سوناتا زرقاء"، للشاعر الأمريكي جون آشبري

سبتمبر 29, 2016 اضف تعليق
الترجمة الكاملة لقصيدة "سوناتا زرقاء"، للشاعر الأمريكي

جون آشبري:
قَدِيماً كان الماضي آخذاً في التشكل على هيئة الحاضر
والحاضر ليس إلا الإنطلاقة في طريقٍ جديدٍ وبلا معالم
إذ أن الحاضر الذي شوهد مرةً من البعيد، هو قدرُنا، أيّاً كان ما يجري علينا.
والماضي، الماثلُ أمامنا، والذي منه جُبلت ملامحنا وظنوننا، نكون النِصفَ منه ولا نكترث لبقيتِه
نحن نرى أمامنا ما يكفي من المسافة لكي تظل بقيتُنا مضمرةً في الجوار الذي هو ساعةُ الغلس.
نحن نعرف أن هذا الآونة من النهار تأتي كل يوم ونشعر بها، إذ هي جديرة بذلك، 
كما هو جدير بنا أن نظهر على طبيعتنا في هذا الشوط الذي نحن فيه وليس في يومٍ آخر،أو مكانٍ آخر.الوقت توائمنا خُيلائُه، طالما
لا نتزحزح عن موقفنا، عن نفَسَ التحول، قبل أن يُرى التحولُ، أو يتخذ كلَّ المظاهرِ التي يدل عليها، الآن.
الأشياء التي غدت موضع حديث
قد أتت وغادرت ولمّا تزل قيد التذكّر
كما لو كانت طارفةً. هنالك ذرةٌ من الفضول
في أساس شيءٍ جديدٍ ما، يكشف عن
علامة الإستفهام خاصته كموجةٍ جديدةٍ على الساحل.
في شروعنا لأن نعطي، لأن نتخلَّى عمّا مَلَكْنا،
أدركنا أننا قد إكتسبنا أو تم إكتسابنا
من قبل ما كان يشق طريقه، مزدهياً بلمعة 
الأشياء المنسيّة والمستعادة حديثاً.
كل صورةٍ تأخذ مكانها، بطمأنينةِ
أننا لا نملك الكثير، نملك ما يكفي فحسب.
نحن نحيا في تنهيدة حاضرنا.
لو كان ذلك هو كل ما يمكن أن نتحصّله
لاستطعنا أن نعيد تخيّلً النصف الآخر، نستنتجه
من هيئة ما يُشاهد، وبذا
يتمّ إدماجه في مفهومه 
حول خطوتنا التالية. سيكون محزناً أن نتطابق مع الفراغ المتولد من كوننا لم نصل بعد،
كي نتفوه بالخطاب الذي ينتمى الى هناك،
لأن التقدم يحدث عبر إعادة اختراع 
هذه الكلمات من تذكرٍ باهتٍ لها،
في إنتهاك ذلك الفراغ بطريقةٍ 
تتركه على حاله. لكننا في النهاية
ننتمي إلى هذا المكان، وقد تحركنا لمسافةٍ 
معتبرة؛ ومرورنا هو ديباجة.
غير أن تفهـّمنا له أمرٌ مبرر.
ترجمة غ خ
عن صفحة الشاعر غسان الخنيزي

عصر التنوير السوري برعاية (سيرياتيل)

سبتمبر 28, 2016 اضف تعليق


خلف علي الخلف – الغراب
ظهرت الشاعرة السورية رشا عمران مؤخراً ضيفة على برنامج المشهد الذي تبثه قناة بي بي سي الناطقة بالعربية وتقدمه الإعلامية اللبنانية جيزيل خوري.
ودار الحوار حول المهرجان الذي أسسه والدها الشاعر السوري [أيضاً] الراحل محمد عمران في قريته وإدارتها لهذا المهرجان بعد رحيل والدها، وكذلك تطرق الحوار لعلاقتها بالثورة السورية والمعارضة والمخاطر التي تعرضت لها جراء موقفها الذي انحازت فيه للثورة السورية.
قبل هذا اللقاء لم تكن الشاعرة رشا عمران تحسب على المثقفين والناشطين السوريين القادمين من خلفية علوية الذين تاجروا بصفتهم هذه بعد انضمامهم للثورة السورية، التي أفادوا من انتسابهم لها أكثر من الذين بقوا في أحضان النظام.
ولطالما سخرت من هؤلاء المتاجرين [وهذا لتقييد الإطلاق وحصر التعداد، لأن الماء السوري عكر؛ ويمكن لي أن أذكرهم فرداً فردة تجنباً للتعميم]؛ حتى أني شكرتهم [المتاجرين] ساخراً ذات مرة واعداً إياهم [دون صفةٍ] أن نضع “تعاطفهم” مع ثورة الشعب السوري حين ينتصر على الطغاة في متحف يخص الشعوب الصديقة التي وقفت وتضامنت مع السوريين في ثورتهم؛ وذلك قبل أن تتحول لمحنة ومأساة على يد النظام والأنظمة الصديقة للنظام.
إذاً، يمكنني القول دون مواربة أني حضرت مقابلة الزميلة الشاعرة رشا عمران فعلاً! وأجبرت نفسي على إتمامها! حيث أرسلها لي فاعل خير، كان قد حضرها قبلي وقرر متطوعاً إعلامي بآخر “الحوارات” [بالمعنى المصري للمفردة] التي طرفها سوري؛ وكنت أمام خيارين:
الأول:
أن أنشر ما علقت به لمرسل اللقاء واستفيض حول تاريخ المهرجان الذي أسسه الشاعر السوري محمد عمران، والذي ورثته ابنته الشاعرة السورية [أيضا مرة أخرى] رشا عمران بعد وفاته دون أي حاجة لتعديلٍ دستوري، ودوره في تشكيل تاريخ سوريا المعاصر، التي كان اجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص في أي بقعةٍ منها بحاجةٍ لإذنٍ من فروع المخابرات قاطبةً، فما بالك باجتماع أربعة ألاف شخص في الهواء الطلق لحضور أمسية “حوارية” للمعارض اللبناني البارز أدونيس!
وكذلك حول دور الزميلة الشاعرة رشا في صناعة وهندسة وتفجير الثورة السورية! التي ستجد خمسة ملايين سوري على الأقل لديهم وثائق من بان كي مون تثبت تفجيرهم للثورة وقيادتها حتى وصلت بر الأمان وحققت الحلم الديموقراطي المنشود [أي أن الزميلة الشاعرة رشا ليست وحيدة في هذا الإدعاء].
الثاني:
أن أستعير الحكمة الخالدة التي لقنّي إياها صغيراً المرحوم خلف الفياض حينما كنت أتطوع لأعمل كصبي لديه وهو يصنع القهوة المرة في بيتنا “يا ابن اخوي اذا واحد كذب كذبة نحبسه؟! فأجيب معتمدا على فراستي في معرفة التوجيه المبطن نحو الإجابة الصحيحة: لا. لكنه يكرر بجدية: لا بلكي نحبسه! فأرد وقد عرفت أنه أحب هذه اللا: لا ما نحبسه.. كل الناس تكذب”! فاخترت الخيار الثاني!
لكن كتابة الصحفي راشد عيسى مقالاً في جريدة القدس العربي يذكر فيه بعض الحقائق التي صمتُ عنها؛ جعل الموضوع “مشوقاً” خصوصا بعد أن قام سوريون [كتاب وصحفيون وإعلاميون وهلم جرا] بحفلة تضامن مع الزميلة الشاعرة رشا عمران بوصفها ضحية [لجليل خوف الله] راشد عيسى الذي يكتب معقباً على برامج تلفزيونية كثيراً. مما جعلني أخرج عن الخيار الثاني وأنضم نسبياً للخيار الأول دون المرور بالطريق الثالث.
ماكتبه راشد عيسى كمعلومات صحيح جدا، بل وينقصه الكثير وأظنه يعرفه، لكني سأضيف أيضا أن المهرجان [حسب معلومات شفهية من أصدقائها الذين كانوا على مائدة مهرجان الوالد] إضافة للرعاية الرسمية له، فقد مولته سيرياتيل التي كانت ترعى الديموقراطية قبل الثورة لدورة واحدة من دوراته على الأقل؛ وهذا تفصيل هامشي كي لا يطالبنا أحد بإبراز الفواتير.
وإضافة لكل ماذكر ومالم يذكر عن المهرجان الخالد؛ فقد أدارت الزميلة الشاعرة رشا عمران مهرجان أبوها لحسابها الشخصي [وهذا حقها] لتضع اسمها على قائمة الدعوات للمهرجانات العربية الشقيقة والأجنبية الصديقة! وهذا كان طبيعيا وعاديا وياسيدي مقبولاً! لكن أن يتم تحويله بعد أن استنفد مهمته ومات إلى مشروع وطني قومي نهضوي تنويري ديموقراطي ثوري فهذه يلزمها أن يكون النظام قد أبادنا جميعا أو مسح ذاكرتنا.
وطالما فُتحت سيرة عصر الأنوار الذي كان يجري فيه هذا المهرجان التنويري الثوري، لابد من ذكر مهرجان تنويري آخر في حصين البحر في ذكرى رحيل زميلي المسرحي سعدالله ونوس يدعى له مثقفون تنويريون من مشارق الأرض ومغاربها منحازون لآلام الشعوب، وقفوا [بالصدفة] جميعا في صف النظام التنويري أو صمتوا؛ ومهرجان ثقافي فكري تنويري آخر تحت يافطة جمعية العاديات المرخصة في حلب لكن المهرجان يجري [صدفة] في جبلة تحت إشراف المعارض اللبناني البارز أدونيس!  وتؤازر هذه المهرجانات داري نشر بارزتين؛ وذلك لنشر التمخضات والإرهاصات الفكرية لعصر التنوير السوري في ظل سيرياتيل؛ أولهما لإبن الروائي “المرحوم” حيدر حيدر وهي الدار الوحيدة التي كان يتاح لها أن تنشر ماتريد دون موافقات أمنية؛ والأخرى للروائي اليساري الذي انقطعت اخباره منذ قيام الثورة نبيل سليمان.
أما حديث الزميلة الشاعرة رشا عمران بصفتها أم الثورة التي هي ابنتها وتربت وترعرعت في حضنها فهو من “الهرتلة” التي يخجل أي قليل عقل عن التفوه به.
ومع ذلك فإن قصة نزوحها المؤلمة إلى فرنسا بتأشيرة عاجلة؛ بعد رجاء ضباط المخابرات الحار لها، يجب أن تقدم بسببها إلى محكمة ثورية عادلة ما أن تنتصر الثورة المرحومة! لأن هؤلاء الضباط يعرفون وهي تعرف كذلك أنه بمجرد خروجها ستموت الثورة.. ومع ذلك خرجت.
هناك مقولة تنسب لجحا وحميره العشرة كنا اتخذناها في موقع جدار الثقافي شعاراً لفترة طويلة [الذي كان محجوبا في سوريا يوم كانت رشا وسيرياتيل ومهرجانات عصر الأنوار يؤسسون سوريا الديموقراطية الحديثة]:
ليس مطلوبا من المثقف العربي أن يكون نزيها؛ لكن عليه فقط أن يكف عن ادعاء النزاهة.

خالد مطلك... الى الدكتور الفاضل يوسف زيدان ... لست ملحدا حديثا .

سبتمبر 27, 2016 اضف تعليق

الإيمان البارد والإيمان المعتدل ؟!
انا مسلم، ولدت هكذا في عائلة مسلمة، والإسلام واحد من اهم ثلاثة أديان سماوية مهمتها الجوهرية تقديم راحة معنوية للإنسان الذي يربكه قلق الوجود ومعنى الحياة .
الايمان أخذته عن امي، مثلما أخذت عنها لهجتي، تعلمت لهجات كثيرة وبعض اللغات، لكنني لا انطق مشاعري العميقة الا بلهجتها .
في حياتي كلها تقريبا، لم اصغ بعمق لرجل دين، ولم اقرأ كتابا في الفقه، ولم اتعامل مع احداث التاريخ بجدية، مثل اي انسان اخر، ترد في رأسي أسئلة عن " الله " وارتبك أمامها .. ثم أنساها في زحمة حبي للحياة وعظمة مباهجها .
حتى صادفت (ايمانويل كانت) اعظم فليسوف بتقديري وبفهمي المتواضع له ، وجدت ان "الله" ليس موضوعا للعقل، وإنما مادة للاخلاق . فاحتفظت بإيماني البارد في قلبي ، لم استخدمه مقياسا لتقييم الناس ، ولا وسيلة للاختلاف معهم ، إنما كعزاء شخصي ومعنوي عن وحشة الوجود وجدواه، لان الناس في اعتقادي هم (صنف واحد) خلقوا من (خلية) واحدة .
الايمان البارد لا يعني في قاموسي (الاسلام المعتدل ) الاسلام هو فهم بشري للدين ، والبشر بطبيعتهم يختلفون في فهم الامور ويتطرفون بها حسب مصالحهم وامزجتهم الشخصية .
لست متصوفا ، ولست ملحدا ، ولست بينهما ، انا انسان يحمل في قلبه شيئاً من الايمان ..
* على شاهدة قبره، طلب ايمانويل كانت ان يكتب : 
"شيئان فقط يثيران اعجابي الدائم : السماء المليئة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في قلبي "
انا ايضا مندهش كطفل، بالسماء المليئة بالنجوم، واندهش كثيرا كلما حدثوني عن عظمة الكون الذي يتمدد في اجزاء اللحظة، واندهش اكثر عندما اقرا عن الأكوان الموازية، واندهش اكثر واكثر عندما أصادف شخصا لا يتحرك على مسرح هذه الحياة، الا انطلاقا من قانونه الاخلاقي الراسخ في وجدانه ..

