الدكتور محمد الحجيري.. الرحيل ونواميس التواصل الروحي المجهولة(8)

يونيو 30, 2016 اضف تعليق





الحلقة الثامنة من مقال الدكتور محمد الحجيري "كان أبي، بين الحنين وصادق القول"

إنّها صبيحة يومٍ من أواخر شهر حزيران سنة 1984،  كنت وحيداً في غرفتي التي تحمل الرقم 8، والواقعة في الطابق  الرابع  من مبنى طلاب كلية الفيزياء والرياضيات. كانت غرفتي معروفةً للجميع كمركز استقطابٍ في المبنى كلِّه للطلبة الذين يواجهون مسائل مستعصية في الرياضيات، وكنت قد كرّست لهذه المهمّة خمس ساعات من يوم الأحد، أعالج فيها مسائلَ الرياضيات المستعصية على أصحابها من الطلاب الراغبين بسؤالي، شريطة أن يتركَ لي الـمَعنيُّ باستشارتي، مُسبقا، ملخّصّاً عن أسئلتِه، يودِعُه صندوقي البريديّ في مدخل المبنى، حيث كنت على أساس هذا الملخّص، أحدّدُ موعداً للراغب في لقائي، بواسطة رسالةٍ أودِعُها باسم صاحبها في مركز الاستعلامات. كان المبنى من الحقبة القيصريّة، عاليَ السقوف، سميكَ الجدران، رحِباً بكل المعايير، وكنت قد رفضت الانتقالَ من غرفتي إلى غرفة أخرى في مبنى جديد. وحصلت على إذنٍ خاصٍّ من رئيس الجامعة مكّنني من الإقامة في الغرفة رقم 8 ثمانيَ سنوات متتالية، وذلك من مجمل 11سنة قضيتُها في موسكو، في تحصيل المعرفة. كنت متريّثا في تأريخ وإنهاء الرسالة التي أكتبها إلى أبي على أمل ألا أنسى شيئاً  ممّا ينبغي كتابته. نظرت إلى الساعة المعلّقة على المكتبة، كانت قرابة السابعة فأخذت سجائري واتجهت إلى المطعم في الطابق السفلي للمبنى، لأحتسي القهوة، كان المطعمُ شبهَ فارغٍ عند وصولي. وكنت نتيجةَ خبرتي أعلم أنّ ذروة الزحمة الصباحيّة في المطعم والكافتيريا تحدث بُعَيْد الساعة السابعة والنصف بقليل، حيث يُريدُ معظمُ الطلاب أن يحظَوا بفطورٍ سريعٍ قبل دخولهم إلى قاعات الدراسة. أستقبلتني بالترحاب السيدة الستّينية زويا التي تعمل في الكافتيريا، وبعد تبادلنا للتحيّة قالت لي بعتبٍ: يا بنيّ أنا بمثابة أمٍّ لك، وزوجي يُحبّك وكأنّك سرج ابننا وفقيدنا الغالي الذي كان صديقك، ونحن معاً نهتمّ بأمرك كثيرا وكما كنّا لا زلنا، أتذكر كم مرّة حاولنا إقناعك بعدم السفر إلى سيبيريا وكازاخستان خوفا عليك؟ وخاصّة بعد فقداننا لوحيدنا. نعرفُك منذ حوالى ثماني سنوات، وقد اعتدْنا عليك وكأنّك "سرج" نفسه، ولا نريد أن نراك مريضاً أو مرهقاً، وغرفتُك في بيتنا، أكان في الريف أو في المدينة، جاهزةٌ تنتظرك على الدوام. ولكنّني أراقبك عن كثبٍ منذ فترة طويلة، فأنت نحيلٌ جدّا وتُكثر من التدخين وشرب القهوة "مُثلّثة التكثيف" ودون أن تفطرَ صباحاً وهذا لا يجوز. احذر يا بني أن تمرض وتسقط طريح الفراش كما حدث معك بسبب نقص الفيتامين منذ سنتين بعد رجوعك من العمل في سيبيريا. عليك أن تهتم قليلا بصحتك، ولا أدري لماذا توقفت عن إحضار ملابسك لي لغسلها. فقلت لها شكراً سيدة زويا لا تهتمي فأنا بخير، وصدقاً، أنا لا أشعر حالي غريباً عنكما أنت والسيد فلاديمير، فأنتما أغلى أصدقائي لأنّ المرحوم سرج كان كأخي، كنتما هكذا وستبقيان على الدوام، ودليل ذلك أنّي مؤخّراً قد أمضيت خمسةَ أيامٍ مع السيد فلاديمير اساعدُه فيها في تصليح البيت الريفيّ وملحقاته، أمّا موضوع العمل في سيبيريا فقد ولّى وانتهى، عملت أربع سنواتٍ في الفصائل الطلابيّة، والآن ليس لدي الوقت الكافي لذلك، وبالنسبة إلى الغسيل فالأمر ليس بذي أهمية لأنّ الجامعة قد حلّت لنا المشكل بشرائها مجموعةً حديثةً من الغسالات.. وإذا ما احتَجت لغسل شيءٍ مهمٍّ فسأستعين بك. فسألتني كم بقي لك من الوقت؟ فأجبت: لقد بقي لي حوالى السنتين لإنهاء رسالتي والوقت يداهمني وأنا لا أحبّ التمديد، علماً أنّه وفق ما ذكره لي أستاذي، أنا  قد ظُلمت في مكانٍ ما، ذلك لأنّ الجامعة تُعطي عادةً منحةَ تحضيرٍ تمهيديّة لمدّة سنة قبل تسجيل الممنوح في الدكتوراه، وهذا لم يحصل معي. ولكنّه قال بالمقابل لا يوجد في الدنيا من يستطيع إنهاء رسالتي بتعقيداتها المعروفة بأقلّ من أربع سنوات ونصف وفق حساباته، وطلب منّي ألا أحرقَ المراحلَ وأن أترك له مهمّة التفاهم مع إدارة الجامعة بشأني، فقالت زويا أستاذُك صادقٌ وأنا أعرفه منذ تأسيس الجامعة، وهو يعرف قيمتَك ولن يفرّطَ بأمكانياتك ولا بمصلحتك، على الأقلّ، لأنّها تتقاطع مع سمعته العلميّة ونفوذه البحثيّ والأكاديميّ، فلا تُشغل فكرَك في موضوع التمديد، لأنّه إذا ما قال أستاذُك أربع سنواتٍ ونصف، فهذا يعني أربعَ سنوات ونصف، وكلمتُه نافذةٌ لا مفرّ. فطلبت كوباً كبيرا من القهوة "المثلّثة"، فبادرتني وهي تضع الكوبَ تحت الآلة، قائلةً: بالله عليك أخبرني هل معك نقود كفاية، وهل تريد السفر إلى لبنان؟ نقود، نعم معي فراتبي قد تضاعف تقريبا منذ انتقالي إلى مرحلة الدكتوراه، ذلك أنّني أساهم بمعيّة أستاذي في إجراء أبحاثٍ في النمذجة الرياضيّة لصالح كليّة الطبّ،

وهذا عمل بحثيّ مدفوع الأجر. كما أنّني أساعد الطلبةَ في معالجة مسائلهم الرياضيّة وقد علم نائبُ رئيس الجامعة للشؤون الاجتماعية بشكلٍ ما بالأمرِ، فصرف لي مكافأةً سنويةً تعادلُ راتبَ طالبٍ وأرسل رسالةَ تنويه. أما بالنسبة إلى السفر إلى لبنان فلا أريد ذلك، لأنّني منشغلٌ جدّاً وليس لدي متسعٌ من الوقت، فتحت السيدةُ زويا درجاً في طاولةٍ أمامها واخذت منه كيساً وناولتني إياه قائلةً ضع هذا في برّاد غرفتك، فهو بعض الكافيار الذي بيع البارحة هنا بغيابك، وقد حصلت لك على القليل منه. فشكرتُها وأردت أن أدفع الثمن فرفضت، وأصرّت أن تكون هذه العلبُ الثلاثُ التي يحتويها الكيسُ هديةً. أخذت كوبَ القهوة بعد أن دفعت ثمنه وشكرت السيدة زويا وخرجت إلى قاعة رواد الكافتيريا، وفوجئت بصديقي الهنديّ فيدجاي الذي سلّم عليّ قائلا انتظرني أستاذ محمد ريثما أُحضر فنجان قهوة، فابتسمت وأومأت إلى الصفّ الطويل من الطلاب والموظفين الذي تكوّن بثوانٍ معدودة طلباً للقهوة. وأشرت عليه أن يُحضرَ كوباً فارغاً  كي نتتقاسمَ  ما لدي من قهوة، فوافق. أحضر الرجل كوباً وجلسنا في ركننا المعهود نتبادل أطراف الحديث. أمّا فيدجاي، فهو طالبٌ موهوب من السنة الرابعة رياضيات بحتة، ولقد قمت بتدريسه بعضَ المواد بناءً على طلب أستاذي، ولكنّه يعاني من مشاكلَ إداريّة خطيرة قد تتسبّب بطرده من الجامعة، ذلك أنّ عدد ساعات تغيّبه مرتفعٌ جدا، وأكثرُ الأساتذة كانوا قد رفضوا استقبالَه في الامتحانات بسبب تغيُّبه الكلّي عن محاضراتهم. وكان قد قدّم عندي امتحاناً في النُظم الجبرية عندما طلب أستاذي منّي مساعدته في إجراء الامتحانات، فاكتشفتُ في هذا الطالب رياضيّا موهوباً. كان هذا الشاب الهنديُّ يؤمن بتوارد الأفكار، وقد قال لي إنّه على تواصل شبه دائم مع والده المريض. فلم أعلّق على الموضوع خشية جرح مشاعره. بادرني فيدجاي بالقول: لقد كنت محقّاً يا أستاذي في المسألة التي ناقشناها الأسبوع المنصرم، فقد بيّنت الحساباتُ الـمُضنية المباشرة التي أجريتُها أنّ منظومةَ المعادلات الناتجة عن خصائص الفضاء الـمُتناظر، ثُمانيِّ الأبعاد وثابتِ الإنحناء، تُفضي إلى سبع معادلات تكعيبيّة، حيث يكون عدد المجاهيل مساوياً لسبعة أيضا، فأخبرته أنّ هذه النتيجة التي كنت قد توقّعتها، تثبت من جديدٍ الميزةَ الجبريّة والهندسيّة والطوبولوجيّة للرقم سبعة، من خلال تعميم مفهوم شبه الكرة سباعية الأبعاد، في الفضاء الإقليدي ثُمانيِّ الأبعاد. فابتسمنا كلانا فرحاً، أما أنا فلأنّ فرضيتي وجدت برهانها الاستنباطيّ الدامغ بواسطة الحسابات المباشرة، أمّا فيدجاي فلأنّه أدرك أهميّة المسألة المطروحة وبعدها الفلسفي-التاريخي الذي تعود جذورُه إلى أعمال أويلر وكارتان وبوانكاري. فسألته ولكن كيف تمكّنت من إجراء الحسابات. لقد عملت بنصيحتك، حيث أثبت استقلاليةَ التعابير الجبريّةِ في الجهة اليسرى من المنظومة عن المتغيرات، فحسبت مشتقّاتها الجُزئيّةَ وأعدمتُها فحصلت على منظومةٍ من المعادلات المحدّدة. فتح فيدجاي حقيبتَه وأخذ منها رزمة ً كبيرةً من الأوراق من القياس الكبير، وأعطاني إيّاها. شكرته وصفنت قليلاً . فسألني بما تفكّر؟ قلت له: هذا جميلٌ ومفرحٌ، وكنت قد توقّعت النتيجة، ولكنني لن أستطيع تناولَ هذه الحسابات الطويلة لا في رسالتي ولا في مقالاتي العلميّة لأنّ حجمها يتعدّى المألوفَ، ينبغي البحثُ عن برهانٍ آخر، والبارحة حصلتُ على بعض النتائج المشجّعة في هذا المعنى... نظرت إلى الساعة فكانت العاشرة، لقد دهمني الوقتُ، لا شكّ أنّ خالد قد وصل! أخذت أشيائي والأوراق واعتذرت من صديقي الهندي وغادرت مسرعاً. وجدت صديقي خالد (وهو شاب من بلدتي) عند باب غرفتي ينظر إلى ساعته. فبادرته القول أهلا أستاذ خالد هل انتظرت كثيرا فقال لا وصلت لتوّي ولكن أنا على عجلةٍ من أمري، فَعَلَيِّ أن أمرّ على شركة الطيران في وسط المدينة. قلت له هل لديك ربع ساعة لي، فقال: كلّ وقتي ملكك فلا تعبأ بقولي سأنتظر قدر ما تشاء فأنت أبْدَى الناس... قاطعتُه شاكراً وأحضرت له قنينةَ مرطبات من البرّاد، وأنهيت تأريخَ رسالتي ووضعتُها في مغلّفٍ وسألتُه أيمتى ستعود؟ فقال في أواخر شهر آب. فقلت لع: إذا كان بمقدورك أن تُحضرَ لي بعضَ الصحون البلاستيكية المزيّنة برسوم أثرية لبنانية سأكون لك من الشاكرين. ناولتُه الرسالةَ والكيسَ الذي أعطتني إياه السيدةُ زويا، فسألني ما هذا؟ فقلت هديّة صغيرة لك. تفحّص الكيس وقال: كيف حصلت على هذا الكافيار. قلت: ليس الأمرُ مهمّا، فهو لك. ودّعت صديقي خالد وبدأت العمل. كان صيفُ موسكو حارّا جدّا وهذا أمرٌ أزعجني وكنت طيلة الوقت أتمنّى تساقطَ المطر لعلّه يحدّ من تأثير الحرارة على أعصابي، وكانت إنتاجيةُ عملي تزداد ليلا ًوتنخفض نهاراً بصورة معاكسة لحرارة الجوّ. كنت ألتقي دوريّا فيدجاي في الكافتيريا حيث نحتسي القهوة معاً ونناقش مستجدات البحوث في الرياضيات، وكان قد عرض عليّ شراءَ بعض كتبه في الرياضيات وهي نادرةُ الوجود في المبيع، وعلمت إثر ذلك أنّ الجامعة قد أوقفت راتبَه وفصلته، فحاولت مساعدتَه من خلال أستاذي الذي كان ردّه: لقد فات الأوان يا محمد. كان هذا الشاب الهنديّ عزيزَ النفس فقد رفض مساعدتي ورفض حتّى أن أدفعَ عنه ثمنَ القهوة، فاشتريت منه الكتبَ التي عرضها للبيع وبعدها بقليل اشترت الجامعةُ له بطاقةَ سفرٍ فعاد إلى بلاده في الخامس عشر من آب، لقد حزنت لفقداني صديقاً موهوبا في الرياضيات. 

