أسامة العيسة... مدينة محتلة وثلاث ديانات!

أكتوبر 30, 2016 اضف تعليق

اعتذرت لصديق صحافي، هو يعرف كم أعزه، واحترمه، عندما استفسر حول قرار اليونسكو الخاص بالمسجد الأقصى، في الواقع كنت بحاجة للمعرفة أكثر حول القرار، ومدى اختصاص المنظمة الدولية في موضوع تحديد الهويات الدينية للمواقع، بدلا من التأكيد على القوانين الدولية المنددة بالاحتلال وإجراءاته غير الشرعية على الأرض. ولم أجد على موقع اليونسكو بالعربية إلا تصريح المديرة العام للمنظمة الدولية، والذي اتفق مع معظم ما جاء به حول القدس.

وفي الوقت ذاته كنت أتجنب الدخول في معمعة بروباجندا فلسطينية وعربية، مثيرة للغثيان من غبائها، تتصدرها وسائل إعلام، يفترض أن بعضها على الأقل يدقق فيما يكتب (كالجزيرة نت مثلا)، وبروباجندا إسرائيلية، سيكون لها تبعات سياسية ودموية عبثية (مثال انتفاضة النفق، وانتفاضات الأقصى).

في طرقة ضيقة في نابلس القديمة، نبهنا بحماسة جهاد فراج، الذي قرأ قرار اليونسكو بالانجليزية، الذي يتحدث عن إسرائيل كقوة احتلال في القدس (هذا هو المهم)، واستعان بصديق يجيد العبرية، لمعرفة ما يفكر به نتنياهو، وكان الجواب، هذه المرة من المواقع العبرية، التي تحدثت عن حملة دعائية، ستستغل القرار، أطلقها نتنياهو، وبينت ممارساته اللاحقة، ذات الطابع الصبياني، كانضمامه لمشروع تنخيل مخلفات المسجد المرواني، ان الأمر يتعلق بمخطط.

أربع سنوات كانت دولة الاحتلال عضوا في لجنة التراث التابعة لليونسكو، ولم تعترض على تسمية المسجد الأقصى بهذا الاسم، يتساءل السفير المناوب لدولة فلسطين لدى منظمة اليونسكو منير أنسطاس: لماذا الان تريد دولة الاحتلال إضافة (جبل الهيكل) للاسم، والجواب يتعلق بمخططات نتنياهو حول إضفاء الطابع الدين على الصراع.

أطلق المحامي شوقي العيسة حملة تواقيع في مواجهة تواقيع مؤيدة للاحتلال، واستمعت منه إلى شرح عن تفاصيل القرار الذي يؤكد على إجراءات الاحتلال غير الشرعية (مرة أخرى هذا هو المهم).

في حزيران 1967، جلب الغزاة الجدد، معلمهم بن غوريون، إلى حارة المغاربة، وفي تصرف أرعن، عمد إلى لوحة تعريفية بحروف عربية ونزعها عن جدار ورماها على الأرض. في مخيال روائي مثلي، فان ذلك ربما يعبر عن العقدة التي عانى منها مؤسسة دولة الاحتلال، بعدم قدرته على احتلال للقدس الشرقية عام 1948. وجاء القرار سريعا هدم حارة المغاربة التي عمرها ألف عام على رؤوس سكانها، لصنع ساحة المبكى.

في القدس المحتلة، ليست المقدسات الإسلامية فقط هي المحتلة، ولكن أيضا المقدسات المسيحية، واليهودية، وقد تكون بعض المقدسات الإسلامية مثل الحرم الشريف، أفضل حالا من المقدسات اليهودية، فالأوقاف تتمتع بنوع من السيطرة عليها، في حين ان المقدسات الفلسطينية اليهودية كالحائط الغربي (المبكى/البراق)، وكنس في حارة اليهود (يتجنب الفلسطينيون استخدام هذه التسمية)، تديرها منظمات استعمارية غير شرعية كمركز تراث حائط المبكى مثلا، إضافة إلى منظمة العاد الاستيطانية، وبلدية القدس الإسرائيلية الاحتلالية.
السلوك الفلسطيني (والعربي)، السياسي، والثقافي، والشعبي، والإعلامي يكرس المقدسات الإسلامية للمسلمين، والمسيحية للمسيحيين، واليهودية لليهود، وماذا عن الفلسطينيين، ماذا تبقى لهم؟

القدس هي مدينة محتلة، وبها ثلاث ديانات. وبعد تحريرها ستكون قدس حرة وثلاث ديانات متسعة لعدد غير محدد من الطوائف، والقوميات، والديانات، والجنسيات، التي تعطي المدينة هويتها، كمدينة كوزمبلوتيه، منذ نحو قرن ونصف، على الأقل.

محن فرانز كافكا... بقلم طه حسين

أكتوبر 30, 2016 اضف تعليق



أول مقال في العربية عن كافكا
مر بهذا العالم مرا سريعا، فلم يعش فيه الا أربعين عاما ، أنفق جزءا غير قليل منها في الطفولة والصبا، متأثرا بما حوله غير مؤثر فيه، متلقيا ما ينحدر اليه من أبويه الذين منحاه لحياة، وما يقدم اليه أبواه أثناء التربية من ألوان التصور للأشياء، والتقدير لها، والحكم عليها، والوقوف أمامها ، قابلا حينا ورافضا حينا اخر، متلقيا كذلك ما تقدم اليه بيئته الخاصة التي تحيط به وبأسرته في مدينة براج، في اواخر القرن الماضي من ألوان الحضارة وفنون الحياة التي كانت الطبقة الوسطى تحياها في ذلك الوقت. ثم أنفق بعض هذا الأمد طالبا في المدارس الثانوية ثم في، مندفعا بميله الأول الى العلم، ثم متحولا عن العلم التجريبي الى الفقه والقانون، حتى اذا ما أتم دراسته التمس عملا يكسب منه القوت، ليظفر بشيء من الحياة المستقلة، فوجد هذا العمل في شركة من شركات التأمين.

وهو في أثناء ذلك يتكلف أسفارا قصيرة في وطنه وفي ألمانيا وسويسرا، وايطاليا وفرنسا. ثم لا يكاد القرن العشرون يتقدم قليلا، حتى يقضي عليه الموت سنة 1924 وقد ولد 1883 فحياته العاملة الظاهرة كما ترى قصيرة جدا، بسيطة جدا، ليس فيها عوج ولا التواء، وليس فيها تكلف ولا تعقيد، ومع ذلك فلم يعرف التاريخ الأدبي كثيرا من الأدباء تعقدت حياتهم النفسية ، والتوت بهم طرق الاحساس والشعور والتفكير ، كهذا الأديب ، والذين يدرسون حياته النفسية هذه في اثاره الكثيرة يردون تعقيدها الى طائفة من المؤثرات ، قريبة في نفسها ولكنها بعيدة أشد البعد فيما نشأ عنها من ضروب الشعور والتفكير .


فقد كان أديبنا من أسرة يهودية تعمل في التجارة ، متأثرة أشد التأثر، وأيسره في الوقت نفسه، بالتقاليد اليهودية المتوارثة، في شرق أوروبا ووسطها، فهي محافظة أشد المحافظة على هذه التقاليد السطحية التي يحافظ عليها اليهود، وهي في الوقت نفسه متهاونة أشد التهاون في حقائق الدين ودقائقه، ترى أنها قد أدت الواجب على وجهه اذا اختلفت الى المعبد في أوقات معلومة، فسمعت ما يسمع الناس، وقالت ما يقولون، وأتت من الحركات والأعمال ما يأتون، دون أن يتجاوز شيء من هذا كله أطراف اللسان وأعضاء الجسم، الى دخائل النفوس وأعماق القلوب فدينها ظاهر من الأمر  كدين غيرها من عامة الناس، صور وأشكال لا تمس الضمير، ولا تؤثر في السيرة اليومية، ولا توجه الحياة الداخلية والخارجية الى وجه حياة الناس ، على اختلاف أديانهم وعقائدهم. من هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تدفع الناس الى العناية بمنافعهم القريبة العاجلة، أكثر من العناية بحقائق الدين ودقائقه ، وبتعمق الحياة وما يكون فيها من الاحداث، وما يمكن أن يكون لها من الاغراض العليا والغايات البعيدة.


ولذلك لم يلبث أديبنا أن ضاق بهذه الحياة الدينية الظاهرة المتكلفة التي تقوم على النفاق أكثر مما تقوم على الايمان، فجحد دين الأسرة والشعب اليهودي أولا، ثم جحد الدين نفسه بحقائقه ودقائقه بعد ذلك، وأقام حائرا لا يستطيع أن يعود الى دين أبائه، لأن عقله لا يطمئن الى هذا الدين ، ولا يستطيع أن يستغني عن حياة دينية صادقة تعمر القلب، وتملأ الضمير ثقة واطمئنانا، فهو ينكر من جهة أشد الانكار، ويسعى من جهة أخرى أشد السعي، الى أن يجد ما يؤمن به وترتاح نفسه اليه. 


وهذه المحنة القاسية التي امتحن بها في ايمانه ، قد نشأت عنها محنة أخرى ليست أقل منها قساوة وعنفا ، وليست أيسر منها تأثيرا في حياته الداخلية ، فقد امتحن أديبنا في الصلة بنيه وبين أبيه، أنكر سيرة أبيه في الدين ، لأنه لم ير فيها صدقا ولا اخلاصا، ثم أنكر سيرة أبيه في الأسرة لأنه راها تقوم على التسلط والاستطالة وعلى القوة والقهر أكثر مما تقوم على الرحمة والحب وعلى البر والعطف والحنان ، ثم أنكر سيرة أبيه في تدبير منافعه التجارية المختلفة، لأنه راها تقوم على الحرص والأثرة وانتهاز الفرص، أكثر مما تقوم على القصد والعدل والانصاف، فنظر الى أبيه على أنه طاغية مخيف ، ولن يستطع أن ينظر اليه الا على هذا النحو، وأقام الصلة بينه وبين أبيه على الاشفاق والخوف، ثم على المصانعة والمداراة ، ولم يستطع أن يقيمها على شيء اخر من هذا التعاطف الرقيق الرفيق الذي يكون بين الابناء والاباء.


فهو اذن منكر للدين وسلطانه، وهو في الوقت نفسه ضيق بالابوة وسلطانها، وهو لا يلبث أن يوحد بين هذين النوعين اللذين ينكرهما من السلطان: سلطان الدين، وسلطان الأبوة. فيقف منهما موقفا قوامه القلق والفزع والهول، وهو يشقى بهذا الموقف حياته كلها، قد حاول ما وسعته المحاولة، أن يخلص من الشك الى الثقة ومن الخوف الى الأمن، فلم يجد الى ذلك سبيلا.


ثم تنشأ من محنته في الدين وفي الصلة بينه وبين أسرته، محنة أخرى ليست أقل منهما قسورة ولا تعقيدا ، وهي المحنة التي تمس حقه في أن يحيا حياة الأباء، فيتخذ الزوج ويمنح الوجود للولد، كما اتخذ أبوه الزوج وكما منحه ومنح اخوته الوجود، فهو يشعر بأنه مدين لأبيه بوجوده، لا يشك في ذلك، ولا يشك في أن الدين يجب أن يؤدى، ولا يشك في أن الوسيلة الوحيدة الى أن يؤدي الابن ما عليه لأبيه من الدين انما أن يمنح الوجود الذي تلقاه من أبيه لأبناء يتلقونه منه ويمنحونه بعد ذلك لأبنائهم، فاذا اتخذ الزوج ورزق الولد، فليس عليه لأبيه دين. وهو يؤمن بهذا كله، ولكنه في الوقت نفسه يقف من هذه القضية موقفا يشبه أبي العلاء في البيت المشهور: 
    هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد

ذلك أنه يرى الحياة التي تلقاها من أبيه شرا لا خيرا ، لأنها لم تمنحه رضا القلب، ولا هدوء النفس، ولا راحة الضمير ، ولا هذه الثقة الباسمة التي تنشأ عنها كل هذه الخصال، وهو مدين لأبيه وما في ذلك شك، وليس أحب اليه من أن يؤدي ما عليه من الدين، ولكن بشرط ألا يكون أداء الدين مصدرا لشر، ولا سبيلا الى الأذى وبشرط ألا يجني على أبنائه، ما جنى عليه أبوه من هذا القلق المتصل ، والخوف الملح، واليأس المقيم .

والى جانب هذه المحن التلاث، في الدين والابوة والزواج، تضاف محنة أخرى لعلها أن تكون هي التي أسبغت لونها القاتم على محنه الأخرى كلها، وهي محنة المرض، المرض الذي لا يظهر فجاءة ولا يثقل المريض ثقلا طويلا، وانما يداوره ويناوره، ويسعى اليه سعيا خفيا بطيئا متلكئا ، يدنو لينأى عنه، ويلم به ليفارقه، ويقفه من الحياة موقفا غريبا لا هو باليأس الخالص ولا هو بالأمل الخالص، وانما هو شيء بين ذلك ، يملأ القلب حسرة ولوعة، ويملأ النفس شقاء وعناء، حتى اذا استبان أنه قد نهك فريسته وكلفها من الجهد أقصاه ولم يبقى فيها قدرة على المقاومة، أنشب فيها أظافره، وصب عليها الاما ثقالا وأهوالا طوالا، ثم قضى عليها الموت في ساعة من ساعات الليل أو من ساعات النهار.

