعللني بشم

أن الشفاه أحبها

كم مرة قالت: نعم..

بابلو نيرودا: الشاعر يقول وداعاً للأطيار

نوفمبر 26, 2016 اضف تعليق
ترجمة غسان الخنيزي

شاعرٌ مَحلّيّ
ومحبُّ أطيارٍ.
آتي وأذهب في العالم،
بلا سلاح،
أُصَـفـِّرُ، بلا طائلٍ، حيثما ذهبت.
أستسلم للشمس وحقيقـتها،
لصوت قيثارة المطر،
وللمقاطع الباردة ، للريح .
في غضون حيواتٍ سابقة
وانبعاثاتٍ ماضية ،
كنت مخلوقَ العناصر .
أظل دوماً جثماناً في المدينة،
ولست مطواعاً لمكان .
أفضِّل الغابات ، واليمامات المتوفـزة
الطين ، وغصناً من الببغاوات الصغيرة المزقزقة
معقل النسر ، أسير مرتـفعاته الحصينة
الأهوار الأولية للغربان
المزينة بالزهور ذوات الأكياس .
نعم ، نعم ، نعم ، نعم ، نعم ، نعم
أنا محب الأطيار العنيد
لا أقدِرُ أن أُصـلِـحَ من طُرقي __
على أن الأطيارَ
لا تدعوني الى قمم الأشجار
أوالمحيط
أوالسماء
أو الى محادثـتها ، مأدبتها .
أنا أدعو نفسي ، أراقبها
دون أن يفوتـني شئ :
الحسّون ذو الكفل الأصفر
الغاقُّ ، صائد الأسماك الداكن
طائر البقر المعدني
العندليب
طائر الطنان ، المدويّ
السُمانى
الصقور ، ساكنة جبال "شيلي"
قبرات المروج ذوات الصدور الحمراء النقية
النسور الملأى بالغضب
الصقور الحوامة المعلقة في السماء
طيور الدوري التي علمتـني إرتعاشاتها
الطيور التي تلتمس الرحيق وتلك التي تجمع العلف
الطيور الزرقاء المخملية والبيضاء
الطيور المتـوّجة بالزبد
أو المكسوّة ببساطةٍ ، بالتراب ،
الطيور المتأملة التي تسائل الأرض
وتـنقر أسرارها
أو تهاجم لحاء الكائن العملاق
وتـفتح قلب الشجر
أو تـبني بقشةٍ ، وطينٍ ، ومطر
أعشاش حُبها العطرة .
أو تشارك الآلاف من جنسها
تشكل ، جسماً الى جسم ، وجناحاً الى جناح
نهراً من الوحدة و الحركة .
الطيور الصارمة المتوحدة
حول الجروف الصخرية .
الطيور المتوهجة ، المراوغة ، الشهوانية
المفعمة بالحيوية ،
التي يتعذر بلوغها
في عزلة الثلج والضباب
في العدوان القاسي
للحتات الصخري
الذي تجرفه الريح
أو البـستاني الرحيم
أو اللصوص
أو مؤلفو الموسيقى الزرق
أو شهود الفجر الذين صمتوا .
شاعرُ الناس
محلّيٌّ ، ومراقبٌ للأطيار
طفت في العالم بحثاً عن حياةٍ :
عرفت الأرض طيراً طيراً
اكتـشفت أين تـتضرم النار عالياً
وأين تُـنفق الطاقة .
لامبالاتي قد كوفـئت
ولو لم يدفع أحدٌ شيئاً
لأني استلمت هذه الأجنحة داخل روحي
والعجز ، لم يكبلني أبداً .

من ديوان "فن الأطيار"

أسامة العيسة... عادات الريح

نوفمبر 26, 2016 اضف تعليق


(1-2)
1
عندما قرأت قصة "عادة للريح" للكاتب الإسرائيلي عاموس عوز، بترجمة سلمان ناطور، لم أتوقف للمعاني الرمزية للقصة كما شرحها ناطور، وإنما عند هذا الكاتب الكولونيالي، الذي شب في تل بيوت، على مرمى بصر من منزلي (كلها منازل، لا بيت لي). كيف تعرق بكل هذه الشذرات عن البيئة الفلسطينية؟

وسيقود التساؤل حول القصة البديعة، لاحقا، لتساؤل أشد قسوة: ماذا يعرف الكُتّاب ضحية الاحتلال الكولونيالي، عن مفردات البيئة؟ هل هي بيئتنا أم بيئتهم؟ هل الأفاعي، والقطط، والأشجار، والأزهار، فلسطينية أم إسرائيلية؟

ليس لدي شك بأن الكاتب في وطنٍ ما، أرض ما، عليه أن يعلم، عن حيوانات، وأشجار، وحجارة، وأساطير، وآلهة ذلك الوطن. انها جزء من الهوية، ومن أدوات حرفة الأدب.

2
في كتابه الذي جلب له الشهرة العالمية (الريح الصفراء)، يكتشف الكاتب الإسرائيلي، ريحا من نوع أخر في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، التي جال فيها لخط كتابه المثير للجدل.

في قرية وادي فوكين، يلتقي غروسمان، مسنا فلسطينيا، يخبره عن وجود الريح الصفراء، التي إذا هبت ستقتلع الأخضر واليابس، العرب واليهود، لن تبقي شيئا، ولا أحدا، وتطهر الأرض من الظلم.

لم يتعظ المجتمع الكولونيالي على أرض الفلسطينيين، بتحذير المسن الفلسطيني، وستظل الأراضي المقدسة، في انتظار تلك الريح. الأرض التي طالما قال لنا أهلنا، بانه لا يُعمر بها ظالم. بالطبع لان من يتناوبوها هم من الظالمين!


اعتقدت أن الختيار الذي التقاه غروسمان هو المرحوم أبو مصطفى سكر، الذي التقيته وسجلت حكاية القرية التي ستصبح حدودية، والتي لم تنته حكايتها حتى الان.
أمّا صديقي يوسف الحروب، فقال لي بان صاحب الحكاية هو والده!

3
الريح الشرقية هي رياح السموم، عندما تهب في آب وأيلول والربيع، لأنها حارة وجافة، ومحملة بالرمال لمرورها فوق الصحراء، ولكنها ليست بدون فائدة، فهي تساعد على إنضاج ثمار الفاكهة، وتجفيف بعض المحاصيل كالزبيب والقطين والتبغ والسمسم وغيرها، وتتسبب ببعض الأضرار، خاصة فيما يتعلق بمحصول المقاثي، حيث تسبب جفاف أوراقها وضربة الشمس لثمارها.

"الشرقية" التي تقص المسمار في هذه الأيام، الباردة والجافة، هي في الواقع ابنة أوانها، تسبق هطول الأمطار. يقول ناسنا (الشرقية محراك الشتا). تكون عادة باردة وجافة، وقوية وعاصفة، وفي أحيانٍ خفيفة معتدلة السرعة، أمّا الليالي التي تهب فيها الشرقية، فغالبا ما تكون غيومها عالية وقليلة، لذا فان السماء تكون صافية، فيقول ناسنا عنها (امكشفة) أو (كشاف).
الشرقية دخلت يومها الخامس أو السادس، ولم يأت المطر، في العادة ينزل المطر بعد يومين أو ثلاثة من تغلغل البرد في العظام. ولم تستجب السماء لنداءات الاستسقاء الخجولة. في زمن ما شكلت مواكب الاستسقاء، مغناة تشرح للزرقاء التي تظلل الأرض ما سببه انقطاع المطر، فترسله مدرارا!
إن ما يحدث في أرض الأساطير المقدسة، قد لا يكون فقط عادات للريح!

- عن الفايسبوك
*استفدت حول الريح الشرقية من كتاب الباحث عمر حمدان (العمارة الشعبية في فلسطين).

“المرأة التي عجزت عن وصف شيء لو استطاعت” قصيدة للشاعرة الأميركية ماري روفلي

نوفمبر 26, 2016 اضف تعليق

 ترجمة عاشور الطويبي

عندنا بيت. يوجد سقف وتوجد نوافذ. أظنّ أنها مربعة.
يمكنك الرؤية من خلالها، وهذا أكيد. يوجد بابٌ لتدخل
وتخرج من البيت. يعمل في الاتجاهين، وكذلك أرضية.

غادرنا البيت في سيارة. للسيارة عجلات، كانت هناك أربع منها,
وكان هناك باب نستعمله للدخول والخروج من السيارة. في الحقيقة،
كانت هناك أربعة أبواب، وكان هناك أربع منا، فكان لكلّ واحدٍة منا بابها.
في الداخل كانت هناك غرفة واحدة للجلوس وحزام يمسك بجسدك
في حالة ما وقع حادث.

الحادث هو عندما يحدث شيئًا لم يكن من المفترض حدوثه ولا تريده
لكنّه يقع على كلّ حال. لم يقع لنا حادث ذلك اليوم.
ذهبنا إلى مطعبٍ بدلا عن ذلك.

بقيت السيارة خارج المطعم وبقينا نحن داخل المطعم.
المطعم هو مكان يطبخ لك. تقدم لهم النقود مقابل الطبخ.
أو لأكل الطعام، لست متأكدة أي واحدة منهما.