في الثاني والعشرين من آب كنت في ضيافة السيّدة زويا وزوجها في منزلهما في ريف موسكو، ففي هذا اليوم منذ أربعين عاماً عقد صديقاي قرانَهما، إنّها الذكرى الأربعين  لزواجهما. لقد أمضيت عندهما يومين، تجولت خلالهما مع السيّد فلاديمير في الغابة، وتسبّحنا في النهر، واصطدنا الأسماك. وقد أقام فلاديمير وزويا حفلةَ شواء في  المناسبة دعَوا إليها الجيران. وهما طبيب أعصاب وزوجته التي تدرّس اللّغة اليونانية في جامعة موسكو، وطيار مدني شاب على خطوط أيرفلوت مع زوجته وهي راقصة باليه مشهورة. لم أعرف ماذا أصابني، لقد كنت على مدى هذين اليومين  شاردَ الفكر لا أستطيع التركيزَ على ما يدور حولي من أحداث، فكان كلّما بادرني أحدٌ بقولٍ، أبادره بالردّ: "لم أفهم،كرّر القولَ من فضلك". لقد تساءلت يا سادة، ترى هل أحلامُ اليقظة موجودةٌ بالفعل؟ إذ إنّه في اليوم الأوّل من ذينِك اليومين اللذين أمضيتهما في منزل أهل صديقي المتوفّي، سرج، وفي يقظتي الكاملة والأكيدة شهدت في الغابة ما يُشبه أحلام اليقظة: بينما كنت جالساً تحت شجرةٍ ضخمةٍ منتظراً عودةَ فلاديمير من رحلته في الغوص في مجرى النهر. خُيّل إليّ أنّني  رأيت والدي يستفيق في فراشه من نومه العميق، ويجلس جاحظَ العينين حزينَ المحيّا متثاقلاً ويسأل والدتي ما هو هذا اليوم، فتجيبه والدتي إنّه يوم الأربعاء، فيقول لها بقي للرحيل يومان ومن ثم يبادرني القولَ سأمرُّ عليك يا بني قبل الرحيل، باكراً يوم الجمعة فانتظرني، ولا تخف ولا تحزن، ومن ثم  رأيته يستغرق في النوم من جديد. ونظرت من حولي فرأيت فلاديمير يمشي في اتجاهي وفي يده سمكتان كبيرتان... وفي اليوم الثاني تكرّر المشهدُ خلال حفل الشواء، حيث خيّل إلي أنّ والدي يستيقظ من سباته ويسأل والدتي عن اليوم، فتقول له اليوم الخميس، فيقول لها غداً يوم الرحيل، وينظر إلي قائلاً غداً يا بني عند الظهيرة عند الظهيرة.. لا تخف ولا تحزن. استفقت من شرودي على صوت زويا وهي تقول لي الضيوف لا يحبون الشواء المحروق انتبه انتبه ..فسارعت  إلى إبعاد الشواء من فوق الجمر. شعر فلاديمير وزويا بأنّ وضعي غير طبيعيّ، حتى أنّ فلاديمر سألني إذا ما كانت نوبات الغياب عن الوعي تنتابني أحياناً، فطمأنته مؤكّداً له أنّها قد اختفت نهائيا عندما توقفت عن ممارسة لعب الشطرنج. فاهتمّ الجارُ (الطبيب النفسي) بالأمر وسأل زويا عن الموضوع فأخبرته باختصار بأنّني كنت منذ ثلاث سنوات من المشاركين في مباراةٍ للحصول على لقب
"مرشح ماستر" في لعبة الشطرنح وأنّني قد أرهقت نفسي بالتحليل ودراسة الوضعيّات وبأنّني قد نلت في المباريات نقطةً ونصف من أصل ثلاث نقاط (وفسرت زويا: أي أنّه هزم واحدا من حملة لقب "مرشح ماستر" وخسر أمام الثاني وتعادل مع ثالث ) وللأسف هذه النقاط كانت غير كافية للحصول على اللقب المنشود وليس هنا بيت القصيد، واخبرت زويا الدكتور بأنّني بعد ذلك  بدأت أتعرّض لنوبات فجائية من فقدان الوعي. مما استدعى دخولي إلى المستشفى حيث تبين أنّ الأمر سببه الإرهاق الشديد، فمُنعت من لعب الشطرنج ومن قراءة المؤلفات الرياضية لمدة أسبوعين. كما ذكرت له كيف أوضح لي طبيبُ الأعصاب الذي عالجني أنّ عليّ أن أختار ما بين الرياضيات والشطرنج وأنّه لا يجوز لي أن أمارسهما معاً لأنّهما يرهقان جهازي العصبي الذي خلافا للناس العاديين لا يتوقّف للراحة ويستمرّ بالعمل حتى خلال نومي. نظرت إلى ساعتي كان الوقت قد شارف على الرابعة فاستأذنت الحضور وصعدت إلى غرفتي حيث جمعت حاجياتي وبدّلت ملابسي ونزلت فوجدت زويا تنتظرني عند أسفل السلّم، فبادرتني بالسؤال هل أنت على ما يرام؟ فقلت بالتأكيد أنا بينكم دائما على ما يرام؛ قالت البارحة واليوم أنت لم تأكل شئاً البتة والكل قد لاحظوا ذلك، لاحظوا أنّك شربت العصير فقط. فلاديمير والضيوف منشغلو الفكر عليك. أجبتها صدقا أنا بخير ولا أشكو من أي توعّك، ولكنّني منشغل الفكر بمسألةٍ رياضية تمكنت من حلّها بأساليب بدائيّة وأحاول تخطّي هذه الصعوبة عبر ردّ المسألة إلى أصولها الأوّلية. وهذا أمر صعب يشتت عمل الحواس ويرهقها. فقالت جارنا الطيار سيوصلك هو وزوجته إلى محطّة القطار لقد أصرّا على ذلك، يبدو أنّهما يودّان التعرّف عليك عن قرب، قلت لها أشكرك وأشكرهما ولكن لا ضروة لإزعاجهما كان بمقدوري طلب تكسي لتقلني إلى المحطّة. في طريقنا إلى المحطّة سألتني أوكسانا وهي زوجة الطيّار المدعو فاسيلي هل ستسافر إلى بيروت قريباً؟ أجبتها لا أدري ولكن لماذا تسألي؟ أجابتني يحقّ لي ولفاسيلي القيام برحلة مجانية من الأيرفلوت وكنّا نفكّر بالذهاب إلى بيروت. فقلت لها أهلا وسهلا، عليكما أن تخبراني قبل ذلك، فحتّى ولو لم أكن في بيروت سأطلب من أصدقائي أن يهتمّوا بكما وأن يرافقوكما إلى بعلبكّ وباقي المناطق الأثرية. وكتبت لها عنواني البريدي ورقم استعلامات بيت الطلاب، حيث يمكنها أن تترك لي رسالة عبر الهاتف، لأنّ كلّ العاملين هناك من أصدقائي، وسيكونون حريصين على إبلاغي الفوري بمضمون الرسالة للاتصال بكما. فقالت أوكسانا لزوجها هل سمعت فقال نعم  وتابع نحن نحبّ الأصدقاء وبيتنا في موسكو أو هنا في الريف مفتوح لك يا صديقي عندما تشاء. فشكرته. ودعت اوكسانا وفاسيلي على أمل اللقاء في موسكو قريبا. وصلت إلى غرفتي قرابة السابعة مساءً وقد كان الجوّ حارّا بعض الشيء، وضعت أشيائي في غرفتي وأسرعت إلى الكافتيريا فابتعت سجائر ومرطبات وكوباً من القهوة. سألتني السيدة ناديا التي تعمل بالمداورة مع زويا ألم تذهب إلى الريف للاحتفال بعيد زويا وزوجها؟ فأجبتها نعم، ولقد عدت للتوّ. فقالت اسمع لا أريد أن أكذب عليك، فأنا أعرف أنك قد كنت عندهما، بودّي أن أخبرك أنّهما يحبّانك كثيراً وقد اتصلا بي قبل قليل ليطمئنا على وصولك. شكرتها وعدت أدراجي إلى غرفتي وتذكرت حديث والدي لي عن الغربة، حيث قال لي: بني ستكون من المحظوظين في الغربة، وكلما زاد بعدُك عن الوطن زادت حظوظُك بالتعرّف على أخيارٍ يساعدونك ويهتمون بأمرك، وهذا صحيحٌ مئة في المئة. هذا مدهش ولكن لا أجد له تفسيراً شافياً. حاولت القراءة فلم أفلح، حاولت متابعة بعض الحسابات والبراهين التي كنت قد بدأتها ولكن أيضا لم أفلح. شعرت بضغطٍ كبير على روحي، وبتشتّت حواسي وقدرتي على التركيز، فاستلقيت على السرير دون أن ابدّل ثيابي وأغمضت عينيّي، فإذا بالحلم يعاود احتلالَ مخيلتي: أبي يصحو من سباته العميق يفتح عينيه اللتين كانتا هذه المرّة صافيتين كعيون طفل، زرقاوين كقبة السماء في بلدتي في صبيحة أيام الصيف. كانت على وجهه قد ارتسمت ابتسامةٌ مضيئةٌ لم أر مثيلاً لها من قبل، لقد كان أبي ولكنّه كان فتيّاً تشعُّ ملامحُه شباباً ونضارةً  كأنّما خلع رداءَ العجز واستبدله بثوب الشباب والنضارة. نهض من فراشه فإذا هو ببذّته الكحلية الأنيقة وقميصه الأبيض، فقال: لا تخف يا بني لقد أتيت لأودّعك قبل رحيلي، ولا تحزن،  وكن حسنةً جاريةً لنفسك ولي في هذا العالم المنتهي. لقد منّ اللهُ علَيَّ بأنْ سمِعَ دعائي بالمغادرةِ يوم الجمعة، وبأنْ مكّنني من التواصل معك وزيارتك قبل رحيلي. لقد خيّل إلي أنّ ما يجري بيني وبين والدي إنّما يجري في عالمٍ لا تحده الأشياءُ وخارج الأمكنة والأزمنة ولا يمكن وصفه بلغاتنا الكونية المعروفة... استيقظت على صوت عالٍ لتحطم زجاج ففتحت عيوني ونظرت حولي فوجدت المرآة التي أشتريتها منذ ثماني سنوات  عند حلولي في عرفتي قد سقطت وتحطمت إلى قطع صغيرة، لم أفهم كيف حصل هذا حتّى اليوم. لقد أدركت أنّ والدي ربّما يكون قد توفّي. نظرت إلى الساعة فكانت الواحدة ظهرا. هل يُعقل أن أكون فد نمت أكثر من 12 ساعة متواصلة؟

بعد مُضيّ ثلاثة أيام، وعند رجوعي من لقاءٍ مع استاذي وجدت على بابي ورقةً  كتب عليها : لقد رجعت من لبنان ولك أغراص عندي، سأكون في غرفتي طيلة أيام الأسبوع بعد السابعة مساءً. خالد. تركت أشيائي في الغرفة وخرجت قاصدا فرفة خالد. أوقفت تاكسي وأعطيته العنوان ، فقال السائق: هل لديك طريق مفضلة ؟ قلت له نعم ، خذ التحويلة باتجاه جادّة لينين ومن هنالك تابع الطريق القويمة نحو الضاحية الجنوبية الغربية. أوصلني التاكسي إلى بيت الطلاب وبحثت في مفكّرتي فوجدت رقم غرفة خالد الذي استقبلني بالترحاب وأراد تحضير القهوة أو الشاي ولكنني رفضت لضيق الوقت، فأحضر ما كنت قد طلبته منه في كيس من البلاستيك الشفاف، فقلت له هنا لا يوجد رسالة، فأجابني ليس ثمة رسالة. فقلت: بلى الرسالة معك وأنا أعرف أنّ والدي قد مات، فاعطني الرسالة. فقال: العوض بسلامتك، وأخرج من جيب سترته الداخلية رسالة مطويّة ومعلّمة بخط أسود على زاويتها اليمنى. وقال أنا آسف لقد قيل لي أن أحاول عدم إخبارك بالأمر، ولكنّك علمت دون الرسالة فكيف؟ فقلت له والدي أخبرني بوفاته! في اليوم الثاني كنت على متن طائرة الايرفلوت المتجهة إلى بيروت، وأكثر ما استغربته عند وصولي، هي قصة والدتي التي روت لي  كيف كان والدي يستيقظ للحظات فيسألها ما هو هذا اليوم فتقول له، فيقول بقي كذا وكذا، إلى أن أتى يوم الجمعة، فاستيقظ وسألها ما هو هذا اليوم، فقالت اليوم الجمعة، فقال لها اليوم هو يوم الرحيل. فأقام الناس صلاة الجمعة، وصلّوا بعد ذلك على النعش  وآجروا في جنازة يوسف البيضاء الملقب بالنبي يوسف.



(*) باحث في الجامعة اللبنانية، كلية الهندسة الفرع الاول له عدة مؤلفات منشورة وغير منشورة. 