فأنت ترى أن أديبنا عليل قد ألحت عليه العلة، وأن علته معقدة أشد التعقيد بعضها يتصل بالدين ، وقد عجز أطباء اللاهو ت عن علاجه، فهو قد قرأ الثوراة وتعمق دراسة التلمود، ودرس المسيحية ودرس فلسفة الفلاسفة المؤمنين والملحدين، فلم يجد لعلته الدينية هذه طبا ولا شفاء. 

وبعضها يتصل بالوراثة والصلة بين الابن وأبويه، فهو الى علم النفس التحليلي أقرب منه الى أي شيء اخر، وقد عجز علم النفس التحليلي عن علاجه، فلم يستطع أحد ولم يستطع شيء أن يصلح رأيه في أبيه، أو يصلح العلاقة بينه وبين أبيه، وانما ظل طول حياته واقفا من أبيه موقف الطفل الخائف المروع الذي يرى تفوق أبيه وتسلطه ، ويحاول أن يخلص من سلطانه فلا يستطيع، ويحاول أن يحبه وأن يظفر منه بالحب فلا يستطيع.


وبعضها يتصل برأيه في الحياة، وموقفه منها ورغبته في أن يحياها كمت تعود الناس أن يحيوها، وخوفه مع ذلك من العجز عن احتمال أثقالها، وخوفه بنوع خاص من أن يحمل هذه الأثقال قوما اخرين أبرياء، لم يجنوا ما يستحقون من أجله احتمال الأثقال، وهم الزوج والولد.


وبعض علته جسمي يتصل بالفيسولوجيا، وقد عجز الأطباء عن علاجه، فما زال السل يداوره ويناوئه حتى قضى عليه اخر الأمر. 

فاذا قدرنا هذه المحن كلها، وقدرنا أنها لم تصب على رجل عادي، وانما صبت على رجل ممتاز له من القلوب أذكاها ، ومن العقول أصفاها، ومن الأذواق أرقها، ومن المشاعر أدقها، ومن الحس أشده ارهافا، وله بعد ذلك ارادة حازمة صارمة، وقدرة مدهشة على الملاحظة، وعلى ملاحظة نفسه أكثر من ملاحظة غيره من الناس، وبراعة خارقة للعادة في أن يجعل نفسه موضوعا للدرس والبحث والتحليل، ون يكون هو الدارس الباحث المحلل، وأن يسجل ما ينتهي اليه درسه وبحثه وتحليله، في اثار مكتوبة طوال وقصار، أقول اذا قدرنا هذا كله، لم نر غريبا أن يكون أديبنا هذا بهذه المنزلة التي شغلت الناس، ويظهر أنها شغلتهم وقتا طويلا.


وربما كان أخص ما يمتاز به فرانز كافكا أشد الامتياز ، أنه كان أصدق الناس لهجة، وأشدهم اخلاصا، وأبغضهم للتكلف ، وأبعدهم عن التصنع، وأعظمهم حظا من التواضع الذي يأتي من معرفة الانسان قدر نفسه بعد الدرس المتصل والاستصقاء العميق، وهو من أجل ذلك كان يكتب لنفسه أكثر مما كان يكتب للناس، فقد كان من أشد الناس زهدا في نشر اثاره وأعظمهم اخفاء لها وضنا، لا لأنه كان يكبرها أو يغالي بها، بل لأنه كان يزدريها كما كان يزدري نفسه .

وقد نشر قليل من اثاره أثناء حياته في المجلات ، ولم ينشر في أكثر الأحيان الا على كره منه ، كان صديقه ماكس برود يختطف هذه الاثار اختطافا، ويدفعه الى نشرها دفعا ، فلما أدركه الموت وقرئت وصيته، تبين أنه قد اختار صديقه هذا –ماكس برود- وصيا، وأنه يطلب اليه أن يحرق اثاره كلها وألا ينشر منها في الناس شيئا. وقد وقف الوصي من هذه الوصية موقف الحيرة التي لم تتصل، فشك غير طويل ثم خالف عن أمر صديقه، وأخذ في نشر اثاره ملتمسا لذلك ما شاء من العلل والمعاذير .

وقد مات فرانز كافكا سنة 1924، ولم تمض على وفاته أعوام حتى كانت اثاره بعيدة الانتشار في ألمانيا ، بل في أوروبا الوسطى كلها ، ثم تجاوزت حدود أوروبا الوسطى الى أوروبا الغربية، فتلقاها الفرنسيون لقاء غريبا. وربما كان من طرائف الأشياء، أن اثار كافكا كانت تستقبل أحسن استقبال في غرب أوروبا، وينكل بها أبشع تنكيل في أوروبا الوسطى، فكان الفرنسيون والانكليز يترجمونها ويفسرونها، على حين كان الألمانيون الهتلريون يحرقونها جهرة في الميادين .

وقد يكون من الخير أن نلاحظ، قبل أن نتحدث عن اثار فرانز كافكا أن ظروف الحياة الأوروبية كانت ملائمة كل الملائمة لظهور هذه الاثار، فقد بدأ كافكا يشعر ويفكر قبيل الحرب العالمية الأولى، فكان كل شيء من حوله يؤذن بالكارثة ، ويدفع الى البؤس واليأس. ثم مضى في تفكيره وانتاجه أثناء الحرب العالمية الأولى، فكان في تلاحق الكوارث والفواجع من حوله ما يزيد امعانه في البؤس واليأس، ثم نظر ذات يوم فاذا كل شي من حوله ينهار، فامبراطورية النمسا والمجر تتفرق أيدي سبا، والامبراطورية الألمانية العظيمة تلقي السلاح وتركع متلقية شروط المنتصر، فلا يزيده هذا كله الا ايغالا في البؤس واليأس، ثم يمضي في تفكيره وانتاجه وقد تم الصلح.

ولم تلبث الانسانية بعد امضائه أن استشعرت خيبة الأمل وكذب الظن، فلم يتحقق العدل الذي قيل ان الحرب أثيرت لتحقيقه ، وانما عادت الانسانية بعد الحرب، كما كانت قبل الحرب، بائسة يائسة، متخبطة لا تدري الى ي وجه تتجه ، ولا في أي طريق تتجه ، ولا في أي طريق تسير.


حياة خاصة كلها نكر وشر، وحياة عامة كلها بؤس ويأس، فأي غرابة في أن يكون الأدب الذي ينتجه فرانز كافكا في هذه الظروف كلها هو الأدب الأسود بأدق معاني هذه الكلمة وأشدها سوادا وحلوكا؟!

وواضح جدا أن هذا القلب الذكي ذا الحس المرهف والشعور الدقيق لم يصور الحياة كما راها من حوله فحسب، وانا صور هذه الحياة وصور اثارها القريبة، فكان في أدبه هذا المظلم ، شيء من التنبؤ المزعج، بما ستتعرض له الانسانية من الكوارث والأخطار. 

وكان من أجل هذا بغيضا الى الذين كانوا يريدون أن يعيدوا الحرب جذعة، مثيرا للشوق وحب الاستطلاع عند الذين كانوا يخافون الحرب ويشفقون من أن يدفعوا اليها كارهين . ومن أجل هذا كانت اثار فرانز كافكا في وقت واحد تترجم في باريس، وتحرق في في برلين، والاثار الأدبية التي تركها فرانز كافكا كثيرة منوعة، لم تنشر كلها بعد، وانما نشر أكثرها، وأظهر ما تمتاز به من الخصائص أنها تصور القلق الذي يوشك أن يبلغ اليأس، وتصور الغموض الذي يضطر القارئ الى حيرة لا تنقضي ويدفعه الى كثير من المذاهب في فهم هذه الاثار وتأويلها، وحل ما تشتمل عليه من الألغاز والرموز، فقد كان فرانز كافكا أشد الناس صراحة وأعظمهم اخلاصا في حياته اليومية ، وفيما كان ينشأ من الصلات بينه وبين أصدقائه وذوي معرفته ، وفيما كان يسجل لنفسه من الخواطر والمذكرات في يومياته المتصلة ، ولكنه بعد هذا كله كان أبعد الناس عن الصراحة و أنآهم عن الوضوح ، فيما كان ينتج من القصص الطوال والقصار.


وليس من المهم أن نلتمس العلل المختلفة لهذا الغموض، فالأدب الرمزي في نفسه ظاهرة سائغة طبيعية، ليست في حاجة الى أن تلتمس لها العلل والمعاذير، وانما هي أثر من اثار بعض الامزجة، ولون من ألوان الفن، في كثير من الاداب القديمة والحديثة، على اختلاف البيئات والعصور. فقل بعد ذلك ان فرانزا كافكا قد أمعن في درس التلمود ، وتعمق ما في اداب اسرائيل من الأسرار والألغاز ، وتأثر بهذا كله في فنه، فهذا حق من غير شك، ولكنه ليس كل شيء، فما أكثر الأدباء الرمزيين الذين يستمدون رمزيتهم من مزاجهم الفني وحده، لا من دراسة التلمود ولا من تعمق الأسرار والألغاز في أدب اسرائيل.

والغموض في أدب كافكا من نوع خاص، فالرجل المثقف حين يقرأ هذا الأثر أو ذاك من اثاره، لا يشعر بالغموض لأول وهلة، وانما يخيل اليه أنه يقرأ شيئا يسيرا سائغا قريب الفهم، لا يتكلف في تذوقه جهدا ولا عناء، ولكنه لا يلبث أن يحس شيئا من الغرابة، أو قل شيئا من الغرابة في هذا الذي يقرأ، لأنه يرى أشياء مسرفة في البساطة مألوفة أشد الالف ليس من شأنها أن ترتفع الى حيث تكون أدبا ينتجه الفن الرفيع، وانما هي من هذه الاشياء التي يراها الانسان في كل يوم وفي كل مكان، وفي الطبقات الساذجة العادية من الناس، فيسأل القارئ نفسه، أو قل يقنع القارئ نفسه بأن الكاتب لم يرد الى هذه البسائط، وانما اتخذها وسائل قريبة لغايات بعيدة. وهنا يدفع القارئ الى التماس هذه الغايات، فيذهب في التماسها كل مذهب، ويسلك الى استكشافها كل سبيل، وقد يصل الى شيء يحسبه الغاية التي قصد اليها الكاتب، ولكنه لا يكاد يفكر ويروي، حتى يشك فيما انته اليه وحتى يسأل نفسه الا يمكن يكون الكاتب قد أراد الى غاية أخرى والى غايات أخر، غير هذه التي انتهى هو اليها؟ 

وكذلك نستطيع أن نقول أن قارئ فرانز كافكا، معلق دائما ، يخيل اليه أنه يفهم ما يقرأ، وهو يفهم معانيه القريبة من غير شك ولكنه يشعر شعورا قويا بأن هذا الذي يفهمه ليس هو الذي قصد الكاتب اليه. والى جانب هذا الشعور بالتعليق المتصل يجد القارئ أثناء قراءته حرجا مرهقا وضيقا شديدا، لأنه يرى نفسه في بيئته مهما تكن قريبة في ظاهر الامر فهي غريبة في حقائق الاشياء، وهو من أجل ذلك لا يحس يسرا ولا سهولة ولا سعة، وانما هو يشعر بضيق الصدر وقلق النص، وهذا الجهد العنيف الذي يفرض على العقل .

فقارئ فرانز كافكا في الدنيا وليس فيها، هو في عالم غريب، لا هو بالواقعي ولا هو بالوهمي، وانما هو شيء بين الواقع والوهم بلأ النفس حيرة وشوقا وسأما والحاحا في وقت واحد . تأخذ في قراءة القصة فيفاجؤك قربها وتدهشك غرابتها، وأنت لا تكاد تطمئن الى هذا القرب اليسير المألوف، ولو قد اطمأننت اليه لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب، ورأيت أنك لست في حاجة الى تكلف الجهد لتفهم ما لا يحتاج الى الفهم، وأنت لا تطمئن الى هذه الغرابة ولو قد اطمأننت اليها لتركت القصة وأعرضت عن الكتاب يائسا من القدرة على الفهم. فأنت اذن معلق بين الوضوح الذي يملأ نفسك سأما وبين الغموض الذي يملأ نفسك شوقا، وما تزال في هذه الحال المعلقة مذ تبدأ الكتاب أو القصة الى أن تفرغ منهما.

وأغرب من ذلك أنك حين تفرغ من القراءة ، لا تنتهي الى ما يحسن الاطمئنان اليه والسكوت عليه، وأنت معلق بعد الفراغ من القراءة كما كنت معلقا في أولها وفي وسطها، ذلك لأن الكاتب لا يتم قصته وانما يقتضبها اقتضابا، وبنتهي بها الى شيء لا يصلح أن يكون غاية لقصة أو كتاب. ومصدر ذلك في أكبر الظن أن الكاتب نفسه لا يعرف لنفسه غاية يقف عندها أو أمدا ينتهي اليه، وانما هو يمضي بقصته في طريقها ما وسعه المضي، حتى اذا أدركه الاعياء أو انتهى الى بعض الطريق، وجد أمامه سدا منيعا لا يستطيع أن يتجاوزه، فوقف حيث ينتعي به السعي، واستأنف السير في طريق أخرى وانتهى من هذه الطريق الأخرى الى مثل ما انتهى اليه في الطريق الأولى فوقف ثم استأنف السير في طريق تالثة.