محمد عبد الحميد بيضون: اغتيال الكاتب ام اغتيال المنطقة؟

سبتمبر 27, 2016 اضف تعليق

اغتيال الكاتب (الكاتب وليس المُستٓكتٓب المرتزق) هو انتزاع جزء مهم من روح الشعب ومن قلبه ٠هو جريمة همجية تنزل بمرتكبيها الى أسفل درجة من درجات الحثالات وتجعل الأمة ترتجف وتدمع لأن جزءاً من مستقبلها تم اغتياله مع اغتيال الكاتب٠
طبعاً مناسبة الكلام هو جريمة اغتيال الكاتب ناهض حتّر في عمَّان في مسار النكبة التي تحل في منطقتنا والمناسبة نفسها تضع أمامنا لائحة أولية بإغتيالات يجب النظر اليها بعمق والعمل على اقتلاع جذورها ومنابتها:
أولاً : اغتيال العقل في ايران٠
ثانياً :اغتيال الربيع العربي٠
ثالثاً : اغتيال الانسان في العراق٠
رابعاً :اغتيال الشعب في سوريا٠
خامساً : اغتيال الدولة في لبنان٠
هذه الاغتيالات سلسلة واحدة اساسها تصدير المذهبية والطائفية الذي تقوم به ايران لضمان امتداد نفوذها وتوسعها الإمبراطوري الكاريكاتوري وأداتها الرئيسية او الوحيدة هي تشكيل وتمويل وتدريب الميليشيات حيث طالت أيديها ٠
الميليشيات من الحرس الثوري الإيراني قامع الثورة الخضراء مروراً بالحوثيين والميليشيات العراقية وصولاً الى ميليشيات الاسد وحزب الله الى الميليشيات التي نشأت في كنف المخابرات الايرانية والسورية وبرعايتها من أمثال داعش والنصرة وغيرها،هذه الميليشيات هي التي تغتال المنطقة وتفكك دولها و ترتكب ابشع المجازر بشعوبها ولا علاج او استقرار او ازدهار للمنطقة الا بإنهاء هذه الميليشيات ونزع سلاحها تمهيداً لسيادة الدستور والقانون وليس شريعة الغاب٠
لا ننسى ان ربيع تونس نجح لأن تونس لم تعرف الميليشيات وأحزابها رفضت منطق الميليشيات رغم محاولات ايران الحثيثة لتشييع قسم من اَهلها كبداية لتشكيل الميليشيا٠
الأهم ان المنطقة تعيش اليوم على وقع ما يُسمى "الحرب على الاٍرهاب " والمواطن فريسة التضليل الإعلامي والسياسي ينسى ان شعار الحرب على الاٍرهاب هو أصلاً شعار إسرائيلي كان الهدف منه طمس الهوية الفلسطينية وإخفاء الهدف الأصلي للحرب وهو إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره اي الشعار منحوت لأجل اخفاء الهدف من الحرب٠
اليوم أيضاً "الحرب على الاٍرهاب " شعار تضليلي يخفي أهداف الحرب وهي توسيع نفوذ ايران والبعض يقول هزيمة السنّة في العالم العربي ولا يعالج جذور المشكلة وهي تفكك الدول وغياب الدساتير والقوانين بفعل تواجد الميليشيات وانغماسها في افتعال الحروب الأهلية المذهبية٠
المهم هو اعلان الحرب على الميليشيات لأن كل ميليشيا هي منظمة ارهابية كونها تضع السلاح بوجه الدستور او بالأحرى تضع السلاح فوق الدستور كما يحصل في كل بلدان المنطقة٠الحرب على الميليشيات هو المدخل الحقيقي لضمان اعادة بناء المنطقة وضمان استقرارها اما الحرب على الاٍرهاب فليست سوى صيغة لإدارة الأزمات والتوازنات دون حلول٠

