عن رواية "طيور الرغبة"... بقلم فرح الدهني

أبريل 29, 2016 اضف تعليق

 

مقدمة:

نعم! إنّ للرغبة طيوراً تحوم في فضاءات الأماكن، وإن احترقت أجنحتها بألسنة نيران الحرب ... وهي ليست بوماً تبشّرنا بسبع سنواتٍ خيراً أو تنبئنا بالقحط، ولا هي صقور تتربّص لمجتمعنا بعينٍ لئيمة... إنّها عصافير دوريّة هاجرت ذات صقيعٍ روحيٍّ من موطنها "عرش إيل" إلى "بيروت"، طمعاً بما يطفئ لهيب رغباتها الباحثة عن الاستقرار في عوالم التشتت والضياع، والأمان في أرض الخيبات والحنين ...

وقد أطلق الكاتب محمد الحجيري تلك الطيور من أقفاصها في رحلة استذكار لصور بيروت بشوارعها وأحيائها وذاكرتها، عاشت حرباً دامية خلّفت فجوات في الكيان اللبناني إثر التهجير والفرز الديني والمناطقي، لا تقل عمقاً عن تلك التي أحدثتها في بناها التحتية والعمرانية، مشكّلةً بدورها الصورة الحية لفظائع تلك المرحلة وسوداويتها.

والحقّ، انّي لم أتوقّف عند رواية "طيور الرغبة" لأنبش قبر الحرب، لأنها لم تُدفن أصلاً. فشبحها لا ينفكّ يطارد ذاكرتنا باستمرار مع كل انتكاسة أو أزمة، هذا فضلاً عن الكتب المصفّقة في المكتبات، وهي تنضح بما فيها من رزايا الأحداث اللبنانية وهرطقاتها... بل تناولتها لأسلّط الضوء على زُبدة الرواية ربطاً بسيكولوجية الشخصيات والراوي . وهي دراسة، لا تهدف إلى النقد، بقدر ما هي محاولة متواضعة لتسجيل رأي، كتعليقٍ على الورقة الأخيرة من رواية تستحق الوقوف عندها .
 
********** 

الرواية في أسطر:

... دون أن يخبر والدته عزمه على الرحيل، استيقظ الكاتب ذات صباح متنبهاً إلى كونه لم يغادر "عرش إيل" يوماً، وهي بلدته التي تحمل اسم أعظم الآلهة "إيل" حسب الميثولوجيا الكنعانية القديمة... لبس الفتى المغمور ثيابه وحذاءه الصيني ورحل، بحثاً عن معنى الحياة، كرجل أعمى يفتّش عن طريقه بعصاه.

ومن هنا تبدأ رحلتنا مع الكاتب في قطار الحكايا السائر على شفير خطين متوازيين في الرواية: رغباته وعشقه للمطالعة، خلال فترة كان لبنان يرزح تحت نير الأحزاب والميليشيات، والتمزق الداخلي.                                                             

وإن كانت الرواية تستمد حياتها من الحرب وتداعياتها، إلاّ انّها لم تعش في جلبابها، بل كان السرد سائحاً في أروقة المدينة التائهة، ومرآة لأحوال أناسها "عليك أن تسمع الحكايات أو الأفكار المرميّة بين القمامة ووقعها عليك لن يكون أقل من زئير أسد".

... وأولى محطات هذا القطار كانت ثكنة الشيوعيين في بلدة الرميلة الساحلية. وفيها اختبر الشيوعي الصغير دوامةً من المشاعر المتضاربة: الوحشة والقلق، التردد في العودة إلى الأرض الأم، الانصياع لوحش الرغبة مع طيف "ربى الطقش"، الضجر، وبحثه الدائم عن الكتب ككنز مفقود تحت التراب .

وعطفاً على حديثه عن شهيد الحزب "مخايل"، تراءت لنا نظرته إلى الشهادة، بحيث يعتبرها حماقة كبرى، ونوعاً من الإدانة البشرية، وإشارة إلى عدم توفر السلام في لبنان،لا بل الجدران أكثر حرية من الإنسان المحكوم عليه بالفناء، مقتبساً قول "بورخيس": "الخلود عينه ليس بشيء، لأن الموجودات كلها باستثناء الإنسان خالدة بسبب جهلها بالموت".

وعند انتهاء الحرب، وتهاوي اليسار اللبناني، اختتم المحطة الأولى بشاهد يختصر موقفه من تلك المرحلة: "الياس أبو عتمة بقي يسارياً لكنه كان يشتم الشيوعية، لأنهم بلا اخلاق، وفي لحظة تخلّوا عن الشهداء وأسرهم،

كأنهم ماتوا في حوادث سير".

ثمّ استأنف قطار الحكايات مشواره إلى محطته الثانية في "سقي الحدث"، حيث قضى الكاتب سنوات في شقة والده المستأجرة من "طوني حداد" بعد نهاية العام الدراسي 1991.


وهناك لم ينسجم مع المكان، بل بغِضَ كلَّ شيء، وكأنه لم يمضِ يومًاً واحداً فيه. وبين امتعاضه من احتكار الأرض لوالده أربعة عقود بعيداً عن "عرش إيل" وصوت أزيز الرصاص، يحدّثنا الفتى المراهق عن نزقه الصبياني ورغبته في التسكّع الدائم، قاضياً أوقاته في تأمُّل سيارات المارين أو السير في شوارع المنطقة وبين أبنيتها، أو "البصبصة" على الجارات (زينة، سوسو، وريتا...).

... ثمّ يشرّع الراوي أبواب العاصمة "بيروت"، ويسبر أغوار عالم جديد وواسع، بعد مغادرته "سقي الحدث"، واطئاً خطواته الاولى في شارع "جبل العرب"، حيث عمل حارساً في مبنى الإذاعة،وتحمل صلافة العابرين وعهرهم اليومي، متخطياً رتابة الكهف الذي قطن فيه بالقراءة التي وجد لها موردًا في إحدى مستودعات دور النشر "ماذا تعني الحياة من دون سماء ونجوم وشمس وأشجار؟"، "ليس من الضروري أن يفقد المرء بصره حتى يصبح مجرد أعمى، فالجالس في المستودع كالنائم في القبر".

