هوية سيلفيا بلاث الممزقة بين الكتابة والحياة

مايو 31, 2016 اضف تعليق


 الحياة - باريس - أنطوان جوكي 
لا يمكن إهمال البحث القصير الذي وضعته أخيراً المفكّرة والروائية الفرنسية غوينايل أوبري حول الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث (1932 - 1965)، وعنوانه «أليعازر يا حبي» عن دار «إيكونوكلاست» الباريسية. ففي نحو سبعين صفحة، تقدّم الكاتبة قراءة ثاقبة تضيف الكثير إلى ما نعرفه عن حياة بلاث وعلاقتها بالكتابة وإنتاجها الأدبي الغزير، وتجعلنا نرغب في قراءتها مجدداً.
ويأتي اختيار أوبري عنوان «أليعازر يا حبي» لهذا البحث بغية وضع بلاث تحت شعار القوة، لا الضعف، وبالتالي التدليل منذ البداية على تمكّنها من العودة مراراً من بين الأموات، بعد محاولات انتحار كثيرة، قبل أن تنجح في وضع حد لحياتها في سن الثلاثين.
بعبارة أخرى، أرادت أوبري التشديد على حقيقة تغلُّبِ الشاعرة على ظروف حياتها الصعبة، وعلى عيشها بحدة وإفراط مدفوعة برغبتها في أن تكون كل شيء وفي اختبار كلّ الحيوات الممكنة. ولكن مع تعذّر تحقيق هذه الرغبة، بحثت سيلفيا عن مكان تتوارى فيه: أمواج البحر، قضية كبرى، التصوّف، الحب... وأحياناً تأمّلت في حلٍّ آخر، قتل نفسها: «أن نموت/ هو فن، مثل بقية الأشياء/ ويبدو أنني موهوبة في شكل استثنائي في ذلك».
وثمة حلّ ثالث لجأت بلاث إليه بانتظام، ونقصد الكتابة التي تسمح وحدها في أن نكون كل شيء ولا شيء في آن، في «أن نتحرر من ذاتنا ونصبح وسيلة نقل عالم ولغة وصوت»، في أن نصبح الآخرين فـ «نتعلّم حيوات أخرى ونجعل منها عوالم مطبوعة تدور مثل كواكب في ذهن البشر». ولكن بما أن الكلمات لا تحضر دائماً عند الطلب، «الكلمات لإيقاف الطوفان الذي يسيل من الثقب الصغير للسد»، وجدت نفسها غالباً في طريق مسدود، وعبرت مراحل اكتئاب مؤلمة زعزعت آمالها وطموحاتها.
في بحثها، تتمكّن أوبري جيداً من كشف هذا الجانب الملازم لشخصية بلاث، ولكن من دون أن تضعها في موقع الضحية غير المناسب لها، والذي رفضته الشاعرة طوال حياتها القصيرة، كما يتجلى ذلك في صراعها الثابت والجريء مع ظروف حياتها، وخصوصاً في إقدامها، في النهاية، على الانتحار.
نص أوبري، الذي يتوقف بسرعة عند اللحظات الكبرى من حياة بلاث، ليس سيرة بقدر ما هو قراءة نقدية وشعرية ترتكز غالباً على مقتطفات من قصائد الشاعرة ودفاترها الحميمة والرسائل الغزيرة التي وجّهتها إلى أمها، وأيضاً على بعض من الصور المتوافرة لها. عناصر تسمح بإنارة تلك اللحظات وبفهم قدر بلاث ونهايته المأساوية.
هكذا نمرّ مع أوبري على فقدان الشاعرة والدها في سن الثامنة وعلى علاقتها الإشكالية بأمها، المرأة المثالية بوفائها لزوجها بعد وفاته، وبالتالي بعجزها وصمتها الثقيلين؛ ثمّ تأتي فترة العزلة التي اختبرتها بعد مرحلة الدراسة الناجحة وقادتها إلى أول محاولة انتحار؛ وصولاً إلى لقائها الصاعق بالشاعر الإنكليزي تيد هيوز الذي وصفته لأمها قائلةً: «إنه الرجل الوحيد في الغرفة الذي كان كبيراً مثل قصائده، هائلاً مثل كلماته الكثيفة والحيوية. قصائده قوية وصاخبة مثل ريحٍ عاتية تصفّر في عارضات من فولاذ (...)»، ومن ثمّ زواجها منه وإنجابها طفلين؛ مروراً بنجاحات الزوج/ الشاعر في وقت كان الناشرون يرفضون مخطوطاتها، مع التركيز على خيانته لها فيما كانت تجهد بلاث للتوفيق بين دورها كأم وميولها الكتابية.
ولا تنسى أوبري أن تتوقف عند مخاوف بلاث من تكرار نموذج عيش والدتها التي تزوجّت باكراً من رجل صاحب شخصية قوية وأنكرت طموحاتها من أجله، فتقرأ وضعها الصعب في مجتمع الخمسينات، أي في حقبة كانت السلطة الذكورية طاغية بينما الدور الوحيد المتاح للمرأة هو أن تكون ربة منزل، مهما كانت موهبتها وأحلامها.
تتعمّق الباحثة أيضاً في كتابة الشاعرة على ضوء حياتها وهواجسها، فتقول: «تبتكر بلاث تارة عوالم مليئة، مشبعة، بتضاريس مسننة، قاطعة، وألوان غنية، يبدو فيها كل سطر، كل إحساس كما لو أنه معزولاً ومشحوناً بحدة قصوى، وتارة فراغات حيادية، بلورية وباردة. تحت أنظارها، يخفق العالم بسرعة جنونية، ثم ينهار فجأة. تكتب بميزان أعصابها، ضمن نوع من الصرير والسخط. تحت سطح أبياتها المشغولة بدقة وعناية، ثمة خيط حديدي، عقدة أعصاب ترتج إلى ما لا نهاية، وثمة هاجس الشكل الذي يشكّل حاجة حيوية لديها، طقسَ خلاص». وفي هذا السياق تفهم قول الشاعرة: «لا يمكنني أن أكتفي بهذا العمل الجبار الذي يمثله فعل الحياة. لا، عليّ أن أنظّم الحياة على شكل قصائد سداسية وموشحات».
باختصار، تبحث أوبري في نصها عن نقطة استواء الكتابة والحياة داخل بلاث، متجنبةً قراءتها عبر موشور الموت الذي عانقته باكراً أو عبر سردية حياتها، ومحاولة فهم ما أنقذته الشاعرة من نفسها وحياتها بواسطة الكتابة، وما فقدته أيضاً، لأن ما ينقذ في الكتابة يمكنه أيضاً أن يضيعنا، بعد إنقاذنا. ألم تقل بلاث: «الكتابة ليست تحرراً، بل تسليم أنفسنا بيدين وقدمين مكبلتين»؟
هكذا، نقرأ هذا النص كبورتريه تعبيري دقيق ومؤثر لشاعرة أسطورية وقدرها، وأيضاً كعمل يستمد قيمته ليس فقط من فطنة تأملاته، إنما من الانفعال الكامن في صياغة هذه التأملات، وبالتالي من مكانة خطابه بين الواقعية النقدية والإشراق الشعري. وفي كتابة نصها، تستعين المفكرة بنبرة تقترن حدتها بحدة موضوعها، ما يساعدها، أثناء سبرها كلمات سيلفيا بلاث وآثارها، على محاصرة النار التي كانت متأججة فيها ولمسها.
ولا نعجب بعد ذلك حين نعرف أن هذا النص تحول إلى عرض أدبي عرف نجاحاً كبيراً على خشبة مسارح مختلفة في فرنسا، قبل نشره. عرض قرأت أوبري فيه نصها كاملاً في كل مرة، برفقة منشدين وموسيقيين.

يوميات رنا حاف

مايو 30, 2016 اضف تعليق
نحن جزء من هذا العنف الدائر في البلد والبلاد، ومهما تجنبناه، لا بد أن ندخل في حلقته، عن قصد أو غير قصد، بوعي أو بدون وعي، وبنسب تتفاوت...
 المهم أن نبقى، بين حين وآخر، قادرين على استدراك ما نفعل، وعلى التراجع عما فعلناه بعد إستردراكه، إلى حين أن نفر إلى مكان آخر، لا يؤمن العيش الكريم فحسب، بل أيضا نعيد فيه إرساء بعض المفاهيم البدائية الأولى التي فقدنها في نفوسنا، أو جعلونا نفتقدها، مثل أن الإحساس بالأمن والطمأنينة حاجة أساسية عند الإنسان، تماما كالماء والغذاء، وهو بدونها يفقد، حتما، شيئا من توازنه العقلي والنفسي. وأن الحياة أقدس ما على الأرض، هي أقدس من "الشرف"، مثلا، وقد تكون أقدس من الأرض نفسها (إذ ما قيمة أراضي تفرغ من ناسها؟)، لا يملك أحد الحق بأن ينهيها أو يقيد حريتها يتعدى عليها أو يقيمها ويصدر أحكامه عليها.
العنف نظرة وكلمة... وإبتسامة، أحيانا، لأن الخبث الإجتماعي، في فلسفة العنف، قادر على فعل أي شيء وكل شيء. فلسفة العنف نفسها هي التي تفرز بين الرصاص، فتقول ذلك طائش وهذا ذكي، ذاك "جدير" بأن يقتل، وهذا لا، ذاك قاتل مجرم وهذا قاتل بطل.

مثقف عصري

مايو 29, 2016 اضف تعليق

محمود الحجيري

بدأ تعثره في المدرسة في سنواته الأولى نتيجة امية والدته وعدم اهتمام والده، قبل ان يتعرف على مجموعة من الاشقياء ويختاروا بستانا يطل على المدرسة يجتمعون فيه خلال فترة الدوام، يلهون ويتعاركون ويحملون محافظهم المدرسية ويعودون الى منازل ذويهم منهكي القوى من اعباء الدراسة مع التعليق على حركات هذا المدرس وتلك المعلمة، وصلت عدة رسائل تنبيه ولفت نظر لغيابه الشبه دائم عن المدرسة من الادارة دون جواب، وفي الامتحان الاخير كانت النتيجة المفاجئة للاهل الاب لم يهتم كثيرا، اما الام فوضعت رسوب ابنها في ضمن المؤامرة على مستقبله، مع كيل من الشتائم على المدرسين لانهم لا يفهمون  "الجحش من اين يضرط!!" اما ابنها هي من تربيه وذكي جدا مثل خاله الذي نجح في الصف الخامس وترك المدرسة وطيبت خاطره لانه ضحية مؤامرة عائلية وسياسية لان والده شتم الزعيم والاستاذ من محبيه واعطته مصروفه اليومي مع اكرامية نكاية بالمتآمرين...

 وهكذا خرج عادل من المنزل وهو يشعر بنشوة النصر والتفوق بفضل كلام والدته وتفهمها وذهب الى اصدقائه يحتفل معهم بهذه اللحظات فاشتروا المثلجات واعاد على مسامعهم كلام والدته بحق المدرسين فاعجبوا بها وحسدوه على تفهمها لانهم لاقوا التأنيب من اهلهم ومنهم من ضرب جزاء رسوبه. وانطلقوا يلهون بألعابهم وشقاوتهم طيلة العطلة الصيفية ويربون بعض انواع الحيونات الاليفة والطيور. وفي بداية العام الدراسي ذهب والد عادل لتسجيله في المدرسة فاعتذرت الادارة عن قبوله لتخطي عمره عمر زملائه في الفصل ومسلكيته السيئة ومستواه المتدني وبعد نقاش وجدال كان قرار الادارة حاسم، وخرج الوالد من وهو مكفهر الوجه، اذ لا يوجد الا هذه المدرسة في القرية وليس باستطاعته ارساله الى خارج القرية. اما عادل فقد شعر بالسعادة لانه تحرر من الدراسة والوقوف امام الاستاذ وهو مرتبك ولا يستطيع التجاوب مع متطلبات الاستاذ والمدرسة وعاد برفقة ابيه الى المنزل وهو حذر لانه لم يعرف القرار النهائي بعد وعند وصولهم سألتهم ام عادل من الشباك عما فعلا؟ فرد ابو عادل: لم يقبل المدير تسجيله ابنك وتعريفينه؟ فردت بغضب: نعم ابني! وارسلت رشقات من الشتائم اصابت من بنى المدرسة والمدير وكل الهيئة التعليمية، وفي اليوم التالي حمل عادل كتبه العتيقة الى المكتبة ليبيعها وعندما وصل دهش صاحب المكتبة لان الكتب لم تستعمل ودفاتر التطبيقات ما زالت نظيفة، اي لم يكتب عليها لهذا دفع سعر جيد لعادل مع ابتسامة صفراوية وقال له: حقا تعبان باجتهادك ورسوبك ظلم!! فاطرق راسه ولم يجاوب...
قبض عادل ثمن الكتب وفي الساحة التقى اصدقاءه وعقدوا اجتماعهم تحت الشجرة ليقدم لهم المثلجات وبعض انواع البسكويت بمناسبة خروجه النهائي من المدرسة، وبعد الضيافة والصياح والضحك بأصوات عالية، ذهب عادل برفقة احدهم الى مزرعة العجوز ابو عزيز واشترى عددا من طيور الحمام وعاد بهم الى بيت ابيه واجتمع واصدقاءه على السطح في ورشة بناء برج للطيور وبعد ساعات من العمل المضني في جمع مواد البناء من حجارة والصراع على كيفية البناء وخشب شيد البرج وكانت حفلة صراخ عندم وصلوا سكان البرج الى مسكنهم وكان الصبية حريصون على قص اجنحة الحمام خوفا من الهروب، وهكذا استبدل عادل كتبه المدرسية على سرب صغير من طيور الحمام، واصبح جل اهتمامه يجتمع مع ابناء جيله واصدقائه ليتبادلوا الحديث والخبرة عن تربية الحمام وفي الليل يسهرون في الساحات يحدثون الضوضاء مع بعض المغامرات من سرقات ومقالب فيما بينهم وكانت الشكاوي تصل الى والده متلاحقة، واستمر على هذه الحالة سنوات عديدة حيث بدات متطلباته المالية تزداد ومشاكسته ومشاكله تاخذ الطابع الجدي والمسؤول، وبدأ عبء والده يزداد وتذمره يخرج الى العلن بسبب مسيلكيته وشكاوي اهالي القرية فحدث الصدام اكثر من مرة وضرب الاب لابنه لكن دون جدوى...

وفي احد الايام عاد ابن عمه من بيروت حيث يسكن ويعمل وخلال جولة غسان على اقربائه للاطمئنان عليهم، زار منزل عمه ابو عادل واثناء الحديث ابدى ابو عادل امتعاضه وتذمره من تصرفات ابنه واقترح على ابن اخيه ان ياخذه معه الى بيروت، لعله يجد فرصة عمل ويغير تصرفاته. رحب غسان بكلام عمه ووعده بمساعدة عادل لإيجاد عمل والوقوف الى جانبه. وعندما عاد الاخير الى المنزل من جولة تسكع وشقاوة ابلغه والده برغبته وبالحديث الذي جرى مع غسان، فرح للخبر وابتسم قبل ان يشرد في خياله في جولة تسكع في شوارع بيروت وعندما استفاق من شروده بدأ بتجهيز نفسه والاستعداد للرحيل في صباح الغد واول خطوة كانت الاستحمام الذي مضى على اخر لقاء معه اسابيع، وصعد الى السطح يقفل بعض منافذ برج الحمام خوفا من مهاجمة الحيوانات له في غيابه، وفي الصباح الباكر استيقظ على غير عادته غسل وجهه وبلل شعره الطويل بالماء قبل ان يمشطه ووقف امام المراة يتأمل وجهه الذي يحاكي لون التراب بسبب تأثير الشمس الزغب الذي بدأ يظهر على وجهه وجلس باثماله على كرسي على مدخل المنزل ينتظر وصول ابن عمه فكان شبيه ببطل هارب من  اللوحات الكلاسيكية من القرون الوسطى والى جانبه كيس فيه بعض الملابس، ولم يتأخر غسان وعند وصوله خرج عمه وزوجته يودعان ابنهما في اول رحلة له خارج القرية عانقهما واوصاهما بالاهتماما بطيور الحمام... وعندما انطلقت السيارة استدرجه غسان ليروي له مغامراته هو واصدقاءه التي شملت السرقات والمقالب بعدد كبير من اهالي القرية، ووصلا الى بيروت وقد انهك الضحك غسان، وقبل ان كانت عيون عادل تلتهم المشاهد بنهم ودهشة ودخلا الى شقة صغيرة في حي شعبي، وبعد قليل ذهب غسان الى عمله وترك المفتاح مع عادل مع وصية ان يبق في البيت او جواره وقت عودته من العمل، نزل عادل الى الشارع اشترى زجاجة عصير وجلس جنب سور يراقب الناس وتصرفاتهم دون ان يتكلم مع احد سوى التعريف عن نفسه عندما سئل من اكثر من شخص من سكان الشارع عن هويته وسبب وقوفه هنا! ولم يتجرأ  الخروج من الشارع خوفا من الضياع وخاصة انه لا يعرف قراءة عناوين المحلات واليافطات... عندما عاد غسان اصطحب ابن عمه الى اكثر من منطقة ومر به ليريه البحر وكانت الدهشة والذهول برفقته على مدى ايام... وقبل نهاية الاسبوع كان عادل موظفا في احدى الشركات مهمته تحميل وتنزيل البضائع بعد جولة من الاسئلة والتفتيش من قبل ابن عمه، وفي الشهر الاول بقي على ما هو عليه من ثياب وشعر طويل صباحا الى العمل ويعود في المساء لا يخرج الا مع ابن عمه من المنزل وعندما قبض اول مرتب بدأ يندمج في المجتمع الجديد فقد ذهب الى الحلاق وقص شعره  بما يتلاءم مع عمره وكانت اول مرة يحلق ذقنه، واشترى ثيابا وحمل تلفون وبقي سنة كاملة دون زيارة لاهله يكلمهم عبر التلفون ويرسل لهم بعض الاموال مع ابن عمه خلال زياراته المتكررة، وفي بحر هذه السنة سبح عادل في اعماق المجتمع واكتسب لونه وقشوره بسرعة حيث طلي شعره، وارتدى احدث الازياء والتقط مجموعة من المفردات الاجنبية من عدة لغات وحفظ اسماء العديد من الماكولات بلغتها الام وان كان ينطقها على طريقته... نسج شبكة علاقات واسعة مع ابناء جيله ومنهم طلاب جامعات وكانوا يتناقشون ويتحدثون في العديد من المواضيع بتوافق والاستماع لارائه الصائبة، تعرف على اسماء عدد من الفنانين واصبح يعطي رايه النقدي بادائهم وموسيقاههم، سهر في المرابع الليلية وتذوق طعم المتعة الجنسية واصبح لديه خبرة في التعاطي مع المرأة، وهكذا اصبح عادل كشاش الحمام والسارق الى مثقف عصري بسرعة قياسية وبعد اتصالات وعتاب من اهله زار بوجهه الجديد قريته واستقبل استقبال الابطال حيث نحر ابوه خاروفا احتفالا بعودته وقد اجتمع في منزل ابو عادل عدد من المهنئين من اقرباء واصدقاء وكان قي استقبالهم عادل وهو بكامل اناقته وكان حريصا على استخدام اكثر المفردات الاجنبية التي يحفظها بالاضافة  الى حديثه عن احياء بيروت والمرافق السياحية والثقافية فيها، وكان سعيدا بكلمات الاطراء والثناء التي سمعها من الحضور حيث شعر باهميته بين اهله وابناء قريته. وعندما حاول احد اصدقاءه تذكيره باحدى مغامراتهم انزعج وتجاهل الرد حتى لم يسأل والده عن طيور الحمام ولم يخرج من البيت خلال وجوده في القرية لأنه لم يجد من يتكلم معه، هذا ما صرح به لوالدته وعند عودته الى بيروت وعد امه ان يحاول يكون في كل "ويك اند " في القرية، وبدات الأم تحكي لنساء القرية اسماء الاكل الذي يتناوله ابنها عادل في المدينة وتحاول ان تتذكر كلماته الاجنبية، وقد صدق عادل بوعده وبدأ يتردد على القرية كل خمسة عشر يوما وهو يستمتع بكلمات الاطراء التي يسمعها، وفي احدى المرات كان لديه عطلة من عمله فقرر  ان يذهب الى دمشق في رحلة سياحية، فاتفق مع ابن عمه  مجد على الذهاب سويا، وكان ابن عمه يكبره بسنوات ومتعلما وقليل الكلام ومتزن في تصرفاته  ولا تروق  له "ثقافة" عادل وحركاته ولكن حاجته لشراء بعض الحاجيات دفعه لمرافقة ابن عمه الى دمشق، وبدأ الاشمئزاز والتذمر يسيطر على اجواء مجد منذ اللحظات الاولى لصعودهما الى الحافلة بسبب حديث عادل وتصرفاته، وعندما وصلا الى مرادهما زارا المتحف الوطني وانتقلا الى قصر العظم قبل ان يصلا الى سوق الحميدية ويقوما بجولة طويلة مع التسوق وفي نهايتها شعرا بالجوع والتعب، فاتجها الى مطعم فخم لتناول الغداء وبعد ان اختارا طاولة الى جانب شباك يطل على احدى الحدائق ذهب عادل الى دورة المياه ليغسل يديه وعاد ليقول لابن عمه: لن ناكل في هذا المطعم..! فساله : لماذا ؟ اجاب عادل: حرام الاكل هنا لان هذا المطعم للمسيحيين، ابتسم مجد بسخرية وقال: من افصح لك عن ديانة مالك المطعم؟ ومن قال لك ان الاكل عند المسيحي حرام؟ ومنذ متى تصدر فتاويك؟ فطلب عادل منه ان يشاهد صورة معلقة على احد الجدران الداخلية في المطعم  ولبى رغبة ابن عمه فوجد مجد صورة للوحة العالمية الموناليزا، وقال: هذه الصورة وقد رايتها ماذا تعني؟ فرد عادل بعصبية: انها صورة العذراء وانا لن اتغد في هذا المطعم... فابتسم مجد وقال: هذه ليست صورة مريم العذراء يا متنور، ولا فرق عندي اين ناكل المهم ننهي ما تبقى من رحلتنا بسلام. وخرجا من المطعم وسارا في الشارع ليمرا امام عدد من المطاعم قبل ان يقع خيار عادل على احدهم وهو شعبي ملامح البؤس والاهمال بادية على مدخله وعلى صاحبه، سأل مجد ابن عمه: لماذا هذا المطعم وليس غيره؟ فرد عليه: هذا المطعم لشخص مسلم، الم تسمع احدهم ينادي الاخر يا محمد...
ضحك مجد وقال: الحمد لله واخيرا وجدنا اسم محمد في الشام...