فأنت ترى الى الان أن أدب فرانز كافكا يقوم، أو قد يدور حول هذه الأصول التلاثة وهي العجز عن الاتصال بالاله من جهة، والعجز عن فهم الخطيئة والتبرؤ منها مع الثقة بالتورط فيها من جهة ثانية، والعجز عن فهم العلل الغائية لما يكون في العالم من الخطوب والأحداث من جهة تالثة. وأنت اذا قرأت هذه الاثار الكثيرة التي نشرت لفرانزا كافكا على اختلافها في الطول والقصر، وتفاوتها في الوضوح والغموض، رأيتها كلها تدور حول هذه الأصول، وقد يلح هذا الأثر أو ذاك في تجلية هذا الأصل أو ذاك، ولكن مجموعتها تنتهى بك دائما الى هذه الخلاصة القاتمة السلبية، التي تجعل حياة الانسان كلها عجزا وقصورا ويأسا أو شيئا قريبا جدا من اليأس .

ومن أجل هذا وصف أدب فرانز كافكا كما وصف أدب أبي العلاء المعري بأنه أدب قانم حالك، يفل العزائم ويثبط الهمم ، ويصد الاسان عن العمل ويرده عن الأمل، ويدفعه الى نشاط عقلي عقيم، يدور حول نفسه أكثر مما يدور حول غيره، ولا يحفز الناس الى طمع أو طموح، وانما يمسكهم في لون من الخوف المنكر، الذي لا أمن معه ولا اطمئنان.



ومن أجل هذا حرقت كتب كافكا في برلين أثناء الحكم الهتلري، ومن أجل هذا كان اليساريون في فرنسا يبغضون هذه الكتب أشد البغض، ويودون لو يحال بينها وبين الشباب، ويعبرون عن هذا كله بهذه الجملة التي كثر حولها الحديث في في فرنسا أثناء الصيف الماضي "يجب أن يحرق فرانزا كافكا" وواضح جدا أن هذه العبارات ليست الا رمزا، فتحريق الكتب لا يغني شيئا ويكفي أن تحرق الكتب ليزداد انتشارها، انما المهم هو أن هذا الأدب القاثم مثبط لهمم الشباب، فلا ينبغي أن يخلى بينه وبين الشباب.

القوة والاستشراق الذاتي في تركيا

أكتوبر 29, 2016 اضف تعليق



28 تشرين1/أكتوير 2016 موقع العالم
  آدم ماك كونيل
ترجمة: يسرى مرعي

 نُشِر هذا النص على ثلاث حلقات في موقع صحيفة serbestiyet التركية، وقد تُرجمت النصوص بعد أخذ موافقة الكاتب والصحيفة.

النص:

العلاقة بين الغرب و الشرق، علاقة قوة وسيطرة ودرجات متفاوتة من الهيمنة المركبة ادوارد سعيد(1)
شعرت مؤخراً بفزع شديد في ما يتعلق بالتفسير الغربي الحالي –سواء من أوروبا أو شمال أمريكا- حول العالم المسلم. بشكل طبيعي، لو أتت الأوصاف السلبية للإسلام والمسلمين من الجناح اليميني، لم أكن لأكون بهذا القلق، إذ أنه سيكون ببساطة عبارة عن عمل معتاد. لكن المواقف الأيديولوجية تجاه الإسلام تبدو وكأنها أصبحت مشوشة، فقد أخذ يسار الطيف السياسي ينتج منشورات وتفسيرات بدت لي غير مختلفة عن الإعلام المحافظ.

وكديمقراطي اجتماعي، أجد هذا الإتجاه مُغضِب لأن العديد من المعلقين الليبراليين واليساريين بدؤوا بمهاجمة الإسلام كدين، والمسلمين كمجتمع، مع انتباه قليل إلى السياق السياسي السائد في العالم. ولأن التهديد الإسلامي قد اتخذ الأبعاد ذاتها التي اتخذها الخطر الأحمر أثناء الحرب الباردة، أعتقد أن الوقت قد حان ليقوم الليبراليون واليساريون بفحص ذاتي عقلاني مفاده : هل نحن نشكك أم نساهم في هذا الاتجاه العام؟.

ولذلك أركز في هذه الدراسة التي نشرت على سلسلة مقالات في صحيفة "سربستييت serbestiyet" التركية على فحص كيف تتم تغطية الأحداث التركية في الصحافة العالمية، وخاصة في صحيفة النيويورك تايمز، بحكم التأثير  والسيطرة التي تمتاز بهما حيال ما "يعرفه" الناس حول أي موضوع معين. وهو ما تعرضه أيضاً منشورات دولية أخرى، تُفهم غالباً على أنها ليبرالية، لكنها ذات تغطية متحيزة إلى أبعد حد، وغير عارفة بلا ريب بتركيا. ولعل أول ما يتبادر إلى ذهني هنا صحيفتا  "الإيكونومست The Economist" و"الغارديانThe  Guardian".

وبالنسبة لي، يتمثّل المظهر المحبط لهذه التغطية، كون هذه المنشورات ليبرالية-يسارية، ولهذا السبب لا يجب أن تسقط في هذه الحالة. تبدو بعض قطاعات النخبة المثقفة الغربية محاصرة في مأزق فكري فيما يتعلق بالعالم المسلم. إذ سمحوا لإنهماكاتهم ولمفاهيمهم الأيديولوجية المتصلة والمتأثرة بالمجتمعات التي يعيشون فيها، أن تردع التفكير الواضح بالمجتمعات المختلفة عن مجتمعاتهم من ناحية الثقافة، والتنمية الاقتصادية، والواقع السياسي، و/أو البنية الاجتماعية. بعبارة أخرى، لم يدركوا أنهم يعيشون في واقع ويطلقون أحكاماً على آخر.

فعلى مدى السنوات العشر الماضية، وفي أعقاب الغزو الأميركي الكارثي والمُهلك للعراق، والفوضى الداخلية طويلة الأجل التي نتجت، ومن ثم الربيع العربي، ونهاية عدة حكومات إقليمية، والاضطراب الاجتماعي في عدد آخر منها، والحرب الأهلية السورية، وظهور داعش مؤخراً، أتابع السردية الإعلامية الغربية التي تستمر بتحويل نفسها في استجابة لمنعطفات محددة. ومرة بعد مرة، تبرز أمام كل منتبه قوة الإعلام الغربي في التأثير على التصورات. وهذا ما بات يذكرني مراراً وتكراراً بما قاله إدوارد سعيد حول الاستشراق والقوة.

نعم، القوة. فالقضية التي يجب أن يركز عليها اليساريون، و التقدميون، والليبراليون الغربيون عند مقاربتهم للإسلام في السياق السياسي الحالي الشديد التوتر، هي القوة. من الذي يمتلك القوة، ومن الذي لا يمتلكها؟ أي مجتمعات تمتلك قوة وأي منها لا يمتلك قوة؟ أي معتقدات وأيديولوجيات تمثل مجتمعات قوية، وأي منها لا يمثل ذلك؟ ولايجب أن ننسى أن القوة لا تشمل القوة السياسية والعسكرية فقط، بل الثقافية، والاقتصادية، والتربوية، والأيديولوجية، واللسانية، والأشكال الاجتماعية أيضاً. وهنا هل ينبغي لنا كليبراليين ويساريين، أن نحاول فهم وجهة نظر الذين يملكون قوة أقل، من أي شكل كانت، أم لا؟ وهل يجب علينا كغربيين، أن نحافظ على وعي للمزايا التي تزودنا بها قوتنا وتحرم غيرنا منها؟ ألا ينبغي علينا أن نحافظ على تركيزنا على الطرق العديدة، الخفية والعلنية، التي تُستخدم بها القوة حتى اليوم لظلم أفراد سواء من مجتمعاتنا أو من مجتمعات أخرى؟.

لقد ولّد كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد تأثير صدمة في العالم الأكاديمي الغربي على وجه التحديد، لأنه، وهو يقتفي بميشيل فوكو، فصّل كيف تعمل القوة وسط الطبقات الأكاديمية والفكرية الغربية لتنتج خطابات وتصورات غذّت وغالباً ما برّرت، المشاريع السياسية الكولونيالية الغربية في العالم المسلم. وقد أخذ العديد من المثقفين الغربيين الصادقين رسالة سعيد على محمل الجد، وقاموا بعملية فحص ذاتي للتعرف على تصوراتهم حول "الآخرين" العالميين. بينما من ناحية أخرى، بقي البعض في حالة نكران ورفض للتعامل بصدق مع علاقات القوة التي تشيّد عالمنا.

مؤخراً، يبدو أن بعض اليساريين نسوا (أو حتى رفضوا) حجة سعيد. ولهذا السبب، أريد أن أدرج هنا فقرة من مقدمة كتاب "الاستشراق":

سوف تجد الثقافة عاملة ضمن مجتمع مدني، حيث لا يتحقق تأثير الأفكار، والمؤسسات، والأفراد الآخرين من خلال السيطرة، بل من خلال ما يسميه غرامشي "الرضى". في أي مجتمع غير شمولي...تسود أشكال ثقافية معينة على أخرى....؛ وهذا الشكل من الزعامة الثقافية هو ما سمّاه غرامشي ب"الهيمنة"، وهو مفهوم لا غنى عنه لأي إدراك للحياة الثقافية في البلدان الصناعية في الغرب.. ويقترب الاستشراق مما سماه دنيس هاي "فكرة أوروبا"، أي الفكرة الجماعية المحددة لهويتنا "نحن" كأوربيين في مقابل كل "الآخرين" غير الأوروبيين... ونجد بالإضافة إلى ذلك، هيمنة الأفكار الأوروبية عن الشرق، والتي تكرر القول بالتفوق الأوروبي على التخلف الشرقي، وهو قول غالباً ما يتجاوز إمكانية أن مفكراً أكثر استقلالية، أو أكثر تشككاً قد تكون لديه آراء مختلفة في الأمر.(2)

فقد بنت المجتمعات الأوروربية (بأوسع معنى) ونشرت منذ فترة طويلة مفاهيم مختلفة تجاه الإمبراطورية العثمانية و الشعب التركي بشكل عام. يمثل "التركي الرهيب"* الصيغة الكلاسيكية لهذا السرد النمطي. وقد طُوِّر هذا الموضوع منذ قرون مضت عندما شكّل العثمانيون تهديداً عسكرياً لأوروربا الوسطى والشرقية؛ ربما كانت تهدف حينها الى  تعزيز الوحدة في مجتمع مجزِّأ للغاية في مواجهة قوة خارجية. ورغم مرور قرون، وتبدّل ميزان القوى لصالح مجتمعات أوروبية مركزية ومن ثم صناعية، استمر موضوع "التركي الرهيب" ولكن اتّخذ دلالات أخرى، اذ أخذ يؤدي على نحو متزايد دور المبرّر لقدوم القوة الأوروبية لتلقي بظلالها على العثمانيين.

وبالرغم من أن النسخ الأكثر شناعة وعنصرية من هذا السرد قد خمدت منذ زمن بعيد، إلا أنه تظهر من وقت لآخر ابتكارات أكثر لؤماً، مثل الفيلم الذي هُلِّل له (المشتبه بهم المعتادون The usual suspects) بطولة (كيفن سبيسي Kevin Spacey، غابرييل بيرن Gabriel Byrne، بينيشيو ديل تورو Benicio Del Toro، وآخرون) المنتج في أواسط التسعينات. وبصرف النظر عن الجوائز المختلفة التي نالها بعد عرضه، تعتمد حبكة الفيلم على صورة نمطية عنصرية أساسها، رجل المافيا التركي المتعطش للدماء قيصر سوزي Keyser soze . ولذلك فالفيلم في جوهره، هو ببساطة نسخة محدّثة من أسطورة "التركي الرهيب".

كما أن أفلام ك (The Usual Suspects) هي مجرد تعبير فني عن الموضوع الاستشراقي المناهض للأتراك. إذ شهدنا في السنوات العشر الماضية نسخة محدّثة أخرى من الصورة النمطية "التركي الرهيب" في الصحافة، وهذه المرة كان كل الهاجس أو الرعب المزعوم مركّزاً على رجب طيب أردوغان. فعندما ينظر أحدهم كيف يُصوّر رجب طيب أردوغان في الإعلام الغربي، يرى السردية الاستشراقية العلانية موجودة لأي أحد يرغب في تمييزها. إذ كان أردوغان منذ عقد وللآن يؤدي دور "هتلر الإسلامي"، وفي الآونة الأخيرة يؤدي دور "رفيق السلاح" لداعش، شيء من قبيل فريدي كروغر أو جايسون فورهيس المسلمَيْن.

إن سردية الصحافة الغربية المتعلقة ب أردوغان تعمل بسبب القوة. إذ تسيطر وسائل الإعلام الغربية على تفسير العالم للأحداث. وعلى الرغم من أن أردوغان لم يرتكب فعلاً واحداً يجعله يستحق هذا النوع من الشيطنة الذي يتعرض له في الصحافة الغربية، لكن السردية تتدفق بلا أي انقطاع.

ونتيجة لذلك أجبر حزب العدالة والتنمية على تبني منحنى تعلم حول موضوع العلاقات الإعلامية والعلاقات العامة. فعلى مدى العقد الأول لحزب العدالة والتنمية في الحكومة، تولّت الشركات أو القنوات الإعلامية التي يسيطر عليها فتح الله غولن (مثل زمان وسمان يولو) الاحتياجات الإعلامية المحلية لحزب العدالة والتنمية. كما أبرزت صحيفة "زمان" أيضاً مقالات باللغة الانكليزية لأي قارئ أجنبي لا يهتم (أو لا علم له) بصلة صحيفة "زمان" ب "غولن".

