مستشرق إسرائيلي: مصر تتفكك ومطروح عاصمة للأقباط

أغسطس 31, 2016 اضف تعليق


الدول العربية تتفكك، تنشأ كيانات جديدة، في مصر تقام دولة للأقباط في محافظة مطروح التي يتزايد فيها شراء الأقباط للأراضي حاليا، في ليبيا تنشأ أربعة كيانات، وفي لبنان من شرق بيروت حتى طرابلس سيحكم المسيحيون، بينما سيحكم السنة في طرابلس وبعض أجزاء العاصمة، وحزب الله في الجنوب. العراق أيضا ستقسم لثلاث دول وكذلك سوريا واليمن والسودان.


كان هذا بعض ما خلص إليه المستشرق الإسرائيلي "إيدي كوهين" زميل أبحاث في المركز الدولي للإعلام " CIC” بجامعة "بار- إيلان". في مقاله المنشور بصحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ 31 أغسطس 2016
تحت عنوان "الشرق الأوسط: خطة التقسيم".

إلى نص المقال..
دائما ما تتلو الدعاية العربية التعويذة التي تقول إن الصهاينة بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية يحاولون تفكيك وتقسيم الدول العربية للسيطرة على ثروات الشرق الأوسط. اليوم أيضا يمكن أن نرى مقالات رأي في الصحف العربية تتهم إسرائيل بهذه المؤامرة.

لكن لسخرية الأقدار أن العرب أنفسهم بدأوا في السنوات الأخيرة مسيرة التدهور والتفكك، التي في نهايتها يمكن الافتراض أنهم سيُقسَمون لعدة دويلات ونتيجة لذلك تظهر كيانات جديدة في منطقتنا. فالشرق الأوسط على وشك التبلور في شكل جديد، سوف يرافقه لسنوات عديدة قادمة.

إحدى انعكاسات الربيع العربي أنه رسخ الانقسام في المجتمع العربي، ووسع الفجوة بين الدينيين والعلمانيين، وبين التابعين للسلطة والقوميين وبالطبع بين السنة والشيعة. إن المعارك التي نجمت عن الصراعات المستمرة في عدد من الدول سوف تؤدي في نهاية المطاف، وفقًا لتقديرات خبراء في العالم العربي وتماشيًا مع المزاج العام في المدونات والقنوات الإعلامية المهتمة بالموضوع إلى تقسيمها. وغني عن الذكر أنَّ الحديث يدور مع ذلك عن تقديرات فقط، لكن بات معلوما أن الشرق الأوسط أصبح لغزًا مثيرًا، وأن محاولة التكهن بمصيره مثيرة في حد ذاتها.

لنبدأ بمصر: أدت الإطاحة بالرئيس مرسي إلى حكم شمولي ولصراعات قوى بين الإخوان المسلمين والمؤسسة الحاكمة، في ظل الإضرار المستمر بالأقلية هناك، أي الأقباط (المسيحيون)، فدائما ما يدفع الأبرياء ثمن الكراهية والعنصرية.

وفقا للحاضر، يتضح أن تغيرات هائلة سوف تحدث في مصر. اليوم، وبتشجيع المؤسسة المصرية، تجرى عملية هجرة سلبية، تهجير حقيقي، لذوي الأصول المصرية العرقية الأصيلة من شبه جزيرة سيناء إلى داخل مصر. في سيناء ليس هناك من رمز لدولة ذات سيادة، بل مناطق عسكرية. فمن يحكم هناك كيانان: ولاية سيناء وأنصار بيت المقدس. مصر على ما يبدو تخلت عن سيناء كي يستخدمها الفلسطينيون. أما الأقباط فسوف يتم تهجيرهم لمنطقة مطروح غرب البلاد، إذ يشتري الآن الكثير من المسيحيين الأراضي هناك.

ليبيا على ما يبدو ستقسم هي الأخرى لثلاثة كيانات: في الغرب سيحكم أنصار ثورة 17 فبراير، الذين حاربوا القذافي، في الشرق يحكم الجنرال خليفة حفتر الذي يقاتل الإسلامين المتشددين وفي جنوب ليبيا ستحكم عشرات القبائل البدوية، وهناك تقام دولة القبائل.

لبنان الآن مقسمة فعليا بل ومشلولة. لا يسمح الإيرانيون بتأييد حزب الله بانتخاب رئيس مسيحي ماروني يحظى بإجماع كامل من الشعب، لكن الاتجاه هو أن الجنوب تابع لحزب الله، أما الدروز كعادتهم فسوف يديرون حياتهم في الجبال، مثلما فعلوا طوال مئات الأعوام، ومن شرق بيروت حتى طرابلس سيحكم المسيحيون، بينما سيحكم السنة في طرابلس وبعض أجزاء العاصمة.

في سوريا سيقيم العلويون وأنصارهم الشيعة دولتهم في ساحة طرابلس، فيما سينشئ المسلمون السنة دولة في حلب، وفي الشمال يقام كيان كردي في القامشلي، يتم ضمه سياسيا وجغرافيا لجمهورية كردستان.

بعد انهيار نظام صدام حسين وخروج الولايات المتحدة من العراق، تزايد الاقتتال وصراعات القوى بين السنة والشيعة الذين يحظون بدعم إيران. كما قلنا، في شمال البلاد، إقليم كردستان- إربيل- ستقام الدولة الكردية. في الشمال بمنطقة البصرة، تقام دولة الشيعة، بينما يحصل المسلمون السنة على العاصمة بغداد، والموصل والفلوجة.

الدول التي قسمت في الماضي البعيد أو خلال السنوات الماضية، هي السودان واليمن. في جنوب السودان أقيمت جمهورية عاصمتها جوبا، وظل الشمال تحت سيطرة عمر البشير، وتتحدث الأنباء الآن عن إمكانية إنشاء دولة ثالثة بإقليم دارفور.

ظلت دولة اليمن مقسمة لعشرات الأعوام ووُحدت مجددا عام 1990. اليوم، في أعقاب فشل الثورة، استغل الحوثيون بإيحاء و دعم إيران، الفراغ السياسي لإقامة كيان يمني شيعي جنوب البلاد. أما فيما يتعلق بالسنة، فسوف يظلون في الشمال قريبون من جارتهم السعودية، التي دعمت النظام اليمني في صراعه ضد الحوثيين.

لا يبدو ذلك الشرق الأوسط الجديد كما تصورناه قبل 20 عاما. أثبت الواقع أن الاستقرار بالشرق الأوسط بعيد المنال، ومن يمكنه تخيل ما سيحدث في النهاية؟.

تسفي برئيل...رسامة الكاريكاتير لن تسكت

أغسطس 30, 2016 اضف تعليق


صحف عبرية
Aug 31, 2016

«شكرا لكم، يا زعماء إيران، على النجاحات العظيمة التي حققتموها، على الارتفاع في عدد الاعدامات، على الارتفاع في معدلات البطالة وعلى الطلاب الذين يعملون في التسول»، هكذا وغيرها من «التحيات» اغدقتها رسامة الكاريكاتير ابنة الـ 29 أتنه فرجداني على مسؤولي النظام الإيراني، بمن فيهم الرئيس حسن روحاني. ويتبين أن فرجداني لا تعتزم الاحتفاظ بفم مغلق. فقد نشرت هذه الرسالة على الفيس بوك بعد وقت قصير من تحررها من السجن في شهر ايار بعد أن قضت 18 شهرا من أصل 12 سنة حبس فرضت عليها. ليس واضحا ما الذي دفع محكمة الاستئناف إلى تقليص عقوبتها بهذا الشكل الدراماتيكي؛ فهل هذا كان الضغط الدولي، او الداخلي، والذي وجد تعبيره في تجند الصحافيين وبالاساس رسامي الكاريكاتير الإيرانيين في صالحها.

اتهمت فرجداني كالمعتاد، بإهانة النظام وزعمائه لأنها رسمت كاريكاتيرا وصفت فيه وزراء الحكومة على شكل حيوانات. بعد وقت قصير من إدانتها فتحت على الانترنت حساب تويتر نشر فيه رسامو كاريكاتير إيرانيون رسومات قلدت اسلوبها ووصفت مظالم الحكم. وسرعان ما انتشر الموقع، وذلك ضمن امور اخرى بفضل الاستضافة التي منحتها له صحيفة «الغارديان» البريطانية.

في مقابلة منحتها لصحيفة «واشنطن بوست» بعد تحررها روت فرجداني لأول مرة عن مصاعبها في السجن، حيث اجتازت ضمن امور اخرى فحص عذرية وحمل وأكدت ما رفضت حتى عائلتها الاعتراف به «بسبب القيود الثقافية والاجتماعية»، على حد تعبيرها. وقد ترافق تحررها باستبدال عقوبتها بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، يمكن لكل تعبير او كاريكاتير لها ان يجد صداه.

في كل الاحوال، لا مجال للقلق: فالسجون الإيرانية لن تبقى فارغة. هذا الشهر فقط حكم بالسجن ثلاث سنوات على الصحافي الكبير عيسى سحرحيز بتهمة «اهانة رجال الحكم والدعاية ضد النظام». وسحرحيز تاريخ طويل من الكفاح ضد النظام: فقبل أن ينشر مقالاته في موقع «روز» الإيراني ـ الذي قيل إنه أغلق لأسباب مالية ـ حول انتقاد حقوق الإنسان في إيران، كان يحرر صحيفة ليبرالية ويدير وكالة الانباء الإيرانية الرسمية «أرنا». وهو عضو في اللجنة المركزية لاتحاد حماية حرية الصحافة وتولى منصب نائب وزير الثقافة في عهد محمد خاتمي.

يعرف سحرحيز السجن جيدا، إذ قضى فيه أربع سنوات بين الاعوام 2009 و 2013 على تأييد الحركة الخضراء لمير حسين موسوي. وسعى سحرحيز إلى تعيين نشيطة حقوق الإنسان نسرين سودوتا كمحامية له. ولكن كان محظورا على سودوتا العمل في المحاماة لأنها هي نفسها كانت توجد على قيد التحقيق. وتكاد لا تكون حاجة إلى الاضافة، حيث أنها هي ايضا قضت سنوات في السجن.

ان متابعة تنكيل النظام بنشطاء حقوق الإنسان والصحافيين هو عمل عبثي ويكاد يكون عديم الجدوى. فثمة احساس احيانا بأن المس المنهاجي بحرية التعبير هو أمر بنيوي جدا في نظام الحكم لدرجة ان الاعتقال لا يفترض حتى التبليغ. ويكفي ظاهرا أن منظمات حقوق الإنسان تملأ تقاريرها، تنشر ملخصات سنوية فتطهر بذلك الضمر العالمي. ولكن في دولة تمنع تركيب صحن لاقط لبث الاقمار الصناعية واستخدام الفيس بوك والتويتر ثمة بالذات حساسية لمزاج الجمهور. وهذا هو احد التفسيرات الأساس لتخفيض العقوبات.

في الاسبوع الماضي مثلا اعتقلت شرطة الانترنت نحو 450 متصفحا نشروا بوستات «ضد النظام» او قاموا باستخدام غير اخلاقي لافلام الموضة. وحسب القانون، محظور إنتاج ونشر ما يعتبر مسا بالدولة او بالنظام، ولا يحق للجمهور ان يستخدم كابل الانترنت العريض، المحفوظ فقط لمؤسسات الدولة والجامعات. ومع ذلك، فان لكل مسؤول في النظام يوجد على الأقل حساب تويتر، والكثيرون منهم يستخدمون الفيسبوك.
مستخدمو الانترنت ايضا، والذين يقدرون بأكثر من 50 مليون، وجدوا العديد من السبل لتجاوز الممنوعات. ومن أجل تجاوز سد السبل في وجه المواقع يستخدم المتصفحون نظام الـ VPN، كما يتجاوزون منع استخدام الكابل العريض من خلال الارتباط عبر الاعمال التجارية المرخصة. ومؤخرا طالب المتصفحون النظام بالغاء الحظر على استخدام الشبكات الاجتماعية، وذلك لرد الحرب على المتصفحين من السعودية ممن ينشرون في الشبكات معلومات عن جرائم إيران. فقد كتبوا يقولون ان «إيران تخسر في الحرب الالكترونية»، ونشرت اقوالهم في العالم وفي إيران.

ومثل الكفاح ضد تركيب صحون التقاط البث من الاقمار الصناعية، والذي لم يمنع اي بيت تقريبا من تركيب صحن كهذا رغم المخاطرة، هكذا فإن المعركة ضد استخدام الشبكات هي كفاح عابث، حتى الرئيس روحاني يعترف بفشله. وتشير هذه الحساسية إلى اهمية التجند للكفاح ضد المس بحقوق الإنسان، إذ أن الحديث يدور عن دولة يعد مثل هذا الكفاح فيها عديم الغاية بسبب التجاهل التام للنظام.


هآرتس 30/8/2016  

أحمد بيضون... سوريا ولبنان: حدود الافتراق حدود الوحدة

أغسطس 30, 2016 اضف تعليق

Aug 31, 2016 القدس العربي
أبيح لنفسي القول أن العلاقات السورية اللبنانية حظيت أخيراً بالكتاب الذي يكافئ أهمّيتها في مصائر الشعبين وغناها بدروس لا يستغنى عنها لفهم التاريخ المعاصر للشرق الأدنى كلّه بل أيضاً لما هو أوسع وأبعد. أشير إلى كتاب أليزابيت بيكار «لبنان وسوريا: الغريبان الحميمان. قرنٌ من التفاعل الاجتماعي السياسي». صدر هذا الكتاب مؤخّراً (بالفرنسية) عن سلسلة «سندباد» في دار «آكت سود» ليحتل مكانه الشرعي بين أعمالٍ كبيرة موضوعة ومترجمة أصبحت تضمّها هذه السلسلة الجسر بين ثقافتين وعالمين. المؤلّفة لا هي سورية إذن ولا هي لبنانية. ولكنها تبذل لقرّائها، في هذا الكتاب، زاد خبرة كسبتها في عقود عدّة من تدريس شؤون المشرق في معاهد العلوم السياسية في فرنسا ومن التأليف في هذه الشؤون والإشراف على البحوث فيها ومن الإقامات المديدة في ديار المشرق وتعرّفها بشراً وعمراناً، اجتماعاً وسياسة، ومن المتابعة المثابرة لما ينشر فيها وعنها.