النزعة الأهلية والاشتراكية في أعمال دييغو ريڤيرا

النزعة الأهلية والاشتراكية في أعمال دييغو ريڤيرا

مايو 28, 2016 اضف تعليق

  إيرمغالد أملهاينز


كاتبة ومترجمة، المكسيك، حائزة على دكتوراه من جامعة تورنتو عن «جان لوك غودار والقضية الفلسطينية». 

في «بيان من أجل فن ثوري مستقلّ» (١٩٣٨) الذي وقّعه كلّ من أندريه بريتون ودييغو ريڤيرا وليون تروتسكي، يدين الموقّعون الخطر الذي يتهدّد الحضارة من قبل الفاشية مجسّدة بألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي. في استباق لاندلاع الحرب العالمية الثانية، يصفون ظروف الإنتاج الفكري على أنها منحطّة، ويدينون تبعية فنانين في ظلّ النظامين وتنكّرهم بالتالي لمبادئ الفن وقيَمه. ويرى موقّعو البيان أنّ كلا النظامين يشتغل وفق أشكال اجتماعية معادية للفرد. من هنا الحاجة إلى تحرير الإنسان والفنّ من فخّ العلوم والفنون البرجوازي الذي نصبه هذان النظامان. في معارضتهم للستالينية، يتعاهد بريتون وريڤيرا وتروتسكي على العمل من أجل تحرير الفن ومن أجل قيام فنّ يعمل لصالح الثورة الاشتراكية الحقّة. كتبوا يقولون:

«الفن الحق، الذي لا يكتفي بأن يقدّم منوّعات من نماذج جاهزة، وإنّما يصرّ بدلاً من ذلك على التعبير عن الحاجات الجوّانية للإنسان وللإنسانية في عصره ــ إن الفنّ الحقّ هذا لا يستطيع إلّا أن يكون ثورياً وإلّا أن يعمل من أجل إعادة التكوين الشاملة والجذرية للمجتمع. وهذا هو واجبه، على الأقلّ من أجل تخليص الإنتاج الفكري من القيود التي تكبّله، وتمكين الإنسانية من أن ترقى إلى تلك الذُّرى التي بلغها عباقرة معزولون في الماضي. إنّنا ندرك أنّ وحدها الثورة الاشتراكية هي القادرة على تمهيد الطريق من أجل ثقافة جديدة»1.

النزعة الأهليّة في الفن

رأى موقّعو البيان الثلاثة إلى أنّ الفنّ الحقّ هو بالضرورة ثوريّ لأنّه يمكّن الإنسان والفن معاً من الانعتاق من القيود التي فرضتها الرأسمالية والاشتراكية البيرقراطية على المجتمع. فالفن الحق، في رأيهم، قادر على إعلان قدوم مجتمع المستقبل وإعادة بنائه. وقد انحازوا إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة والاشتراكية معاً كأداتين من أجل تحقيق انعتاق الإنسانيّة، فيما أدانوا إساءة استخدام هذه وتلك في الاتحاد السوفياتي (عن طريق النسخة «البيرقراطية» أو الستالينية من الاشتراكية والمجتمع المنحطّ الذي أنشأته) .

سوف يكون هذا الحد المزدوج للتكنولوجيا الحديثة ــ بما هو أداة إخضاع وتحرير معاً ــ موضوعاً مركزيّاً في جداريّات دييغو ريڤيرا ابتداءً من عشرينيات القرن الماضي. فقد نشأت تلك الجداريّات في إطار النقاشات حول نمط الحداثوية المميّز لما يجب أن تكونه المكسيك بعد الثورة. فقد ضمّن ريڤيرا جدارياته روايته الخاصة عن النزعة الأهلية indigenismo، وهي التيار الفكري والثقافي والسياسي والأنثروبولوجي الذي يركّز على إحياء الثقافات الأهلية ودمجها في الدولة الوطنيّة. تحقيقاً لانضواء السكان الأصليين في ظلّ سلطة الدولة الوطنيّة، جرى تمجيد الثقافة الأهلية بما هي جزء من تاريخ الوطن من خلال برامج رسمية متنوّعة في مجالات التربية والثقافة والمؤسسات والسياسات. وكما سوف نرى لاحقاً، سوف يقدّم ريڤيرا، بناءً على المُثُل الاشتراكية وعلى نقد الرأسمالية، رؤية للنزعة الأهلية بديلة عن تلك التي تعرضها الدولة بمثل ما هي بديلة عن الاشتراكية السوفياتية. ومع أن هذه السرديّة البصرية، كانت تتعاطى مع تناقضات عدة، فقد حوّلت نتاج ريڤيرا الفنّي نتاجاً ثورياً يقارب ما اعتبره هو وبريتون وتروتسكي «الفنّ الحقّ» في بيانهم.

وُلد دييغو ريڤيرا في ٨ كانون الأول/ ديسمبر ١٨٧٦ في غواناغاتو، ونمّ منذ عمر مبكّر عن مؤهلات استثنائية في الرسم والتصوير. وعندما انتقلت أسرته إلى العاصمة وهو في العاشرة، انتسب دييغو إلى أكاديمية سان كارلوس للفنون، ودرس على يدّ رسامين بارزين أمثال سانتياغو ريبول وأندرياس ريوس وجوسي ماريا ڤيلاسكو وجوسي سالومي پينا. وفي تلك السنوات تعرّف أيضاً إلى الحفّار جوسي غواديلوبي پوسادا الذي سوف يكون له تأثير كبير على أعماله. وبعد ست سنوات من الدرس في أكاديمية سان كارلوس، تمرّد ريڤيرا على الواقعية شبه الفوتغرافية التي تطبع أسلوب أكاديميات الفنون وبدأ العمل على نحو مستقلّ.

في العام ١٩٠٧ حصل دييغو على منحة دراسية في أكاديميّة سان فرناندو في مدريد بإسبانيا، ثمّ عاش بين ١٩١١ و١٩٢٠ في باريس، حيث تمكّن من الأساليب الطليعية. لم يكتفِ بالتكعيبية، فدرس فن رسم «الفريسكو» في إيطاليا قبل أن يعود إلى المكسيك في العام ١٩٢١. وبعد سنة من ذلك، سوف ينفّذ جداريّته الأولى في مدرّج بوليڤار في المدرسة الوطنية العليا.

تعود لوحته الأولى إلى العام ١٩١٥ وعنوانها «مشهد زاباتيستي: المغاوِر» المعلّقة في المتحف الوطني في مكسيكو العاصمة. إنها مستوحاة من الثورة المكسيكية ١٩١٠-١٩٢٠ وتتضمّن عنصرين أساسّيين من سرديّة ريڤيرا الثورية: الاشتراكية والنزعة الأهلية. كانت الصيغة المكسيكية من النزعة الأهلية من تنظير المدير العام لوزارة التعليم حينها جوسي ڤاسكونسيلوس الذي صاغ مصطلح «العِرق الكوني» الذي يجسّد مثالاً مهجناً لا طبقياً من الوحدة الإثنية. على أنّ فكرة العِرق الكوني تنطوي على مضمرات عرقية آريّة، تنمّ عن نظرة جوهرية تمزج النزعة العرقية والاستعلاء الأبوي تجاه سكان المكسيك الأصليين. بالمقارنة، كان تصوير ريڤيرا للقيم الأهلية بعيداً كلّ البعد عن تعريف ڤاسكونسيلو، حيث يتحوّل هذا الأخير إلى أقسى نقّاده ابتداءً من ثلاثينيات القرن الماضي. يجسّد «المشهد الزاباتيستي» رواية ريڤيرا البديلة للنزعة الأهلية. إنّها توليفة قائمة على خدعة بصرية وعلى تأويل لصورة فوتوغرافية شهيرة للقائد الثوري إميليانو زاپاتا كانت شائعة في تلك الفترة. في هذه التوليفة التكعبيبة المزوّرة، دمج ريڤيرا مصادر عابرةٍ للثقافات ليس من أجل العودة إلى الجذور الأهلية، وإنّما من أجل التوليف بين زمنيات مختلفة بواسطة نزعة أهلية تحويلية، ليست منبثّة في الماضي وإنّما قائمة في الحاضر الحديث عينه.

لينين في جدارية روكفلر

فيما بعد، سوف يضمّن ريڤيرا جدارياته رؤى مثالية تعود إلى ثقافة المكسيك قبل الغزو الإسباني وثقافة أميركا الوسطى. اعتمدَ على المكتشفات الأركيولوجية في زمانه، ليعيد تصوير عمارة وأبطال وآلهة وأساطير ومعتقدات عائدة إلى تلك الحقبة التاريخية، فتتعايش في جداريّاته مشاهد من ماضي المكسيك الأهلي الممجّد مع صور الحداثة، يقرأ الماضي قبل الإسباني قراءة جديدة فيقدّم تاريخاً مشتركاً لجميع المكسيكيين. نجمت عن ذلك مقارنة بين الفلاح المكسيكي والركنين الاشتراكي والرأسمالي للتقدّم المتمثلين بالتصنيع والعلوم والتكنولوجيا، تظهر كلّها منفصلة عن الواقع المعاصر للسكان الأصليين.

«الخليقة» (١٩٢٣) عنوان أوّل جدارية له مرسومة في مدرج سيمون بوليڤار في المدرسة الوطنية العليا، وهي تصوّر نقاشاتٍ جارية في زمنه عن القومية والوطنية، واحتقار العالم الأكاديمي لما هو شعبي، وضرورة استنقاذ العالم قبل الإسباني والصلات القائمة مع الديانة والثقافة والصناعة الأوروبية. ولا عجب أن ينتقد ڤاسكوسيلوس هذه الجدارية على اعتبار أنّها ليست «مكسيكية» بما فيه الكفاية. في تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٢٤، بدأ ريڤيرا العمل في كلية الزراعة في تشاپنغو، وهي دير يسوعي قديم، كلّف بتزيين القسم الإداري منه والكنيسة القديمة. وكان القصد من الجدارية إحياء ذكرى توزيع الأرض على الفلاحين بعد الثورة، أي عملية ثورية قيد التنفيذ، وبالتالي تصوير ريڤيرا للاشتراكية في الزراعة.

في العام ١٩٣٠، رسم دييغو ريڤيرا جداريته المثيرة للجدل في نيويورك. كان هو وزوجته فريدا كاهلو عضوين في الحزب الشيوعي يعكسان في فنّهما معتقداتهما السياسية. في العام ١٩٣٤، وسط الأزمة الاقتصادية الكبرى، كلّفت أسرة روكفلر الفنان برسم جدارية في مدخل البناية الرئيسة في «روكفلر سنتر»، والذي جرى تصوّره بما هو عمارة لمجد إنجازات الإنسانية ومركز تبادل اقتصاديّ وماليّ وثقافيّ وللتجارة الخارجية يشهد على التزام أسرة روكفلر بالمسؤولية الاجتماعية. وكان المفترض أن تحتلّ جدارية ريڤيرا «الإنسان على مفترق الطرق» تلك مدخل المركز. وكان ريڤيرا قد زيّن عدّة مبانٍ رسمية في مكسيكو ونظّم معرضاً فردياً كبيراً في متحف الفن الحديث في نيويورك العام ١٩٣١ وكلّف بالتصوير على جدران ساحة الحديقة في مؤسسة ديترويت للفنون.

في تلك الجدارية، صوّر ريڤيرا قلب الولايات المتحدة الصناعي بما هو ملحمة مديح للصناعة والآلة والعمل البشري والسيطرة على الطبيعة وتحرّر الإنسان. ورسم ريڤيرا في وسط جدارية روكفلر سنتر، الثالوث الثوري المتكوّن من جندي وفلّاح وعامل (الذي سوف تكون له لاحقاً ملامح وجه لينين) يتشاركون في حمل المنجل والمطرقة. وفي الجدارية أيضاً مشاهد من مسيرة في ساحة موسكو الحمراء يتراءى في مؤخرتها مدفن لينين. وصوّر دييغو المعرفة العلمية والحداثة من خلال الطائرات ومناظير المراصد الفلكية ومجهر المختبرات وأنابيب الأشعّة الكاثودية وشاشات السينما. هكذا باختصار صوّر ريڤيرا الجبروت الصناعي للولايات المتحدة.

في سردية الجدارية، يقع على العامل أن يختار بين طريقين: الرأسمالية أو الاشتراكية، تظهر الرأسمالية ألى اليمين في مشاهد تصوّر الفساد والخراب والأمراض والفوارق الاقتصادية والبطالة. وفي تلك الجهة أيضاً، تتمثّل الرأسماليةَ بواسطة ألمانيا النازية وانحطاط الأثرياء وعذاب المستغَلّين وبالتظاهرات في «وول ستريت» تقمعها الشرطة الخيّالة إلى جانب البرجوازية التي تحتسي الشمبانيا وتلعب البريدج. أمّا في الجانب الشيوعي، فتلقى النساء الرياضيات والجماهير السوفياتية المحتشدة في تظاهرات «الساحة الحمراء». وبين هاتين اللوحتين، يبدو الثالوث يتوسطه لينين، متشابك اليدين مع العمّال والأفريقيين الأميركيين ومع جندي وفلّاح وأمّ وزوج شاب وممثلين آخرين عن الشعب.

في رسمه الشعوب الأفريقية الأميركية والقمع في «وول ستريت» وانحطاط الطبقات العليا، تحدّى دييغو أفراد الأسرة التي كلّفته رسم الجدارية واستفزّهم، فطالبه روكفلر باستبدال وجه لينين بوجه شخص مجهول، وحجّته أنّ وجود القائد الشيوعي في الجدارية يستفزّ عابري السبيل قرب العمارة. رفض دييغو، فدُمّرت الجدارية. أثار ذلك سجالاً حادّ الاستقطاب يدافع فيه البعض عن الفنان وعمله بحجّة أنّ تدمير الجدارية من قبيل فرض الرقابة على الفن، فيما دافع آخرون عن أسرة روكفلر، وحجّتهم أنّ الجدارية تكليفٌ خاص قائم على ملك فرديّ فيحقّ للمالك أن يدمّر الموادّ التي تتكوّن منه. عند عودة فريدا ودييغو إلى المكسيك بعد عام من ذلك، كلّفت الحكومة المكسيكية الفنان بأن يعيد بناء الجدارية في «قصر الفنون» بمكسيكو العاصمة، حيث لم تٌثِر الجدارية ردود الفعل ذاتها التي أثارتها في نيويورك، مركز الرأسمالية المالية.

تناقضات الحداثة

في الجداريّات التي رسمها بين ١٩٢٣ و١٩٢٨ في وزارة التربية، كان ريڤيرا قد عزّز رؤيةً لنزعة أهليّة بديلة من خلال تصويره التفاوت في التطوّر التاريخي. فمثلاً، في «ساحة العمل» في وزارة التربية، صوّر التقدّم الذي حمله التصنيع والعلوم والتكولوجيا، ولكن تظهر هذه جميعها منفصلة عن الواقع المعاصر للسكان الأصليّين. وعلى الرغم من ذلك، فمَشاهد العلوم الأوروبية الحديثة ــ كما هي مجسّدة في لوحة «الكيمياء» ــ تقابلها مشاهد من الفكر قبل الإسباني القديم، كما في مشهد «الجيولوجيا». هكذا تُعرَض على المُشاهد رؤية شاملة تعدّدية لتاريخ العلوم، ليس بما هو تاريخ غير أوروبي فحسب وإنّما بما هو أيضاً إنجازٌ غير مكتمل للثقافتين الأوروبية وغير الأوروبية، وبما هو جزء من مسار أوسع من التطور التاريخي المتفاوت.

على الغرار ذاته، ألّف ريڤيرا في العام ١٩٥٣ جدارية في مستشفي لا رازا في مكسيكو العاصمة عنوانها «تاريخ الطب في المكسيك: الشعب يطالب بعناية صحية أفضل». في تلك الجدارية، يتناول ريڤيرا الطب قبل الإسباني بالتوازي مع الطب الأوروبي الغربي. تعبّر هذه النظرة التعددية للطب عن تهجين في اللغة البصرية، إذ يصوّر ريڤيرا شخوصاً ممّا قبل الحقبة الإسبانية من أمثال تلازولتيوول (إلهة الذرة) مستخدماً تقاليد رسم عائدة إلى عصر النهصة الأوروبي من أجل توليد أشكال واقعية. هذا التهجين بين الأزمان والأشكال والمعارف المختلفة، حيث يتعايش الحاضر مع الماضي ويغذّي واحدهما الآخر، هو نفسه ما يميّز لوحة «مشهدٌ زاباتيستي» المرسومة العام ١٩١٥ حيث تشهد هذه الجدارية على تناقضات الحداثة غير المحلولة: ابتعاد التكنولوجيا والعلوم عن الواقع الفعلي للشعوب الأصليين، والتعايش والتنافر معاً بين الماضي التاريخي والحاضر، وطغيان البيروقراطية على الاشتراكية وفشل نزوع هذه الأخيرة إلى الاتّساق. فإذا كانت النزعة الأهلية الرسمية تمثّل تمجيداً سطحياً للثقافة قبل الإسبانية، فإن ريڤيرا، في نقلة جذرية، يقدّم لنا ماضياً قبل إسباني متشابكاً مع قضايا العِرق والطبقة، بمثل ما يصوّر لنا صورة مميّزة لاشتراكية المستقبل مخصوصة بواقع المكسيك بعد الحقبة الكولونيالية.

يقول ريڤيرا في مقابلة مع مجلة «آموتا» البيروڤية:

«ليس الفنان الثوري بمبدع روائع فنية يثير الاستهزاء أو التمجيد بل هو مقاتل من مقاتلي الطليعة [...] وهو أحياناً مقاتل غِواري بالسلاح [...] إنّ الفنان يكون ثورياً أو لا يكون [...] والشغف الطاغي عنده في زمننا الحاضر ــ كما في أي زمن آخر ــ يجب أن يلتقي مع التطلعات المشتركة للجماهير الشعبية».

مجلة بدايات

السلطات السودانية تعتقل ٦ ناشطين حقوقيين تمهيداً لمحاكمتهم

A مايو 27, 2016 اضف تعليق
اعتقل جهاز الأمن نهار الأحد مدير مركز (تراكس) خلف الله العفيف وخمسة من العاملين والمتعاونين مع المركز وهم أروى الربيع، مدحت عفيفى، الحسن خيرى، الخزينى الهادى، الشاذلى إبراهيم، ولم تطلق سراحهم. وكان مدير المركز خلف الله العفيف والناشط الحقوقى عادل بخيت مثلا أمام نيابة أمن الدولة صباح الاحد فى تهم من بينها تقويض النظام الدستوري التي تصل عقوبتها الى الإعدام وأرجأت المحكمة الجلسة إلى 8 يونيو المقبل.




وبعد نهاية جلسة المحكمة، اعتقل جهاز الأمن ستة من العاملين والمتعاونين مع المركز. وسبق أن دهم جهاز الأمن مركز تراكس للتدريب واعتقل عدداً من مسؤولي المركز والمتدربين، وصادر أجهزة كمبيوتر وهواتف نقالة، في 29 فبراير الماضي.

وقال المدير الإداري للمركز لموقع "حريات" إن المركز "تعرض في مارس العام الماضي لهجوم من قوة أمنية كانت مصرة على أن تثبت تبعية مركز تراكس لمركز الخاتم عدلان، ورفع الجهاز شكوى ضد المركز بعدما صادر أجهزته وأوراقه وفتشها. ولكن النيابة شطبت البلاغ بعد اطلاعها على أوراق المركز ونشاطاته".
وكان جهاز الأمن اقتحم في ديسمبر عام ٢٠١٢ مركز الدراسات السودانية ومنظمة اري Arry وبيت الفنون، وأغلقها وصادر ممتلكاتها. وإثر حملة التضامن معها، أغلقت قوة أمنية مركز الخاتم عدلان – يديره الدكتور الباقر العفيف – حيث اجتمع المتضامنون. وشطبت السلطات مركز الخاتم عدلان من سجل المنظمات، وفق قرار لمسجل المنظمات بمفوضية العون الإنساني دون ذكر أي أسباب. كما صادرت السلطات أصول المركز، وأغلقت اتحاد الكتاب ومركز سالمة والمرصد السوداني لحقوق الانسان.

إعادة الإعتبار لأناتول فرانس... حسونة المصباحي

مايو 24, 2016 اضف تعليق
في كتابه "لقاء"،
أعاد الروائي التشيكي الكبير ميلان كونديرا الإعتبار الى الكاتب الفرنسي الكبير أناتول فرانس(1844-1924)، ظلّ على مدى عقود مديدة ضحيّة للإهمال والنسيان. ويشير صاحب "خفة الكائن اتي لا تحتمل" الى أن تقديره لأناتول فرانس الذي لعنه السورياليون، ونعته اندريه بروتون ب"الجثّة المتعفنة" يعود الى انه ساعده من خلال روايته "الآلهة عطشى" على فهم ألاعيب النظام الشيوعي الذي حكم بلاده من نهاية الحرب الوطنية الثانية وحتى آنهيار جدار برلين في خريف عام 1989.  