القوة والاستشراق الذاتي في تركيا
بعد كانون الأول من عام 2013 والقطيعة النهائية بين حزب العدالة والتنمية وغولن، وجد حزب العدالة والتنمية نفسه أعزلَ إلى حد كبير في مواجهة هجوم إعلامي. من ناحية، كان حزب العدالة والتنمية قد حضّر نفسه لهكذا احتمال عبر تحويل عدد من الصحف والقنوات التلفزيونية مثل "صباح" و ATV (والتي انتقلت ليد الدولة بسبب ممارسات مالية خاطئة لمالكيها السابقين) إلى وسائل إعلام موالية لحزب العدالة والتنمية. ومن ناحية أخرى، انضمت الآن شركات غولن الإعلامية إلى الصحافة السائدة المنشأة بالفعل والمناوئة لحزب العدالة والتنمية، والتي تحولت بين ليلة وضحاها إلى ينابيع معلومات خاطئة مناوئة لحزب العدالة والتنمية بحقد. منذ تلك اللحظة، كانت المصادر الإعلامية تعمل بإستماتة لترسيخ سردية مضادة لسردية الصحافة المحلية المناوئة لحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى الجزء الكبير من الصحافة العالمية. مع ذلك، فإن العديد من الكتاب والعاملين في وسائل الإعلام الجديدة  تعلم هذه الصحافة على عجل، وغالباً ما تكون مشاريعهم مرتجلة ومخصصة لموضوع معين. وهو ما جعل من منحنى التعلم منحدراً بشدة، وما تزال العملية جارية.

عند هذه النقطة تدخل القوة والاستشراق إلى الملعب. ويحق لنا أن نسأل القراء الأجانب الذين يعتبرون انفسهم كليبراليين، أو يساريين، أو على الأقل منفتحي العقل، هل توقفتم لتتساءلوا لماذا بالضبط سردية الصحافة الأجنبية المتعلقة بتركيا، وحزب العدالة والتنمية، ورجب طيب أردوغان هي سلبية على نحو ساحق؟ في الوقت ذاته، فإن شعور حزب العدالة والتنمية ومؤيديه بالحاجة الماسة لصحافة ودية ليس ولم يكن شعوراً متخيلاً. لقد هُجِموا وما زالوا من قبل "القوة". لننظر بتمعن إلى نقص الأدلة الحقيقية الملموسة عن الاتهامات المجرّمة المختلفة الموجهة لحزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان. انظر بتمعن إلى مصادر هذه الاتهامات. اسأل نفسك: هل من المحتمل أنه يتم التلاعب بمفاهيمي الاستشراقية الكامنة؟ هل من المحتمل أنني أقع ضحية القوة؟

إذاً، ليس الاستشراق مجرد موضوع أو مجال سياسي ينعكس بسلبية في الثقافة، والبحث العلمي، أو المؤسسات... كما أنه ليس تمثيلاً وتعبيراً عن مؤامرة إمبريالية "غربية" دنيئة تهدف لإخضاع العالم "الشرقي"... هو...إرادة معينة أو رغبة معينة لفهم عالم مختلف بشكل واضح (أو عالم بديل وجديد) وأحيانا للسيطرة عليه، والتلاعب به، ودمجه حتى؛ هو، قبل كل شيء، خطاب لا يرتبط مطلقاً بعلاقة مباشرة بالسلطة السياسية السافرة، لكنه خطاب ينتج ويوجد في إطار تبادل متقلب مم أنواع مختلفة من القوة(3)....

القوة "والكتلة التاريخية "في تركيا:


ناقشت في الفقرة السابقة استشراق ادوارد سعيد كأساس لفهم العلاقة بين السياسة التركية والمفاهيم الدولية الليبرالية-اليسارية. سعيت في خاتمتها إلى حث بعض الليبراليين أو اليساريين العالميين على فحص متأنٍ لديناميات القوة التي تؤثر في مجتمعات التصنيع مثل تركيا، وإلى إمعان النظر بشكل أكثر جدية فيما إذا كان من الممكن أن يكون فهمهم لمجتمعاتهم يشوه تحليلهم لمجتمعات مختلفة جوهرياً، مثل تركيا.

السبب في شعوري بأنني مضطر للإمعان في هذه القضية هو أن الجهات الفاعلة القوية في أي مجتمع معين قد تبدو وتتصرف بشكل مختلف عن الجهات الفاعلة القوية في مجتمع آخر. وبالمثل، فإن هؤلاء الذين ليسوا أقوياء يمكن أن يتغيروا من مكان إلى آخر، وفقاً للسياق والأفراد المعنيين. فعلى سبيل المثال، تركيا في إقليمها، دولة قوية، تشكل تهديداً بطرق متعددة لجيرانها، ولكن بالمقارنة مع ديمقراطيات البلدان الصناعية، فإن تركيا غير قوية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالثقافة، والاقتصاد، واللسانيات، أو القضايا السياسية. قد يبدو رجب طيب أردوغان قوياً للمراقبين الأجانب لأنه الرئيس التركي، لكن من ناحية المكانة الاجتماعية التركية فإن جذوره في أحياء الطبقة العاملة في وسط اسطنبول تسِمُه كدخيل على الطبقات السياسية التركية التقليدية. مثال أردوغان هو من أعراض النخب مابعد الكمالية الناشئة حديثاً في تركيا.

ومن المظاهر المعقدة الأخرى أن الفاعلين السياسيين "الليبراليين" أو "المحافظين" في مجتمع معين ليس من الضروري أن يتناغموا مع نفس القوالب التي اعتاد عليها المراقبون الغربيون. مثال ذلك، يمكننا أن نعرّف "الليبراليين " أو "التقدميين" بأنهم أولئك الذين يريدون تغيير المعالم السياسية لمجتمع من أجل خلق المزيد من الاندماج الاجتماعي والسياسي، والعدالة، والانفتاح، وكذلك بناء نظام سياسي أكثر ديمقراطية. بالمقابل، يمكننا أن نعرف "المحافظين" بأنهم أولئك الذين يريدون الحفاظ على الوضع الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي الراهن.

ووفقاً لهذه التعريفات، فإن حزب العدالة والتنمية يبدو حالياً حزباً ليبرالياً-تقدمياً في السياق السياسي التركي. إذ يمثّل حزب العدالة والتنمية شرائح من المجتمع التركي كانت قد نُّبذت من الحياة السياسية التركية بداية من مطلع عشرينات القرن العشرين. ومن أجل دمقرطة النظام السياسي التركي، كان لابد من دمج جماهير المجتمع التركي (القرويون الأناضوليون والبرجوازيات الصغيرة) في النظام السياسي. وبالتالي فإن حزب العدالة والتنمية هو أحدث ممثل سياسي لهذا المسعى.

ما الذي يواجهه حزب العدالة والتنمية؟ سيطرت "كتلة تاريخية" تضم أقلية من المجتمع التركي، من نخب الدولة الفكرية، والبيروقراطية، والعسكرية، على الحياة السياسية التركية منذ الانتفاضة الدستورية العثمانية في 1908.(4) وقد سعت هذه الكتلة التحديثية خلال السنوت المئة الماضية وفق رؤية من الأعلى إلى الأسفل، إلى إقصاء أغلبية المجتمع التركي عن السلطة السياسية. وكان الحزب السياسي الذي يمثّل تلك "الكتلة التاريخية" هو حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب الذي أسسه مصطفى كمال في أوائل العشرينات من القرن العشرين، والذي بقي يقود الدولة التركية منفرداً حتى عام 1950. مما يعني أنه، في المناخ السياسي التركي اليوم، فإن حزب التحديث السلطوي الذي أعاق التحول الديمقراطي في الماضي، وينوي أن يستمر بإعاقة التحول الديمقراطي الآن وفي المستقبل، هو حزب الشعب الجمهوري.(5) بناء على ذلك، هم في الواقع "محافظون" بالنسبة للسياسات التركية الحالية.

فمشروع "الكتلة لتاريخية" التركية هو مشروع حداثي أساساً، وهو مشروع معاد للديمقراطية في نفس الوقت. وهذا نابع من الأيديولوجية الأصلية لجمعية الاتحاد والترقي، التي كانت مكوّنة من مجموعة متنوعة متأثرة بجذور فكرية غربية معظمها فرنسية وألمانية. وقد حدّد شكري هاني أوغلو-بروفيسور في جامعة برينستون- هذه الجذور الفكرية بدقة، معرّفاً الوضعية الكونتية (Comtean positivism)، نظريات غوستاف لوبون المعادية للديمقراطية حول سيكولوجية الجماهير(Gustave Le Bon)، المادية المبتذلة ل لودفيغ بوخنر (Ludwig Buchner)، و(النزعة)العسكرية-الاجتماعية لكولمار فون در غولتز (Colmar Von Der Goltz) كتأثيرات تكوينية.(6) كان مشروع هذه "الكتلة التاريخية" منذ عام 1908 هو إصلاح المجتمع التركي من الأعلى إلى الأسفل وفقاً لرؤيتهم التغريبية(Westernizing) والوضعية (Positivistic). كان هذا المشروع سيمضي قدماً دون الرجوع إلى رغبات أو آراء جماهير المجتمع التركي.

ولم يكن المعنى الضمني العام لهذه الأيديولوجيات يقتصر فقط على  عدم مشاركة الجماهير في عملية صنع القرار السياسي التركي، بل بالأحرى كان يرى أن الجماهير ليست مناسبة أو ليست جديرة بالثقة بما فيه الكفاية للمشاركة في عملية صنع القرار تلك.

  

وقد وصلت جمعية الاتحاد والترقي إلى هذه الخلاصة أولاً؛ ثم عزّز مصطفى كمال أتاتورك وحزب الشعب الجمهوري (تقريباً كل منهم كان لديه بالأصل صلات مباشرة مع جمعية الاتحاد والترقي) هذا الموقف نظراً لامتلاكهم سيطرة احتكارية وحصرية على الدولة التركية من عشرينات القرن العشرين إلى الخمسينات منه.

في الوقت ذاته، عندما رسخّت الجمهورية التركية موقعها وأصبحت "الكتلة التاريخية" هذه قادرة على إتمام تجاربها للإصلاح الاجتماعي الراديكالي، قبلت بعض قطاعات المجتمع التركي هذا الموقف الأصلي المناهض للديمقراطية وانضمّت إلى المشروع (من الأعلى للأسفل). في الأساس، اقتنعت هذه النخب أن الجماهير التركية لم تكن متعلمة أو مؤهلة فكرياً بالشكل الكافي لتعرف ما كان مناسباً لأجلها ولمجتمعها. ولهذا السبب فإن "الكتلة التاريخية"، وسطاء القوة في المجتمع التركي، ستنصب نفسها مرشداً للشعب.

ليس التفسير أعلاه شيئاً مبتكراً، بل هو ملخص موجز للغاية لعمل العديد من الأكاديميين الأتراك. إذ وُضعت الأسس الأصلية لهذه المقاربة من قبل شريف ماردين، طوّر لاحقاً كل من شكري هاني أوغلو وحسن بولنت كهرمان (على سبيل المثال) هذه المقاربة إلى فهم أعمق للبنى السياسية الاجتماعية وديناميات عملية التحديث التركية.

وهكذا، نظر كهرمان أيضاً إلى استشراق إدوارد سعيد وطبّق آثاره على المجتمع التركي. إذ يشرح في كتاب كبير له في عدة مجلدات، تفسيراً لكيفية حفاظ النخب الاجتماعية والسياسية التركية التقليدية على القوة مستندة أساساً على القدرة في تحديد "الآخرين" في/من المجتمع التركي. وكما استُخدِمت تماماً القوة الأوروربية بأشكال متعددة لتحديد، والتلاعب، وإدراك الآخرين غير الأوروبيين، استخدمت "الكتلة التاريخية" في المجتمع التركي الوسائل المتاحة لها من العسكرية، والسياسية، والبيروقراطية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية لتسيطر، وتحدد، وتتلاعب بالجماهير التركية. هنا يعرّف كهرمان هذا الموقف بأنه استشراق ذاتي، مما يعني أن النخب التركية ترى الجماهير التركية بطريقة مشابهة للطريقة التي عالجت بها القوى الأوروربية الشعوب غير الأوروبية:

أي نظام حكم قبِل الحداثة الغربية كنظام وذهنية، يقارب العالم الآخر بموقف يمكن أن نعرفه بالاستشراق. ندعو هذا الاستشراق بالاستشراق العام. وفي تركيا، يمكننا تحديد هذا الاستشراق العام في التحكم الدقيق والمستمر الذي احتفظ به المركز السياسي بداية مع التحديث العثماني وصولاً الى ذروته خلال تحديث العصر الجمهوري. بيد أننا سنصف هذا الاستشراق بالاستشراق الذاتي(Self-Orientalization).(7)

يستخدم كهرمان هذا التعريف، في المجلد الثاني من السلسلة، ليفسّر الدور الذي اضطلعت به نخب العقود الأولى للجمهورية التركية:

من أجل تأسيس شرعيتها، نبذت الإدارة الجمهورية الماضي بأكمله وعيّنت هذا النهج كمهرب من التخلف. هذا أهم عامل في الظاهرة التي عرفناها بالاستشراق الذاتي... وهذه هي نقطة التحول التي يظهر عندها دور النخب في التحول السياسي والاجتماعي. والسبب أنه، وفقاً للأيديولوجية المؤسِّسة لنموذج التنمية الاستعمارية (النمط الغربي) التي يرتبط بها الاستشراق، فإن المجتمعات اللا غربية في حاجة إلى "تحديث" بسبب تخلفها. هذا الواجب "التحديثي" سيتحقق بواسطة "رواد التحديث". فيما يتعلق بالاستشراق الذاتي، فإن هؤلاء الروّاد هم النخب. وبالمثل، فإن النخب المثقفة ستنخرط في نشاطات وأدوار مشابهة. وسيحوّل المثقفون، باعتبارهم مالكين للرؤى الغربية، المجتمع. وسيجد التحويل مكاناً على محور التغريب.(8)

هنا يجري التأكيد على عدد من الجوانب. الأول أن الدولة، والجيش والنخب المثقفة التركية اختاروا أنفسهم بوصفهم الفاعلين الذين سيقومون ب"تغريب" المجتمع التركي، وقد اتُّخِذ هذا القرار في السنوات المبكرة من القرن العشرين بل قبل ذلك. أضف إلى ذلك، كان هذا المشروع مناهضاً بالأساس للديمقراطية، إذ أن النخب اختارت طريقاً من الأعلى إلى الأسفل لهدفها والذي لا يتضمن انتخابات شفافة وحرة تماماً حتى العام 1950. أما بعد العام 1950 بقي الجيش التركي، مع الدعم العام من الدولة والمجموعات المثقفة، يعود إلى السياسة كلما بدا أن الساسة المدنيين ينحرفون عن الهدف المؤسس أي عن التغريب. حدث هذا في خمس مناسبات مختلفة، في عام 1960 (انقلاب 27 أيار)، وعام 1970 (انقلاب 12 آذار)، وعام 1980 (انقلاب 12 أيلول)، وعام 1997 ("الانقلاب الخفيف" 28 شباط)، وعام 2007 (الأزمة المحفّزة من السلطة القضائية حول الانتخابات الرئاسية). لكن في نهاية المطاف، لم تبق الجماهير التركية مستقبلات سلبية لهذا المشروع، بل أعربت عن مقاومتها. وكان الإحساس الفوري الذي أثاره الحزب الجمهوري التقدمي لعام 1925، وحزب الاستقلال(الحزب الجمهوري الليبرالي) لعام 1930، والحزب الديمقراطي عام 1945-1960 في الشعب التركي تعبيراً واحداً عن تلك المعارضة.

لأوضّح أكثر وجهة نظري الإجمالية، أريد أن أكرر أن المحللين والمثقفين الغربيين لم يدركوا حقيقة الوضع الاجتماعي والسياسي التركي. لأن حزب الشعب الجمهوري يجسّد الالتزام بالحداثة الغربية، وعلى هذا الأساس يزعم أنه تقدمي، ولذلك فقد تبناه اليمينيون والليبراليون الغربيون، وحتى الديمقراطيون الاجتماعيون واختاروا الوقوف إلى صفه وصف قطاعاته من المجتمع التركي. وهنا يقع هؤلاء الغربيون في خطأ جوهري: ففي الواقع، الحزب والناس الذين يعتبرونهم كحلفاء أيديولوجيين لا علاقة لهم أبداً بتقاليد الديمقراطية الاجتماعية، أو الديمقراطية، أو الليبرالية الغربية. على العكس تماماً: فإن تعزيز وتقوية الديمقراطية التركية (وكذلك التصنيع التركي) تُعَرقَلُ من قبل الذين مارسوا القوة في المجتمع التركي على مدى ال100 سنة الماضية، أي حزب الشعب الجمهوري ومؤيدوه.

في الجزء التالي أناقش بعض الأمثلة الملموسة عن موقف الاستشراق الذاتي الذي حافظت عليه النخب التركية تجاه الشعب التركي.

ظاهرة الاستشراق الذاتي في المجتمع التركي:

انتقلت في عام 2002 من القسم الآسيوي لاسطنبول إلى ديكيلتاش، وهو حي في بشكتاش يقع على تلة مطلة على نيشان تاشي. انتقلت هناك من أجل البدء بالعمل في مدرسة لغات أو "مدرسة" إعداد خاص مسائية في حي شيشلي،  الذي يعد واحداً من الأحياء التجارية في وسط اسطنبول، ويبعد 15 دقيقة سيراً على الأقدام من ديكيلتاش.

لعدة سنوات غالباً ما مشيت من وإلى شيشلي للعمل. وحالما بدأت السير من شارع (Hakki Yeten) في منطقة فوليا الواصلة بين ديكيلتاش وشيشلي، لاحظت مقاماً غريباً(9) في جهة نيشان تاشي من الجادة. في ذاك الوقت، كان المقام محاطاً بسياج حديدي أخضر، يحدّه بضعة أشجار، مسنودة بواسطة منحدر كبير مغطى بالأشجار. كان تماماً مقابل أحد أماكن تدريب نادي بشكتاش الرياضي (والذي استبدل منذ ذلك الحين بأبراج مكاتب وسكنية عالية).

في واحدة من مسيراتي الماضية إلى  شيشلي قرأت اللافتة المعلقة بالسياج المعدني، والتي تشرح أن المقام كان ل (Bardakçı Baba ) (الأب صانع الكؤوس، الأب بارداقجي). كما تقول اللافتة أنه لا يجب إضاءة الشموع أو كسر الكؤوس قرب مقام الشخص المقدّس لأن هذه الأفعال هي خرافات؛ بدل ذلك فعلى الشخص ببساطة أن يتلو سورة الفاتحة للتقرّب من الله. وبسبب وجود العديد من المقامات في اسطنبول فلم أولِ الأمر اهتماماً كبيراً، وأحياناً كنت أجد أحداً  يتلو الفاتحة أو الدعاء  قرب المقام. وفي وقت قريب من عيد الأضحى، فإن سفح التلة خلف الضريح يستخدم كمرعى مؤقت لحيوانات المزرعة،خراف بالإضافة لبضع بقرات غالباً، والتي جُلبت من قبل المزارعين لتُباع للأغنياء الإسطنبوليين من أجل الذبح المرافق لطقوس العيد..

لاحقاً في تلك السنة، في تشرين الثاني، ظهرت في صحيفة (Milliyet) التركية اليومية مادة سبّبت لي الذهول. إذ تقدّم طبيب أسنان ليزعم بأن المقام (Bardakçı Baba) ما هو إلا خدعة افتعلها هو وزملاؤه في كلية طب الأسنان على سكان الحي المحليين الجاهلين في أواخر ستينات القرن العشرين(10). لم تكن منطقة فوليا قد بُنيت في ذلك التاريخ، وكانت كلية الطب في جامعة مرمرة (ومازالت) عند نهاية(أسفل) الطريق من الضريح.

وبينما كنت أفكر ملياً بهذه المعلومة الجديدة أدركت شيئاً لم أنسه بعدها أبداً: فقط كراهية وخوف شديدين من عامة الناس وثقافتهم من الممكن أن تدفع شخصاً ليقوم بمزحة كهذه. اتضح لي عمق الازدراء الذي تشعر به النخب التركية تجاه الجماهير الشعبية. في تلك المرحلة كنت موجوداً في تركيا منذ مدة كافية بالفعل لألاحظ الفوارق الطبقية في المجتمع التركي، ولأنني امضيت معظم وقتي في أحياء الطبقة العاملة، لم يكن لدي الكثير من الاتصال المباشر مع مواقف الطبقة العليا التركية.

النخب الأميركية لديها أيضاً هواجس فيما يخص الجماهير، لكن علاقتهم مع الدين غالباً ملتبسة. على الأقل فهي ليست قضية عامة من النخبة "المتنورة، ذات العقول العلمية" إزاء الشعب "المتدين، أي المتخلف والمؤمن بالخرافات". ورغم أنني نشأت في عائلة متدينة، إلا أنني لا أملك أي ارتباط بالدين. عشت في مناطق مختلفة من أمريكا، وصادفت أدياناً مختلفة ومواقف مختلفة تجاه الدين. ولكنني لم أصادف أبداً مثالاً لمثل هذا الازدراء المطلق لدين وثقافة الجماهير.

بالإضافة إلى دهشتي الأولى، تعلمت في السنوات التالية أنه ليس من باب الصدفة أن يكون مجموعة من طلاب الطب هم الجناة لهكذا مزحة. فمنذ أوائل القرن التاسع عشر فصاعداً، كان الطب هو من ساند العلم، والتقدم، وإدخال الأفكار الغربية. كان بإمكان المحافظين تضييق الخناق على قنوات أخرى، لكن منهاج المدرسة العسكرية للطب  Askerî Tıbbiye، وفيما بعد نظيرها المدني، كانت "منطقة ليبرالية" لأنه كان من الهام جداً إنشاء دولة وجيش حديثين. من هنا فقد أصبح طلاب الطب معرضين للعديد من الأفكار الراديكالية القادمة من أوروبا والتي وضعت الأسس للأيديولوجيا الحداثوية الثورية –الاستبدادية- لجمعية الاتحاد والترقي. وبشكل ملحوظ، فإن المؤسسين الأصليين للمجموعة التي تحولت إلى جمعية الاتحاد والترقي كانوا أيضاً طلاباً  في نفس المدرسة العسكرية للطب. ومنذ ذلك الحين استمرت كليات الطب كمصدر لأيديولوجية تغريب راديكالي لكن مناهض للديمقراطية.

عاد إلي مثال ضريح (Bardakçı Baba ) مراراً على مدى السنوات بينما واجهت أمثلة  عديدة أخرى لمواقف الاستشراق الذاتي للنخب التركية إزاء جماهيرهم الشعبية. على سبيل المثال، تظهر النخب التركية بالمجمل مقاربة مضطربة بشدة للغة. سيلاحظ الأجانب بسرعة، محاولة أفراد من النخبة بشكل عام إجبار الأجانب على التكلم بالانكليزية حتى لو كان الأجنبي يتحدث التركية بطلاقة كبيرة. هل هذا ببساطة ليبرهنوا أنهم غربيون بأنفسهم، أم أن لذلك جذوراً أبكر وأعمق أيضاً؟ شخصياً، أنا أعزو هذا الموقف إلى الفترة العثمانية، عندما كان مصطلح "ترك" بالنسبة للنخب العثمانية هو ذمٌ ازدرائي (تقريباً مثل فظ/فلاح ريفي جلف، أو فلاح نص حر/شرير) يشير إلى فلاحين ريفيين؛ بشكل مُتزامن، استخدمت هذه النخب لغة تركية مختلفة عن اللغة العامية المستخدمة في القرى. فقط في السنوات القليلة الأخيرة للامبراطورية أُجبرت النخب العثمانية على تقّبل أن الهوية "التركية" هي أكثر خيار ناجع ضد القوميات الأخرى التي تتنافس على الأراضي العثمانية. واختيرت "تركيا" التي جاءت من " Turchia" الإيطالية في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر وطن الأمة الجديدة، لكن حتى في ذلك الوقت، تفاخر على الأقل جزء من نخبة القرن التاسع عشر بتكلمها الفرنسية واعتمادها نمط حياة فرنسي لتأكيد مؤهلاتهم الإفرنجية.

لهذا السبب، فإن تغيير الكتابة التركية من الأحرف العربية إلى اللاتينية، والجهد التالي في ثلاثينات القرن العشرين لتطهير اللغة من العناصر العربية والفارسية "غير المرغوب بها" (على الرغم من أنها لم تكن، ولا يمكن أن تكون، ناجحة كلياً)، يمكن أن تُفهم ليس فقط كمحاولة لاقتلاع وتحويل الذاكرة الاجتماعية من خلال القطع مع الماضي الإسلامي المكروه، لكن أيضاً هو جهد لإعطاء لغة القرويين الأناضوليين المحتَقرة سابقاً قشرة أوروبية سائغة أكثر. ولأن ذلك التعالي تجاه تركية الجماهير مازال موجوداً، ولأن النخب العلمانية التركية حدّدت منذ زمن طويل هدفها المتمثل في التغريب، فإن النخب التركية تسعى لإظهار هويتها اللسانية للجميع. ربما النتيجة الأكثر لفتاً للنظر هنا هي نزعة الطبقة الوسطى والعليا التركية لاستخدام الانكليزية إزاء الأتراك الآخرين بهدف التفاخر بالتفوق الطبقي والثقافي. ومن أجل ذلك، فإن العبارات والكلمات الإنكليزية متناثرة بأكبر سخاء ممكن في المحادثة التركية اليومية.  فيتذكر المرء باستمرار الارستقراطية الروسية في القرن التاسع عشر، التي عرفت أحياناً القليل جداً من الروسية (كانت الفرنسية شارة ذلك القرن لوضع النخبة الاجتماعي-الثقافي، وليس فقط في الإمبراطورية العثمانية) بحيث لم يتمكنوا من التواصل مع فلاحيهم.