سلافوي جيجيك: خروج بريطانيا وفرص اليسار الضائعة

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
سلافوي جيجيك
ترجمة عن نيوزويك
 عن المنصة

في فترة متأخرة في حياته، طرح فرويد سؤاله الشهير: "ما الذي تريده المرأة؟"، معترفًا بارتباكه تجاه لغز الجنسانية النسوية. يُثار ارتباك مشابه اليوم، متعلق بالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، ليُطرح السؤال: ما الذي تريده أوروبا؟

تصير الخطورة الحقيقية للاستفتاء واضحة إذا وضعناها في سياقها التاريخي الأكبر. في أوروبا الغربية والشرقية، هناك علامات على إعادة ترتيب طويلة الأمد للسياسة. حتى وقت قريب، سيطر على المجال السياسي حزبين رئيسيين خاطبا الكيان الانتخابي بأكمله، حزب يمين الوسط (الديمقراطية المسيحية، والمحافظة الليبرالية، والشعبوية) وحزب يسار الوسط (الاشتراكية، والاشتراكية الديمقراطية)، إلى جانب أحزاب صغيرة موجهة لناخبين قليلين (ناشطو البيئة، والفاشيون الجدد). الآن، هناك حزب واحد يمثل الرأسمالية العالمية، وغالبًا ما يكون متسامحًا بشكل نسبي تجاه قضايا مثل الإجهاض وحقوق المثليين، والأقليات الدينية والعرقية؛ وفي مواجهة هذا الحزب يكون هناك حزب شعبي قوي مُعاد للمهاجرين، وعلى هامشه توجد المجموعات الفاشية الجديدة العنصرية بشكل صريح.



بولندا مثال نموذجي على هذا؛ بعد اختفاء الشيوعيين السابقين، كان الحزبين الرئيسيين هما حزب الوسط الليبرالي (المعادي للأيدولوجيا) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق دونالد توسك (الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي)، و الحزب المسيحي المحافظ الذي يقوده الأخوان كاتشينسكي (التوأم المتطابق الذي شغل أحدهما منصب رئيس بولندا بين عامي 2005 و2010، وشغل الآخر منصب رئيس الوزراء في عامي 2006 و2007). خطورة الوسط الراديكالي اليوم تتمثل في سؤال: أي من الحزبين الرئيسيين، المحافظ والليبرالي، سينجح في تقديم نفسه كمُجسّد لـ "اللا سياسة" ما بعد الأيدولوجية، وذلك في مواجهة الحزب الآخر الذي سيتم التعامل معه على أنه "ما زال حبيس الأطياف الأيدولوجية القديمة"؟ في بدايات التسعينيات من القرن العشرين، كان المحافظون هم الأنجح في ذلك، وبعد ذلك بدا أن لليساريين الليبراليين اليد العليا، والآن عاد المحافظون مجددًا.
أعادت الشعبوية المعادية للمهاجرين المشاعر إلى مجال السياسة، فهي تتحدث بمصطلحات المواجهة؛ "نحن" في مقابل "هم"، وإحدى علامات الارتباك في ما تبقى من اليسار هي فكرة أنه عليه أن يستعين بهذه المقاربة الانفعالية من اليمين: "إذا كانت زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان قادرة على هذا، لم لا ينبغي علينا أيضًا أن نفعل ذلك؟" بالتالي على اليسار إذن أن يعود للدفاع عن الدول القومية القوية وأن يحرك المشاعر الوطنية. وهذا نضال أحمق، وخاسر مسبقًا.

أوروبا واقعة في شراك مدار خبيث، تتأرجح بين تكنوقراطية بروكسل غير القادرة على انتشالها من حالة الجمود، والغضب الشعبي ضد هذا الجمود، هذا الغضب الذي تستخدمه الحركات اليسارية الجديدة الأكثر راديكالية، في حين أنه شيء أساسي لدى الشعبوية اليمينية. استفتاء خروج بريطانيا سار بين حديّ هذه المواجهة الجديدة، وهذا هو سبب أن هناك شيئًا خاطئًا فيه. لاحظ التحالفات العجيبة التي ظهرت في المعسكر المؤيد لخروج بريطانيا: امتزج "وطنيو" اليمين والقوميون الشعبويون الممتلئون خوفًا من المهاجرين بالطبقة العاملة الغاضبة واليائسة؛ أليس هذا المزيج من العنصرية الوطنية المختلطة بغضب "الناس العاديين" هو الأساس المثالي لشكل جديد من الفاشية؟


لا ينبغي أن تخدعنا كثافة استخدام المشاعر في الاستفتاء، الخيار المطروح أخفى وراءه الأسئلة الحقيقية: كيف نواجه "اتفاقات" التجارة مثل اتفاقية التجارة العابرة للمحيط الأطلسي والشراكة الاستثمارية (TTIP) التي تمثل تهديدًا واقعيًا على السيادة الشعبية؟ وكيف نواجه الكوارث البيئية وعدم المساواة الاقتصادية التي تولد فقرًا وهجرات جديدة؟ الخيار بين الخروج أو البقاء في الاتحاد الأوربي يعني انتكاسة خطيرة لتلك النضالات الحقيقية، يكفي أن نضع في أذهاننا طرْح مؤيدي الخروج عن "تهديد اللاجئين". استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي هو دليل على أن الأيدولوجيا (بالمعني الماركسي القديم والسليم عن "الوعي الزائف") حاضرة وحية في مجتمعاتنا.

عندما سؤل ستالين في نهاية العشرينيات من القرن الماضي عن أي من الاتجاهين السياسيين هو الأسوأ؛ اليمين أم اليسار؟ أجاب باختصار: "كلاهما سيء". أليس هذا هو الأمر نفسه في ما يتعلق بالاختيار الذي واجهه المصوتون البريطانيون؟ البقاء كان "سيئًا" لأنه يعني الإصرار على الجمود الذي يؤدي إلى تدهور أوروبا. والخروج كان "سيئًا" لأنه لن يؤدي للتغيير المرغوب.

في الأيام التي سبقت الاستفتاء كانت هناك فكرة شبه عميقة متداولة في إعلامنا: "أيًا كانت النتيجة، لن يكون الاتحاد الأوروبي على ما كان عليه أبدًا، سيُدمّر بشكل لا يمكن إصلاحه". ولكن العكس صحيح: لا يوجد شيء تغير حقًا، باستثناء أن جمود أوروبا صار من الصعب تجاهله. أوروبا ستضيّع الوقت في مفاوضات طويلة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي الذين سيستمرون في جعل أي مشروع سياسي واسع المدى غير ممكن. هذا الذي لم يره المعارضون للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي يَشكون الآن، بعد صدمتهم، من "لا عقلانية" المصوتين على الخروج، متجاهلين الحاجة الملحة للتغيير التي جعلها التصويت واضحة.

الارتباك الكامن وراء استفتاء خروج بريطانيا لا يقتصر على أوروبا؛ إنه جزء من عملية أكبر متعلقة بأزمة "صناعة الوفاق الديمقراطي" في مجتمعاتنا، وبالفجوة المتنامية بين المؤسسات السياسية والغضب الشعبي، الغضب الذي أدى لوجود ترامب إلى جانب ساندرز في الولايات المتحدة. علامات الفوضى موجودة في كل مكان؛ مثل الجدل الأخير عن الرقابة على بيع الأسلحة في الكونجرس بالولايات المتحدة الذي تدهور وتحول إلى اعتصام للديمقراطيين. إذن هل حان الوقت الذي علينا أن نيأس فيه؟

لنستعيد شعار ماو تسي تونج القديم: "كل شيء تحت السماء في حالة فوضى تامة؛ الموقف ممتاز". لا بد أن تؤخذ الأزمة بجدية، وبدون أوهام، ولكن أيضًا لا بد من اعتبارها فرصة يجب أن تُستغل. على الرغم من أن الأزمات مؤلمة وخطيرة، فهي بمثابة المواقع التي لا بد أن تُشن فيها المعارك من أجل الانتصار. أليس هناك نضال في السماء الآن أيضًا، وأليست السماء منقسمة أيضًا، وألا يقدم لنا الارتباك القائم فرصة فريدة للاستجابة للحاجة لتغيير راديكالي بشكل أكثر ملائمة، عن طريق مشروع يقوم باختراق المدار الخبيث الذي تشكّل من تكنوقراطية الاتحاد الأوروبي والشعبوية القومية؟ الانقسام الحقيقي في سمائنا ليس بين التكنوقراطية البليدة والمشاعر القومية، ولكن بين مدارهما الخبيث من جهة، والمشروع الأوروبي الذي سيتعامل مع التحديات الحقيقية التي تواجهها الإنسانية اليوم من جهة أخرى.

الآن، وبعد صدى انتصار مؤيدي الخروج البريطاني، ستتضاعف مطالبات الخروج الأخرى من الاتحاد في أنحاء أوروبا. ويستدعي الموقف مثل هذا المشروع، ولكن من سيستحوذ على الفرصة؟ للأسف لن يكون اليسار القائم، المعروف بقدرته المستمرة على عدم تضييع فرص تضييع الفرص.

أنديرا مطر... عن القاع بدون تجميل

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
بعض من انطباعات ومشاهدات اليوم الحزين في القاع بدون تجميل:
1- لأول مرة بطلع عالقاع بيوم صيفي حار بدرجة حرارة بتلامس الاربعين وبشوف ابواب البيوت مغلقة. الناس عم تقفل بيوتها من جوا وتسأل مين؟ قبل ما بتفتح الباب. 
2- في نقمة بشكل عام عند اهالي الضيعة على النازحين ومش مقتنعين بالرواية الرسمية انو الارهابيين اجوا من خارج الحدود.
3- في غضب على كل المسؤوليين اللي زاروا الضيعة وبيقولوا لو نص موكب وزيري الداخلية والدفاع كان منتشر بالقاع كان الوضع افضل بكتير.
4- في نقمة عالجيش. بعض الناس شبهوه بخبير حوادث اجا كشف عالحادث وفل.
5- شباب القوات اللي من القاع وساكنين بمناطق بعيدة تركوا اشغالهن وبيوتهن وتوجهوا عالضيعة اول ما سمعوا بخبر التفجيرات.
6- متل ما في شباب كبوا حالهن عالموت ووفروا ضحايا كتير في شباب -من دعاة نبذ السلاح او عن جبن وتخاذل -لزمت بيوتها .
7- مراسلي الصحف الاجنبية (نيويورك تايمز ولوموند) متعاطفين مع اهالي الضيعة ومع النازحين على حد سواء، بخلاف مراسلي الصحف والمحطات اللبنانية.
8- الانتحاريين بحسب روايات شهود عيان اعمارهن تحت العشرين. وفي شباب اكدوا انو وجوههن مالوفة بالنسبة للقاعيين.
وأخيرا: البطولة مش خيال لبناني ولا اختراع رحباني. ‫#‏القاع‬

نوري الجراح... ايكاروس الشام العائد إلى فلسطين

يونيو 29, 2016 اضف تعليق

حسن رابح ابن فلسطين السورية الذبيحة، الفنان اليافع الخارج من محرقة آل الاسد، والمذبحة الأممية في سوريا، حسن الروح الشامية الفاتنة، لم يكلف أحدا شيئاُ بينما هو يخطو نحو نهايته التي قررها، ورأى فيها حريته القصوى. أما وقد أدرك أن كل ما يملكه هو براعة جسده الراقص، جسده الذي لايريده أحد، فلم يبق لديه في بيروت ما يمكن أن يفعله بعدما أقفلت في وجهه جميع الابواب، ما بقي هو أن يحلّق بهذا الجسد ويكون إيكاروس. ها هي السماء تناديه من النافذة وتغريه بالطيران، ما بقي إذن، لحسن في بيروت المحتلة من بعد دمشق المحلتة من بعد فلسطين المحتلة هو تحرير الجسد من أسلاك الطغيان. وهكذا أطلق حسن في ذلك النهار البيروتي الغريب حرية الحركة لجسده الاسير في المدينة الاسيرة. موقعاً ببراعة الجسد الحركة الأخيرة في رقصته؛ القفزة القصوى، لابد رآها مرحة، قفزة إلى ما وراء المجهول الذي كان فيه، وصولا إلى الحرية الأشد غموضا، الموت.
حسن، أيها الفتى الشامي العائد إلى فلسطين في السطر الأخير من وصيتك، روحك لجميلة المعذبة التي حررتها من أسر الطغيان وألم المذلة، ستظل تطوف باللعنة على كل من سميتهم وادنتهم في وصيتك وكل من حملك على هذا المصير المؤلم.