ومن محيط الإذاعة وأروقتها يروي لنا الكاتب -على حد تعبيره- عشرات الحماقات التي كانت تحصل هناك: من تصرّفات "وسيم يرق" التّائق إلى زمن التشبيح باسم القائد، إلى "ياسر أبو عمار" الهائم بحلم العزف على الغيتار في بيروت، بيد أنّ رصاصة واحدة طائشة في رأسه كانت كافية لقتل حلمه، إلى "كميل ضاهر" الذي روى له حكايا الاعتقال في سجن الخيام وهو طريح المستشفى، وأُرديَ بصدمةٍ من سيارة خلال حرب "عناقيد الغضب"، إلى رانيا أبو صلاح التي أضحت الشغل الشاغل للراوي كل ليلة، مطلقاً العنان لحركة مقلتيه وهو يراقبها في غرفة نومها من الطابق الحادي عشر، إلى مسعود حنا ذي السمعة السيئة مع النساء ومنهنّ نهى علوش ابنة الشهيد، وزيفه السلوكي للقفز من منصب حزبي إلى آخر ولو على جثث الآخرين.

..ومن سطح مبنى الإذاعة يعود الكاتب ليطل علينا من جديد، في فصل جديد، من مبنى"لا كازا" في شارع "الحمرا".

وفي هذا الأخير يقول: "شارع الحمرا يبني نساء من خيال، كأنهن هاربات من أفلام هوليوودية"، "الحمرا أشبه بمسرح دائم.ضمّت كل شيء: اللصوص والقوادين، الأغنياء والفقراء،المومسات والمحجبات،الهمجية والرقة". وعلى متن هذه العبارات يجول بنا الكاتب في أروقة المدينة العصيّة على الثّبات،  بادئاً بالمقاهي التي رضخت تحت نير الإقفال لأسباب غامضة مثل: "كافيه دو باري"، "مودكا"، "ويمبي" وغيرها...

ثمّ يتابع سرده قُدماً في دهاليز المباغي والمواخير الحقيرة التي ارتادها ليفرج عن كبته، وربما ليهرب من تيهه في القاع...إلاّ أنّه خلُص من تجاربه (مردفاً كلامه باقتباسات "لكافكا")، بأنّ الجنس مخزٍ، وأنه رديف القرف والوساخة والرعب.


"-بتتعاطى الحشيش ؟ لا! أنا عايش برواق، البعض بظن إني بتعاطى.. كل اللي بعرفهم بالشارع بيتعاطو ! (تضحك)...." هي "سارة حوماني"، الفتاة المستهترة التي تعرّفتْ على الراوي في مقهى، ولم يكن قد ارتبط بفتيات من قبل "وقعت في غرامي لأسبوع واحد فحسب... كانت تلتقيني كما تقرأ الروايات، وكنت ألتقيها وأحسب أنها ستكون فصلا من رواية".

لكنّ رغبتها القوية وكبت الراوي المزمن جعلاه يعرّفها على مكان سكنه المتواضع، في حين كان يخفي العنوان عن رفاقه. "الرغبة تدفع الكبرياء إلى الاستسلام".

... ثم ساقه القدر والجيب الفارغ والتشرد اليومي إلى العمل في الصحافة الفنية، في جريدة جديدة صدرت في بيروت، بعد سنوات من التسول الكتابي السياسي هنا وهناك عن السيادة اللبنانية والاحتلال السوري.

وفي معرض حديثه عن فنانة مغرورة كان قد أجرى مقابلة معها، يستذكر قصة "الأنف" لغوغول. إذ يستيقظ العقيد كوفاليف ليكتشف أن أنفه قد تلاشى أثناء الليل، فراح يتجول في المدينة مرتديًا بِذلة رسمية، ينحني للنبلاء ويصلي في الكنيسة إلخ... رامياً من خلالها الخلوص إلى أنّ الأنف يسبق الإنسان دائماً في الظهور على مسرح الأحداث.

...والرواية التي بدأت برحلة في المكان تتحول إلى رحلة في الزمان، بعد انتقال الكاتب إلى "عين الرمانة"، خلال فترة يعيش فيها لبنان تداعيات اغتيال رفيق الحريري "أنا في عين الرمانة، هنا البوسطة".

المكان وحده كان كفيلاً ليستذكر فيه الراوي روايات عن "البوسطة"، وخاصة تلك التي أخبرته بها والدته، أي عن زيارتها الأولى إلى بيروت برفقته وهو رضيع في عمر السنة لرؤية خالته في الميتم، وحكايا أخرى لشخصيات ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بالبوسطة مثل: أبو رضا، (أ.ز) ، و علي مطر.

...أما "زليخة" فهي تلك الصبية التي زارته في مكتب الجريدة بحثاً عن عمل لها، فخفق قلبه لها ولم يحبها إلى الأبد، لأنه أيقن، بعد استفاقته من سكرة الرغبة في الحب، بأنها مجرد وهم عاشه بقلق كما القلق الذي عاشه خلال حرب تموز 2006 .

ولشجب ملله وتململه من تداعيات السياسة التي أضحت على حد قوله- تُدار من تحت الأرض، كان يقتل الوقت بارتياد المقاهي حينًا، وقراءة الكتب، مثال: "المحاكمة" ل "كافكا" وشذرات ل "سيوران"، مصحوبة بمعاقرة الخمرة أو البصبصة على النساء، ليطفئ بعضاً من نيران رغباته، رافداً سرده بقصص تروي نفسها عن "سعاد" و"زليخة"، "ابراهيم طراف" ، "ستيفاني نصار"،"عادل رضا"، وغيرهم....


...وفي محطّة الفصل الأخير، نشعر بجمرةٍ انطفأت تحت رمادها.

شارع الحمرا أضحى صورة باهتة في مخيلته، فهرب في نهاية المطاف من بطء الحياة في بيروت، لينتقل إلى مكان آخر يسوده الهدوء والسكينة.

وكان للموت حضور جليّ في الأوراق الأخيرة من الكتاب، عند وفاة جده ومن بعده والده، وكشْف تأثير موتيْهما على المحيطين...

وانتهت الرواية هنا...حين مات والد الكاتب...وربما...لهذا السبب توقف الحجيري عن الكتابة.




قراءة في الرواية:

أن تفتح أنامُك دفّتي كتاب "طيور الرغبة " ليكون جليسك، فأنت إذاً تُشرّع باب ذاكرةٍ على مصراعيه، لتدخل في دهاليز مدينة اعتدتَ رؤيتها من الأعلى، حيث تتجلّى لك الرومنطيقية في صورة عاصمة ليلها مرصّع بالنجوم، فتصبح قارئاً ومشاهداً في آن .