يذكر حسن بولنت كهرمان، أيضاً، الأهمية الرمزية للغة في المجلد الثاني من دراسته حول البنى الاجتماعية-السياسية التركية. ففي عام 1932, غُيِّر الآذان بمرسوم دولة من العربية إلى التركية، ولن يتم إعادته إلى العربية لغاية العام 1950 في عصر حزب الديمقراطية. يفسّر كهرمان أهمية المسألة كما يلي:

يمكن الاقتراح أن نهج "التتريك"، إلى مدى معين يمكن أن يجعل الجماهير التي شعرت باتصال مع الإسلام تنفر، وقد ظُنَّ أن الشعور الناتج عن الهوية الجديدة المبتكرة حول الرموز قد توحدهم. الآذان، واحد من أهم رموز الهوية، قد قُبِل وسيترك في مكانه، ولكن سيُحَوَلُ (يُتَرَّك). بالتأكيد فإن هذا قد يغير الشعور المقبول والمهيمن بالانتماء وكذلك إدراك الهوية إلى حد مهم. إن هذا (الأذان التركي) يمكن بسهولة أن يؤكّدَ كواحد من أهم عناصر الموقف الإيجابي تجاه الاستشراق الذاتي الذي تطرقنا له سابقاً.(11)

يتبدى هذا الاستشراق الذاتي بطريقة أخرى وذلك من خلال الرموز التي اختارت نخب الدولة التركية أن تمثلها، وأن تبعث برسائل إلى الأمة. تأملوا معي مثلاً: عندما يذهب السائحون إلى لندن أو أثينا،فإنهم يعودون جميعاً مع صور حراس البرج الملكيين (حراس اليومن Beefeaters) أو حراس الملكة (The Grenadier Guardsmen)، أو الإفزونز (الحرس الوطني اليوناني Evzones) (والذين يمثلون المشاركين في حرب الاستقلال اليونانيةKlephts) عند مبنى البرلمان اليوناني. حتى الفاتيكان في روما ما زال يملك قواته من الحرس السويسري (Swiss Pikemen). كل هذه البقايا العسكرية هي رموز لهويات ثقافية وعسكرية تقليدية، وتعتبر أيقونات وطنية هامة.



المعادل التركي لهذه الرموز السياسية والعسكرية الوطنية، من جهة أخرى، هو الجنود الأتراك الحديثين حرّاس ضريح أتاتورك (Anıtkabir) في أنقرة أو قصر دولمة بهتشة (Dolmabahçe) في اسطنبول. هؤلاء الجنود هم على وجه التحديد رموز الجمهورية التركية، وحضورهم خاصة عند ضريح أتاتورك يُقصد به أن يكون تعبيراً سياسياً من النخب العلمانية التركية للبيروقراطية والجيش.

إحدى الرسائل المرسلة بالوجود العسكري هي مشروع النخب التركية للتحديث، التي لم تكتفِ برفض الماضي العثماني، بل أخذت خطوات مختلفة في محاولة لمسح هذا الماضي. لم تسعَ النخب التركية، مثل اليعاقبة، إلى تغيير النظام الاجتماعي فحسب، بل إزالة البقايا السياسية والثقافية للنظام القديم (ancien régime). ولهذا السبب لا يوجد رموز عثمانية عند ضريح أتاتورك، ويوحي الضريح نفسه (تأويل ألماني من منتصف القرن العشرين ل) بعمارة يونانية كلاسيكية.


يقدّم واحد من التماثيل عند ضريح أتاتورك تعبيراً سياسياً رمزياً آخر من طابع استشراق ذاتي بالكامل. يوجد في هذا التمثال هيئات ثلاثة ذكور: اثنان في المقدمة، يحدقان بثقة إلى الأمام نحو المستقبل، وواحد في الخلفية، رأسه منحني قليلاً مقارنة مع الآخرين(12). يرتدي الاثنان في المقدمة على التوالي كجندي، يُقصد به تمثيل الجيش التركي، وكمدني يحمل كتاباً، يُقصد به تمثيل نخب الدولة البيروقراطيين والنخبة المثقفة. أما الهيئة في الخلفية فترتدي كقروي أناضولي تقليدي، يتبع ويدعم البقية. فقط لجعل الفكرة أكثر وضوحاً، صُمّمَ ضريح أتاتورك ليكون المذبح الوطني، مركز الهوية الوطنية التركية، واختيرت هذه التماثيل لتبعث رسائل رمزية لجميع أولئك الذين جاؤوا لتقديم احترامهم في المثوى الأخير للأب الوطني.

حواشي المترجمة:
*التركي الرهيب: يوسف اسماعيل (1857-1898) وهو مصارع تركي محترف نافس في أوروبا والولايات المتحدة باسم التركي الرهيب خلا تسعينات القرن التاسع عشر، عُرِف بحجمه وقوته الكبيرين وصُنّف كواحد من أقوى ثلاثة أشخاص في العالم، إذ لم يهزم خلال مسيرته المكونة من 4 سنين، وقد مات مع 600 شخص؛ أثناء عودته إلى بلاده بعد جولة في الولايات المتحدة، إذ غرق تحت الماء قبل وصول الطاقم إليه بسبب وزن حزامه المحمّل بقطع ذهبية بقيمة 8000 إلى 10000 دولار. وهو أول من أُطلِق عليه اسم التركي الرهيب ولكن استخدم العديد من الآخرين هذا الاسم لاحقاً.

المراجع:
(1) Said, Edward.  Orientalism:  Western Conceptions of the Orient (London:  Penguin Books, 1995), p. 5.

(2) Ibid., p. 7.

(3) Ibid., p. 12.

(4) The “historical bloc” concept comes from Antonio Gramsci and has been repeatedly used by Hasan Bülent Kahraman in his series of studies on the sociological background of Turkish politics: Türk Siyasetinin Yapısal Analizi [A Structural Analysis of Turkish Politics], on which more below.

(5) This is why the CHP began talking about a “restoration government” after the 7 June 2015 parliamentary elections.  Their essential aim was and is to reestablish the status quo ante.

(6) See Hanioğlu’s Atatürk:  An Intellectual Biography (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011).

7) Kahraman, Hasan Bülent.  Türk Siyasetinin Yapısal Analizi, Cilt I:  Kavramlar, Kuramlar, Kurumlar [A Structural Analysis of Turkish Politics, Volume I:  Concepts, Theories, Institutions] ( Istanbul:  Agora Kitaplığı, 2008), p. 196.  The translation is mine.

The Turkish original is: “Batılı moderniteyi bir sistem ve zihniyet olarak kabul etmiş herhangi bir erkin, kendi dışında kalan evrene aynı doğrultuda yaklaşmasıyla da oryantalizm teşekkül edebilir.  Bu oryantalizmi jenerik oryantalizm olarak nitelendiriyoruz.  Türkiye’de Osmanlı modernleşmesinden başlayarak sürdürülen ve Cumhuriyet modernleşmesiyle birlikte doruğuna ulaşan, siyasal merkez tarafından büyük bir dikkatle kontrolde tutulan bu tür bir jenerik oryantalizmden söz edilebilir.  Bu oryantalizmi de öz oryantalleşme (self-orientalisation) olarak adlandırıyoruz.”  

(8) Kahraman, Hasan Bülent.  Türk Siyasetinin Yapısal Analizi, Cilt II: 1920-1960 [A Structural Analysis of Turkish Politics, Volume II:  1920-1960] (Istanbul:  Agora Kitaplığı, 2010), p. 270.  The translation is mine.

The Turkish original is: “Cumhuriyet idaresi geçmişi kendi meşruiyetini belirginleştirmek için toptancı bir yaklaşımla yok sayarken, bunu geri kalmışlıktan kurtulmanın bir aracı olarak öne çıkarmıştır.  Öz-oryantalistleştirme dediğimiz olgunun en önemli parametresi budur….  Buradaki kırılma noktasını elitlerin toplumsal ve siyasal dönüşümdeki rolü meydana getirecektir.  Çünkü (Batı tarzı) sömürgeciliğin Oryantalizme bağlı olarak gelişen modelinin kurucu ideolojisine göre, Batı dışı toplumlar geri kalmışlıkları nedeniyle ‘modernleştirilmeye’ muhtaçtırlar.  Bu görevi de ‘modernleştirici öncüler’ yerine getirecektir.  Öz-oryantalizmde bu öncüler seçkinlerdir.  Aynı şekilde, seçkin konumundaki entelektüeller de benzeri bir işlev ve etkinlik içinde bulunacaklardır.  Aydınlar Batılı görüşlerin sahibi olarak toplumu dönüştürecektir.  Dönüşüm Batılılaşma eksenine oturmak olacaktır.”
(9) In Islamic orthodoxy, building tombs or türbes are permitted but visiting them is not, since it is construed as appealing to and asking for the favorable intercession of the dead. Nevertheless, türbes,  whether of  actual individuals (such as a sultan or grand vizier or the grand admiral Barbarossa), or of popular saints, tend to become important in popular religion, and visiting them is tolerated because of the widespread mass reverence they elicit. Traditionally, people go to famous türbes to pray especially during religious holidays.

(10) http://www.milliyet.com.tr/2002/11/22/yasam/yas01.html

(11) Kahraman, Hasan Bülent.  Türk Siyasetinin Yapısal Analizi, Cilt II: 1920-1960 [A Structural Analysis of Turkish Politics], Volume I:  1920-1960 (Istanbul:  Agora Kitaplığı, 2010), pp. 277-278.  The translation is mine.

The original Turkish text is: … ‘Türkleştirme/Türkçeleştirme’ yaklaşımının İslam’a bağlı kitleleri bir ölçüde yabancılaştıracağı ve semboller üstünden gelişen bir yeni kimlik duygusuyla bütünleştireceğinin varsayıldığı öne sürülebilir.  En önemli kimlik sembollerinden birisi (ezan) kabul edilmekte, yerinde bırakılmakta ama dönüştürülmektedir (Türkçe’leştirilmektedir.)  Bunun egemen ve geçerli aidiyet duygusunu da kimlik anlayışını da önemli ölçüde dönüştüreceği kesindir.  Daha önce değindiğimiz öz-oryantalistleştirmeye dönük muhakemenin en önemli unsurlarından birisinin bu olduğu rahatlıkla vurgulanabilir.

(12) I was alerted to these statues by the cover of the 3rd edition of Eric Jan Zürcher’sTurkey: AModern History.

المصدر الأصلي للمادة:

1- انظر الرابط

2- انظر الرابط

3- انظر الرابط

 ترجمة: يسرى مرعي
مترجمة من سوريا، تترجم عن اللغتين الإنجليزية والروسية. تركز في ترجماتها على الدراسات التي ترصد علاقة الحداثة بالعمارة في الشرق الأوسط. إضافة إلى الاهتمام بالدراسات حول الإسلام اليومي والاستشراق.



آدم ماك كونيل

يدرّس التاريخ التركي في جامعة سابانجي في اسطنبول ويحمل شهادة الماجيستر والدكتوراه في التاريخ من نفس الجامعة.

إبراهيم قره غول - إلحاق الموصل وحلب بتركيا

أكتوبر 27, 2016 اضف تعليق
 
 ٢٦ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٦ (الحياة)
لو أن محاولة الانقلاب في 15 تموز (يوليو) الماضي نجحت لتحولت تركيا إلى كتلة من نار تتقاذفها حرب داخلية أهلية وحروب مع إيران وروسيا. هذا ما سعى إليه من وقفوا وراء تلك المحاولة. ورمى الانقلابيون الى إلهاء تركيا عما يحدث في العراق وسورية، من أجل مد ممر طويل يسيطر عليه حزب «العمال الكردستاني» الإرهابي وذراعه السورية من إيران إلى الساحل السوري عبر العراق، في ما يسمى مناطق كردية محررة. لذا، ليس ما جرى في 15 تموز محاولة انقلابية فحسب، بل محاولة لتقسيم تركيا والعودة بها الى حالها عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى. ولم يكن الهدف فحسب إعادة تركيا الى الارتهان للسياسة الأميركية والدوران في فلكها، بل استتباعها وإضعافها وتقسيمها، لأنها كبرت وزاد نفوذها في المنطقة زيادة لا نظير لها في الماضي القريب. وتعاظمت قوتها ووزنها فكان لابد من تقويض هذه القوة من طريق محاولة الانقلاب. وسعت أميركا والاتحاد الأوروبي إلى كسر شوكة تركيا، فحركا أذرعهما، اي حزب «العمال الكردستاني» وجماعة غولن، من أجل اراقة الدماء في تركيا، وتنفيذ مخططات تحويل تركيا الى سورية جديدة. وظهرت خرائط غريبة يظهر فيها الأناضول مقسماً. وهذا هدف الغرب منذ 40 عاماً، لا بل منذ الحملات الصليبية. لذا، نقول إن نزول الآلاف الى الشارع لم يكن تصدياً فحسب للمحاولة الانقلابية بل كان معركة تحرير حقيقية لإنقاذ تركيا من تلك السيناريوات والحؤول دون وقوع حرب بين إيران وتركيا وإفشال مشاريع الحرب مع روسيا. لذا، يجب ان ينتقل الدفاع عن تركيا بعد ليلة المحاولة الانقلابية من داخل تركيا الى خارج حدودها. فالدفاع عنها بدأ في معركة «درع الفرات» من أجل نقل المعركة الى الخارج والتصدي للأخطار من خارج الحدود التركية قبل وصولها الى اراضينا. و»درع الفرات» نموذج ناجح للإستراتيجية التركية الجديدة التي تمنع التهديد قبل بلوغه حدودها. ثم شهدنا مسرحية ظهور «داعش» وحزب «العمال الكردستاني» في كركوك، والهدف من هذه المسرحيات اقصاء تركيا من ساحة موازين القوى والاستفراد بالمنطقة. لكن الإستراتيجية التركية الجديدة، وقوامها الهجوم عوض الدفاع، أفشلت تلك المسرحيات، فرسخت دورها في بعشيقة ومن طريق المشاركة في القصف الجوي الذي بادر اليه التحالف الدولي لقوات «داعش» في الموصل.
وثمة إجماع اليوم على أن شمال العراق وشمال سورية هما المنطقتان الأخطر والأكثر هشاشة، وثمة مشروع لرسم خط يمر من خليج البصرة الى البحر المتوسط من خلال تقسيم المنطقة الى دويلات، ويمر هذا الخط من شمال العراق وشمال سورية. ويدور صراع دولي على رسم خريطة تلك المنطقة على وجه جديد. وجلي أن العراق وسورية خسرا، وربما الى الأبد، شمالهما الجغرافي. فلا العراق يبسط سيادته على شماله والموصل، ولا سورية تسيطر على حلب أو الشمال. فالتدخلات الدولية والإقليمية في حلب والموصل أقوى وأكثر نفاذاً من نفوذ العاصمتين فيهما. ومحاولة تهديد تركيا وتقسيمها التي بدأت بالمحاولة الانقلابية متواصلة الفصول الى اليوم. فسبحة التهديدات تكر في شمال حلب وشمال الموصل. وترمي الخطة التقسيمية الى زرع قوات هناك تهدد أمن تركيا. وعليه، لا شك في ان أمن تركيا وثيق الصلة بضبط شمال الموصل وشمال حلب أمنياً وعسكرياً والحؤول دون انفلات الأمور هناك على غاربها أو منع زرع منظمات ارهابية فيها أو فرض خطط عسكرية بالقوة.
والخط الرابط بين حلب والموصل هو خط الدفاع الجديد لتركيا. ومهما كان الثمن، لا مناص من هيمنة أمنية وعسكرية تركية هناك. وثمة من يحاول رسم خريطته الخاصة لإزعاج تركيا في كركوك والموصل وحلب. لذا، حري بتركيا ان تتحرك وتتدخل في حملة استباقية لإجهاض تلك السيناريوات. وإذا انتزعت مناطق شمال الموصل وحلب من سورية والعراق، على تركيا التحرك لضمان مصالحها هناك. وعليه، تمس حاجة تركيا الى التحرك باتجاه تل أبيض في سورية، وتلعفر في العراق. فنحن اليوم نجبه تحديات يتعذر معها الوثوق بالأصدقاء والحلفاء، فمستودع الثقة اليوم هو القوة في ميدان المعركة فحسب. وبعضهم يتوسل بـ «داعش» من أجل رسم خريطته الخاصة، وبعض آخر يستخدم حزب «العمال الكردستاني» لبلوغ اهدافه، وإيران (تستخدم) الميليشيات العراقية و»الحشد الشعبي» لمد نفوذها. وهذه محاولات وألاعيب موروثة من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكأن التاريخ يعيد نفسه في المنطقة لرسم خرائط جديدة. وهذه المرة لن تكون تركيا ضحية خطط الآخرين، وستسعى إلى إطاحتها.