عن الفايسبوك

غاستون باشلار والمترجمون العرب*

سبتمبر 27, 2016 اضف تعليق

ترجمة: سعيد بوخليط
http://saidboukhlet.com



يبدو بأن الافتتان بترجمة أعمال غاستون باشلار قد تضاءل مع سقوط الماركسية وتواري الوضعية، مسألة لا تقود بالتأكيد إلى غياب الاهتمام بفلسفة باشلار ما دام أن قوتها لازالت تسم التأمل الفلسفي والنقد الأدبي. بالتأكيد نبتهج لرؤية بعض مُؤلفات باشلار وقد ترجمت إلى العربية حيث يسرنا هذا الإشعاع العالمي لفلسفته.
لكن حينما ندرس قيمة هذه الترجمات، تثيرنا وقاحتها وكذا تشدقها بحيث لا تُشرّف بأي حال من الأحوال ذاكرة باشلار ولا تمكن اللغة العربية من التجدد. مع بعض الاستثناءات النادرة، فإن الترجمة التي يجب أن تكون حوارا للثقافات تتحول إلى عملية تجارية وميركانتيلية، وتصبح عملية فردية لا تخضع لا للمراجعة أو التدقيق حيث يسود التعسف والوهم.
تتأتى الصعوبة من الخاصية التجريبية لنصوص باشلار ، هل بإمكاننا ترجمة نص يبتغي كتابة فلسفية جديدة؟  إذا أمكن ترجمته، فهو ليس بنص مستقل وبالتالي يخضع لقواعد محددة سالفا. على العكس من ذلك، إذا كان نصا مستقلا فإنه تتعذر ترجمته. بمعنى ثان، الترجمة تأسيس لخطاب مرموز خاضع لقواعد مكررة أو هي كتابة ثانية للنص، أي تكرار لما هو مختلف؟1.
الأطروحة التي أتوخى الدفاع عنها في هذه المداخلة، هو أن الترجمة إعادة كتابة للنص في أفق تمثل مجموعة من الأعمال تنتمي لثقافة أخرى اعتمادا على مؤسسات تستهدف ليس فقط استيعاب مؤلفات ثقافة أخرى ولكن تجديد لغة الترجمة.
هكذا يشكل التقليد الغربي في الترجمة ومراجعة الترجمات، مؤسسة حقيقية: (أوربا، وبخلاف الثقافات الأخرى المتمركزة على ذاتها هي في الأصل ومنذ البدء متعددة الثقافات. ظلت تترجم باستمرار، بداية لما هو متوسطي إلى روما الهلينية ثم القرن الوسيط أو مرور أرسطو من السريانية إلى العربية قبل أن تتم قراءته في اللاتينية خلال القرن السادس عشر، حيث أنجز "Calepin" قاموسا كانت طبعته الأخيرة بإحدى عشر لغة. أوربا، ومنذ بدايتها ومع تقلباتها لم تتوقف عن الترجمة، من المقدس إلى الدنيوي ومن اللاتينية إلى اللغات المبتذلة، ثم اللغات المحلية فيما بينها)2.
للترجمة علاقة بالثقافي والسياسي. كل ثقافة تستند على لغة وكل لغة مهيمنة ترتبط بوجود دولة. أحادية اللغة مثل الدولة الوطنية في أوربا على الأقل، أوجدت ذاتها من خلال استبعاد الآخر. لذلك، فإن الترجمة تداخل في الآن ذاته للتاريخي والثقافي ثم السياسي. من خلال موقع المترجم وطرقه في الترجمة، يتأتى كذلك وضع ثقافة حيال أخرى تظهر من خلالها3.
تكلم "كوردوني" "Cordonnier" عن "المذهب العربي" في الترجمة مرتكزا على تحليلات "فرني" "Vernet"، مؤكدا بأن الترجمة ليست فقط مؤسسة ولكن سبيلا إلى استيعاب الإرث اليوناني والذي ساعد على تأسيس إحدى روافد الحضارة العربية الإسلامية.
لقد انتقل المترجم العربي من الترجمة الحرفية إلى ترجمة المعنى. لكن المهم، هو طرق الترجمة التي عرفتها هذه الحقبة. لم تكن الحاجة للعودة إلى الأصل اليوناني، بل يكفي الانطلاق من الترجمة السريانية، لأنه لم يكن بالامكان الوصول مباشرة إلى النصوص اليونانية. كانت الترجمة عملا متعدد الاختصاصات، يتوحد داخله "المساعد" والمترجم الرسمي وأخيرا الكاتب. كتب "كوردني :(فيما يخص أوجه الترجمة، تُطرح مسألة سلسلة الاشتغال ابتداء من التوصية إلى نهاية المنتوج (...) في الغالب حينما يكون لدى المترجم عملا كثيرا، يمكنه الانتقال إلى مترجم أقل كفاءة. بالتالي، فإن هذه الترجمة الأولى التي ينجزها كاتب "مساعد" يمكنها أحيانا، أن تُنقّح من قبل المترجم الرسمي. ثم يعطي الناشر الترجمة الثانية إلى كاتب لكي يتدخل على مستوى الأسلوب)4. المترجمون الأوروبيون وظفوا نفس الطرق بمجهود حقيقي وذلك لمقابلة الترجمة بالنص الأصلي. المثير، هو أن نفس الطرق تستعمل اليوم من أجل ترجمة أعمال باشلار ، لكن مع اختلاف انعدام أي مقياس مشترك بين مترجمي أمس واليوم.
إذا قامت الحضارة العربية في القرن الوسيط على الترجمة، فذلك لأن الترجمة كانت مُنظمّة رسميا. يقول:"إبراهيم مدكور" متحدثا عن قيمة الترجمات العربية لأعمال أرسطو حينما كانت الترجمة مُؤسسة حقيقية:(إذا تركنا جانب المثابرة، وكذا الخاصيات الأخلاقية ثم المعارف الواسعة جدا للمترجمين المسلمين، يمكن أن نلاحظ بأنهم أقاموا مهمتهم بمنهجية علمية خالصة. ذلك أن نفس النص تتم ترجمته لمرات عديدة ومن قبل كُتاب مُختلفين انطلاقا من مرجعيات كثيرة. كما يتم كذلك تصحيح وإعادة النظر فيما تُرجم بسرعة أو من طرف أشخاص أقل كفاءة. بعض الأرقام ذات دلالة: ثلاثة وعشرون شخصا أكثر من نصفهم يعرفون اليونانية، تكلفوا بترجمة أو إعادة ترجمة أرسطو، وقد أعطى ذلك ثمانية وثمانين ترجمة لعشرين عملا أرسطيا تعرّف عليها العالم العربي أي بمعدل أربعة ترجمات لكل عمل (...) مختلف الترجمات التي تُعطى لنص ما، هي فوق ذلك دراسات مقارنة ومراجعات دقيقة)5. إنه زمان تعدد اللغات والموسوعية تم مراكز الترجمة في "الإسكندرية" "وجديسابور" ثم "حران" حيث حظي المترجمون بعناية الخلفاء: كانت الترجمات في هذه الفترة تباع بثمن غال.
ليست الترجمة بالقضية الواهية، وبالتالي ليست في مُتناول الجميع. العلماء العرب اللذين ترجموا النصوص اليونانية لم يحسدوا بأي معنى علماء اليونان، بل سعوا إعطاء اللغة العربية مفاهيم جديدة، ومناهج أخرى في التنظيم. وهو ما سيمكن تبعا لذلك من تطوير الفكر اليوناني في استنتاجاته ووضعه موضع تساؤل. 
اليوم، وعلى العكس من ذلك، يعتقد المترجمون العرب بوقاحة مطلقة إمكانية ترجمة النص الباشلاري. لا يتعلق الأمر ب الخائنة الجميلة "ل" " Gille Menage"، ولا مجرد تأويل بسيط للنص، إنه اختلال حقيقي. بالتأكيد المترجم مُهرب، لكن ما يهم ليس فقط العبور، لكن كذلك حالة ما ننقله من الجانب إلى اللغة الثانية6.
يمكن أن نأخذ كمثال ترجمة:"La formation de l'esprit scientifique" لأحمد خليل أحمد7، الذي يقدم نفسه كأستاذ للسوسيولوجيا بالجامعة اللبنانية، وقد استفادت ترجمته من طبعات متعددة، منذ خطاب المقدمة نحس بأنه يخلط بين الإخبار الذي يرتكز على إعطاء الصيغة ثم الإخبار كإبلاغ، الاهتمام بمعنى الاستفادة ثم الاهتمام بمعنى الانتباه الذي نحمله إلى شيء ما، سيخلط كذلك بين العقل كملكة والعقل كاستدلال. وحينما توخى ترجمة:"إن رأسا مُحكما هو للأسف رأسا مُغلقا". فهو اعتبر بأن رأسا محكما، رأسا مصنوعا. ثم تتواصل بعد ذلك الالتباسات وتتعدد. يأخذ السالف كنقيض والنظرية كعقيدة، كما أنه لا يفرق بين المعنى والفكرة والمفهوم إضافة إلى كونه يختزل الجسم الذي يطفو إلى جسم يظهر.
من أجل ترجمة باشلار يجب أن تكون في مستوى أهمية باشلار وإلا من الأفضل قراءة النص في لغته الأصلية. لذلك يحتاج إلى عمل متعدد الاختصاصات يجمع بين المستعرب والفيلسوف ثم الشاعر... . فليس هناك من صفحة في هذا العمل إلا وتستوجب التصحيح أو إعادة الكتابة.
كما تعاني هذه الترجمة من غياب لكل تعليق. إذا كان التعليق خصوصا لنصوص أجنبية يحتاج إلى ترجمة، فإن الترجمة الجيدة تحتاج إلى تعليق: وحده ذلك الذي يحسن تأويل نص، بإمكانه تناول المعنى الحقيقي للنص.
المثال الثاني في ترجمة أعمال باشلار يقترحه:"بسام هاشم" لكتاب:"Le rationalisme appliqué"8، معتقدا بأن اللغة العربية عاجزة عن تمثل الأفكار الجديدة التي جاء بها باشلار ، فإنه يقترح معجما لفظيا شاقا حوّل النص الباشلاري إلى شيء غير مقروء كليا.
لذلك من أجل فهم الترجمة العربية، يتحتم وضع النص الفرنسي تحت الأعين. بما أن الترجمة طرس "Palimpseste" فإن ما تظهره هو نظرية لغة المُترجم. واللغة بالنسبة إليه مجرد أداة تقنية. إذا عالجت موضوعا علميا، يمكننا تعويض أداة بأخرى من تم اختفى كل المظهر الشعري للنص. لما استشهد ببعض التفسيرات الخاطئة المرتكبة، لقد أفسد النص بكلام مُفخّم ومُضلّل، إنها ترجمة كلمة بكلمة وليست ترجمة نص، أي ترجمة للغة وليس للنص ناسيا بأن:"الترجمات هي أعمال، كتابة. وتدخل في عداد الأعمال". ليست الترجمة فقط عملا احترافيا، ولكن إعادة كتابة للنص في ارتباط مع اللغة المترجم إليها، وليست مجرد انتقال حيث تهيمن عمليتي النسخ والمعجمية. إنها كتابة ثانية للنص من أجل البحث عن الطبيعي وتكييف النص مع اللغة الجديدة.
وكما بيّن "جون براون" في كتابه: "l'homme et le langage " فإن اللغة:(ليست بمسدس للحاجة، ولا مفتاح علب، تستعمل الكلمات والمفاهيم ذات المعنى الواحد، دون أن يكون لها اشتقاقا أو صدى حُلميا وكذا موسيقى شعرية للكلمات والأشياء. كلمات تشبه حصى مستهلكا، حملته أمواج البحر إلى ضفاف العالم بعد أن مسحت كل الأشكال التي أخذها في الأعماق)9. على العكس بالنسبة لجون براون، فإن الكلمة تشبه مونادا "la monade" ليبنيتز: إنها تغطس في العمق التحت-أرضي المتضمن لتاريخها والذي اكتسبت من خلاله جميع الاستجابات وكذا الاختلافات.
بالرغم من استعمال هذا المُعجم فإن المُترجم لم يستطيع تجنُب التفسيرات الخاطئة، لأن ما يجب ترجمته هو النص ولا يتعلق الأمر بمعجم ننقله إلى لغة أخرى. عبر هذا الأسلوب الطنان المُضلل وكذا التفسيرات الخاطئة المتعددة، فقد تم تشويه الخاصية الشعرية للنص. يبدو بأن المُترجم يبحث عن نص ثان، والحال أن مفارقة الثنائي منذ أفلاطون أظهرت لنا، أنه بحكم تقليد المتفرد نمر كذلك إلى الآخر. الدقة ليست وفاء، وإنتاج الثنائي مسألة مستحيلة. المختلف هو الذي يتشابه.
النصوص المُحلّلة من قبل، تبين بأن ترجمة بعض أعمال باشلار ، تميزت إما بتفخيم للأسلوب أو الوقاحة، الشيء الذي لم يمكن من تجديد اللغة العربية بإدخال بنيات أخرى لها، ولا من تيسير ولوج النص الباشلاري.
كيف هو الحال مع النصوص الشعرية؟ الوضعية ليست بالأحسن. حينما ندرس الترجمة التي اقترحها "هلسا غالب" ل: "la poétique de l'espace"10 فإننا سنفهم بأن ترجم معناه خان بشكل مضاعف. فالسيد هلسا لا يعرف الفرنسية، لكنه لم يتردد في ترجمة الكتاب انطلاقا من الإنجليزية. لا أعرف كيف ستصبح الفرنسية حينما تُترجم إلى الإنجليزية، لكن الترجمة العربية ل "شعرية المكان" مقاربة باهتة وهيكل منهك. يجب القول، أن ما يهم "هلسا" ليس الترجمة ولكن المنهجية التي دشنها باشلار ، حيث اعتبرها خصبة من أجل دراسة الفضاء في القصيدة العربية التي لم تتوقف عن التغني بأطلال المنزل المعشوق. ما دام النص فضول يجب الوقوف عليه، أليس من الضروري أن يكون في مستوى واجباته كمترجم!.
هكذا يظهر مثلا بأن كلمة "Vaste"، ترجمها انطلاقا من الكلمة الإنجليزية "Wide" في حين أنه بالنسبة لباشلار:(الصائت(a) في كلمة "Vaste" يحتفظ بكل خاصياته الصوتية التضخيمية. إذا أخذنا هذه الكلمة صوتيا فإنها ليست فقط امتدادية. بل تحصل مثل مادة لينة على كل القوى البلسمية للسكون اللامتناهي. من خلالها فإن اللانهائي يدخل إلى صدرنا ونتنفس بها كونيا، بعيدا عن الأحزان الإنسانية)11. وباشلار الذي يتخيل نفسه طبيبا نفسيا ينصح المريض الذي يعاني الضيق:(بأن يقول بهدوء الكلمة البودليرية المهيمنة:"Vaste" التي تعطي السكينة والوحدة وتفتح فضاء، فضاء اللانهائي)12.
وفي صورة "Petit poucet" حيث البحث عن إقامة في مأوى "الدب الأكبر"، يبدو بأن الصدى الذي توخاه باشلار قد ضاع. مقطع "Petit poucet"، ترجم بشكل سيء. فالأمر لا يتعلق هنا بالتنجيم ولكن بالبحث حقا عن مأوى ومنزل في السماء. كان على المترجم أن يدرك ذلك من خلال تتمة النص، ولكن بما أنه يترجم من الإنجليزية، فلا يمكنه تجنب اتباع المترجم الأول.
لست في حاجة للتأكيد على النقد الباشلاري لهندسية الوجود-هنا والذي يحتم لغة جديدة، لغة شعرية. والحال، أنه لا يمكننا ترجمة لغة شعرية بشكل صحيح دون أن نكون أنفسنا شعراء. كتاب باشلار ليس مجموع وصفات نطبقها من أجل تأويل الوثائق الشعرية بل هو تأمل في العلاقة بين اللغة والوجود.
ترجمة "غالب هلسا" بعيدة على أن تكون كتابة ثانية للنص. إنها مجموعة وصفات بالنسبة للنقد الأدبي الذي يتوخى دراسة "المكان" في الأدب العربي. إلا أن هذه البرغماتية لم تحمل شيئا إلى اللغة العربية. علّة من أجل سلب باشلار Bachelard دون الاستشهاد به، وكما لاحظ "Margaret Thomarchio":(يحتفظ المؤلف بكامل الحقوق على عمله، المترجم كوسيط بين الكاتب وجمهوره عليه خاصة واجبات. وهي الواجبات التي يبلورها ليس فقط بإدخال كفاءاته اللسانية، ولكن كذلك معارفه الدقيقة والأساسية بثقافة وعمل الكاتب... يتعلق الأمر حقا في نهاية المطاف، وفيما وراء كل القضايا التقنية والمنهجية بقضية أخلاقية على المترجم أن يكون مدركا لذلك)13.
إذا أخذنا ترجمة:"la poétique de la rêverie" كما أنجزها "جورج سعد"14 فلن نكون أقل إحباطا. بالنسبة إليه كل شيء قابل للترجمة، لا تردد ولا شك.
يمر بصمت على الاستشهادات الموضُوعة على رأس الفصل، كما أن ترتيب الفقرات قد تغير، التفسيرات الخاطئة تتعدد. النهر تم اختزاله إلى مجرى ماء، بينما تحول حلم اليقظة la rêverie إلى تأمل شارد. في حين كان باشلار  مترجما دقيقا لم يتردد في ترك بعض القصائد في لغتها الأصلية، فإن "جورج سعد" لم يجد أية صعوبة في ترجمة كل النصوص الشعرية. باشلار الذي انتقد دائما عائق الوضوح عند المترجمين الفرنسيين، يورد القصائد من الإنجليزية والألمانية دون ترجمة هكذا يقول:(من غير الإمكان ترجمة طاقة لغة مثلها في ذلك مثل شعرها)15. لذلك رفض ترجمة بعض مقاطع "نيتشه" أو "شيلي". كتب نيتشه:
Jetzt Bin ich leicht, jetzt fliege ich, jetzt sehe ich mich unter mir, jetzt tanzt ein Gott durch mich16.
وسيلاحظ باشلار Bachelard :(لن نترجم هذه السطور، لأننا لم نجد الكلمة التي تعبر عن الطاقة والسعادة الفورية ل"Jetzt". أيُّ سوء حظ هذا يحرم اللغة الفرنسية من كلمات أساسية بالنسبة لسيكولوجيا اللحظة)17.
من خلال ترجمة "لويس غازاميان" لمقطعين شعريين للمشهد الثاني، في الفصل الثاني من: "Prométhée délivré" لصاحبها "شيلي" فإن باشلار سينتقد:"خطيئة الوضوح المتواترة جدا في الترجمات الفرنسية". مؤكدا بأن للقصيدة لغزها الذي لا يأخذ في الاعتبار نظام الأسباب والنتائج. كما أن حركة الأحلام لا يوقفها منطق النحو.
بتركيزنا على ملاحظات باشلار ، سعيت إلى رؤية كيف يترجم المترجم العربي جملة ج.ب. ريشتر:
Dass der innere himmele den aussern, der selten einer ist, erstatte, reflektiere, verbaue18.
بالنسبة لباشلار ، فإن الترجمة الفرنسية أضعفت النص. كلمة "verbaue" لم تترجم، في حين أنها كلمة "التحول المطلق". لقد مر المترجم العربي بصمت على كل هذه الملاحظات مكتفيا بالترجمة الفرنسية الضعيفة:(السماء الداخلية تستعيد وتعكس السماء الخارجية والتي ليست واحدة)19.
لكي تكون مترجما لشعرية باشلار ، يجب أن تكون لك ثقافة باشلار والتي تشمل في الآن ذاته الآداب الفرنسية والألمانية والإنجليزية إضافة إلى النصوص الكبرى سواء الفلسفية أو تلك المنتمية إلى التحليل النفسي.
حسب تقليد عربي يمتد إلى "الجاحظ"، فإن مترجما جيدا من الضروري أن تكون له نفس ثقافة الكاتب ثم معرفة عميقة باللغتين اللغة الأصل ثم اللغة الثانية. غير أنه لا شخص بإمكانه التوفر على معرفة ممتازة باللغتين: فلابد للواحدة أن تسود الأخرى. 
اليوم ومع التعددية الثقافية، فإن اللغة تحتاج إلى إدخال بنيات جديدة وتمثل كلمات أخرى. ليس هناك من لغة خالصة، رهان الترجمة هو وجهة نظرنا في اللغة وشعريتها. لقد عانت اللغة العربية من قداسة حالت بينها وبين الانفتاح على العالم. إلا أن هذا الانفتاح لا يعني افتقادها لروحها.
إنه التحدي الذي رفعه "عادل العوا" من خلال ترجمته مُؤلف:
"Le nouvel esprit scientifique" والذي راجعه "عبد الدايم". أخيرا، نتوفر على نص قابل للقراءة مع مجهود حقيقي في تكييف التركيب العربي مع أفكار باشلار الجديدة. إنها ترجمة تشرف ذكرى باشلار ، بالتأكيد يمكننا مناقشة هذا التأويل أو ذاك للنص الباشلاري، ثم اختيار هذه اللفظة العربية أو تلك من أجل ترجمة مفهوم ما للغة الفرنسية. لكنها ترجمة جيدة وفية للنص دون كثير من الاختلالات. فهي ثمرة عمل جماعي لا يرغب فقط في إصدار مجرد ترجمة تقريبية. ومما لا شك فيه أن اللغة العربية ستصطدم بمجموعة من الصيغ مثل "فلسفة لماذا لا" أو "البنية النومنية" لكنها ستتمكن من إدماجها دون خسائر كثيرة.
يمكننا التمييز حسب "غوتة" بين الترجمة التي تخبر والترجمة التي تعيد كتابة النص ثم الترجمة التي تبدع ثانية خاصية النص الاصلي20. ترجمة "عادل العوا" تعيد كتابة النص الأصلي داخل اللغة العربية فهي ليست ترجمة حرفية كما أنها تحترم أساليب اللغة الأصلية، وتبحث عن تقديم الأفكار الجديدة في الصيغة التي تناسبها داخل اللغة العربية. وتوفق في الآن نفسه بين جمال الأسلوب والوفاء للنص بذلك تشكل مثالا جيدا عن تواصل اللغات وكذا التثاقف. ما تبلور في هذه الترجمة ليس النص الباشلاري، ولكن قدرة اللغة العربية على حمل أفكار باشلار الجديدة وإظهار أسلوبه الشعري.
منذ "مونتسكيو"، لم نتوقف عن انتقاد المترجمين من خلال النظر إليهم كأشخاص يتكلمون من أجل الآخرين ولا يفكرون لذاتهم:(الترجمات مثل نقود نحاسية لها في الواقع نفس قيمة قطعة الذهب، بل وتستعمل بشكل كبير من قبل الشعب إلا أنها دائما ضعيفة ومن عيار زائف)21. إلا أن ترجمة "عادل العوا" ليست مجرد ترجمة، بل هي كتابة ثانية للنص.
تبقى الترجمة في عصر العولمة وسيلة فعالة من أجل تطوير بنيات لغة ما، وإغنائها بدلالات جديدة ثم الانفتاح على شعرية جديدة. باختصار، تحقيق تثاقف حيث الأنا والآخر يتوافقان. لذلك، فإن نشاط الترجمة كعمل ثقافي من الضروري تنظيمه رسميا بحيث أن التصحيح والتقويم وإعادة الترجمة، يصبحون ضرورة ملحة بحيث أن كل ترجمة ثانية هي وجهة نظر تاريخية في اللغة.
تستهدف الترجمة إعادة كتابة النص داخل لغة جديدة، والحال أن تكتب حسب باشلار هو:(التفكير في الكلمات والإنصات إليها في كل رنينها)22. التفكير، تأمل في الكلمات، وهو التأمل الذي يوقظ الفكر، ينعشه ويعيد له فتوته:(من المؤكد أن نجد نسقا فلسفيا حينما نتأمل كلمة)23 يضيف باشلار. من أجل الترجمة، يتحتم كتابة النص ثانية. الترجمة شعرية بالضرورة أي لها وجهة نظر في اللغة، مجهود من أجل استعادة ما تصنعه الكلمات ولا تقوله.
أن نترجم، معناه تحقيق ومن خلال انمحاء للمترجم، للتوازن الصعب بين قطبين متعارضين: اللغة الأصل واللغة الهدف، الشكل والمعنى، الوفاء للنص وكذا جمالية التكييف. وخاصة:(تجنب النقيضان، اللذان يسقط فيهما كل من يترجم: الأول حرية تنحل إلى جرأة... والثاني إذعان يتحول إلى عبودية).