وبحسبي أن أعرض عليكم، بعد قراءتي للرواية، النقاط التي توقفتُ عندها، متأمّلةً أن أكون قد أصبت في تحليلي لفحواها، وكشْف ما تخفيه بين اسطرها :

الكتابة شكل من أشكال الموت.
 




في مستهل الرواية، يلمس القارئ أن الكاتب لم يرتدِ زيّ البطل الأسطوريّ، أو الضحية التي جار عليها الزمان، وإنّما ترك عناء السرد لذاكرته، وكأنّه تقصّد التّخفي في كواليس الأحداث، وجعْل القارئ أمام مشاهد مرئيّة لا راوي لها "تركت ذاكرتي تروي نفسها من دون عناء السرد الروائي ومشقّته، بل تركت الأحداث تروي نفسها"، ولكن مَن ذا الذي يقود مجريات الرواية ما لم يكن هناك بطل؟!

في قراءة أفقيّة سريعة لعناوين الفصول في الرواية، قبل التوغل في دغلها، نلاحظ أن الحجيري قد منح دور البطولة للأماكن لا للأشخاص الذين مرّوا في حياته "سأترك هامش البطولة إلى الأماكن"، بحيث تخال السرد الروائيّ قماشةً دأبَ الكاتب على خياطتها من قصاصات متباينة الشكل واللون مُنتَزعة من أحداث ارتبطت بأمكنة معيّنة كوّنتْ نظرتنا إليها، فأتت الرواية مقسّمة الى مجموعة أسماء لأماكن :"الرميلة"، "سقي الحدث"، شارع "جبل العرب"، وشارع "الحمرا"، و"عين الرمانة"، و"عرش ايل".

والكاتب لم يعمد إلى نقل سيرته الحياتية من مسوّدة ذاكرته إلى الورقة البيضاء، كما يفعل معظم الروائيين في باكورة نتاجاتهم، معتبراً أنّ في البوح تعذيباً للذات " في البوح شيء من المازوشية وجلد للذات، والبوح فيه شيء من رائحة الغفرانية العفنة"، " الاعتراف كذب عصري"... وهو مبدأ ذكيّ من قبله للتّملّص من الكتابة عن حياته الشخصية.

إلاّ أنّ توصيف الكاتب للسيرة الذاتية يذكّرنا تلقائياً بمقولة لـ"فرانتس كافكا"، يصوّر فيها الكتابة بأنّها استباحةً للألم: "الكتابة انفتاح جرحٍ ما"...

ويذكّرنا أيضاً بمقدّمة رواية "الحارس في حقل الشوفان" للروائي "سالينجر"، حيث يطلق بطلها "كولفيلد" عباراته المعهودة: "أغلب الظن أنّ أوّل ما ترغب في معرفته هو المكان الذي ولدت فيه، وكيف أمضيت طفولتي التّعسة...وكلّ هذا اللّغو الذي تعوّدناه، ولكنني لا أشعر برغبة في فتح هذه الموضوعات فهي تضجرني، كما أنني لا أنوي رواية سيرتي الذاتية اللّعينة، أو شيئاً كهذا، سوف أروي تلك الاحداث الجنونيّة التي مرّت بي ...."


رفض السائد والمفروض



إنّ شخصية الكاتب تبدو جليّة الملامح في الرواية، أي في رفضِها للسائد والمفروض، وجرأتِها العالية في تناوُل الموضوعات التي تُعدّ في مجتمعنا خطوطاً حمراء، وتسميةِ الأمور بأسمائها من دون مواربة، محطّمةً "تابو" التعبير عن جموح النفس ورغباتها، التي وإن تطرّق إليها الكتّاب التقليديون، فغالباً ما تكون بأسلوب تلميحيّ ومموّه (ربما لأسباب تتعلق بالرقابة )، بادئاً من ثكنة الرميلة حيث حرّر فيها أول طيور رغباته "في لحظة كأن الجنيّ يخرج مني، أو كأني أكتشف عالماً مجهولاً غريباً عني، تتقطع أنفاسي، أرتبك، أشعر باللّذة، أشعر بالألم، كأني كشفت سري بنفسي، أحاول إخفاء الاكتشاف، وتكرار لذّته"، مستتبعاً تحطيمه للتابوهات من خلال سرده للحياة البوهيميّة التي عاشها الكاتب في قاع المدينة، لطالما كان يهرب منها بالعبث وقرع الكؤوس وارتياد المواخير "بعد الرغبة بقليل صرت أنظر إلى جسدها، أظنه كيس قمامة، أو مجرد تلّ من اللحم، ألف "تفه" لا تكفي لأزيل الشعور بالقرف ".

إلاّ أنّ هذا الطريق الذي شقّه الكاتب في روايته للتعبير عن مكنونات النفس، يذكرنا برواية "يوليسيس" للايرلندي  جيمس جويس، وهي رواية اثارت جدلاً كبيراً، إذ اعتبرتها الرقابة في العشرينيات من القرن الماضي أدباً فاحشاً ، ما عرضها للحظر والمحاكمة في الولايات المتحدة عام 1921، ولكنها عادت بعد أن ترسخت مفاهيم الحرية الفكرية في العالم الغربي، لتتصدر قائمة أفضل الروايات في القرن العشرين، ونستذكر لهذه الغاية على سبيل المثال وصف جيمس للبحر الميت بأنه فرج العالم الغائر العميق....


ورغم أنني أحبّذ لو أن الكاتب استأصل من الأحداث بعض العبارات الصارخة، والألفاظ الجريئة، أو على الأقل دوّرَها بما لا يربك القارئ، إلاّ أنني أقرأ - من زاوية أخرى- هذه التلقائية والموضوعية في نقل المشاهد وطرح المواضيع، بأنها تعكس، إلى حد بعيد، ذاكرة الأماكن التي قضى فيها شبابه،
وأحداثها ومواطنيها، وحتى الأثر النفسي الذي تركته فيه...

لذا فالثوب الجريء الذي ألبسه الكاتب لكلماته لم يكن مبتذلاً بقدر ما أتى لينقل بؤس المجتمع والندوب التي تركتها فيه الحرب، من قتل ونفاق وخيانة وتشرذم...