الفوبيا تزحف الى ايسلاند

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
الشرطة الآيسلندية تقتحم كنيسة وتخرج لاجئين عراقيين منها، علي (16 عاماً) وعامر (30 عاماً). كان اللاجئان قد وصلا إلى الجزيرة قادمَين من النرويج قبل سبعة أشهر، وقد قدما طلب لجوء بشكل قانوني. قبل أيام، احتميا في الكنيسة، بمعونة من مواطنين آيسلنديين داعمين لحقهما في البقاء في آيسلندا. ظن الجميع بأن الشرطة ستحترم حرمة الكنيسة ولن تقتحمها أو إنها على الأقل لن تخرج الشابين منها. بعد أن اقتيد علي وعامر خارجاً، تم ترحيلهما على الفور إلى النرويج. هذه الواقعة أحدثت صدمة في عموم المجتمع الآيسلندي، "ثاني أسعد شعوب الكوكب سعادة". 
الفوبيا تزحف!
عن صفحة مازن معروف

الفيديو
https://www.youtube.com/watch?v=T6HWd1Xts6E






وسام الخطيب... عن الاندماج والرجل الستيني والتحرش في ألمانيا

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
في أحد الأيام الباهتة جداً في ألمانيا ، جاءت هذه الرسالة إلى بريدي ، وهي من رجل رآني أربع مرات في الجريدة المحلية في المنطقة ، وهذا بالطبع لأنني بالغت في "اندماجي الرائع" المتمثل في الأعمال التطوعية ، حتى شارفوا على تقليدي وسام الاستحقاق "للاجئة المثالية" ! 
المهم يعبر هذا الرجل عن إعجابه بي ، ويذكر أنه على استعداد للارتباط بشخصي الكريم ، وذكر أنه يمتلك أكثر من منزل ، وأنه ميسور مادياً ، وسيكون سعيداً لو أنني ألتقي به ، وأعطيه فرصة ! 
طبعاً لم يكن ما ذكرته لكم ما جعل عيوني تلمع ، بل عبارة :
Lieder bin ich 66 Jahre alt , aber jünger
ومعناها : أنه للأسف في السادسة والستين من عمره ، لكنه يشعر بأنه شاب 
وبغض النظر _عن الأسلوب الشرائي في استعراضه لأمواله ، وبعض النظر عن الإهانة المتمثلة في إرفاقه خمسة يورو مع الرسالة لكي أشتري طابعاً ، وألصقه على الرسالة التي يفترض بي أن أجيبه فيها _ فقد أحببت أن أخبركم فقط يا أعزائي أن هذه أيضاً Deutschland! 
‪#‎scheiße_shit‬
‫#‏فلاش_باك_لأنطونيو_هوبكنز_في_صمت_الحملان‬
‫#‏من_الحرب_في_سورية_إلى_المتحرشين_والمهووسين_جنسياً_في_أوربا‬

التحوّلات السياسية والاجتماعية وعالم البلطجة في مصر

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
علي الرجّال  29-06-2016  

عن السفير العربي

  
"والله من ساعة ما المعلم نخنوخ، الله يفكّ سجنه، اتّاخد والعيال مش لاقيه يللي يلمها". كيف تحول أحد البلطجية وشبكاته إلى أدوات ضبط اجتماعي؟ وكيف تحول إلى مؤسسة كبيرة يمتد نشاطها في عوالم مختلفة من السياسة إلى الاقتصاد والاجتماع؟
في إحدى جولات البحث الميدانية ببني سويف، التقيتُ بأحد البلطجية الكبار. كان الرجل يحظى باحترام شديد. التقيت به في إحدى أمسيات الوجهاء ليلاً. كان رجلاً شديد الأدب واللباقة. وكان يلقب بالحج. كان الحضور يتنوع بين التكنوقراط الذين ينحدرون من الطبقة الوسطى (دكتور زراعي ورئيس أحد مراكز البحوث) ضابط بالجيش ورجل متقدم بالسن كان يعمل في مديرية أمن بني سويف وأحد التجار من أصحاب الأراضي. كان خليطاً فريداً جداً، وكانوا جميعهم على علم بطبيعة بحثي الذي أثار في بعض الأوقات جوانب من التحفظ الوطني لدى الجميع: "ألا ترى خطورة على سمعة مصر من أبحاث كهذه؟"!

الرجل المحترم

تحدث الرجل بفخر كبير عن دوره الإيجابي في منع شباب شارعه وعائلته من الانحراف والبطالة، وكيف يوظفهم في أعمال مختلفة، سواء تضمنت عنفاً مباشراً، أو بعض المقاولات، أو تخليص بعض المصالح التي تطلب وجود عزوة كبيرة. كان يرى نفسه، وكذلك يراه الآخرون، كرجل يعمل على حلّ المشاكل وجلب الحقوق وتخليص المصالح المختلفة. كما يقوم بدور
مقالات ذات صلة:
من هم البلطجية؟
"الداخلية" أساس الحكم والحداثة في مصر
تفاوضي كبير في إنهاء الخلافات، ويُستدعى لمجالسها المختلفة، سواء كانت عرفية أو مجرد جلسات للتفاوض حول بعض الأمور. وتطرّق الحديث إلى طبيعة علاقته بـ "الداخلية"، وكان كثير التضرر منها. وعلى الرغم من صيته الكبير، إلا أن الرجل أبدى امتعاضاً شديداً منها وقال "الناس دي ملهومش عزيز". واستكمل أنه على الرغم من عدم مضايقته للحكومة إلا أنهم كانوا دائمي الهجوم عليه وعلى شقته ولا يراعون حرمة المنازل، "ويخْشّوا على الناس البيوت والنسوان قالعة.. وقلّة أدب".
قام الرجل بتصنيف أنواع وأنماط البلطجية بشكل شديد الدقة. فقال هناك الشبكات الكبرى، مثل المعلم نخنوخ، وهؤلاء مؤسسات كبيرة ولها أدوار متنوعة مثل حماية الملاهي الليلية، التأمين الشخصي للفنانين والفنانات، العمل في الانتخابات، سواء لمصلحة أحد المرشحين أو لترتيبات أمنية وسياسية أوسع لضبط عملية الانتخابات مع الحزب الوطني وأمن الدولة مثلما حدث في 2005 و2010، حل النزاعات بين العائلات الكبيرة التي تعمل بالإجرام، إنهاء وحسم نزاعات الأراضي والعقارات الكبيرة.. وقص عليّ رواية عن نخنوخ ودوره في حل إحدى النزاعات بين عائلتين من البلطجية هناك، وهي الرواية نفسها التي سمعتها من أحد المنتمين إلى السلفية الجهادية، وهو أيضاً أحد تجار الملابس الكبار بالمطرية. والاثنان كالا المديح للدور البطولي والأخلاقي للنخنوخ، وكيف حقن دماء الأبرياء في المنطقة ومن العائلتين.
ثم أشار إلى وجود أنواع وأنماط أخرى، مثل العائلات التي تعمل بالبلطجة، وضرب مثل شهير عن امرأة بلطجية شهيرة بمنطقة الدخيلة بالإسكندرية، تعمل هي وأولادها في هذا المجال. وأشار إلى أن طبيعة الأفعال دوماً ما ترتبط بطبيعة المنطقة التي يتواجد فيها البلطجي، وإلى الفرق بين البلطجة والعصابات المتخصصة في سرقة السيارات مثلاً أو نهب الأموال أو قطع الطرق. فهذه كلها "اختصاصات" مختلفة.
وأشار إلى نوع آخر من البلطجية كنت التقيتُ بعضهم قبل زيارتي له وبعدها، وهم "العيال الأشقياء". الأشقياء طبقاً لسعيد عز الدين، المؤرخ الشاب بجامعة نيويورك، مفهوم ظهر مع الاستعمار وارتبط ايضاً بالمناطق العشوائية التي كانت أحد هموم الحكم أثناء الفترة الاستعمارية. وهو أيضاً مفهوم قانوني يعرِّف به المشرع المصري معتادي الإجرام، وهناك قانون شهير أخذ في التطور عبر مراحل متعاقبة في التاريخ المصري وهو "قانون الأشقياء والمسجلين خطِر". والمفهوم على المستوى الاجتماعي يشار به لهؤلاء الشباب الذين يودون الالتحاق بعالم البلطجة والتحول من مجرد شقي صغير يشترك في بعض الأعمال الإجرامية مقابل أموال قليلة، أو يقوم بتوزيع بعض المخدرات، وبالطبع الاشتباك الجسدي العنيف مع أقرانه لبناء سمعة وصيت له بالمنطقة. ويسعى بعض هؤلاء الأشقياء إلى افتعال المشاكل مع قسم البوليس بمنطقته حتى يذيع صيته ويقال إنه "مدوِّخ الحكومة". وربما يفتح بعض المجال لنفسه للتفاوض مع معاون المباحث أو رئيس المباحث ليوكِل له بعض المهام في المنطقة وإشراكه في أعمال أكبر مقابل التغاضي عن جرائمه.
هذه نقطة شائكة للغاية، وخاصة في المدن، حيث يقوم قسم الشرطة بتحويل أغلب شباب المناطق الشعبية والعشوائية لـ "مسجلين خطِر"، بالتعبير الشعبي "يعمله كارتة". هذه العملية تشمل الأشقياء وغير الأشقياء، وربما تلعب الصدفة دورا كبيرا فيها. فوجود أحد الأشخاص في مقهى أثناء حملة بوليسية أو اعتراضه على سلوك أحد الضباط أو الأمناء تجاهه أو تجاه أسرته (وهكذا عدد كبير آخر من الاحتمالات السخيفة)، قد يلقي به في هذا المصير ليصبح مسجلاً خطِراً أو شقيا "صاحب كارتة" بالقسم. ومثلما يسعى بعض الأشقياء لبناء أو خلق علاقة مع مباحث القسم، يحمل قطاع كبير منهم ضغينة شديدة تجاهه، لأنهم أجبروا على القيام بأعمال إجرامية لمصلحة السلطة، مثل قمع التظاهرات أو استخدام العنف في الانتخابات، أو أحياناً أعمال فساد شخصية لمصلحة الضباط أو الأمناء أو أحد معارفهم.

القصة الحزينة للزناتي وقصص أخرى

وهناك نوع آخر من البلطجية وهو أقرب للمفهوم القديم لـ "الفتوّة" (أو "القبضاي")، وهو بلطجي يحاول إثبات سطوته الجسدية والمعنوية بمنطقته فيشتبك مع بلطجية المناطق الأخرى. ولا يذيع صيت هؤلاء البلطجية إلا بقتله أو ضربه لأحد البلطجية الكبار من نوعيته نفسها في المنطقة الأخرى. ولعل أبرز مثال هو مرسي الزناتي، أحد أبرز بلطجية منطقة "الرمل" في الثمانينيات الذي كان يقطن بـ "باكوس"، إحدى أقدم وأبرز المناطق الشعبية بالإسكندرية. وكانت نهايته درامية بعض الشيء حيث تمكن عفيفي كامل، أحد أبرز رجال المباحث في تاريخ قسم الرمل في ذلك الوقت، من إلقاء القبض عليه وأتى به إلى منتصف شارع السينما بقلب باكوس، ثم ألقاه على وجهه وقام بربط جسده على مقدمة سيارة الشرطة وصاح في مكبر صوت على بقية المنطقة ليشهدوا لحظة الإيقاع والتنكيل (بفضل قوة الحكومة) بأهم بلطجي ظهر فيها وهو ملقى على بطنه أمام الجميع، وصاح عفيفي كامل في أهالي المنطقة وظل يسبهم ويسب مرسي الزناتي بأقذع الألفاظ، ثم انتهى المشهد بإدخال عصا خشبية غليظة في مؤخرة مرسي الزناتي وسجنه، ليخرج بعد عدة أعوام ويتحول من بلطجي كبير إلى "تائب" يعمل بالجزارة ويصلي طوال الوقت. لم يكن للزناتي دور كبير في تأمين المنطقة وضبط إيقاعها مثلما كانت الحال4 مع الفتوات قديماً. ولكنه أيضاً كان يمثل رمزاً للردع النسبي وأحياناً يتم التباهي به في مقابل المناطق الأخرى.
وترتبط أعمال البلطجة ارتباطا كبيرا بأعمال الدعارة وتتقاطع معها في عدة نقاط أبرزها التأمين وضبط عدم تداخل المناطق مع بعضها البعض، وهي تتراوح بين الشبكات الكبرى وحتى العمل الفردي الصغير. ويلعب البلطجي دوراً مهماً في تأمين الفتيات وحمايتهن من اعتداء الزبائن عليهن أو من البلطجية الآخرين، ويلعب دوراً مهماً في حمايتهن من المجتمع الرافض ظاهرياً لسلوكهن على المستوى المعياري والأخلاقي. وأحياناً يكون الأمر مأساوياً، حيث يفرض البلطجي على أخته العمل في الدعارة للتخديم على بعض مصالحه ويقوم بابتزازها وتهديدها بالمجتمع نفسه، وبفضحها أو قتلها إذا لم تستجب لأوامره، ثم يبرر فعلته كـ "جريمة شرف". وهو ما حدث مع أحد بلطجية "الرمل" البارزين.