وينتمي اناتول فرانس الى عائلة متوسطة الحال من قرية صغيرة على ضفاف نهر" اللوار". وعند آنتقال العائلة الى باريس، فتح والده مكتبة في رصيف"مالاكي" متخصصة في الكتب والوثائق المتصلة بالثورة الفرنسية.وفي سنوات الشباب الأولى، تأثر أناتول فرانس بالشاعر لوكونت دو ليل، الذي كان يتزعم تيّار "البارناسيّة"، وكتب قصائد من وحي حبه للمثلة الجميلة اليز ديفويد غير أنها صدته عنها ليعيش بعد ذلك خيبة قاسية ظلت لسنوات مديدة بمثابة الجرح في لقلب والروح.مع ذلك واصل الكتابة بحماس ليصدر عام 1888 رواية بعنوان: ”جريمة سيفاستر بونّار" التي خولت له الحصول على شهرة واسعة.وآبتداء من ذلك الوقت،أصبح يعدّ واحدا من أهمّ كتاب "الجمهورية الثالثة". وفي بداية القرن العشرين، ناصر الزعيم الإشترااكي جان جوريس الذي آغتيل عشية الحرب الكونية الثانية، مطالبا مثله بضرورة فصل الدولة عن الدين.. وفي بداية آندلاع الحرب المذكورة، كتب العديد من المقالات المناصرة لوطنه، غير أنه سرعان ما تراجع عن ذلك لينضم الى المناهضين لتلك الحرب"القذرة"قائلا: ”هذه الحرب ليست للدفاع عن الوطن، وإنما لخدمة مصالح البورجوازيّة الصناعيّة".

  وفي مجمل كتاباته كان أناتول فرناس متأثرا منذ البداية بكبار الكلاسيكيين الفرنسيين مثل فولتير وروسو وديدرو وفلوبير وروشفكو ومونتاني. كما أنه كان منجذبا الى حد كبير لفلاسفة الأنوار ، وبأفكارهم سوف يستعين للدفاع عن القضايا الانسانية الكبيرة، والرد على الرجعيين والمحافظين الذين كانوا يشنون عليه هجومات عنيفة عقب كل اصدار جديد. ولعل روايته"الآلهة عطشى" التي يعتبرها جل النقاد اهمّ اثر تركه، والتي آنتقد فيها الارهاب الفكريّ الذي شاع خلال الثورة الفرنسية، وبعدها من أفضل الأعمال ألأدبية التي تنبأت بفشل الثورات التي شهدها القرن العشرون. وفيها رسم المصير الفاجع لرسام يتحمس للثورة، ويصبح من انصارها المخلصين غير انه يكون في النهاية من ضحاياها،ومع آخرين يشنق في الساحة العامة بتهمة خيانة الثورة! ولم يكن يتردد اناتول فرانس في التدخل في الأحداث السياسية في بلاده، وفي آنتقاد الأحزاب والقادة السياسيين الكبار. والى جانب اميل زولا، كان من المدافعين الشرسين عن الضابط اليهودي دريفوس الذي حوكم بتهمة الخيانة الوطنية. كما أنه وقف للدفاع بآستماتة عن العديد من القضايا العادلة الأخرى. وبسبب الشهرة العالمية الواسعة التي حظي بها، حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1922، وآنتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية. وعند وفاته عام 1924، شيّعه الى مثواه الأخير آلاف من الفرنسيين تماما مثلما كان الحال بالنسبة لفيكتور هيغو. لكن عقب وفاته بسنوات قليلة، شرع الحداثيون في التشنيع به، وفي شنّ هوجمات عليه وعلى مواقفه معتبرين أعماله غير لائقة بالعصر الحديث. وعندما آنتخب بول فاليري مكانه عضوا في الأكاديمية الفرنسية، تحاشى ذكر آسمه في الخطاب الذي ألقاه في تلك المناسبة، وتعامل معه كما لو أنه غير موجود في تاريخ الأدب الفرنسي!  
 وبعد أن اعاد اليه ميلان كونديرا الاعتبار ،قامت دور النشر الفرنسية بإعادة طبع مجمل اعماله مولية آهتماما خاصا بروايته "الآلهة عطشى" التي آحتفت بها وسائل الاعلام آحتفاء هائلا. وقد يعود ذلك الى أن التاريخ أثبت بالأدلة القاطعة أن الثورات، جلّ الثورات العنيفة منها بالخصوص،سرعان ما تنحرف عن الأهداف النبيلة التي قامت من أجلها ،لتتحول الى سلسلة من الكوابيس المرعبة، وليركبها الإنتهازيون ،ولصوص الإيديولوجيات الرماديّة لخدمة مصالحهم الخاصة،ونواياهم السيئة .وهذا ما حدث مع الثورة البلشفية،أول ثورة في القرن العشرين،وجل الثورات التي أعقبتها. وهذا ما حدث أيضا في ما سمي بـ"ثورات الربيع العربي".وكان اناتول فرانس يقول: ”عندما نريد أن يكون كل الناس طيبين ومعتدلين وسمحين وعاقلين، فإننا نكون قد آستدرجنا انفسنا حتميّا الى قتلهم جميعا!”. ومعنى هذا انه كان قد ادرك قبل اندريه جيد أن الأدب الحقيقي والأصيل لا يصنع من العواطف النبيلة، وأن الدعوة الراديكالية الى الخير لها نفس الضرر الذي يكون للدعوة الى الشر!
 - See more at: http://elaph.com/Web/Culture/2016/5/1087923.html#sthash.gs8YL1SG.dpuf

الحلم-الكابوس العربي: إنتفاضة دون هدف

مايو 23, 2016 اضف تعليق

آن- بياتريس كلاسمان

الأربعاء 18 أيار (مايو) 2016
 ترجمة: حمّود حمّود  


بداية الرَّبيع العربي
لقد بدأت المظاهرات الأولى في العالم العربي في ديسمبر 2010 نسبياً على نحو عفوي: أولاً في تونس واليمن، ومن ثم في يناير 2011 في مصر، وفي فبراير في البحرين، وفي مارس في سورية. بَيْدَ أنّ جهات دولية وإقليمية اتخذت موقفاً بسرعة، حيث قاموا جزئياً بإرسال المال والسلاح والمستشارين العسكريين. ومن المؤكد أنه تم استخدام الكثير من الناس في الخارج من قبل الداعمين، هذا فضلاً عن استغلالهم وخداعهم. إلا أنّ الغضب، الذي تفجر في شوارع تونس والقاهرة وصنعاء ودمشق، كان حقيقياً ومحلياً. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان أثر التدخل ودعم القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية وقطر وتركيا وإيران أكبر تأثيراً في نهاية المطاف من تأثير الجهات الغربية الفاعلة. وربما يعود هذا بسبب القرب الثقافي الكبير لهذه الدول من الأحداث واعتمادها على الشبكات القديمة. والاستثناء هنا هو فقط ليبيا، حيث تدخلت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي مباشرة عسكرياً بشن غارات جوية ضد قوات القذافي. ولطالما سمعت جملةً في نهاية سنة 2011 أثناء التحدث إلى النشطاء السياسيين والمواطنين الذين لم ينتموا إلى أي تنظيم وانضموا إلى المظاهرات التي وصلت إلى حجم كبير، تقول الجملة: «لقد أملنا سابقاً بالإصلاحات، ولم نجرؤ أبداً في الأيام والأسابيع الأولى على الاعتقاد باحتمالية سقوط النظام». أما جملة «الشعب يريد إسقاط النظام» التي غدت متوحدة في النداء إلى الحرب، فإنها كانت مبنية على العنف، حيث تمّ قمع المتظاهرين جزئياً الذين ساروا وفق ذلك؛ وهذا في حين أنّ المتظاهرين التونسيين قد نجحوا نسبياً بسرعة، حيث هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وزوجته ليلى. وهذا ما منح الناس في الدولة العربية الأخرى الشجاعة. وفي القاهرة تظاهر بعد ساعات قليلة من سقوط بن علي بِضعُ مئات من المصريين في التضامن مع الثورة التونسية قبالة السفارة التونسية. ومرةً، وقفت امرأة رزينة في منتصف العمر بين المحتجين وقالت لفريق في قناة العربية التلفزيونية: «علينا حقيقةً أن نفعل ما فعله التونسيون. لأننا نحن المصريون فعلاً من بين العرب شعب الثورة». لقد كانت ذلك اللحظة التي اعتقدت فيها لأول مرة أنّ حسني مبارك ربما يكون التالي (في سقوطه م.).
لماذا سار الوضع في تونس بشكل أفضل؟
لقد شهد تونس، مهد الربيع العربي، بشكل متكرر منذ بداية 2011 تغييرات عدة. لقد كان الوضع مؤلماً ولم يكن على هذه الدرجة من السهولة. وعلى الرغم من كل شيء، فإنّ التونسيون هم الوحيدون حتى الآن الذين بدلوا مرتين البرلمان ورئيس الدولة؛ وقد تم ذلك إلى حد كبير دون إراقة الدماء ودون انجرار بلادهم إلى حالة من الفوضى. لذا، فإنّ وضع دولتهم هو الأفضل من أي دولة عربية أخرى. وعلى الرغم من أن ديمقراطيتهم لا تزال تقف على أرضية مهزوزة، لديهم فرصة جيدة للتطور إيجابي. وعلى الرغم من أنّ هذا لن يسير في دولة وفق النموذج الأوربي الغربي، لكن ربما يسير مقارنةً بما حدث مع بعض بلدان أوروبا الشرقية بعد سقوط الستار الحديدي. بيد أنّ السؤال لماذا سار الوضع في تونس بشكل أفضل من الدول العربية الأخرى؟
ولماذا هناك الكثير، في نفس الوقت، من التونسيين وسط المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون في سورية والعراق مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؟
ينخرط التونسيون، ومنذ البداية، ضمن شروط جيدة من أجل التغيير الديمقراطي، وذلك للأسباب التالية:
1- لا يوجد لتونس قيادة جيش قوية.
2- تمتلك المرأة التونسية عموماً وعياً وتحرراً أكثر من شقيقاتها النساء في البلدان العربية الأخرى، ويعود الفضل في هذا إلى الرئيس الحبيب بورقيبة (1903-2000).
3- تونس من الناحية الاستراتجية والموارد الاقتصادية بلد متواضع في أنْ يكون محطّ اهتمام لإثارة تدخل كبير من القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية.
4- أما السكان التونسيون فهم متجانسون نسبياً (من الناحية الطائفية م.) و 99 % من التونسيين هم من المسلمين السنة، في حين أنّ الباقي هم من المسيحيين واليهود والشيعة والبهائيين. ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ الانتماء القبلي، الذي شدد في وسمه بورقيبة على أنه علامة على التخلف، ليس له إلا دور ثانوي بالمقارنة مع بعض المجتمعات العربية الأخرى.
5- لدى تونس ومنذ وقت طويل اتصال وثيق مع أوروبا.
6- تونس لديها مجتمع مدني نابض بالحياة للغاية: مجتمع مدني تنتمي له النقابات والجماعات والتي أعيد توجيهها جديداً بعد سقوط رعاية الدولة. وجزئياً كانت هناك أيضاً شروط منبثقة جديدة.
7 – المكانة المرتفعة لمستوى التعليم (وهذا يمثل، ربما إلى جانب المكانة الاجتماعية القوية نسبياً للمرأة، العامل الأكثر أهمية) أكثر مما هو عليه الجال في بلدان أخرى في شمال إفريقيا، طبعاً من دون موارد طبيعية كبيرة مثل مصر أو المغرب.
الفروق لا شك لافتة للنظر وخاصة عندما ينظر المرء ليس فقط إلى المؤهلات التعليمية الرسمية، ولكن أيضا في المستوى الفكري والثقافي العام. وهذا يعود إلى أنّ الرئيس بورقيبة، الذي كان معجباً بمؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، قد قرر في الخمسينيات أنه سيكون من المفيد بالنسبة لبلد مثل تونس، الذي لم يكن سابقاً عرضة لتهديد عسكري كيبر من جيرانه، أنْ ينخرط في التعليم ويستثمر به بدلاً من بناء جيش ضخم. لقد كان والد بورقيبة مدنياً، هذا على الرغم من أنه كان ضابطاً في الجيش، لكن ليس كما هو الحال مع عبد الناصر وخلفائه السادات ومبارك، وأيضاً على عكس أنموذجه أتاتورك. درس بورقيبة العلوم القانونية والسياسية في فرنسا. وكانت زوجته الأولى فرنسية. كما أنّ أهدافه الرئيسية كانت النضال ضد الكولونيالية وتحرير المرأة التونسية وإضعاف سلطة علماء الدين الذين كانت لهم مكانة بارزة في التعليم في ذلك الوقت، وأيضاً كان من أهدافه تحديث الدولة. لقد كان، طبعاً مقارنة بروح العصر حينها، سلطوياً، لكنه بشر بالأهداف الاشتراكية.(...)
أما تونس في عهد بن علي فقد كان دولة بوليسية ماكرة، ولم يسمح لخصومه إلا نادراً بالانفتاح، حيث كانت معركته غالباً بشكل ماكر: بعوائق بيروقراطية، ومضايقات، واغتيالات شخصية، وتهديدات واعتقالات، وفي حالات نادرة، ولو بالقوة والتعذيب. وعموماً هنا نجد شكلاً أكثر دهاءً في الظلم منه كما الحال مثلاً في ليبيا أو سورية. وهذاعلى الرغم من وجود سوء المعاملة في السجون التونسية. وخلالفاً لما هو عليه الحال في ليبيا (حيث يمارس الطاغية القذافي الناس هناك تعذيباً سادياً أو يخفيهم /بالخطف م./، وحيث يتحكم بشدة في الاتصالات بالعالم الخارجي)، فإنّه يستطيع التونسيون إلى حد ما التمتع بالحرية- شريطة أنْ لا يظهروا طموحات سياسية. لقد كان المثقفون التونسيون في ظل بن علي محط اشتباه عام. وكان نشطاء حقوق الإنسان ينصحون بتجريب فرامل المركبة، في كل مرة، إذا ما أردوا السير بها؛ لأنه من يستطيع معرفة ما إذا كان هناك موظف من قوات الأمن يقوم بالتسبب بحادث مأساوي (!!).
من إحدى وسائل الضغط التي اتبعها بن علي ضد منتقدي النظام هي الاغتيالات الشخصية. وبالنسبة لحملات الاغتيالات الشخصية التي تمارس سياسة ضد الأفراد المعنيين من خلال نشر اتهامات كاذبة بشأن آثامٍ أخلاقية مزعومة، فإنه يمكن أنْ ينخرط صحفيون من تونس ودول عربية أخرى في ذلك. وهناك فيما يسمى بـ «الكتاب الأسود» الذي نشره الرئيس المؤقت منصف المرزوقي نهاية سنة 2013 أسماء لصحفيين قدموا أنفسهم –جزئياً ضد الرسوم- لمثل هذه الأشياء التافهة.
أما حقيقة أنّ السلفيين التونسيين هم مجموعة كبيرة نسبياً بين المقاتلين الأجانب في سورية، ولاحقاً بين المقاتلين الأجانب في العراق، لهي حقيقة تكمن في أنهم لا يشكلون في وطنهم في نهاية المطاف (خلافاً لما هو الحال في مصر أو اليمن) سوى مجموعة هامشية ولا تجد لها فرصة حقيقية في المشاركة في الحكومة أو الاعتراف الاجتماعي بهم. وبالإضافة إلى ذلك، بلغ معدل البطالة بين الشباب في تونس، مع سنة 2010 إلى معدل عالي 29.4 %، وبعد الثورة من خلال تراجع الاستثمارات وتراجع أعداد السياح إلى 42.4 % (منظمة العمل الدولية/ ILO). بالطبع سيكون من الخطأ القول أن الطريق إلى الجبهة السورية من قِبل هؤلاء الشباب هو الخيار الوحيد أمامهم. من لم ينجذب في هذا الجهاد المزعوم، فإنه يتسكع في القرية أو في الضواحي ويدعه أهله يرعونه. وهناك آخرون ينجرفون في الجريمة، يبحثون عن عمل في دول الخليج العربي أو جمع ما يكفي من المال لدفع تكاليف رحلة خطرة عبر البحر المتوسط ​​في قارب للمهربين. أما خطب السلفيين والأئمة وبروباغاندا الإنترنيت للجماعات الإرهابية (الذين يَعِدُون بالمال والمغامرة والغنائم وممارسة الجنس مع النساء في الأسر من القرى المغزوة)، فإنها تجد لها وقعاً عند العديد من الشباب التونسي المحبط، ولكن تجد لها وقعاً أيضاً في «الترب الخصبة». هكذا نجد أنّ بعضاً منهم قد تجند من قبل جماعات إسلامية في ليبيا والتي لها صلات مع الجهات المالية المانحة في الخليج. ومن المفترض أنْ يُقدم أحياناً 2000 دولار من المال الذي يرمز للترحيب. وآخرون يسافرون مباشرة إلى تركيا، لكي يسافروا من هناك إلى سورية.
الانطلاقة الصعبة في سورية
لقد كان وضع الانطلاقة في مارس 2011 بالنسبة لحركة ثورية سيئاً للغاية. وفي الواقع، فقد افتقدت كل من النقابات التجارية الحرة، والمرأة المستقلة ومجموعات الشباب، ومنظمات الطلبة والناشطين في مجال حقوق الإنسان التي يمكن أن تعمل دون خوف من الاعتقال، نقول افتقدت كل هذه الهياكل إلى مجتمع مدني حيّ. ومارس حزب البعث الحاكم وأجهزة الاستخبارات المختلفة أقصى درجةً من التحكم. لا بل حتى السيدات من المجتمع الراقي، اللواتي يجتمعون مرة في الأسبوع لقضاء وقت، فإنهنّ يتحسبن ما إذا كان هناك معهنّ شخص ما يكتب ضدهن «تقارير استخباراتية» بشأن أنشطتهنّ. وكذا هنا فإنّ المعلمين يمضون ليكتشفوا أياً من المواقف السياسية يجلبها الطلاب معهم من المنزل. لقد نجح النظام بالتسلل وسط أوساط المعارضة السورية. وعلاوة على ذلك لقد كان الأسد وأعوانه بالفعل على درجة من الحذر: لقد كان القذافي إلى هذا الوقت في موقف دفاعي؛ ومبارك كان ينتظر في شرم الشيخ لأنْ تسير الأمور معه؛ أما بن علي فقد كان في ضيافة السعوديين. في حين أنّ الأمر بالنسبة للأسد (الذي قدم إجابات على أسئلة صحفية من مراسلين أجانب في يناير في لقاء معه) فلم يكن لشيء أنْ يحدث له، وهكذا بالتالي ليستخلص نتائجه من الأحداث في شمال أفريقيا والتعلم من «أخطاء» الآخرين.
الدين يملأ الفراغ في الفترة العربية ما بعد الأيديولوجية
لم يلعب الانتماء الديني دوراً محورياً منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى نهاية سبعينياته في الدول العربية على المستوى السياسي كما يلعبه اليوم. لقد خبر المرء سابقاً، ليس فقط في أوروبا ولكن أيضاً في العالم العربي، الكثير من الأيديولوجيات واليوتوبيات السياسية. لقد ظلت دول الخليج بسبب عزلتهم إلى حدّ كبير غير متأثرين بما يحدث في البلدان العربية الأخرى (ولا يجب أنْ ننسى ما لاقاه الناس هناك من حرمان في حياتهم من حرمان قبل الطفرة النفطية). لقد سيطرت الاشتراكية والقومية على المشهد السياسي في معظم دول ما بعد الكولونيالية في المنطقة في ذلك الوقت. وكانت هاتان الأيديولوجيتان تشكلان معاً «العروبة».
لقد امتلك هذا التيار القومي أنصاراً كثر حتى منتصف السبعينات، ورأت في المجال العربي كمجال ثقافي ككل وأيدت إزالة الحدود التي وضعتها القوى الكولونيالية، بيد أنه مع ذلك لم يحالفها النجاح على المستوى البعيد. على سبيل المثال، الفشل في الجمهورية العربية المتحدة التي كانت قائمة ما بين 1958-1961. لقد تم إنهاء هذه الوحدة المصرية-السورية في نهاية المطاف من قبل السوريين الذين قاسَوا بسبب التفوق السلطوي الذي كان للمصريين في الحكومة (على حساب السوريين م.). وفضلاً عن ذلك، فلم تنجح هذه «العروبة» حقيقة لأنْ تنشر السلام في المنطقة التي يقطنها الكثير من غير العرب الذين يمتلكون جذوراً تاريخية، على سبيل المثال لا الحصر: قبائل البربر في التبو والأكراد والتركمان والأرمن والآشوريين والنوبيين والأقباط.
لم يحدث النكوص إلى الدين كمرجع هوياتي ووسيلة في ترسيم الحدود (بين البشر) إلا في أوقات الأزمات في التاريخ الحديث للعالم العربي. الاستثناء الوحيد هنا هو لبنان: البلد الذي لم يتغير تشكيله الديمغرافي بشكل كبير سوى من خلال الترسيم الفرنسي للحدود ولاحقاً من خلال وصول النازحين الفلسطينيين الذين يشكل معظمهم من السنة وذلك بعد قيام دولة إسرائيل اليهودية. هكذا، فقد قاد هذان العاملان إلى أنّ المسيحيين لم يعودوا يشكلون الغالبية السكانية في لبنان. إنّ لبنان اليوم في نهاية المطاف دولة غير حداثية، هذا بالرغم من تراثه البرلماني الطويل وانفتاحه الثقافي بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى، واليوم يُحكم من قبل سلالات سياسية متمأسسة في كيانات دينية اجتماعية مختلفة. حيث وفقاً لـ«اتفاق الطائف» فلا يمكن للرئيس أنْ يكون إلا إذا كان مسيحياً مارونياً. رئيس الوزراء هو دائماً مسلم سني، ورئيس مجلس النواب شيعي. وليست الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، مع ذلك، سوى مثال واحد، من بين العديد من الأمثلة، على الشكل الذي تسير به مسائل السلطة، حيث يلجأ القادة السياسيون إلى الشعور الديني ويعززون بين إخوانهم في المعتقد الديني «العقليةَ الحصاريةَ Wagenburgmentalität» (العقلية التي تعزل نفسها وتشعر بأنها مهددة من جميع الجهات م.).
لطالما يكون هناك بالطبع في الفراغ السياسي، الذي قد ينشأ عندما يبحث شعب ما بعد نهاية فترة طويلة من الحكم الاستبدادي عن أشكال حكومية وهياكل جديدة، عودة ٌإلى أشكال سابقة من التجمعات الاجتماعية والهوياتية (الطوائف الدينية والقبائل والجذور الإثنية المشتركة). وأفضل مثال على ذلك هو الانتخابات الأولى في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في يناير عام 2005، عندما لم يكن هناك بعد للأحزاب الجديدة شهرة كبيرة، وحيث انساقت غالبية العراقيين في اختيارهم الانتخابي وفقاً للمعايير الإثنية والدينية. لقد اختار الأكراد إخوانهم الأكراد، والشيعة أعطوا بنحو غالب أصواتهم للأحزاب الشيعية- أي الأحزاب التي تم دعمها من قبل رجال الدين. فقط كانت أصوات السنّة (الذين كانوا يُمنحون في ظل صدام حسين، السنيّ المذهب، مناصب رفيعة في الجيش والحكومة) هي التي توزعت في هذه التجربة الديمقراطية الأولى ضمن مختلف الأحزاب التي لم تأخذ طابعاً إثنياً أو دينياً. بَيْدَ أنّ هذا السلوك السني في الانتخابات يجب أنْ يتغير لاحقاً: ذلك أنه بعد هذه التجربة السلبية بالنسبة لهم فيما يخص التصويت الشيعي والكردي القوي للأحزاب الدينية أو الإثنية القائمة، فقد قرر السنة في الانتخابات العامة التالية، التي جرت في ديسمبر من العام نفسه بعد اعتماد الدستور الجديد، أنْ يعطوا أصواتهم إلى الحزب السني لطارق الهاشمي. وفي الواقع، لطالما كان الخطاب الطائفي في العراق في السنوات التالية يتصاعد على نحو متزايد: فسياسيين شيعة مثل نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، لم يتردد في ذلك في تصوير السنة الراديكاليين الإرهابيين بكونهم استمراراً لمعارك قد قُتل فيها الحسين (حفيد محمد). أما السنة السياسيون فإنهم يصفون الأحزاب الشيعية وميليشياتها بأنهمهم «صفويون». يفيد هذا المصطلح الذي يعود إلى السلالة الفارسية(1502-1736) في الإنكار على الشيعة بكونهم دمى غير عراقية للنظام في طهران. يمكن إظهار كيف أنّ مثل هذا التمييز الديني يكتسب تأثيره القاتل في الحياة اليومية عندما يأخذ المرء نظرة على خريطة بغداد. ويعود هذا أنه بينما كنّا نجد منطقةً ما مسكونةً من قبل أعضاء جماعات دينية مختلفة في عام 2003، فإنه يمكن إرساء أغلبية المناطق إما في السنة أو الشيعة اليوم. أما التزاوج بين الطوائف المختلفة الذي كان سائداً في ظل نظام صدام الاستبدادي ، فإنه يعتبر اليوم فعلاً ثورياً (!!).
لكن من يعتقد أنّ التعصب الديني جزء لا يتجزأ من الفكر الإسلامي، بحيث أنّه لا يمكن فصل مسلمٍ ما من هذا سياسياً، فهو على خطأ. ذلك أنّ المسلمين الأكراد في العراق كانوا في العقود الماضية يحسمون أمرهم في العمليات السياسية في معظم الأحيان لصالح هوياتهم الإثنية لا بحسب انتمائاتهم الدينية؛ وهذا ما يشكل دليلاً حيّاً على أنه لا وجود لمثل هذه الحتمية (أي حتمية انتماء المسلمين إلى طوائفهم الدينية وبأن التعصب الديني جزء لا يتجزأ من فكرهم م.).
يمكن كذلك رؤية كيف يمكن تجاهل بشكل واسع مسألة الاختلافات الدينية، حينما تُطلب مسائل السلطة، وذلك من خلال المثال الإيراني: حيث إنّ إيران تمدٌّ بالأسلحة كلّاً من الإسلاميين من الحركة الفلسطينية السنية حماس في قطاع غزة والنظام السني عمر البشير في الخرطوم. لا بل أنه يتوجب على طهران في الآونة الأخيرة إنشاء روابط مع حركة طالبان بغية توريط حكومة الولايات المتحدة وحشرها في الزاوية التي تجهد بالنظر إلى الوضع الأمني المتوتر في تبرير سحب جنودها (من العراق م.)