هذا فضلاً عن محاولة الكاتب التفلّت من أفكار أيديولوجية وسياسية كان ذائباً فيها، وتحطيم تابوهات، كتمجيد الشهادة والقادة الحزبيين ورموز القومية "قتل ابن عمي، لا أعرف كيف ولماذا. وربما كان الهدف القاء خطبة سياسية في بلدتي بالذات. القتلى هم بسملة الخطب للأحزاب..."، وكالشيوعية التي لم يجدها سوى في الكتب، والثورات التي اعتبر لا جدوى منها في مجتمعات متزمّتة: "ينتابني شعور أنّ أكبر جدار في وجه الثورات هو غشاء البكارة الذي لا نقدر أن نتخطّاه منذ أبصرت عيوننا نور الشمس".

إنّ هذا التمرّد الساري في الرواية، على فكرة الأيقونة والقائد المقدّس، يُشبه إلى حدّ بعيد أنموذج الكتابات التي عُرفت بكتابات الغاضبين في اميركا، وخاصة في رواية "الحارس في حقل الشوفان"، كونها تعبّر عن الاشمئزاز والتقزز الأخلاقيين اللّذيْن يعاني منهما صبي في السادس عشر من عمره تجاه المجتمع الأمريكي. فهو يرى أنّ الكلّ- باستثناء الأطفال- مزيفون.


المطالعة داء ودواء



المطالعة هي تلك المرأة النزقة التي تجعل الرجال مبدعين. فأينما حلّ الكاتب كانت القراءة هي ذاك الشغف الذي يتوق إليه دائماً، فتتآلف صورة الفتى الطائر على أجنحة رغباته والرجل التائق دائماً إلى الحبر، لتشكّلا معاً لوحةً بديعة : "كان لديّ جوع للقراءة، وأفضّل شراء الكتب على تناول السندوتش والحديث مع النساء".

وممّا لا شكّ فيه أنّ الكاتب يجيد خلط ذاكرة المكان بذاكرة الكتب في نسجه لحكاياه، بعبارات تامّة وقصيرة، وحوارات مقتضبة باللهجة المحكية إن لزم الأمر، مبتعداً عن عالم التخيل والصنعة الفنية اللذين لا يتوافقان مع واقعية الذاكرة التي تروي نفسها، مفتتحاً فصول روايته باقتباسات لافتة مثل: "الإنسان رب حين يحلم، وشحاذ حين يفكر"- هولدرلين، "حين كنت طفلاً لم اكن اعرف الموت"- بورخيس...

لذلك كثيراً ما نقتفي في ثنايا الرواية آثار مطالعاته، بحيث يأتي الكاتب على ذِكر العديد من الروائيين، مثال: كافكا، خوسيه ساراماغو، ميلان كونديرا، آني آرنو، غوته، بورخيس، أفلاطون وغيرهم .


إنّ هذه البانوراما المعرفية الواسعة لدى الكاتب، لا تتسم بالاستعراض الثقافيّ، بقدر ما هي موظفة بشكل جيد في بنية الرواية بما تقتضيه الحاجة في سرد الحكايا وكشف سيكولوجية الشخصيات مقارنة بأخرى واردة في اعمال روائية عالمية وشعرية وفلسفية، وأستذكر لهذه الغاية بعضاً منها: " كلما رأيت "صرصار" راوي الحاج في مكتبتي أتذكر نسمة فواز. راوي الحاج يفتنني في سفره الكتابي، بطل روايته يتردد إلى طبيب نفسي...إلخ" ،"كافكا أيضاً ممتع في "المسخ". فبطل الرواية غريغور سامسا يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه أنه قد تحول صرصاراً"، وغيرها الكثير...


العاطفة المفقودة

في بداية الرواية رأى الكاتب الوحيد لأمه والدَه ميتاً في الحلم، وفي خاتمتها رآه ميتاً في الواقع، وبين الرؤيتيْن يُحاصر الفقد السرد من ألفه إلى يائه، انطلاقاً من ذاته ، إلى الأشخاص الذين كتب عنهم، وحتى الأماكن ...

الراوي ترك بلدته ومدرسته في سن مبكرة، بحثاً عن الحياة التي أرادها ، في ظل غياب الأب الذي صرف وكده في عمل الأرض بعيداً عن العائلة، فوجد الأوّل نفسه مدفوعاً إلى بناء شخصيته والوصول إلى رجولته بعيداً عن هالة الأب الأسريّة، الذي لم يكن يناديه ب "أبي" ولم يرتكب بحقّه جريمة : "لن أقتل أبي لأنّه غير موجود"، بيد أنّ ذلك انعكس في شخصيته تردّداً وضياعاً وشعوراً بالفقد: "التردد هو الوحش النفسي الذي تشمئز منه حياتي، ويسرق مني الطمأنينة. أينما ذهبت يجلس في حضني، يشم رائحتي ويقرأ أفكاري ، يتدخل في كل شاردة وواردة في حياتي، إلى حد أعجز عن التحرك وفعل أيّ شيء".

وهذا الشعور بغياب الأب بقي مخيماً على حياته ،منعكساً على علاقاته بالآخرين، فظلّ طيف والده ملازماً له في كل مكان.... ولكن حين توفي، انقلبت الأمور رأساً على عقب، إذ توقّف الكاتب عن الكتابة لأنه لم يعُد يجد ما يستحق ذلك بعد موت أبيه.


نوستالجيا ضبابيّة


في الصفحة الحادية والعشرين يسأل الكاتب: "هل الاعتراف وسيلة للنجاة من طوق الحنين؟"

ويجيب عن سؤاله بتحليلٍ لكلمة "نوستالجيا" ورد في رواية "الجهل" لصاحبها كونديرا، ومن خلاله نستنبط نظرة الحجيري لثنائية البعد والحنين "الحنين هو العذاب نتيجة الرغبة المجهضة وغير المشبعة في العودة، والبُعد قد يخدع لأنه يسيطر عليه الحلم والوهم".

نعم. الحنين يتقاطع مع احداث الرواية في مكان ما ، ولكنه لا يسير معها على طول الدرب. فالكاتب يرمي أحجار الرفض على كل مَن وما يعبر في ذاكرته، محاولاً التنصّل من أيّ علاقة مهما بلغت درجة حميميتها، وعدم التورُّط مع أيٍّ من شخصيات الرواية. عباراته قصيرة، وقلّما وردتْ مركبة. تضارع إلى حدّ كبير رغبته في التّملّص من أوصال الشبكة العائلية والجذور ومسقط الرأس، إلاّ انّه لم يفُز بذلك ، فأينما حلّ كان يجد بعض مواطنيه، وكأنّ ذويه صخرة دكّها القدر، فانتشرت في كل مكان احجاراً تشهد عليها.