أقول إن الموضوع حاز أخيراً كتابه المرجع هذا، معوّلاً لا على جودة التأليف وحدها، بسائر نواحيها، بل على افتقادنا الفعلي حتى صدور هذا الكتاب عملاً جامعاً في موضوعه، بالعربية أو بغيرها. يتبدى ذلك من اقتصار ما نتداوله بالعربية على مجاميع وثائقية وعلى أعمال تغطّي هذا الجانب أو ذاك أو هذه المرحلة أو تلك من العلاقات بين البلدين. يثبت ذلك، لا بشهادة البحث الشخصي وحدها، بل أيضاً بشهادة ثَبْت المراجع الضافي الذي ألحقته بيكار بكتابها. فإن هذه اللائحة، وهي ثمرة استقصاءٍ دؤوب، توضح أن معظم المتاح من المراجع إنما يخصّ واحدة من البلدين ويعرّج بحكم الضرورة على الأخرى وأن القليل منه يتخذهما معاً موضوعاً له ولكنه يبقى، على ما سبقت الإشارة إليه، عاكفاً على مرحلة محدودة أو أسيراً لزاوية مختارة أو قانعاً بجمع الوثائق، إلخ.

هذا مع أننا لا نريد القول أن كتاب أليزابيت بيكار يمثّل تاريخاً شاملاً، بمعنى العرض المتصل للوقائع، لهذا القرن الذي يوشك أن يكتمل على نشوء الدولتين المنفصلتين السورية واللبنانية. فإن المؤلفة نفسها تنفي أن يكون هذا مرادها. هي تصدّر كتابها بإشكالٍ عامّ تنسجه من خيوط ثلاثة: السيادة بما لها من تآويل عديدة متعارضة والحدود التي راحت فاعليّتها تذوي بعد الخروج من الحرب الباردة بما حمله من تدفّق متنوّع تعاظمت كثافته عبرها والتقابل ما بين التسليم الاجتماعي الصريح بتحوّلات السيادة وبين تشكّل الدولة بما هو مساق تاريخي متناقض وذو بعد لاشعوري يجد عبارته في التفاعل ما بين المجتمع والطبقة الحاكمة.

يفرض هذا الإشكال المثلّث استعاضة عن التتبع الزمني لوقائع العلاقة السورية اللبنانية باصطفاء مدارات منتشرة لا على المرحلة المنقضية من سنة 1920 إلى اليوم وحسب بل أيضاً على مستويات من الواقع التاريخي تستدعي مقاربات معرفية مختلفة، ولو ان المقاربة السياسية من بينها تبقى غالبة الحضور. ولنا أن نحصي، مع المؤلّفة، هذه المدارات، وهي سبعة واضحة العناوين: التشكّل غير المكتمل لدولتين-أمّتين، جدل المنطق الثقافي والتشكيل السياسي، افتراق المسارين في مضمار الاقتصاد السياسي، البناء الوطني وسيادة الدولتين على محك الرهانات الاستراتيجية في النطاق الإقليمي، فرض الوصاية ومنطق الافتراس في إبّان سيطرة النظام السوري على لبنان، ثورة في لبنان وحركة اعتراض في سوريا في السنوات الأولى من القرن الجديد… والختام سؤالٌ عمّا إذا كانت الحرب الجارية في سوريا قد أحالت الدولتين إلى ميدان قتالٍ واحد…
هذه المدارات لا تُستكشف تباعاً بدورها بل يحضر كلّ منها بنسبةِ ما لحضوره من وجاهة في كلّ من الأقسام الثلاثة الكبرى التي تتوزّع فصول الكتاب. هكذا يتّخذ القسم الأوّل عنواناً له «الانفصال»، ولكنه يدور في الحقيقة على نسبية الانفصال الذي مثّله تأسيس الدول التي كانت كثرة في الحالة السورية واحتاج إفضاؤها إلى الوحدة معظم مدّة الانتداب وكانت واحدة، من البدء، في الحالة اللبنانية ولكن تحصيلها ما يكفي من الإجماع الداخلي اخترق مساقُه مرحلتي الانتداب والاستقلال إلى الحرب الأهلية، في الأقلّ. فالحقّ أن ما يوجّه نظر المؤلّفة إدراكها مثولَ التردّد بين الخيارات عند كلّ محطّة إذ لم يكن الممكن وحيداً حاسم الوحدة، حيث احتاج الأمر إلى قرار، ولا كانت الدوافع مؤتلفة الوجهة… وكانت تترتّب على كلّ خيار تضحيات لا يستهان بها وكانت في كلّ خيار وجوه افتعال تقبل المقارنة بما في غيره.

عليه اقتضى «التمييز» بين البلدين (وهذا عنوان القسم الأخير من الكتاب)، عملية معقّدة جاء الاستقلال، بمعناه الحقوقي، ليجدها غير مكتملة وبقي منها إلى اليوم وجوه غير ناجزة الرسم. هذه العمليّة تكرّس لها المؤلّفة القسم الثاني من كتابها وتسمّيها «المواجهة»، متخيرة لدراستها ثلاثة منعطفات أوّلها نهاية الخمسينيات بما حملته من اختلال في السلم الأهلي في لبنان وثانيها الأحداث التي أفضت إلى حرب السنتين في لبنان أيضاً وإلى دخول القوّات السورية أراضيه وثالثها خروج لبنان من حربه المديدة في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي والتسليم الدولي للنظام السوري بالوصاية عليه. وما يميّز هذه المنعطفات عن مراحل أخرى من العلاقة اللبنانية السورية، في نظر المؤلّفة، إنما هو نوع التأطير الذي فرض نفسه على النزاع الموضعي من جانب تحوّلٍ إقليمي دولي كانت له مسارح رئيسية أخرى. وقد أشرنا توّاً إلى أن القسم الأوّل من الكتاب، وعنوانه «الانفصال»، مداره تأسيس الدولتين (أو الدول، بالأحرى، لأن سوريا، على ما سبقت الإشارة إليه أيضاً، لم تصبح دولة واحدة على الفور في مرحلة الانتداب) وما افترضه هذا التأسيس من كسر للتواصل «العثماني» ومن ثمّ الديناميّات التي أوصلت الانفصال، في غدوات الاستقلال، إلى تصفية ما كان يسمّى «المصالح المشتركة» وإبطال الوحدة الاقتصادية التي كانت السلطة المنتدبة قد استَبْقَتها بين الدولتين. حصل هذا في إثر تطوّر متغاير بين البلادين لتوظيف «صيغ التضامن الأوّلية» أو العصبيات في بنى الدولة والمجتمع، على اختلافها.


وعلى عزوف المؤلّفة عن اعتماد التعاقب الزمني مرشداً لتعاقب أقسام الكتاب وفصوله، فإن هذا التصميم يبقى واضحاً تبسطه مقدّمة الكتاب وتعود إليه المؤلّفة في كلّ فصل بدوره معيّنة موقع الفصل من العمل كلّه وموجزة تصميمه الخاص. وهذا من غير أن تهمل الإشارة إلى تغيّر الإطار المرجعي أو الانتساب العلمي الأبرز من فصلٍ إلى فصلٍ ولا إلى تضافر المقاربات المختلفة الانتماء في الفصل الواحد، منوّهة، عند كلّ محطّة، بمصادر وحيها النظري.

هذا التنظيم يسهّل علينا الإلمام تباعاً بما تبذله لنا أقسام الكتاب الثلاثة من إضاءة لوجوه العلاقة السورية اللبنانية وتحوّلاتها. وهو ما سنحاوله في عجالات مقبلة نجهد فيها لأداء بعضٍ ممّا لهذا العمل الجليل من حقّ علينا… غيرَ مدّخرين، مع ذلك، ما قد يعرض لنا من ملاحظات، إيجابيةً كانت أم سلبيةً، حيث تعرض.

٭ كاتب لبناني

روزا ياسين حسن... تحية متأخرة إلى تلك المدينة المنكوبة

أغسطس 29, 2016 اضف تعليق



في شهر آب من العام 2012 تسلّلت بصحبة صديق ديراني إلى مدينة داريا، بعد المجزرة الكبرى التي حصلت فيها. هناك التقيت العشرات من نسائها وشبابها ورجالها، شممت رائحة الموت، التي كانت ماتزال عالقة في الأجواء، رائحة الدخان، فبعض الحرائق كانت ماتزال مشتعلة، رائحة القهر، ورائحة الألم. لكن في النهاية كان ثمة كبرياء غريب، يشتدّ عادة بعد الشدائد. وحدها رائحة الكبرياء هي التي رافقتني يومها وأنا أغادر داريا في 30 آب العام 2012، وبعد شهرين وأنا أغادر وطني إلى المنفى.

كثير من تلك التوثيقات التي جمعتها استخدمتها فيما بعد كمادة في روايتي "الذين مسّهم السحر"، بعض منها نشرتها في الصحافة، والبعض لم أنشره. منذ أيام وداريا وناسها يلحّون على ذاكرتي، وتلك الزيارة المضمّخة بالفجيعة تفرض نفسها عليّ كأنها حصلت البارحة. هنا أعيد أنشر بعض القصاصات عن داريا، تحية لها، وتحية لأهلها الجميلين، وعسى يأتي يوم ونلتقي من جديد هناك.


ملاحظة: الأسماء ليست حقيقية، فقد اعتدت على نسيان كل الأسماء الحقيقة وكتابة الوهمية منها خوق الاعتقال.من توثيقات داريا:
أنا الناجي الوحيد، أنا ضحية المجزرة.
"أبو أحمد الصافي"، ذاك الذي يعرف معظم الذين سقطوا في مجزرة مدينة "داريا" آب 2012، فهو الذي دفن معظمهم! يدور في سيارته الهونداي الصغيرة البيضاء في الشوارع وتحت القصف، يراوغ الشظايا والحرائق والنهايات، يلمّ الجثث المرتمية هنا وهناك، يأخذها إلى باحة المسجد ويكفّنها... "لوجه الله"، كما عبّر. ثم يدفن الجثث فيما القصف مستعر، "فإكرام الميت دفنه". قال لي وهو يقف متعجّلاً عند باب بيته: أنا رأيت الموت مرات ومرات. كنا ننقل الناس الميتة، إلى الآن لم أعرف جثث من هي؟! ندور في السيارات، ونلمّ الجثث من الشوارع والأقبية... مئات ومئات، سيارتي كلها مثقّبة بالرصاص!... انظري انظري. رأيت الذي لم يره بشر. لن تصدقي بشاعة ما رأيت!! الذي صار يا أختي بهذا البلد ولا الخيال بيتصّور أفظع منه، ومهما حاولتم أن توثّقوا وتكتبوا لن تقدروا... الذي حدث أفظع... أفظع بكتير...
- وإن لم تتعرف على صاحب الجثة هل تدفنها؟!
- يصوّرها الشباب بالموبايل. إذا أتى من يسأل عن جثة قريب له أريه الصور ليرى إن كان من يريده بينها! على فكرة أختي حتى لو كان القتيل عوايني أدفنه، ما عندي مشكلة... هو روح كمان! لا يجوز من الله أن أتركه هكذا، مرمي مثل الحيوانات أجَلّك... إكرام الميت دفنه.
الدفتر الذي كان يغصّ بالأسماء شاهد على ما دفنت يداه: مئات الجثث دفنها "أبو أحمد الصافي" خلال أسبوع دامٍ مرّ على مدينة "داريا". ولأن الموتى راحوا يُخلقون في الشوارع والأقبية والشقق والمحلات وفي كل مكان، لم يعد من متّسع للعناية بكل جثة على حدة. فصار شباب "داريا" يصفّون الجثث قرب بعضها بعضاً، ويكفّنونها بانتظار الدفن الجماعي. ذات ليلة من ليالي الحصار جهّزوا أكثر من خمس وعشرين جثة، صفوها أرتالاً متتالية بانتظار دفنها في إحدى المقابر الجماعية التي أعدّها الشباب على عجل. كانت الدماء ماتزال تسيل في مجارٍ طارئة على الأرض الترابية، وتتّجه إلى جذوع الأشجار القريبة لترويها. قبل أن يبدؤوا بوضع الجثث في الحفر الطويلة، التي انتهوا من حفرها، انطلق صوت يشقّ الهواء، كان يبدو بأن الطيران قد بدأ بغارة جديدة على المنطقة. سقطت قذيفة قريباً، ودوى صوتها المهدد، فما كان من الشباب إلا أن رموا معدات الحفر وانطلقوا للاختباء ريثما تنتهي الغارة. في غرفة أرضية بجانب المقبرة قبعوا حوالي نصف الساعة حتى انتهت الغارة، ثم خرجوا مسرعين ليكملوا عملهم قبل أن تأتي غارة أخرى. كانت النار تتصاعد من بعض الجثث المصطفة، وقد سقطت القذيفة وسطها، جثث أخرى تفحّمت، فيما تشظّت غيرها من الجثث إلى مئات القطع المتناثرة في كل مكان من المحيط.
"وحدنا من نموت مرتين في هذه البلاد".
قال لي أحد الشباب.
قبل أن نغادر البيت أعطاني مجلة ملوّنة متقنة التصميم اسمها "عنب بلدي"، يصدرها الناشطون في المدينة عوضاً عن المطبوعات والدوريات الرسمية التي لم يعد لها وجود هناك. على صفحات تلك المجلة كانوا يسفحون كل ما يريدون إجهاره، كل ما يوثقونه، وكل ما أرادوا قوله منذ زمن بعيد!
ثمة رجل لا يمكنني نسيانه في "داريا"، رجل نحيل للغاية، حانٍ، والكمادات المصفرّة تغطي أكثر من نصف وجهه الأيسر. لم يقل لي اسمه، طلب أن أدعوه "أبو نادر"، الناجي الوحيد من مجزرة حصلت في إحدى أقبية البنايات التي اختبأ فيها العشرات. همس لنا كممسوس بأن عناصر النظام أخرجوا الرجال من القبو على دفعات، اثنان اثنان في كل دفعة، صفّوهم على الحائط المقابل للقبو، ورشّوهم بالرصاص. كل رجلين قتلا سوية أمام أعين الباقين الذين كانوا ينتظرون حتفهم القريب! ثلاثة وستون قتيلاً ارتموا يومذاك في القبو، بينهم ناجٍ وحيد، هو "أبو نادر" أبقاه القدر ليكون شاهداً على ما حصل.
الجميع نجوا، وبقيت وحدي ضحية المجزرة!!
يقول. كانت الرصاصة قد دخلت من عنقه وخرجت من وجنته، ملليمترات قليلة فصلته عن الموت كأبيه وأخويه وأصدقائه وجيرانه. حين استيقظ كانت الأجساد المدماة منتشرة حوله، الذباب يطنّ، رائحة الدماء طاغية، والجو خانق كقبر. أزاح جثة من عليه وقام يهرول خارجاً.
- "مازال الصوت في رأسي... من شان الله، اقتلوني ودعوني ارتاح. لا أستطيع النوم. كلما نمت أسمع صوت صراخ أبي أو حشرجات أخوي...".
كان يبدو أن الملليمترات القليلة التي فصلته عن الموت فصلته عن الجنون كذلك. لم يكن بإمكاني يومذاك أن أكمل حديثي معه، فقد كانت الفجيعة أفظع من أن يتحملها المكان.
(*) مدونة نشرتها الروائية روزا ياسين حسن على صفحتها الفايسبوكية