الهامش:
(محاضرة آن- بياتريس كلاسمان Anne-Béatrice Clasmann، حول كتابها «الحلم-الكابوس العربي: انتفاضة من دون هدف » Der arabische (Alb-)Traum. Aufstand ohne Ziel, (Passagen Verlag, 2015). في مركز الليترتاج في 21 أبريل، 2016.. تنشر المحاضرة بالعربية بالإذن من المؤلفة والراعي للمحاضرة، مركز ابن رشد للفكر الحر في برلين. نقل المحاضرة عن الألمانية حمّود حمّود)

ويليام ستانلي ميروين…أمل الشاعر الميؤوس منه

مايو 23, 2016 اضف تعليق


سهام عريشي

مجلة الفيصل الأربعاء 16 مارس 2016 |    


 الشاعر الأميركي ويليام ستانلي ميروين، له أكثر من 12 ديوانًا شعريًّا وثلاثة كتب في النثر، وما يفوق 15 كتابًا مترجمًا ومع ذلك يقول عن نفسه: «لا أعرف إلا القليل عن الكتابة». (من حوار أجرته معه مجلة باريس ريفيو). ميروين من مواليد نيويورك عام 1927. شاعرٌ مهم وخصب الإنتاج. حاز نتاجه الأدبي من شعر ونثر وترجمة على الكثير من الجوائز على امتداد سبعة عقود. مجموعته الشعرية الأولى «قناع ليانوس» اختارها الشاعر ويستن هيو أودن لتفوز بجائزة الشعراء الشباب عام 1952. حصل ميروين على الكثير من الجوائز. من مجموعاته الشعرية «عتَّال السلالم» (1970) والتي حاز بها على جائزة بوليتزر للشعر عام 1971. كما حاز على الجائزة مرة أخرى عام 2008م عن ديوانه «ظلال سيريوس». بالنسبة لميروين لا فرق بين الأخلاق والجماليات فكلاهما واحد. كما أن «القصيدة لا تكتب لتخدم أجندة ما، فالقصيدة هي أجندة بنفسها».
القصائد التي يكتبها ميروين تستقرئ العالم المتجه إلى الهاوية لا كورقة دعاية دينية أو سياسية، بل كحدث فنّي. كما أنها تبحث في علاقة الفرد بالمحيط السياسي والطبيعة. يميل بعض النقاد إلى تصنيفه كشاعر متنبئ، لكنه صرَّح ذات مرة بقوله: «لم أؤسس أي نظرية جمالية حتى الآن، كما أني لا أعرف إن كنتُ أنتمي إلى أي حركة شعرية». ويتميز أسلوبه في الشعر الحر برسم الصورة فوق الصورة دون علامات ترقيم.
سُئل ميروين ذات مرة عن الدور الاجتماعي الذي يلعبه الشاعر في أميركا إن كان له من دور، فأجاب بقوله: «أعتقد أن للشاعر أملًا ميؤوسًا منه، فهو يريد –بيأسٍ كاملٍ- أن ينقذ العالم. يحاول الشاعر أن يقول كل ما يمكن قوله من أجل الشيء الذي يحبه ما دام الوقت لم يفت بعد. أعتقد أن هذا دور اجتماعي، أليس كذلك؟ إننا نستمر في التعبير عن غضبنا وحبنا ونتمنى –رغم استحالة ذلك- أن يفعل هذا شيئًا. لكنني تجاوزت هذا اليأس والرؤية البكماء والحرقة التي كنت أشعر بها بعد صدور ديوان «القملة». لا يمكن لأحد أن يعيش اليأس والحرقة دون أن يحطم تدريجيًّا هذا الشيء الذي أغضبه. العالم ما زال هنا وفيه الكثير من المظاهر الحياتية التي لا تؤذي أحدًا، وهناك حاجة ماسَّة لأن ننتبه للأشياء التي حولنا ما دامت حولنا؛ لأننا إن لم ننتبه لها فسيكون هذا الغضب محض مرارة لا أكثر». (المجلة الإلكترونية «بويتري فاونديشن»).
william-stanley
شكرًا
شكرًا
 نقولها حين يجيءُ الليلُ
حين نتوقف على جسرٍ عالٍ ونرى الأسفل السحيق
حين نهربُ من الغرف الزجاجية
حين نضع في أفواهنا لقمة
نرفع بصرنا إلى السماء ونقولُ شكرًا
نقولها للماءِ
mer
الشاعر الأميركي ويليام ستانلي ميروين
للنوافذ التي نقف خلفها ونحن نحدّق في الطريق الـ«سنمضي إليه»
شكرًا
نقولها حين نعود من المستشفى الذي ألِف وجوهنا
حين نعود من عزاءٍ ونجد بيوتنا مسروقة
حين نسمع عن موت أحدهم
عرفناهم أم لم نعرفهم سنقول دائمًا شكرًا
على امتداد المكالمات الهاتفية
عند عتبات الأبواب أو في الحقائب الخلفية للسيارات أو في المصاعد
نتذكرُ الحرب وأصوات رجال الشرطة وهم واقفون على أبوابنا
قلوبنا وهي تدقّ بقوة على السلالم
لكننا نقولُ شكرًا
في البنك نقولها
وفي أوجه القادة والأثرياء
وكل الذين لن يتغيروا مهما حدث
نكملُ طريقنا ونقول شكرًا
حين تموتُ البهائم من حولنا
ويموتُ معها شيئًا فشيئًا إحساسنا
نظل نقول شكرًا
حين تسقط الغابات بسرعة كما تسقط الدقائق من أعمارنا نقول شكرًا
حين الكلمات تنفد منا كما تنفد خلايا الدماغ
حين تصبح المدن أكبر منا
نقول شكرًا نقولها أسرع من أي وقتٍ مضى
حين لا يسمعنا أحد نقولها
نقول شكرًا ونمضي نلوّح
رغم كل هذا الظلام
كلمة
في اللحظةِ الأخيرةِ وقفتْ
تلكَ الكلمة التي ستقولُ الآنَ ما لم تقله من قبل
لن تعيدَ كلمتها بعدَ الآنَ ولنْ يتذكَّرها أحدٌ بعدَ ذلك
كلمة كانتْ كأيّ كلمة في المنزل
يستخدمونها في الحديثِ اليوميّ المعتادِ في الحياة
ليستْ جديدةً طارئةً ليستْ ذاتَ ماضٍ معتبَر
ليستْ للتعليقِ على شيء
لطالما ظنت الكلمةُ أنها
وحدَها منذ البدء تعبّرُ عنْ نفسِها
في كل استعمالٍ وسياق
لتقولَ آخر الأمرِ معناها الخاصّ بها
المعنى الـ ظلَّت وحدَها تعبّر عنه
رغم أنه يبدو أنَّ أي كلمة ستعبّر عنه الآن

ويليام فولمان يهدم تاريخ أميركا الحديث

مايو 20, 2016 اضف تعليق
 باريس - أنطوان جوكي (الحياة)

لا نبالغ إن وصفنا الكاتب ويليام ت. فولمان بـ «سيزيف» الأدب الأميركي نظراً إلى إثباته قدرة نادرة على دحرجة كتب ضخمة كثيرة أمامه، نذكر منها «مركز أوروبا» (832 صفحة) وخصوصاً «كتاب العنف» (800 صفحة) الذي هو نسخة مختصرة من كتاب «الارتفاع إلى الأعلى والارتفاع إلى الأسفل» الذي يتجاوز 3300 صفحة وتطلّب من الكاتب 25 عاماً من العمل والطوفان في مناطق مختلفة من العالم لإنجازه.
طالب جامعي سابق في جامعة «كورنيل»، أوقف فولمان دراسته عام 1982 للالتحاق بالمجاهدين الأفغان والكتابة عن نضالهم («عرض مصوّر عن أفغانستان، أو كيف أنقذتُ العالم»، 1992). ولدى عودته إلى وطنه، تسجّل في جامعة «بيركلي»، قبل أن ينطلق في العمل كمبرمج في شركة كمبيوتر ويسهر معظم لياليه في مكاتب هذه الشركة للكتابة. هكذا تمكّن من إنجاز روايته الأولى «أنتم، أيها الملائكة المتألقون والمنبعثون أحياء» (1987) التي وضع فيها أسس عالمه الروائي. رواية ضخمة (750 صفحة) صدرت أخيراً ترجمة فرنسية لها عن دار «أكت سود» الباريسية، أنجزها الكاتب الفرنسي كلارو، وتشكّل رائعة أدبية وفيها يخلط صاحبها أساليب وأنواعاً أدبية مختلفة، وخصوصاً بقراءته الملحمية الفريدة لتاريخ أميركا الحديث.
العنوان الأصلي لهذه الرواية يتضمن كلمة «كارتون»، وصحيح أن نصّها الملهَم بقدر ما هو جنوني، المتعِب بفيضه بقدر ما هو مثير، يستحضر، بطبيعته والقصة المسرودة داخله وطريقة سردها، الرسوم المتحركة أو ألعاب الفيديو الحديثة أكثر منه روايات الخيال العلمي. وفي هذا السياق، نشير أولاً إلى أن ثمة راويين: الكاتب وشخصية غريبة وكلية القدرة تدعى «بيغ جورج». راويان يتنافسان على مرّ الصفحات على سرد حربٍ شعواء يتواجه فيها طرفان: طرف رجعي يعمل على نشر الكهرباء والتقنيات الحديثة في مختلف أنحاء المعمورة بهدف إحكام سيطرته على العالم، ويقوده ملياردير كلي الحضور يدعى السيد وايت ويتمتع بنفوذ كبير في دوائر السياسة والعسكر والمال، وطرف يتمثّل بحشرات ذات ظاهر بشري تعمل أيضاً على احتلال الكرة الأرضية بقيادة خنفسة عملاقة وبمساعدة بعض الأشخاص الثوريين. لكن السلطة الحقيقية في هذا العالم، الذي يستحضر إلى الأذهان عوالم جيروم بوش وويليام بوروز ودايفيد كرونونبرغ، يمسك بها طرف ثالث هو عبارة عن كائنات غريبة تدعى «الكريات الزرقاء».
نقطة الانطلاق الهلوسية هذه للرواية سمحت لفولمان بخطّ فصولٍ غنية بالألوان وبصقل استعارات سياسية منيرة حول وضع أميركا وعالمنا ككل. لكنّ هذا لا يعني أن كل الوسائل والمناورات الخيالية والأسلوبية التي استعان الكاتب بها لوضع هذه الرواية ناجحة كلياً، فالمظاهر الفظة لبعض الشخصيات تخنق أحياناً الانفعال والإثارة فيها، وبعض المقاطع والصفحات زائدة عن الحاجة، والمواجهة بين الراويين توقع القارئ أحياناً في حالة التباس وضياع. ومع ذلك، نستشفّ في هذا النص الأول لكاتب في سن السابعة والعشرين قوة ابتكارية مذهلة وغنى سردياً ينبئان بتلك الخصوصية التي نستشفّها في روايات فولمان اللاحقة، ونقصد تلك القدرة الفريدة على تشييد نصوصه على شكل «دغل» يغرق القارئ حتى العنق في وحوله، منذ الصفحة الأولى، ولا يجد وسيلة أخرى لتخليص نفسه إلا بالمضي حتى الصفحة الأخيرة... البعيدة دائماً.
وفي هذه الرواية تحديداً، ينتظرنا سفرٌ مدوخ في أدغال أميركا الجنوبية ومناطق ألاسكا الجليدية وسهول وسط أميركا وشوارع سان فرانسيسكو، حيث نتابع على مدى قرن من الزمن تلك الحرب بين الرجعيين والثوريين التي يدير معاركها الرهيبة السيد وايت، وهو نموذج كاريكاتوري للإنسان الأبيض المهيمن والعنصري والإمبريالي والمحافظ والمبغض للنساء، بمعاونة دكتور دودجِر الذي يعمل على ملء أسواق العالم بابتكاراته التي لا تحصى، المعيبة والمضرّة، بدءاً بالمكانس الكهربائية، مروراً بالبوظة، وانتهاءً بالأسلحة المتطورة وآلات التعذيب.
باختصار، بشرية بشعة تبدو سجينة ملامح ومُثُل كاريكاتورية داخل نص لا يتبع أي قاعدة ولا يحترم أي حدود أو منطق. وبالتالي، على القارئ أن يبقى حذراً ويقظاً طول الوقت، فـ «الدغل» الذي يتقدّم داخله قادر على ابتلاع السفن التي تعبر أنهاره، وأفاعيه «المرصّعة بنماذج زهرية زرقاء» قادرة على عقد هدنات مع التماسيح حين تتطلب مصلحتها ذلك، وفي المياه العكرة والنتنة لمسابح المدارس التي لا قعر لها تتحرك غواصات وأسماك قرش خطيرة...
وفي حال أضفنا الشخصيات المؤثّرة أو الرهيبة أو غير المحتملة الغزيرة التي ينافس الراوي «بيغ جورج» الكاتب في فن التلاعب بمصائرها، والاقتباسات السياسية التي تتصدر كل فصل، والفهرس المغشوش الذي تمتد داخله عملية السرد، والرسوم التي تتخلّل النص... في حال أضفنا كل ذلك، لتبيّن لنا بعضٌ من ثراء هذه الرواية الذي يصعب محاصرته ويكمن أيضاً في تلك اللغة الدقيقة والملوّنة والمتعددة الأساليب التي تتنافس صورها ومجازاتها الكثيرة على إثارة حواسنا.
وفعلاً، حرّك فولمان لكتابة هذا العمل كل الترسانة التعبيرية: مفردات مألوفة أو علمية، بوح شفهي، جُمل نارية مُسكِرة في تأنّقها، حكايات فولكلورية، الدراما النفسية، وأحياناً مشاهد ملحمية على طريقة أفلام الويسترن. وهو ما يمنح نصّه طابع سديمي يفيض عمداً بالكلام والثرثرة من أجل تصوير تلك الأرضية التي انبثقت أميركا منها. بعبارة أخرى، يمسك الكاتب بوطنه «التنين» من ذنبه، في هذا النص، ويدهس كليتَيه لإفراغه من وحشيته. ولذلك، علينا أن نتقبّل ونتآلف مع نثره المتعِب بترسّباته وطابعه الاجتياحي كي نقدّر قوته ونتمتّع بالدوّار الناتج حتماً من قراءته.

إنه صبري حمادة بقلم محمود الحجيري

مايو 20, 2016 اضف تعليق
ولد فضل في اتون الفقر والعوز والحرمان، لابوين فقيرين همهما في الحياة تأمين الحد الادنى من مقوماتها الأساسية لأبنائهما من مأكل وملبس وما تيسر من العلم للذكور فقط في المدرسة الرسمية. كانا يمتلكان قطيعا صغيرا وفدان حمير لحراثة الارض، وكان الاب يقوم بمهمة تصريف المحصول النباتي والحيواني في القرى المجاورة بالقليل من النقود او بالبدل اي المقايضة بمحصول اخر او ببعض السلع الحرفية والتموينية، اما فضل فقد عاش هذا الواقع بكل تفصيلاته ومرارته واكتسب من الشقاوة والتمرد ما جعله يعيش الحياة على مزاجه، فقد رفض مساعدة والده في رعي القطيع، ولم يكمل المرحلة الابتدائية في المدرسة رغم كل المطاردات وما رافقها من اساليب ترغيب وترهيب صمم على رايه وهجر مقاعد المدرسة، والتحق على مضض بالقطيع ورعيه لكن بقيت حركاته وشقاوته وتفكيره يتجول في الازقة يلهو مع اصدقائه وكان يتحين الفرص ليترك "المأيل" ويعود الى القرية ليمارس شقاوته مع اترابه وينسجون المقالب على بعضهم البعض واحيانا تكون مقالبهم موجهة ضد العجائز من اجل سرقة دجاجة او لمجرد المقلب والضحك، ومع تفتح ربيع فتوته بدءا يسمع احاديث عن بيروت والعمل في بيروت والاموال التي لا تحرقها النيران وحياة الرفاهية واللقمة الطيبة والنومة الهنية واللبس على الموديل والشعر "الخنفس"...