* رئيس تحرير الصحيفة الإسلامية، عن «يني شفق» التركية، 24/10/2016، إعداد يوسف الشريف
للكاتب Tags not available

حين يصبح الفن حرية... السورياليون المصريون»

أكتوبر 26, 2016 اضف تعليق

 ياسر سلطان 
  الخميس، ٢٧ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٦ (الحياة)

في ثلاثينات القرن العشرين، هبَّت مجموعة من المستنيرين المصريين للدفاع عن الفن الحديث ضد السياسات الفاشية والنازية التي ظهرت في أوروبا في ذلك الوقت، رافضين العودة إلى عصور الظلام أو «القرون الوسطى»، كما جاء في بيانهم المعنون بـ «يحيا الفن المنحطّ».
كان من أبرز موقّعي هذا البيان جورج حنين وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفؤاد كامل. ودشَّن البيان لمجموعة من الممارسات الحداثية المرتبطة بواحدة من أهم المدارس والاتجاهات الفنية التي ظهرت خلال النصف الأول من القرن العشرين وهي المدرسة السوريالية، كما أسّس واحدة من أهم الحركات أو الجماعات الفنية التي ظهرت في مصر، هي جماعة «الفن والحرية».

ثورة على القواعد
ساهمت السوريالية كغيرها من المدارس الفنية التي ظهرت خلال القرن العشرين وما قبله في إزاحة الجدار الخانق الذي كان محيطاً بالممارسة الفنية بأن ألحقت به صور العقل الباطن والأحلام وربما الهلوسات أيضاً اعتماداً على النظريات النفسية لسيغموند فرويد وغيرها من الدراسات النفسية التي لفتت الانتباه إلى دور العقل الباطن كدافع للسلوك الإنساني، ما أضاف إلى الصورة الفنية ألقاً خيالياً جديداً ومثيراً إبداعياً للتعبير البصري. كانت السوريالية أشبه بثورة على القواعد والقوالب التقليدية، وصرخة في وجه السائد والتقليدي، وتأثر بها مبدعون كثر حول العالم، وتأثر بها العرب والمصريون كما تأثروا بغيرها من المدارس والاتجاهات الفنية الأخرى التي ظهرت في الغرب بممارساتها المختلفة.
ربما حظيت السوريالية بنصيب أوفر من الانتشار بين العامة مقارنةً بغيرها من المدارس والاتجاهات الفنية، ما ساهم في إضفاء شيء من الالتباس على مفهومها، فقد ارتبط اسمها في أذهان غير المتخصصين بكونها رمزاً للتحريف أو الشطط في تناول الأعمال الفنية. فتجد أحدهم يصف فناناً ما بأنه «سوريالي» لأنه لمس في أعماله بعض التحريف أو التناول الحر للأشكال الطبيعية. وهو توصيف غير دقيق بالطبع لما يتسم به من تعميم، فليس كل ما شابه بعض التحريف من الأعمال الفنية ينتمي إلى السوريالية.
عن جماعة السورياليين المصريين نظمت مؤسسة الشارقة للفنون بالتعاون مع وزارة الثـــقافة المصرية والجامعة الأميركية في القاهرة أخيراً، معرضاً ضخماً ضمَّ عدداً وافراً من الأعمال الفنية لفنانين مصريين. وأقيم المعرض في «قصر الفنون» في القاهرة تحت عنوان «حين يصبح الفن حرية - السورياليون المصريون». ومن المقرر أن ينتقل للعرض في الإمارات.
عند زيارتك المعرض ربما يتبادر إلى ذهنك هذا التوصيف غير الدقيق للسوريالية حين تكتشف أن جانباً كبيراً من الأعمال المعروضة لا يمت إلى السوريالية بصلة. هذا قبل أن تدرك أن منظمي المعرض بدلاً من التركيز على الممارسات التي تأثَّرت مباشرة بالسوريالية، قد أضافوا تجارب أخرى لفنانين معاصرين أو لاحقين لجماعة «الفن والحرية» وتأثروا، كما يقول البيان المصاحب للمعرض، بأهداف السوريالية أو فناني جماعة «الفن والحرية» التي تبنت أهدافها.

التأثر بالسوريالية؟
المعرض يبدو مربكاً لاتساع رقعة تناوله للسوريالية وأثرها على أعمال الفنانين المصريين من ناحية، واعتماده على حشد أكبر مقدار ممكن من الأعمال الفنية من دون التركيز على التجارب التي تُحقق المعنى والهدف المرجو من مفهوم العرض الذي يشير إليه العنوان، من ناحية أخرى. فعليك أن تبحث كزائر عن ملامح هذا التأثر بمستوياته المختلفة، كأثر السوريالية على أعمال عبدالهادي الجزار ومحمود سعيد على سبيل المثال، أو أعمال حامد ندا بمعالجاتها المستوحاة من الحارة المصرية. ففي أعمال هؤلاء لا يختلف أثر السوريالية عن غيره من تأثيرات المدارس الأخرى التي ساهمت في الخروج باللوحة أو العمل الفني من دائرة الحصار الكلاسيكي في التناول.
في معرض «السورياليون المصريون» يدفعنا المنظمون إلى البحث عن هذا الأثر الغائم أو التائه بين العديد من التأثيرات الأخرى في أعمال الفنانين المصريين.
وهو بحث ينطوي على مشقة والتباس لدى المتخصص، فما بالك بغير المتخصص الذي قد يقع في متاهة من التخمينات والتهويمات والتصورات المرتبكة التي ترسخ لهذا المفهوم المغلوط عن هذه المدرسة. فهل كان اتساع رقعة المعرض على هذا النحو هو نوع من ليّ ذراع المفهوم، للخروج بعرض ضخم ومثير من حيث الكم ومن حيث نوعية الأعمال النادرة التي يضمها؟ وماذا يحدث إذا غيّرنا كلمة «السورياليون» واستبدلناها على سبيل المثال بالتعبيريين أو التأثيريين؟ ونزعت الكلمة نفسها حتى من الفقرات التنظيرية لبيان المعرض المعلق على جدران القصر واستبدلناها بأي مدرسة من المدارس الحداثية الأخرى؟ المعرض بالفعل مثَّل فرصة لرؤية العديد من الأعمال التي لم يكن متاحاً رؤيتها لولا تنظيم هذا المعرض، منها ما هو مُخزَّن داخل متاحف الدولة، ومنها ما هو ملكية خاصة لأفراد.
ولكن ما يهمني كمتلقٍ في عرض يحتفي بالسورياليين المصريين هو الخروج برصيد بصري ومعرفي يطرح تساؤلات جديدة أو حتى قديمة حول هذا الاتجاه والدوافع التي استلهمت منها هذه الممارسات في مصر. غير أن اتساع رقعة العرض على هذا النحو أوجد نوعاً من التشتّت والارتباك، في ما عدا تسليط الضوء على تجارب بعينها، كتجربة المصور فان ليو على سبيل المثال. ومن أكثر الأشياء اللافتة كذلك في هذا المعرض هو خلوه من أي مطبوعة تتيح الاطلاع على دوافع المشروع أو النقاشات التي واكبت الإعداد له، خصوصاً أن مؤتمراً خاصاً بالعرض نُظّم العام الماضي في الجامعة الأميركية في القاهرة، وعرضت خلاله مجموعة من الأوراق البحثية لفنانين ونقاد مصريين وغير مصريين.

اللوبي الأمريكي «الواقعي» وسوريا

أكتوبر 26, 2016 اضف تعليق

جلبير الأشقر
Oct 26, 2016)القدس العربي

قبل عشر سنوات احتفلت أوساط عربية، ولا يزال بعضها يحتفل حتى يومنا، بمقال تبعه كتاب عن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية صدرا عن أستاذين جامعيين يُعدّان من الأسماء البارزة في أوساط السياسة الخارجية الأمريكية، هما جون ميرشايمر وستيفن والت. وبالرغم من أن الكاتبين ما انفكا يُقسمان أنهما شديدا الحرص على مصلحة الدولة الصهيونية وأمنها، أسقط عليهما عربٌ كثيرون رغباتهم بدون قراءتهما على الأرجح، أو بدون فهم ما قرَؤوه. فظنّوا أن الأستاذين من «أصدقاء العرب» في حين أن منطلقهما الذي جهرا به ولا يزالان هو «المصلحة القومية» للولايات المتحدة الأمريكية، تلك التي تُسمّى بكلام آخر مصلحة الإمبريالية الأمريكية.
أما الغاية الأصلية من مقال وكتاب الأستاذين عن اللوبي الإسرائيلي فكانت التغطية على تلك المصلحة الإمبريالية التي قادت إدارة بوش إلى احتلال العراق. فبعد أن تجلّى في سنة 2006، عند صدور مقالهما المدوّي، أن ذلك الاحتلال قد تحوّل إلى كارثة بالنسبة للسياسة الأمريكية، عزاه الأستاذان إلى تأثير اللوبي الإسرائيلي، وذلك بالرغم من أن اللوبي المذكور اعتبر أن إيران أخطر بكثير على إسرائيل من العراق الذي كان مدمّراً ومشلولاً عندما جرى احتلاله. والكل يعلم كيف أن لوبي الصقور الإمبرياليين الأمريكيين، ممثلاً بجماعة «المشروع من أجل قرن أمريكي جديد» التي انتمت إليها معظم الوجوه البارزة في إدارة جورج دبليو بوش، ذلك اللوبي كان قد دعا منذ عام 1998 إلى احتلال العراق و«تغيير النظام» فيه لقناعته بأن استكمال سيطرة أمريكا على نفط منطقة الخليج هو ركيزة رئيسية من ركائز ضمان استمرار هيمنة أمريكا على العالم في القرن الواحد والعشرين. 
وما كان بوسع ميرشايمر ووالت أن يختلفا مع هذا المنطق الأخير على الإطلاق حيث أن المدرسة «الواقعية» في السياسة الخارجية الأمريكية التي ينتميان إليها (هنري كيسنجر هو أشهر أعلامها الأحياء) لا تقلّ حماساً في الدفاع عن المصلحة الإمبريالية الأمريكية من منافسيها الذين يتهمهم «الواقعيون» بتغليب الاعتبارات الإيديولوجية (وبالطبع ينفي المعنيون التهمة باشمئزاز، خاصة إذا كانوا من الصقور). والحال أن ميرشايمر ووالت يحذّران اليوم من أي تدخّل للولايات المتحدة في سوريا وفقاً للمنطق الإمبريالي الصريح ذاته. فقد نشر ميرشايمر في بداية عام 2014 مقالاً برنامجياً في مجلة «ذي ناشيونال إنترست» (المصلحة القومية)، وهي مجلة «الواقعيين»، يؤكد فيه بما يخص الشرق الأوسط على ما يلي:
«لنكن واضحين، فإن الدول المنتجة للنفط في الخليج الفارسي هي وحدها التي تحتل مكانة استراتيجية هامة بالنسبة للولايات المتحدة، وليس كل بلد في الشرق الأوسط الكبير. وينبغي على واشنطن بصورة خاصة الاهتمام بمصير إيران والعراق والكويت وقطر والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لأن واشنطن تريد أن تتأكد من أن نفط هذه الدول يتدفّق بصورة غير منقطعة إلى الأسواق العالمية. أما دول الشرق الأوسط التي لا تحوز على الكثير من النفط، فإن أهميتها الاستراتيجية محدودة بالنسبة للولايات المتحدة. وهي تضم مصر وسوريا، وكذلك إسرائيل والأردن ولبنان واليمن. هكذا، فلا معنى للأمريكيين في أن يبالوا كثيراً بما يحصل في مصر وسوريا، وكم بالأحرى في أن يفكّروا بالتدخل العسكري في هذين البلدين. وباختصار، فإن ما يحصل في القاهرة ودمشق ليس له سوى تأثير محدود على الأمن الأمريكي».
ومن هذا المنطلق، خصّ ميرشايمر الموضوع السوري بمحاجة طويلة قصد بها التحذير من استمرار إدارة باراك أوباما في النهج الذي رأى فيه الأستاذ الأمريكي تدخلاً يرمي إلى الإطاحة بالنظام السوري، بينما دعا هو إلى التعاون مع بشّار الأسد. بل حدا الأمر ميرشايمر إلى انتقاد أوباما إزاء ما سمّاه الرئيس الأمريكي «الخط الأحمر» المتعلق بالسلاح الكيماوي في سوريا، ليس لعدم تنفيذ أوباما تهديده بالتدخل في حال جرى استخدام السلاح المذكور، بل لأنه عيّن هذا السلاح «خطاً أحمر» بالأصل، وحجة ميرشايمر الخارقة أن السلاح الكيماوي ليس سلاح دمار شامل! من جهته، لم يقصّر ستيفن والت بالإسهام في التصدّي لكون الولايات المتحدة «لا تزال ملتزمة بتفكيك نظام بشّار الأسد» على حدّ تعبيره في مقالة حديثة له في مجلة «فورين بوليسي» (السياسة الخارجية) كرّسها للتنديد بأي دعوة لإسهام أمريكا في محاربة النظام المذكور لدواعٍ إنسانية.
هكذا فإن حرص إدارة أوباما على عدم التسبّب في سقوط النظام السوري، لا سيما من خلال فرض حظر صارم على تسليم دفاعات جوّية للمعارضة السورية كما في عزوفها عن تنفيذ تهديدها الخاص بالسلاح الكيماوي، يتحوّل هذا الحرص في مخيلة ميرشايمر ووالت إلى إصرار على تفكيك النظام عينه. فينجلي في نهاية المطاف أن «واقعية» الأستاذين لا تعدو كونها في الحقيقة ضرباً من ضروب الهلوسة.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