هوامش:
*- نص المداخلة التي ألقاها الباحث التونسي رضا عزوز، أمام المشاركين في الندوة الدولية التي انعقدت بمدينة "ديجون" "Dijon"  الفرنسية ما بين 24/25/26 أكتوبر 2002. ساهم في عروض هذه الندوة كل من:"معهد غاستون باشلار للأبحاث في المتخيل والعقلانية" التابع لجامعة بورغون bourgogne و"جمعية أصدقاء غاستون باشلار ". وقد توخت مقاربة موضوع:  غاستون باشلار والكتابة.  
1- إشكالية أثارها "ميشيل ريمي" في "Palimpseste"، من أجل مسألة ترجمة النصوص السوريالية، ص: 109.
2- Henri Meschonnic. La poétique du traduire, édition Verdier 1999, p.34.
3- J. L Cordonnier: Traduction et Culture, édition Didier 1995, p. 11.
4- Op. cit., p. 67.
5- Ibrahim Madkour: L'organon d'Aristote dans le monde Arabe, p. 40-41, Vrin édition 1969.
6- Henri Meschonnic,  La poétique du traduire, p. 17.
7- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1981.
8- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1983.
9- Jean Brun: L'homme et le langage, PUF 1985, p. 56.
10-المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1984.
11- La poétique de l'espace, p. 180.
12- Ibid, p. 179.
13- Palimpseste, Traduction, Adaptation, p. 87.
14- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1991.
15- L'air et les Songes, p. 167.  
16- Ibid, p. 166.
17- Ibid, p. 166.
18- La poétique de l'espace, p. 172.
19- La poétique de la rêverie, p. 172.
20- La poétique du traduire, p. 91.
21- Lettres Persanes, p. 222.
22- Le droit de rêver, p. 184.
23- Le droit de rêver, p. 184.
قبل درويش لنتعرف على التاريخ

قبل درويش لنتعرف على التاريخ

سبتمبر 27, 2016 اضف تعليق


صحف عبرية

Sep 27, 2016
في 15 أيار 1948 اجتاحت الجيوش العربية بلاد إسرائيل بهدف القضاء على الكيان الصهيوني الشاب، الذي ولد لتوه. في هذا اليوم يحتفل في كل العالم العربي بالنكبة الفلسطينية، التي في اثنائها ترك نحو 700 الف عربي بيوتهم. احد النازحين كان الطفل محمود درويش، الذي أصبح لاحقا الشاعر الوطني الفلسطيني، الذي فرت عائلته إلى لبنان، وفي ظل المعارك تسللت عائدة إلى إسرائيل.
ومثل الاف العائلات الاخرى وجدت بيتها في قرية «البروة» مهدما، حيث اقيم على قسم من اراضيها كيبوتس يسعور وعلى القسم الاخر قرية احيهود الزراعية. وعندما ضاق عليها الوضع، ضربت خيمة لها في كفر ياسيف. وطور درويش مشاعر قوية ضد الاغلبية اليهودية السائدة، ونجح في أن يرفع إلى الورق احاسيسه القاسية.
قصيدة «بطاقة هوية» كتبها درويش في العام 1964. وتتوجه القصيدة إلى مندوب الحكم العسكري الإسرائيلي، الذي يرمز بالنسبة له إلى الاغلبية السائدة، اليهودية ـ الإسرائيلية، فيصب عليه كلماته الغاضبة، التي تمثل ابناء الاقلية العربية المسؤولة.
في يوم الاستقلال وفي يوم النكبة يصعد عشرات الاف العرب إلى البلدات المهجورة، التي توجد فيها اليوم بلدات يهودية، احياء، مناطق سكنية وحقول زراعية ويطالبون بالعودة، وهم يرفعون اعلام فلسطين وينشدون قصائد درويش. رفع أعلام فلسطين يجعل المطلب المدني في العودة إلى أرض الآباء والأجداد مطلبا وطنيا.
يدعو المتظاهرون إلى حرمان السكان اليهود الحاليين من بيوتهم، فقط بسبب كونهم يهودا يتواجدون على اراض شكلت مستقرا للعرب، في وقت من الاوقات. وبالمناسبة، كان في هذه البلدات ذات مرة صليبيون، يهود وقبلهم كنعانيون ايضا.
بشكل مشابه، يعلن عرب اللد، الرملة، حيفا، عكا ويافا ـ المدن المختلطة الخمسة ـ بانهم أبناء المكان الاصليين. هم السكان الاصليون، بينما المستوطنون اليهود ليسوا سوى غزاة، استعماريين. لو أجري استطلاع للسكان في هذه المدن لانكشف الامر: معظم السكان العرب في المدن المختلطة هجروها في حرب الاستقلال. إلى بعضها جاء نازحون من بلدات المحيط ممن تجمعوا فيها واستقروا إلى جانب الاقليات من أبناء البلاد ممن تمسكوا ببيوتهم.
واذا ما سألتم عن اسم عائلتهم فستكتشفون أصلهم: حلبي وحموي من سوريا، مصري ومصاروة من مصر، يماني من الهند ومغربي من مراكش. فقد هاجروا إلى هنا في اثناء القرن الـ 19، قبل سنوات من وصول المهاجرين الصهاينة الاوائل إلى البلاد. قسم كبير منهم جاء إلى البلاد في عهد الانتداب البريطاني واستقروا في قرى البلاد ومدنها.
ولكنهم سيقولون لكم انهم ابناء المكان، هم وأباؤهم، وانهم ابناء البلاد الاصليين ولهذا فإن اليهود الذين جاءوا اليها هم عصبة من الغزاة.
لقد كان قرار الأمم المتحدة في 1947 أهون الشرور بالنسبة للشعب اليهودي الذي تطلع إلى وطن قومي. والاصرار فقط على حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية سيمنع عودة في المستقبل إلى حدود التقسيم. فالحقوق الدينية والمدنية للاقلية العربية وفي اطارها للنازحين هي واجب من دولة إسرائيل لمواطنيها. ومن جهة اخرى، فإن الاستجابة لمطالب العودة والوطنية ستؤدي إلى قطع اقاليم الوطن وضمه إلى دولة فلسطينية مستقبلية، دولة ستنتشر بهذه الطريقة على معظم اراضي بلاد إسرائيل التاريخية.
واجبنا ان نتعرف على تاريخ الحاضرة العربية في إسرائيل كي نعرف كيف نتصدى بشكل ذكي للجهاز الإعلامي المتقن الذي يمارسونه كي يكسبوا لانفسهم حقوق الاصالة المتفردة. علينا أن ندفع إلى الامام بالاقلية العربية، فنحسن شروط حياتهم، ونعمل على دمجهم الحقيقي في منظومات الحياة بمساواة كاملة في الحقوق والواجبات، بل والعمل على اقامة حدائق للعلم والتكنولوجيا واحياء حديثة في البلدات العربية، ولكن علينا أن نوضح بالشكل الاكثر قطعا بان العودة إلى الايام ما قبل 15 ايار 1948 لا تحتمل ابدا.
يحيئيل شيفي
إسرائيل اليوم 26/9/2016
عن القدس العربي

ملاحظات حول النوفيلا... أيان مكيوان

سبتمبر 26, 2016 اضف تعليق


عن مدونة احمد الشافعي
عندما تقوم إحدى شخصيات كتابي الأخير " Sweet Tooth"[i] بنشر عملها القصصي القصير الأول، تجد بعض النقاد يقولون إن هذا الذي فعلته شيء لا شرف فيه ولا أمانة. وما تجربة هذه الشخصية إلا انعكاس لتجربتي أنا. نوفيلا؟ ربما لا تكون لديك العصارة الإبداعية اللازمة؟ أليس حجم الخط أكبر مما ينبغي، والمسافات بين السطور، أليست واسعة جدا؟ لعلك تحاول ترويج بضاعة غير مطابقة للمواصفات أو لعلك تخدع جمهورا أولاك ثقته.