الرجل السيمفونية


استجاب لهتاف المدينة فسقط في قاعها.. هو مكافح كابد المعاناة وتجرّعها منذ صغره ، وعصاميّ ارتقى بنفسه من التسكع، إلى عمل الصحافة فالاستقرار العائليّ.

هو ناقم على والده، ولكنه يحتفظ بصورته في ذهنه إلى الابد: " مات أبي وبقي محنطاً في ذاكرتي مثل جثمان لينين" ...

هو هادئ، معروف بصمته، سريع الضجَر، عاشق للمرأة، للقراءة، خجول، منطوٍ على نفسه، صحافي جريء، قاسٍ وحنون، متيّم حدّ الموت وهارب... هو رجل سيمفونية!

وشكراً...

*صدرت الرواية عن منشورات ضفاف بيروت 2013



 


إيشوع الناصري

أبريل 29, 2016 اضف تعليق
عن صفحة


Mahmoud Zibawi  .


منذ العصر العباسي وصولا إلى الأزمنة الحديثة، سعى عدد من العلماء المسلمين إلى التعريف بالمسيحية وبعقائدها وفرقها تعريفا موضوعيا "مجرّداً".
في العصر العباسي الذهبي، حاول أبو الحسن المسعودي التعرّف على العقيدة المسيحية من "الداخل"، وكتب في "التنبيه والإشراف" رواية مختزلة لسيرة "إيشوع الناصري" عرضها في باب "ذكر الطبقة الأولى من ملوك الروم".
يبدأ المؤلف بتحديد زمن الميلاد: "كان مولد المسيح عليه السلام ببيت لحم من بلاد فلسطين، وكانت مريم يوم ولدته بنت ثلاث عشرة سنة عند النصارى، وكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة منها بعد رفع المسيح ست سنين، فكان من آدم إلى مولده عندهم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وست سنين".
من الميلاد، ينتقل المسعودي إلى ذكر معمودية المسيح في نهر الأردن: "عُمَّد إيشوع الناصري عند النصارى في نهر الأردن، وكان المعمّد له ابن خالته يحيى بن زكريا، ولذلك سُمِّي يحيى المعمداني، واسم أمه صابات، وكان أكبر من إيشوع بستة أشهر".
بعد ذكر المعمودية، يتحدّث أبو الحسن عن صلب المسيح "عند النصارى"، وهو عندهم "مثل اليوم الذي أهبط فيه آدم من الجنة، ومات عندهم ودُفن وقام وانبعث من بين الموتى حيا، وصعد إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة، ولا يصعد عندهم إلى السماء إلا من نزل منها"،
 والقول الأخير مستعار من إنجيل يوحنا (3، 13): "فما من أحد يصعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء وهو ابن الإنسان".

الصورة: الإنزال عن الصليب، قطعة خزفية من القرن الثالث عشر، من محفوظات المتحف الإسلامي في القاهرة.

فرح دهني... نظرتي عن قرب لرواية "انقطاعات الموت " لخوسيه ساراماغو

أبريل 19, 2016 اضف تعليق
 
....أن تصبح ورقة صفراء أو زهرة لوز. أنتَ حرّ. المهمّ أنّك لستَ الإنسان نفسه الذي كان قبل قراءة الرواية.

"انقطاعات الموت" هي حقّاً رواية بطعم القهوة، تبدؤها على مضض، فإذا أنت متورط بها حدّ التّلذّذ بها. تستميل كلّ حواسك، وتجذبك من عالمك إلى عالمها، فلا تستطيع منها الإنكفاء، حتّى تقرأ الجملة الاخيرة .

لا أتذكّر أنّني قرأت كتابًا عميقًا في تناوله لجوهر الوجود الإنساني بقوّة هذا الكتاب. فالملاحم والأساطير تناولت مسألة الخلود في أبعادها الرمزية، ولعل ملحمة جلجامش هي الأبرز في هذا السياق، لكن ساراماغو يعرض الموت ضمن فرضية فانتازية هادفة، ورؤية تنزع تلك القشرة السطحية المخملية التي يتلذّذ بملمسها الإنسان، بحيث لا تنظر في عينيه، لا تواجهه عينًا لعين ولا تحاكمه، بل تنظر معه في الخلفية حيث تحدث الأشياء الأكثر قذارة في الحياة.

إنّ الكاتب يتناول في روايته علاقتنا بالزّمن. إنّنا نموت دائمًا في الأخير، ولكن ماذا لو توقّف الموت عن قتلنا؟ ... وهو لا يصوّر لنا ذاك الموت الفردي الذّي اعتدناه في الكتب المقدسة وفي الروايات والشعر، بل هو موت آخر، موت حيّ، يعرف ما يفعل ويقوم به بدقة وحرفية.. هو موت متكلّم، ساخر بالوجود وأهله.

... في الرّواية يتوقّف الموت عن القتل في بلدة صغيرة بعد الساعة الثانية عشرة من رأس السنة، ولمدة سبعة اشهر متتالية. في البداية، إنّ إضراب الموت عن عمله كان كافياً لبثّ حالة من الفرح العارم لدى اهالي البلدة ، إذ نكّسوا الأعلام على الشرفات ، كمبادرة للتعبير عن مدى رضاهم وسرورهم، لكنهم شيئاً فشيئاً يدخلون تدريجيًا في القلق، وتبدأ فئات المجتمع على اختلافها في إيجاد الحلول لهذه المأساة الضّاغطة، لا موت في الأنحاء، وإحساس الكارثة يتعاظم، وهنا يجد ساراماغو مساحات طويلة ليمارس طريقته الخاصة في الإغواء والتّشويق، ليدفعك لملاحقة الأحداث، محرّكاً ثالوث المخيلة والمشاعر والعقل لديك.