حضور عام.. وتغيّر هام

إن أي باحث يود تسجيل تاريخ المناطق الشعبية أو العشوائية سيكون أمام سردية البلطجية والأشقياء وقديماً "الفتوّات"، وسيجد صعوبة شديدة جداً في تفكيك هذه السردية وفضح ما بها من مبالغات شديدة وإضافات شعبية توضع على الحكاية لتعطيها مزيداً من الإثارة والإبهار. والجميع سيكون إما قريبا أو صديقا أو زميلا لأحد أبطال الرواية من البلطجية والأشقياء. ولكن النقطة المركزية في هذا هي حضور عالم البلطجة وظله الكثيف على كل ما هو اجتماعي وسياسي في المناطق الشعبية والعشوائية. وهي ظاهرة ضاربة في قدم الدولة الحديثة في مصر.
ولكن ما نراه اليوم هو أمر مختلف بالكلية. ويمكن تحديد تاريخ مهم تغيّر معه عالم البلطجة بالكلية وهو مطلع القرن الجديد. وهو ما يقود للحظة 2011 وما تلى بعدها من ظهور وحضور مكثف للبلطجي في المجال العام. في التسعينيات شهدت مصر ثلاثة أمور حولت المجتمع بالكلية: 1- توحش الخصخصة والشروع في المشروع النيوليبرالي، 2- اشتداد الحرب على الإرهاب ونهايتها، 3- توسع المناطق العشوائية. ما نعرفه اليوم عن ظاهرة البلطجة ينقسم إلى قسمين: ظاهرة مدينية، وظاهرة تختص ببعض مناطق الصعيد وتحديداً الدلتا. والاثنتان تعودان إلى إفراط مؤسسة "الداخلية" في استخدام الأشكال اللا - مؤسسية في مواجهة الإرهاب ومحاولة الضبط الاجتماعي. وهى الفترة نفسها التي شهدت توسعا في أعداد أمناء الشرطة ثم توحشهم. فالداخلية قامت بعمل ما يسمى بـ "الروابط" في الصعيد، وهي عائلات أو مجموعة من الأفراد يقومون بالسيطرة على قراهم ومناطقهم والطرق المؤدية لها، لدحر الجماعات الإسلامية في مقابل مزيد من مد نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي (اقتصاد المخدرات والسلاح تحديداً). وهنا بدأت تحدث إزاحات اجتماعية وتشكّل اقتصادا سياسيا جديدا لهذه المناطق مرتبطا بالأمن والجريمة في آن واحد. وقطاع كبير من سكان هذه المناطق يعيش على هذه الأنواع من التجارة. ووجودها أصبح شرطاً من شروط حياة وتنمية هذه المناطق، من توظيف إلى سكن، وخاصة بعد انقطاع العمل في العراق. فكثير من بيوت قرى الصعيد التي نعرفها الآن تم تشييدها لا بأموال الخليج العربي وتحديداً السعودية، بل من عمالة الصعيد في العراق في أيام صدام قبل غزو الكويت.
أما المدن فعرفت الأمر نفسه ولكن من خلال الأفراد والشبكات لا عائلات في معظم الأوقات. وكان عصر مبارك قد شهد نمو ظاهرة البلطجة ونمو اقتصاد سياسي كامل للجريمة، مع توسع وتغلغل للإسلام السياسي في النسيج المجتمعي لمصر. وتجاور الاثنان لعقود. ولكن السلطة كانت قد دخلت حرباً ضروسا مع الجماعات الإرهابية، كما رفع كل من الإخوان والسلفية العلمية والسلفية المدخلية (التي ظهرت في التسعينيات) أيديها عن تلك الجماعات. وحرّضت "الداخلية" عليهم شبكات البلطجة التي تعرف مناطقها معرفة أفضل. وهذه الشبكات تم بناؤها أو توسعها أثناء الصراع مع الجماعات الإرهابية. انتصرت الدولة على الإرهاب، وكذلك الشبكات الإجرامية أيضاً. كان هناك بطلان للقصة: الداخلية والبلطجية! وكلتاهما ستظهران كثيراً على مسرح الأحداث في العقد الأول من الألفية الجديدة. كان المسرح الاجتماعي يشهد استكمال التحول النيوليبرالي. وهُمِّشت قطاعات واسعة من الشباب من سوق العمل والتوظيف، وفي الوقت نفسه، وبحكم اقتصاد السوق الجديد، بدأت المصالح الاقتصادية في التوسع. وكان هناك ضعف مؤسسي شديد في تطبيق القانون وفي حضور "الداخلية" الانضباطي. هنا وُجدت مصالح جديدة تستحق الاستماتة في الدفاع عنها، وهي لم تعد فقط صراعات العائلات الكبرى على الأرض، في الصعيد والدلتا، بل سوق عقاري جديد، وشركات وتجارة مع أنماط جديدة من الاستهلاك ترجع أصولها للانفتاح، مع فائض بشري كبير يتمثل في قوة الشباب العاطل من العمل. وبدأ احتياج الطبقة الوسطى والتجار وكثير من رجال الأعمال لمن ينجز لهم "المهام القذرة" الذي يصعب إتمامها، أو أخذ الحقوق من خلال القنوات القانونية المباشرة. لا يعني هذا أن البلطجة أصبحت دائرة خارج أو ضد حيز العدالة والإجراءات الجنائية. بل المشكلة هي أنها أصبحت جزءاً مكملاً لها وربما إحدى خطواتها. كما أصبحت أحد أذرع الدولة اللا - مؤسسية التي تحميها وتعفيها من المسؤولية الجنائية والفضيحة السياسية، مثلما حدث في 2005، سواء في الانتخابات آنذاك أو في فضّ التظاهرات من خلال تزاوج الأمن المركزي مع البلطجية لترويع الخصوم. أضف إلى ذلك أن السلطة بدأت تواجه قطاعات جديدة من أبناء الطبقة الوسطى ومجالا سياسيا تشكل في 2005. وبالفعل شهدنا أحداث "الأربعاء الأسود" في 25 أيار/ مايو 2005، حيث تحرش البلطجية أمام رجال الأمن بالمتظاهرات أمام نقابة الصحافيين اللواتي تجمعن للاعتراض على تعديل المادة 76 من الدستور.
والعقد نفسه شهد تفشي ظاهرة احتلال المساحات العامة والاستيلاء على الأراضي. فأصبحت مساحات ركن السيارات في المناطق المختلفة محل نزاع، ومصدر دخل ريعي لمن يستطيع السيطرة عليه وبسط نفوذه على المكان بالتنسيق مع رجال الأمن.. بالعمل لمصلحتهم كمرشدين. وهو العقد الذي لم يشهد انهيار المواصلات العامة (فهي كانت منهارة أصلاً)، بل تلاشيها والإغراق في أشكال أخرى للمواصلات، وتوسع مواقف النقل الأهلي والخاص. وهذه المواقف تحتاج لإدارة لفرض السيطرة والأمن عليها. وهنا بدأ ظهور أشكال جديدة من البلطجة. وكانت المواقف تمثّل أحياناً منفذاً لتدوير وإصلاح "المسجلين خطِر" من خلال رجال المباحث أو حتى مديري الأمن. فمثلاً إذا أحب أحد رجال المباحث الكبار أحد الأشقياء واقتنع بتوبته بعد انقضاء عقوبته في السجن، يمكن أن يحيله لإدارة أحد المواقف. فمن ناحية هي مصدر عمل شريف بالنسبة له، ومن ناحية هي زرع لرجل موال للأمن في هذه المساحة التي تشهد نزاعات شخصية وجماعية في ما يتعلق بإدارة هذه الأموال وترتيب الصفوف وأولوية السير والتحرك... ويمكن ملاحظة الشيء نفسه في شواطئ الإسكندرية التي تمت خصخصة معظمها. فبعض الفنادق الكبيرة التي استحوذت على الشواطئ قادرة على تأمين نفسها من خلال شركات الأمن الخاصة، بالإضافة إلي حماية "الداخلية" لها. أما الباقي، الذي يتوزع بين بعض صغار رجال الأعمال أو القلة المتبقية من الشواطئ العامة، فشهدت دوراً أكبر للبلطجة فيها، سواء من خلال السيطرة عليها بالكلية أو لتوفير الأمن لها.

خلاصات

هناك تحولات جذرية في المجتمع بسبب الخصخصة والنيوليبرالية وظهور أنماط جديدة من الاقتصاد والمصالح والحقوق الاجتماعية والاقتصادية في ظل ضعف القنوات القانونية والقضائية، ووجود للمال السياسي تمثل في الحزب الوطني، وإدارة أمنية. ثلاثي كبير تسبب في توحش واستفحال ظاهرة البلطجة كما نعرفها اليوم.. حتى صارت بعض الإحصاءات تقدر أعداد البلطجية بما يتراوح بين 200 ألف و500 ألف بلطجي في عموم مصر، وهي أعداد يصعب التأكد من صحتها، ولكنها تشير بالتأكيد إلى ضخامة الظاهرة. لقد صارت بعض شبكات البلطجة إحدى وسائل الضبط والتوظيف الاجتماعي للشباب. وهكذا انفرط العقد بعد القبض على المعلم نخنوخ!
كانت الثورة لحظة صراع كبرى اشترك فيه معظم قطاعات وطبقات المجتمع، وهى بطبيعتها لحظة انفلات كلي. تعاظمت الظاهرة، وكان اللقب في انتظار كل من يسرق أو يقوم بنهب أحد على الطريق. الأهم هو أن اللحظة شهدت انقلاباً كبيراً في عالم البلطجة، فالبعض كان يدافع عن مصالحه التي تضمن بقاء نظام مبارك ورجاله والحالة الاجتماعية العامة، بكل ما تحمل من تراتبية وتقسيم للعمل وأنماطه والواقع اليومي. وهؤلاء كانوا على علاقة وثيقة برجال النظام وبالداخلية، وهم من شكلوا وقوداً حقيقياً لمعاداة الثورة. البعض الآخر استغل لحظة الانفلات لبناء قوته وشبكاته الجديدة. وآخرون كان يئنّون تحت وطأة الفقر، وأغلبهم من أصحاب "الكاراتات"، وهؤلاء كانوا يخضعون لتهديدات الداخلية أو لإغواء المال (ولو كان مجرد 50 جنيهاً ووجبة طعام) للمعركة، وتمّ استخدامهم من قبل الجميع.
ويجب ألا ننسى مشهد هؤلاء النساء اللواتي حاصرن نقابة الصحافيين، أو ملأنَ ميدان التحرير للتهليل للسيسي. فلعقد كامل من عقود مبارك، كانت هؤلاء النساء يبعن قوتهن الجسدية وقدراتهن الشعبية في السباب والضرب. وكثير منهن أمهات هؤلاء الأشقياء، فإن لم يكن لهن كارتات بالقسم، فلأولادهن وأزواجهن، وما أسهل الضغط عليهن لارتكاب أي شيء. وهن أنفسهن النسوة اللواتي يتعرضن لكل أنواع التنكيل والإذلال والاستخدام المتبادَل مقابل العفو أو المال أو بسط النفوذ في مناطقهن.
.. البلطجة عموما في مصر هي خليط من إرادة القوة وبسط النفوذ، والرضوخ لابتزاز المال، أو الخوف من البطش والعقاب من قبل رجال الأمن.

* باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر

نديم قطيش... عن القاع وحمل السلاح

يونيو 29, 2016 اضف تعليق
 من يعيب على أهل القاع من موقع "دولتي سويسراني" حمل السلاح، يشبه من يعيب على سائق سيارة اسعاف تقل مريضاً شبه ميت، تجاوزه السرعة المسموحة!!! 
جنون. 
في المقابل، فإن اعتقاد أهل القاع ان السلاح الفردي هو ردهم الذي سيهزم داعش، والنصرة، والقاعدة، ويدفع المسلمين الى "مجمع مسكوني" يعيد ربط الاسلام بالحداثة كما يُشتم من "يوفوريا" الكاكي، فهو جنون أيضاً. 
منطق السجالين يشير الى ان لا عقل طبيعي يقارب الأزمات في لبنان. 
وكي يكون ختامها مسك، وصل الجنون الى حد اعتبار تحالف ميليشيا مسيحية مع اخرى شيعية هو العلاج الوحيد في مواجهة السنة (يرجى مراجعة التقرير حول راس بعلبك)

فايسبوكيات

عماد العبدالله...مع القاع

يونيو 27, 2016 اضف تعليق
وقفة

كنت دائما أشيح بوجهي عن مناظر التفجير ، ليس لأنني بلا قلب ، بل لأن الفواجع أنهكتني وبت لا أرى جدوى من الاستنكار والشجب ، رغم أني أنوح وأبكي أكثر الأحيان وأقتل عند كل قتيل وشهيد . 
لكن شهداء القاع .. قتلى القاع .. الذين يشبهونني .. الآمنين والمصرين على الأمان ويلبسون ربما نفس ثيابي .. ويتطلعون مثلي الى المسرات الصغيرة في عالم مجنون وسافل ووحشي . 
هؤلاء الذين تمسكوا ببيوتهم وحياتهم رغم كل شيء ، ورغم الأنباء التي تفيد أن الأرض زلزلت زلزالها وان التهجير بدأ وأن السبي بدأ وأن الموت هو الفاكهة الأطيب . 
الكارثة في جريمة القاع ، أنها لئيمة وخطط لها كي تؤذي ليس بعدد الشهداء ، بل بتداعياتها ونوع استهدافها والعمل المخابراتي الدؤوب على المسألة الطائفية والمذهبية والعنصرية كأطباق شهية من السم الخالص على مائدة الشرق الأوسط .. هذا الشرق المضرج بالدماء والأرامل والأيتام .
شهداء القاع خرجوا من كل بيت .. في المكان والزمان .. المشهد قابل للرؤية والاستيعاب .. الليل وأنفاس القرى النائمة 
لا زحمة ولا استغلال للتدافع ، فخ بارد كالمجازر على الهنود الحمر .. 
ثمة من لا يريد سوى الهلع .. سوى انشطار ذرة العيش .. حفل كريه من القتل المجاني .. إسقاط بربري على بربرية رحلت منذ مئات آلاف السنين من حياة البشر .
سيناريو مدمى لحمقى ومجانين .. يلهون بالأنتروبولوجيا والإتنولوجيا والميتولوجيا . كأن الحياة والبشر عناصر في لعبة أتاري لولد فاسد وسمين ومخبول يحكم العالم وهو يقهقه وتفوح منه تلك الرائحة التي هي مزيج من الروث والقيء والقذارة .

فتحي أبو النصر... قصائد ونصوص نجت من الحرب!

يونيو 27, 2016 اضف تعليق


-1-


ما الذي يتبقى من الوطن، حين يتحول نصفه إلى قتلى؛ ونصفه الآخر إلى قتلة؟!


***

عالقون في وطن عالق .. بإنتظار الصفعة المعتمة،  أو الطعنة العملاقة، أو السجن الدرامي ،
أو الطلقة غير الطائشة .
نتخبط في هذا الخراب اللانهائي ، ونلقي التحية على العابرين بقلب سليم ، بينما يتدلى الخوف من عيوننا الفارغة ووعثاء الامل قد اصابتنا ولم نتعافى من الحرب والحب بعد .
هكذا لا استسيغ القصائد الغليظة يا أمي،  بل اتحيز للقصائد النحيفة مثلي لأنها تستطيع الهرب .
لذلك سأحرس عوائي الأليف قدر المستطاع ، ومن أجل عينيكِ سأحاول أن أغني وأنا أعرف جيداً بأن الأغنية ستتحول إلى مزحة مستفزة ،لكن الحال سيكون أفضل من أن يتحول كل هذا الصمت المكوم داخلي في نهاية المطاف إلى ورم مميت لن أقوى عليه .