 وبدات هذه الصور تؤرقه وتداعب خياله وتلاحقه في مرعى القطيع الصغير وفي ميدان شقاوته وفي احد الايام افضى بمكنونات نفسه الى احدهم وهو ملحم، فنجاوب معه وابدى استعداده لمرافقته علهما يخرجان من هذا الواقع الصعب الذي يشبه السجن ويتعرفا على حياة افضل، وبدات الاستعدادت بعد ان شحنت النفوس بثورة الشباب، فسألا بطريقة غير مباشرة عن السبل التي توصلهما الى بر الامان في بيروت ولم يتبق امامهما الا الاموال التي سيتزودان بها في اول رحلة لهما خارج القرية، فبعد حجج وذرائع مختلفة حصلا من والداهما على بضعة ليرات واستدانا من احد الاصدقاء بضعة ليرات اخرى وتعاهدا ان يكونا اصدقاء واخوة وان يواجها الرحلة والحياة سويا، وحددا موعد الانطلاق وفي فجر اليوم التالي...

 تسللا تحت جنح الظلام من منزلهما والتقيا على اطراف القرية حيث الطريق الذي تمر عليه الحافلة التي تقصد بيروت يوميا، وعندم سمعا هدير البوسطة وقف الى جانب الطريق استعدادا واتفقا على كذبة اذا سالهم المعاون عن سبب سفرتهما لكنه لم يفعل... بعد ان جلسا على مقعدين متلاصقين وراحا يراقبا جانبي الطريق قبل شروق الشمس وكانا في غاية السعادة لانهما يخوضا تجربة جديدة في حياتهما، لا بل يفتتحا مرحلة جديدة كليا، ولم تتاخر الشمس بالشروق وانقشعت الصور وظهرت المشاهد الجديدة بالنسبة للمغتربان وظهرت الفرحة على وجهيهما من خلال الابتسامات والاهتمام بادق تفاصيل المشاهد، لكن الفرحة لم تكتمل بسبب شعور ملحم بـ"الدوخة" ومن ثم طلب من السائق التوقف لكي يتقيأ على الارض وكانت هذه اول محنة وامتحان يتعرضان له في رحلتهما، والسبب عدم اعتياد ملحم على ركب السيارة والهواء النظيف الذي يتنشقه في القرية بعيدا من دخان المحروقات وروائحها... عاد ملحم الى مقعده وجلس باسترخاء وتقدم منه المعاون ونصحه باغماض عينيه واعطاه كيس للاحتياط، اذا اضطر للاستفراغ ثانية وجلس فضل بالقرب منه وهو مربك وحزين وبين الفينة والاخرة يحاول ان يكلمه ويطمئن عليه. ولم تتاخر البوسطة عن موعدها وحطت رحالها في موقفها الرسمي في ساحة البرج فنزلوا ركابها واتجه كل الى مقصده وتقدم فضل وسأل المعاون عن الاتجاه الذي يوصلهم الى مخيم تل الزعتر فدلهم الى شارع وقال لهما قفا هناك، وبعد ان اطمأن فضل لحسن سير الرحلة عاد الى صديقه ملحم يمشي الى جانبه ويرفع من معنوياته واقترب من بائع عصير وطلب كوبين وبعد ان شرباهما وبدأ ملحم يشعر بالتحسن راحا يستطلعا المكان بنظرهما بدهشة عارمة، كل شيء غريب كثافة السيارات النساء وشعرهم وسيقانهم مشهد لم يألفاه من قبل وقفا طويلا يراقبا كل ما حولهما وجالا في الساحة تفرجا على واجهات المحال التجارية، قبل ان يوقفا سيارة لتقلهما الى حزام البؤس الابرز في حينه... ولم تستغرق رحلتهم القصيرة وقتا طويلا وكانا على مدخل المخيم، ودخلاه وقد تبدلت الصور والمشاهد كثيرا بيوت اغلبها من الصفيح وازقة ضيقة ملاعب للاطفال مياه مختلفة المصادر والاستعمالات تغمر الازقة والطرقات حركة سيارات شبه معدومة باعة متجولين ظاهر الاعياء والبؤس على اجسادهم ووجوههم...
 وقفا فضل وملحم وجها لوجه والدهشة بادية بوضوح على وجهيهما، واخترق لحظات الصمت صوت فضل وقال: ماذا جرى يا صديقي؟ اين نحن الان؟ هل هذه بيروت والساحة التي كنا فيها منذ لحظة بيروت؟ لا لا اكيد لا! اقرصني علني احلم وربما استيقظ.
فابتسم ملحم وصفعة بكفه صفعة قوية على وجهه وقال: هل استيقظت؟ ماذا جرى لك؟

فرد فضل بغضب: "العمى بقلبك! قلت لك اقرصني ولم اقل لك ارمي لي اسناني! لكن انظر بعينيك هل هذه بيروت وتلك الساحة بيروت؟ هل هذا عدل؟
فمشى ملحم وقال: امش بلا فلسفة نريد ان نعرف اين سننام؟ فرد فضل لا تقلق سننام في تناكية لكن اية واحدة لا اعرف حتى الان، ودخلا الى المخيم وسال فضل عن احد الاقرباء  فقيل له: تلك البراكية الموجودة في اخر الشارع له، فمشيا باتجاهها وقال فضل: لقد اطمأن قلبك ووجدنا مكان نبيت فيه ولم يتأخرا حتى كانا يقرعا الباب دون مجيب فدارا حول "البيت" البراكية يستطلعان محتوياته من خلال الشقوق في تنك الجدران، ومن ثم جلسا قليلا على حجرين لياخذا قسطا من الراحة ويحددان الاتجاهات في المخيم...

لم يتاخرا حتى باشرا في استطلاع زواريب واحياء المخيم فعبرا الشارع الرئيس حتى نهايته وقد التقيا بعدد من ابناء قريتهما، وجالا في زواريب الحي الفوقاني وقبل ان يكملا الى زواريب الحي التحتاني توقفا امام براكية فيها دكان وطلبا قنينتي مشروب غازي وعلبة بسكويت وجلسا يسامران صاحب الدكان ويستفسران عن ظروف الحياة وفرص العمل المتاحة في المخيم وجواره ... فلم يبخل عليهما بالمعلومات وارشدهما على الاماكن والمؤسسات التي قد تكون بحاجة لعمال مبتدئين بدون خبرة فشعر فضل باهميته ولكي يثبت رجولته طلب علبة سجائر رخيصة لكي ينفخها وهذه اول علبة يشتريها واكملا جولتهما قبل ان يعودا الى براكية صديقهما عندما بدأ العمال والموظفين في العودة الى منازلهم،  وتفاجأ بهما وسر بوجودهما على باب براكيته فعانقهما وانهال عليهما بوابل من الاسئلة عن اهلهما وعن القرية وعن الشباب باقي الاصدقاء واشعل "بابور الكاز" ليصنع الشاي وجلسوا يتحدثوا عن ظروف العمل وكلمهما عن العقبات التي قد تعترضهما مع امثلة عن شباب سبقوهم واعترضتهم صعوبات قبل ان يجدوا عملا وتستقر اوضاعهم شربوا الشاي واستبدل ثيابه احمد وانطلقوا في جولة استطلاع على الاحياء المحيطة بالمخيم انتهت بالدخول الى السينما وهنا كانت المفاجئة الكبرى والمدهشة بالنسبة لفضل وملحم، حيث لم يصدقا ما يدور في هذا العالم الجديد الذي اكتشفاه وعندما خرجا كان تضامنهما وانحيازهما واضحا للبطل وقدراته الخارقة وخلال عودتهم باتجاه المخيم اعادا سيناريو الفيلم اكثر من مرة كل على طريقته...

 وقد مر احمد برفقتهما لزيارة احد ابناء بلدتهم يعمل في محطة للمحروقات وعندما وصلوا استقبلهم خالد بحفاوة ورحب بهم ولم تطل جلسة استجوابهما عن حال الاهل والقرية وتركهم لياتي بعشاء الفلافل واستمرت سهرتهم الى ساعة متاخرة من الليل قبل ان يعودوا ادراجهم الى براكية احمد ليبيتوا ليلتهم الاولى في المخيم...

وفي صباح اليوم التالي ستيقظ احمد في موعد ذهابه الى عمله وايقظهما، وخرجا من البراكية بعده بقليل ولكن الى غير هدى فاتجها الى منطقة فرن الشباك وبعد عدة اسئلة لم يجدا مبتغاهما فقصدا منطقة المكلس الصناعية وعند سؤالهما لاحد اصحاب  المصانع عن حاجته لعمال رد بالنفي لكنه عرض عليهما نقل كمية من البضائع من مكان الى اخر داخل المصنع فلم يترددا بالموافقة فاشتغلا حوالي الساعتين وعندم انتهيا ناولهما صاحب العمل بضع ليرات، استلما الاجر فضل وهو مسرور وفي غاية السعادة وخرجا من المصنع وهو يتلمس ما كسبا او ثمن ما باعا من تعبهما وعندما اصبحا في الشارع مسح فضل وجهه بما يحمل وقال لصديقه ملحم: سجل في ذاكرتك واحفظ جيدا هذا اول يوم سناكل به من عرق جييننا.

ابتسم ملحم وقال: صحيح، في المستقبل ستحدث ابنائك عن هذا اليوم وهذه البداية ! والان ما رأيك بالذهاب الى خالد نمضي عنده بعض الوقت ونطعمه من عرق جبيننا؟
فرد فضل: فكرة جيدة، ولكن هل نستطيع الوصول الى المحطة وحدنا؟
فقال ملحم: اعتقد اتي حفظت الطريق اليه واذا ضليناه نسال!
وسارا باتجاه المحطة حيث خالد وقد بدا عليها التعب من خلال  التعرق الذي اصابهما وقد اختلفا اكثر من مرة على وجهتهما  وبعد معانات واسئلة ظهرت المحطة امامهما فانفرجت اساريرهما وارتسمت ابتسامة على وجهيهما، وخرج خالد لاستقبالهما وبعد تبادل التحية ارشدهما الى الحمام لغسل وجهيهما قبل الجلوس.

وعندم دخلا الى مكتب المحطة اخبراه عما اشتغلا وعن نيتهما بتناول الطعام سويا ومن عرق جبينهما متمنيان لو كان معهم احمد في هذه اللحظة، بارك خالد لهما البداية وتمنى لهما الاستقرار والعمل الدائم وقد ذهب برفقة فضل الى دكان قريب ليأتيا بما يحتاجون لتجهيز طعام الغداء، وتناولوا الطعام وعادا الى المخيم ليمضيا ما تبقى من النهار في التجوال وزيارة بعض الاقارب القاطنين في بين براثن البؤس قبل عودة احمد من عمله.

وفي المساء خرج الثلاثة في جولة انتهت في محطة الوقود وقد اصبحت هذه المحطة نقطة انطلاق او نقطة وصول وبدأت العلاقة تتوطد بين مجموعة الاصدقاء وقد تاخرا فضل وملحم في ايجاد عمل دائم ومستمر بسبب عدم وجود المؤهلات العلمية او التقنية حيث مرت عليهما اسابيع وهما يفتشان دون جدوى لكن اشتغلا بشكل متقطع ويومي ايام معدودة..

وفي احد الايام وبينما كانا جالسين في المحطة ظهر رجل كهل يسير بهدوء على الرصيف في الجهة المقابلة فسالهما خالد:
هل تعرفان ذلك الرجل من هو؟
فرد فضل : لا، من هو؟
فقال خالد: انه الرئيس صبري حمادة هل تسمعان باسمه؟
فرد ملحم: سامع اسمه كثيرا، اليس هو من منطقتنا؟
فاومأ خالد براسه وقال: صحيح انه من منطقتنا
فغضب فضل وقال: اريد ان "اقتله" قم معي يا ملحم، وانطلق مسرعا باتجاهه فلحق به ملحم وعندما اقتربا منه اعترضا طريقه وبادره فضل وقال: مرحبا يا عم...
فابتسم ورد: اهلا بالشباب.
فسأله فضل: هل حقا انت الرئيس صبري حمادة؟
فضحك وقال: صحيح، ومن انتم وماذا تريدان؟
رد ملحم بخجل وانكسار: انا ملحم وهو فضل نحن من عرسال ونريد ان نشتغل..
فابتسم ومد يده الى جيبه واخرج بطاقتين باسمه وسجل على احداها عنوان مؤسسة وقال: اذهبا الى هذا العنوان واعطوهما هذه البطاقات، وربت على كتفيهما واكمل مسيره، وهما عادا مسروران الى المحطة بانتظار الغد يوم جديد ومرحلة جديدة
كان هذا قبل بضع سنوات من حدوث البركان الهائل الذي انفجر في بلاد فارس والذي احرق بحممه كل النفوس وغباره السامة اعمت كل الابصار...
وكان هذا ايضا قبل ان يقضوا امراء الحرب على " الاقطاع " ويبنون ابراجهم العاجية بجماجم الفقراء ويبيعون دمائهم ويشحنون نفوسهم بالحقد والكراهية

ابن رشد بين العرب والغرب لجورج زيناتي

مايو 19, 2016 اضف تعليق


تحية لـ جورج زيناتي أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة في الجامعة اللبنانية.
بينه وبين الفلسفة عشقٌ، وأيّ عشق. لا يشبه عشقَه إلا عشقُ الصوفي، لكن زيناتي كان عاشقاً للعقل والتسامح.
نشأت بيننا صداقةٌ.. وإن كنت أتمنى لو كنت ابناً له.
لم أستطع أن أحصّل الكثير من المعارف كما فعل.. وهو الذي كان يستطيع تناول المعلومة بلغات ثمانٍ.. بدرجات متفاوتة.. العربيّة التي كان يعشقها، والفرنسية والإنكليزية والألمانية واليونانية القديمة والأسبانية والإيطالية..
هو موسوعة تمشي كما وصفه أحد طلابه التوانسة حين سألته: ما رأيك بـ جورج زيناتي؟
جورج زيناتي
كان قليل الكتابة.. وحين كنت أسأله عن سبب ذلك .. كنت أستشف منه بأنه يرغب في أن يكون له فكره الخاص وليس شرح الفلسفة الغربية التي كان من قلّة من الأساتذة الذين غاصوا في أعماقها ومن المتابعين لكل ما يصدر من فكر في الغرب.
كان رئيساً لتحرير مجلة الباحث اللبنانية التي رأت النور (لم تستمر طويلاً) في أوائل الثمانينيات على ما أظن.
كتب بحثاً عن ابن رشد في العدد الأول من مجلة الباحث.. يظن من يقرأ هذا البحث بأن زيناتي كان صديقاً حميماً لابن رشد.. وحين كنا نحدّثه عن فيلسوف قرطبة.. كنا نلاحظ انفعاله الشديد.. وكأن زيناتي كان قد فقد عزيزاً للتوّ.
لقد حاولت البحث عن هذه المقالة/ البحث على الأنترنت فلم أعثر عليها.
وبما أنني أملك العدد الأول من تلك المجلّة، فقد قمت بطباعتها من جديد على الكمبيوتر، وأقوم بنشرها على صفحتي على مراحل، لأحتفظ بها أولاً، ثم لأضعها في متناول الأصدقاء المهتمين بالفكر والفلسفة ثانياً، وشعوراً مني بأنه من الخسارة أن يضيع بحث بهذه القيمة وبهذا الجمال. لعلّني بذلك أفي بعضاً من الجميل لجورج زيناتي، أستاذي الذي لا أعرف عنه شيئاً منذ سنوات.
مع ملاحظة بأن الدكتور زيناتي كان تلميذاً للفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وبعد وفاة ريكور مباشرة، شرع زيناتي بترجمة أحد أهم كتب الفيلسوف الفرنسي إلى العربية تحت عنوان: "الذات عينها كآخر" .. وهي الترجمة التي نالت جائزة أفضل ترجمة إلى العربية في تلك السنة. 
محمد الحجيري صيدا 2014

*************************************************
ابن رشد بين العرب والغرب
د. جورج زيناتي
ذهب إبن رشد حاملاً معه سرّ حضارةٍ عربيّة رائعة كانت سيّدة عصرها طيلة أربعة قرون، وانتهت بموته ولكن الرسالة التي خلّفها للأجيال لم تمت وهو القائل: تموت روحي بموت الفلسفة، ولكن الظاهرة الغريبة التي حدثت هي أن الأجيال التي كتب نابغة قرطبة بلغتها لم تكن هي الوريثة لما خلّف، بل كانت جامعة باريس وجامعة أكسفورد وجامعة بادوا وغيرها هي التي ورثته لتمجّده وترفعه إلى أعلى الدرجات أو لتشتمه وتسمّيه باللعين ثم لتنساه بعد أن شغل الغرب على امتداد قرونٍ طويلة تمتدّ من القرن الثالث عشر وتصل إلى القرن السابع عشر أي منذ عصر الفلسفة المدرسيّة السكولستيكا ـ في ذروتها إلى العصر الكلاسيكي مروراً بعصر النهضة، وهكذا يبدو ابن رشد فيلسوفاً لاقى مصيراً غريباً من نوعه: فقومُه لم يحاولوا الاستفادة منه، والغرب جعله رمزاً للتقدم والعلم لينساه بعد ذلك كلّية. فلا أحد في الغرب يعلم بأن أحد أهم أسباب اكتشاف أمريكا يعود إلى فيلسوفنا ولولاه لتأخّر هذا الاكتشاف ولكانت جميع المعطيات الجغرافية السياسية الحاليّة قد تغيّرت، فكريستوفر كولومبوس ابن جنوى في شمالي إيطاليا حيث كانت العلوم العربية مسيطرة سيطرة تامة على الجامعات ـ يقرّ في رسالة له بأن قناعته بإمكانيّة لف الكرة الأرضية وقطع المسافة بين أوروبا والهند بسهولة يدين بها لأرسطو ولابن رشد. ففي كلامه عن رحلته الثانية يقول: "أرسطو يقول بأن العالم صغير وأنه من الممكن الذهاب بسهولة من أسبانيا إلى الهند وهذا ما يؤكّده ابن رشد".
تمثال ابن في قرطبة