خالد الدخيل- من صلاح جديد إلى بشار الأسد

أغسطس 28, 2016 اضف تعليق
 عن الحياة

تبدو مفارقة مرة وعصية على الفهم أن سورية، التي ولد فيها أول وأهم حزب «قومي عربي» وحكمها، ولا يزال (شكلياً)، أكثر من نصف قرن، هي الآن مسرح لحرب أهلية تمزق أوصالها وتهدد وحدتها، أطلقها رئيس النظام نفسه بشار الأسد. ومع أن الأسد هو الأمين العام لحزب «البعث العربي الاشتراكي» فإن الحزب هو أكثر المغيبين في هذه الحرب! ففي أخطر لحظة حرجة من تاريخ سورية اختفى هذا الحزب فجأة عن الأنظار، ومعه اختفت شعاراته وقياداته وكوادره. قبل ثلاث سنوات لاحظ الصحافي اللبناني المعروف سمير عطاالله ذلك، يقول: إن مصطلح «القطر» لم يعد متداولاً أو حتى موجوداً، ولا عاد أحد يخاطب أحداً بلقب يا رفيق! حتى السيد الرئيس لم يعد يسبق اسمه ولقبه هذا التكريم. بدلاً من ذلك صارت مخاطبة الرئيس بـ«شبيحتك إلى الأبد». واستكمالاً لهذا التحول الكبير استعاض الأسد عن حزب البعث بحزب الله اللبناني، وهي ملاحظة ذكية من عطاالله (صحيفة الشرق الأوسط، الأربعاء 5 حزيران - يونيو 2013). مؤشرات الانحراف والتحول هنا أكثر وضوحاً من الوضوح نفسه. ففي مكان حزب البعث القومي العربي العلماني جاء حزب الله بهويته الدينية الطائفية، وبتبعيته لولاية الفقيه الإيرانية، وعدائه الأيديولوجي المحكم للقومية العربية، ولفكرة العلمانية.
لماذا لجأ الأمين العام لحزب البعث إلى هذا الانحراف والتخلي عن حزبه القومي، الذي جرى تحت ظله توريثه سلطة حكم سورية، لمصلحة حزب معادٍ لفكرة القومية العربية، وهو مستعد للمغامرة بوحدة سورية ذاتها إذا ما تطلبت مصالح إيران ذلك؟ بل لماذا اختار أن يقاتل شعبه بأحزاب وميليشيات وخبراء غالبهم ليسوا سوريين، وكثير منهم ليسوا عرباً، وجميعهم لا تعنيهم وحدة سورية، بل قد لا يعنيهم بقاء الأسد نفسه في الحكم؟
هل تكمن الإجابة في شهوة الحكم؟ هذه جبلة جبل الإنسان عليها ضمن أشياء أخرى. هي بذلك متغير طبيعي ثابت، ولا تمتاز به جماعة أو طائفة على أخرى. وبالتالي لا يمكن أن تكون بذاتها هي التفسير. لا بد من شيء أو أشياء أخرى إضافية، خصائص فردية أو اجتماعية تشكل معاً إطاراً سياسياً يعطي هذه الجبلة معنى وديناميكية معينة، ديناميكية تستجيب، أو تتأقلم مع متغيرات الأحداث والظروف.
أسجل هنا بعض ملاحظات من سامي الجندي، من كتابه اللافت، الذي يحمل عنوان الحزب نفسه «البعث»، وصدر عام 1969. والجندي أحد قيادات البعث السوري المبكرة، وتحديداً من قيادات الصف الثاني. كذلك من باتريك سيل، وهو صحافي بريطاني معروف ذو هوى سوري، اقترب من عائلة الأسد، وألف أهم كتابين عن تاريخ سورية، آخرهما بعنوان «Assad: The Struggle for the Middle East». وهو كتاب كبير الحجم عن سيرة الرئيس حافظ الأسد، صدر أثناء حياته (1988)، وكان هو أحد المصادر المهمة للمؤلف. يسجل سيل كيف أن معاناة العلويين من الفقر والتهميش والاستغلال، ومن شبهة علاقاتهم بالفرنسيين أثناء احتلالهم سورية، دفعتهم إلى التصميم على تعويض كل ذلك، وألا يكونوا خاضعين لأحد مرة أخرى. (ص 21-22). وهذا رد فعل طبيعي ومتوقع. الإشكالية أنه اتخذ لدى قيادات الطائفة شكلاً انتقامياً من منطلق طائفي، كما كشفت سياسات وتحالفات النظام السوري بعد الثورة عام 2011.
في السياق ذاته، وقبل باتريك سيل بأكثر من عقدين من الزمن، يقول سامي الجندي عن صلاح جديد، رجل سورية القوي قبل الإطاحة به على يد رفيقه حافظ الأسد في خريف 1970، إنه كان معروفاً عنه أنه «يكره الوساطات والشفاعات والتدخل في القضايا الفردية، ولكنك تلمس أثره في كل قضية فردية. عرف عنه أنه ضد العائلية، وبحثت في الأمر فلم أجد أحداً من عائلته بلغ الـ18 إلا وعين في وظيفة. معروف عنه أنه يساري متطرف، ولكن دراسة المخطط الذي سارت بحسبه السياسة السورية حتى الخامس من حزيران يناقض ذلك ويدحضه... يكره الرئيس عبدالناصر حتى الموت، ويعتبره مسؤولاً عن مقتل أخيه». ثم يضيف الجندي: «يتساءل الناس: هل هو طائفي أم لا؟ قد يكون، وقد لا يكون... لكنه مسؤول عنها (الطائفية). اعتمد عليها ونظمها وجعلها حزباً وراء الحزب». يقول الجندي إن صلاح جديد سأله يوماً: «كيف نعالج قضية الطائفية؟ قلت بحلول ثورية. قال: كيف؟ قلت: أفضل أن تعودوا إلى المشروع الذي بدأه الجيل العلوي الذي سبقكم. قال: ما هو؟ قلت: نشر الكتب السرية «للعلويين»؛ الطوائف الأخرى تسيئ الظن بكم... وأنا موقن أن ليس في كتبكم ما يخشى من نشره. قال: لو فعلنا لسحقنا المشايخ. أجبت: ثوري وتخشى المشايخ! كيف إذن نتعرض للمشكلات الكبرى»؟ ثم يضيف الجندي أنه علم في ما بعد أن جديد كان «يدفع الزكاة للمشايخ ويتقرب منهم» (ص 144- 145).
ملاحظات الجندي، وبعده باتريك سيل، تتماشى تماماً مع سياق الأحداث، وتشير إلى أن مسار حزب البعث كان يأخذ منحى طائفياً منذ ستينات القرن الماضي. فاللجنة العسكرية التي تشكلت بعد الوحدة مع مصر في 1958 كان يهيمن عليها ضباط علويون، أبرزهم صلاح جديد وحافظ الأسد. وعلى يد هذه اللجنة عاد البعث إلى حكم سورية. ثم جاء انقلاب الأسد في 1970، وانتقل معه البعث إلى غطاء لحكم الطائفة. عندما استقر الأسد الأب على فكرة توريث الحكم لأبنائه أصبح البعث غطاء لحكم العائلة. كانت آخر الأعمال الكبيرة للحزب انتخاب بشار الأسد أميناً عاماً للحزب، والمصادقة على انتخابه رئيساً لسورية خلفاً لوالده، في حزيران (يونيو) عام 2000. وصل هذا المسار إلى ذروته بعد الثورة في شكل مكشوف ومعلن، وانتهى الأمر بحزب البعث بأن توارى عن المشهد تماماً؛ اختفى اسمه، ومعه اختفت قياداته وشعاراته وفكرته القومية. صارت سورية مسرحاً لقاسم سليماني وميليشياته، ومحمد جواد ظريف، وحسن نصرالله، بعد أن كانت مسرحاً لزكي الأرسوزي وأكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وميشيل عفلق وحافظ الأسد وحكمت الشهابي.
ينطوي سياق الأحداث ما بين 1963 و 2016 على فرضية أن الانتماء إلى حزب «البعث القومي العربي الاشتراكي» لم يكن انتماء حقيقياً لأيديولوجيا القومية العربية، ولا إيماناً بالفكر الاشتراكي. كان الانتماء إلى البعث بالنسبة إلى كثيرين سبيلاً للبحث عن مساواة طبقية، ولتخفيف الشعور بوطأة الانتماء إلى أقلية عرقية أو طائفية. لم يكن سبيلاً للتأسيس لدولة تقود المجتمع إلى الخروج من تاريخه الطائفي. الأسوأ أن هذا السياق انتهى بتشجيع إيراني إلى فكرة تحالف الأقليات وترسيخها، وليس لتقويض البنية الطائفية من أساسها في المجتمع. من هنا تعرت فكرة «المقاومة والممانعة» التي يحاول النظام السوري التلفع بها، وإلا فما هو مبرر أن تحل؟
يقول سامي الجندي: «لا تكفي صفحات هذا الكتاب لأقول كل ما أريد، فلا بد من كتابين آخرين؛ أحدهما يتناول عقيدة الحزب كما ولدت، وكيف تطورت تحت تأثير الأحداث حتى باتت غير بعثية». ثم يضيف: «لقد بنى البعث العربي الاشتراكي كل بريقه على القضية الفلسطينية، وانتهى به المطاف إلى أفدح وأذل هزيمة في التاريخ العربي عبر العصور» (ص 12). ماذا كان سيقول الجندي لو أنه أدرك المآل الذي انتهى إليه حزب البعث، وأن «ولاية الفقيه» حلت محل «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، وأن أكثر من نصف مليون قتلوا، وأكثر من 12 مليوناً هجّروا، وأن مدن سورية دمرت تحت ظلال ولاية الفقيه، وأن عقيدة الحزب لم تكن بعثية حقاً.


* كاتب واكاديمي سعودي
فداء عيتاني:داريا: الانجاز والانكسار

فداء عيتاني:داريا: الانجاز والانكسار

أغسطس 27, 2016 اضف تعليق


14034743_1063721780378704_5792300305866397257_n
لا تقدر خسارة داريا بثمن، فما هو اهم من واقعها الجغرافي، والحفاظ على تواجد الثورة على الجانب الجنوبي الغربي من العاصمة السورية، وتهديد خط الطرق الحيوي بين العاصمة ولبنان عبر الوصول الى خط بيروت دمشق، وقطع طريق المزة، اهم من كل ذلك هو:
١- مواصلة النظام السوري لعملية الفرز الديموغرافي، وهي عملية بات النظام يقوم بها في كل المناطق التي ثارت عليه في محيط العاصمة، وصولا الى الحدود مع لبنان وامتدادا الى حمص والساحل.
٢- وصول احد افضل نماذج الثورة السورية الى الحائط المسدود بعد اربعة اعوام من بدء الانتفاضة في داريا، وثلاثة اعوام ونصف من العمل المسلح ضد النظام، وحوالي العام من الحصار المطبق بعد قطع الطريق ما بين داريا والمعضمية.
الا ان خسارة داريا، وتهجير الباقي من سكانها ليست هزيمة بالمطلق للثورة، وان كان شعور الخسارة هو الطاغي في صفوف المناصرين للثورة السورية، الا انها احدى اجراس الانذار، التي قد تكون الاخيرة، التي تقرع للقيام بتغييرات هيكلية في جسم الجيش الحر، وفي علاقة الجيش الحر بالخارج والداخل، بعلاقاته الداخلية، بين فصائله المختلفة، وبينه وبين الدول الداعمة، والتي اصبحت تملك فواتير ضخمية تجبره على دفعها فورا، وبين الجيش الحر وبين الهيئات السياسية، وربما اليوم اهمها الهيئة العليا للمفاوضات. اضافة طبعا الى العلاقة القائمة بين الحر وبين المجالس المحلية، وبينه وبين الهيئات القضائية في المناطق.
ويمكن استخلاص مجموعة من النقاط من تجربة داريا:
– لقد رفضت داريا منذ اليوم الاول للقتال وجود مقاتلين اجانب، كما رفضت صراحة تنظيم القاعدة، والتعاون معه، او السماح له بالعمل من مناطق وجود قوى الجيش الحر، وبغض النظر عن الطابع الاسلامي للفصيلين المقاتلين في داريا، الا ان الفصيلين حافظا على رفع علم الثورة السورية، والقتال تحت الراية السورية دون غيرها، واحد الفصيلين ينتمي الى الجبهة الجنوبية.
  • شكلت داريا ايضا تجربة متميزة، حيث انتخب المجلس المحلي فيها القيادة العسكرية، وليس العكس، وفي حين ان كل المناطق السورية الثائرة تخضع المجالس المحلية للقوى العسكرية، وتتصرف القوات العسكرية، سواء اكانت تابعة للجيش الحر او لجيوش وجبهات وغرف عمليات اسلامية بصفتها ميليشيات امر واقع وامارات حربية تختزل كل شيء في مصالح قياداتها وحروبها، فان داريا تمكنت من افراز تجربة ثورية حيث تتبع القوى المقاتلة للمجلس المحلي، على رغم ارتباط القوى المقاتلة بهيئات خارجية داعمة او سياسية.
  • لم تحصل داريا على ما حصلت عليه المناطق الاخرى من الدعم، لم تحصل على اليات مدرعة ودبابات، ولا على مدفعية ثقيلة، وربما اصبح بالامكان التحدث عن احد اسرارها العسكرية، خاصة ان قوات النظام التي ستدخل اليها ستكتشف ان من كان يواجههم يفتقر الى الاسلحة المتوسطة ايضا، والى المتفجرات، والى المدفعية المباشرة، ان النقص الحاد في المواد المتفجرة (والذي وصل الى مرحلة الصفر في الاسابيع الاخيرة) هو ما سرع في الموافقة على الاخلاء، حيث قال احد القادة العسكريين من داخل داريا قبل ايام “لقد كسر النظام الطوق الدفاعي الخامس، وليس لدينا اية عبوة لنضرب دباباته، اذا ما اكتشف ذلك سيدخل ويدهسنا بالدبابات دون ان نتمكن من الدفاع عن انفسنا”. وعلى الرغم من التسليح الضعيف الا ان المدينة قاتلت لاعوام بالخطط الحربية واعتماد العقل بدل السلاح والذخيرة.
  • لم تكن العمليات في داريا دفاعية فقط، اذ منذ اقل من شهرين نفذت القوات فيها عملية هجومية محدودة، حيث اجتاحت المسافة الفاصلة بينها وبين المعضمية، والتي تسيطر عليها قوات الفرقة الرابعة من النظام، وتمكنت من الوصول الى المعضمية، ونقل عدد كبير من المسنين، وذوي الامراض الخطرة، وادخال بضعة اطنان من المساعدات الغذائية الى داخل داريا، وهذا الخط الواصل بين المنطقتين تم استخدامه سيرا على الاقدام، نظرا لخطورته، وايضا لاختفاء المحروقات من داريا، فكان المقاتلون ينقلون المصابين والعجزة والمرضى على ظهورهم. وكلفت العملية ارواح ١٣ من مقاتلي داريا.
  • زرعت داريا كل شيء، بما في ذلك الاعشاب، اذ استنبتت الاعشاب والمزورعات في عدة تجارب محلية لمنع الجوع من قتل السكان، بعد ان انحصرت المساعدات الدولية بشحنة واحدة مخصصة لالف قاطن، دخلت مرة واحدة الى المدينة ولم تتكرر. وعلى رغم احراق وقصف المناطق الزراعية، الا ان المدينة حاولت مقاومة الجوع بالزراعة، وكذلك استخرجت النفط من البلاستيك، ولكن بكميات تكفي لتشغيل المولدات الكهربائية لاعادة شحن الهواتف والاجهزة العسكرية وتأمين طاقة للمستشفى الميداني الوحيد. تولى المجلس المحلي ادارة الموارد، وكما العديد من المناطق السورية تمكن من الصمود على رغم استحالة الحياة.
  • ان قصف روسيا بالنابالم المحرم دوليا للعديد من المرافق الحيوية هو ما جعل استمرار تقديم خدمات اولية مستحيلا، مثل المشفى الميداني الذي قصف منذ حوالي الشهر، هذا الواقع ضغط ايضا على القوى العسكرية (اضافة الى فقدان المواد المتفجرة نهائيا).
لا يغلق سقط داريا الباب امام انتصارات ممكنة للجيش الحر، وان كان التركيز على الجيش الحر دون القوى الاسلامية، فلان تلك شريك جاهز وصامت ووفق الفتوى الجاهزة للتعاون مع الدول العربية والاجنبية، وهو طبعا ينتظر الفرصة للحصول على ما يمكن الحصول عليه من حصة في النظام القائم، ان اعادة تدوير تنظيم القاعدة في سوريا، مع احرار الشام وجيش الاسلام يعني ايجاد ممر سياسي واسع اما لتصفية ما بقي من ثورة الحرية وتغيير النظام، والدخول في تسوية دولية مع النظام القائم، واما تقسيم سوريا الى ادلب، التي يصر كل مرة النظام على نفي المقاتلين اليها دون غيرها، وباقي المناطق.
وحده الجيش الحر يمكن ان يكون قاعدة عسكرية مقاتلة لمشروع سياسي يقضي بتغيير النظام السوري، طالما بقي الجيش الحر يكتب على اوراقه الرسمية: الجمهورية العربية السورية – الجيش السوري الحر، فانه سيكون الشبح المرعب للبديل السياسي عن النظام القائم. وداريا كانت خير مثال عن بديل ثوري، تقوده هيئات مدنية، وتخدمه وتحميه قوى عسكرية شعبية.