بشير المفتي... شيخ

أكتوبر 26, 2016 اضف تعليق
اليوم دخل شيخ بعمامة بيضاء وقميص طويل أبيض ولحية بيضاء وسألني عن رواية "صهيل الجسد" لأمين الزاوي ثم قبل أن اقول له أنها غير موجودة راح يحكي: لقد عرفت أمين في دمشق هل تعرف بانهم طردوه من دمشق بسبب هذه الرواية وأنهم أغلقوا دار النشر لان شيوخ الدين ومنهم البوطي وقعوا بيانا ضدها... قلت له ليس لي علم بذلك.. قال: أنا قرأت الرواية وأحضرتها معي للجزائر وقدمتها للشيخ محفوظ نحناح كان لتوه خارجا من السجن.. وأضاف الشيخ محفوظ كان يقرأ كل شيء... كان يظهر على الشيخ من ملمحه أنه لا يقول كل شيء، طبعا هو يتحدث عن مرحلة كانت فيها خصومات ايديولوجية بين التيار الاسلامي واليسار ولا أظن كانت القراءة في ذلك الوقت بريئة...



بعدها دخل شيخ كذلك لكن بملابس عصرية عادية وتوجه للكتب بالفرنسية وقعد يبحث كالنملة حتى عثر على كتاب لكارل بوبر... لم يعجبه السعر وقال مرتفع ثم خرج دون أن يكلمني استأت من تصرفه لكنه عاد بسرعة وأخذ الكتاب وقال لي آخذه إنه مهم ضحكت... وبعد أن اقتنى الكتاب واحسست أنه استراح من طنينة الذبانة التي كانت تطن في رأسه قال لي تعلمت القراءة في صغري وهي أجمل ما تعلمت سألته ماذا تعمل؟ قال مدرس رياضيات، لكني أحب قراءة الأدب الفلسفة، التاريخ، وبقينا، لا أدري كم مر من وقت استمع له يتحدث عن النظرية الدينية منذ نشأتها إلى الآن بدقة عجيبة، ثم انتقل إلى كارل بوبر والعلم... سألته: يبدو أنك ملم بكل شيء رد عليّ: لا ، ما يزال أمامي الكثير... لقد شكرت والدي أنه علمني القراءة في الصغر وهي ذخيرتي الأجمل في هذه الحياة ..



مشاهير لم يتغيروا على مدى سنوات

أكتوبر 26, 2016 اضف تعليق
يرى الكثيرون أن جمال المشاهير "أبدي"، وأنه مهما تقدم بهم العمر فإن الشيخوخة تفشل في الوصول إليهم.
ونشر موقع "ويمنز ويكلي" صوراً لبعض مشاهير هوليوود الأكثر جاذبية، والذين نجحوا في الإبقاء على بشراتهم النضرة وشعرهم الفاتن على رغم مرور سنين عدة.
وفي وقت سابق من هذا العام، كشفت الممثلة الأميركية جنيفير أنيستون (47 سنة) أن السر وراء شبابها الدائم هو "الضحك"، خصوصاً مع زوجها الممثل الأميركي جستين ثيروكس، كما نصحت بـ" وضع الفازلين حول العينين في الليل لترطيب المنطقة والجلد".
واعترفت المغنية جنيفير لوبيز (47 سنة) أنها تعتمد في شكل كبير على كريم واقي الشمس SPF والكثير من النوم، مضيفةً أنها تحصل على غسول الوجه من طبيب الأمراض الجلدية، خصوصاً وأنها كانت تضع الماكياج لسنوات طويلة. ونصحت بتجنب التعرض للشمس لفترات طويلة.

أما الممثلة ساندرا بولوك التي تجاوز عمرها اليوم الـ50، فقالت: "أحب البقاء نشيطة طوال الوقت وذلك من طريق التنويع في التمارين الرياضية، فأنا ألعب البيلاتيس والكيك بوكسينغ، إضافة إلى رفع الأثقال".
وأشارت المغنية غوين ستيفاني (47 سنة) إلى أنها كانت تمارس التمارين الرياضية كثيراً، لكنها قلّصت المدة بعدما شعرت بأن جسدها يحتاج إلى الراحة، وقالت: "أحاول التركيز الآن على الشعور الجيد بدلاً من إجهاد نفسي".
وقالت الممثلة جوليا روبرتس (48 سنة): "دائماً ما أنظف أسناني بالبايكنغ صودا. لقد تعلمت ذلك من جدي، الذي لم يُصب سوى بتسوسٍ واحد في ضروسه طوال حياته".

ويمكن القول أنه على رغم من توافر أسهل الطرق التي يلجأ إليها المشاهير من عمليات جراحية وحقن وكريمات باهظة الثمن، فإن ذلك لن يضمن لهم التقدم في السن بصورة صحية، إلا أن بعض المشاهير اختاروا الطرق الطبيعية دون الحاجة إلى زيارة عيادات جراحة التجميل، من مثل ممارسة الرياضة وتعزيز الرضا بالنفس والضحك، إضافة إلى العديد من العوامل الأخرى التي يمكن لأي شخص أن يقوم بها.

عن الحياة

مستشرق إسرائيلي: دعم أمريكي روسي لحرب اقتلاع السنّة

أكتوبر 25, 2016 اضف تعليق

توقف مستشرق إسرائيلي بارز عند معركة الموصل والحرب في سوريا، ودلالاتهما على ما يجري في عموم المنطقة.

وقال البروفيسور إيال زيسر، المحاضر في جامعة "تل أبيب" وأبرز المستشرقين الإسرائيليين، إن كلا من الحكومة العراقية ونظام بشار الأسد، وبتوجيه إيران ودعم من الولايات المتحدة وروسيا يسعيان لإحداث تغيير ديموغرافي يطال السنّة في البلدين ويقلص عددهم بشكل جذري.

وأوضح زيسر أن العمليات العسكرية التي يخطط لها المحور الشيعي في كل من سوريا والعراق تهدف إلى طرد السنّة أو أكبر عدد منهم من منطقة "الهلال الخصيب"، لا سيما المناطق التي تقع على ضفاف نهري الفرات ودجلة والمناطق الساحلية من سوريا.

واعتبر في مقال نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" في عددها الصادر اليوم، وترجمته "عربي21"، أن الأهالي السنة الذين يفرون حاليا من "الموصل" ويتحولون إلى لاجئين في الخارج يكملون مشهد الطرد الجماعي الذي يتعرض له السنة حاليا في سوريا، منوها إلى أن ملايين السنة قد فروا من العراق وسوريا حتى الآن.

وأوضح زيسر أن الهلال الخصيب الذي كان يقطنه قبل عقد من الزمان 20 مليون سني، أي ما كان يمثل 60% من السكان في سوريا (75 في المئة في واقع الحال- "عربي21")، وثلث السكان في العراق، لم يتبق منهم الآن إلا أربعة ملايين نسمة. 

وذكر أن نظام الأسد طرد حتى الآن ثمانية ملايين سني، مشيرا إلى أن تصريحات بشار الأسد الأخيرة بشأن عزمه على استعادة بعض المناطق يعني أن ثلاثة ملايين سني "في بؤرة استهدافه، وأنه عازم على طردهم من هناك".

واعتبر زيسر أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا تلعب دورا مباشر في مساعدة إيران على تنفيذ المخطط.

وقال زيسر إن الغطاء الذي تمنحه روسيا للمليشيات الشيعية لتنفيذ جرائم حرب في سوريا، والغطاء الذي تمنحه الولايات المتحدة للمليشيات نفسها في العراق يدلل على أن طرد السنّة من المنطقة يحظى بدعم القوتين العالميتين.

وأشار زيسر إلى أن استكمال الحرب على الموصل يعني أن المزيد من ملايين السنّة سيتحولون إلى لاجئين في الأردن ولبنان وتركيا وبقية أصقاع العالم.

وشدد زيسر على أن ما يتم في العراق وسوريا هو "تطهير عرقي بكل ما في الكلمة من معنى، لكن العالم يرفض تسمية الأمور بمسمياتها".

وأشار زيسر إلى أن وجود "داعش مثل هدية" لأولئك الذين يرون أن مصالحهم تتحقق في إعادة صياغة حدود الشرق من جديد.

ورأى زيسر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعي تماما حقيقة الأهداف من وراء الحرب على الموصل، وهو "ما يدفعه للتصميم على تدخل تركيا على أمل أن تسهم في تقليص قدرة الآخرين على تحقيق أهدافهم المتمثلة في طرد السنّة من هناك"، علاوة على أنه "غير معني أيضا بأن تقع المدينة تحت سيطرة الأكراد، ما يغريهم بالإعلان عن دولتهم شمال العراق بما يهدد العمق التركي". 

محمد عبد الحميد بيضون: أقنعة الوصاية٠

أكتوبر 25, 2016 اضف تعليق

تتكرر أمامنا بإستمرار خلال فترة الفراغ كلمات الالتزام الاخلاقي والوفاء وأخيراً "التضحية"٠حزب الله ملتزم أخلاقياً بميشال عون واليوم يخبرنا انه قدّم تضحية كبيرة أيضاً لأجل شخص ميشال عون ٠هذا الحزب ضحّى بالدستور والمؤسسات وأوصلنا الى الانهيار الاقتصادي فوصلت ارقام البطالة وهجرة الشباب الى مئات الألوف ووصلت معاناة الشعب الى حدود الغرق بالنفايات وطبعاً غرق البلد كلٌه في الفساد ووضع اليد على الموارد العامة ولقمة عيش الفقراء٠
كل ذلك لم يعنِ شيئاً للحزب واتباعه بل بقيت الدعاية أو التضليل السياسي تقول ان الفراغ هو لأجل الوفاء والالتزام الاخلاقي بميشال عون٠الحزب يضحّي من اجل الشخص ولا تعنيه التضحية لأجل الشعب والوطن٠فليعاني الشعب من الفقر والعوز والتهجير والبطالة٠يستطيع الشعب الانتظار أم الوفاء لعون فلا يستطيع٠
أيضاً في سوريا التضحية أو التضحيات هي لاجل الشخص٠مجازر العصر ترتكب في سوريا ٠اكبر جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وعملية تدمير شاملة لكل المدن وتهجير بالملايين وكل ذلك وفاءً للشخص٠
فظاعة ووحشية غير مسبوقة تعلقهم بالشخص وعدائهم للشعب٠اشخاصهم لا يعرفون سوى التضحية بالشعوب وبحياتها٠
لكننا لن نصدق روايتهم لأنهم لا يقيمون وزناً للأشخاص ٠الوزن الحقيقي هو للوصاية ونفوذها٠
الالتزام الاخلاقي والوفاء هو للوصاية ومصالحها واشخاصهم مجرد أقنعة للوصاية٠