قد تكون على علم بهذا، فالأكل هو عندما يدخل الطعام في جسمك.
بعد ذلك، يخرج من باب مختلف بطريقة أخرى. (عندما قلتُ للسيارة أربعة أبواب،
نسيت رقم خمسة، باب صغير منه يدخل الوقود)

وهكذا نحن أربعة كنّا في مطعم. بعض الطعام كان جيدًا وبعض الطعام كان سيئًا،
لكنه كلّف نفس المبلغ. وأنت تأكل، تتبادل الحديث.
المحادثة هي حديث بين الناس. احدانا قالت، أنا مللتُ من الحرّ،
قالت أخرى، أنا أيضاً. قلتُ، أنا نوعاً ما أحبّه. الأخيرة قالت،
هل نستطيع الحديث عن شيء آخر غير الطقس؟
فكّرتُ أنّ هذا القول كان شيئاً مثيرًا.

الفكرة هي كلام صامت مع نفسك في رأسك. مع ذلك تسمعه.
هذا هو الفرق رقم واحد.

بعد الأكل والحديث، أحدانا أعطت نقودًا مقابل هذه الأشياء.
عليك فقط أن تقدّمها، وللحظة يمكنك رؤيتها، إنها تنتقلُ
من يدٍ إلى أخرى ويمكنك رؤيتها، إنها ورق. لكن ليس من العادة اظهارها، معظم الأوقات تُبقي على نقودك بعيدة عن الأعين. من النادر أن تكون في الهواء. إنها ليست كالقلادة أو أي ّشيء.
ولكن في وقت ما، تخرجها وتعطي بعضًا منها. أنت لا تعطي قلادتك أبدًا.
رغم ذلك، القلادة علامة على المال. هي فقط هكذا. أنت تظهر العلامة بأن عندك أشياء مخفية.
تمضي جيئةً وذهابًا، كالمحادثة.

أثنتان منّا كانتا ترتديين قلادة، واثنتان منا كانتا لا ترتديين.
هذه حقيقة أضفتها لاحقًا، حتى تعلم.

غادرنا المطعم من الباب. ها هي السيارة هناك. في السيارة لم نتبادل الحديث.
تركنا السيارة عندما كانت تنظر ناحية البيت.

داخل البيت وقع حادث. الحوادث تقع سريعًا فلا تستطيع رؤيتها.
لا أحد يستطيع التكلّم عنها. بعد الحادث، كانت هناك محادثة أخرى.
كانت أطول من المحادثة التي في المطعم، و قد كنّا أربعة في المطعم
والآن ثلاثة منّا فقط.

ثم حان وقت الفراش. الفراش هو أين تنام. لو كانت لديك قلادة،
تخلعها. كلاكما أنت والقلادة تنتقلان من وضع الوقوف إلى وضع الاستلقاء. لكن لن تكونا معًا.

تغمض عينيك، اللتين كانتا مفتوحتين طوال النهار. تقفل فمك،
الذي كان مفتوحًا طوال النهار. تفكّر في النهار. لديك اليوم كلّه لك.
ثم تبدأ في رؤية أشياء داخل رأسك التي لم تضعها هناك.
عتمة شديدة خارج رأسك ولا تستطيع رؤية الكثير.
لكنك تستطيع رؤية الأشياء الموضوعة داخل رأسك.
عندما يحدث هذا، تعلم أنك نائم. ربما لا تعلمها، لكنك تعلم.

أنت نائم، اليوم انتهى. لا تستطيع وصفه أكثر. هذه هي الحياة.
أنتهى الأمر.



Mary Ruefle شاعرة وكاتبة مقالات وأستاذة جامعية. ولدت في أميركا عام 1952. لأن والدها كان ضابطًا في الجيش الأمريكي، فقد تنقلت بين العديد من المدن الأمريكية والأوروبية. أصدرت 16 كتابا منهم 11 كتاب شعري، أخرها بعنوان: أملاكي الخاصة. شعرها يتميز بالسخرية العالية الذكية المشحونة بالألم الانساني العميق.
ملحوظة: هذه الترجمة العربية للقصيدة التي نشرت في مجلة: باريس ريفيو، عدد 216، ربيع 2016.

عاشور الطويبي شاعر ومترجم ليبي مقيم في النرويج. صدر له 9 كتب شعرية، 7 كتب ترجمة، ورواية واحدة. عاشور أيضا عاشق كبير لشجرة التين. ترجمت قصائده للعديد من اللغات الأجنبية.

bashirmetwebi@gmail.com

”الربيع العربي كشف الغطاء عن هويات وعصبيات تحت وطنية” – حوار مع المفكر السوري صادق جلال العظم

نوفمبر 25, 2016 اضف تعليق



المفكر السوري صادق جلال العظم لا يكف عن طرح أسئلة وإثارة مواقف إشكالية في عالم الفكر والثقافة والسياسة، مقولته الأخيرة “العلوية السياسية” أيضا أثارت جدلا صاخبا. حول ذلك وبمناسبة حصوله على ميدالية غوتة حاورته DW عربية.

“النقد الذاتي بعد الهزيمة” “نقد الفكر الديني” “ذهنية التحريم”، إنها بعض عناوين كتب المفكر والفيلسوف السوري صادق جلال العظم، الذي يثير الجدل والنقاش حول مواقفه والأسئلة الإشكالية التي يثيرها بطرقه أبوابا محظورة في عالم الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع. ومؤخرا أثارت مقولته وطروحاته حول “العلوية السياسية” جدلا واسعا ونقاشا صاخبا، وخاصة بين النخب السياسية الفكرية السورية وبالدرجة الأولى المعارضة منها.

وتقديرا لأعماله ومساهماته الفكرية ودفاعه عن قيم الديمقراطية وسيادة القانون وحرية الفكر والتعبير وحقوق الإنسان، منحه معهد غوته جائزته “ميدالية غوته” لهذا العام. وبمناسبة حصوله على هذه الجائزة الألمانية الرفيعة، التقته DW عربية وسالته عن حال اليسار العربي اليوم والهويات التحت وطنية وانتكاسات الربيع العربي بالإضافة إلى الشاعر الألماني غوتة وإسهاماته، وكذلك الغائب الحاضر الشاعر السوري أدونيس كان له نصيب من الحوار.

DW عربية: كيساري، كيف ترى حال اليسار العربي اليوم؟ وأين انتهى المطاف بهذا اليسار أمام صعود الإسلام السياسي؟

صادق جلال العظم: يمكن أن نصنف اليسار العربي اليوم إلى ثلاث مجموعات، أولا: البقية الباقية من الأحزاب الشيوعية العربية بعد إنتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي وبعد تحول الصين الى دولة رأسمالية صاعدة. ليس لأي من هذه البقايا المشتتة والمنقسمة على نفسها أية برامج جدية معروفة اليوم أو مواقف متماسكة من التحولات العنيفة التي تمر بها المنطقة العربية. انطباعي هو أن الميل الغالب عند هذه المجموعات هو الشك والربية والتحفظ إزاء الربيع العربي في أفضل الأحوال والعداء في أسوئها. البقايا المتناثرة من الحزبين الشيوعيين السوري واللبناني هي خير مثال هنا. ثانيا: الكتلة الأصغر من اليسار العربي حافظت على ولائها لطروحات الحرب الباردة واعتمدتها برنامجاً صالحا للمرحلة الحالية. نزعت هذه الفئة باتجاه الالتحاق بقوى الجهاد الإسلامي العالمي والمحلي مثل القاعدة وحزب الله والطالبان ومؤخرا داعش. ثالثاً: الكتلة الأكبر من اليسار العربي تراجعت عن الطروحات المميزة لمرحلة الحرب الباردة وأحزابها وانسحبت الى خط الدفاع الثاني في مواجهة الظلامية الدينية القروسطية الزاحفة وذلك عبر تبني برنامج يستند إلى فاعلية المجتمع المدني وقيمه، وفي طليعتها قيمة المواطنة والدفاع عن شرعة حقوق الانسان وحقوق المواطن والمواطنة والدفاع عن علمانية الدولة وعن الحريات العامة والشخصية وماشابه.

تنظيرك لـ “العلوية السياسية” وضرورة إنهائها، فتح الباب على مصراعيه لجدل واسع وصاخب. ألا يقود هذا الحديث إلى مزيد من الكراهية الطائفية في سوريا وتأجيج نارها؟

أرحب بالنقاش الواسع والجدال الصاخب اللذين نتجا عن مقولة “العلوية السياسية”. إن فتح باب النقاش والسجال حول هذه المسائل على مصراعيه ضروري ومفيد للثورة السورية ولسوريا عموماً. فالغرض من طرحها هو التقاط جانب هام وحاسم من الواقع السوري الراهن على مستوى التجريد الذهني. هذا مطلوب لأني لاحظت أن المناقشات العلنية للثورة السورية تتأبى التطرق إلى مشكلات الطائفية والمذهبية والإثنية والأكثرية والاقلية، خوفاً من صب الزيت على النار. في حين أن أحاديث الجلسات الخاصة والمناقشات المغلقة لا تدور إلا حول هذه المواضيع.