لم يواجه المؤلفون الموسيقيون ـ بمن فيهم أرفعهم مقاما ـ مشكلة الحجم تلك على الإطلاق. فمن هذا الذي يشك في عظمة سوناتات بيتهوفن للبيانو أو رباعياته الوترية أو أغنيات شوبرت؟ بل إن البعض ـ وأنا منهم ـ يفضلها على سيمفونيات كلا الرجلين. من هذا الذي لا يلين قلبه للدراما الحميمية في ثلاثية موتسارت من مقام جي الصغير، أو لا تتوه منه نفسه في تنويعات جولدبرج أو لا يقف من فرط الروع في رقصة مقام دي الصغير حينما تعزفها الكمان المنفردة؟
الغريب أن القصة القصيرة لا تثير مطلقا هذه الشكوك المتعلقة بالغش التجاري، ربما لأن قالبها مغاير بصفة جوهرية لقالب الرواية.
عن نفسي، أعتقد أن النوفيلا هي القالب المثالي للقص النثري. هي الابنة الجميلة للعملاق الهائم المنتفخ حليق الرأس (والعبقري أيضا في أيام عزه). وطفلته هي السبيل الذي من خلاله يتعرف الكثيرون للمرة الأولى على أعظم كتابنا. فالقراء يتعرفون على توماس مان من خلال "الموت في فينسيا" وعلى هنري جيمس من خلال "Turn of the Screw"[ii] وعلى كافكا من خلال "التحول" [المسخ] وعلى جوزيف كونراد من خلال "قلب الظلام" وعلى ألبير كامو من خلال "الغريب". وبوسعي أن أستمر: فولتير، تولستوي، جويس، سولجنتسين. وأورول وشتاينبك وبينشون. وميلفيل ولورنس ومونرو. التراث مديد مجيد. وبوسعي أن أمضي قدما فأقول إن الاقتصاد يوجب على الكتاب بل ويدفعهم دفعا إلى أن يصقلوا جملهم فتكون أشد دقة ووضوحا، وأن يحدثوا تأثيراتهم بتوتر غير معهود، وأن يركزوا طول الوقت على الغاية من إبداعهم، فيمضون بهذه الغاية دون أن يكون في أذهانهم إلا الدافع الوظيفي وتحقيق الغاية مع المحافظة على وحدتها. وهم لا يهيمون، ولا يعظون، ويعفوننا من جميع الحبكات الجانبية والتورمات المحشورة حشرا.

تعالوا نتخذ لنا مقياسا اعتباطيا، أي شي يقع فيما بين عشرين ألفا وأربعين ألفا من الكلمات، طويلا بما يكفي قارئا أن يستوطن عالما أو وعيا ويبقى فيه، قصيرا بما يسمح بقراءته في جلسة أو اثنتين وبقاء بنيته الكلية عالقة في الذهن منذ اللقاء الأول ـ فمعمار النوفيللا هو واحد من أسرع ملذاتها إدراكا. ما أكثر ما يقرأ المرء رواية كاملة معاصرة فيفكر ـ بما يشبه الثورة ـ في أنها كانت ستصبح أفضل لو اقتصرت على نصف حجمها أو ثلثيه. إنني أشك في أن كثيرا من الروائيين يحققون ستين ألف كلمة بعد عمل سنة ويعتقدون (ربما بشيء من الضجر) أنهم ما وصلوا بعد إلا إلى منتصف الطريق. هؤلاء عبيد لدى العملاق لا سادة على القالب.
أما الجلوس إلى نوفيلا فشبيه بمشاهدة مسرحية أو فيلم طويل بعض الشيء. بل إن هناك في واقع الأمر تشابها بين السيناريو (ويتألف من نحو عشرين ألف كلمة) وبين النوفيلا، فكلاهما يعملان داخل حدود الاقتصاد المفيدة ـ الحيز المتسع لحبكة (أو اثنتين على الأكثر)، الشخصيات التي يتم رسمها بضربات سريعة لكنها كافية لأن تعيش هذه الشخصيات وتتنفس، والفكرة المركزية، حتى إذا كانت في آخر الأفق لكنها دائما تمارس قدرتها على الجذب. التشبيه بالفيلم أو المسرح لا يرمي إلا إلى أن يذكرنا بعنصر الأداء في النوفيلا. فنحن نكون شديدي الوعي بالستار والخشبة، والكاتب بوصفه صانعا للوهم. غالبا ما يكون حضور الدخان والمرايا، والأرانب والقبعات، وكل هذه الأدوات السحرية أشد من حضورها في الروايات الطويلة. النوفيلا هي القالب الحداثي وما بعد الحداثي بامتياز. وإسهام كونراد في تراث النوفيلا نموذجي. وهو يبدأ بحيلة فنية بارعة، "في مكان مضيء"، حيث يجهز مارلو نفسه ليحكي حكايته بينما هو وأصحابه جلوس في يخت راسٍ عند مصب نهر التيمز عند الغسق. وبينما يخفت النور، تنجلي أمام أعيننا فكرة الظلام، ويستمر تتبعها بلا هوادة على مدار مائة صفحة أو نحو ذلك.
"قلب الظلام" ليست من بين النوفيلات الأثيرة لديّ. فكونراد يعجز فيها عن الالتزام بوصفته المحددة في مقدمته الشهيرة لـ "زنجي السفينة نرجس"، وهي "أن أجعلك ترى" ما هو في القلب. ولكن تلك الصفحات الاستهلالية، أو الإطارية، فيها من الجمال العارف بذاته ما يشرف قالب النوفيلا كله.
القصيدة والقصة القصيرة قابلة نظريا للكمال، ولكنني أشك في أن يكون ثمة وجود لشيء اسمه الرواية الكاملة (حتى لو بدأنا نتفق بيننا وبين أنفسنا عما تتكون منه الجملة الكاملة). الرواية أشد اتساعا وشمولا واستعصاء وشخصية من أن تبلغ الكمال. وهي في طولها المفرط غالبا ما تبدو في بعض الأحيان شبيهة بالحياة ذاتها. هي ليست بحاجة إلى الكمال وهي لا تسعى إليه. والروايات "العظيمة" ليست روايات كاملة. فأنت قد تستطيع تحسين "أنا كارنينا" بالتعديل في الوصف الأخرق لقبعة ناظر المحطة المدببة ـ وهو نموذج لقي من النقاش الكثير. وأنا دائما ما تنتابني الرغبة في استعمال قلم أزرق على سكرات موت إيما بوفاري المطولة (طولها المفرط يجعلني أشك أن فلوبير كان يبكيها) برغم أنني لم أشك مطلقا في عظمة الرواية.
في حين أنني أستطيع على الأقل أن أتصور نوفيلا كاملة. أو أن أتخيل بالأحرى نوفيلا تقترب من الكمال شأن "المحور المقارب" an asymptotic line  في الهندسة الإحداثية. لا أعتقد أن النوفيلات التي طالما اعتززت بها (ومن بينها "إيثان فروم" لـ إديث وورتن، و"لص الثكنات" لـ توبياس وولف، و"المراقب" لإيتالو كالفينو) كاملة، على أي نحو يفوق كمال أصدقائي القدامى. ولكن سمات النقاء والسلامة والصقل التي تنطوي عليها هذه النوفيلات تضعها على طريق الكمال. إنه إحساس بالطموح الجمالي يستشعره المرء في السلطة الملزمة في صفحات الكتاب الأولى.
النوفيلا العظيمة هي الموتى لجويس. بنية ثنائية بسيطة (حفل، غرفة في فندق) تخلق وسطا اجتماعيا بأكمله (تتناوب عليه اللياقة والعناد) في حالة استثنائية من الدفء. تبدو الشخصيات كما لو أنها تتحرك في الزمان الحقيقي، فالرقص والغناء قائمان في حفل العشاء الذي يقام سنويا في بيت العمتين، وهناك التوترات العائلية، والحديث الشائك حول الهوية الوطنية. وما يدور من حديث بين جابرييل وجريتا في غرفتهما بالفندق، والدراما الخرساء بين حماسته الخائبة واكتشافها الحزين القاسي لصبي كان يحبها ومات، وفي النهاية تأملات جابرييل الختامية النعسانة في عدم قدرته على الحب، في الموت، تحفزه إلى ذلك ذكريات صخب المساء ـ وهذه الفقرات من بين أروع ما كتب على الإطلاق في القص النثري كله. أنا عن نفسي أشتري صفحات "الموتى" الختامية بأي خمس عشرة صفحة من "عوليس". لقد تفوق جويس الشاب على نفسه. بل إنني أتخيل في بعض الأحيان أنني سأكون في فراش الموت، فلا تكون في وداعي إلا عبارات من هذه النوفيلا: "أظن أنه مات لأجلي"، "واحدا بعد واحد أخذوا جميعا يتحولون إلى ظلال"، "لقد حان الوقت لكي يشرع في رحلته باتجاه الغرب"، الجليد "ينهمر في نعومة على موجات شانون الثائرة السوداء"، "الجليد يتساقط بخفة عبر الكون وفي خفة يتساقط، كما تهبط النهاية الأخيرة على الأحياء وعلى الموتى". ستكون نهاية أجمل من نهايات كثيرة.
أنا على يقين أن النوفيلا ـ بعيدا عن عبقرية جويس ـ ترغم الكاتب على ذلك، تجعل لزاما عليه أن يراعي الوحدة وأن يسعى إلى الكمال، وأن هذه الاشتراطات والإلزامات هي التي جعلته يصوغ في هذه النوفيلا واحدة من أجمل الأعمال القصصية في اللغة الإنجليزية.


مجلة ذي نيويوركر ـ29 أكتوبر 2012


[i]  ترجمتها حرفيا "السِنَّة الحلوة" وتعني أن بشخص ما ميلا شديدا إلى تناول الحلوى
[ii]  "دورة المفك” حرفيا، ولعل "ثالثة الأسافي" تصلح ترجمة لمعناها الاصطلاحي

شاكر الانباري... فتيان الزنك

سبتمبر 26, 2016 اضف تعليق
في كتابها فتيان الزنك وثقت سفيتلانا التدخل السوفيتي في أفغانستان ما بين 1979 و عام 1985 جمعت فيه مقابلات مع جنود عائدين من الحرب أو مع أمهات وزوجات وجنود قتلوا هناك وأعيدت جثثهم في توابيت مصنوعة من الزنك. كانت نتيجة الحرب آلاف من القتلى والمعوقين من جانب السوفيت ومليوني قتيل من جانب الأفغان، وتعرضت الكاتبة للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب واتهمت بإهانتها للروح الوطنية والكرامة. الكاتبة البيلاروسية أبدعت لوحة من الألم والاحتجاج عبر رواية توثيقية نادرة أهلتها مع كتبها الأخرى لنيل جائزة نوبل. في الضفة الثانية لم ينشر كاتب أميركي أي كتاب عما عاشه الجنود الأميركان خلال ثماني سنوات وهي فترة احتلالهم للعراق عدا ديوان شعر كتبه جندي شاعر اسمه براين ترنر وسماه هنا ايتها الرصاصة، وصدر عام 2012 بترجمة الشاعر حيدر الكعبي، اما ما حدث للعراقيين طوال فترة الاحتلال فهي مهمة الكتاب العراقيين
بالتأكيد. قد يكون الكتاب الروس أكثر التصاقا بهموم بلدانهم وشعوبها، تولستوي وديستويفسكي وتورجنيف وتشيكوف على سبيل المثال لا الحصر.......فتيان الزنك شهادة عن الصدق والنبل والشجاعة في الكتابة، لا يهم النوع أبدا.