محمد خضير... مجلة الهلال المصرية

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق

اريد ان اقول شيئا عن "الهلال" . عمر المجلة نيف على المئة عام وما زال عطر صفحاتها مغريا بالقراءة حتى اليوم. هذا شيء. والشيء الثاني ان العدد الاخير المخصص لعميد القصة والرواية نجيب محفوظ ليس الاخير. فقد احتفت المجلة بهذا الاديب اضافة الى عمالقة الثقافة المصرية اكثر من مرة. الشيء الثالث ان الهلال مجلة رائدة للفن الصحفي المصور وهي الوحيدة بين مجلات العرب لم تغير نوع ورقها الاسمر. ويعد ارشيفها الوثائقي عن ادباء مصر وشخصياته السياسية والتاريخية من اثمن الارشيفات الورقية في عالمنا العربي (وسمعت انها تعمل على رقمنته) .
ما بقي من اشياء باعث للغصة والحسرة والحيرة . فلقد وجدت الهلال في مصر نوعا وسطا من القراء استطاعت ان تخاطب مستواه الثقافي المتنوع وتعيش هذه المدة الطويلة لخدمته. اما هنا في العراق فما زالت صحافتنا الحكومية والاهلية تخطئ في العثور على هذا النوع الوسطي من القراء، فهي اما تصدر مجلات متخصصة جادة كالاقلام لا تلقى رواجا، او مجلات دون وسطية كالف باء سابقا والشبكة حاليا لا يحفل بها الا قراء الترفيه والتسلية.

قاص عراقي
عن الفايسبوك

حسين حبش...الجيش التركي وانكسار غصن الزيتون في قلبي

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق

قبل حوالي 33 سنة مضت كنا أخي وأنا في كرمنا قرب الحدود السورية التركية نقطف العنب، وإذ بدورية للجيش التركي تتوقف فجأة على الجانب الآخر من الحدود ويترجل منها ضابط وأربعة جنود. ودون سابق إنذار، صوبوا فوهات بنادقهم إلينا مباشرة صارخين فينا بغضب وكراهية واضحة: توقفا توقفا... وبدأ بعضهم برمي الرصاص علينا بالفعل. هرب أخي، وأنا حاولت أيضا، لكن نتيجة اشتداد لعلعة الرصاص الذي كان يقع بالقرب مني تسمرت في مكاني ولم يعد بإمكاني الركض والهرب، فاشاروا إلي، أي تعال فذهبت إليهم! طبعا كانت سلة العنب ما تزال في يدي، فاخذوني إلى نقطة حراسة قريبة وبدأوا بشتمي وتهديدي والصراخ في بوجهي ووضع فوهة المسدس على رأسي. وعندما وضع أحدهم فوهة المسدس على صدغي أغمضت عيني، لكن ابن القحبة لم يفعلها. وبعد ذلك سألوني بين تهديد ووعيد عن أسماء بعض الأشخاص الذين كنت أعرفهم تماما، فقلت لهم أنني لا أعرف أحدا منهم، فبداؤا بشتمي مرة أخرى وتهديدي بالقتل فكان جوابي دائما: إنني لا أعرف أحدا! قالوا لي بغضب: هيا إذهب من هنا، هيا... فحملت سلة العنب التي أفرغوا فيها بعض الرصاص فأحسست بألم عناقيد العنب وجراحها وهي تتلقى الرصاص. مشيت ببطء، فامرني أحدهم بصوت عال وغاضب: اركض اركض بسرعة، وركضت، وبدأوا مرة أخرى برمي الرصاص لكن بغزارة أكبر هذه المرة. رصاصة أصابت غصن شجرة الزيتون فوق رأسي، فهوى الغصن أمامي كطائر جريح. ومن يومها انكسر غصن الزيتون في قلبي إلى الأبد تجاه كل ما هو طوراني. 
في اليوم الثاني بعد رأس سنة 2015 كنت في مطار أتاتورك باسطنبول ذاهبا للقاء أمي وأبي. عندما نظر الشرطي الذي يفحص الجوازات إلى جوازي قال لزميله باحتقار اسمه حسين، وألماني أيضا! ثم رمى الجواز في وجهي قائلا إذهب إلى الكابينة الأخرى دون أن أعرف لماذا فعل ذلك رغم أنه تعامل بلطف مع الشخص الذي كان ورائي مباشرة. حينها تذكرت غصن الزيتون الذي وقع أمامي كطائر جريح قبل 33 سنة.
شاعر 
عن الفايسبوك

فادي العبدالله... عن إبطال قرار منع البوركيني

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك
بالعودة إلى موضوع البوركيني وفرنسا، صدر قرار مجلس شورى الدولة بابطال قرار البلدية المانع لهذا اللباس (الذي هو ضحية اسمه).

المشكلة في النقاشات التي دارت حوله، بين أصدقائي وهو كل ما يعنيني، انه تمت مماهاة فرنسا ككل بقرارات مجالس بلدية يمينية على الكوت دازور، وتم تغييب الربط البديهي بين سياسات هذه المجالس ومصالحها الآنية والخلافات الناشئة أصلاً في ما يراه البعض استفزازا في استعراض الهوية الاسلامية أمام فرنسا الجريحة بالاعتداءات التي يرتكبها اسلاميون وتم استبدال هذا كله بكلام عريض عن الطبقات الاستعمارية في الوعي الفرنسي وعن فرنسا التي تخون مبادئ الحرية (أو بالعكس التي تدافع عنها).

فرنسا ككل لم تكن موافقة على هذه القرارات، ووصل الجدال إلى حد انقسام الحكومة الفرنسية نفسها في شأن ذلك، بما ان الكثيرين يريدون الصيد على أراضي اليمين المتطرف حالياً، وفرنسا الدولة لديها مؤسسات للدفاع عن مبادئ الحرية ومنها مجلس شورى الدولة الذي أبطل هذه القرارات. 

لا يعني ما سبق ان لا وعي استعماري لدى اليمين خصوصاً، وحتى لدى اليسار، لكن ليس هذا الوعي بل المصالح الآنية وحسابات ما بعد الاعتداءات وصعود اليمين المتطرف هي التي ولدت هذه القرارات، وليس التاريخ الاستعماري للبلد (رغم أن ما من بلد يدفع إلى الأبد ثمن الاستعمار، وما من بلد لم يستعمر آخرين يوماً في صورة أو أخرى). ولا يعني أيضاً إلا أهمية تكريس المؤسسات والدفاع عن مبادئ عليا ناظمة للدستور وللقرارات الإدارية، وحتى ادماجها في معاهدات دولية حاكمة واعلى من القانون البلدي والوطني ومصانة في محاكم تعاقب انتهاك الدول لها (كالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان) من أجل منع تغول الآني على المبادئ. 

ترجمة المكتوب أدناه: أوضح قرار مجلس شورى الدولة أن "القرار موضع النزاع قد حمل انتهاكاً جسيماً وواضحاً للحريات الأساسية التي هي حرية التنقبل وحرية المعتقد والحرية الفردية"
L’ordonnance du Conseil d’Etat précise que « l’arrêté litigieux a ainsi porté une atteinte grave et manifestement illégale aux libertés fondamentales que sont la liberté d’aller et venir, la liberté de conscience et la liberté personnelle. »
En savoir plus sur

*باحث قانوني وناقد موسيقى وشاعر

محمد الحجيري... "إخلاء" داريا..العار على الجميع

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق

من مجلس الأمن إلى الدول الكبرى إلى "موحّدي" الأمة إلى "الذاهبين زحفاً نحو القدس" إلى دول الإقليم الوالغين في دم الخريطة السورية قبل أن يكونوا والغين في دم الشعب السوري.
هذا العالم المنافق، بدءاً من محاريب الصلاة وصولاً إلى وكالات الغوث
أعين عوراء رياءً رأت ان طريق حيفا يبدأ من القصير وحمص ويمر في يبرود وداريا، وقبلها في الزبداني: هنا يبدأ الأعداء، وهنا يكمن الخطر. 
الطريق إلى حيفا ملأه أهالي القصير بالحفر، وملأه أهالي الزبداني وداريا بالحفر.
لا بد من تعبيده وتطهيره من الأعداء
لا بد من الإتيان بقومٍ أحبهم الله وأحبوه.
داريا التي كانت تضم ما يزيد عن ربع مليون إنسان، يغادرها اليوم آخر خمسة آلاف من السكان..
الإخلاص لحيفا يتطلب ذلك، والوقوف في وجه سايكس بيكو وما يشبهه يتطلب ذلك، والحفاظ على وحدة سورية يتطلب ذلك، وقبل ذلك وبعده، الحرص على طريق حيفا وتوحيد أمة العرب وإقامة دولة الله في هذا الشرق شوكةً في عيون الشيطان الأكبر يتطلب ذلك.
لقد أعاقت داريا وأهلها طويلاً الوصول إلى حيفا وتوحيد الأمة، لكن آن أوان النصر الكبير، لم يعد أمام النصر إلا أهالي الزبداني وبعض ضواحي دمشق.
هذا ما يقوله بعض القادة والقديسين. ولا يعقل أن يكون القديس منافقاً.
اللعنة لم نترك لمخلّصي آخر الدهر ما يفعلون.

محسن يمين... امبراطورية صوتها2

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق
مهداة الى روح الشاعر الراحل جورج يمين في ذكرى رحيله(2)

كم كان يحلو لنا ان ترافقنا أغاني فيروز الصباحية في السيارة التي كانت تقلنا من زغرتا، الى مدرسة الفرير في طرابلس، خلال سنواتنا الدراسيّة الاولى، مصحوبة بقراءات ناهدة فضل الدجاني الشعرية، تحملها تموجات أثير الاذاعة اللبنانية، قبل أن تفرّخ بقية الاذاعات على وهج نيران الحرب. ما من شيء على وجه الارض كان يمكن ان يكسر حدّة هذه اللحظة التي كنا نتوجه فيها، مع حمولتنا من الكتب والفروض والاطعمة، الى يوم دراسي جديد في ذلك المعهد المقيم جوّاتنا بعد زواله، أو يلطّف من رهبتها، أو يخفّف من عناء حشرنا، كالسردين في العلب، في سيارات المرسيدس ال180، سوى تلك الاغاني البالغة الرقة والشفافية. أغان تحطّنا على أجنحتها غير المرئية، ماضية بنا الى حيث تريد لنا مخيلتنا. فتمضي، وتمضي، هكذا الى أن ترتطم عيوننا الذاهلة بالجدران العالية لذاك الصرح الذي كان يجثم على حيّز واسع من أرض الزاهرية، والمعروف بمعهد العائلة المقدسة، جنبا الى جنب معهد مار يوسف المجاني الذي لم يكن حظه بالبقاء بأفضل.
وسيمرّ وقت طويل قبل ان نشعر بمتعة مماثلة ونحن على متن الحافلات التي كانت تقلنا، قبل وقوع سوريا في براثن الحرب، من طرابلس الى حمص، ومن حمص الى دمشق وحلب، في رحلات دورية، قاسمها المشترك الفيروزيات. فيروزيات لا تتأخر في دفعنا الى الشعور بأننا بمغادرتنا لبنان للتو، لم نغادر فيروز. ويلازمنا هذا الاحساس ونحن في الفنادق، او في المطاعم، او في الساحات، و الشوارع. فصوتها العابر للحدود، الموحد للعرب ، على طريقته، حيث فشلت الانظمة، وتعثرت العقائد ، يظل يغمرنا بحنانه المتدفق حتى نعود الى الديار.
لم يمتلك اي صوت من الاصوات الذهبية، في أي من المطارح والاوقات ، مقدار ما يمتلكه صوتها من قدرة على التماهي بوطن ، قدر تماهي صوتها، بوطننا، بأمه وابيه. بحيث يحمل ، سواء تعالى، ام انخفض، تسارع ، ام بطىء، انكسر حزناً، أم اندلع فرحاً، ذاب صلاة أم تفجّر غضباً ، تيّم حباً، ام اشتعل وطنيةً، هدهد طفولةً، أم نادى عنفوانا، أذكى حرية، أم أضرم حنينا، يحمل وطنا بكامله ما بين شاطئه، والسلسلتين. يحمله الى داخل كل من في الداخل. والى داخل كل من في الانتشار، ليوغل في الوعي، وفي اللاوعي، ويستقر عميقا بين الاضلاع، ما بقيت.
الوعد بأيام أفضل، في لبنان أفضل، صوتها. ذهب البيادر. ثريات العرائش. ألوان الفصول. فضة الفقراء. قهوة الصباح. تنهيدة العشاق. أحلام الصبايا. مكاتيب الشوق. أجراس النصر. وجع المشتتين. زفرة المقهورين. رائحة التراب. هدايا العيد. تراتيل الريح. مواويل المياه. زغاريد الساحات. وسادة القمر. بخار الوقت. قجة الامل. وبيارق السلام.
وقد أسست فيروز بصوتها ، وبالحان الرحابنة : زوجاً، شقيقين، ابناً، وبقية الاسرة المجلية في ابداعها، أمبراطورية لا تغيب عنها الشمس... داخل كل منا. ولن تغيب ، لاستمرارها في من سنستمر بهم.
محسن أ.يمّين.
عن الفايسبوك