أما الواقع المطلوب التقاطه فيمكن تحديده عبر التجربة الذهنية التالية: هل بإمكانك أن تتصور سيادة الوضع التالي في مصر: رئيس الجمهورية قبطي إلى الأبد، قائد الجيش قبطي إلى الأبد، أُمراء ضباط القوات المسلحة في غالبيتهم أقباط وإلى الأبد، رؤوساء الفروع الأمنية والشرطة وقوات حفظ النظام أقباط كلهم وإلى الأبد، المناصب الحساسة والعليا وصاحبة القرار في مفاصل الدولة كلها بيد نخب من الأقلية القبطية؟ هل بإمكانك أن تتصور كذلك، احتكار هذه المناصب والوظائف كلها في تركيا مثلاً من جانب نخب كردية أو علوية حصراً وإلى الأبد؟ هذا الوضع غير القابل للتصور في مصر وتركيا هو القائم في سوريا منذ عقود طويلة. هذا هو المعنى الأول للعلوية السياسية وهذا هو السبب في استحالة استمرارها مهما كرر رموزها عبارة “إلى الأبد” وحاولوا تكريس طقوسها.

ذهب البعض إلى أنه ومنذ قدوم الأسد الابن إلى الحكم أصبحت هناك “علوية اقتصادية” تضاف إلى السياسية، والبعض ذهب بعيداً إلى حد الحديث عن محاولات جرت لـ “علونة المجتمع” هل أخرجت العفريت من قمقمه؟

لا محتوى جديد في هذه المقولات، بل تأتي من باب الإشارة إلى مفاعيل العلوية السياسية منظوراً إليها من زوايا اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية. تبقى كلها مشتقة من المقولة الأساس: “العلوية السياسية”. لهذا السبب شبهت العلوية السياسية بالاستثناء العجيب الأخر وهو “المارونية السياسية” في لبنان، والتي سقطت بفعل الحرب الأهلية هناك وتم تكريس سقوطها في إتفاق الطائف.

لا أعتقد أن الحديث عن العلوية السياسية وما تفرع عنها من “علويات” تقود بالضرورة إلى المزيد من تأجيج نار الكراهية الطائفية في سوريا. فالتعبئة الطائفية والمذهبية والإثنية في سوريا اليوم وصلت إلى أعلى درجاتها، وما من حديث حول العلوية السياسية أو غيرها يمكن أن يزيد أو ينقص من مستوى هذه التعبئة وهذا الشحن. في الثورة السورية جناح ثأري يريد الانتقام من الطائفة العلوية ذاتها، وليس من العلوية السياسية ومؤسساتها المعروفة فقط. ومن أجل سوريا المستقبل، يجب التأكيد دوماً أن المطلوب هو الإطاحة بالعلوية السياسية وليس بالطائفة العلوية، تماما كما حدث في لبنان. حيث تمت الإطاحة بالمارونية السياسية وبقيت الطائفة المارونية سالمة سليمة تقوم بدورها الطبيعي في حياة المجتمع اللبناني، علماً أن “المارونية السياسية” عاشت وهماً شبيهاً بوهم “سوريا الأسد” إلى الأبد، أي: المارونية السياسية هي لبنان إلى الأبد، ولبنان هو المارونية السياسية إلى الأبد.

كيف يمكن أن يكون “الحل العادل” للأزمة السورية؟ هلا وضعت “خارطة طريق” لإنقاذ سوريا أو ما تبقى منها؟

لا أعتقد أن أحداً اليوم يدعي العلم بذلك. علّمتني تعرجات صيرورة الثورة وتحولاتها ومفاجاءاتها ولحظات صعودها وهبوطها الابتعاد عن رسم خرائط طريق إلى “الحل العادل” أو “غير العادل” أو حتى التقدم بتصورات مسبقة عن الحل. سيبرز الحل تلقائياً من سياقات الثورة وبعد الإطاحة بالعلوية السياسية، وبرموزها البشرية والمؤسساتية، تماما كما جاء الحل في لبنان نتيجة طبيعية لصيرورة الحرب المديدة والشرسة هناك. سيحدث ما يشبه هذا في سوريا بغض النظر عن مستوى عدالة الحل الآتي ومداه.

على صعيد المثاليات يتطلب “الحل العادل” أن تظهر شخصية قيادية تاريخية بقامة نيلسون مانديلا لترسي حلاً عملياً بمستوى معقول من العدل والإنصاف، أو أن تتصرف الأكثرية في سوريا تصرف “أم الصبي” الحقيقية في قصة الملك سليمان، فتقدم التضحية اللازمة لحماية ابنها من الانشطار إلى شطرين أو أكثر. تكمن المشكلة أن القامات التاريخية الشبيهة بـ مانديلا، لا تظهر إلا مرة واحدة كل مئة سنة، وأن تصرف سليمان وأم الصبي الحقيقية، يتطلب مستواً رفيعاً جداً من الحكمة غير متوافر لنا في الوقت الحاضر. مع ذلك فإن المفيد في المثاليات هو أن البشر يحاولون تقليدها أو التشبه بها أو الاقتراب منها إلى هذا الحد أو ذاك. ولا أعرف ما إذا كان أي من ذلك سيؤثر على طبيعة الحل الآتي في سوريا وعدالته.

هل أتى الربيع العربي بالهويات ما تحت وطنية من طائفية ومذهبية وإثنية ومناطقية؟

في المرحلة الأولى من الربيع العربي، أي مرحلة “ميدان االتحرير” في عواصم مثل القاهره وتونس وصنعاء وبنغازي، بدا للوهلة الأولى وكأن هويات وطنية مدنية وشبه مدنية جامعة قد تبلورت بما فيه الكفاية لتدخل مجال الفعل التاريخي في تشكيل مستقبل أفضل للبلدان العربية المعنية. إلا أن تطور الأحداث أخضع هذه الظاهرة الجديدة والواعدة إلى امتحان صعب بيّن مدى هشاشة الظاهرة ومدى تدني درجة قصورها وعدم نضجها حتى اللحظة، في الحياة العربية المعاصرة. بعبارة أخرى لم يولّد الربيع العربي أية هويات أو عصبيات تحت وطنية وتحت مدنية، بل كشف الغطاء- من حيث لا يريد- ليس عن وجودها فقط، بل عن فاعليتها المستمرة فينا كعرب أحياء اليوم. نقول باللغة الدارجة أن الربيع العربي رفع “غطاء الطنجرة” فجأة، ففاضت بهذا العفش المتخلف كله والمكبوت تاريخيا لا أكثر على ما يبدو. وعلينا أن نتأمل في ذواتنا الفردية والجماعية المسألة التالية: في اللحظة التي يذهب فيها الديكتاتور من أمثال معمر القذافي وصدام حسين وعلى عبدالله صالح …..الخ لا نجد في عمق حياة مجتمعاتنا إلا ما نراه يحدث اليوم من عنف واقتتال ودمار وخراب في العراق واليمن وليبيا وسوريا، ولا تخرج ظواهر حضارية من أحشاء هذه المجتمعات وقاعها أفضل من داعش وحالش والزرقاوي والبغدادي أو ظواهر أفضل من خطابات النصرة والجولاني أو أفضل من ميليشيات الحشود والأحزاب الإلهية الطائفية الصافية.



فور الإعلان عن منحك الميدالية، انتشرت اتهامات لك بـ “عدم الأصالة” وبأنك تنتج “مفرقعات كلامية”… وبأنك ماركسي سطحي، وغيرها من الاتهامات القاسية. كيف ترد عليها؟

لا أعرف تماماً كيف أرد عليها. أتساءل على الطريقة الشامية: هل هي “غيرة أم حسد أم ضيقة عين؟” على كل حال، جاء هذا النوع من التجريح وللمرة الأولى بعد إدخالي مقولة “العلوية السياسية” في صلب مناقشات الثورة السورية وسجالاتها. ولابد أن تكون المقولة قد مست عصباً حساساً عند الجميع حتى أثارت هذا المقدار من الضجة والصخب. وكما نقول باللغة العامية” “يلي تحت باطو مسلة، بتنخزو”. لذا أترك الشتامين لنخزات مسلاتهم.

جاء في حيثيات منح الميدالية بأنك تساهم في “حرية التعبير وسيادة القانون والديمقراطية وتعزيز التفاهم بين العالمين العربي والإسلامي وأوروبا الغربية”. كيف ترى مساهمتك في هذا المجال؟

شرف كبير لي، وفخر أكبر أن تكرمني الجمهورية الاتحادية الألمانية بهذا الوسام، وأن تقترب خاتمة فاعليتي في الحياة الثقافية العربية على وقع الاحتفال بتقليدي ميدالية غوتة.

أبدأ كلامي بالتذكير بكتاب المفكر السورى الراحل بوعلى ياسين حول “الثالوث المحرم” في ثقافتنا العربية السائدة أي: الدين والسياسة والجنس. يتركز إسهامي هنا في أني كسرت الثالوث المحرم هذا وخرقته على الأصعدة الفكرية والنقدية والاجتماعية والسجالية وبصورة مباشرة لا مراوغة فيها أو لف ودوران حول الموضوع هرباً من مسه مباشرة. يعتبر هذا بحد ذاته تكريساً عملياً وبالممارسة لحرية الفكر والتعبير ولديمقراطية النقاش والسجال في المجتمع.