فسبكات

حنان الحاج علي... الضّد يظهر حسنه الضّد

سبتمبر 25, 2016 اضف تعليق

منذ أن حضرت صديقتي تمرين عرض مسرحيتي الأخيرة "جوغينغ" وأدلت بتعليق واحد: "كم أنت امرأة حرّة!" وأنا أحاول أن أتبين مدى جدية أو صحة هذه العبارة أنا المرأة الأم المواطنة الممثلة المعجونة بالتناقضات! كيف لي أن أرمح في هذا المدى المنظور من الحرية وأنا الممثلة المحجبة؟ كيف يعقل أن لا أشكك في هذا الوصف بعد أن اختبرت الحدود التي اقف عليها عندما أضناني وجد غرامي بشخصية ألماسة بطلة مسرحية "طقوس الاشارات والتحولات" ، تلك الشخصية التي تجرأ على كتابتها سعدالله ونوس وقد خلقها من صلب الثالوث المقدس المدنس لمجتمعنا (السياسة- الدين- الجنس) دون تجرئي على خطب ودها والفوز بوصالها بتشخيصها على خشبة المسرح! هي الشريفة بنت الأشراف المنقّبة التي تختار أن تخلع جلبابها وزوجها وكل ما يربطها بالمجتمع وتضرب على جيوب مفاتن جسدها لتدني إليها الرجال، معريّة الكذب والخبث والرياء كما لم تفعله شخصية في تراث أدبنا المسرحي.
"الماسة" العاهرة فتنتنا كقراء وكممثلين لأن عظمتها تأتي من عظمة تجرؤ الضدّ الحرام (الدعارة الخالصة التي لا تشوبها شائبة) على إظهار قبح ضده الحلال (المتطهرون الانجاس) مظهرا هذا الضد حسن الأول!. كفرت ألماسة ليميط هذا الكفر اللثام عن إيمان فظيع. لقد اعتنقت الدعارة لكي تتطهر من الفسق الذي يمارسه نخاسيو ذلك الثالوث، الذين يتاجرون بالضمائر والأعراض والذمم، بينما يمارسون باسم الدفاع عن مصالح الأمة ومكارم الأخلاق سياسة كمّ الأفواه واعتقال الأجساد وسحل الأفكار.
فتنتنا الماسة، وماذا فعلنا بهذه الفتنة؟ ما كادت المسرحية تعرض في حلب حتى هبّ الغيارى على سلطة الدين ودين السلطة فمنعوها لتنضم إلى قافلة سبايا الإبداع. تجرأ صناع السياسة على القانون بالقوة فاجترحوا بالفعل قوانين تكسر عنق الدساتير الوطنية ومنعوا حق الإنسان بالتعبير الحر . أما أنا حنان الحاج علي "الممثلة من طراز فريد بمنديلها الحر حتى الينابيع" كما وصفني صحفي نقدي حتى العظام، ما كدت أتعرف على ألماسة حتى ادركت مدى التحدي الذي تفرضه عليّ فوقفت عطشى امام هذا السيل من الحرية الذي فجّره ونوس عندما دق بعصاه طقوس المسرح البالية، غير متجرئة على اغتراف حفنة ماء أروي بها ظمئي لهذا النوع من الإبداع المسرحي. وما بين موقفي الشخصي ومواقف السلطات السياسية والدينية مجتمع بل مجتمعات بأكملها ليس فقط تقبل وترتضي وتخضع بل وتساهم وتجيّش حملات الدفاع عن مكارم الأخلاق الخبيثة. تدجين منهجي همجي وضعنا أمام طبقات متراكبة من الرقابة ليس اقلها الرقابة الذاتية.
الآن وهنا وبعد حوالي أربعة عقود من العمل الفني والإبداعي و"السياسي" ، وبعد فترة طويلة من النشاط الثقافي الذي أحاول من خلاله مع مجموعة من المبدعين والناشطين الثقافيين أن نبقى على تماس عضوي مع ما يعتمل في المجتمع من قضايا وعلى رأسها قضايا الحقوق والحريات، عقدنا تحالفات وانضوينا في مقارعات طويلة مع الأنا ومع الآخر أكثرها مني بالفشل، ولكن القليل الذي نجحنا من خلاله بإحداث تغيير ننشده علّمنا أن لا نقف على أطلال الهزائم لنتباكى، بل جعلنا ندرك أن الممكن والمستحيل، كما الموت والحياة، وجهان لعملة واحدة.
خلال مسيرتي خضت معارك عديدة طالت سنين لأكون حنان الممثلة في مجتمع يعتبر الفنانة امرأة سيئة السمعة مقتفية اثر فنانات استثنائيات (من أمثال رضى خوري ورينيه الديك)، ولأكون زوجة لرجل فنان متحدر من وسط مسيحي ماروني، مثلي في ذلك مثل زيجات فريدة تمت بين محبين سنة وشيعة وموارنة واورثودوكس ودروز خلال الحرب اللبنانية، تلك الحرب المسمّاة اهلية والتي بقدر ما أزكت أوار الطائفية في المجتمع اللبناني بقدر ما أماطت اللثام من أمام بصائر بعض المجموعات والأفراد فأعادوا ترتيب أولوياتهم ونبذوا العنف والتناحر واختاروا الوحدة في التنوع. لم يكن سهلا أن ارتدي الميني جوب والديكولتي والبيكيني، كما لم يكن سهلا ابدا أن اضع الحجاب الذي اخترته بإرادتي وباختياري لا لسبب دينيّ فحسب بل لاسباب عديدة ليس أقلها الجمالي والإنساني، وكان واردا أن لا أبقى عليه، إلا أنني ومع التشويه المريع الذي حصل لتلك الرموز وترسيخ الصور النمطية وتعميمها على كل من له علاقة بها، أردت أن لا ينسى الناس أن امرأة محجّبة مبدعة وحرّة ليست أمرا ممكنا بل حتميا، مقتفية بذلك أثر جدتي المحجبة الفنانة المبدعة المؤمنة التي أقنعتني كم أن الله جميل يحب الجمال، والتي علمتني الغناء والرقص والشعر، والتي اكتشفت من خلالها أن عهدا صادقا يقطعه لبعضهما حبيبان بوجود شاهدين مدنيين هو زواج شرعي مئة بالمئة مبارك من العناية الإلهية من دون حاجة إلى وساطة رجل دين. هكذا تزوجت هي وهكذا ارتبطت أنا بحبيبي، وهو ذا العهد الذي اتمنى أن يرتبط به أولادي وأولاد جيلهم في بوتقة من المواطنة السواء، وهو أمر دونه مطبّات عديدة وحواجز كثيرة أدناه خطان أحمران بل قانيا الحمرة: أولا فصل الدين عن الدولة وبالتالي فك ارتباط المواطنة بالمذهب الديني، وثانيهما حق إعطاء المواطنة اللبنانية جنسيتها وهويتها لأولادها!
منذ أن اخترت المسرح مارسته فطريا كفضاء مفتوح على الحياة. ومع تطوري المهني ونمو تجربتي ازدادت قناعتي بهذه الممارسة وازداد وعيي بالمسؤولية التي أراها في صلب دور المسرح وهو المسمى منذ نشأته "تياترون" اي المكان الذي منه نرى. ونون الجماعة يراد بها جمع المواطنين: جمهوراً وممثلين. الجمهور يرى حيز التمثيل، الممثلين، تمثيلاته، المواطنين الآخرين. والممثلون يرون صورتهم وصورة المدينة، أي الجمهور، تلك النواة الديموقراطية، التي أعطتهم حق الكلام السياسي وحرية القول والنقاش وكانت علة وجود المدينة ووجود المسرح. هذا الفضاء الحر، تلك الأغورا لا زالت ممكنة ولنا على ذلك شواهد أسرعها إلى الذهن تجربة "الفن ميدان" في مصر. التحدي كبير، وما بين ميادين التحرير وميادين الفن مجازر أولى وثانية وثالثة و"رابعة"...، إلا أن أجسادا وأرواحا وأصواتا وعيونا وأفكارا استعادت حقها بالحرية ولو لهنيهة لن تكون البتة ما كانته من قبل، فهل نختار الانضمام إلى هذا المجرى أم البقاء بعيدا عنه نحدّق به ونحن نكاد نموت من العطش؟

***

بدأت فكرة "الفن ميدان" بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني مباشرة في إبريل/نيسان 2011، وهو عبارة عن فاعلية ثقافية وفنية تقام في الميادين والشوارع بالعديد من المحافظات في نفس التوقيت في السبت الأول من كل شهر. أقيم "الفن ميدان" في العديد من محافظات مصر مثل الإسكندرية والأقصر والوادي الجديد والمنصورة، ولكن مكانه الأشهر ظل في القاهرة في فناء قصر عابدين بحكم قربه من ميدان التحرير .طرحت فكرة "الفن ميدان" في البداية آنذاك لاستعادة حق الناس باستعمال الفضاءات العامة للتجمع والتعبير الحر، ولتشجيع ألوان الفنون العديدة التي ظهرت فى ميدان التحرير أثناء اعتصامات المتظاهرين في الميدان ما بين 25 يناير/كانون الثاني و11 فبراير/شباط،. ولكن "الفن ميدان" صار الآن علامة على غياب الثورة بعد أن منعت الأجهزة الأمنية في ظل الحكم العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي تلك التظاهرة الثقافية الفنية خوفا من تحولها إلى مظاهرة تذكر الجميع بالميدان وثورته.
فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة هو عملية عسكرية حدثت في 14 أغسطس/آب 2013 ، حيث قامت قوات الشرطة والجيش بالتحرك لفض اعتصامات المعارضين لانقلاب 3 يوليو 2013 في مصر . اختلفت التقديرات حول عدد القتلى والمصابين في الأحداث حيث جاء تقرير وزارة الصحة المصرية بـ 670 قتيلا ونحو 4400 مصابا من الجانبين. وصفت منظمة هيومان رايتس ووتش ماحدث بأنه على الأرجح جرائم ضد الإنسانية وأخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث. نفت الحكومة المصرية ومنظمات حقوق الإنسان المصرية هذا التقرير ووصفته بأنه مسيس .

***
النص نقلا عن http://howlround.com/an-opposite-is-made-visible-by-another

خالد الحروب «سيد قطب» متخفياً في كتاب «استحالة الدولة الإسلامية» 1

سبتمبر 25, 2016 اضف تعليق
 عن جريدة الحياة 

يقود كتاب وائل حلاق المهم والعميق The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (الدولة المستحيلة: الإسلام، السياسة، والمأزق الأخلاقي للحداثة) إلى خلاصات ونتائج عدة، ويعيد فتح أبواب النقاش حول الدين والسياسة، بل يخلط الأوراق في شكل مثير. والأهم أيضاً أن كثيراً مما يطرحه الكتاب جاء على غير ما هدف إليه الكاتب، الضليع في دراسات القانون الإسلامي، والمطلع باقتدار على سجالات الفكر الغربي الحداثوي في مسائل السياسة، والأخلاق، والدولة، والقانون.

الأطروحة المركزية في الكتاب وكما يسطرها حلاق بوضوح في المقدمة، تقول باستحالة تحقق فكرة الدولة الإسلامية، وأن هذه الدولة بمدلولاتها وصيغتها الحديثة لم توجد أصلاً في التاريخ الإسلامي. وما شهده ذلك التاريخ هو أنماط من «الحكم الإسلامي» الذي تأسس على منطلقات ومبادئ وسياسات وغايات (أخلاقية جزءاً وكلاً) تختلف كلياً وجذرياً عن منطلقات ومبادئ وغايات وسياسات «الدولة الحديثة» (المادية جزءاً وكلاً).

يجادل حلاق بأن ثمة تناقضاً ارتطامياً لا يمكن تسويته بين فكرة «الدولة» كما تطورت في الغرب وقدمت نموذجها الخارج من سياق وتجربة غربيَين خاصَين، والإسلام كدين نشأ وتطور في الشرق وقدم نموذجه المتطور من سياق وتجربة خاصَين آخرَين.
يبني حلاق معمارين منفصلين تماماً: الفكر الغربي ومصادره ومنظومته الفلسفية الحداثية القائمة على ظافرية الإنسان وانعتاقه من الميتافيزيقيا والسلطات الدينية، وعلى إرادة تغلبه على الطبيعة، وإيمانه المادي بالعلم والتطور، والفكر الإسلامي ومصادره ومنظومته الأخلاقية القائمة على الميتافيزقيا والشريعة، وإرادة تعبد الإنسان خالقه من طريق ممارسته حياته واجتماعه وسياسته وفق التعاليم الدينية المتساوقة ورؤية كونية للإنسان والحياة الراهنة والأخروية. لا يمكن أن يتصالح هذان المعماران كما نستشف بوضوح من الكتاب، لذلك فمقولة الشاعر الإنكليزي كبلنغ في أواخر القرن التاسع عشر ومن موقع ازدرائي متعال إزاء الشرق بأن «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» تتأكد وتتأبد هنا. والجهد المضني الذي بذله إدوارد سعيد ونقاد الاستشراق، في دحض أية جوهرانية يُوصف (أو يُتهم) بها الشرق، يمضي أدراج الرياح مع أطروحة حلاق الجوهرانية، التي تخلع على الإسلام والشرق طبيعة من نوع خاص تختلف عن باقي البشر، جوهرها طبيعة الدين الذي يحدد حيواتهم ويتحكم بها بتمايز لا نراه عند الآخرين. حلاق ينطلق في كل ذلك من موقع المدافع والمنظر البارع لخصوصية إسلامية جوهرانية متميزة، تجعل المسلمين مختلفين مبدئياً وغائياً عن بقية البشر.