محسن يمين... بصوتها تقيس أعمارنا(1)

أغسطس 26, 2016 اضف تعليق
مهداة الى روح الشاعر الراحل جورج يمين في ذكرى رحيله


كل أغنية من أغاني فيروز تأخذك الى مكان، والى زمان ضاع في عبّ الزمان. واحدة الى بعلبك، حيث سمعتها، بأذنيك وقلبك، للمرة الأولى. ثانية الى مسرح كازينو لبنان. ثالثة الى بيت الدين. رابعة الى ساحة الشهداء. وخامسة الى بعلبك مجدّداً. فإلى الوراء أكثر.... الى السيارة الممتلئة بنا، شباباً، تجوب بنا الطرقات في سهراتنا التي كانت الحرب تختبئ خلف عتمتها. فإلى إذاعة إهدن التي تركنا بين جدرانها بعضاً من أعمارنا، وأصواتنا. وكثيراً من حبرنا، وبصماتنا. الشرفة التي كانت تجمعنا مع جارين باكرهما الموت، في ليالي الصيف. "الجوك بوكس" في مطعم " الأوبيرلو" حيث كانت القطعة النقديّة المعدنيّة تنادي صوتها فيصدح متفيّئاً ظلال أشجار الدلب الباسقة. دور السينما القديمة التي لا تنفك تكرّر الأسطوانات عينّها، للروّاد عينهم.
فإلى راديو جارتنا الذي لم يكن يسكت إلاّ إذا أخذا معاً قيلولة في أيام الصيف الملتهبة. فإلى مشاطرتك، من ثمّ، زوجتك نعمة سماعها في كل وقت، ورغيف الخبز، وترصّدك لبواكير وقعها على أولادك وهم يتسلّقون درجات الأعوام.
مزروعة كنقاط إعتلام أغانيها في سهول العمر، وكأشجار مزدحمة بالعصافير، على طرقات الماضي الذي نأى، بمرّه وحلوه. تقيس أعمارنا بالأشبار. ولا تتعب من الإحتفاظ بنقاوة اليوم الأول... لصوتها.
محسن أ. يّمين
عن الفايسبوك

عمار المأمون... فرنسا والبوركيني

أغسطس 25, 2016 اضف تعليق
أظن أنو جوهر قضية البوركيني أعمق من تعريفات العلمانيّة والحريّة الشخصيّة، البوركيني بوصفه رمزاً "يجنسن" المرأة، ب
وصفها كائنا شبقياً لا بد من تغطيته، لا أظن أن فرنسا تدافع عن حقوق المرأة ، لكنها تتصرف كطفل صغير يعجز عن الوقوف بوجه "الإسلام"، فتقرر أن تستفزه، لكن كما أن البوركيني يجنسن المرأة شبقياً ، هو يحمل في جوهره قمعاً من نوع ما، للجسد العاريّ جماليات، تبعده عن الوضعية الشبقيّة نحو الوضعية الجماليّة بوصفه ينتمي للفنون الجميلة لا التداوليّة،، لكن هل الجسد المغطّى له قيم غير شبيقيّة خفية ؟ هل من جماليات لجسد المرأة المختبئ وراء "الستار"، هل الصيفة الشهرزاديّة ستظل مستمرة كوضعيّة للـ"مستترات" .؟ أظن و بالرغم من أن فرنسا تتصرف بصورة طفوليّة نتجية عجزها، لابد حقيقة من الوقوف بوجه سرديّة "فتاة الخِدر" ، وقل للمليحة بالخمار الأسود"، لابد من الانتقاد الهائل والسخرية الهائلة لأن لا يمكن إنكار أن الرمز "الحجاب، البوركيني، الخمار" يحوي في داخله بنيّة متكاملة العنف جزء جوهري منها نصاً وفعلاً، عنف ضد المرأة و ضد الرجل. أما بخصوص فرنسا، فهذا التصرف الطفولي ليس إلا محاولة "لدخول خدر الحسناء في اليوم المطير" و الوقوف بوجه ما يظنونه سيؤدي لعنف لاحق، و مساس بـ"القيم الفرنسيّة".
عن الفايسبوك

"قمة السخافة"...

أغسطس 25, 2016 اضف تعليق



أجبرت الشرطة الفرنسية امرأة محجبة لم تكن ترتدي البوركيني على خلع جزء من ملابسها قرب الساحل، ويُعتقد أن الشرطة فرضت عليها غرامة مالية، وذلك على خلفية منع البوركيني في فرنسا.
ووصف المدير التنفيذي لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان هيومان رايتس ووتش كينيث روث تصرف الشرطة الفرنسية بأنه "قمة السخافة".
وأظهرت صورا انتشرت في وسائل الإعلام أن الشرطة في مدينة نيس الفرنسية أجبرت امرأة محجبة لم تكن ترتدي البوركيني على خلع جزء من ملابسها قرب الساحل، ويُعتقد أن الشرطة حررت لها غرامة مالية، وذلك على خلفية منع البوركيني.
انتشرت بعض الصور في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تظهر قيام الشرطة الفرنسية بإجبار امرأة على خلع جزء من ملابسها قرب الساحل.


ولكن الصور التي انتشرت للمرأة الجالسة قرب إحدى السواحل الفرنسية لم تظهر أن المرأة ترتدي لباس البحر البوركيني، بل كانت ترتدي بلوزة وسروالا طويلا وحجابا، كما ذكر موقع "شبيغل أونلاين" الألماني. وخلعت المرأة جزءا من الملابس، كما أظهرت الصور، فيما يُعتقد وحسب الصور أن الشرطة قامت بتحرير مخالفة للمرأة.
وذكر موقع "شبيغل" الألماني نقلا عن وسائل الإعلام أن هذه الحادثة وقعت الإثنين (23 أغسطس / آب 2016) في مدينة نيس الفرنسية. فيما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) أنه لم يكن واضحا من الصور فيما إذا طلبت الشرطة من المرأة خلع البلوزة الطويلة التي تغطي نصف جسمها الأعلى، كما أشارت لذلك الصحافة البريطانية. وعلق مدير التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا مروان محمد في موقع تويتر على الحادثة بالقول: "يريدون من المرأة (المرأة الظاهرة في الصور) خلع ملابسها". يذكر أن عدة مدن فرنسية كانت قد منعت لبس البوركيني وفرضت غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدينه. أ ف ب ، دي دبليو

جان دبغي... زعلت للوقت الضائع بلا غناء ورقص

أغسطس 25, 2016 اضف تعليق

عن الفايسبوك
بعد اربعة ايام وثلاثة ليال في البحر عدت قبل قليل الى الضيعة. الطقس كان ممتازا، حرارة بين ٣٠ و٣٤ درجة وسرعة الريح، صباحا بين ٢٠ و٣٠ كيلو متر في الساعة وفي نهاية اليوم ٤٠ الى ٥٠ كيلومتر ساعة . اي امضينا وقتا ممتعا، ولكن لم يكن في حوزتنا الا الروزيه والبيرة. اما الان في البيت، هذا اول ويسكي، هو اشتقلي وانا بالاكثر! 

فكرت وانا اقرأ الانترنيت بالحملة لمنع السهرات والغناء والرقص والشرب في صيدا وفي بعض قرى الجنوب. حقيقة فكرت فيهم وزعلت للوقت الضائع من دون غناء وشرب ورقص. فكرت بتاريخ الالهة عند الرومان. 


كان اسمه باكشوكس. اله السهر والشرب. كان حتى فيه، على مستوى عامة الناس ، جماعات تؤمن به وتحكي روايات عنه، عن عجائبه. العامة آمنت، كعامة، بوجوده. اما فئة الحكام ، بالمعنى الواسع، كانت تفضل الروايات، وتتداولها في سهارتهم. هذه الفئة احبته، لانها كانت تمتهن السهرات، للمتعة بالطبع، ولكن ايضا للوجاهات، لان الغني، الذي هو صاحب نفوذ وثقل، لازم يسهر على متعة محيطه والعامة لاستمرار نفوذه ، وبالاكيد ثقله، والرومان الاغنياء، في ذلك الزمان، كان ثقلهم الجسدي يعبر عن ثقلهم السياسي الاقتصادي، عكس ما هو الحال في زمننا الحالي .

باكشوكس غير هيرقل . هذا الاخير كان اله الفضيلة والفلسفة ، بمعنى العاقل . بعكس المعممين في شرقنا . كان هيرقل لا يتدخل بما يقوم به باكشوكس، بل كان يتفهم ، بحكم الفضيلة والفلسفة ، دور باكشوكس، وحب الناس له وللروايات التي كانت تروى بلذة وتسمع باصغاء شديد الاحساس ككل من يشعربنشوة السكر وصدى الغناء وحرارة الاجساد. الفضيلة ، بهذا المعنى ، وفي ذاك الزمان ، لم تكن في تناقض مع اللذة . كانت مكملة .

سعود المولى... العلمانية الفرنسية عندها مشكلة مع علمانيتها

أغسطس 25, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك

في قضية الإجراءات الفرنسية ضد بعض مظاهر التدين الاسلامي الشعبي، من المهم أن ننتبه إلى الأمور التالية:
١- القرارات فرنسية وفرنسية فقط ولا علاقة لكل بلدان الغرب العلمانية بها. المسلمون في كل هذه البلدان لا تضايقهم أي إجراءات. فاتركوا لنا مسألة العلمانية على جنب. هذه مسألة فرنسية بامتياز ووحدها العلمانية الفرنسية الأصولية المتطرفة عندها مشكلة مع علمانيتها أصلًا وهذا ما كتبه ويكتبه مئات المثقفين الفرنسيين المدافعين عن الحريات والديمقراطية.

٢- وفرنسا عندها مشكلة ثانية أساسية هي مشكلة اندماج الشباب الفرنسي من أصل مغربي من أبناء الجيل الرابع، أبناء الضواحي المهمشين والطافرين خارج المجتمع والدولة. ليس صدفة أن داعش وجدت لها صدى بين هؤلاء وهؤلاء فقط في كل الغرب العلماني .

٣- الجيل السابق من الجهاديين الأمميين كان من القاعدة (بن لادن-الظواهري)وتمركز وسط الشباب العربي الخليجي والهندي باكستاني في بريطانيا وغيرها وكانوا متعلمين ومثقفين وكانت حوافزهم أيديولوجية ترتبط بمحاربة الغرب في عقر داره بعد حرب العراق الأولى ١٩٩١. وسبقهم في الجهاد الأممي اليسار الثوري من كارلوس إلى وديع حداد إلى غيره. الجيل الداعشي الجديد فرنسي مغربي لا علاقة له بالدِين أو الالتزام الأيديولوجي بقضايا أممية. شباب غير متعلم وفي غالب الأحيان منحرف وخريج سجون وإصلاحيات للأحداث الجانحين وهم من جيل متوحش نتاج تهميش متوحش. 


٤- القرارات الفرنسية (منذ أول قرار يتعلق بمنع الحجاب) لن تؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالحرمان والقهر والتهميش والاحتقار والإذلال وهذه هي الأرض الخصبة لأفكار التوحش الداعشي.

٥- ولا يأتي من يقول لنا إن على المسلمين التزام قوانين البلاد التي هم فيها.نعم عليهم التزام القوانين ولكن هذه ليست قوانين دستورية علمانية عادية بل إجراءات وتدابير أصولية جائرة صادرة عن ردود فعل شعبوية وغاياتها شعبوية فرنسية انتخابية. وهي قرارات يعارضها الكثير من الفرنسيين وغالبية الغرب الحضاري العلماني. وهي تضاعف من حمى الاسلاموفوبيا ونقيضها التوحش الداعشي في آن. وليس علينا أن نكون ملكيين أكثر من الملك بل أن نكون إنسانيين وديمقراطيين وأصحاب رؤية لكيفية إنقاذ العالم من التطرف والإرهاب.

فواز طرابلسي... هل ان التعرّي على الشاطيء فرضٌ علماني دستوري؟؟؟؟

أغسطس 25, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك

قطعت الحضارة الغربية اشواطا طويلة لتكسر الحرم على حرية التصرّف بالجسد الى ان بات الحق في التعرّي (وفي الاجهاض مثلا) معترفاً به على انه جزء من حقوق الافراد، نساء ورجالا، وحرية من الحريات.

توّج هذا المسارُ مساراً آخر، هو الكسر التدريجي لتقليد ربط نوع الثوب بالقداسة او الجاه او الامتياز الاجتماعي، ضمن تراتبية حصرية قائمة على ثنائية تفوّق/دونية بين مراتب المجتمع. 

ثم ان القفزات التي حققتها «ديمقراطية اللباس» قد جردت اللباس، ولو جزئياً، من مقادير من مثل هذه الدلالات القسرية. بناء على دمقرطة وعلمنة اللباس هذه، تجوز إدانة إلزامية الحجاب في الجمهورية الاسلامية الايرانية كما في العربية السعودية قدر ما تجوز إدانه إلزامية السفور في تركيا الاتاتوركية. 