من ناحية أخرى ساعد نشاطي الكتابي باللغتين العربية والانكليزية (بالإضافة إلى الترجمات إلى لغات أخرى) في توريط أوروبا في القضايا الفكرية والثقافية المطروحة اليوم على بساط البحث والنقاش عربياً وإسلامياً: الأصالة والمعاصرة، التراث والتجديد، النقل والعقل، العلم والدين، الجهاد والإرهاب، الاستشراق والاستغراب، الغزو الثقافي والتحديث وغيرها. كما ساعد في توريط الفكر العربي وبعض الإسلامي عموماً في قضايا معاصرة حيوية وضاغطة: المجتمع المدني، العلمانية، الإصلاح الديني، النص والتأويل، حقوق الإنسان والمواطن، الديمقراطية، الحريات العامة، حرية الفكر والضمير والتعبير وما إليه. ربما كان إسهامي الأفضل في المساعدة على تعزيز قيمة حرية التعبير عموماً، هو دفاعي العملي والصريح عن سلمان رشدي وروايته “الآيات الشيطانية” وتفنيدي فتوى الخميني بقتله.

هل تعرضت للشاعر غوتة في دراساتك وحياتك الأكاديمية؟ وكيف ترى دوره في الوصل بين الشرق والغرب وخصوصا ديوانه “الديوان الشرقي الغربي”؟

يرجع اهتمامي الفكري والأدبي والأكاديمي بغوتة إلى تخصصي بتاريخ الفلسفة الأوربية الحديثة وتدريسه خاصة في بيروت ودمشق. وجدت بالخبرة العملية أن أفضل مدخل لمعنى الحداثة الأوربية وروحها وتطبيقاتها على المستويات كافة هي ملحمة غوتة الهائلة “فاوست” وبخاصة القسم الأول والأشهر منها.




كان من الطبيعي أن ألتفت إلى ديوان غوتة شرق-غرب، حيث وجدت نفسي أمام عبقرية شعرية أوربية حاضرة تخاطب وتناجي وتتفاعل وتتماهى مع عبقرية حافظ الشعرية الفارسية الشرقية الماضية. من الانطباعات السلبية، التي حملتها، بقاء الاهتمام العربي بالديوان حبيس المباهاة والتشاوف والتفاخر بفضل عبقرية الشرق السابقة المتمثلة هنا بحافظ وعظمة إبداعه على عبقرية الغرب اللاحقة المتمثلة بغوتة وأدبه الكبير.

لا بد أن أشير هنا أيضاً إلى ظاهرة غريبة أخرى تتمثل في أن النقاش العالمي الصاخب الذى فجره ادوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” عن علاقات الشرق بالغرب وعلاقات الغرب بالشرق لم ترد فيه أية معالجات جدية لديوان غوته على الرغم من أن عنوانه يحمل منذ البداية ثنائية شرق-غرب الموضوع الأساس والأشهر في سجالات مسألة الاستشراق خلال الربع الأخير من القرب الماضي.

“الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقي التوأمان”، كيف ترى ما ذهب إليه روديارد كبلنغ في ضوء حالة الاستقطاب الراهنة بين الشرق والغرب؟

أعتقد أن عصرنا الحالي تجاوز مسألة شرق-غرب ومشكلاتها وتناقضاتها. في حياتنا الراهنة حضارة واحدة عملياً بصفاتها وخصائها وتطلعاتها الكلية في كل مكان تقريبا. وتندرج تحتها وضمنها تشكيلة هائلة من الثقافات واللغات والتراثات والمجتمعات بخصوصياتها المميزة والمتمايزة وأمزجتها الفردية وحميمياتها المغروسة. التقط غوته إرهاصات هذه الواقعة المتطورة بطرحه للمرة الأولى فكرة Weltliteratur، أي نشوء أدب عالمي وربما عولمي ينضاف إلى آداب الثقافات المتنوعة ويتجاوزها.

بدأت دربك وأدونيس في نفس المرحلة التاريخية ومن نفس المنطلقات تقريباً، إلا أنكما افترقتما وها أنت تحوز نفس الميدالية، التي حازها أدونيس عام 2001. كيف تقيم مساهمات أدونيس؟

بلا أدني شك فإن أدونيس أهل لميدالية غوتة كشاعر كبير وطاقة هائلة ليس في الثقافة العربية المعاصرة وحدها، بل في جميع مجالات التفاعل الثقافي والأدبي والفكري دولياً وعالمياً.

متى افترقتما؟ ولماذا؟

دخلت مع أدونيس وضده في سجالات نقدية بداية من مطلع ثمانيانت القرن الماضي حتى اليوم. جاءت تلك السجالات نتيجة للخيبة التي أصابتني وللخذلان الذي أرّقني حين بدأ أدونيس بالتنظير للخمينية القروسطية ولعقيدة ولاية الفقيه، بعد سنوات مديدة من نضال مشترك من أجل تثبيت قيم الحرية والإبداع والتغيير والمساواة والعلمانية والموضوعية والعقلانية في حياة الاجتماع العربي وثقافته. طبعاً لم أسكت على هذا الهجران الأدونيسي المفاجئ للقيم المذكورة لصالح خطاب تلفيقي أدونيسي طارئ، يعتذر لظلامية طائفية شمولية لا ترى إلا نفسها في هذا العالم، ولقروسطية دينية استبدادية زاحفة. وتعمقت خيبتي وازداد ألمي وقلقي حين لاذ أدونيس بصمت مدوٍ على امتداد عقد كامل استغرقته الفضيحة الأدبية العالمية التي فجرتها رواية “الآيات الشيطانية” بخاصة بعد إصدار الخميني الفتوى التلفزيونية الشهيرة بقتل سلمان رشدي على الفور. لم يسمع أحد في خضم هذه المعمعة الثقافية-الأدبية-السياسية الكبرى بدفاع لأدونيس عن حرية الضمير والتعبير، أو عن حق الكاتب في الحياة، أو عن كرامة الأدب وحرمة الثقافة أو عن عدالة الدعوة إلى القتل الفوري عبر التلفزيون لإنسان وروائي، بلا أي قانون أو تهمة أو محاكمة أو دفاع.

هل افترقتما بعد الثورة السورية فراقاً لا لقاء بعده؟

أثار موقف أدونيس السلبي جداً من ثورة الشعب السوري على الاستبداد الأسدي والطغيان العسكري-الأمني لغطاً هائلاً ضده ونقمة عارمة عليه. وليس في هذا كله أي جديد، لأن أدونيس اليوم ليس إلا امتداداً لانقلابه الطائفي على ماضيه الحداثوي-التنويري لصالح ولاية الفقيه ومماشاة حكم آيات الله الديني القروسطي في إيران باستبداده الفاقع. يرواغ أدونيس كثيراً، لأنه يؤكد بالنسبة لسوريا الثورة تحديداً وللربيع العربي عموماً، “أن الديمقراطية لا تتحقق ما دام الدين هو مرجع القيم”، ولكنه يصمت كلياً في الوقت نفسه، عندما يتعلق الأمر ذاته بإيران الإسلامية وآيات الله ومرجعية قيم دولتهم وحكمهم.

بدلاً من تبادل الاتهامات بالطائفية والسجال على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزة، هل أنت مستعد لمناظرة علنية وجهاً لوجه مع أدونيس؟

كنت على استعداد لذلك، لكن بعد أن قرأت المقابلة البائسة التي نشرتها صحيفة “السفير” مع أدونيس مؤخراً قررت العكس. كيف أناقش جدياً وجهاً لوجه شاعراً كبيراً يصف بشار الأسد بـ “الرئيس المنتخب”، ثم يتهم الشعب السوري بأنه “هاجر” طوعاً عن أرضه ووطنه دون أن يرف له جفن؟!