والأهم من ذلك كلِّه أن إدخال شروح ابن رشد لفلسفة أرسطو إلى الغرب مع مطلع القرن الثالث عشر على دفعات متتالية، قلبت جميع المعطيات في أوروبا المسيحية، وكانت نقطة انطلاق الحضارة الغربيّة التي تعيش الإنسانية اليوم كلُّها في ظلها. فقبل هذا القرن كانت المسيحية قد طوّعت الفلسفة القديمة فأخذت منها ما كان يتماشى مع تعاليمها وحاولت إلقاء الباقي في سلة المهملات (وكان هذا ما نادى به يوحنا الدمشقي مثلاً) وهناك جملة شهيرة للقديس أنيسيلم الذي عاش في القرن الثاني عشر تقول الفلسفة خادمة للاّهوت.. تختصر هذه الجملة الوضع الفكري السائد في الغرب إلى أوائل القرن الثالث عشر. وعلينا أن نلاحظ أننا حين نقول الفلسفة فنعني بذلك جميع العلوم التي كانت ما تزال تعيش في كنفها وتشكل جزءاً منها. فكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو مرتبط بكتابه عن الطبيعة. ومن بوادر التغيّر التي بدأت تعصف ريحُه في الغرب رسالة البابا غريغوريوس التاسع إلى أساتذة كلية اللاهوت في باريس المؤرَّخة في السابع من الشهر السابع سنة 1228 إذ يذكّرهم بطبيعة العلم المقدّس (اللاهوت) ويحذرهم من الفلسفة وسوء استعمالها، فما الفلسفة إلا الوصيفة التي تقوم بخدمة اللاهوت أعظم العلوم وأشرفها. والخطر يكمن في قلب الأدوار وجعل الوصيفة سيدةَ سيدتِها. (فان ستينبرغن: الفلسفة في القرن الثالث عشر ص 100)
إن الرياح الجديدة التي عصفت في القرن الثالث عشر في الغرب لن تتوقف إلى يومنا، فرغم تحذير البابا ستجد الفلسفةُ والروحُ العلميّةُ من يدافعُ عنها من داخل الكنيسة أولاً ومن خارجها ثانياً، لتكسب الفلسفة استقلالها الذاتي عن اللاهوت ثم لتصبح هي نفسها ـ بعد أن خرجت من حجرها جميع العلوم التجريبية وتبعتها بعد ذلك العلوم الإنسانية ـ هدفَ أسهُمِ العلماءِ بعد أن حقق العلمُ بفضل التكنيك منجزات لم تعهدها البشرية في السابق.
ابن رشد يبدو رغم تأثيره الكبير في الحضارة الإنسانية يتيماً ضائعاً بين أهله الذين لم يهتموا سوى بهذا الاسم وما يمكن أن يجلب لهم من فخر لا يعبر إلا عن نفسيّة المقهور المحتاج إلى الثقة بالنفس. وغربٍ يحاول أن ينسى الجهد الرائع الذي قام به العرب في ميدان العلم حين يجعل من الحضارة العربية جزيرة نائيةً معزولة عن مسيرة الإنسانية يلعب التفكير الديني الدور الأول فيها. ليعترف بدَيْنِه نحو الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية القديمتين والمسيحية فقط. والواقع غير ذلك كما سنرى من سياق هذا البحث. وليس أدل على نسيان الغرب لابن رشد من أن ريفو RIVAUD في كتابه عن تاريخ الفلسفة يقول حين يتعرّض للبحث عن العقل الفعّال لدى أرسطو بأن العرب لم يفهموا فيلسوف اليونان بل خلطوه بأفلاطونية حديثة ثم يخلص إلى تفسيره هو الذي يعتبره التفسير الصحيح لمفهوم فلسفة أرسطو، فإذا به يعرض من غير أن يدري تفسير ابن رشد وموقفَه. هذا التفسير الذي أثار الغرب طيلة قرون واضطر الكنيسة إلى إدانته أكثر من مرّة، وقد عُرِف هذا التفسير بنظرية وحدة النفوس le monopsychisme أو وحدة العقول.
قلت ذهب ابن رشد حاملاً سرّ حضارة العرب. سرّ ازدهارها الرائع وسرّ تخلّفنا من بعده ولاقى مصير اليتيم بين أهله: ترك لنا كنوزاً خشينا التمتّع بها وفضّلنا قنوع الزاهد المتعفّف وبقينا للآن تتنازعنا قوّتان لا نعرف التوفيق بينهما: إرادة الانطلاق نحو الآفاق البعيدة، وخوف العاجز المقهور المتردّد. هذا السرّ آن لنا أن نحاول اكتشافه لأننا بذلك فقط نحاول أن نفهم ذاتنا وما يجري الآن في عالمنا وأن نستفيد من مفكّر عربي كرّس حياته كلّها للعلم والتأمّل حتى أن بعض المؤرّخين يؤكّدون أنه لم يتوقّف عن الكتابة إلا ليلة زواجه وليلة وفاة والده.
هذا لمقال ليس إذاً بحثاً حول نقطة معيّنة من فلسفة ابن رشد، إنه محاولة لسؤال كل ما جرى له في أيامه ليلقي الضوء على الحضارة العربيّة وسرّ تقدّمها ثم سرّ تقهقهرها وبعد ذلك ينطلق رأساً إلى الغرب ليرى ما الذي حدث وما الذي جعل الغرب يتقدّم حين بدأنها بالتقهقر ليحاول في النهاية طرح السؤال. والآن ما العمل؟
ينطلق هذا البحث إذاً من ابن رشد ولكنه يتخطى إطار البحث الكلاسيكي ليسأل السؤال الوحيد الملحّ: من نحن، وما الذي يميّز حضارة الغرب عنا؟ بتعبير آخر طموح هذا المقال أن يحاول المساهمة في بناء مقارنة بين الحضارة العربيّة والحضارة الغربيّة، قد تساعد المواطن العربي على إلقاء الأضوار على ما يجري في عالمنا المتحرّك السريع. ولذا فإن أقسام هذا البحث تصبح التالية:
1ـ ما هو الموقف الصحيح الذي علينا أن نتّخذه من ابن رشد ومن التراث بشكل عام اليوم؟
2ـ كيف تفسِّر حياةُ ابن رشد ومؤلّفاتُه الحضارةَ العربيّة ونكستَها؟
3ـ ابن رشد في الغرب والأضواء التي يلقيها مصير فلسفته في أوروبا على الحضارة التكنيكيّة الغربية المعاصرة؟
4ـ كيف يمكن للعرب المساهمة في الحضارة الحاضرة؟
1ـ الموقف الصحيح من ابن رشد والتراث:
في كل إعادةِ تقييم للتراث ليصبح جزءاً من حياتنا الداخلية نحياه بعمق، هناك موقف أوّلي قد يكون ضرورة في مطلع الطريق، ولكنه لا يؤدي إلى مبتغاه، هذا الموقف هو موقف التغنّي بالماضي، وابن رشد كان قمّة في الفلسفة نستطيع فقط أن نتغنى في تأثيره، ونعت دانتي شاعر إيطاليا الكبير له بالشارح الأعظم، أو أن نشدد على أهميّة كتابه "الكلّيات في الطب"، فالطب العربي كان الطب الوحيد في أوروبا إلى عصرٍ ليس بالبعيد. أو أن نقول بأن جامعة باريس منذ تأسيسها في القرن الثالث عشر كان فيها تيار فكري رشدي يتزعمّه أساتة ذوي شهرة واسعة في ذلك الحين، إلا أن التغني بالماضي ليس إلا ضرورة نفسيّة للمخذول، وأنا لا أنكر أهميّة هذا الموقف نظراً لكل الإذلال والحيف اللذين تعرّض لهما العرب. إن الفخر بالماضي بما فيه من مساهمات حقيقيّة في العلوم لخدمة البشرية قد يساهم في إعادة لثقة بأنفسنا ولكن علينا اليوم الذهاب إلى أبعدَ من ذلك وتخطي هذه المرحلة إذا شئنا فهم أنفسنا فهماً حقيقياً يدفعنا إلى الأمام، فأهمّية الماضي تكون بقدر ما يمكنه من إلقاء الأضواء على الحاضر ليدفع بنا إلى المستقبل.
أما الموقف الثاني فهو موقفٌ رفضَ ابنَ رشد وكلَّ التراث بحجّة رفض كل الماضي لعقمه وعدم جدواه في حلّ المشاكل الراهنة الملحّة، ولأن الزمن تخطى كل ما جاء به العرب من جديد في العصر الوسيط. هذا الموقف ينسى أن كل أمة تنسى تاريخها وقيمها تدور على ذاتها بحلقة مفرغة لتنتهي حيث بدأت، فكما قيل : "الأمة التي تنسى تاريخها تضطر لإعادته". ونحن أمّة ما زالت تبحث عن ذاتها وعن دورها في هذا العالم المتغيّر ولن نفهم ذاتنا إلا إذا طرحنا الأسئلة عن ماضينا، فكثير من المشاكل التي نعاني منها اليوم سبق للعرب أن عرفوها ووجدوا لها الحلول المناسبة.
أما الموقف الصحيح فهو بنظري الموقف الذي يحاول تجاوز الحلّين السابقين، أي حل التغني وحل الرفض ليعود إلى الماضي لا ليتغنى به، بل ليمحّصه على ضوء المعطيات الحديثة ليحاول اكتشاف نقاط القوّة والانطلاق ونقاط الضعف.
مناظرة وهمية بين ابن رشد والحجر السماقي، القرن الرابع عش
هذا الموقف النقدي يستلزم دراية جيدة لا بوثائق الماضي فحسب، بل يستوجب كذلك الاطلاع على كل معطيات الحاضر: معطيات واقع العرب ومعطيات العلوم المعاصرة. فأخطر ما يتهدّد فلسفة ابن رشد والتراث العربي كله الحصر ببوتقة ضيّقة. فإن كنا اليوم في الغرب لا نفهم ديكارت مثلاً إلا على ضوء كل ما جرى لفكره في القرون الثلاثة التي أعقبت وفاته، فعلينا نحن أيضاً أن نحاول فهم ابن رشد مثلاً على ضوء كا ما جرى منذ وفاته إلى اليوم.

إن قيمة أي فكرٍ هي في النهاية مدى تأثيره في المستقبل، فكانط الألماني انتظر مائة سنة ـ وقد تنبّأ هو بذلك ـ قبل أن يصبح الفيلسوف الكبير الذي نعرفه اليوم. وفي الغرب أيضاً هناك تقييم جديد. هناك قراءة جديدة لكلّ المفكرين والأدباء من بعد كل جيل. فالأديب الكبير هو الذي تقرأه الأجيال قراءاتٍ متعدّدةً مختلفة، فهذا نيتشه مثلاً قُرِئ قراءة عنصريّة قبل الحرب الأخيرة وهو الآن يُقرَأ قراءة مغايرة تماماً. أما نحن فما زلنا نقرأ تراثنا قراءةً ثابيةً لا تعترف بالزمان ولا بالمكان.
إن الموقف النقدي الذي يحاول أن يلقي الأضواء على كل القوى المصارعة في عصرٍ من العصور وفي بلدٍ من البلدان هو الموقف الوحيد الذي يمكن أن يساهم في محاولة فهمنا لذاتنا وبالتالي يمكنه أن يفيدنا بحاضرنا.
2ـ كيف تفسّر حياةُ ابن رشد ومؤلّفاتُه الحضارةَ العربية ونكستها؟
ابن رشد كان حفيداً لفقيه من أكبر فقهاء الأندلس، وقد بدأ حياته الفلسفيّة حين قدّمه ابن طفيل إلى خليفة الموحّدين أبي يعقوب يوسف، وقد جاوز فيلسوفنا الأربعين عاماً. وكان الخليفة يرعى العلم ويحبّ الفلسفة ويطالع كتب أرسطو ويناقش ما استعصى عليه منها.
ويبدو أن هذا هو السبب الذي حمل ابن طفيل على تقديم ابن رشد إلى ملك الموحّدين، إذ بادره هذا الأخير في الجلسة الأولى بطرح السؤال حول قِدم العالم أو خلقِه، ونحن نعلم أن هذه المشكلة كانت موضع جدلٍ طويل بين الفلاسفة والمتكلّمين، وقد كفّر الغزالي الفلاسفة بسبب قولهم بقِدم العالم.

كان من الطبيعي إذاً أن يدرك ابن رشد حراجة الموقف فلا يعطي جواباً قد يجرّ عليه الويلات. ولكن وبعد أن طمأنه صديقُه ابن طفيل، وبعد أن لمس حبَّ الخليفة الحقيقي للمعرفة تجرّأ على الكلام، وقد أثمر هذا اللقاء عملاً جباراً قام به ابن رشد، إذ أخذ بعد ذلك في اختصار كتب أرسطو وشرحها شرحاً وافياً جملةً جملةً في معظم الأحيان.
المهمّ هنا أمران: الأول أن ابن رشد خاف، مما يدلّ على أن تعاطي الفلسفة لم يكن بالأمر السهل، بل كان محفوفاً بالمخاطر. الثاني أننا في حضرة خليفةٍ متسامحٍ يشجّع العلم ويحمي الفلاسفة، أي يؤمّن لهم جواً من الحرّية الفكريّة يتيح لهم الانطلاق في الابداع والعطاء. وعلى الأرجح أنه لولا تسامح أبي يعقوب هذا، لما استطاع ابن طفيل كتابة "حيّ بي يقظان" وأن يظلّ مقرّباً من الخليفة يحظى بصداقته، فهذا الكتاب فيه من الآراء السباقة ما يكفي لإحداث تحوّل فكريّ كامل. فاسبينوزا مثلاً دافع بعد خمسة قرونٍ عن مثل الآراء التي دافع عنها ابن طفيل في علاقة الدين بالفكر، فاضطُهِد وحُرِمَ ومُنِعَت كتبُه من التداول، وكان يهرّبها البحارة الهولنديون في سفنهم لنقلها إلى بقيّة أصقاع أوروبا. وقبل اسبينوزا بقرن أحدث تعليم الإيطالي بيترو بومبو نازي حول ما يُسمّى بالحقيقة المزدوجة ـ وهو ما نادى به عملياً ابن طفيل كما سنرى ـ ضجةً كبرى في الجامعات الأوروبية.
غير أن أبا يعقوب يوسف توفّي سنة 1184، وتوفّي بعده ابن طفيل سنة 1185.
خلف أبو يوسف الملقّب بالمنصور والدَه وسار في الطريق التي اختطّها سلفُه بتشجيع العلم وحماية العلماء. وبقي ابن رشد معزَّزاً مكرّماً يعمل كطبيب للخليفة متولّياً منصب قاضي القضاة مكملاً أبحاثه وشروحه. ودام الحال نحو عشرة أعوام، وحين قارب ابن رشد سن السبعين نُكِب وحوكِم واضطهِد ونُفي وأُذلّ وأُحرِقت كتبُه. فما الذي جرى بالضبط؟ ولماذا يُذلّ شيخ خدم خليفتين وتولّى أعلى المناصب في الدولة؟
تجب الإشارة هنا إلى أمرين: الأول أن ابن رشد لم يُحاكَم وحده، بل كانت معه مجموعة من الباحثين والعلماء. والثاني أننا لا نملك أيّ نصّ لوقائع المحاكمة، فلسنا ندري بالضبط التُهم التي وُجِّهت إلى فيلسوفنا وجماعته سوى التهمة العامّة، ولا ـ وهذا هو الأهم ـ كيف دافع ابن رشد عن نفسه وردّ التهم الموَجَّهة إليه. غير أنني يمكنني أن أتخيّله يقول ـ على الأقل في نفسه ـ إنكم لا تحاكمون شخصاً بل فكرةً ـ إنكم لا تدينون أفراداً بل تقضون على حضارة سبّاقة لأوانها، إنكم لا تذلونني بل تُذِلّون إنسانيّة بأسرها تاركينها للتخلّف العقلي إلى أجيالٍ طويلة، مريرة، إنكم لن تستطيعوا إماتتي، فلن تموت روحي إلا بموت الفلسفة. إنكم لن تحرقوا كتبي بل كنز العلم الذي يحرّر من ظلمات الجهل ليطلق العقل الخلاّق نحو آفاق الابداع غير المحدودة. أليس الراسخون في العلم هم الذين يعلمون الحقيقة، كل الحقيقة، حيق لا يبقى من سرٍّ أمام العقل؟
إن كنتم قد رفضتموني فإن أمماً غريبة عنكم وعني ستحمل المشعل لتكمل المسيرة.

ولنعد هنا إلى البحث عن أسباب نكبة ابن رشد، فقد ذكر المؤرخون العرب أسباباً كثيرة. يذكر إبن أبي أصيبعة منها سببين، الأول أنه حين كان يخاطب المنصور ـ يبحث معه في أمرٍ من الأمور ـ بقوله ـ إسمع يا أخي. أي أن ابن رشد لم يكن يُظهر الاحترام الواجب في حضرة الملوك، والسبب الثاني هو أن ابن رشد قد كتب: رأيت الزرافة عند ملك البربر، يقصد المنصور، وكان قصده أن يكتب ملك البرّين. إلا أن هذين السببين غير كافيين ولا مقنعين، لسبب بسيط هو أن المحاكمة العامة التي جرت بالمسجد الجامع الأعظم بقرطبة لم تكن لابن رشد وحده، بل شملت مجموعةً من الأعيان بينها القاضي والفقيه.
أما قول البعض بأن المنصور أراد استمالة رجال الدين بسبب حربه مع ألفونس ملك قشتالة، فنُكِبَ ابن رشد حامل مشعل الفلسفة، فقول يكذّبه المؤرخون، لأن إبن أبي أصيبعة نفسَه يؤكّد بأن المنصور، وهو متوجّه إلى غزو ألفونس، استدعى أبا الوليد بن رشد، فلما حضر عنده احترمه احتراماً كثيراً وقرّبه إليه".
أما السبب الحقيقي فلم يغب عن بال المؤرّخين العرب، وقد ذكره إبن أبي أصيبعة نفسُه، إذ ينسِب إلى المنصور قولَه أنه نقم على ابن رشد وجماعةٍ من الفضلاء الأعيان "بسبب ما يدعى فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل".
بعد هذا العرض السريع، ما الذي يمكننا أن نستنتجه حول الحضارة العربيّة كلها؟
نحن من جهة أمام ملكٍ عربيّ متسامح شغوف بالعلم، وهو نفسه يأمر بنفي ابن رشد، طبيبه الخاص وقاضي قضاته، وحرق كتبه سوى كتب الحساب والطب، فكيف يمكن تفسير مثل هذا التناقض؟
إن التفسير الأول الذي قد يطرأ على الذهن هو التفسير الاقتصادي، وردّ التسامح وخلق مناخ الحوار بين مختلف التيارات إلى الازدهار المادّي وقوّة الدولة وشعورها بالطمأنينة. إن مثل هذا التفسير، رغم ما يمكن أن يلقيه من أضواء على تاريخ العرب الاقتصادي لا يفسّر كل شيء، ومثل المنصور هنا خير شاهدٍ على ذلك، فليس من الأكيد أن المعطيات الاقتصاديّة تغيّرت جذرياً في أقلَّ من عشر سنين.
وكذلك لو انتقلنا إلى بغداد لوجدنا أنه ليس من السهل ردّ محاربة المتوكّل للفلاسفة إلى أسبابٍ إقتصاديّة، فالانتقال من تشجيع العلوم وفتح الأبواب أمامها، ثم إلى محاربتها، كان يحدث خلال فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة لا تسمح لتغيير المعطيات الاقتصاديّة البطيئة في تطورها.