وفي خضمّ الأحداث، صوّر الكاتب السلطة الدينية قد وقعت في الحيرة، إذ يعلن الكردينال: “من دون الموت لا وجود للانبعاث، ومن دون الانبعاث لا وجود للكنيسة”. وللحق، توقّفت كثيراًعند هذا التصريح. فهذا يفسّر إذاً أن لا حاجة للأديان في غياب الموت، وأنّ الدّين مسألة أرضية...
كذلك أظهرَ السلطة الوضعية ممثّلةً بوزير الصحة ورئيس الحكومة وغيرهما.. يعملان على التقليل من آثار الصدمة المربكة، رغم إرتباكهما أيضًا، بحيث أكّد الوزير الأول قائلاً : “الحكومة مهيأة لكل الاحتمالات التي يمكن تخيلها بشريا، ومصممة على أن تواجه بشجاعة، وبمساعدة المواطنين الضرورية، المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية المعقدة التي ستنشأ، دون ريب، عن انقطاع الموت بصورة نهائية”.

... تقرأ فتشعر وكأنّك تسقط في وادٍ. المواطنون المحبورين بالموت، سرعان ما اتضحت لهم الكوارث الناتجة عن غيابه. إذ تعثر نظام المعاشات التقاعدية، وأضحت المستشفيات مكتظة بالمرضى وخاصة هؤلاء الذين يعانون من امراض خطيرة ومميتة، كذلك دور المسنين ما عادت تتسع للعجزة ،فطالبت الحكومة بإنشاء دور كبيرة لها للتخفيف من المعضلة، ناهيك عن الانعكاسات السلبية لعمل عدد كبير من الفئات الشابة في خدمة الكبار، فأضحوا - كما يصفهم ساراماغو- كالحوت العظيم الذي يأكل الصغار.

كذلك عمدت مؤسسات تجهيز الموتى ودفنهم، للاستعاضة عن دفن الإنسان بالحيوان لتفادي الإفلاس، أما مؤسسات التأمين على الحياة فصارت على شفير الهاوية، وتذمر الأهالي أنفسهم من مرضاهم الميؤوس من شفائهم، ومن الشيوخ الطاعنين في السن، فعملوا على نقلهم إلى خارج حدود بلادهم المحصنة ضد الموت، كي يلقوا حتفهم حيث لا يزال الموت ممكناً ...

... لوهلة يخترق ذهنك صراخ الكائنات "لا أريد هواء، أريد أن أموت!"... ثمّ يلفتك تضرّع الجميع من أجل عودة الموت، ولكن يصدمك أنّه حتّى في الموت يستعمل الناس الأسلحة الحقيرة نفسها التّي أفسدت الإنسانيّة، وهي الفساد والرّشوة والتّخويف واستعمال شبكات "المافيا".

أضف إلى ذلك، يتلمس القارئ في ثنايا الرواية عناصر إبداعية تميّزها عن غيرها، كتوظيف لبعض الأساطير والأسماء الإغريقية المتمحورة حول فلسفة الموت، واللجوء إلى اقتباسات ميتافيزيقية (عند حديثه عن نظرة الفلاسفة إلى موت الموت في البلدة)، واللجوء إلى السخرية المريرة، مركّزاً على المفارقات اللفظية واللغوية، حين يعلق مثلاً أحد الوزراء على ظاهرة انقطاع الموت بالقول: هذه نهايتنا!!! (أي الموت نهاية.. وانقطاع الموت نهاية !! )

وتحدث بعد ذلك في الرّواية أحداث كثيرة، لن أتطرّق لها، حفاظًا على عامل التشويق المرافق لفعل القراءة ، لكننا بصورة عامة، نشعر وكأن صاحب “العمى”، و”الكهف”، قد اختلق هذه المعجزة الاستثنائية، كي يصوغ ملهاة روائية مفعمة بالسخرية، لنستفيق على حقيقة كنّا غافلين عنها.

نعم. بعد القراءة أنت لست الشّخص الذّي كنته، كنت تعرف قبل القراءة أنّ الموت والحياة مترافقان، لكنّك لم تكن متنبّهاً للكارثة في غياب الموت. كنت تعرف أنّك حيّ، ولكنك لم تكن تعلم أنّك كنت دائما مستغلاًّ من أناس يخاطبونك باسم الله وباسم القيم وباسم الموت أيضًا، ثمّ تصل إلى ما يريد ساراماغو قوله: يجب تقبل الموت كوجه العملة الآخر للحياة، فالمرء لا يستطيع العيش بدون الموت، لطالما كان الموت حقيقة مطلقة لاشك فيها وفق القاعدة الدينية "كل نفس ذائقة الموت"، وربّما لم نكن نفقه السبب.
ومن جهة اخرى، لفتني تعليق حول الرواية للصحافي "سامي نصر"، وكأنه يفضح فيه سرّ نكهتها الطيبة: "إنّ حضور البعد الغرائبي، أي تعطيل الزّمن، سمح لرواية كتبت بعصا عون الأمن، وقبضة معاون الميكانيكي، وثقافة المترجم، وروح الصّحفي الجوّال، ودقّة المصحّح في جريدة سيّارة، وألم المصاب بسكتة دماغية، أن تكون، لا نصّا محلّيا بسيطا يعبّر عن معاناة شخص أو طبقة، بل صرخة في وجه القهر والاستغلال والفساد والمواضعات التّافهة، ودعوة للتفكير في مصير الإنسانيّة الذي غلبت عليه الحقارات بأنواعها".
في الختام، إن ساراماغو لا يذكرنا بالموت في روايته ليدفعنا للخوف والقلق، ولكنه يسعى إلى تكريسه كفكرة بديهية لدينا، وكشرط لا بد منه لكي تستمر الحياة!

هل لنا في الشعر عزاء عن أسانا؟

أبريل 19, 2016 اضف تعليق

جوي كاتز.... ترجمة أحمد الشافعي



عندما ماتت أمي، قبل ثماني سنوات، توقفت عن قراءة الشعر. قد يكون من الغريب أن تقول شاعرة هذا، ولكنه الحقيقة. بل إنه لن يكون من المبالغة في شيء القول بأني كرهت الشعر بعدما ماتت أمي.
شعرت بالقصائد زائفة. وقاومت بصفة خاصة نوعية النصوص التي يكون دافعها البحث عن حل. هذه القصائد، التي أرسلها لي بعض الأصدقاء بدافع من حسن نواياهم، كانت تختزل الموت اختزالا. لم أكن لأطيق الانحصار في حدود "معاني"ـها في الوقت الذي كان حيز الحزن يتسع أمام عيني حتى لا تبدو له من نهاية.
جوي كاتز
وامتد سخطي على اللغة من الشعر إلى التفكير نفسه، التفكير من لحظة إلى لحظة. كان يقال لي إنني سوف أجد استعارة أعرف بها المكان الذي انتهت إليه أمي. وإنني أفهم أن هذا غالبا ما يحدث للحزانى. ولكنني بوفاة أمي صرت أشك في الاستعارة. كانت الاستعارة تصر على أن: أمك قد تكون البحر. فحاولت أن أتخيلها البحر. حاولت أن أستشعر في روحي ما إذا كان يمكن لأمي أن تصبح يوما الشجر. فلم أستطع. فإذا الاستعارة تقول لي: أنت العاجزة، أنت التي لم تجدي لها مكانا.
 