ذكرى حبيب: هل يستعيد أبو تمّام تمثاله في الموصل

نوفمبر 24, 2016 اضف تعليق


منصف الوهايبي
 _______

أكاد أقرّر باطمئنان كبير، وبعد معاشرة للشعر قراءة وكتابة، أنّ أيّ مفهوم كلّيّ للشّعر؛ هو حكم تأليفيّ بَعْديّ، لا يعدو أن يكون غير ظلّ لبعض القصائد. وشأنه شأن الظلّ يرسم تقاليب الضّوء، ولا يستقر ّ على حال، ولا يلبث البتّة في المكان نفسه، وإنّما هو في تحوّل أبدا، بل يغيض في العتمة كلّما غابت الشّمس وأقبل اللّيل. كذلك مفهوم الشّعر كلّما انتقلنا من شاعر إلى آخر؛ يغيض أحيانا كثيرة في عتمة القصائد. وبعبارة أخرى هل مفهوم الشّعر غير صيرورة الشّعر وهو يقول نفسه في «تاريخ الشّعر»، وهذا تاريخ مفتوح أبدا ما دام الشّعراء يقولون الشّعر.
هذه كوّة أولى في شبكة القراءة، أطلّ منها على شاعر، لعلّي أحببت تجربته معلّما باحثا، أكثر ممّا أحببتها متعلّما. 
ترجع صلتي بأبي تمّام إلى السّتّينيات من القرن الماضي، وأنا تلميذ في المرحلة الثّانويّة؛ فقد أشار علينا بعض أساتذتنا ممّن لهم بصر بالشّعر القديم وذوق في تقديره، بقراءة ديوان أبي تمّام. وأحسبهم نبّهونا إلى ما يحفل به من ألوان البديع ودقيق المعاني. غير أنّي لم أستجب له استجابتي لشعر المتنبّي، ولا كان بإمكاني أن أقف على قيمته الفنّية؛ وإن كان ما حصّلته منه، وهو قليل، قد ثبت في الذّاكرة، وأبقى على شيء من الأنس به.
وربّما زهّدني في أكثر شعر أبي تمّام، في ذلك الزّمن البعيد، أمران:
أحدهما ما يشوبه من غريب يحسر الفكر ويكدّ الذّهن. ولم يكن زادي اللّغويّ والنّقديّ، ليوطّئ السّبيل إليه، أو يفسح لي مساربه ومضايقه. 
والآخر أنّي كنت منصرفا في تلك الأعوام، بتوجيه من أستاذنا الرّاحل محمّد الحليوي إلى شعراء الشّام والمهجر. فكان من الصّعب عليّ أن أتعامل مع شعر الطّائيّ بنظرة «مغسولة» من ذكرى هؤلاء الوافدين على شعر العرب في بدايات القرن الماضي؛ وهم الذين خرجوا به، وإن في كثير أو قليل؛ عن مألوف مداراته. وربّما جعلوني، بسبب من ذلك، أتوهّم أنّ شعرهم «الجديد» إنّما يقع في خسوف ذاك «القديم» الغابر. 
هذا بعض من «شهادة» لم أرَ داعيا إلى توسيعها في مفتتح رسالتي الجامعيّة (دكتوراه الدولة ناقشتها عام 2006 وتصدر هذا العام)، ومثل هذه الرسائل لا تعبأ بمثل هذه الشّهادات؛ وهي التي تلزم صاحبها أن يرتدي قناع التّجرّد والموضوعيّة ـ وبيني شاهدا وأبي تمّام مشهودا فيه، حجب من الزّمان كثيفة، وشتات من أفكار ورؤى وانطباعات تتردّد في أنحاء من الذّاكرة. ولعلّها أن تكون مادّة لنصّ من نوع آخر. وإنّما أتيت ما أتيت لعلاقةّ بأبي تمّام «قلقة» من جانب، «قصديةّ» من جانب آخر. فهي معقودة على تغاير أزمنة قراءاتي في شعره: قراءة «واجب» نهضت بها في حلقة دراسيّة لطلبتي، فقراءة «متعة» وبحث منذ أن التزمت صحبته، في رسالتي هذه، وغنمت كثيرا من صداقة نصّه، وما إلى ذلك من مواقع قراءته ومواقيتها. وهو[حبيب بن أوس] الذي صحبني في رحلاتي وأسفاري أعواما طوالا: معا استقبلنا الأستاذ خلف رشيد نعمان في بيته في بغداد، وأطلعني على صورة من مخطوطة ابن المستوفي» النّظام في شعر المتنبّي وأبي تمّام «، ووجّهني إلى قراءتها، وأهداني الأجزاء الثّلاثة من شرح الصّولي، بتحقيقه؛ وهو العمل الذي حاز به شهادة الدّكتوراه. ومعا [أنا وحبيب] صحبتنا الرّاحلة ألفت الرّوبي إلى دار الكتب المصريّة في القاهرة، وهي توصي العاملين فيها خيرا بي. ولم يكن لي من هدف سوى الاطّلاع على مخطوطة ابن المستوفي في أصولها. ومعا دخلنا عام 2003، الجامعة الحرّة في بورتو في البرتغال، لأطّلع على أطروحة الرّاحل السوري فهد العكّام «شعريّة أبي تمّام مبدع اللامألوف عند العرب»، بعد أن أعياني طلبها في باريس، إذ لم أعثر عليها في أيّ من مكتباتها الجامعيّة ؛ حتّى أعلمني الأستاذ والشّاعر التونسي الطّاهر البكري المقيم في باريس ـــــ وأنا في بورتو ـــــ أنّها موجودة منذ وفاة صاحبها؛ حيث كنت، لسبب لا يدريه. وكنت قد تعرّفت إلى الأستاذ فهد العكّام صائفة 1989 في ملتقى الشّعر العربيّ/ الفرنسيّ، في صنعاء، حيث كان يعمل في جامعتها. وكان أستاذه المشرف المستشرق الفرنسيّ المعروف أندريه ميكال معنا في الملتقى، وهو الذي حدّثني عن رسالة العكّام، وقدّمني إليه عندما جاء إلى زيارته في الفندق. وقد اعتذر الرّاحل عن مدّي بنسخة من الرّسالة، متعلّلا بأنّها لا تزال مخطوطة، وأنّ بإمكاني الاطّلاع عليها في مكتبة جامعة السّوربون الجديدة، باريس. وأذكر أنّ الصديق الشاعر المغربي المعروف محمّد بنّيس، وكان معنا في هذا الملتقى، أوصاني بقراءتها.
على طريق كهذه، لم تكن كلّها سالكة، انعقدت صداقتي بنصّ الطّائيّ، بل لعلّي – إذا استدعيت المقابل الإغريقيّ – على نحو ما يغرم بذلك بعض أهل الفلسفة ـ وتمثّلت بدلالة لفظ aporia من حيث هي «الطّريق الذي لا يفضي إلى أيّ مكان»، ألفيتني بقراءتي فيه أسلك مثل هذه الطّريق. صداقة معقودة على الشّعر أكثر ممّا هي معقودة على البحث، بل لعلّها معقودة على «الخطأ»؛ إذ لم تكن «الحقيقة» ــــــ على ما يتهيّأ لي ـــــ من مقاصد الطّائيّ وهي التي كانت، لقرون، مبعث سجال وتفكير في مدوّنة البلاغة والنّقد العربيّة، وكان نصّه أحد أهمّ قوادِحِها. ومقاصد «الخطأ» في هذا النّصّ، إنّما ترجع في غيض من فيضها، إلى طابعه الاستثنائيّ الذي أشاد به القدامى والمعاصرون على اختلاف منازعهم. فأبو تمّام عند الصّولي «رأس في الشّعر، مبتدئ لمذهب سلكه كلّ محسن بعده، فلم يبلغه فيه، حتّى قيل : مذهب الطّائيّ…». هو «ذكرى حبيب» عند أبي العلاء؛ ولعلّها -على ما أرجّح – إشارة لطيفة منه إلى «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»؛ وما أكثر ما بين الطّائيّ والملك الضّلّيل! وهو كتاب مفقود، وقد وجّهت ابنتي زينب في رسالة الماجستير بإشراف زميلي الأستاذ الهادي العيّادي، إلى استخراج ما تبقّى منه، استئناسا بالتبريزي وابن المستوفي خاصّة. وقد أنجزت ذلك، ووعدت كلّية الآداب في القيروان، بنشره.
وهو [أبو تمّام] «أشعر من المتنبّي وغير المتنبّي» عند ابن الأثير، و»أوحد عصره» عند يوسف البديعيّ… أمّا عند المعاصرين، فقد كان فاتحة عصر من الكتابة، جديد. فهو «أعظم ممثّل لفنّ الباروك» عند عبد الكريم اليافي. و»حدّ فاصل» عند أدونيس «كان الشّعر قبله قدرة على التّعوّد والألفة فصار بعده قدرة على التّغرّب والمفاجأة». و»أخو موقف فلسفيّ من الأشياء، جعله يفترض عليها الافتراضات ويبدع الحيل الذّهنيّة والنّفسيّة ليخرّجها تخريجا لم يسلف قبلا إلاّ لماما أو أنّه «بكر شبه تام» عند إيليا الحاوي. وشعره «ذو لبس دلاليّ، وهذا اللّبس هو أحد الخصائص الجوهريّة للحداثة…» عند كمال أبو ديب. وهو عند الأستاذ حسين الواد صاحب ديوان جامع، إذ خصّ شعره بـ»الاختيارات اللّغويّة المتباعدة المتنوّعة فجاء واغلا في الأسسِ الأوائلِ التي انبنى عليها إنشاء التّسمية مستدركا على النّظام اللّغويّ بالتّشبيه والاستعارة واللّفظ الغريب الوحشيّ باسطا مدى قدرته على استعمال المأنوس الأهليّ والعامّيّ المبتذل محتفيا بالواضح متغلغلا إلى الغامض». ومثلما انعقد نصّ الطّائيّ على «شعريّة الخطأ»، وكان «الخطأ» لديه يولّد «الخطأ»؛ كانت القراءة في شعره تولّد القراءة، منذ أن تصدّى الصّولي لشرحه، وهو، فيما يبدو، أوّل شارح له؛ إلى هؤلاء الذين ذكرت، وغيرهم ممّن أحلت عليهم في متن رسالتي؛ أمثال طه حسين ومحمّد مندور ومصطفى ناصف ومحمود الرّبداوي وعبده بدوي وسعيد مصلح السّريحي… ذلك أنّ فعل الكتابة عند الطّائيّ معقود على مفارقة عجيبة: فهو معارضة الإبداعيّ للدّينيّ؛ إذ يحاول أن يماثل فعل التّقدير الإلهيّ، من جهة؛ وهو فعل تعمية أكثر منه فعل إبانة، من جهة أخرى. حتّى لكأنّه حدث يخترق ما استقرّ من المعاني، ويجعل من الكتابة تأويلا على تأويل؛ وخطابا على خطاب، أو أنّ الشّاعر رحّالة في غير طريق المعنى على نحو ما تمهّد عند أسلافه. وكأنّه يفعل بالكتابة ما ينبغي فعله؛ أي ضدّ الكتابة نفسها. وربّما كان هذا الصّنيع هو الكتابة عينها، أعني تلك التي يشقّها الاختلاف في صميمها.
فهي نفسها، وغير نفسها في آن. وتلك -على ما أقدّر ـ «أبوريا» الكتابة التي يدفعنا إليها وإلى مضايقها نصّ أبي تمّام. 
٭٭٭٭٭ أفاد شهود أنّ « عناصر تنظيم داعش، قاموا، مساء الخميس 19/6/2014، بإزالة تمثال الشاعر الموصلي المعروف: أبو تمام؛ عن طريق جرّافة، في منطقة باب الطوب وسط الموصل».