يتناول حلاق في كتابه «الدولة الحديثة» وأسسها ومنطلقاتها، و«الحكم الإسلامي» وأسسه منطلقاته. يفكك نظام «الدولة الحديثة» ومفرداتها الأولية ليثبت عدم إنسانيتها وماديتها وجبروتها الطاغي، وتحويلها ذاتها إلى ذات مقدسة علوية بقاؤها هو الغاية النهائية، ذلك لا يكون إلا على حساب «مواطنها» التابع والخادم لها. لا يترك حلاق مقولة صلبة من المقولات الحداثية التي أعلت من شأن القوة المادية وجسدتها في الدولة إلا وضمّنها نقاشه. وفي قلب ذلك النقاش، استهدف فكرة السيادة التي تستند إليها الدولة وتعتبرها أقنومها المقدس الذي يجب أن لا يُمس. حشد حلاق في إدارة معركته ضد الحداثة ودولتها أقسى نقاد الحداثة الغربيين، متجاوزاً «نقد ما بعد الحداثة» إلى ما هو خارجها تماماً، إلى طرح بديل مختلف كلياً وجذرياً لا يجامل في لفظه الحداثة وكل مشروعها جانباً، وهو بديل «الحكم الإسلامي». دولة الحداثة بالنسبة إلى حلاق هي أصل الشرور الإنسانية الحديثة، فهي مستبدة جوهرياً وإن زعمت أنها ديموقراطية ومساواتية، وسلطاتها التشريعية والتنفيذية متماهية وإن زعمت بوجود فصل للسلطات في آلياتها، وهي في نهاية المطاف متعالية على الإنسان «مواطنها وتابعها» ومستعدة لطحنه من أجل بقائها من خلال مفهوم «التضحية من أجل الوطن». والنخب الحاكمة في الدولة الحديثة تولدت من وسط الناس، من المواطنين، ولذلك اضطرت هذه النخب للبقاء على تواصل مستمر مع الناس تعزيزاً لشرعية وجودها في الحكم، وعن ذلك تولدت آليات الديموقراطية والانتخاب والتمثيل، ثم محاولة تقسيم السلطة على فروع ثلاثة مستقلة عن بعضها (وهي محاولة فشلت برأي حلاق).
في المقابل، في الحكم الإسلامي، ليس هناك شيء اسمه «وطن» تتوجب التضحية من أجله، وليس هناك دولة لها الحق أن تفرض على الأفراد ما تريد. ما يتواجد في الفضاء الإسلامي هو إدارة لأحكام دينية مُسبقة التشريع لا دخل للأفراد أو أي سلطة بشرية فيها، يظل الفرد فيها حراً وطليقاً من أية سلطة مفروضة كتلك التي تفرضها «الدولة الحديثة» (لكنه خاضع للسلطة الأخلاقية للشريعة). السلطة التشريعية في الحكم الإسلامي هي بيد الله، أما القضاة والفقهاء والمفسرون فهم مجرد أداة لتوصيل وتفسير أحكام تلك السلطة، ولا يملك أي كان حتى الحاكم المسلم أو الخليفة أن يتدخل في تلك الأحكام، خصوصاً أن سلطة القضاة والفقهاء قوية ومستقلة عن الحكام. وعززت تلك الاستقلالية مسألة كون الخلفاء والأمراء في معظم فترات التاريخ الإسلامي غرباء عن السواد الأعظم من الناس (مغول، مماليك، فرس ...)، الأمر الذي لم يوجد أية صلات عضوية بينهم وبين المحكومين، وأبقاهم، أي الحكام، معزولين في قصورهم وسرادق حكمهم، فيما القضاة والفقهاء والعلماء يقومون بدور الجسر بينهم وبين المحكومين. هذا التوزيع، أو المقايضة في الأدوار، حفظ «استقلال العامة» عن الحكام، واستقلال القضاة عن الحكام والمحكومين، وفق ما يرى حلاق. الأمر الأكثر جرأة وغرابة ويطرحه حلاق يتعلق بمفهوم المواطنة والتضحية. فوفق ما يرى، ليست هناك «تضحية من أجل الوطن» في الحكم الإسلامي بل هناك جهاد ضد «غير المسلمين». وحتى هذا الجهاد لم يكن يقوم به الأفراد أنفسهم، مجبرين، بل جله قام به أبناء السبي الذين سباهم المسلمون وربوهم في معسكرات خاصة وأنشأوهم نشأة عسكرية حربية بحيث لم يدخلوا في بنية المجتمع المسلم ولا يعتبرون جزءاً منه، بل ظلوا خارجه مهمتم الوحيدة الحرب والدفاع عنه. لهذا يرفض حلاق فكرة التجنيد العسكري التي جاءت بها الدولة الحديثة، ويراها دموية تطلب من الأفراد الموت والتضحية من أجل الدولة، ولا يرى لها نظيراً في الحكم الإسلامي الذي حل المشكلة من طريق السبي وبالتالي حفظ أفراده من الجهاد والتضحية.

والأمر المحير أيضاً في أطروحة حلاق، وتعزز المقولات التي تؤبد تشريق الشرق وتغريب الغرب، يكمن في إعادة إنتاجه فكرة دار الحرب ودار الإسلام، وإعادة إنتاج خطاب الجهاد الحربي وأهدافه في نشر الإسلام بالسيف. لا يلتف كثيراً إلى المقاربات الفكرية والإسلامية التي ألغت أو خففت من صلابة هذه الفكرة وتقسيماتها الدموية للعالم، وهو ديدنه في الاستخفاف بكل جهود تلك المقاربات وبكل ما يراه «مجاملات» غير أصيلة للحداثة ودولتها وأفكارها، وهي «مجاملات» فكرية لا علاقة لها بالمنظومة الأخلاقية الكبرى التي ينطلق منها الحكم الإسلامي. كيف وفق حلاق بين أخلاقيات تلك المنظومة المفترضة وكثير مما يُقره، مثل استرقاق آخرين للدفاع عن الأمة، ليس إلا واحداً من أسئلة كثيرة محيرة تظل برسم الإجابة. في قائمة هذه الأسئلة، وهو ما يناقشه الجزء الثاني من هذه المقالة نواجه التالي: أين هي قيمة الحرية في كل هذا النقاش؟ حرية الفرد وحرية الجماعة والحرية من الاستبداد؟ الحرية هي المسكوت عنه الأكبر في طرح حلاق. ما هي تاريخانية ولا تاريخانية قراءة حلاق في الفكر والتجربة الحداثية لمسألة الدولة الحديثة ولمسألة الحكم الإسلامي، وإلى أي درجة تنطبق مثالياته التي يرسمها في كتابه على التاريخ العملي لحقب الحكم الإسلامي؟ وما هي الحدود الفاصلة بين طروحات حلاق الصارمة حول الحكم الإسلامي، ونزع أي سلطات سياسية تشريعية من الناس وتحويلها إلى الشريعة (أو بالأحرى إلى مفسريها) وطروحات سيد قطب حول الحاكمية، وما أسسته من إسلاموية حركية شوهت الفضاء العربي والإسلامي برمته؟


* كاتب وأكاديمي عربي

صالح علماني من عزلة “ماركيز “.. إلى انتصارات لواء القدس

سبتمبر 25, 2016 اضف تعليق

 ناصر علي – الغراب

يبدو صالح علماني رجلاً دمثاً ومحبوباً في أوساط المثقفين، على أنه مترجم ممتاز ونخبوي، وتحديداً في فورة الكتاب اللاتيني، الذي اكتسح السوق والقراء، في فترة ارتفاع الرايات الحمر، وغلواء قصيدة النثر والقصة القصيرة جداً…والوطن العقائدي.

في أوائل 2011 بدت ملامح كل هذا الرعيل وتابعيه، من اليسار إلى أقصى اليسار، بالنباح على المتظاهرين الخارجين من الجوامع على أنهم دعاة تكفير، وانقلاب على قيم الحرية، التي وجدوها خارج بيت طاعة الأسد.

لا يباغت يقظتك، أن يخرج نبيل صالح وبسام القاضي، ويطالبان بتدمير دوما وحرستا، ويمجدان الجيش والقائد. ولا خطابات حسين جمعة وجوقة اتحاد الكتاب العرب، في القومية والمقاومة والثورة البعثية. ولا احتفالات حسن حميد وفرقة المديح، من كتاب جريدة البعث العاطلين عن العمل، في ملتقيات القدس ،والدفاع عن ثورة فلسطين وحزب الله، في المستشارية الإيرانية… كون كل هذا الفريق كان مصفقاً ومتصالحاً مع ذاته المخابراتية، وصولاً إلى اتحاد الصحفيين بزعامة الياس مراد.

ربما تتفاجأ بـ “صالح علماني” وهو المترجم المبدع الخارج من عزلة ماركيز، وأسماء  جوزيه ساراماغو، ونشيد باولو نيرودا إلى كل الأعمال التي كان من الممكن أن تترك أثراً في روح المترجم العتيق غير هذا التشبيح من مديح وليد المعلم إلى مديح انتصارات اليوم في “حندرات” على أيدي لواء القدس الفلسطيني، ودم حلب ما زال طازجاً ويراق.

يسب القطريين ويلهث وراء دولاراتهم، ويلعن السعوديين ويبش في مقابلاتهم، وفي نفس الوقت ما زال يحلم ببيته الضيق عند جسر الحي الشمالي في المعضمية حيث أغرم أول مرة بالشبيحة الذين قتلوا من آواهم عندما جاؤوها جائعين.


ما يزال علماني العلماني مغرماً بصبيان أحمد جبريل وهم يدمرون المدن السورية، ومنتشين بحبوب الهلوسة، وما زال عقل الرجل متيماً بأنموذج القائد العقائدي وفكر منظمات اليسار التي حولت المخيم إلى بيت بغاء.

عن مدونة الغراب

أمجد ناصر... الجريمة (عن ناهض حتر)

سبتمبر 25, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك


أعرف ناهض حتَّر مذ كنا مراهقين تقريبا. جمعنا الشعر وحلم التغيير، ثم فرقتنا السياسة والمواقف المتناقضة، خصوصا من المأساة السورية. منذ بداية حرب النظام السوري على شعبه توقف الاتصال كلياً بيننا. حتى لمجرد التحية والسلام. فقد كان تشخيصه على الضفة الاخرى لما أفكر فيه وأعتقده وأكتبه. لم يكن هناك جسر لنعبر عليه. انزعجت عندما حملوا عليه هذه الحملة الظلامية. أشعر بندم الآن لأني لم اكتب عنه في حينها ولو من موقع الاختلاف التام. لم يحلوا دمه لأنه يقف الى جانب النظام السوري و"محور المقاومة"، ولا لأنه يشط بعيداً في تصوره للهوية الأردنية ويكاد يجعل لها تاريخاً من بنات أفكاره، بل لأنه نشر رسماً، ليس من صنعه، لتصوّر داعش للجنة، كما اعتقد. الدين لم يكن يوما قضية لناهض حتر، أيضا حسب ظني. اقصد لا سلبا ولا ايجابا. كان البعض يراه طائفياً.. ولكنه لم يكن دينياً. مشكلة ناهض الحقيقية حدَّته التي تلغي الارض المشتركة مع الآخر وتحوّله خصماً. هناك مئة قضية اختلف بها مع ناهض حتر ولكن ليس إلى حد أن يجندل أمام المحكمة بسبع رصاصات! هل هناك احتقار للحياة الانسانية والقانون كما هو عليه الحال في هذه الجريمة النكراء؟ ناهض كان صديقي.. وعندما كان صديقي كنت قد أهديته هذه القصيدة من ديوان الثاني "منذ جلعاد".. وها انا اعيد نشرها في وجه الرصاصات التي اخترقت جسده، ولن يكون بعيداً أن تخترق اجساد آخرين غامروا بالاقتراب من الارض التي يسيجها الظلام بالحراب. 
ناهض كان شخصا دراميا ومات ميتة درامية. أنحّني الآن كلَّ شيء وأقول لك سلاماً يا صديقي:
أيها الاقليم أعلن العصيان
(إلى ناهض حتر)
أسئلة مقترحة:
ما الذي ينبغي قولَه
أيها الفتى البدويُّ:
للأرضِ التي نعرفُ فطرها قُبَّيلَ الرعدِ
ونعرفُ كبواتِ خيولها
ورائحةَ قراها الجافَّةِ في العشيّات،
للمدينة المتكئةِ على أضلاعنا السبعةِ،
وللأصدقاء وهم يصفطون
مناشفَ الوجهِ
ماكناتِ الحلاقةِ
خُصلاتِ الشَّعرِ المعطَّرة
في حقائب السّفر.
وما الذي ينبغي قولَه، أيضا،
يا ناهض حتر
للأشجار، عندما مسرعةً تمرُّ
في الصوّرِ الملتقطةِ من الريف
لزوجة النقابي
وهي تسألُ عن فداحةِ الإضرابِ
لعشائرَ النعيماتِ
والزريقاتِ
والنوايسة
والبطانية
وبني حسن
و....
و....
أليستْ عشائرُنا
تلك الطالعةُ من البحر الميت؟
أو ليست أغصانُنا،
تلك المتهدلةُ على جثة الرمل؟
اختيار:
ما تبقى لنا هذا الخَصاصُ، الضيّقُ،
أم تلك الشاهدة؟
أيهما نختار؟
إن مائةَ ألفَ بندقيةٍ مصوّبة نحو الجبل
مائةَ ألفِ كتفٍ
مائةَ ألفِ زناد.
تثاءب ملكُ الحكايةِ السعيدُ
ونطق كلمةً مبْتلةً بلعاب الشهوة،
كلمةً واحدةً ثم
دوَّت الطلقات.
فتصاعدَ الدخانُ
من رأسِ جلعاد .
ولم يهوِ الجبل.
أيها الاقليم:
ليقترب بعضنُا من بعضٍ
فرائحةُ الانسان ـ حتى الجثّةِ ـ
أكثرُ إنعاشاً من رُخامِ الشاهدِة
هذه يدي طرقاتٌ لعبور الخيل المنتسبة إلى السليك ابن السلكة
وهي لا تزال محتشدةً للمصافحةِ
وهذه يدي الأخرى
معبرٌ لشفراتِ العصرِ
والظلال الطامحةِ إلى الرؤيا،
ولما تزل متوهجةً كالجمرةِ
في البرّ الوحيدِ.
ليقترب بعضُنا من بعضٍ
قبلَ اشتدادِ سوافي الفوسفاتِ
على أرضنا الخفيضةِ،
قبل امّحاءِ آثار الإبل
ذات السنامِ الواحد.
لنقترب بعضُنا من بعضٍ
ولنفكر بابتهالاتِ
المطر
الأرضِ المستصلحةِ
المحاريثِ
الزرائبِ
اتحادِ الفلاحينَ،
قناةِ الغورِ الشرقيةِ،
السمادِ الكيماويّ،
وقبل أن نُخرجَ غَدّاراتنِا
ذواتِ الطلقةِ الواحدةِ
من حظائر الماشية،
علينا أن نفكِّر:
هل هبّتْ رياحُ الغورِ؟
إذن،
أيها الاقليمُ أعلنِ العصيان.
بيروت ـ كانون الثاني 198