***

كحة لا تتوقف عن المشي واقدامٌ تسعل .
أغنيات تتعفن ومنفضة سجائر خائرة وتزهو .
أخبار الحرب تلطخ أرواحنا بمنتهى الجرأة والشغف في هذا الليل السوريالي المخبول ، وتلك الضحكات المتجمدة على الجدار البارد نسيها الأصدقاء القساة وغادروا دون أن يعرفوا مالذي يجب ان نفعل بالضبط امام هذه الوحشة الفسيحة .
قليلاً و يمتزج السهو بتأملاتنا النافرة ليتحشرج العشق في تصوفنا المهجور وتصاب الوسائد بلهفة التآويل المتدلية من الأعماق .
بعدها سينحدر الطيش الى ماتبقى من سهر في نوافذ المدينة المنكوبة ليعود خلسةً بالأسى الجميل والهازل الذي تعودنا عليه .

-2-

المهالك تتألق في هذه البلاد التي كانت تحسدنا على شبقنا المغامر، ونلعنها على تهوراتها الرصينة.

****

ارجوكم احضنوا قضاياكم الخاسرة وتباهوا بها أمام الأخرين ، فهي الجزء الرؤوف بذكرياتكم الضائعة وهي وحدها التي تكبر معكم بدون ضجر .
وحتى لو اضطررتم لتوجيه عتابكم هنا وهناك فعليكم أن تخلصوا لحماقاتكم المحتشدة بالشهوات الماكرة لأنها لم تخدع الجمهور على الأقل .
كل يوم ستثبت لكم الحياة جنونها الهائل وليس ثمة متسع للندم طبعاً ، كما سيأتي الموت وعليكم ان تكونوا جاهزين –بمنتهى يأسكم الخلاب-لتصفية حسابكم مع هذا العالم العابر متصالحين مع خيباتكم الخالدة بإخلاص مرعب وبنشوة غامضة تقودكم الى السر كله .
ذلك فقط هو الابتكار المقدس الذي يستحق التضحية من أجله ..صدقوني .

***

ليلٌ يتخثر في الحنين ..
وألف صاروخ يقاسمونني نخب الصباح القاسي؛ وطفح الأمنيات ومتاهات الأبجدية واليقين المصقول بمرايا الشك المحطم.
ليلٌ مهموم جلس القرفصاء في قلبي؛ ثم أسند ظهره الى جدار الروح، وحين حاول الغناء بلافائدة شرب الفاليوم وقرر أن يشتمني وينام .
ليلٌ مفقود ومزدحم لكنه أصيب بكل أرق الدهر مثلي.
ليلٌ محدودب الظهر يتقرفص في البال وبشكل غريب الأطوار لايتورع عن إحداث ندبة في الاحتمالات . 
ليلٌ يسعل كجريح حرب ضائع ويجهش بكبرياء؛ كما يحدق في اللاشيء، مستحضراً لحن أغنية متعبة ووحيدة مثلي  .
ليلٌ يتمرغ في خطواتي المشتتة ويهيج ..
وكآبة ساطعة تمرق نحو غصتي كسهم.
أما الآن فقد قررت أن أشم رائحة البحر المستلقي في اعماقي الجبلية وأنا أرهف السمع لهذا البرد الناري المكتمل.
فلقد فتحتني نافذتي المسحورة لأرى أغنيتي التائهة وهي تتسلق هواجسي المائية ممتدة وشاسعة بين الكوابيس والأحلام.
وعلى الرغم من شغفي المنهار سأحاول أيضاً ان أغني بشفافية قراصنة وقطاع طرق نبلاء مازالوا يصرون على هطول الله في أرقهم الطيب،  لكنهم  ينامون في كتب التاريخ المحرفة وهم يئنون بعد أن وقعوا أسرى حرب في قبضة أعدائهم . وهكذا كنت كثيرا حين عرفت انهم يكابرون لأن لديهم رغبة حقيقية ومعقدة في تكرار لحظتهم الأكثر تعاسة وخوفاً باعتبارها لحظتهم الأكثر شرفاً وحرية .!

-3-

بكؤوس سريعة من الخمرة المغشوشة، المحلية الصنع، وبسيجارة خارجية مهربة ورديئة ، كما بعشرة كلاب مشردة تنبح الآن في روحي :
اشعر بالسلام.!
لكنني حزين يا الله بسبب الفكاهات السوداء ، والضحكات القاتلة للسنة والشيعة.

***

"ضيقة هي الأحلام" ، والوطن -كعادته-ليس على مايرام . وجثث الأصدقاء تترنح في الحكايات المهملة . وجثتي تحقق توازنها الغريب بهذا الشعور المتوتر لتجليات العبء الأقسى.

***

ونصغي للعزلة الفارغة؛ فتتسع ظلالنا في الموسيقى البعيدة، ثم نشعر بالخوف من الأشياء الصغيرة للعاشقين؛ فيمنحنا الأمان تبادل الشجن مع مجهولي الهوية..نحن الذين سنعتذر أكثر مماينبغي عن الصراخ الرطب الذي وجهناه لبعضنا البعض، وهو  الأمر الذي اوصلنا إلى مانحن عليه من فظاعات الاقتتال الشهي، وجنازات الريح والغبار.!

أيوب المزين* فخاخ الأبجدية: عن أنطولوجيا الأسلوب وتحدّيات الجماليات المعاصرة

يونيو 26, 2016 اضف تعليق
خاص

المقولة كينونة تكاد تستقل عن كاشفها، دالّةٌ تبسطها الإشارات وتسطرها الحروف، فيها السّاحر ومنها المسحور، وقد لا تدلّ على أيّ شيء أبداً. فالأبجدية مخلوق مارق، نُحاربه فيهادننا، ونَخضع له فيفتِك بنا، دون استجلاء الأسباب؛ والسّين بيتٌ لا باب له، سَمِخٌ واثقٌסּ، مخروم المزلاج وثوراه هائجان يجريان بثبات. إنّه حرف يستبدّ، وقد يسكر ويسمر، ليُسلسِل المعاني. يسكن الفعل المضارع ويوثق الوسط بإحكام كي يفتحه على الرّقص: هذه «الحركة» التي، بسبب «تحريمها»، يتراجع «التّفكير» في الصناعات الجمالية لصالح المواقف السياسية المحضة. ومع ذلك، يبقى هنالك «سطح مشترك» تتقاتل فوقه كتائب النّسخ وتمثّلات المطلق وفجوات الغياب الإلهي. من أين يتسرّب هذا المارد الألفبائي إلى اللّغة والشّعر والخرائط، نحو آثار الفكر والصيغ التصويرية الحديثة (الإملاء والمُنشأة والفيديو) وتاريخ السياسة المحكية والمُزمّمة؟ وكيف يتكوّن الأثير الخفيف الذي يتحوّل عبره نقشٌ لفظيّ إلى حاكميّة مخطوطة؟

إنّ «الأسلوب» أصل من الأصول المُنبثقة عن جذر س ل ب، لا باعتباره لفظاً عربيّاً مجرّداً يعني سبيلاً للعيش تارة وفناً للحديث تارة أخرى، وإنّما مصدرا لهذا الفعل الثلاثي المتعدّ، في تجاوزه السّلب والإيجاب أو النّفي والإثبات، من حيث استقلاله وحياده، كمعناه، والسَّلَبُوتُ فعلوت منه. وسالب الشّيء فاقد القبل ومُكتسب البَعد، ومعيده إلى وضعه البدئي: سالب السّلطة مُفرغها وسالب الشّجرة جانيها وسالب اللّغة مُعرّيها. في هذا السّياق، لا يكون الأسلوب أسلوباً، في طرائق الكَلِم والتّصوير، إلاّ إذا أفصح عن نفسه آتياً من اللّغة المستحيلة لا من اللّغو الحكائي، بمعنى قدرته على إنطاق الشّواهد التأويلية الصّامتة وإخراس أبواق السّرد اليتيم. إذ ثمّة تماسٌّ فعليٌّ هنا بين تبدّي الأشكال وتطوّرها، بصورة خفيّة ومسقلّة، وبين انتزاعها من نفسها «تجميلاً» للوقائع على نحو فضائحي.

كلّما فكّرت في الغزل مثلا، لغرضٍ لاتينيّ نزق، أتتني أشباح تلك "الأساليب" الرومانية التي كانت تُصنع من العظام والمعادن وتستعمل في الكتابة الدّقيقة؛ فالأسلوب مطابق للأشياء القويّة والخفيفة، للنّحافة والرقة، مثل سكاكين الذّبح الإبراهيمي وإبر الوخز الصّيني، مع أنّ البديع بالزاكْ كان صاحب سُمنة طافحة. يتشكّل الأسلوب إذن قبيل الإعلان عن القول الأخير، أو ما قبل الأخير، أي في اللّحظة التي يخرج فيها الكائن-السّلبوت عن صمته، ليصرّح للعالم، بالشّعر أو بغيره. والشّعر لا يقول الحقّ وغيره يجانب الصواب والمنايا واقعة. هل يقلّد الشّعر الحقيقة، الكاملة والتامة، أم يكرّرها تحصيلا للحاصل، أم أنّه مُؤْيِسُ الأيسات عن ليس فيها؟

«الإملاء» ضربٌ من الشّعر، كأنْ تنطق الكلام بصوت عالٍ، داخليّا ومهما اشتدّ الخوف. وأنْ تتأنّى إنْ اقتضى الأمر، أو أنْ تتهجي بيقين المتردّد يرى العصا مُلوّحةً في فضاء الفصل، وهي تشير إلى شكل السّين. يقول المدرّس: قل ومت. وأنت صغير، والأطفال في سنّك يفكّرون في الحلوى، وأنت الآن في السم. مولود جديد مستعد للموت، كما يقول دو مونتين. من الممكن أن تكبر، فلا تبقى مُستملياً فحسب، وأن يَقِرّ في قلبك ما تهمّ بقوله، شارعاً الفتحة على المُبهم الحقيقي فيك، كما فعل سركون بولص: "إذا لم تفتح الكُوّة/لن تطير إلى غرفتك الحمامة". عنوان القصيدة الكُوّة عينها، الشّرخ الواعي والمشروط بالانفتاح أكثر على الدّاخل النصي. والفرَج، بين إذا ولن، محكوم بتقيّح اللّسان حتّى العفن أثناء رحلة المُملِي المريرة. في أبيات بولص الموالية دفع بالصّنعة إلى تخوم متقدّمة من تقانة الفكر الشّعري تحاكي عناصر النّداء والاستقبال في ميتافيزيقا الحنفاء مذ ركَل إسماعيل الأرض في عرض الصّحراء. "الماءُ يجهل أسباب الظّمأ الأخير، والأرض/تتشقّقُ رغم البراهين الدّامغة على وفرة الماء./الصّمت لن ينفتح كالصَّدَفة/إذا لم تعرف كيف تولد الوردة أو تموت". لا يكتفي بولص بالدّخول في إملاء غنائي، بل يُنشد الحقيقة ويَنشُدها من خلال التّفكير في وجه وروح النّثر كما لو كانا معاً لقاء بُراق سماوي مع سلبوت طيني فوق غمامة ليل القيامة. "قلمٌ على المائدة، دفترٌ كمروحة الغيشا/يرفرف في خيال الورّاق/القصيدة قد تضيع، إذا لم تجد الخيط الخفيّ./والرّاوي لن يعرف القصّة". تذكّروا معي من باب الاستئناس أنّ السّفر الوحيد، الأعظم والأصيل، المُتبقي من الأسطورة المحمدية، هو ارتقاء النبي إلى سِدرة المنتهى؛ ابتعاده عن واقع العرب لتلميعه بالحكمة (الحقّ) والموعضة الحسنة (الشّعر).

«المُنشأة» شعرٌ مدنيٌّ أو حربيٌّ يحتمي به الكائن-السّلبوت من أعراض الفناء الحداثي القادم، كأنْ تدهسك مخلوقات آليّة جائعة عند مدخل السّوق الكبير. وهذا ما يفعله الفنان المعاصر محمّد فتّاكة، أقصد الاحتماء من الآتي، حينما يُصمّم، بتواطئ مع حدّاد فرنسي من أصول إسبانية، درع مُحارب ينتصب فارغاً وسط الفضاء ليدخل به مرحلة الـ"سّجال الحاسم"، وهو محسوم מחסום في حقيقة الأمر. أي حاجزٌ يقطع به الطّريق على الإملاء، بالشّعر المُصفّح، مثل صومعة واقفة حين الفجر، تؤذّن لامّحاء النّهار. فلا أناشيد من شأن المرتعدين تلاوتها أمام وحش فولاذي يرفض الإقامة في المتاحف ليلتقط معه الغاوون، المفتونون بالكلام المغشوش، صورا للذكرى. يتّسم هذا العمل بأصالة وأولويّة ذاتيّتين، ومثله عمل آخر قيد الإعداد لفتّاكة، يتوزّع فيه اللاّعبون على رقعة "بابي-فُوتْ" لكنّ أحداً لا يقدر على تحريكهم، حتّى الله، مع أنّه الوحيد القادر على اللّعب بحِرفيّة الحاذقين، "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وذلك لأنّ المقابض نسيتُ إنْ كانت معطّلة أم مغلّفة بمسامير صدئة. وكذلك الشّعر موجود في «الفيديو»، نراه في السّينما وفي تركيبات بعض الفنانين والسياسيين. خطاب بوش، بعد تفجيرات مانهاتن، أشبه بشِعرٍ مُصوَّر أسّس لبروباغندا ناعمة: رجل داخل مكتبة خاصّة، يرتجل كلاما حزينا، أقرب ما يكون إلى نصوص شعراء الكارثة. تحدّث عن خراب المعمار وعن المأساة والدم، برصانة مُخرج مُحنّك، مُقتبِساً الآية الثالثة والعشرين من التّوراة. كان على الجميع انتظار البيان التّالي، خطاب العشرين من شتنبر، لإشاعة لُثغة قاف "القاعدة" في التداول الأنغلوسكسوني والتبشير بأنوار مهولة أعمت بغداد، في عزّ غسق الرّبيع، سنتين بعد ذلك.