٭ كاتب من تونس
عن القدس العربي

ماثيو كوبفير برادلي جاردين- حركات قومية موالية للكرملين تطيح اليمين الروسي المتطرف

نوفمبر 23, 2016 اضف تعليق


في احتفال سنوي في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، مشت جموع في جنوب شرقي موسكو وهي تهتف: «نحن الروس! المجد للشعوب السلافية! المجد للجنس الأبيض!». ثم ظهر جمع آخر يحمل العلم القومي الروسي ولافتات عليها الصليب المعقوف السلافي. ومشى هؤلاء في شارع يوليتسا بيريرفا، وطالبوا بمحاكمة الرئيس فلادمير بوتين. لكن ما كان ينبغي أن يكون احتفالاً كبيراً للقوميين الروس على اختلاف مشاربهم، اقتصر على جمع من حوالى 800 شخص فحسب. وسلطت الضوء هذه المسيرة على تغير كبير طرأ على الحركة القومية في روسيا. ومنذ ضم شبه جزيرة القرم، تعاظمت المشاعر القومية الموالية للنظام. ولكن، في الوقت نفسه، انقسم اليمين المتطرف على نفسه بسبب دعم الكرملين للانفصاليين الموالين لروسيا في أوكرانيا. وعليه، وجدت المسيرة الروسية الرئيسية في ضاحية ليوبلينو بموسكو، وهي تعارض الحرب في أوكرانيا، في مواجهة منافس: تجمع أصغر لدعم «الربيع الروسي» (تظاهرات الموالين للروس في اوكرانيا ضد تظاهرات ميْدان في كييف، وهي تحولت الى حركة انفصالية مسلحة).
وبرزت المشاعر القومية الروسية في السنوات المضطربة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكنها صارت حركات منظمة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي. وساهمت هجرة العمالة من آسيا الوسطى وحربي الشيشان في ذيوع المواقف السلبية من المتحدرين من منطقة شمال القوقاز. ويبدو أنّ خطاب القوميين العرقي ضد الهجرة غير الشرعية، حاكى مشاعر غضب عامة الروس.
وفي ذروتها، تلقت الحركات القومية اليمينية الروسية دعماً من شخصيات سياسية لافتة. وأول من شارك في هذه المسيرات كان دميتري روغوزين، القومي الموالي للكرملين، وهو الآن نائب رئيس الحكومة المتشدد. ثم، في 2011، لعب الناشط في مكافحة الفساد والمعارض، أليكسي نافالني، دوراً محورياً في تنظيم الحدث. كما كان القوميون جزءاً أساسياً من الحركة الاحتجاجية في 2011. ولكن مع ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم وبداية الحرب في الدونباس، انفرط عقد الحركة القومية. فانشغل الرأي العام الروسي بأحداث أوكرانيا وكثر من الروس فقدوا الاهتمام بقضية العمّال المهاجرين. وانحاز بعض القوميين الى الكرملين، وبعضهم الآخر الى أوكرانيا. وفي أعقاب الثورة الأوكرانية، وقعت اشتباكات عنيفة بين الفصائل القومية الروسية المختلفة.
وقرر قوميون نقل المعركة إلى أوكرانيا. فسافر جزء منهم للقتال مع الانفصاليين في دونيتسك ولوغانسك، في حين انضم آخرون الى الميليشيات الموالية لأوكرانيا. ويقدر ألكسندر فيرخوفسكي، مدير مركز «سوفا» (مركز أبحاث متخصص بالدراسات المجتمعية حول الحركات القومية والعنصرية) أعداد من قاتل في صفوف الانفصاليين (الموالين لروسيا) بالمئات، و100 شخص إلى جانب كييف.
ويرى إيغور بروسفيرين، القومي البارز ورئيس تحرير موقعي «سبوتنيك» و»بوغروم» (موقع إخباري يميني) الذي ساهم بإرسال المتطوعين إلى صفوف الانفصاليين، وجمع التبرعات، والمساعدات الإنسانية للدونباس، أن الذين دعموا أوكرانيا هم النازيون، والعنصريون البيض. وهو يقول إن «القوميين الروس الحقيقيين ليسوا الاشتراكيين القوميين (النازيين)، بل هم من يعلون شأن المصالح الوطنية الروسية من غير الإيمان بسمو عرق على آخر».
لكن يوري غورسكي، وهو قومي روسي ذو ميول ملكية قاد مسيرة القوميين في ليوبلينو، يعتبر أن الحرب في أوكرانيا مقتلة أخوية. ويقول «إنّ القومية الروسية لا يمكن أن تقبل بأن يقتل مواطنون أوكرانيون يحملون اسماء عائلات روسية مواطنين روساً يحملون اسماء عائلات أوكرانية»، ويضيف «جذورنا واحدة».
وبعد اندلاع الصراع في أوكرانيا، زادت السلطات الروسية مستوى الضغط على اليمين المتطرف. وفي حزيران (يونيو) 2014، أقر مجلس الدوما قانوناً يجرم دعم النشاطات المتطرفة على شبكة الإنترنت، وصار تبادل أي محتوى متطرف في الفايسبوك جنحة تعاقب بالسجن. وبعدها واجه القوميون مشكلات. ففي آب (أغسطس)، حكمت السلطات على الزعيم القومي ألكسندر بيلوف بالسجن لـ 7.5 سنة بتهمة الاختلاس والتطرف. وقبل أيام من مسيرة القوميين، وضعت السلطات أحد منظمي المسيرة، دميتري ديوموشكين في الإقامة الجبرية بسبب اتهامات بالتطرف. ووفقاً لمركز «سوفا»، زادت الأحكام المتعلقة بالتطرف على الإنترنت من 103 في 2013 إلى 216 في 2015. ولكن المشكلة الأكبر هي انزلاق اليمين المتطرف الى مواجهة مباشرة مع الحركة القومية الموالية للكرملين.
والحركة القومية الجديدة الموالية للسلطة تمزج ما بين الوطنية والشعور بالعظمة والعداء للغرب، ومنها «حركة التحرير الوطني»، وهي جماعة قومية تستهدف محاربة أعداء روسيا في الداخل وتأسست في 2011 على يد نائب قومي متطرف في مجلس الدوما الروسي، يفغيني فيودوروف. وتناهض الحركة هذه أعداء روسيا المزعومين، أي السفارة الأميركية والسياسيين المعارضين والفنانين الذين ينتقدون رقابة الدولة، والشركات الأجنبية لتدقيق الحسابات العاملة في روسيا. وتدعو «حركة التحرير الوطني» إلى إلغاء القوانين التي تحد من قوة بوتين، أي القوانين التي، صاغتها، وفق فيودوروف، الولايات المتحدة. وتنتقد الحركة هذه «الطابور الخامس» في الحكومة الروسية. وتقول إحدى الناشطات البارزات في الحركة هذه: «في التسعينات كان مهيناً أن تكون روسياً، بينما اليوم لدى الروس ما يؤمنون به. وبدأت أسطورة أن كل شيء في الغرب رائع، بالانهيار. والناس يعودون إلى الجذور».
ومع تزايد قوة الحركات القومية الموالية للسلطة، لا يبدو أن مستقبل اليمين المتطرف مشرق. فهو منقسم حول أوكرانيا، ويشوبه اقتتال داخلي. وانقضت أيام المجد السالفة، حين انضم القوميون إلى صفوف الانفصاليين في دونباس، وترك كثيرون منهم المنطقة بسبب ضغط الكرملين، بينما القوميون الذين حاربوا مع الجانب الأوكراني لا يمكنهم العودة إلى ديارهم في روسيا. ومن المرجح أن تخفف الأزمة الاقتصادية في روسيا، والقوانين الجديدة التي تفرض قيود على استقبال العمال المهاجرين، جاذبية خطاب القوميين القديم المعادي للمهاجرين. وفي 31 تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن بوتين أنه يدعم إقرار قانون جديد يحدد مفهوم «الأمة الروسية»، وهذا يشير إلى أن السلطات غير مستعدة لإنزال القومية الروسية العرقية في منزلة الركن. ولم يرحب القوميون بهذه الخطوة.
ويتنبأ أنطون شيخوفتسوف، وهو زميل زائر في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، أن لا يؤدي الوضع الحالي إلى تدمير أو ولادة جديدة لليمين المتطرف الروسي. بدلاً من ذلك، يعتقد شيخوفتسوف بأن الحكومة الروسية ستستمر في استخدام الإستراتيجية القديمة ضد القوميين: استمالة أولئك الذين يمكنها دمجهم بالنظام السياسي، وقمع الآخرين.


* باحثان، عن «موسكو تايمز» الروسيّ، 10/11/2016، إعداد علي شرف الدين

أسامة العيسة... قوى الثورة الثقافية المضادة.!