محمد خضير... عن الاتحاد العام للأدباء العراقيين والفرصة الضائعة

سبتمبر 24, 2016 اضف تعليق
عود على بدء:

مرة اخرى يضيع الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين فرصة في اليد لتعزيز دوره في توجيه الحركة الثقافية في البلاد ، ويتخذ قرارا ملحا لترسيخ تقاليد ديمقراطية ينفرد بها عن المسار "الذيلي" الذي رسمته له سلفا مركزيات عليا لا يجرؤ على تحديها.


ما دواعي هذا التنبيه الشرعي في هذا الوقت لا غيره؟
اجتمع في نهاية الاسبوع الماضي رؤساء الاتحادات الفرعية المنتخبة في الدورة الجديدة التي ستسود اربع سنوات قادمة. وكما اعلم انه الاجتماع الموسع الاول لهم في بغداد. وما تسرب من توصيات الاجتماع نقله لنا رئيس فرعنا في البصرة بعد عودته من الاجتماع مباشرة. وما تقرر هناك لا يتعدى الشؤون الادارية الروتينية كاستحصال بدلات الاشتراك، وجرد عضوية الادباء في الاتحاد، ومهرجان المربد، وتخصيص الاراضي السكنية للاعضاء في محافظاتهم، وغيرها من امور طارئة لا تضيف موقفا جديدا ولا تغير مسارا قديما لاهم مؤسسة ثقافية مستقلة. 


اعتقد ان الاجتماع اهمل واحدة من مهمات الدورة الجديدة العاجلة، يطالب بها الادباء والكتاب المنخرطون في الاتحاد قبل اي مهمة اخرى. واعني بتلك مهمة تعديل النظام الداخلي للاتحاد بما يرسم لاعضائه مسارا جديدا يشعرون ان المسارات الاخرى قد زاحمتهم عليه. كان على الاتحاد ان يحتسب لما يأتي من سنوات اربع تستوجب وضع اسس وقواعد تمنحه القسط الاكبر والمبادرة الاولى في توجيه الحياة الثقافية لآلاف الادباء والكتاب ونزعهما من ايدي الاحزاب والمؤسسات المتحكمة برقبة الرأي الثقافي والسياسي العام في هذه المرحلة الانتقالية المهمة. وليس في هذا الاحتياط ما هو أقل من وضع نظام داخلي انتقالي يتناسب وضرورات المرحلة. 


هل ننتظر من المجلس المركزي، ومسؤولي الاعلام فيه، مؤتمرا صحفيا، او بيانا تنشره الصحافة، يواجهان فيهما الاسئلة المحتبسة في صدور من يهمهم رسم هذا المسار الجديد، بدلا من اسلوب الوصاية القديم؟


الامل في المجلس الجديد انه يتفهم الخيارات والسبل التي تنشط قدرة الادباء والكتاب على التفاعل الحر بين المركز ومحيطه الثقافي والسياسي، وتسمح لهم بتجديد الثقة بمن انتخبوهم وولوهم امورهم اذا اباحت الضرورة ذلك..



قاص عراقي والمقال عن الفايسبوك

فايسبوكية لوسام سعادة

سبتمبر 24, 2016 اضف تعليق
قرصنات الرومي


الحرب تنظيم. الثورة تنظيم. عندما تدخل في الحرب وتعول على المخاض الحيوي الخلاق، أو عندما تدخل في الثورة وتعول على المخاض الحيوي الخلاق، فحينها عليك أن تكون واضحاً بأنك تعوّل على هزيمتك، علها تولّد مفعولا تراجيديا ما.

أما اذا كنت تقصد "الجرأة على الكفاح، الجرأة على النصر" اذا ما استعدنا شعار الرفيق ماو تسي تونغ، فعليك بأقل تقدير أن تعلم أو أن تتعلم بأن الحرب تنظيم، والثورة تنظيم، وأن المعركة في الحالتين يكسبها بين المتحاربين او المتصارعين الأكثر تنظيما، وليس الأكثر أحقية، ولا الأكثر مظلومية واضطهادا. 

والانتفاضات الشعبية العربية لعام 2011 التي تباهت نخبها الإسلامية والليبرالية واليساروية بأنها تتجاوز التنظيم وتتجاوز كذلك الامر الأيديولوجيا المهمومة باعطاء نفسها تسويغا علميا أو علمويا لصالح الادلجة الاخلاقوية المحض، تتجاوز القيادة المبلورة والمجربة، والزعامات الكاريزمية الثورية لصالح الليدرشيب المدني وأمير الفصيل الجهادي، هي انتفاضات تثبت أكثر من ذي قبل راهنية ما خالفته وناهضته "وتعففت عنه"، وليس راهنية ما انتهجته. 




أن يكون رموز النظام العربي السابق لعام 2011 هم الذين ما زالوا يرطنون ببقايا مقولات الطليعة الثورية، فهذا لا يقدم ولا يؤخر، بأنه فعلا لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية، ولا حركة ثورية بلا تنظيم ثوري، مركزي، هرمي، وضرورة أن تكون هناك قيادات كاريزمية. 

أيعقل أن مشروع الكاريزما الوحيدة الذي نبته "الربيع العربي" هو أبو بكر البغدادي، مع أنه حرمنا في نفس الوقت من إيقاع زمني مقبول لظهوره المرئي والمسموع، فخطب تلك الخطبة من جامع نور الدين زنكي في الموصل، ولم يظهر بعدها الا في تسجيل صوتي؟

خالد مطلك... عالم (الحمقى) الجميل

سبتمبر 24, 2016 اضف تعليق

لدى المغنية الاميركية تايلور سويفت 91.3 مليون متابع في الانستغرام، وتتفوق عليها مواطنتها سيلينا غوميز برقم 99.9 مليون متابع. اتباع تايلور سويفت يطلقون على انفسهم سوفتيز ( swifties) واتباع سلينا غوميز يسمون انفسهم سيليناتورز ( selenators) وبين الطرفين حرب خفية غير معلنة.. وهما مثالان جيدان على دور السوشيال نيت وورك، وأثرها في تغيير طبيعة الأسئلة التي انشغل بها العالم منذ الاف السنين .

البشرية جربت الاديان والفلسفات وخاضت في سبيلها حروبا مريرة وقاسية ووحشية، وجربت العقلانية والحداثة والأيديولوجيات، وخاضت حروبا اكثر شراسة، جربت تشظي ما بعد الحداثة ونهاية القيم، فظهرت الحروب الذكية والارهاب والكراهية.. لماذا لا تجرب عالم (الحمقى) كما تسميهم جوديث باتلر ، وهم صنف المشاهير الذين لا يحملون افكارا راسخة، كل هموهم هي جعل الحياة اكثر متعة وجمال وتعصب لطيف..

الحماقة لم تعد صفة مزعجة، هي المسرح الذي يتحرك عليه عالمنا اليوم، فسلينا غوميز اليوم هي اكثر تأثيرا من بابا الفاتيكان، الذي كان في يوم من الايام يعين الاباطرة والملوك. وتايلور سويفت، هي اكثر أهمية من أفلاطون الذي ضحك علينا بمثاليته ... هذا هو العالم القادم الذي نشهد بدايته، حتى لو كان لا يعجبنا فانه ات لا محالة.

قد تنقذ (السطحية) كوكبنا من الحروب والمآسي والكراهية .. لان الافكار والعقائد (العميقة) قد ذبحتنا وأهلكت مليارات من البشر ..
لنحجز مقاعدنا في المعركة ، فانت اما (سويفتي) وأما (سليناتور).. لا تخف عزيزي القاريء، ليس هناك مقدس في الموضوع ولا (خط احمر) ولا (تاج راسك ).. تستطيع ان تغير مذهبك يوميا فقط بكبسة لايك .. وتستطيع ان تترك دينك وتتحول الى كيتي بيري، او جستن بيبر او اي نبي اخر جديد يتبعه ملايين البشر ..
(*) كاتب عراقي
قرصنات الرومي عن الفايسبوك

أنس العباس... (كلمة حب إلى يحيى جابر):

سبتمبر 24, 2016 اضف تعليق
يحيى في مسرحيته الجديدة مع انجو ريحان،الصورة للمدن

لكل مدينة فنانها الذي لا تخطئه العين، ولبيروت يحيى جابرها.
من زمان، 1993 إن لم تخنّي الذاكرة، في مجلة الناقد، قصيدة بعنوان "كلاشنكوف" موقعة باسم يحى جابر، وجدها اليافع الذي كنتُه مختلفة، دون أي دراية نقدية، فحفظ اسم شاعرها.
بعدها، والعالم ينسلخ من جلده السموميّ القديم، دون ندم، جاءت "عواصم من خطأ" ثم "كلمات سيئة السمعة"، و"الزعران"... وكل مرّة بيروت تشبه اسمها أكثر، مقبرة فيلة، آبار مردومة على أغانٍ وجثث.
جئت لأدرس في بيروت، ولم أستغرب البحر، ولا الأبنية التي تصدّعت ذاكرتها، وتبعثر النمش على وجهها في سنين الحرب، كأنني أقتفي خطواتي العتيقة في الفاكهاني وكراج درويش، وأشم في سوق اللحمة في صبرا نبوءة الرائحة، لذلك تعلمت باكراً الهروب في ليل الحمرا لإيفاء نذور الكؤوس.
كان بعض الأصدقاء يتهامس ونحن نعبر أمام الكوستا: يحيى جابر! بعضهم كان يقتحم طاولته ليسلم عليه. بعد سنوات، أو أيام، الأصدقاء أنفسهم يشتمونه: حريري.. بتعرف أديه قبض لما نظّم احتفالية 14 آذار... بتعرف .. بتعرف؟!
أنا أعرف الشاعر من بعيد، مثلما تنعكس شجرة في مرآة سيارة، ولا أجالسه، فلا مواضيع مشتركة بيني وبين الشعراء.
أبو زكريا الجميل لا منصب ولا مال، وهذا مريح كي أقول له احترامي دون شبهة التملّق. هذا الكلام فقط للذين: "قفزوا من بقعة الدم إلى بركة الحبر، وكانت القصيدة خشبة خلاصهم من وحل الأيديولوجيات والمعارك".