مهما يكن، لم يخطر في البال ان يوما سيأتي يفترض فيه ان الحق في التعرّي يستلزم تحريم الحق في اللباس. وهذا ما حصل عندما اصدر عدد من المجالس البلدية في فرنسا قرارات، مدعومة قضائياً، بتحريم ارتداء ثوب سباحة يريد مرتدوه اعتباره «اسلامياً»، فربطوا الحق في إختيار التعرّي، الجزئي او الكلّي، على الشواطيء بتحريم عكسه: الحق في عدم التعري على الشاطيء. 
يحرّم القانون العلماني الفرنسي ارتداء ما يؤشر الى الانتماء الديني او المذهبي او المناطقي في مؤسسات الدولة اي في المدرسة، والادارة، والجيش. الامر قابل للبحث من منطق حرية اختيار الالبسة المذكورة اعلاه. ولكن هل ان الشواطيء مؤسسات دولة في فرنسا؟ وهل ان التعرّي على الشاطيء فرضٌ علماني دستوري على المواطنين؟ هذا اذا كنا نقارب الامر من منظار الديمقراطية والعلمانية، اما اذا كانت الحجة ان الزي المقصود يعتبر زياً إسلاميا، فهل ان ارتداء المايوه بقطعة او قطعتين او التعري الكامل هو الزي المسيحي السوي؟

مازن معروف.... صدمة صورة البوركيني

أغسطس 24, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك
في صورة المرأة التي أجبرها رجال الشرطة على خلع لباسها في نيس اليوم
1- لا تمثل لي الصورة سوى صورة امرأة سجينة. امرأة تشبه اي سجين يجبره اربعة رجال شرطة على الإدلاء باعتراف كاذب.
2- تدلني الصورة على نموذج أوروبي لا يزال مريضاً بالكولونيالية. عنف تبرره الدعاية الغربية ويقوم على فكرة الاستيلاء على الاخر وامتلاكه وتجريده. كما انها تجسد عنف شرطة أوروبية ضد امرأة غير أوروبية. وهو عنف يحمل سمة تطهيرية، سلوك منمنم عما فعله المستوطن الأبيض بالهنود الحمر والأفارقة مثلا في أميركا والكونغو مثلا.
3- الصورة تفضح مأزقاً عاماً تعانيه اوروبا. فلنسلم جدلا ان الحجاب يمثل مشكلة بصرية او سوسيولوجية او نفسية في فرنسا (هو في الواقع ليس الا مأزقا تمويهياً لأزمة مواد أولية ومصادر طاقة)، حسنا أيها الفرنسي، كيف تتصرف؟ أنت تنتج عشرات الأفلام سنويا، مئات الكتب، لديك المفكرون والكتاب الفلسفة وهناك إرثك الثقافي الضخم، لديك المؤسسات الثقافية والمكتبات ودور السينما والمدارس والجامعات والملاعب العامة والحدائق ولديك ايضاً الدستور الذي يكفل حق الاختلاف، ثم تجد نفسك في مأزق وجودي لانك امام ثقافة حجاب تربكك، (علماً انك ترتاد الكنيسة اما للصلاة او على سبيل السياحة، وفي كل مرة تحدق في تمثال السيدة مريم التي ترتدي بدورها حجاباً)، مع هذا فإنك بدلا من أن تحاول التأثير ثقافيا في هذا الاخر الذي تعتبره دونك، ترسل أربعة رجال شرطة لنزع حجاب عن رأس امرأة عجوز.
4- في الجامعات الفرنسية كما في الجامعات الأوروبية، يهمس الأكاديميون بفضل المفكرين والعلماء المسلمين على الثقافة. الخوارزمي مثلا، كان مسلماً وهو مبتكر اللوغاريثمات. وآينشتاين كمثل شهير، مدين للوغاريثمات في التوصل الى معادلته حول سرعة الضوء والطاقة والتي غيرت تاريخ الفيزياء، اللوغاريثمات شئنا ام أبينا لولاها لما تمكنت البشرية من التنعم بالتكنولوجيات المستخدمة في الطب الحديث والصناعات الالكترونية والقياسات الفضائية كما اللابتوب الذي يحظى به الحمقى كذلك.
5- المرأة التي في الصورة، من الواضح انها ليست عمياء ولا هي متسولة او عابرة سبيل. وهي تجلس وسط أناس يكشفون عن أجسادهم. في هذه الصورة، المرأة العجوز والتي يعتبرها البعض بسيطة ومجبرة وبلهاء، تسبق بوجودها على البلاج رجال الشرطة بنقطة. هي تقبل بالاختلاف ولا تأخذه كأزمة تهز ثقافتها أو تهدد كيانها، لولا ذلك لما اختارت ان تكون على البلاج. مثلها مثل الناس الذين حواليها، هؤلاء بدورهم لا يجدون أزمة مع لباسها والا لالتقط المصور مشهدا فارغ من الناس.

إيثار عبدالحق - .. هل عاد سليم الأول بثياب أردوغان؟

أغسطس 24, 2016 اضف تعليق

زمان الوصل
"درع الفرات" في يوم "مرج دابق".. هل عاد سليم الأول بثياب أردوغان؟ سواء عاد "سليم الأول" بثياب "أردوغان" أم لا، فإن الثابت أن تركيا دخلت سوريا لأول مرة منذ دخولها الأول قبل 500 عام
هل هي مجرد مصادفة، أم رسالة مقصودة، أن تختار تركيا، ونعني بها هنا الرئيس "أردوغان" تحديدا.. أن تختار يوم دخول السلطان سليم الأول إلى بلاد الشام من بوابة مرج دابق، يوما لإعلان وبدء تدخلها في شمال سوريا؟

هل يعيد التاريخ نفسه –أو يراد له أن يعاد ولو جزئيا- باختيار هذا اليوم 24 آب/أغسطس دون غيره، وهل هناك رسالة واحدة مفادها أن "هاقد عدنا يا سوريا"، أم رسائل أخرى من قبيل أن "هاقد عاد زمن العثمانيون.. زمن الدولة العلية، والسلاطين"؟!

لاشك أن للوضع الجيوسياسي الحالي في المنطقة -والعالم ككل- كلاما آخر، وربما مغايرا، للرسائل (الأهداف) التركية ما ظهر منها وما خفي، علما أن هذه الأهداف تشكل عمود الخطاب والتفكير الذي يستند إليه "أردوغان" في كل حديث علني له عن تركيا الحاضر والمستقبل، التي ينبغي عليها أن تستعيد ماضيها –أو تلوذ به على الأقل- إذا ما أرادت أن تحجز مكانا لها بين الأقوياء، وفق استراتيجية "تركيا 2023" التي بقي أمامها 7 سنوات، لايعلم أحد هل ستكون خصبة أم عجافا أم بين بين، وهل ستبلغ تركيا هدفها المنشود أم ستتجاوزه إلى أهداف أعلى لم تكن ضمن الخطة.

في 24 آب/أغسطس 1516، غيّر "السلطان سليم الأول" وجهة "فتوحات العثمانيين"، وغيّر معها وجه المنطقة والعالم لمئات السنين، عندما هزم المماليك في وقعة مرج دابق، التي كانت بوابته إلى بلاد الشام وما يليها ويجاورها، من مناطق كانت وما زالت وستبقى "مفتاحية" بحكم الجغرافيا.. الثابت الذي لايقبل التبدل، ولا يمكن لأحد التحايل عليه.

وفي 24 أغسطس/ آب 2016، أي بعد 500 سنة بالتمام والكمال، اختار "أردوغان" لحظة البدء بتدخله البري في سوريا عبر بوابة جرابلس، في عملية سماها "درع الفرات"، هدفها المعلن والقريب "تطهير المنطقة الحدودية من التنظيمات الإرهابية"، وفق وصف الإعلام التركي الرسمي للعملية.

لن يدخل "أردوغان" كما دخل "سليم الأول" من بوابة "دابق" بل سيدخل من "جرابلس" التي تبعد عن الأولى نحو 85 كيلومترا، وتقع إلى شمال شرقها، حيث لم يعد السؤال الحالي لدى أنقرة: "من أين ندخل إلى سوريا؟"، بل: "لماذا لا ندخلها فعلا؟"، لاسيما أن عملية "تطهير" الجيش التركي قد اكتملت أو أوشكت على الاكتمال بفضل الحركة الانقلابية الفاشلة، وأن جبهة الحكومة والمعارضة في أقوى صور تلاحمها وتوافقها، وعلاقات "قصر بيش تبه" (مقر المجمع الرئاسي في أنقرة) تخففت من شحنات التوتر التي كانت تحملها إزاء عواصم ذات ثقل ترجيحي في مسار المسالة السورية.

خلاصة القول: سواء عاد "سليم الأول" (ياووز، القاطع) بثياب "أردوغان" أو وجهه، وسواء كان توقيت عودته مقصودا أو اعتباطيا، وسواء كانت لـ"أردوغان" أهداف تشابه –بدرجة أو بأخرى- أهداف السلطان سليم.. وسواء سمح الوضع الجيوسياسي الحالي بتحقيقها أم لا.. فإن الثابت أن تركيا دخلت بشكل عسكري صريح وقوي -وللمرة الأولى منذ 5 قرون- إلى سوريا، والأهم منذ خروج العثمانيين منها قبل نحو قرن من الزمن.
- See more at: https://zamanalwsl.net/news/73124.html#sthash.ss7Ua4b5.dpuf

وسام سعادة... خمسمئة عام على مرج دابق

أغسطس 24, 2016 اضف تعليق

Aug 22, 2016 عن القدس العربي

لم تكن الدولة السلطانية المملوكية الثانية، أو ما كان يعرف بدولة الجراكسة، والتي جمعت مصر والبلاد الشامية والحلبية وأقساما من شبه الجزيرة العربية ومن الأناضول، في حالة انحطاط عمراني أو عسكري حين تمكّن السلطان العثماني سليم الأول الملقّب بـ»الياوز» (أي البتّار) من انزال الهزيمة بسلطانها قانصوه الغوري في مرج دابق، إلى الشمال الغربي من حلب، يوم الأحد 24 آب/اغسطس 1516، أي قبل خمسمائة عامّ بالتمام. بالعكس تماماً، كانت لا تزال تبدو على أنّها القوة المحورية في الديار الإسلامية.
دشّنت معركة مرج دابق عملية الإنهيار السريع لدولة المماليك الجراكسة، من حلب حتى القاهرة، ولاحقاً جرت المحافظة على نظام الرق العسكري أي النظام المملوكي، من بعد استتباعه للنسق العثماني، في مصر، في حين ستتفاوت أوضاع «عرب آسيا» بين تركيبة مملوكية تتداعى في بلاد الشام، وتركيبة مملوكية سيجري اعتمادها لاحقاً في العراق. وقبل كل شيء ستدشّن معركة مرج دابق الاستيلاء العثماني على البلاد العربية، كلّها تقريباً، بالتتابع، وان يكن بمنطق سيطرة متفاوت، ما عدا المغرب الأقصى.
لا تزال الفكرة البلهاء حول «عصر انحطاط» يمتد من أفول الخلافة العباسية حتى قيام «النهضة العربية» تفرض أثرها السيئ جدّاً على تناول تاريخ الدول السلطانية الإسلامية، سواء المملوكية في مصر والشام، أو المملوكية الهندية، أو الدول العثمانية، والصفوية، والمغولية البابورية الهندية.
النسق المملوكي بالذات، لم يعن العرب المعاصرون به كثيراً، ولا اهتموا بالتأليف فيه، هذا في حين تكثّفت الدراسات في التاريخ المملوكي في اسرائيل، مع المؤرخ ديفيد أيالون ومدرسته، وبشكل متواشج مع المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية، تحديداً لأن مدرسة أيالون اعتبرت أن الشغل على المماليك أساسي لفهم هذا «الإسلام العسكري» الذي يمتد من نور الدين زنكي إلى الظاهر بيبرس إلى محمد علي إلى جمال عبد الناصر، رغم أنّ العصر الحديث يتجاوز ما كان يتوقّف و»يستشرق» عنده أيالون مطوّلاً من ثلاثية «الجند الرقيق، والخصيان، والحرملك». 
واذا كانت فرنسا بعد انتهاء حملتها على مصر أيام بونابرت قد أسست فرقة مملوكية ملحقة بجيشها الإمبراطوريّ، فإنّها راكمت أيضاً تقليداً تخصصياً متنوعاً، اهتم بـ«تجربة السلطة في إسلام العصر الوسيط»، إذا شئنا استعادة العنوان التحتي لكتاب المؤرخ جان لوازو عن المماليك الصادر قبل عامين. 
سمح هذا «النسق المملوكي» الذي نشأ في ظلّ الدولة الأيوبية، وأستمرّ في مصر تحديداً بعد هزيمة المماليك أمام العثمانيين، بأشياء كثيرة، من بينها إقامة التوازن بين «التسنّن» و«التصوّف»، الأمر الذي استكمله العثمانيون ولو بمنطلقات وأبعاد أخرى. 
في دولة المماليك الجراكسة، كان أكثر المماليك يستقدمون من بلاد الشركس، بعد أن تراجع تصدير الرقيق الأبيض من قوم القبجاق وشعوب تركية أخرى. المملوك، في فقه الرق، هو عبد يشترط فيه أن يكون من أبوين حرّين، أما أولاده فأحرار أيضاً، ونظرياً كان يمنع على أولاد المماليك، أن ينتظموا هم أيضاً في العسكر، وكانوا يسمّون بـ«أولاد الناس» ويصرفون خصوصاً إلى التجارة والمهن الحرّة، في حين تبقى «الأرستوقراطية العسكرية» محصورة بأولئك الذين يشترون وهم صغار في أسواق النخاسة، ويعتنقون الإسلام، ويدخلون في روابط ولاء لأساتذتهم أو أمرائهم، الذين هم مماليك أيضاً، مماليك تمّ عتقهم من لدن السلطان، الذي هو مملوك أيضاً. في ذلك العصر، لعب نموذج النبي يوسف، الذي أوقع به أخوته، وبيع إلى مصر، وصعد هرمية حكمها، دوراً ملهماً للنسق المملوكي. ورغم كثرة المكائد ومؤامرات القصر بين أمراء المماليك، احتفظ هذا النسق بصلابة معتبرة، بفضل نظام «الأخوة» بين المماليك الموالين لبيت أمير بعينه، أو ما كان يعرف برابطة «الخوشداشية»، وتضاف اليه الولاءات المختلفة إلى مشايخ الصوفية.
يتلقى المملوك حال انتظامه في بيت أميره مبادىء الإسلام السنّي ـ الصوفيّ، الذي عادل الظاهر بيبرس قبل ذلك، بين مذاهبه الفقهية، بعد أن كان الأيوبيون يعلون من شأن المذهب الشافعي. لكن المملوك الفتي كان يتعلّم أيضاً اللغة التركية، يتعلّمها في مصر والشام، وبلهجة اختلفت عن باقي لهجات وتفرّعات اللغة التركية، وتأثرت أكثر من سواها بقواعد وتركيبات اللغة العربية. حتى في عهد المماليك الجراكسة، كان المماليك يستقدمون أيضاً من أسواق شتّى، وكان بينهم اليوناني الأصل، والإيطاليّ، وحتى الفرنسي أو الألماني. أما لغة «الأرستوقراطية العسكرية» في العصر المملوكي فكانت اللغة التركية، من دون أن يلغي ذلك أنّ اللغة العربية ازدهرت أيضاً في نفس العصر، ليس فقط كلغة للدين والفقه، بل أساساً كلغة للدواوين، فضلاً عن غنى الحقبة المملوكية بالتأليف الأدبي، وثرائها الملفت في المؤرخين، من المقريزي إلى تغرى بردي وابن اياس وابن شاهين وابن طولون وسواهم الكثير. 
في مرج دابق، انهارت سلطنة المماليك الجراكسة، وأعيد تدوير النسق المملوكي، في اطار النسق العثماني، الذي كان يتميّز بنوع آخر من نظام التربية العسكرية الإسبارطية، هو نظام «الدوشرمة»، القائم على انتزاع نسبة من أطفال النصارى في البلقان والقوقاز للتشكّل في صفوف «الإنكشارية». انتصارات سليم الأول العسكرية تعود تحديداً إلى حيوية هذا النسق، وشدّة ارتباط الانكشارية بالتصوّف، كما ترجع إلى كثافة استخدام مدافع البارود، في مقابل مثابرة المماليك على الإعتماد على الخيالة.
من الصعب الحسم في هذه العجالة كيف أستقبل أهالي الولايات العربية سليم الأول فاتحاً، فالرواية مختلفة، تفصيلاً وايقاعاً بين مؤرخي الحقبة، وكما أنّه لا معنى للحديث عن «استعمار عثماني» مثلاً معه، كذلك لا يمكن تجاهل الغرابة التي شعر بها أبناء مصر والشام، حيال هذا الزحف العثماني، هذا في مقابل حماسة إليه، يمكن أن نلحظها أكثر في شمال أفريقيا. 
الشيء الأكيد أن سليم الأول لم ينقل الخلافة اليه يومها من الخلافة العباسية الصورية التي انطفأت في القاهرة، بخلاف الأسطورة التي راجت لاحقاً. بل أن الكثير مما دوّنه وقتها المؤرخون كما الزجالون تظهر أن الناس تعاملت مع «سلطان الروم» أي سليم الأول وعساكره، لفترة، على أنّهم من الكفار، أو أنّه مشكوك بإسلامهم، فهذا ابن اياس مثلا يسجّل ما تناهى اليه من مرج دابق هكذا: «وأما السلطان (قانصوه الغوري)، فمن حين مات ولم يعلم له خبر، ولا وقف له أحد على أثر، ولا ظهرت جثته بين القتلى، فكأن الأرض قد انشقت وابتلعته في الحال، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، فداس العثمانية المصاحف التي كانت حول السلطان بأرجل الخيول، وفُقِد المصحف العثماني (أي المكتوب بخط الخليفة الراشدي الثالث). 
أما في «مفاكهة الخلان» للمؤرخ الشامي ابن طولون فيستوقفنا عنده اهتمامه بابراز مدى التقدم التقني الحربي للعثمانيين، كامبراطورية مدافع البارود الأقوى، «ولما أطلقوا البارود في المصطبة، ظنت أهل دمشق ان السماء انطبقت على الأرض»، واهتمامه باظهار المزيج الغريب للجيش العثماني الغازي، «ما بين أروام وأرمن وتتر وسوارية وافرنج»، والعناية الشديدة للسلطان سليم بضريح الصوفي محيي الدين ابن عربي وبنائه جامعاً فوق قبره، وتكية ما لبث ان أمرت احدى المحاولات التمردية على العثمانيين بابطالها، في عصر كان انتقاد ابن عربي صار شائعاً سواء بين الفهقاء أو بين المتصوفة، بتهمة أنّه ذهب بعيداً، إلى عقيدة «وحدة الوجود». 
قبل خمسمائة عام، دشّن سليم الأول العصر العثماني في البلاد العربية، ليس فقط بانتصاره على قانصوه الغوري، بل أيضاً بزيارته المستهجنة آنذاك، إلى ضريح ابن عربي.