نوفمبر 23, 2016 اضف تعليق

اعتقد عالم الاجتماع الإسرائيلي المرموق الراحل باروخ كيمبرلغ، الذي كتب تاريخنا وتاريخهم (يا ليت لو يدرسون كتابه "الفلسطينيون صيرورة شعب" بدلا من هذر المناهج)، بان انتصار العصابات الصهيونية عام 1948، هو في الواقع نتيجة انتصار مدينة تل أبيب على مدينة يافا.
في صحف فلسطين ثلاثينات القرن العشرين، يمكن أن نعرف عن نشاطات رئيس بلدية تل أبيب ديزنكوف، من خلال ردود الفعل الفلسطينية، ومثالها خطابات رئيس بلدية نابلس الطويلة، التي تتحول، في الأيام والأسابيع اللاحقة، إلى موضوع للإشادة البروباغندية، على طريقة المبايعات، ولا يهم مضامينها.
الصحف التي كانت تصدر في يافا، مارست أعلى درجات البروباغندا بحق تل أبيب، وتوسعت وهي تصف الجوعى اليهود، خلال الإضراب التاريخي، يهربون من تل أبيب إلى يافا لتناول الطعام، الذي يقدمه الفلسطينيون بكل مشاعر الكرم العربية.
ولكن ما حدث لاحقا، أصبح معروفا، وهُزمت يافا العريقة أمام الحي اليهودي الذي بُني على أراضيها وتحول إلى تل أبيب، ومن متحفها أعلن بن غوريون إقامة دولتهم. هذه الهزيمة المدينية، وهي أكثر من هزيمة رمزية، يبدو انها لم تعوض، ولم يفكر أحد، بمحاولة ترميمها. أكتب ذلك، كشاهد على بدايات تأسيس بيروقراطية ثقافية تحت الاحتلال. وعلى الشعارات الداعشية التي تعلق، على أعمدة الكهرباء والهواتف، في القرى العربية حول القدس، في ردة مدينية لا تُصدق.
وربما الأخطر، التردي الذي لا يمكن وصفه في ثقافة المجتمع الفلسطيني، انه لم يتم تأسيس دار نشر خاصة برأس مال وطني فلسطيني (دعونا من الادعاءات الكاذبة للناشرين الفلسطينيين) تضاهي مثلا الإسرائيلية.
خلال سنوات عملية السلام الطويلة، لم تُقدم رسالة ثقافية داخلية وللعالم ضمن صناعة ثقافية مدرة للدخل. لم تصدر مثلاً الأعمال الكلاسيكية لصانعي الثقافة الفلسطينية الكبار، ولم تترجم أعمال عزيز ضومط، وتُصَدّر للعالم العربي، ولم تصدر الأعمال الكاملة لإميل حبيبي مثلا، فما زالت مقالاته لم تُجمع، وكذلك مخطوطاته التي لم تنشر.
أين أعمال ادوارد سعيد، وهي تصدر بطبعات شعبية؟لم يتم نشر الأعمال الكاملة لأشهر مثقف فلسطيني (القديس جيروم) (تولت دار نشر لبنانية دينية نشرها). 
أين هي السلاسل الاحترافية التي تعبر عن الأجيال الثقافية الفلسطينية المختلفة في القصة والرواية والبحث؟ أين هي الجوائز الأدبية المرموقة، التي تحمل أسماء مبدعينا؟ أين هي الجائزة التي تمنحها فلسطين، لمثقفي العالم (جوائز فلسطين منحها المرحوم محمود درويش لأصدقائه)، مقابل الجائزة التي تمنحها دولة الاحتلال باسم القدس (منحت لكتاب كبار في العالم)؟
قمة الانحطاط، أن يصدر مديرو المؤسسات الثقافية، كتبهم تباعا على حساب الوطن والقضية، مع ان الحس الأخلاقي يتطلب عدم نشر أي من أعمالهم، ما داموا على مقاعدهم.
أين قوة المثال؟
ليس غريبا، أن تستجمع قوى الثورة الثقافية الفلسطينية المضادة نفسها بعد سبات الهزيمة السياسية عام 1993م، ولكن الغريب، هذه الحشود الفيسبوكية التي تصفق لها.
ليس أسوأ من الملوك، إلا من محوا ذاكراتهم!
ماذا يريد الملكيون أكثر من الملوك من طرحهم أنفسهم ككتّاب ومثقفين، وهم يتداولون صورهم مع شخصيات مراكز القوى، بدلا من نصوصهم؟
شتاء قاس طويل، قد يعقب ربيع الأدب الفلسطيني القصير، الذي تمكن من الإفلات!

(*) كاتب فلسطيني 
فايسبوك


ريحٌ كاملةٌ قصيدة: أوكتافيو باث

نوفمبر 23, 2016 اضف تعليق
ترجمة وإعداد: قيصر عفيف

هذه قصيدة في كتابٍ نشره الشاعر المكسيكي أكتافيو باث عام ١٩٦٥ في نيودلهي على ورق مصنوع باليد وطبع منه فقط ١٩٧ نسخة وقّعها الشاعر. وفي ذكرى ولادته المئوية اختارت اللجنة المشرفة على تكريمه إعادة طبع الكتاب كنسخة مصوّرة عن الطبعة الأولى لأن هذه القصيدة تعتبر من قصائدة المركزية. ولهذا السبب اخترنا أن ننقلها للقارىء العربي.
في الكتاب جاءت المقدمة التي كتبها الشاعر بعد القصيدة. ربما قصد أن يؤكد على أولوية الشِعر على شرح المعاني والمحاور والأصداء والرؤى. لكني اخترت في الترجمة أن أبدأ بالمقدمة لأنها تُنير فضاء النص وتساعد على الغوص في أبعاده ومعانيه.
اختار الشاعر أن تكون القصيدة سبْكاً واحداً. أما في الترجمة فرأينا أن نبدأ مقطعاً جديداً مع تكرار اللازمة التي يستهل بها الشاعر قصيدته: "الزّمان قائم أبدا" لأن الفكرة المحورية للنص، كما جاء في مقدمة الشاعر، إنما هي التأكيد على أنّ الزمان لا يتبدّل، بينما لوحاتُ المكان في تحوّلٍ لا يعرف الوقوف. ورأينا أيضا أن نضيف بعض الفاصلات التي لا وجود لها في النص أصلاً في محاولة المساعدة لفهم النص.
المترجم 
*
ملاحظة عامة
"هذه القصيدة هي تتابُعُ مناظرَ طبيعية، حالاتٌ ولحظات على طريقة "الرنغا"،وريثِ الهايكو الياباني. يكمنُ إيقاع القصيدة العام في أن المكان يتحرك ويتبدّل. بينما الزمان هو نفسه دائما. هذا هو محور القصيدة وإيقاعها الأساسي. فالمناظر والحالات التي تتعاقب في القصيدة تلمّح إلى رحلة حقيقية قمتُ بها إلى شمال الهند وأفعانستان. كلّ مقطعٍ منظرٌ طبيعي، أو حالةٌ، أو لحظةٌ من هذه الرحلة. فالمقطع الأوّل يشير إلى السوق في كابول، وخلفه الجبال والنهر الذي يقطع المدينة. ويشير المقطع الثاني إلى اليوم نفسه في سنة أخرى ومكان آخر، باريس، بين شارعين. والمقطع الثالث يُشير إلى اليوم نفسه في غرفة فندق في كابول. وُيشير طيرانُ الغربان الكثيف إلى قصيدة روبن داريو ويعيد إلى الأذهان صورة ما يحصل اليوم في سانتو دومنغو، وبتداعي الأفكار يُذكّرنا بما حصل في الهند منذ قرنين عندما كانت يبو سلطان في نهاية القرن السابع عشر يناضل ضد الإنكليز. نرى في المقطع الرابع الغرفة نفسها واليوم نفسه، أن اسم ثمرة التمر"داتيل" يذكرنا باسم Datia وأظنني أخبرتك بان داتيا هو اسم القصر أو القلعة في ولاية ماديا برادش الهندية وهو بناء هندسي شُيّد على الصخر وفيه ممرات ومتاهات متشابكة لو عرفها الماركيز دو ساد لأعجب بها. هذا المقطع يُشير إلى زيارة قمتُ بها إلى هذه القلعة التي أراها ذات آلية شهوانية وسادية. والمقطع الخامس يلمّح إلى مضيق سالانغ في جبال هندو كوش وهذا تماثلٌ بين فعْل الحب وهذا المنظر الطبيعي. ويُشير المقطع السادس إلى منظر طبيعي آخر تبدو فيه، بين أمور عدة، ضفاف نهر أُكسوس وموسيقى تنبعث من ناي أحد أبناء أوزبكستان من البدو الرّحّل (انهمرتْ هذه الموسيقى كنهرٍ خفيّ أنقى من نهر أُكسوس).قوارب النهر، مناظر باكتريا وآثارها اليونانية - البوذية، الصحراءُ وَقَسَمُ الحُبّ هذا: حتى أصير غباراً وريحاً بين عظامك. ويحاول المقطعُ السابع، وهو رؤية مسائية، أن يصهر الليل، الأشجارَ والنّجوم، الحشراتِ والوحوشَ مع المرأة في ضربة حظّ من الاكتمال الكونيّ: مادة أمومية، أمُّ الزمان، أمّ الأنظمة الشمسية والناس، وسلالات الكون التائهة. ويشير المقطع الثامن إلى زمان الحُب. فعلى الصعيد الشخصي إن الحُب بين البشر كما الحُبّ بين الآلهة يستغرقُ الوقتَ نفسَهُ. وحالاً تأتي رؤية الفتاة الحافية بالقرب من لاهور، رؤية غير زمنية وخاطفة ترتبط بفكرة الزمان الذي لا يتبدّل بل ينصهر مع منظر عددٍ من أشجار الحور تبدو في الأفق كـأنها تصعد وتنزل. وفي المقطع التاسع رؤية من طفولتي حلم حُبي الطفولي الذي يختصر القصيدة: فكرة المرأة كاتّحاد بين الماء والنار. فكرة العلاقة المستمرة بين الأمكنة المتحركة والزمان الثابت".