يتوغّل الأسلوب في مَجال السياسي عبر قدرته على استئصال وإيصال كينونة المقولة الأولى والأخيرة، وما بينهما، من داخل أرشيف الخسائر والانتصارات وصناديق الاقتراع الفارغة والممتلئة وصالونات البيع والشّراء السّيادية، إلى صُلب طوبولوجيا المخفي في المجال العام. لنأخذ نموذج  بُقعة متوسطية متنازع عليها تاريخيّا، يحكمها الإسبان ويقول المغاربة أنّها سليبة. سبتة، تلالُ الإخوة السّبعة كما سمّاها الإغريق، والجغرافيا التي تُطوّق الخرافة لتروي قصصا أخرى. نشرت مجلّة "دعوة الحق"، المؤسّسة سنة 1957، في عددها الـ27 وثيقة تعرّضت لتاريخ المدينة في القديم والحديث، وتناولت وصف الفقهاء لها بالشّعر قبل "السّقوط"، وبعده بالنّثر. واللاّفت للانتباه بين كومة أحداث كثيفة، بدايةً بالغزو الإسلامي 709م وانتهاءً بتوقيع معاهدة 1889م، عُدول المملكة الإسبانية عن عُرف حدودي يقضي بإقامة مراكز العَسَّة على شكل أكواخ الرّيف الخشبية. مما أثار غضب قبيلة أنجرة الجبلية، ودفعها لمهاجمة البنايات الجديدة المُشيّدة من الحجارة والحديد وتلويث علم إسبانيا وشارة الحرس (شرطة عسكرية تُعرف بالـ"بينيميريتا"). لم تخضع هذه القبيلة، حسب عدد من الأنثربولوجيين، للسّلطة المركزية كما أنّها لم تتمرّد عليها. وتتحدّث مصادر استعمارية فرنسية، في مرحلة لاحقة، عن "عشق" الأنجريين للحرب وعن عدائيتهم اتجاه الإيبيريين. لكن الأجدر بالبحث، بعيدا عن «تاريخ المؤرّخين»، تزامن هذا التمرد تقريبا مع تأسيس الحرس المدني عام 1844. أستفسر اختصارا، لضيق حيّز الإيغال، عن كواليس صُلح تطوان: هل سُلّمت سبتة ومعها أعناق الأنجريين خوفا من استقوائهم؟ من سلب شرف "السّيف وشاقور الحطب"، اللذين يمثّلان شعار الـ"بينيميريتا" –قابضة الضّرائب وحامية حدود الجار العدُو-، أليس بقادر على ذبح الأسدين اللذين يحميان عرش السّلطان في مكناس؟ أسئلة قد نجد لها جوابا في غنائيات قبائل الشّمال، بين شلحة الأمازيغ وهلالية العرب، فضياع الأرض يبدأ بالتوقف عن الشّدو.

الأثير الخفيف هو إرادة كلّ من وما لا يتوقف عن الامتداد في الوجود، بالتصريح أو بالمناجاة. الزهور والقلوب لا تعلم أنّ السّير بلا رهبة يحمي من الهزيمة، في القصيد المنثور والعراك المغدور حدّ السّواء. لكنّها ماشية لأنّ طريق الزّحف أوثق، كما ورد في المُقدّمة. يحمل الأثير الخفيف اللّغة الواعية إلى الشّعر ويُلقيها للعالم، ولا سلطة للتقنية الموازية عليه، أكانت قيادة سياسية أم قوّة سِبرانية. وما دام مجازفاً فإنّه لا يتهاوى، ثقيلاً وبطيئاً كتنّينٍ مُزَوَّرٍ ينفث الرّماد، عند عتبة الإدراك الخالص. 
والأسلوب أدغال الأثير المفضّلة، خفيف لا يخاف، لأنّه شرنقة الكائن-السّلبوت وصدى الحقيقة في غياباته. عُرف عن سفيان بن عُيينة، وقد كان من كبار المحدّثين، أنّه أوتي فهم القرآن ثم سُلِبَه بعدما قَبِلَ صُرّةً من أبي جعفر. تورّط الرجل في خِرقة جلديّة قدّها قدُّ الفولة وسرّها سرّ الغولة. ما كان في تلك الصُرّة يا تُرى؟ 

*كاتب من المغرب


أسامة العيسة... تأميم الثقافة الفلسطينية..!

يونيو 26, 2016 اضف تعليق
فايسبوك
(جزء من نقاش مع صديق فتى حول من هو أقدم في فلسطين "نحن" أم "هم"..؟)
يرفع الفلسطينيون هويتهم العربية في وجه الاحتلال، وفي السنوات الأخيرة بدا أن هناك تغيرًا تمثل بإعلاء الهوية الإسلامية، ولكن هذا التغير لم يكن حاسمًا. خلال العقود الماضية لم تكن الهوية الفلسطينية، في ملامحها الرئيسة إلا استجابة لتحديات الغزوة الصهيونية، ومن أجل ذلك، تم الذهاب بعيدًا إلى الهوية الكنعانية، لإثبات من هو الأقدم على أرض فلسطين، وتم الترويج بان فلسطين هي عربية منذ فجر التاريخ. لماذا ليس مطلوبا أن تكون مصر، أو تونس، أو العراق، مثلاً عربية منذ فجر التاريخ؟
التمسك بالجذور الكنعانية بدا غريبًا (لماذا ليس الجذور الآرامية، والهيلينية، والفلستية مثلا؟)، فلو حدث في مصر مثلا إعلاء من شأن الفرعنة، أو في لبنان لجهة تبني الفينيقية، وفي العراق لجهة الأشورية، لتم اتهام رافعي مثل هذه الألوية بالانعزالية، وستكون وطنيتهم محل اختبار.
في فلسطين وجهة نظر، أو الأصح أكثر من ذلك، تنظر إلى الفلسطنة باعتبارها عِرقا، لذلك يجري تأميم الثقافة الفلسطينية، ليصبح الكنعانيون عربًا، وفي المناهج الفلسطينية، تتم الإحالة الجذورية إلى قبيلة طيء العربية العريقة.
ويتم التلاعب بتاريخ القدس، فتصبح الشخصية التوراتية تصاديقاهو مثلا، الملك العربي ملكي صادق، واليبوسيين الذين ذكروا في العهد القديم عربًا، وكلك الإرث الآرامي، والهيليني، واليهودي، والروماني، والبيزنطي ما هو إلا نتاج عربي قح.
ويتم التضحية برموز فلسطينية، يتبناها الصهاينة، مثل الثائر على الرومان باركوخبا، فقط لأنه يهودي..!، مع أن البحث الأثري الميداني، يشير بما لا يدع مجالا للشك، بان الإرهاصات اليهودية في فلسطين تطورت عن الكنعانية.
إن عملية تأميم الثقافة الفلسطينية والتي تتم بجهل كبير، وإن كانت تشكل تحديًا مبالغًا فيه للغزوة الصهيونية، إلا انها مضرة بتاريخ فلسطين، وتعني أن الهوية التي فشلت في اختبار الصمود وضد الاقتلاع مهزوزة.
الفلسطنة ليست عِرقا، وإلا فان الفلسطينيين سيجدون أنفسهم في ورطة، وإنما هي هوية في حالة ديناميكية، وارثة لحضارات فلسطين المتتابعة، العربية وغير العربية، هوية مستوعبة، ومنفتحة.
ويمكن لمحبي المفارقات أن يلاحظوا، كيف تبنى المسلمون العرب، بعد فتح فلسطين، الرموز اليهودية بشكل مبالغ فيه، في حين تجري الآن عملية معاكسة تماما، وفي الحالتين الخاسر هو التاريخ الفلسطيني.

عدي الزعبي... عن تشومسكي والقضية السورية

يونيو 25, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك

أعتقد أن الكثير مما يقال عن تشومسكي وعلاقته بالقضية السورية، يدل على موقف غير عقلاني اتجاه فكر الرجل ودوره الفلسفي.
موقفه السيء من الثورة السورية قضية هامشية، لا تعنينا كثيراً. ما يعنينا هو كشفه لكيفية تحكم السلطات بالناس، ولتأصيله الفكر الفوضوي الاشتراكي التحرري في مفهوم الطبيعة البشرية المشترك عابر للثقافات. 
الهجوم العصابي على الفيلسوف، ونعته بانه ليس فوضوياً ولم يقدم شيئا سوى أكاذيب لعشرات السنين، يعبر عن تقوقع مخيف حول القضية السورية، وهذا أسوأ ما قد يحدث للسوريين اليوم.
علينا أن نحاول فهم العالم المحيط بنا، والاستفادة من أعمال الفلاسفة والأدباء والكتاب والناشطين والسياسيين، بعين ناقدة، حيادية موضوعية. 
يشبه الهجوم على تشومسكي الهجوم على فتجنشتين وكافكا وسارتر وكامو، وغيرهم، بسبب انحيازهم لإسرائيل، او غياب أي موقف نقدي اتجاه تأسيسها. هذا كلام صحيح، ولكن هناك الكثير مما يمكن، ويجب، قراءته وفهمه في أعمال هؤلاء.
يقع السوريون اليوم في الفخ الذي وقعنا فيه سابقاً في القضية الفلسطينية: تقييم أي عمل بناء على موقف الكاتب من فلسطين. 
هذا موقف خطير، وسيطيح بأي قدرة على التفكير العقلاني النقدي، وعلى التعاطي مع العالم بطريقة فعالة. 
ساندرز وكوربين وتشومسكي، أمثلة على حالات تستطيع تقديم شيء مخالف للسائد في الغرب، ومحايد، ومضر ربما، اتجاه سوريا.
أشار إزايا برلين إلى ان بعض المفكرين يملكون قدرة استثنائية في موضوع محدد، وقدرات عادية أو أقل من عادية في مواضيع أخرى. 
هذه عبرة يجب الاحتفاء بها. 
وهذا أيضاً، سبب آخر، يجعنا نتوقف عن عبادة مشاهير الفكر، لنقف منهم موقفاً نقدياً، يعترف بعبقريتهم، وبمحدوديتها، في الوقت نفسه.

أيوب المزيّن... نفس الكتاب".. جرحٌ تعجز الكتابة عن لَأْمِه"

يونيو 25, 2016 اضف تعليق


المراسلات دوائر لا تكتمل بغير العداوة أو الموت، تُشبه حركتها خفقان القلب ومداعبة اليد لكلب الزّمن، يجري لاهثا خلف حلول الطّريق، دون أنْ يجد الماء في البئر. هكذا يؤوب الجنس الرّسائليّ دوماً إلى صيغة من صيغ العطش: الرّسالة الأولى، ثمّ ماذا؟ الرّسالة الأخيرة، ما الحلّ؟ أيّا يكن الحلّ المفترض، فإنّ كلّا من عبد الكبير الخطيبي (1938-2009) وجاك حسّون (1936-1999)، على مدار خمس سنوات، بين 29 يوليوز/يوليو 1980 و17 مارس/آذار 1985، لم يكُفّا عن تبادل رسائل متقاطعة بلغت 45 رسالة، عبَرت مكاتب البريد في باريس والرّباط ونيويورك وطنجة والإسكندريّة والهرهورة...، وساءلت بصرامة معرفيّة، ودُعابة أدبيّة ونوستالجيّة أحياناً، رموز الكتابة الدينية في التّراثين العبريّ والإسلاميّ، وعلامات النّزاع السّياسيّ والعسكريّ بين العرب والصّهاينة. يجيء صيف العام 2014 باعتداءات متبادلة، متباينة الضّرر، بين قوّات الاحتلال الإسرائيليّ وفصائل المقاومة الفلسطينيّة. رسائل تخرج، هذه المرّة، ككلّ مرّة، من البنادق وقاذفات الصّواريخ، ومن حناجر «أجيال جديدة» تقرأ الواقع بنفس المرارة، وبذات القلق الذي يقدّمه كتاب جمع الخطيبي وحسّون رسائلهما بين دفّتيه تحت عنوان "نفس الكتاب" (Le même livre): نفس الكتاب يعني نفس التصدّي لمراجع عداء الغيريّة، ونفس الرد على محفّزات تسييج الإنسان وقتله، وأساساً نفس الرّغبة في الخروج من مأزق وجوديّ، يبدأ بسوء الفهم وينتهي بالدّم، تُؤزّمه مستويات «ميتافيزقية» شتّى، منها الرّمزيّة والتّخييليّة والشّبحيّة، إلخ. "نفس الكتاب" ليس إذن الكتاب نفسه الذي يجسّد الأزمة العربيّة الإسرائيليّة، من حيث مضمون الرّسائل ومشهوديّة الأحداث، نظراً لاجتماع الطّرفين على إدانة الاستيطان والعنف، ومواجهة غائيّة التّاريخ وتفاضل الإيطيقي والدّيني؛ إنّها مراسلة تطرح المشكلة من خلال تفاوت فهم الأسطورة والممكن، وتقويض الاستبداد القائم على تأويلهما للهيمنة على أدوات النّزاع وأسباب الغلبة.

بين أهل الكتاب وأصحاب الأرض

يرى المفكّر والأديب المغربي عبد الكبير الخطيبي أّنّ "المسلمين واليهود يكتبون في نفس الكتاب، دون علم بذلك. الكتاب باعتباره الحكاية الخرافيّة للواحد" (ص.17). تظهر هذه الجملة، بين جمل الرّسائل الأولى، كـ«فكرة افتتاحية»، فهي تُمسك بخيط تموّج الصّراع على النص والجغرافيا، وتسُوقه أمام أعيننا. ما يتحدّث عنه الخطيبي هنا، بشكل مكثّف ورمزيّ، كان قد أورده سيجموند فرويد في كتابه «موسى الإنسان والديانة التّوحيديّة» عن تمازج اليهود النّازحين من مصر، مع قبائل سكنت فلسطين وشبه جزيرة سيناء وجزيرة العرب، أخذوا عنها عبادة إله الهويان، هويان الرّعد والحِمم، وتوحيده. اهتمامٌ بدئيّ بهذا الإله بقي يتكرّر بعد قدوم نبيّ العرب، فمعلوم في كتب التفاسير، أنّ يهود (دون تعريف اسم النّكرة ولا تنوينه) استفسروا محمّداً عن الرّعد، وأجابهم فصدّقوه. كما يوجد في التّراث الإسلاميّ دعاءٌ شهيرٌ، أورده مالك في الموطّأ والبخاري في الأدب المفرد، يقال عند سماع الرّعد، وهو متجانس مع دعاء العاصفة، الوارد في سِفر حزقيال والتّلمود. لكن هذا التجانس أضحى كَدِراً، بعدما أذاب فيه الإسلام، بتعريف النبي للرّعد على أنّه ملاك، ألوهيّة الله. 