٭ كاتب لبناني

عبدالرحيم أبو حسين... معركة مرج دابق: في مثل هذا اليوم قبل 500 سنة

أغسطس 24, 2016 اضف تعليق
  عن الحياة
شاءت الظروف التاريخية أن تتشابك مصائر العرب والترك في السرّاء والضرّاء لما يزيد على ألف عام. لا يسمح المقام هنا بتتبع جذور هذه العلاقة، بل يكفي القول إنّ هذا التشابك سابق على الفترة العثمانية ولم يكن دوماً انعكاساً لموازين القوى بين الطرفين. فقد كانا شريكين، كما كانا حكاماً لمحكومين، وفي أحيان أخرى الأخوة الأعداء. وجمع بينهما تاريخ مشترك كما جمعت غالبيتَهما الرابطةُ الدينية وفرقت بينهما المصالح، بخاصة في أواخر أيام الدولة العثمانية وما تلا انهيارها من قيام دول المنطقة الحديثة على أنقاضها.
وأنتجت هذه المستويات المختلفة لهذه العلاقة العربية التركية وتعقيداتها، بخاصة بعد نهاية الحقبة العثمانية، تباعداً بل جفاء بين العرب والترك انعكس في نظرة كل طرف إلى الآخر نظرة عدائية عكست نفسها على الحقبات التاريخية السابقة لهذا التشابك، وبخاصة على الفترة الأطول زمنياً، والأغنى تفاعلاً ثقافياً، أعني الفترة العثمانية التي جمعت العرب والترك في اطار جامع سياسياً وثقافياً لفترة تغطي أربعة قرون كاملة.
لن اتطرق هنا الى نظرة الأتراك الى العرب وإن كان هناك الكثير مما يقال في هذا المجال. فما يعنيني في هذه العجالة نظرة العرب الى الأتراك.
فإلى زمن قريب، بل الى يومنا هذا في حالات كثيرة، انطوت النظرة العربية الى ذاك الماضي العثماني المشترك، وفي هذا يستوي العامة والمؤرخون بل جل القادة السياسيين، على رغم المثالب التي ينطوي عليها هذا التعميم، من أمر كاد يصبح بديهياً لفرط ما شاع وتكرر، ويمكن تلخيصه بأن العصر العثماني، الذي امتد على مدى أربعة قرون بما انطوت عليه من الحسن والسيء، هو عصر انحطاط بامتياز. ويعود السبب في ذلك، الى جانب العوامل السياسية الدولية في مطلع القرن العشرين، الى ان الحركة القومية العربية، الى جانب الحركات القومية الأخرى وفروعها المختلفة، صورت الحكم العثماني على أنه استعمار تركي. وانتشرت في كتب التاريخ المدرسية ولدى الكثيرين من المؤرخين العرب تعابير من قبيل «النير العثماني» أو»النير التركي». واتُهم العثمانيون أو الأتراك بمحاولة طمس اللغة العربية وفرض التتريك. كما صُوّرت كل أعمال العصيان في مختلف المراحل، ومن دون النظر الى دوافعها والإطار الذي حصلت فيه، على أنها حركات تحررية في سبيل «الاستقلال العربي» أو «الاستقلال اللبناني» وما الى ذلك.
وربما كان ذلك مفهوماً في العقدين او الثلاثة الأخيرة من الحقبة العثمانية وفي اطار ما اصطلح على تسميته الثورة العربية الكبرى ومشاريع بناء الدولة العربية الوحدوية أو الدول الوطنية. فهذا ما قامت به الحركات القومية التي نشأت على أنقاض الدولة العثمانية أو غيرها من الدول غير القومية من حيث تعاملها مع تلك الدول البائدة. إلا أن النظرة العربية السلبية الى العهد العثماني لم تقتصر على الجانب السياسي بل امتدت لتغطي كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى أصبح العثمانيون (وفي الفهم العربي لا تمييز بين هؤلاء والأتراك) هم سبب التخلف العربي حيث وُجد، وهم المسؤولون عن شيوع ممارسات سلبية في المجتمعات العربية. ويستوي في هذه النظرة الكثيرون، وأكاد أقول الغالبية العظمى، من المؤرخين وكتّاب الرأي من الصحافيين وكتاب النصوص المسرحية والروايات.
وهنالك الى جانب ما سبق مدرسة في التاريخ العربي، كانت في عصر ازدهار المشاريع القومية، تمثل أقلية. هذه المدرسة رأت في الدولة العثمانية آخر دولة للخلافة الإسلامية الشرعية: دولة عملت على نشر الإسلام ورفع رايته والدفاع عنه، ولهذا استهدفتها الدول الأوروبية، غربيها وشرقيها، التي تآمرت عليها. وبناء على هذه المقولة، اختُصر التاريخ العثماني، وبخاصة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بأنه سلسلة متصلة من المؤامرات التي حاكتها الدول الأوروبية للتخلص من الدولة العثمانية بما تمثله للإسلام والمسلمين، وتُقرأ «الثورة العربية الكبرى» وما شابهها من حركات على أنها مجرد نتاج للمؤامرات الدولية.
كما وجد في السنوات الأخيرة اتجاه لدى عدد متزايد من المختصين بالدراسات العثمانية، ومن بينهم بعض العرب، ينظر الى الدولة العثمانية نظرة فيها الكثير من الحنين الى ماضٍ ذهبي مُتخيل. فهناك وجد الكومونولث العثماني الذي كان من سماته المجتمع التعددي حضارياً والمتسامح دينياً. وهو اتجاه ذو وقع جذّاب ويلقى مزيداً من الآذان الصاغية، خصوصاً عند أخذنا في الاعتبار المحنة العربية الحاضرة.
الاتجاهات التأريخية السالفة الذكر، كل من منطلقه ولأسبابه، يغلّب الاعتبارات السياسية الآنية في قراءته للحقبة العثمانية في المشرق العربي، هذا الى جانب القصور المنهجي الذي تشكو منه معظم الدراسات التي تنتج منها. وهي لهذه الأسباب تنتج تاريخاً مشوهاً في أفضل الأحوال لا يتمتع بالحد الأدنى من الأصول البحثية المتعارف عليها. ومن الأمثلة الفاقعة الغباء التي يمكن ايرادها للتمثيل على هذه المدرسة في كتابة التاريخ ما أوردته وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية من تغييرات أُقرّت في تناول كتاب التاريخ المدرسي للفترة العثمانية في إحدى المراحل التعليمية في سورية. وقد طاولت هذه التغييرات أسماء بعض السلاطين وتوصيف بعض الأعمال. وعليه نُزعت صفة «الفاتح» عن السلطان محمد ليصبح محمد الثاني فقط، وأصبح ما اصطلح على الإشارة اليه بـ «فتح القسطنطينية» دخول القسطنطينية او الاستيلاء على القسطنطينية. وانسحب ذلك أيضاً على البلقان. ولا تشير التقارير الإخبارية التي أمكنني الوصول اليها الى كيفية توصيف «دخول» العثمانيين الى بلاد الشام، ولكن ليس من الصعب تخيل ما يمكن ان يرد في هذا المجال. ويبدو أن مصر سبق أن فعلت ما فعلته سورية مؤخراً، في 2010. اذ ترد في عدد «اليوم الجديد» الصادر في 8 آب (أغسطس) الجاري مقالة بعنوان: «فعلتها مصر في 2010: بشار يرد على اردوغان في منهج التاريخ»، حيث يتطرق الكاتب حسن خالد الى التغييرات التي طرأت على كتاب التاريخ المدرسي السوري ويستعيد بالمناسبة ما قامت به مصر في 2010 من تغيير في منهج الدراسات الاجتماعية للمرحلة الثانوية. فقد تغير عنوان أحد الدروس، مثلاً، من الفتح العثماني لمصر الى الغزو العثماني لمصر.
ولست هنا في صدد مناقشة صحة او خطأ هذه التغييرات، لكن الإشارة اليها تأتي في معرض ايضاح الدور السياسي في النص التاريخي. وطبقاً لذلك تتغير نظرتنا للتاريخ العثماني، ليس بتغير أدوات البحث التاريخي أو مصادره، بل بتغير العلاقات بين حكام تركيا الحديثة والحكام في الدول العربية المختلفة، وهي تغيرات من المتوقع استمرارها ما استمرت هنالك دول عربية ودولة تركية تلتقي مصالحها او مصالح حكامها وتفترق من فترة الى أخرى.
من بديهيات البحث التاريخي المعرفة المعمقة للإطار التاريخي لموضوع البحث والإلمام الكافي بمصادره وعدم اسقاط الحاضر على الماضي. وليس من قبيل الافتئات على هذه التغييرات الطارئة على مصطلحات متعارف عليها في التاريخ العثماني القول إنها لا تقوم على اية أسس تاريخية بل هي كيدية سياسية غير مقنعة. لكن كيف يمكننا ان نصف «الفتح» أو «الدخول» أو «الاحتلال» العثماني ونكون أقرب الى فهم الشامي أو العربي الذي عايش هذا الانتقال من عصر الى آخر؟ ليس أفضل في هذا السياق من أن نسمع أو نقرأ شهادة من عاش في فترة التحولات هذه ونقل الينا مشاعره. إلّا أن صدقية الشهادة تتطلب ان يكون الشاهد منزّهاً عن الأغراض وفي موقع يتيح له الاطلاع على مجريات موضوع الشهادة. والشاهد هنا عالم دمشقي، يعدّ مؤرخ دمشق الأول بلا منازع في أواخر العهد المملوكي وأوائل العهد العثماني. وهنا أقدم نصه في محاولة لفهم النظرة الشامية وربما العربية اجمالاً الى التحول السياسي الهائل الذي طرأ بفعل «الفتح» أو «الدخول» العثماني الى المشرق العربي.
من المهم الإشارة الى أن هذا المؤرخ، شمس الدين محمد ابن طولون، وعلى رغم مكانته العلمية المتقدمة في مجتمع دمشق في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ابتعد عن المناصب الرسمية في العصرين المملوكي والعثماني ووقف حياته على التدريس والتأليف. وهو دمشقي المولد والمنشأ والوفاة، ولد في دمشق المملوكية سنة 880 هـ (1476 م) وتوفي في دمشق العثمانية سنة 953 هـ (1546 م). وهو كان من أغزر علماء عصره إنتاجاً، وضع ما يزيد على ٧٥٠ من المؤلفات المختلفة المواضيع. وقد تمحورت مواضيع العديد من كتبه ورسائله على ما يتعلق بمدينته دمشق من حيث تاريخها وقضاتها وبعض أحيائها، وقد نُشر له في الفترة الحديثة العديد من الكتب وبخاصة ما يتعلق منها بتاريخ دمشق في العصرين المملوكي والعثماني.
وتكمن أهمية ابن طولون كمؤرخ في أنه يكتب عما عاصر من أحداث وينقلها لنا كما شاهدها أو كما وصلت الأخبار بها إلى دمشق على شكل تدوين يومي (يوميات). كان ابن طولون يعيش في دمشق سنة ١٥١٦، وقد نقل إلينا مشاهداته قبيل معركة مرج دابق، من وصول العساكر والسلطان المملوكي إلى دمشق وخروجه للقاء العسكر العثماني وما تلا ذلك من وصول أخبار هزيمة المماليك، ومن ثم وصول العسكر العثماني والسلطان سليم الى دمشق. الأهم من ذلك، أن ابن طولون نجح في أن يوصل إلينا شعوره كدمشقي تجاه السلطان المملوكي ثم تجاه السلطان العثماني والعثمانيين «الفاتحين» أو «المحتلين» بطريقة غير مباشرة ومن دون أن يتخذ موقفاً صريحاً، تأييداً او اعتراضاً، وذلك عبر مشاهداته المباشرة. وهو بذلك كان اقرب الى نقل مواقف ومشاعر أهالي دمشق، وربما عموم أهالي بلاد الشام مما كان يدور حينذاك. إذاً، نحن أمام شهادة عالم من أهم علماء عصره، والعلماء حينذاك لسان حال ما يمكن تسميته «الرأي العام».
يقول ابن طولون في كتابه «مفاكهة الخلان في حوادث الزمان» حول خلفيات معركة مرج دابق ما يلي:
«وفي هذه الأيام تواترت الأخبار بأن السلطان (قانصوه الغوري) بقلعة حلب... وفي بكرة يوم الجمعة ثالث عشريه (رجب 922 - 11 آب - أغسطس - 1516) ورد مرسوم مؤرخ بثامن الشهر من حلب من السلطان، وفيه انه عزم على التوجه الى ملاقاة ملك الروم سليم خان، وأنه يسأل الدعاء من أهل دمشق له، وأن ملك الروم قد جهز عساكر كثيرة من النصارى والأرمن وغيرهم له. فاجتمع قضاة دمشق الأربعة، والشيخ عبد النبي، ومن يلوذ به من المرائين، في جامع بني أمية بعد صلاتها في المقصورة، وكذا يوم السبت والأحد، وقرأوا سورة الأنعام، ودعوا للسلطان وعسكره، وخصوصاً بين الجلالتين، ولم يحضرهم أحد من المباركين، وألسنتهم ناطقة بالدعاء لمن قصده الخير منهما.
وشاع بين الناس أن سبب توجهه، بعد ان كان قصده الصلح، توجه ملك الروم اليه، وأخذ قلعة الروم، وما والاها الى عينتاب، بسبب انه اطلع على مطالعات من سلطاننا الى الخارجي اسماعيل الصوفي يستعينه على قتال ملك الروم سليم خان.
وفي عشية يوم السبت ثاني شعبان منها، وصل الخبر على يد هجانة الى دمشق، أن سلطاننا التقى مع ملك الروم في مرج دابق، بموضع يعرف بتل الغار، وقيل بمرج الطبقة، فوق أرض مرج دابق، يوم الأحد رابع عشري رجب الماضي،... وأنه كانت النصرة أول النهار لسلطاننا، وفي وقت الظهر اشتغل عسكره بالنهب، فرجع عليهم ملك الروم بالبندق الرصاص فكسرهم.
فلما رأى سلطاننا ذلك دعا بماء فشرب، وأغمي عليه، ثم سقط ميتاً بالقولنج، وهو يستغيث بالأغوات، وقيل انه سقط وبه رمق من الحياة، فأركب ثم سقط ثانياً ميتاً... وأما سلطاننا فقطع رأسه ووجه إلى إستانبول، كما قال لي المحبّ ناظر الجيش، وجثته قيل دفنت عند الشيخ داود بأرض دابق، وقيل حملت الى حلب ودفنت بتربة له فيها، كانت قديماً، لما كان متولياً الحجوبية الكبرى بها، والصحيح أنه لم يعلم حاله.
وشاع بدمشق أنّ ملك الروم سليم خان دخل قلعة حلب، وتسلم المال الذي بها ووزنه وأرصده، وأقام بالقلعة نائباً له... ثم سدّ أبواب حلب خلا بابين، أحدهما من جهة الروم، والآخر من جهة دمشق، وسكن في القلعة... وأخذ كل ما فيها من الودائع عند أهلها للمنهزمين، وأحسن الى فقهائها وفقرائها».
نلاحظ في الاقتباس السابق ما يلي:
أولاً، الدقة والأمانة العلمية عند ابن طولون في ايراد المعلومات: فالأخبار «تواترت»، ثم الاقتباس من مرسوم ورد من السلطان المملوكي من حلب، فوصول أخبار معركة مرج دابق «على يد هجانة الى دمشق»، ثم حول مصير قانصو الغوري «كما قال لي المحب ناظر الجيش».
ثانياً، يتضح موقف ابن طولون من السلطة المملوكية من دون أن يصرح به مباشرة، اذ يقول إن حضور الدعاء بالنصر للسلطان والجيش المملوكي، بالإضافة الى الرسميين، اقتصر على « المرائين» «ولم يحضرهم أحد من المباركين، وألسنتهم ناطقة بالدعاء لمن قصده الخير منهما».
ثالثاً، الدقة في التوصيف: فقانصو الغوري «سلطاننا» حتى بعد قطع رأسه، وسليم خان هو ملك الروم حتى بعد هزيمة المماليك ودخول سليم الى حلب. ليت مؤرخينا الجدد يقتدون بذلك.
يورد ابن طولون ما قام به السلطان سليم من اجراءات وإحسانه الى الفقهاء والفقراء من دون تعليق، فليس هنالك استحسان أو استنكار لها.
رابعاً، ما يورده ابن طولون حول خلفيات معركة مرج دابق من حيث الاتصالات المملوكية - الصفوية، وهو ما «شاع بين الناس»، أصبح الآن أمراً مثبتاً تاريخياً. كذلك مسألة عدم العلم بأي أرض دفن جثمان الغوري، فالأمر ما زال مجهولاً.
ننتقل الآن لنرى كيف تعامل ابن طولون مع «الفتح» أو «الدخول» أو «الاحتلال» العثماني لدمشق:
«ثم في يوم الجمعة خطب على منبر الأموي الولوي بن الفرفور باسم ملك الروم، وكذا في سائر الجوامع. ثم تتابع دخول العسكر، فذهب بعضهم ونزل على أناس خارج دمشق كرهاً، فذهبوا واشتكوا عليهم، فجاء ربطهم في حبال، ثم ذهب بهم الى ضفة الخضر وضرب أعناقهم، فارتدع بقية العسكر بهم.
وفي بكرة يوم السبت مستهل رمضان منها (922 هجرية)، وصل ملك الروم سليم خان بن با يزيد خان... الى المصطبة لصيق القابون الفوقاني، في عساكر عظيمة لم نر مثلها، ويقال إن عدتها مئة ألف وثلاثين ألفاً، ما بين أروام وأرمن وتتر وسوارية وإفرنج وغير ذلك.
وقدّامه ثلاثون عربة، وعشرون قلعة على عجل، يسحب كلا منها بغلان. ولما أطلقوا البارود في المصطبة، ظنت أهل دمشق أن السماء انطبقت على الأرض، وخلفهم النايات والطبول النقّارة، وخلفهم المشاة رماة البندق، وخلفهم الخنكار الملك المذكور، وخلفه السناجق والطوخان والعساكر على وفق طبقاتهم.
ولما نزل لم يجتمع به أحد، ولكن قضاة دمشق الأربعة، كانوا باتوا تلك الليلة عند القاضي كريم الدين بن الأكرم، ثم سروا من عنده، فاجتمعوا في الدرب بقاضي العسكر، فجاء بهم الى الخنكار، فباسوا يده، الشافعي ثم الحنفي ثم المالكي ثم الحنبلي.
وفيه (يوم الأحد 2 رمضان 922) ذهبت إلى وطاق الخنكار، قاصداً الاجتماع بالمدرسين الذين معه، ويقال أن عدتهم ستة وثلاثون مدرساً حنفيّاً، فلم يتيسّر ذلك لعدم المعرفة بلسانهم، فدرت فيه فذهلت من كثرته، وتعجبت من الأسواق التي فيه، وقلما تروم شيئاً لا تجده فيها، وهي سائرة معه من بلاده، فمن صنف اللحامين خمسة عشر قالياً للحم، ومثلها من الطبّاخين لألوان عدة، ومثلها حكماء، ومثلها جراحية، ومثلها بياطرة، ومثلها أساكفة، ومثلها حدادون، ومثلها علاّفون، وهذه الأعداد تقريباً وغالب ظني أنها أكثر من ذلك. الى غير ذلك من السوقة.
ثم ذهبت إلى العربات والقلاع، فتفرجت فيها، ولم أرها قبل ذلك. فإذا هي أمر عجيب تدل على تمكنه، والعربات مجنزرة، بعضها في بعض، بحيث إذا صفت تكون كالسور، وكل عربة ترمي بندقة ملء كف الرجل من رصاص، ولهذا البندق صندوق تحتها، وهي مركبة عليه في طول الشخص. ثم ذهبت الى مخيم الخنكار فلم أمكن من القرب به، وتفرجت على طبوله، فإذا كل طبل قدر حمولة رجلين، يحمل كل اثنين منهما على جمل، ومخيمه على نفس المصطبة، والعسكر بالبعد منه قدر رمية حجر من كل جانب، وهم محتاطون به كالسور على البلد.
وفي يوم الخميس سادسه (رمضان) دخل الخنكار من المصطبة الى حمام الحموي، الكائن بعمارة السلطان قايتباي، بمحلة مسجد القصب، ودخله وأعطى لمن حلق له خمسمئة درهم، ولمعلم الحمّام مثلها، ونودي له بمعلم الحمّامين، وكان قدامه من الخاصكية جانب كثير، وخلفهم رماة البندق، وخلفهم الشاووشية، ثم هو، وخلفه أمردان بشعور لابسين على رأسيهما كوفيتين من ذهب، وخلفهما جمع من عسكره، وكان قبل دخوله بلحية لطيفة، فلمّا خرج من الحمّام رأيناه قد حلقها كغالب عسكره، ثم ركب ورجع الى المصطبة».
وهذه الرواية تنبئنا بالكثير حول شعور سكان دمشق تجاه سلطانهم ودولتهم الجديدة. اذ يوضح المؤلف أن اهل الحل والعقد توافقوا على تسليم المدينة من دون قتال: «وقد كان اجتمع قبل هذا اليوم شيخنا عبدالنبي، والشيخ حسين الجناني، والشيخ مبارك القابوني، وخلق، في المصلى بميدان الحصى، واتفقوا هم ومشايخ الحارات على تسليم البلد، فتلقت الخلق لهذين الخاصكيين، ومن معهما، مع تهليل ومشاعلي ينادي بالأمان،... فسلمتهم الناس البلد، ودخلوا اليها وفتحوا ابوابها، وكان لها من يوم السبت مغلقة». وهكذا لم يحدث أي قتال في دمشق أو بالقرب منها.
كذلك لم يجر التعامل مع المدينة كمنطقة معادية تم احتلالها للتو ولم تستبح بأي شكل من الأشكال. فعندما نزل بعض العساكر على أناس خارج دمشق كرهاً، واشتكى الناس عليهم، عاقبهم متسلم دمشق أشدّ العقاب اذ «ربطهم في حبال، ثم ذهب بهم الى ضفة الخضر وضرب أعناقهم، فارتدع بقية العسكر بهم».
إلاّ اننا نتلمس في رواية ابن طولون ما هو أعمق وأهم من ذلك، اذ إنه توجه الى المنطقة التي أقام فيها العثمانيون سرادق السلطان بقصد الاحتماع الى العلماء. وهو فعل ذلك في اليوم الثاني لوصول السلطان الى خارج دمشق من دون الحصول على أي اذن او وساطة من أحد ومن دون تردد أو تهيب. وهذا الفعل أبلغ من أي توصيف اذ يوضح لنا نظرة أهل دمشق الى السلطة الجديدة والجيش «الفاتح» وهي هنا لا تحتاج الى اي ايضاح او تعليق.
وصف ابن طولون لما رآه لدى زيارته للمخيم العثماني ينم بوضوح عن أقصى درجات الانبهار بما رآى من مظاهر القوة والبذخ. فبالإضافة الى الأعداد الهائلة للعسكر يصف ابن طولون المدافع الضخمة والطبول الكبيرة وصولاً الى ما يسميه «الأسواق» التي في منطقة سرادق السلطان. ومن المعروف في التاريخ العثماني أن دوائر القصر السلطاني في اسطنبول، كانت ترتحل مع السلطان عندما يقود شخصياً الجيش العثماني.
وعلى رغم مظاهر القوة والعظمة لجيش كان قد وصل الى دمشق قبل يوم واحد فقط، لم يخامر ابن طولون اي شعور بالخوف وهو يتجول في أرجاء مخيم الجيش «المحتل»، بل ان وصفه يترك لدينا الانطباع بأن ما كان يفعله أقرب الى «سيران» باللغة الدمشقية.
وكان قصد ابن طولون من زيارة الوطاق السلطاني، كما يخبرنا، الاجتماع بالمدرسين الذين معه أي مع السلطان، «فلم يتيسر ذلك لعدم المعرفة بلسانهم». والأرجح أن المقصود هنا أن عدم معرفة ابن طولون باللغة التركية لم يمكنه من التواصل مع الحراس للوصول الى العلماء في وطاق السلطان، وربما لو قيض له أن يجتمع بهم لكان قد وصل الينا حوار مهم بين علماء الجيش «الفاتح» وعالم من المدينة التي دخلها هذا الجيش.
وإلى جانب ذاك، لا بد من الإشارة الى أن جرأة ابن طولون في التوجه الى المخيم السلطاني، ودخوله وعدم اعتراضه من جانب القائمين عليه، وصولاً الى خيمة السلطان شخصياً، سلوك لا يدل على شعور بالهزيمة أو بالخوف أو التوجس من الجيش الفاتح. لقد دفعه الى ذلك حب الاستطلاع والتعرف الى العلماء المصاحبين للسلطان وثقته بأن هذا الجيش ليس جيشاً لعدو بل إنه أقرب ما يكون، في ضوء سلوك ابن طولون، الى جيش صديق.
وحب الاستطلاع هذا غلب أيضاً على تصرف الكثيرين من أهل دمشق الذين أصروا على الفرجة على موكب السلطان سليم متوجهاً الى الحمام وخارجاً منه ومن بينهم ابن طولون شخصياً. ولم يردعهم عن ذلك خوف من الجيش المحتل أو شهرة السلطان سليم الملقب بـ «ياووز» أي الصارم او المتجهم والسريع الغضب، من ان يكونوا في مكان يمكّنهم من ملاحظة أن السلطان «كان قبل دخوله بلحية لطيفة، فلمّا خرج من الحمّام رأيناه قد حلقها كغالب عسكره».
أترك للقارىء، بعد ايراد هذه الشهادة، أن يضع لهذا الوصول العثماني التصنيف الذي يراه مناسباً.


* مؤرخ وأستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركية ببيروت