***
الحاضرُ قائمٌ أبداً
الجبالُ من عظْمٍ وثلج
كانت هنا منذ البدء
الريح ولدتْ للتّو
وهي مثل النُور ومثل الغبار
لا عُمْر لها
طاحونةُ أصواتٍ
يتلألأ السوق
أجراسٌ، محرّكات، أصوات راديو
هرولة حجريةٌ لحميرٍ كئيبة
أغنياتٌ وشكاوى متشابكة
بين لحى التّجار
لمعانٌ باذخٌ منحوتٌ بمطارق
تنفجرُ صرخاتُ الأطفال،
الأمراء في الأسمال،
على ضفَّة النهر المعذَّب
يُصلّون، يَبولون، يتأمَّلون

الحاضر قائمٌ أبداً
تُفتحُ أبوابُ السّنة
يقفزُ النهار
عقيق
العصفور الساقط
بين شارع مونتلامبر وشارع باك
إنها صَبيّة
متوقفة
عند هاوية النظرات
نعم، الماءُ نار
شُعلةٌ برّاقةٌ
في منتصف الساعة الدائرية
مُهرةٌ شقراء
حزمةٌ من شرارات
صبيّةٌ حقيقيةٌ
بين المنازل والأشباح من الناس
حضورٌ، فيضٌ من وضوح
وأنا، من خلال أعمالي الخيالية، رأيتُ
أخذتُها مِن يدها
وقطعنا معاً
الأمكنةَ الأربعة والأزمنةَ الثلاثة
شعوبٌ للانعكاسات الهائمة

٢١ حزيران

الحاضر قائمٌ أبداً
اليوم يبدأ الصيف
عصفوران أو ثلاثة
تخترع الحديقة
وأنتَ تقرأ أو تأكل ثمرة درّاق
على الغطاء الأحمر للسرير
عاريةً
كالخمر في الإبريق الزجاجي
طيرانٌ كثيفٌ للغربان
في سانتو دومنغو يموت إخوتنا
لو كان ثمة حديقة عامة لما كنتم هنا
نحن نقضمُ أكواعنا
في حدائق قصره الصيفي
زَرَعَ تيبو سلطان شجرة اليعقوبيين
ثم نَثَرَ قِطَعَ الزجاج
بين العمال الإنكليز المسجونين
وأعطى أوامره بأن تُقطع قلفهم
وُتؤكل
اشتعل القرن في أراضينا
ومِن نيرانه
ستأخذ الأيدي التي حرقها
لتشيّد الكنائس والأهرامات
وبيوتها الشفَّافة

الحاضر قائمٌ أبداً
والشمس تنام بين صدرين
للسرير غطاءٌ أحمر، أسود وينبض
ليس نجماً ولا حلى
إنما فاكهة
أنت تسميها " داتيل" أي التّمر
"واسمها"داتيا
قلعةُ الملح إذا أمكن
لوثةٌ قرمزية
على الحجر الصلب
ممراتُ شرفاتٌ، أدراج
غرفة زفاف العقرب مبعثرة
أصداءٌ تتكرر
شهوانيةٌ موقوتة
وقتٌ غير مناسب
أنت تجول
في الممرات الساكتة تحت المساء الكافر
وعلى كتفيك السالمتين مِعطفٌ مِن الإبر
نعم، النارُ ماء
وأنت نقطةٌ شفّافة
الصّبية حقيقية
شفافيةُ العالم

الحاضر قائمٌ أبداً
الجبال
شموسٌ مذبوحة
عاصفة حجرية من تراب أحمر
الريح تخرق
مؤلمٌ أن ترى
السماء هاوية أخرى، لكنها أعلى
حنجرة سالانغ
الغيمة السوداء فوق الصخرة السوداء
قبْضةُ الدم تضرب
أبواباً من الحَجَر
وحدها المياه بشريّة
في هذه الوحدات* المرمية
عيناكَ وحدها هي المياه البشرية
تحت
في المكان المصدّع
تغمرك الرغبة بجناحيها الأسودين
عيناك تفتحان وتغمضان
حيواناتٌ فوسفورية
تحت
في الممرّ الساخن
تتمدَّد الموجةُ وتنكسر
رجلاكَ مفتوحتان
القفزةُ البيضاء
رغوةُ أجسادِنا المهجورة

الحاضر قائمٌ أبداً
الناسكُ يسقي ضريح القدّيس
لحية كلّ منهما أكثر بياضاً من الغيوم
في مواجهة الأخلاق
في خاصرة السّيل
كرّرتُ اسمي
بعثرةُ مقاطع
أهداكَ مُراهقٌ ذو عيون خضراء
رمّانةً
وفي الجانب الأخر من "آمو داريا"
يطلع الدخانُ من البيوت الروسية الصغيرة
وصوت الناي الأزبكستاني
كان نهراً آخر خفياً، كان أنقى
كان النّوتيُّ في العبَّارة يخنق الدّجاجات
البلد يدٌ مفتوحةٌ
خطوطها إشاراتُ أبجديّةٍ مكسورة
في السهل هياكلُ عظميةٌ لأبقار
تمثالٌ مسحوقٌ جرثوميّ
التقطتُ من التراب عدّة أسماء
لهذه المقاطع الساقطة
حبّاتُ رمّانةٍ رمادية
أُقسِم بأني أرضٌ ورياح
طاحونةٌ على عظامك

الحاضر قائمٌ أبداً
يدخل الليل بكل أشجاره
ليلٌ من الحشرات الكهربائية ووحوش من حرير
ليلٌ من العشب يركض فوق الأموات
التقاءُ المياه الآتية من بعيد
تَمْتَمَات
الأكوان تتفكَّك
عالمٌ يقع
بذرةٌ تُحرق
كلُّ كلمةٍ تنبضُ
أسمعُ نَبَضَك في الظلّ
لغزُ على شكل ساعةٍ شمسية
امرأة نائمة
مكان، أمكنة حيّة

Anima Mundiروح العالم** 
مادة أمومية
نفيٌ دائمٌ عن الذات
وسقوطٌ دائم في أحشائها الفارغة
رُوح العالم
أُمّ سُلالةِ التائهين
من شموس وبَشَر
تُهاجر الأمكنة
الحاضر قائمٌ أبداً
على رأس العالم يتداعب
شِيفا وَبْرفَاتي***
كلُّ مداعبة تطول مدى قرن
من زمان الآلهة وزمان الناس
الزمان نفسه
السقوط نفسه
لاهُورْ
نهرٌ أحمر
قواربُ سوداء
بين شجرتي التّمرهندي
تقف فتاة حافية
لا زمان لنظرتها
وبين السماء والأرض
تتعلّقُ بعض شجرات الحَور
تهتزُّ من النُور أكثر من حركة أوراقها
أتراها تصعد أم تنزل؟

الحاضر قائمٌ أبداً
تُمطر على طفولتي
تُمطر على حديقة الحمَّى
زهورٌ من صوّان، أشجارٌ من دخان
على ورقة تين
تُبحرين على جبهتي
لا يبلّلكِ المطر
أنتِ شعلةُ المياه
نقطةُ النارِ الشفَّافة
مسفوحةٌ على جفوني
وأنا من خلال أعمالي الخيالية أرى

النهار نفسه يبدأ
يدور المكان
يقتلعُ العالمُ جذورَه
وأجسادنا المُمَدَّدة لا تَزِنُ
أكثرَ من الفجر.

***
هوامش من المترجم:
* في العربية نادراً ما نجمع كلمة "الوحدة والعزلة" لكننا آثرنا هناأن نتركها بصيغةالجمع كما جاءت في الأصل.
** جاءتفي النصّباللاّتينية، وهي العودة إلى فكرة أفلوطين والتي كانت سائدة في الهند أيضاومفادها أنّ الكونَبرمّته كائن حيّ وله عقلٌ يدبّر الكائنات.
*** شيفاأحد الآلهة في الثالوث الهندي المؤلف من (بْراهما) أو القوة الخالقة و(فشنو) أو القوة الحافظة و(شيفا) أو القوّة المدمرة.
برفاتي هي الإلهةُ الهندوسية التي ترمز إلى المحبة والأمومة والإخلاص وفي أحد تجسّداتها كانت زوجة شيفا.
***

المترجم قيصر عفيف: شاعر لبناني مقيم في المكسيك

رئيس تحرير مجلة الحركة الشعرية– تصدر بالعربية في المكسيك. سبقَ وأصدر ترجمةً لمختارات من الشاعر المكسيكي من أصل عربي خايمي سابينس، كما أصدر عدداً من الكتب والمجموعات الشّعرية.
القصيدة نشرت على صفحات الفايسبوك