لم أستطع أن أتخيل لها شكلا قد تكون اتخذته لأنني لم أكن تقبلت شخصيا أنها "راحت". وحتى اليوم، أجدني في بعض الأحيان أتردد أمام هذا الفعل. وفي بعض الأحيان، كان الناس الذين يحاولون تعزيتي يبدون هم أنفسهم بحاجة إلى التعزية. كنت أرى وجوههم متوترة، كأنما هم يتوقعون وابلا شعوريا لا يُرَد. كنت أحاول أن أعثر على تعبير أستشعر صدقه ويكون في الوقت نفسه من الممكن والآمن استخدامه للرد على سؤال عادي مثل "ما الجديد؟". ولم أجد.
 
أتذكر مرة وأنا في الثانية عشرة من عمري وأنا أحاول تأمل فكرة أن أمي في يوم من الأيام لن تكون هنا. عاهدت نفسي إن جاء هذا الوقت أن أقول "ماتت" لأن هذه هي الكلمة الصحيحة. كنت أرى في "رحلت" تعبيرا مصطنعا يستخدمه الكبار وهم يتكلمون مع الصغار والحزانى. وبعد عقود، حينما  حاولت أن ألتزم بالحقيقة، تبين لي أن "ماتت" لا تعدو صوتا،  لا نفع له خارج رسالة إلكترونية موجهة إلى المدير، وفيما عدا ذلك كانت كلمة بلا شخصية، كأنها مفتاح النور.
 
بدا الشعر وقد خلا من كل قدراته وأنا واقفة بجوار المقبرة. واكتمل افتقادي الإحساس باللغة تمام الاكتمال وهم يضعون تابوت أمي في الأرض بينما يتلو الحاخام اسمها: إلين.
 
إلين. بدا لي أن ثمة أمرا غريبا في هذا. غلطة. ربما كذبة. لا أعرف السبب، ولكنني كنت على يقين من شيء واحد: أن هذا لم يعد اسمها. بدا كما لو أن أحدا همس في أذني بتلك الرسالة التي لم تكن لها أدنى علاقة بأي شيء قالته لي القصائد، أو أي شيء مما كان الناس يقولونه بعد الجنازة ونحن نغترف سلطة البيض وسلطة البطاطس من أطباق التقديم. "إلين الآن مع توم" هكذا قال لي شخص ما. و"إلين الآن في مكان أفضل". وكنت أقول في نفسي، ليس إلين، كنت أقولها وكأني وضعت يدي على غلطة لا يمكن أن تمر على أي مصحح لغوي.
 
في الأسبوع التالي، وبينما أستعرض أغراض أمي، وجدت كتابا قديما في الإتيكيت. في الفصل المخصص للعزاء، كان ثمة رسم ليدي امرأة، يدين ضئيلتين، جميلتين، كرتونيتين، من أيدي خمسينيات القرن الماضي، تمسكان فنجان شاي. قال الكتاب إن "الحزين قد ينسى أن يأكل، لكنه لن يرفض كوبا من الحساء". شعرت، بصدق، وأنا أقرأ ذلك كما لو أن نورا ذهبيا شاحبا يغمرني. شعرت بثقل كنت أحمله ينزاح عني قليلا. لم يكن كتاب الإتيكيت كتابا رثائيا. لم يكن يطرح جمالا، أو "رسالة". كان مؤلفه يتكلم من زمن كان أهله يفكرون في الحزن ويعرفون ما الذي ينبغي عمله عند وقوعه، زمن كان الحزن فيه ظرفا منزليا عاديا. قال كتاب الإتيكيت شارحا إن "الشخص الحزين ليس سوى شخص مريض". بدا ذلك التقدير مسطحا وهادئا كأنه صينية الطعام في مستشفى. بدا أن لتلك اللغة مقدرة ما. كان كتاب الإتيكيت يطرح صوتا هادئا، اعترافا، طمأنة لي بأنني لم أكن أسقط في الفراغ.
 
بعد عدة شهور، كنت جالسة في مسرح أشاهد مسرحية "يوريديس Eurydice " لـ سارة رول. بعد زواجها من أورفيوس، تموت يوريديس. وفي العالم السفلي، ثمة جوقة من الصخور تخاطب الجمهور.
يوريديس تريد أن تكلمكم.
لكنها لم تعد تستطيع أن تتكلم بلغتكم.
هي الآن لا تتكلم إلا لغة الموتى.
هذا هو الأمر. إضافة إلى البلاغ الذي تلقيته لدى مقبرة أمي، وإلى مشكلتي مع الشعر في وقت الحداد.
قالت المسرحية إن: المراثي زيف. تحسب المراثي أنها قادرة أن تكلم الموتى ، وما يتكلم الموتى غير لغة الموتى، وما نتكلمها نحن.
يوريبيدس تتناول حياة كاتبة مسرحية ثكلى. بعد موتها وانتقالها إلى العالم السفلي ، ترى يوريبيدس أباها، لكنها لا تتعرف عليه. وينفتح بدانخلي محيط من الحزن وأنا أشاهد. هذه مسرحية تفهم جيدا معنى فقدان شخص. فأنا لم أكن قادرة على التكلم مع أمي لا لأنني لم أكن أعرف مكانها، ولا لأنه لم يكن لدي كثير من الإيمان أو الخيال أو التصور للمكان الذي كانت فيه. أنا لم أكن قادرة على التكلم مع أمي لأنني لم أتعرف على الـ "هي" التي صارت إليها.
 
بالنسبة لي، لم يكن الجزء الحيوي في الحزن يتعلق بمحاولة "حل" المشكلة، أو اجتياز المسافة. بل كان المسافة نفسها. أعادتني يوريبيدس مجددا إلى الشعر لأنها لم تكن مرثية. كان موضوعها هو المتروكون بعد أن يرحل الراحلون.
 