فهذا الحكم الثاني في القرن العاشر في الأندلس جمع مكتبةً في قرطبة يؤكّد بعض المؤلّفين أن مجموع مخطوطاتها المختلفة وصلت إلى نحو أربعمائة ألف، ثم جاء خلفه المنصور الذي انتزع الخلافة من هشام بن الحكم فأمر بإحراق كتب الفلسفة ومعظم العلوم. ولم تمرَّ بعدُ فترةٌ زمنيّة تسمح بحدوث تغييراتٍ إقتصاديّة جذريّة.
أما التفسير الآخر فهو القول بأن الفرس كانوا وراء الحركة العلميّة وتشجيعها، في حين كان العرب يمثلون الخوف من علوم الأقدمين.
وهذا التفسير العنصري ابتدعه أرنست رينان في كتابه الشهير حول ابن رشد والرشديّة، والمنشور سنة 1852، فهو يقول بأن الفرس رغم اعتناقهم ديناً سامياً، إلا أن روحهم كشعبٍ هندي أوروبي طالبت بحقوقها في العقلانية ضد شاعريّة الشعوب الساميّة ـ لذا فقد كان المأمون ـ ممثّل الروح الفارسيّة ـ هو الذي أعطى الفلسفة حقّها. (رينان: ابن رشد والرشدية)
ليس أسهل من دحض مثل هذا التفسير، فعدا عنصريّته، فإن أرنست رينان مبتدعه يناقضه هو نفسه في كتابه ذاته، إذ يقول في الصفحة 43 أن الإسلام تحوّل إلى نوعٍ من التعصّب بعد ستة قرون أولى من حرية الاحتجاج. لأنه خرج من أيدي العرب إلى أيدي أممٍ متعصّبة، ويذكر بينها الفرس. فكيف يكون الفرس أمّةً متعصّبة في الصفحة 43 ثم يصبحون في صفحة أخرى رمز المناداة بالحرّية والعقلانيّة؟
الواقع أن كتاب رينان مليء بالتناقضات، ففيه جملٌ ترفع العرب كرمزٍ للعلم والتقدّم، وجُمَلٌ عنصريّة ضدّهم.
يبدو لي أن رينان الباحث لمس عظمة الحضارة العربيّة وتفوّقها على عصرها ومدى تأثيرها في تطوّر الغرب الفكري، فهو يستشهد مراراً بالتسامح الذي كانت تتّسم به، ولكن أرنست رينان الغربي العائش في القرن التاسع عشر في جوٍّ كان الفكر العنصري أحد مقوّماته، خجل من اكتشافه فراح يعتذر أمام قرّائه الأوروبيين. فكل ما في كتابه يناقض تماماً ما يقوله في مقدّمته من تهجّم وعنصريّة ضدّ العرب والساميين. بل إن المقدّمة نفسها هي تناقض في فقرة واحدة، فمن جهة يقول بأن الفلسفة العربية هي واقع عظيم في تاريخ الروح البشريّة..
"La philosophie arabe est un fait immense dans les annals de l'esprit humain.
ثم يكمل بعد ذلك الفقرة ليقول: هذا العنصر السامي (يقصد به العرب هنا) لم ينتج أقل كتاب فلسفي خاص به.
"cette race n'a pas produit le plus petit essais de philosophie qui lui soit proper"
فكيف يمكن الجمع بين مثل هذين القولين؟
وهناك شواهد كثيرة على فساد مثل هذا التأويل، فحركة النقل لم تبدأ مع المأمون، بل كانت قائمةً في عهد سلفيه وكذلك استمرّت في عهد الخليفتين اللذين جاءا بعده.
هل يريد أحدٌ إقناعنا بأن خليفةً كـ هرون الرشيد كان مغفّلاً إذ كان مطيّة للروح الفارسيّة التي تريد هدم الروح العربيّة؟ هذا عدا أن النقَلة كانوا بغالبيتهم من المسيحيين ونقلوا التراث اليوناني. وما نُقِلَ عن الفارسيّة لا يُقاسُ إطلاقاً بما نُقِل عن اليونانيّة.
ثم هذا هو الكندي أول فيلسوف عربي ينادي بالانفتاح على كل التيارات والعلوم والشعوب، إذ يقول في رسالته إلى المعتصم في الفلسفة الأولى:
"ينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحقّ من أين أتى. وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا. فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق. وليس ينبغي بخس الحقّ. ولا تصغير بقائله ولا بالآتي به ولا أحد بخس بالحق بل كان يشرّفه الحقُّ". (رسائل الكندي الفلسفيّة، تحقيق أبو ريدة، دار الفكر العربي، 1950، ص 103).
ونحن لو انتقلنا إلى الأندلس حيث لم يصل الفرس، لوجدنا الخليفة الأموي الحكم الثاني في القرن العاشر يجمع الكتب والترجمات من شتّى أقطار المعمورة، يشجّع كافّة العلو ويظهِر شغفاً غريباً بالآداب مما جعل الأندلس في عهده مركز إشعاعٍ حضاري حظي بإعجاب أرنست رينان نفسه.. وكذلك كان الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف مغرماً بالعلوم كما رأينا.
ولنعد إلى ابن رشد. ما الذي جعل الخليفة يكرمه ثم ينزل به النكبة؟
إن العنصر الاقتصادي كان يلعب دوره ولكنه ليس التفسير المقنع كما رأينا. وقصة الصراع بين العرب والفرس بالشكل الذي عرضه بها رينان ليست صحيحة، وهي هنا في الأندلس غير قائمة أصلاً. إن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أن ظاهرةً جديدة حدثت في تاريخ البشرية بعد مجيء المسيحية والإسلام وهي وجود نصٍّ إلهي وتراث بشريّة علمي يتمثّل قبل كل شيء بالفلسفة اليونانيّة.
المسيحية في مطلع عهدها قامت بمحاولة توفيقٍ وتطويع للتراث اليوناني، وخاصة أفلاطون وأرسطو، فأخذت منه ما يتماشى مع تعاليمها واستعملته لخدمتها، وقد رأينا كيف أن يوحنا الدمشقي قال أننا نأخذ الجواهر من فكر القدماء ونلقي بالباقي في سلّة المهملات. وأصبح للمسيحيّة فيلسوفها ممثّلاً بأوغسطينوس.
الصدام بين فكر الشعوب القديمة وبين الدين الجديد لم يحدث إذاً في بيزنطة أو قُمِع. ومعظم الصدامات التي حدثت كانت داخل الكنيسة، بمعنى أنها كانت لاهوتيّة بحتة تدور بين اليعاقبة والنساطرة وغيرهم حول طبيعة المسيح، حتى أن بيزنطية أصبحت رمزاً للمجادلات اللاهوتية التي لا تنتهي.
مع مجيء الإسلام وفتح العرب لبلاد الشام ومصر، أصبح العرب ورثةً لبيزنطية في قسمٍ كبيرٍ من ديارها، وتغيّرت المعطيات تغيّراً جذريّاً، أولاً وقبل كل شيء بسبب روح التسامح الإسلامي والانفتاح العربي على كل ما هو جديد.فقد أظهر العرب قدرةً غريبة ليس في الفتح السريع فحسب، بل كذلك في التكيّف مع المعطيات الجديدة الملحّة، وبدون هذا التكيّف والانفتاح على الآخرين لأصبحوا مجرد غزاة ينهبون الخيرات ويرحلون. وقد ساعدهم على ذلك أن غالبيّة شعوب المنطقة المحيطة بالجزيرة كانت من العرب الذين سبقوهم في الخروج من شبه الجزيرة العربية. غير أنه ـ وهذا أمرٌ طبيعي ـ حدث إلى جانب هذا الانفتاح ـ وربما بسببه ـ تيار خائفٌ يخشى أن يكون علمُ الأقدمين البابَ الذي تنفذ منه الجاهلية الجديدة أو الوثنية القديمة إلى معقل الدين الجديد فتهيره من الداخل، وكان لا بدّ من الصراع، وهكذا فإن الحضارة العربية تبدو كوجود دائم لتيارين رئيسيين يمزقان النفس العربية ومن دون التوصّل إلى توافق يمزج بين النقيضين ليُخرِج منهما تركيباً جديداً.
وهذا التمزّق ما تزال آثارُه باقيةً في النفس العربية إلى اليوم. ولعل ما حدث لابن رشد مع المنصور خير دليل على ذلك. فابن رشد خاف في أول علاقته مع الخليفة من مجاهرته باشتغاله بالفلسفة ثم انطلق ـ حين لمس التشجيع ـ إلى النظر العقلي فأعطى ذلك العطاء الرائع، ولكنه وقبل أن يرحل عن هذا العالم بسلام، اضطهده من شجعه نفسه، وهكذا فالمنصور نفسه يمثل أروع ما وصلت إليه الحضارة العربية من تسامح وانفتاح وانطلاق، وفي الوقت ذاته يمثل التيار الخائف من هذه الانطلاقة.
الحضارة العربية هي إذاً تجاذب بين تيارين قويين: تيار العقل وتيار النقل.
تيار يعتقد بأن الحضارةَ انطلاقةٌ علمية دون قيد، وتيار يعتقد بأن الحضارة تمسك بالفضيلة والأخلاق والعودة إلى بساطة السلف.
تيار اتخذ من أرسطو شعاراً له، وتيار اعتبر أن كل من تمنطق تزندق.
تيار الفلاسفة من الكندي إلى الفارابي إلى أبي بكر الرازي إلى ابن سينا إلى ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وكل هؤلاء الفلاسفة من العلماء. وتيار الفقهاء ويمثل علماءُ الكلام الفئةَ المتقدّمة من الفقهاء، الفئة التي قبلت باللجوء إلى العقل والمنطق للنظر في القضايا الفلسفية المتصلة بالدين، لذا فمن غير الصحيح القول بأن التوفيق بين الدين والفلسفة كان المسألة الأولى لدى فلاسفة العرب، فهم حين كانوا يدخلون في جدل مع الفئة الثانية، كان همُّهم الدفاعَ عن حقهم في البحث الحر والنظر العقلي .. ولكن هذه النقطة خارج بحثنا هذا.
وإنه لمن السهل اكتشاف أثر هذين التيارين في نفوس العرب إلى اليوم، فنحن من ناحية معجبون مفتونون بالغرب وإنجازاته العلمية نطالب بنسف كل التقاليد، ومن ناحية ثانية وفي آن واحد ننظر إلى الغرب كرمز للانحلال الأخلاقي والعنف اللاإنساني. لم نستطع أن نتوصّل إلى حلٍّ يتخطّى الإعجاب والنفور.
ومن السهل إيراد الأمثلة للبرهان على أن الحضارة العربية هي حضارة التسامح وحضارة العلم والانطلاق، كما أنها حضارة رد فعل الخائف من هذه الانطلاقة. ونبدأ فنقول أن مقارنةً سريعة مع بيزنطية ترينا الفرق الكبير والتفوّق العربي بعد التفتح في مجال الفلسفة والعوم، والقسطنطينية ـ وهي الوريثة الشرعيّة لأثينا، وعاصمة الحضارة الهيلينيّة ـ لم تشهد أيَّ ازدهارٍ فلسفي أو علمي يُذكر طيلة القرون الوسطى. وقد باءت جميع محاولات إرجاع المجد لأفلاطون أو لأرسطو بالفشل. (فقد نعت البيزنطيون أفلاطون بالشيطان اليوناني، في حين سمّى العرب أرسطو "المعلم الأول". عن E. Berlier: histoire de la philo… )
والبيزنطيون ما كانوا يحتاجون لأي ترجمة، فالفلسفة كُتبت بلغتهم اليونانية، أما العرب فبفضل انفتاحهم على الآخرين أرسلوا الرسل إلى شتى أنحاء بيزنطية للتفتيش عن المخطوطات اليونانية لترجمتها، ولم تكن الظاهرة وليدةَ تشجيع الدولة فحسب، بل إن أُسَراً غنيّة كانت تصرف كذلك الذهب للمساهمة في حركة النقل، ولا يفعل ذلك سوى شعبٍ متعطّشٍ للعلم. فإن كان صحيحاً أن الحركة في بدايتها كانت مقصورة على ترجمة كتب الطب والحساب لأسبابٍ عمليّة أهمها الحاجة الملحّة إليها، فليس صحيحاً أنها قد بقيت في هذين المضمارين، والشغف الذي نلمسه في بغداد وفي قرطبة لاقتناء العلم والحثّ على طلبه لا يمكن أن تفسّرَه ضرورات الحياة المادّية وحدها. وليس أدلّ على ذلك من الحادثة التي يرويها ابن جلجل عن ترجمة كتاب الأدوية المفردة لديوسقوريدوس، فقد أهدى أمبراطور القسطنطينية نسخة أنيقة مصوّرة من هذا الكتاب إلى الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالي، فطلب الخليفة استدعاء عالم من بيزيطية من أجل ترجمة أسماء النباتات التي لم يستطع أسطفان بن باسيل ترجمتها في بغداد، فأرسلت القسطنطينية راهباً وصل قرطبة في منتصف القرن العاشر، وهو لا يعلم العربية، فبدأ يعلّم اليونانية لبعض المسيحيين الذين يتقنون اللاتينية ليكونوا الواسطة بينه وبين العلماء العرب. (أنظر مقالة جورج حوراني...).
هذه الحادثة تدل على ما كان يتكلّفه العرب أحياناً من أجل ترجمة كتابٍ واحد أو تصحيح ترجمة سابقة. وكلنا يعرف مدى اهتمام المأمون بالعلم ومشاركته في مجادلة العلماء الذين فتح لهم جامعةً يمارسون فيها النظر بحرّية وفي بيت الحكمة الذي أطلق عليه المستشرق الفرنسي إيتيامبل اسم بيت التسامح.
والتسامح يشكّل إلى جانب الشغف بالعلم الميزة الثانية، بل الأولى للحضارة العربية، والأمثلة كثيرة، يكفي أن نذكر أن يوحنا بن ماسويه طبيب هرون الرشيد كان أول رئيس لبيت الحكمة أول جامعة وأعظمها في الإسلام العربي، وهذا يحي بن عديّ يجادل الكندي بكل حريّة في مسألة الثالوث وينتقد نظرية الأشاعرة في الكسب، ومع ذلك يحظى بالاحترام العلمي ويطلق عليه العرب لقب "المنطقي". (راجع الدكتور ماجد فخري: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة الدكتور كمال اليازجي، ص 38 و ص 272ـ 273).
وقد تكون وثيقة عمر لبطريق القدس سفرونيوس أعظم وثيقة في التسامح الديني في تاريخ البشريّة (خصوصاً حين نعلم أنها تنتمي إلى القرن السابع، في حين أن الملك لويس الرابع عشر بعد ألف سنة من عمر، طرد جميع البروتستانت من فرنسا).
التسامح والحض على العلم ركيزتا الانطلاق نحو الابداع، تمتد جذورهما إلى الإسلام ذاته حين اعترف بالدينين الموحّدين اللذين سبقاه وحين حض على طلب العلم. وما الاجتهاد إلا القبول بالقياس وتحكيم الرأي. وهناك واقعة يستشهد بها ابن رشد جَدّ فيلسوفنا جرت للخليفة عمر، فقد وقع وباء في الشام وهو بعيد عنها، فاستشار المهاجرين والأنصار أيمضي إلى الشام أم لا؟ فوقع خلاف في الرأي واستشار مشايخ قريش فأشاروا بعدم الذهاب، وأمر هو بعدم الذهاب، فقال له عبيدة بن الجرّاح: "أفرارٌ من قدَر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدَر الله إلى قدَر الله" .. ويسوق ابن رشد هذه الواقعة ليؤكّد ضرورة تحكيم العقل والأخذ بالقياس.
قلت في مطلع هذا البحث أن قصدي ليس التغني بالتراث رغم غناه وسبقه في كثير من الميادين، ولكن الأهم هو الانطلاق مما جرى لابن رشد لنرى على ضوئه ذاتنا العربية المعاصرة. ويمكننا أن نقول أن الخليفة المنصور حين شجّع ابن رشد وترك المسيحيين واليهود يعيشون في كنف دولته، كان يمثّل التسامح العربي وحب المعرفة، ولكنه حين اتهم ابن رشد بالمروق على الدين لاشتغاله بعلوم الأوائل والفلسفة كان أيضاً يمثل الوجه الآخر لهذه الحضارة. الوجه الخائف من الانطلاق العلمي، وجه التزمت الديني، وحين أحرق كتب ابن رشد لم يكن أول مسؤول عربي يفعل ذلك، فقد رأينا أن المنصور الذي خلف الحكم الثاني قد أحرق جميع الكتب الفلسفيّة والعلمية عدا كتب الحساب والطب، فذهب تعب الحكم هباء.
وكذلك أمر الخليفة العباسي المستنجد بالله إحراق الكتب العلمية في بغداد سنة 1150 حتى أنه يمكننا أن نقول أن بغداد سقطت كعاصمة ثقافيّة في ذلك العام لا حين دخلها هولاكو سنة 1257، وكذلك يمكننا أن نقول أن المنصور حين أمر بإحراق كتب ابن رشد فقد سقطت الحضارة العربية في الأندلس في أواخر القرن الثاني عشر لا حين دخل الأسبان غرناطة سنة 1492.
وإن كان ابن رشد قد خاف من الاشتغال بالفلسفة في البدء، فقد خاف قبله ملك بن وهيب الأشبيلي "غير أن ملكاً لم يُتقيّد عنه إلا قليل في أوائل الصناعة الذهنية، ثم أضرب الرجل عن النظر ظاهراً في هذه العلوم وعن التكلّم فيها لما لحقه من المطالبة في دمه بسببها... وأقبل على العلوم الشرعية فرأس فيها أو زاحم ذلك" (ابن الإمام في الحديث عن صديقه ابن باجة. أنظر رسائل ابن باجة الإلهية، تحقيق ماجد فخري، دار النهار، سنة 1968، ص 176).

إن حرق الكتب في بغداد في منتصف القرن الثاني عشر، وحرق كتب ابن رشد في أواخر القرن ذاته، كان بدء نهاية الحضارة العربية ونقطة تحوّل هامة، فقد حُسم الصراع لصالح التيار المحافظ الخائف من الاشتغال بعلوم الأقدمين، فليس من المبالغة إذاً القول أن ضربةً قاضيةً وُجّهت للفلسفة العربية. وهناك من يعترض على هذا القول، فهنري كوربان، المستشرق الفرنسي يؤكّد أن الفلسفة أكملت مسيرتها بعد الغزالي في المشرق. والواقع أن التيار الديني من فقه وتصوّف هو الذي تابع طريقه. ولم يعد الاشتغال بالعلوم مسموحاً به سوى الاشتغال بالطب والحساب، ذلك أن هذين العلمين لم يتعرّضا لهجمة شرسة كالفلسفة والطبيعة، وذلك لأسبابٍ بيّنة. وسيبقى التصوّف له أركانه وكذلك الرياضيات. فنصير الدين الطوسي في القرن الثالث عشر، وقطب الدين الشيرازي في القرن الرابع عشر، وغيّاث الدين الكاشي صاحب مفتاح الحساب، والمارديني صاحب تحفة الألباب في علم الحساب في القرن الخامس عشر، والعاملي صاحب خلاصة الحساب في القرن السابع عشر سيكملون المسيرة العربية في الرياضيات. أما الفلسفة فانتهت وحدثت ردّة إصلاحية وحملة على العقلانيين يمثلّها خير تمثيل ابن تيمية (1262 ـ 1327) صاحب الرد على المناطقة وتلميذه ابن قيم الجوزيّة. وعلينا ألا ننسى أن ابن خلدون نفسه كان معادياً للفلسفة. كل هذا سيكون له أثر كبير وتغيير جذري في الحضارة العربية، فهي ستتخذ ابتداءً من القرن الثالث عشر وإلى يومنا هذا صفة المدافع عن القيم الأخلاقية وعن مناقب السلف الصالح، وجميع المحاولات لإدخال الفكر العلماني لن يُكتب لها النجاح، وعلينا أيضاً ألا ننسى أنه بعد القرن الثالث عشر خرج الأمر من أيدي العرب المسلمين إلى أيدي الأتراك والفرس.
قلت في مطلع هذا المقال أن ابن رشد ذهب حاملاً سرّ الحضارة العربية معه، وسرّ هذه الحضارة الأول أنه جاء بها التسامح، وذهب بها الخوف. بناها شغف العرب بالعلم وذهب بها التزمّت.
السرّ الثاني أنها كانت كلما انطلقت بتشجيع من الخليفة نفسه تحطّمت بعد ذلك في انطلاقتها لتعود إلى حيث كانت. الحكم يصرف الأموال ليبني أعظم مكتبة في عصره، ثم يخلفه من يهدم ما بناه السلف، ثم يأتي خليفة آخر فيعاود مسيرة الانطلاق، ليصطدم ثانية بالخوف من التحليق.. وهكذا تبدو هذه الحضارة حضارة الزمن المهشّم. الزمن الذي يدور على نفسه دون أن يتقدم، وإني لأتساءل إن كنا قد خرجنا حتى اليوم من الدوران في حلقة مفرغة.
غير أني أعتقد أن الأمر أعقد من ذلك، وأن جذوره العميقة في اللاوعي العربي.
إن الانطواء على الذات والخوف من التيارات الكثيرة التي تتصارع عالمنا، يعود إلى حاجة نفسيّة عميقة للتمسّك بقيمٍ ثابتة لا تذهب بها رياح التغيّر والتقلّب في عالمنا المتطوّر بسرعةٍ مذهلة. ولبيان كل عمق ما يفصل العرب عن الحضارة الغربية، لا بد أن نرى ما الذي جرى في الغرب ابتداءً من القرن الثالث عشر، إذ في ذلك القرن افترقنا: نحن أحرقنا كتب ابن رشد.. وهم جعلوا منها رمزاً لحرّية الفكر ولاستقلال الفلسفة عن اللاهوت. نحن "تُبنا"عن الفلسفة وسِرنا على خطى بيزنطية التي سمّت أفلاطون "الشيطان الهيليني" أما في الغرب فقد بدأت الفلسفة تشقّ طريقها لتبني حضارة جديدةً .. وهذا يقودنا إلى النقطة التالية من بحثنا.
3ـ ابن رشد في الغرب والأضواء التي يلقيها مصير فلسفته على الحضارة التكنيكية المعاصرة:
يُعتبر القرن الثالث عشر قرن تأسيس الجامعات في أوروبا، وهو عصر انطلاقة جديدة للفلسفة هناك. فهو عصر البير الكبير وتوما الأكويني، ولقد كانت فلسفة ابن رشد المحور الرئيسي الذي تدور حوله الصراعات الميتافيزيقية، فلقد تُرجِمت كتبُه بعد وفاته بقليل، وبدأت شروحه لأرسطو تصل على دفعات حتى تكوَّن في منتصف القرن تيّار عُرِف بالرشديّة. ودانتي أليغيري مؤلّف الكوميديا الإلهية ما بين 1299 و 1314 شهد الصراع وأخذ منه موقفاً حين وصف ابن رشد بالشارح الكبير.
كان أرنست رينان أول من نبّه في منتصف القرن الماضي على وجود التيار الرشدي هذا. ثم تبعه ماندونيه فالأسقف جربمان والأب ستينبرغن وغيرهم كثيرون.
ونوجز فنقول بأن الصراع كان يدور في جامعة باريس، وقد حدثت بلبلة كبيرة في صفوف أساتذتها، فمع منتصف القرن الثالث عشر كان هناك ثلاثة تيارات تتنازع القرن: تيار محافظ سمّاه ستينبرغن التيار المسيحي المتطرّف، ثم عاد عن هذه التسمية، وهذا التيار هو تيار التمسّك باللاهوت ورفض أرسطو ولو بصورة غير مباشرة. ورفضَ شارحُه الأكبر ابن رشد جملة وتفصيلا، وكان هذا التيار غالباً لدى الرهبنة الفرسسكانية ويمثله القديس بونافونتور، وقد وجد ملاذه في فلسفة القديس الإفريقي أوغسطينوس.
أما التيار الثاني فهو تيار اللاهوت العقلاني الذي يعترف بسلطة أرسطو ولكنه لا يأخذ من الشارح إلا ما يتماشى مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكيّة، ويتمثّل هذا التيار بألبيرالكبير وتلميذه توما الأكويني الذي يصف ابن رشد بالمحرِّف .. رغم استفادته منه أحياناً (بين الخمسة براهين لوجود الله لدى توما الأكويني برهان اقتبسه من ابن رشد، وهو برهان دليل العناية، ويشكل البرهان الخامس والأخير، وهو القول بأن كل الأشياء تسير نحو غاية تحققها في هذا العالم، ثم يقول ابن رشد ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق.. ويكرّر توما نفس الأقوال).
أما التيار الأخير فهو التيار المعجَب بأرسطو والقابل لشارحه، وإن عارضت تعاليمُهما آراء الكنيسة الغربية، وهو التيار المنادي باستقلالية الفلسفة عن اللاهوت. أي أنه التيار العقلي وقد تمثّل بـ سيجر الباربنتي وبويسيوس الدانمركي، وهو الذي أطلق عليه توما الأكويني نفسه اسم تيار الرشديّة في كتابه حول وحدة العقل الذي كتبه ضد سيجر نفسه.
جميع المؤرّخين يطلقون على هذا التيار اسم الرشدية اللاتينية ويبدي فان ستينبرغن بعض التحفظات على التسمية في كتابه حول الفلسفة في القرن الثالث عشر المنشور سنة 1966، ولكنه لا يختلف على المحتوى. وكما نرى فإن الموقف من شرح ابن رشد هو الذي كان المحور، ويصبح ابن رشد شيئاً فشيئاً رمزاً للتيار التحرري، وستُنسَج حوله الأساطير وسيصبح رمزاً للعرب وتحررهم الفكري في أوروبا، في حين أن العرب في ذلك الحين كانوا قد قضوا على التيار الفلسفي نهائياً.
المهم أن ابن رشد لم يكن رمزاً للإلحاد في الغرب كما ظن بعض مؤرّخي الفلسفة العربية. على الأقل ليس بالنسبة لفلاسفة القرن الثالث عشر، وسنبرهن على ذلك.
مؤرّخو الفلسفة العربية احتموا معظم الأحيان وراء القول بأن الغرب حرّف فلسفة ابن رشد ولم يفهمها، فالرشديّة اللاتينية إذاً لا تخصّهم.
إن مثل هذا القول سريع ولا يستفيد من الوثائق التي تُنشر باستمرار في أوروبا، فهناك مراجعة شاملة لهذا القرن يجريها المتخصصون في العصر الوسيط، وقد قامت مراكز للأبحاث لمراجعة جميع المعلومات المتعلّقة بهذه الحقبة في أوروبا وأمريكا وهمّها دراسة أرسطو طاليس اللاتيني وابن رشد اللاتيني وابن سينا اللاتيني. (راجع كتاب فان ستينبرغن المذكور ص 30ـ 31). والغريب في الأمر أن العرب لا يبدون الاهتمام في هذا الموضوع وكأن الأمر لا يعنيهم.
الصراع داخل كلية الفنون في باريس بلغ أشده بين الأساتذة سنة 1270، فكتب توما الأكويني كتابه حول وحدة العقل ضد الرشدية الباريسية، وردّ عليه ممثّل الرشديّة سيجر بكتاب حول الموضوع ذاته. ومع أن سيجر كان شاباً، وكان تيارُه يمثّل أقلّية، إلا أنه كان يحظى بتأييد الكثير من الجيل الطالع. وقد خافت الكنيسة الكاثوليكية من التيار الجديد ومما جرّه من احتدام في داخلها. (لا ننسَ أن جميع الأساتذة كانوا من رجال الدين)، فمَنعت أولاً تدريس كتب أرسطو الطبيعية، ومنها كتاب الميتافيزيقا، ثم كلّف البابا البير الكبير بالرد على الرشديّة، ولكن كل ذلك لم يمنع التصادم، فاضطرّت في العاشر من ديسمبر سنة 1270 إلى إدانة الرشديّة بواسطة ممثلها في باريس المفتّش إيتيان تامبلييه Etienne Templier .. وقد نشر ماندونيه باللاتينية سنة 1899 في الجزء الأول من كتابه حول سيجر والرشديّة اللاتينية النص الحرفي لهذه الإدانة التي تناولت ثلاثة عشر رأياً خاطئاً، وهذا هو نصّ الإدانة؟
"إن الأخطاء التالية قد أدانها صاحبُ النيافة أتيان (أستفانوس)، أسقف باريس وألقى الحرمان عليها وعلى كل من يعلّمها عن قصدٍ أو يؤيّدها، [وتمّ ذلك] في سنة 1270 يوم الأربعاء بعد عيد الطوباوي نيقولاوس:
1ـ بأن عقل جميع الناس واحد وهو واحد بالعدد.
2ـ بأن من الخطأ أو سوء التعبير القول بأن الإنسان يعقل.
3ـ بأن الإرادة البشريّة لا تريد ولا تختار إلا تحت تأثير الضرورة.
4ـ كل ما يجري في عالمنا السفلي هذا يخضع وجوباً لتأثير الأجرام السماويّة.
5ـ بأن العالم قديم.
6ـ بأن ليس هناك من إنسانٍ أوّل.
7ـ بأن النفس التي هي صورة الجسد تفنى بفناء الجسد (تفسد بفساد الجسد).
8ـ بأن النفس المفارقة بعد الموت لا تنفعل بنارٍ مجسّمة.
9ـ بأن حرّية الاختيار هي قوّة منفعلة (سلبية) لا فاعلة، وبأنها تحرّكها ضرورة النفس النزوعيّة.
10ـ بأن الله لا يعلم الجزئيات.
11ـ بأن الله لا يعلم إلا ذاته.
12ـ بأن أعمال البشر ليست خاضعة للعناية الإلهية.
13ـ بأن الله لا يستطيع أن يمنح الخلود أو عدم الفساد للأشياء الفاسدة والفانية.
(أنظر كتاب ماندونيه، الأستاذ في جامعة فربورغ في سويسرا، ص 111).
هذه هي إذاً الآراء الرشديّة أو على الأقل الآراء الت قال بها ابن رشد حين شرح أرسطو، فالكثير من هذه الآراء آتٍ من أرسطو ذاته كما لا يخفى على أيّ مطّلع على تاريخ الفلسفة.
يؤكّد ماندونيه بأن هذه الآراء كانت تمثل جوهر التعليم الرشدي في جامعة باريس، أي نظريات أرسطو التي حرّفها ابن رشد. (أنظر المصدر السابق ذاته ص 111).
هل هذه الآراء قال بها ابن رشد حقاً أم أننا مرّة ثانية أمام تحريف؟
إن البتّ في الأمر ليس سهلاً. فابن رشد حرّر حسب قول المؤرّخين عشرة آلاف ورقة، ونحن لم ننشر له بالعربيّة أكثر من ألف ورقة.
معظم شروحه الطويلة موجودة في اللاتينية، وهي إما فُقِدت وإما لم تُنشَر بالعربيّة.
على كلّ حال يمكننا بما نملك من معلومات حاليّة أن نحاول الإجابة عن سؤالنا، فبعض المقولات المدانة هنا ليست لابن رشد وحده، وقد قال بها غيرُه من فلاسفة العرب تحت تأثير أرسطو، مثل أن الله لا يعلم إلا ذاته وأنه لا يعلم الجزئيات. وإنكار العناية الإلهية ليس سوى نتيجة حتميّة لعدم معرفة الخالق بالجزئيات.
المهم هنا أن ابن رشد لم يُتّهَم بالكفر بل بإساءة شرح أرسطو. ومن الجمل التي أدانتها الكنيسة الكاثوليكية جملتان هامّتان تشكّلان عنصرين أساسيّين من الرشديّة اللاتينيّة، وهما الجملة الأولى والجملة الخامسة. فالقول بوحدة النفوس أو وحدة العقول وبقِدَم العالم وبالحقيقة المزدوجة تشكّل النظريّات الثلاث التي ارتكزت عليها الرشديّة اللاتينيّة في أوروبا. نظريّة ازدواجيّة الحقيقة لن تظهر إلا مع بومبونازي في القرن السادس عشر.
ومن الواضح أن النظريّة الرشديّة التي ضايقت الكنيسة أكثر شيء وكانت محور الخلاف بين توما الأكويني وسيجر هي نظريّة وحدة النفوس. لذا فإنها كانت أوّل نظريّة أُدينت.
فالكنيسة شعرت بنتائجها المخيفة، فهي نظريّة كفيلة بأن تكون وراء تيّار مادّي شامل لأنها حين تجعل للبشريّة كلها عقلاً واحداً تنفي الخلود الفردي لتُبقي الخلود للجنس البشري بأكمله، وقد شرح مونك في القرن الماضي هذه النظرية حين تكلّم عن ابن رشد (أنظر كتابه مزيج من الفلسفة العربية واليهودية، المقالة عن ابن رشد).
عبد الرحمن بدوي:
بعض العرب يشككون في صحّة نسبة هذه النظريّة إلى ابن رشد، فقد قال عبد الرحمن بدوي: "هناك مبدأ آخر نسبَه خطأً إلى ابن رشد فلاسفةُ العصر الوسيط، وهو مبدأ وحدة العقول الذي يتضمّن إنكار خلود النفس. إن كون العقل الفعّال واحد، هذا ما يسلّم به كلّ الفلاسفة المسلمين: الفارابي وابن سينا وابن طفيل وابن باجة. أما أنّ العقل الخاص بكلّ إنسان هو واحد بالعدد لدى جميع الناس فهذا ما لم أجده صريحاً في أيّ نصٍّ لابن رشد. السكولاستيكيون اللاتينيون نسبوا هذا المبدأ إلى ابن رشد دون أن يقولوا لنا أين عثروا عليه ولا بأية صيغة". (هذه ترجمة حرفيّة لما كتبه بدوي بالفرنسيّة في كتاب تاريخ الفلسفة، الجزء الثاني، بإشراف شاتليه ص 142).
ومقالة الأستاذ عبد الرحمن بدوي تستدعي عدّة ملاحظات: أولاً أن الأمر لا يتعلّق بالعقل الفعّال، وقد شدّد فان ستينبرغن على هذه النقطة في كتابه الآنف الذكر والصادر في لوفان في بلجيكا سنة 1966، وقد عاب على الكثيرين ومن بينهم رينان وأتيان جلسون الوقوع في مثل هذا الخطأ. (أنظر ص 366ـ 367).
ثانياً، إن فلاسفة العصر الوسيط في الغرب قالوا أين وجدوا هذه النظريّة، فقد نشر سنة 1908 مادونيه الجزء الثاني من كتابه حول سيجر ويحتوي هذا الجزء على نصوص لاتينيّة لم تكن قد نُشِرت سابقاً ومن بينها كتاب لـ (جيل الروماني) Gilles de Romme وعنوان هذا الكتاب: رسالة حول أخطاء الفلاسفة أرسطو وابن رشد وابن سينا والغزالي والكندي وابن ميمون.
ويبدو أن هذا الكتاب ألّفه صاحبُه حوالي سنة 1270 وفيه يذكر حين يأتي إلى أخطاء ابن رشد، ويصل إلى الخطأ الحادي عشر بأن نظريّة وحدة العقول قالها ابن رشد في الكتاب الثالث من كتاب النفس.
والواقع أن الأستاذ الأهواني نشر في القاهرة سنة 1950 تلخيص كتاب النفس لابن رشد، ولكننا لم ننشر في العربية شرح كتاب النفس وهو الأهم، ففي التلخيص كان ابن رشد ما يزال معجباً بابن باجة، أما في الشرح فقد غيّر رأيه على ما يبدو. وإذا لم نجد النص العربي فلا بدّ من العودة إلى الترجمة اللاتينيّة قبل أن نجزم بأن مبدأ وحدة النفوس أو العقول نُسِبَ خطأً إلى ابن رشد. والواقع أن ابن باجة كان قد قال بمبدأ وحدة العقول ولكن على طريقةٍ أصيلة مغايرة لابن رشد، وقد بيّنا هذا في دراستنا حول ابن باجة.
أما الشق الثاني للرشديّة اللاتينيّة فهو القول بقِدَم العالَم، والواقع أن لابن رشد نظريّةً أصيلة حول الموضوع جمعت بين الخلق وقِدم العالم وليس هنا مجال بحثها. المهم أن الأوروبيين لم يخطئوا حين رأوْا ابنَ رشد مدافعاً عن هذا المبدأ الأرسطوطاليسي.
أما الشق الثالث فهو مبدأ الحقيقة المزدوجة وقد أكّد الأسقف مارتين جربمان في كتابه حول "الرشدية اللاتينيّة في القرن الثالث عشر وموقفها من النظريّة المسيحيّة للعالم" بأن هذا المبدأ لم يظهر إلا في القرن السادس عشر مع بومبونازي.
ومبدأ الحقيقة المزدوجة: حقيقة دينيّة وحققة فلسفيّة يمكن أن يُستشَفّ من أقوال ابن رشد أو مما قاله ابن رشد عن ابن طفيل الذي عبّر عن هذا المبدأ خير تعبير في قصّته "حيّ بن يقظان". ويبدو أنه عن طريق ابن رشد قد عرف الأوروبيون ابن باجة ابن طفيل دون أن يعرفوا النصّ الأصلي لمؤلّفات هذين الفيلسوفين.