هذا الإله، الذي كانت له «دولة»، و«أحوال» تخرّبت عند اليهود ثمّ سقطت عند المسلمين، يعود بطيفه نحو(نا)، ونحو الفلسطينيّين كـ"شعب ثالث"، لينتقم من "شعبين" أضاعاه في انعكاس الصّوت وصدى الصّورة: يهوه الغائب المتكلّم في الجبل، والله الحاضر "معكم أينما كنتم" الذي ينقل جبرائيل الكلام عنه، لأنّه أخرس. يقول الخطيبي: "أمّا بخصوص إسرائيل، أو بالأحرى دولة إسرائيل، فمن البديهي أنّها المختبر، مختبر متفرّد، بين موت الآلهة وتفوّق المخطّطين الاستراتيجيين" (ص.111). أي أنّها، على حافّة النص، الموضع الذي تتلاشى داخله أيّ محاولة حوار جوفيّ بين "الكتاب"، التّوراة باعتباره وجهاً من أوجه «فقه الصّراع»، وبين من يُفترض أنّهم أهله. تماما مثل العلاقة التّأسيسيّة، إذا جازفنا بالمقارنة، والمجازفة مطلوبة، لدولة الخلافة التي أعلنها قبل أسابيع عوّاد إبراهيم من الموصل، بالتّراث في عمومه، وبالقرآن على وجه خاصّ. يدخل القرآن بدوره، كمخيّلة شعريّة، مسرح الأحداث. يضيف الخطيبي: "في الإسلام، عندما نبعث جثة ما، فإنّها تصبح أثناء هذا الوقت مشهودة في الموت. صورة تنهي الحرف" (ص.18). صورة ما محنّطة، تشبه إلى حدّ ما الإنسان الذي غدرت به قداستـ(ه)، الـHomo sacer عند جورجيو أغامبين، لا يمكن معها إلاّ استدعاء الحرف مرّة أخرى، في ثنائيّة تحريم وتحليل اعتبرها الخطيبي مأساة الطّرفين معاً.   

في نظر جاك حسّون، وهو عالم نفس تحليليّ - شيوعيّ من أصل يهوديّ مصريّ، يمكن اعتبار "الخروج من الدينيّ الحلّ اليوم لإيجاد إمكانية تهجّي، حرفاً بعد حرف، كذبة السياسي ومعها كذبة الهويات المُطلسِمة" (ص.68). لكن ذلك، في رأيه، لا يمكن أن يتأتّى إلاّ بالاشتغال على الذّاكرة والتاريخ، فالحاضر ما يزال يستجدي "إله البراكين القبيح" الذي لم يعد يهمّه (ص.89). يتأسّف حسّون أيضاً لـ"تفاهة أولئك الذين يحاولون تغيير المُثل المتهاوية بالعودة إلى إلى اللّيبرالية والدّين" (141). في تلميح منه إلى الصّهيونية، التي بدأت كإيديولوجيّة ليبراليّة، وارتدّت بعد إعلان قيام الدّولة إلى الأسطورة. يستحضر حسّون كذلك جزءً من الذّاكرة اليهوديّة: كيف أنّهم كانوا، كيهود مصريين، يتلافون ذكر «اسم الجلالة»، ويستعملون في موضعه كلمة "رَبِّنَا". هذا الانحاء العفوي أمام المقدس الشعبي يظهر أيضا في استرجاع حسّون للغاية في الفرق الكاليغرافيّ بين "الله" و"اللـه"، داخل نظام الخطاطة، والتي تحقق عدالة بصريّة بين الحروف بخضوعها، هي نفسها التي ترسُم عنوان الإله، لاسمه. ثم، في ملحوظة على الهامش، يسأل ويجيب نفسه: "كيف يشتغل النّسيان؟" (ص.69) [...] "النّسيان يزحزح الجبال" (ص.61)

نهاية النص وبداية العالم

ثمّة مفارقة يشدّد عليها الخطيبي وحسّون، متمثّلة في تغييب النص والكفر به، بمعنى تغطيته وخزنه، أي حجبه عن الأنظار لتقويّة مشهوديّته الخاصّة (عبر طمسه !) على حساب مشهوديّة الأحداث التي يبرّرها، وهو غائب ومغيّب، رغم تواجد آثاره. يقول الخطيبي: "على اليهوديّ أن يخسر الأرض لكي يعثر على الحرف (هذا هو المعنى التراجيدي للشّتات)، ولكن بايجاد الأرض والحرف معاً، يستوجب أن يكون المصطلح الثالث، يهوه، دائماً ممكناً باعتباره توقيعاً (...) ما يجمع العرب باليهود: إنّه شكل من نرجسيّة مختلفة" (ص.132). ما يقترحه المتراسلان، وهما يتحدّثان عن مسائل العمى والبصيرة والأسرار (ص.18-34)، يمكننا تسميته مجازفة بـتمرين بيوسياسي للتراث. بالنّسبة للخطيبي، جاء تأسيس الدّولة العبريّة عبر اقتلاع اليهود السّفرديم، وغيرهم، من هويّتهم العربيّة وتحويلهم إلى «عائدين وأشباح». سياسة «لا استثناء» فيها، لا تأخذ بعين الاعتبار تقديم الأحياء، مع مراعاة سماتهم الأنثربولوجية، على الموتى والمحرّضين على الفناء الممثّلين في السّابق القريب بمخطّطي التّهجير الصّهيوني لـ«يهود الشّتات» وللفلسطينيين العرب واليهود، وبفقهاء «التّاريخ الرّسمي»، ويمثلهم اليوم دعاة الاستيطان، والدّولة الدينية الواحدة، وآخرون لا وجه لإلههم حتّى يخفيه أو يبديه.

"ابتعد عن هنا لكي أقيم مكانك مع دبّاباتي". (ص.68) جملة مخيفة أخرى يخطّها حسّون واضعاً أصبعه في بؤبؤ اليهودية المتصهينة. نفس الأصبع، يغرزه الخطيبي في بؤبؤ(نا): "ما انتهى، هنا في العالم العربي، هو حضور يهوديّة متسامحة، يهوديّة تاريخيّة كانت ستكون لها مكانتها السياسيّة التامة داخل مدينة «الأمّة» التي تشتّت وتشرذمت هي نفسها". (ص. 25). يقترح حسّون، في المقابل، كما لو كان ردّا مرجئاً على ضياع هذه الفرصة: "هناك استعجال لإعادة قراءة النّصوص التي كُتبت في زمن الحدائق الأندلسيّة، والزّمن الفاطمي، وفي زمن المدن التجارية الدّانوبيّة، ومواجهتها مع الزّمن الرّاهن" (ص.66). كأنّه «يحنّ»، من خلال التّراث، إلى «تاريخ متشارك» لم يعد ممكنا. تشاركٌ يجعل العادة في مالطا (لماذا مالطا بالذات؟)، كما يستذكر هو، تقتضي دفن اليهود والمسلمين في مقبرة واحدة: اليهود نحو الشّرق، والمسلمون في اتجاه الجنوب الشّرقي. ويتذمّر حسّون من عجزه على الاحتجاج بأيّ صورة من التّاريخ أو أيّ تعويذة سياسيّة قد تسمح له "اليوم دون يهوديّته" أن "يسمع عروبتـ(ه)". بل، في خروجه من النص إلى العالم، يستحضر غربته، هو المصري، أثناء زيارته لمصر، والغرابة التي يُنظر إليه بها على عكس سيّاح قادمين من إسرائيل: "ماذا أقول عن تذمّرنا أمام مناهج الإسرائيليين الذين يتحرّكون بالآلاف في القاهرة بأريحيّة يانكي yankee للغاية" (ص.29).

هكذا، كأنّ صوتين، يمتزجان ويتداخلان، يقولان معاً أنّ اختيار العودة إلى العالم يستدعي التخلي عن هويات الإله غير الموصوف، الذي اسمه لا يُنطق وملامحه لا تُرى، وتغييرها بعلائق حياتيّة هجينة تربك مركزيّة النص، وقداسة الأرض، أمام عفويّة الإنسان على الشّكل الذي نكتشفه هنا: "جاء بعض الأصدقاء [العرب] وهنئوني بمناسبة استرجاع سيناء. كان في هذا الفعل الكثير من السّذاجة، لكنه أسعدني، فقد كان الأمر احتفاءً بالإنسان المصري" (ج. حسّون، ص. 61، 62). هذا الخلط بين الهويّة والأرض، عبر ربط الفرد بالتراب، لا العكس، هو نفس الخلط الذي يسمح، على مستوى آخر، بفهم فكرة الخلق داخل منظومة الطبيعة، لا خارجها. طبيعة لا تنسى أبدا. يقول الخطيبي: "لم يمحى أيّ شيء (...) ليس هناك حبّ بين أهل «الكتاب المتشارك». ليس هنالك إلاّ هذه الصّلة بالكتاب والمقدّس" (ص.139). تنزل هذه الجملة، في غمرة الحديث عن الفرق بين الصّداقة والحبّ، وعن ولاء المرأة وصحبتها، كأنّها «نداء مقاومة»، بل إنّها – لمن يفهم أهوال القلب – دعوة ضمنيّة وصريحة لشعب فلسطين لمقاومة الاحتلال، خارج الغبن التاريخي للتّوحيد ولجينيالوجيا القبائل وبطونها.

في رسالة سابقة، مؤرّخة بنهاية فبراير/شباط 1981، كان الخطيبي قد عبّر عن فرحته بـ"التّفكير (أخيراً) في نهاية الكتاب". كان يستعجل النّهاية، والمراسلة ما تزال في بدايتها. استعجالُ نهاية الكتاب، يعني أيضاً العودة إلى بدايته، من أجل فسخ هذه «الكتابة الشّاهقة» وعزلها، بالكتابة إلى شخص، إلى لا أحد، كما يقول هو نفسه، من خلال لغة وسيطة، بعيداً عن أيّ برج بابل فاسخ. لوهلة، وأنا أقرأ الرّسائل الأخيرة، حيث احتدم الجدال، وتشعّب الكلام بين الرّجلين، كان يحدث أن أفترض نفسي أمام كتابة ملغومة، "عدوّة" لنفسها و"عدائيّة" ضدّ الآخر، وكنت أحاول العودة إلى رشدي، الرشد الذي يضع العقلاء نُصب «نقد مزدوج»، لا ازدواجية للنقد فيه. وهو ذات الرشد الذي حرّض الخطيبي وحسّون، بعد التوقف عن الكتابة إلى بعضهما، على نشر كتاب استفسرا في مقدّمته الاستئصاليّة المعاصرة قائلين: "من سيعترف بالآخر في مواجهةٍ أمينةٍ وبدون خديعة مُخالِطة؟ أيّ وجه للآخر يحلّ، ويتبدّى في صورة هذه الرّسالة المعمّمة؟ بأيّ تبادل يتعلّق الأمر؟ أيّ تشارك للتّوقيع؟ أيّ اعتراف؟". ما الذي قد يبقى، إذا بقي شيء، بعد كلّ هذا؟ : «شعب واحد» ممزّق، واسمان ودولتان، وإله يهوي إلينا لنستأنس بخرافاته البعيدة متى فتحنا الكتاب. نفس الكتاب.



E-mail Print  Bookmark and Share

بومدين الساحلي... عن تشبيح دريد لحام وتجاهله نهاد قلعي

يونيو 24, 2016 اضف تعليق
عن الفايسبوك

جريدة السفير اليوم نشرت مقالا للزميلة لوركا سبيتي فيه "بوحٌ" للفنان السوري دريد لحام "غوار الطوشي" عرضت فيه لبعض نشأته ومسيرته الفنية تحت عنوان "دريد لحام غوار الباكي".
اللافت أن الفنان تجاهل تماما شراكته مع الفنان الراحل نهاد قلعي "حسني البورظان" والدور الهام الذي لعبه الأخير في تقديمه وإشهاره فنيا.
للتذكير، وعلى سبيل المثال: 
نهاد قلمي هو المؤسس الفعلي للمسرح القومي في سوريا، 
وهو الذي قدم هناك لدريد لحام أول فرصة فنية احترافية في إحدى مسرحياته أوائل الستينات من القرن الماضي، 
وهو الذي ابتكر لاحقا شخصيتي غوار وحسني أول وأشهر ثنائي كوميدي في العالم العربي، 
وهو الذي كتب ومثّل في مسلسلات حمام الهنا ومقالب غوار وصح النوم التي عرضت في الفترة اللاحقة ومطلع السبعينات، 
وهو كان أحد نجوم مسرحيتي ضيعة تشرين وغربة،
..
..
وهو أيضا الذي تلقى في دمشق ضربا مبرحا من أحد ضباط الأمن أواخر السبعينات من القرن الماضي منعه من الاستمرار في مسيرته الفنية بسبب الآثار الصحية التي رافقته منذ ذلك الحين، 
وهو الذي عاش سنواته الأخيرة في عزلة وفقر مدقع وحسرة من جرّاء خذلان الأصدقاء،
..
..
وهو أولا وأخيرا الضمير الحي الذي نشأنا عليه في مواجهة حالات الشطارة والبهورة والتشبيح التي كانت عليها شخصية غوار الطوشي.
تحية لدموع حسني البورظان التي ذرفها بصمت.