خلاصة القول أن قولنا بأن الغربيين لم يعرفوا ابن رشد الحقيقي لا يستند إلى دليل قاطع، وأخشى أن يكون العكس هو الصحيح. المهم أن آراء ابن رشد كانت وراء التيار العقلاني الذي أحدث تغييراً شاملاً في معطيات الحضارة الغربية، ورغم إدانة سنة 1270 فقد استمرّ التيار مما اضطُرّ الكنيسة إلى نشر إدانةٍ ثانية سنة 1277 لم تتناول آراء ابن رشد وحدها هذه المرّة بل شملت حتى آراء التيار اللاهوتي العقلاني المتمثّل بتوما الأكويني.
واستُدعِيَ سيجر إلى روما ومُنِع من التدريس كعقاب له، وهو ما زال في مقتبل العمر. ولكن هل استطاعت الكنيسة الكاثوليكيّة توجيه ضربةٍ قاضية للتيار المطالِب باستقلاليّة الفلسفة؟
لا. لأن المعركة نُقِلَت من باريس إلى أكسفورد وبدأت الاضطرابات هناك، ثم انتقلت المعركة من أكسفورد إلى شمالي إيطاليا، وعلى الأخص إلى جامعة بادوا، وهناك عاشت المدرسة الرشديّة إلى القرن السابع عشر، وبرز في القرن الرابع عشر تاديو دا بارما Tadeo da Parma (أنظر جربمان: المصنّف المذكور ص 80)، وفي عصر النهضة برز بمبونازي (1462ـ 1525) الذي سبق ذكرُه، وقد استفاد هذا الأخير من أن جامعة بادوا كانت تتبع جمهوريّة البندقيّة مما جعلها تتمتّع بالحرّية، فحكّام البندقيّة كانوا يحمون البندقيّة كما كانوا يحمون المفكّرين من محاكم تفتيش الكنيسة.
وقد كتب بومبونازي هذا كتاباً حول خلود النفس حاول فيه أن يرسم مثلاً أعلى للحياة البشريّة بمعزل عن أية إشارةٍ إلى الماورائيات. (أنظر كتاب برييه في تاريخ الفلسفة، المجلد الأول، الجزء الثالث، ص ص 671ـ 672)، وكان آخر الرشديين في بادوا كرامونيني 1550ـ 1631) الذي تعرّض لتحقيق من روما بسبب آرائه الجريئة. ولكن يبدو أن أعظم فلاسفة جامعة بادوا هو مارسيل دي بادوا مؤلّف كتاب "المدافع عن السّلم" سنة 1324، وكان هذا المؤلّف منسيّاً حتى نشرت له مؤخّراً دار فران في باريس كتابه هذا، فإذا به أول منظّرٍ للدولة العلمانيّة في الغرب..
(أنظر Marsile de Padoue .. وكذلك J. Quillet .. وكذلك كتاب بيير بييدار حول تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة..).
مؤيّدو الرشديّة طالبوا بالعلنيّة منذ القرون الوسطى في الغرب، ولم ينفع الكنيسةَ الغربية منعٌ أو تهديد، فإن التيار العلمي العقلاني كان قويّاً. وفي كلّ مرّة كانت الكنيسة الكاثوليكيّة تتنازل لصالح ما كانت تحاربُه: مَنعت أولاً كتب أرسطو الطبيعيّة ثم سَمحت بها. ألقت الحرمان على آراء توما الأكويني ثمّ كرّسته بعد ذلك قدّيساً.. وقفت إلى جانب اللاهوت ضد الفلسفة ثم تنازلت، سجنت غاليليو ثم تراجعت.. وسيظل تاريخ الحضارة الغربية تاريخَ هذا الصراع المستمرّ المحسوم دوماً بتراجع من الكنيسة الكاثوليكية لصالح ما كان قد أدانته، وسيستمرّ الحال حتى القرن العشرين. فبعض كتب برغسون الفيلسوف الروحي قد مُنِعت إلى أن أزال مجمع الفاتيكان الثاني كتب المنع وأطلق رياح حركةٍ جديدة.
وليس من المستغرَب والحال كذلك أن تكون إحدى مطالب إعلان حقوق الإنسان والمواطن أيام الثورة الفرنسية عدم التعرّض لأيّ كان لآرائه حتى الدينية.
هذا الصراع بين المقدّس والأرض سيطبع الحضارة الغربية بأسرها إلى يومنا هذا، إذ تبدو وكأنها محاولةٌ دائمة للتخلّص من الدين المسيحي، فلا عجب إذاً إذا كان 62% من الفرنسيين في هذا العام يجهلون ما معنى يوم الجمعة العظيمة، وكانت عطلة الفصح تعني لهم قبل كل شيء عرقلة السير والازدحام (استقصاء نشرته مؤخّراً جريدة باريسيّة). وما الحضارة التكنيكيّة الحاليّة سوى حضارة كبرياء الإنسان وإخضاعه الطبيعة لإرادته.
حين نُقِل الفكر الإغريقي مع شرح ابن رشد إلى الغرب حدث الصدام الذي عرفه العرب بين نَصّ وحي وبين نصّ وثني، ولكن المعطيات تغيّرت، ففي الغرب نحن أمام شعوب جديدة غزت روما وما تزال تتدفّق طاقةً، وكنيسةٍ تهيمن على التعليم وتمثّل السلطة الدينيّة العليا والمرجع الأخير. وظاهرة وجود الكنيسة في الغرب وعدم وجودها في الإسلام لم تُدرَس كما يجب وإن أشار إليها البعض إشارةً عابرة، وسأحاول بموضوعيّة الباحث وبقدر الإمكان إظهار النتائج.
النتيجة الأولى لعدم وجود ظاهرة الكنيسة بشكلها الغربي في الإسلام كانت أنها جنّبت الدولة الإسلاميّة الصراع الذي نشب باستمرار بين البابا والأمبراطور لحكم العالم، فصراع البابا بونيفاس السابع مع فيليب الجميل، والبابا غريغوريوس السابع مع هنري الرابع، والبابا الاسكندر الثالث مع فريدريك بربروس ذي اللحية الصهباء، والبابا غريغوريوس العاشر مع فريدريك الثاني معروفة. (أنظر كتاب المؤرّخ بييرير المذكور سابقاً، ص 44).
وتختصر هذا الوضع جملة فيليب أغسطس حين قال: "ما أسعد صلاح الدين.. فليس عنده بابا". (رينان: المصنف المذكور، ص 223). وقد رأينا أنه لولا حماية جمهوريّة البندقيّة لما استطاع بعض الفلاسفة النجاة من الحرمان.
أما النتيجة الثانية الهامّة على الصعيد الفكري فهو أن دور الزمن اختلف اختلافاً جذرياً بين الحضارتين العربية والغربية، ففي الحضارة العربية كان كل شيء يتوقف على الخليفة نفسه، فإما أن يشجّع الانطلاقة العلميّة أو يوقفها، وهذا ما أدّى بالحضارة العربيّة لأن تصبح حضارة تعود أحياناً من حيث بدأت، وما زال دور الفرد كحاكم يلعب دوراً هاماً، في حين أن الزمن كان يلعب دوراً تراكميّاً في الغرب، فما قبلت به الكنيسة الغربية كان يصبح أمراً مكتسباً لا رجوع عنه في معظم الأحيان. التيار يضغط والكنيسة تتنازل. علاقةٌ جدليّة بين معطيات العصر ومتطلباته وبين تكيّف الكنيسة الغربية معها. الحضارة الغربية هي إذاً حضارة تراكميّة منذ سبعة قرون على الأقلّ.
4ـ كيف يمكن للعرب المساهمة في الحضارة الحاضرة؟
إن كانت الحضارة التكنيكية هي وليدة صراعٍ مرير، وإن كان التقدّم هو وليد تراكم زمني، فإن التخلّف هو وليد زمن متراكم لا يتحرّك. والواقع أن العرب منذ إحراق كتب ابن رشد حاولوا الرجوع إلى حصنٍ منيع من الأخلاق يبحثون فيه عن قيَمٍ لا يغيّرها الزمان، وكانت معظم محاولات الإصلاح محاولات إصلاح دينيّ يخاطب الفرد ويحاول دلَّه على طريق الصلاح، وكان شعارهم دائماً قول الشاعر:
"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
إن التمسّك بالفضيلة ظلَّ شعارَنا.. وآمل ألا أشتط على الواقع ـ ذلك أني قبل كل شيء أبحث عن حقيقة ذاتي كعربي ـ حين أقول أن نوعاً من الإيديولوجيا غير المعلَنة يسيطر على العالم العربي. هذه الأيديولوجيا تقول ببساطة: إن الغرب هو رمز الانحلال، والمعسكر الشرقي ملحد.. فنبقى نحن إذاً رمز الإيمان والفضائل.
ولي بعض الملاحظات: هل تعني الحضارة الأخلاق؟
لقد كتب أحد الكتّاب مؤخّراً مقالاً في جريدة اللوموند الفرنسيّة يتعجّب كيف أن الأخلاق لم تتقدّم في الغرب منذ قرنين على الأقل.
والواقع أن لكل حضارة جرائمَها الخاصّة بها. ومع احترامي لكل مثَلٍ نبيل ـ والعرب يريدون دوماً أن يضربوا المثل بالنبل والمروءة، وقد لقّنوا العالم دروساً في هذا المضمار، لعلّ أشهرَها ما فعله صلاح الدين حين فتح القدس ولم يسفِك الدماء، غير أني أقول ـ ما دام البحث يدور حول ابن رشد ـ أن هناك لوحةً تعود للقرن الخامس عشر رسمها الإيطالي غوزولي اسمها انتصار توما الأكويني، وتمثّل هذا الأخير منتصراً وإلى جانبيه أفلاطون وأرسطو، وتحت قدميه ابن رشد شاغل الغرب وأحد أسس حضارته.
ولكيلا تبقى هذه اللوحة رمزاً لواقعٍ مرير لا بدّ من إطلاق العقل العربي من كلّ قيوده. وكذلك أحبّ أن أشدّد على أن أحد مظاهر الحضارة هو التقدّم في عصر التكنولوجيا ـ [وهي] مفهوم مادي بمعنى أنه يخلّف وراءه معطياتٍ مجسّمةً قابلةً للاستعمال. والحضارة بهذا الصدد تعني تكيّف الانسان بالمعطيات الجديدة والتغلّب على التحدّيات التي تواجهه.
هل معنى ذلك أن علينا نقل مادّية الغرب مع تكنولوجيّته؟
لا. فكلٌّ يتكيّف بطريقته. والحضارة الأصيلة هي التي تشقّ طريقاً أصيلةً لهذا التكيّف.
والأصالة لا تتفجّر [إلا] "من ينبوعٍ فُتِحت أمامه الآفاق، لا سُدَّت بوجهه الطرق". لذا فكيلا يبقى ابن رشد يتيماً بين غربٍ استفاد منه إلى أقصى ما يستطيع الفكر أن يستفيد، ثم رمى به إلى بحيرة النسيان، وبين أمّةٍ عربيّة دفَنَتْهُ دون أن تذرف دمعةَ تحسّر على خسارة هذا العقل الجبّار، وكيلا نحرق كتب ابن رشد في الساحة العامّة من جديد ونرقص على نيرانها فرحاً وطرباً، علينا أن نطلق العقل العربي الخلاّق من كل قيود التزمّت ومن غبار سبعة قرونٍ من التخلّف والخوف من كلّ جديد.
إن حرّية الكلمة التي كرّس لها ابن رشد كلَّ عمرِه المديد, ودفع ثمنها غالياً من الذلّ والإهانة وهو في أواخر شيخوخته، والتي انتصرت في الغرب بعد قرون من الصراع مع الخوف من كل علم واكتشاف لتنتج الحضارة التكنولوجيّة المعاصرة، يجب أن تصبح (حريّة الكلمة) المحرّكَ االأول الذي يمدّ كلَّ إنسانٍ عربيّ بدمٍ جديد لمواجهة تحديات العصر بعقلٍ متفتّح [...] نابذٍ لكل ما يُنسَج من أساطير، متغلّبٍ على ردّة فعل الخائف العاجز المسحوق الذي لا يجد ملاذاً إلا في ركنٍ معتم منزوٍ من ماضٍ يضيئه خيالُه المريض، بعد أن عطّل السحقُ والقهرُ والبؤسُ عقلَه عن الانطلاق نحو آفاقِ الخلقِ والابداع.