بدأت أفكر في أنه قد تكون هناك قصيدة عن الموت هائلة بقدر تلك المسافة. أو أن قصيدة عن الموت قد تكتب عجز اللغة الذي بدا لي أصدق ما في غياب أمي.
في السنوات التي تلت وفاتها، عثرت على قصائد يمكنني أن أحمل إليها حزني الباقي. احتجت وقتا لكي أستشعر أي نوع من الكتابة يمكنني أن أوليه ثقتي، وذلك لأن علاقتي بالشعر كانت تتحول. بفضل وفاة أمي، أصبحت لا أرتاح إلى القصائد المغلقة ولا أصبر على القصائد التي تقدم تجليات بـ "حقائق". قصائد الأسى بالذات كان ينبغي أن تبحث لها عن شيء آخر تفعله.
 
وأكتشف أن القصائد التي نجت مني هي التي تتعلق بالأحياء، بالبشر في حزنهم، لا بالموتى. هذه القصائد ليست "مثل" الحزن ـ ليست قصائد نُواحٍ  وندب ـ بقدر ما هي انفتاح للعزلة التي يخلقها الحزن. هي التي تترجم الأسى عبر القالب الشعري بدلا من أن تحبسه في استعارة. إليكم قليلا منها.
***
الراوي في قصيدة كوبا 1962" لـ آي Ai عامل في مزرعة يعثر على حبيبته الميتة في عود قصب. في أول الأمر يقطعها بالمنجل تاركا قدميها للأرض.. "ما أناله من الأرض، أرده". ثم يأخذ جسمها مع المحصول إلى السوق.
كل من يذوق امرأتي في حلواه، أو كعكته
يذوق ما هو أحلى من سكر القصب
يذوق حزنا
كلما أكلت منه، رغبت في المزيد
وما لك يوما أن تكتفي.
لم أكن أتخيل أن شيئا مدهشا يمكن أن يقال في الموت. ولكن هذه القصيدة تدهشني تجمع بين الحزن والجشع. تكشف لي عن مرحلة من مراحل الحزن اجتزتها دون أن أدري: مرحلة العقاب بالكثرة. عندما ماتت أمي، أحضر الكثير للغاية من الناس كعكا إلى البيت. ورحت آكل وآكل. وأعياني الكعك، لكنه لم يشبعني قط. الشخص الذي يتكلم في "كوبا 1962" عامل، ولكن العامل في القصيدة هو الأسى. الأسى عمل، وهو عمل غير مشبع. لقد كنت في نهاية كل يوم أجد أنني لا أعرف إلى أي مدى ذهبت، وما إذا كنت اكتفيت. كان الحزن لانهائيا، ومع ذلك لم يكن ثمة منه ما يكفي.
أشعر بـ "كوبا 1962" صادقة لأن الألم الكامن فيها ليس مسكِّنا. القصيدة قاسية، وهي قصيدة حب. توشك أن تكون تقريعا للشعر المتعاطف. وغالبا ما يبدو "العزاء" في قصائد الحزن أقرب إلى التظاهر والافتعال. والمفارقة، أنني أشعر بالارتياح مع هذه قصيدة، طريقتها في نبذ العزاء فيها عزاء لي. تذكِّرني ببطاقة التعزية التي وصلتني من حماتي: "عزيزتي جوي، هل تشعرين بثقب في قلبك ما لشيء في العالم أن يملأه"؟ سؤالها ذلك كان بمثابة مرآة رأيت فيها ألمي. وهذه المضاعفة للألم كانت في حد ذاتها كرما، كرما اتخذ صورة سؤال لست مضطرة إلى الإجابة عليه. لقد سألتني: هل تشعرين بهذا؟ بدلا من أتقول لي: يشعر المرء مع الموت بكذا.
كرستينا ديفيس
في قصيدتها "المزيد"، تركز كرستينا ديفيس على  الجسد بعد وفاة أبيها. يعجبني الصوت العتيق في مثل هذه الأبيات:
أن يبقى لك بدلا من الجسد
رحيلُ الجسد
أن يبقى لك بدلا من العينين
رحيلُ العينين.
وأن تسمع الصمت
حيثما كنت تسمع شخصا.
ما بقي للشاعرة من أبيها ـ ما يحدث أنها تحتفظ به ـ أقل حتى من ذكرى. لقد أصبح أبوها عملية مجردة، عملية رحيل. وثمة المزيد من التحول: الجسد أيضا هو جسد الشاعرة. وهي ترى بعينها نفسيهما رحيل هذا الجسد.
"المزيد" نقيض للقصائد التي تجعل من الحزن شيئا، كمحيط أو شجرة. في هذه القصائد، تصبح الصورة الشعرية وعاء، بديلا لشخص كان بوسعه ذات يوم أن يرى هذه الصورة. وبوسع الصور الشعرية أن تكون مواضيع للإيمان: بوسع القصيدة أن تجعل شجرة أكثر واقعية من شجرة واقعية (استشهادا بـ ماريان مور في غير سياق كلامها). لكن في هذه القصيدة، أجد الافتقار إلى الصورة الشعرية أصدق مع التجربة.
بطريقة ما، تذهب "المزيد" إلى مناقضة إيمان القصائد بالصورة الشعرية. وفي المزامير صدى لهذه القصيدة: "لها أعين ولا تبصر. لها آذان ولا تسمع". في المزمور، يُدعى اليهود إلى نبذ الحمقى، والابتعاد عن عبادة الأوثان الذهبية، والاتكال على الرب ذي الوجود المجرد. وهذه عملية. لا ريح ولا بخار، بل حقيقة مفادها أن الريح والبخار مخلوقان.
كيف الانتقال، في حالة من الاحتياج والأسى، إلى عملية، وقد كان ثمة حتى وقت قريب للغاية جسد حي؟ في مقابل أمي، حصلت على رحيل، أعقبه غياب؟ قبول ديفيس بالتحول في "الأبعد" يبهتني بقوة إيمانية.
قصيدة ماري سايبيست المعنونة بـ "عن الرغبة في الحكي لـ [     ] عن فتاة تأكل عيون السمك" تسائل إيمان الشعر بالاستعارة، وإن تكن هي نفسها ملأى بالاستعارات. هذه القصيدة موضوعها هو الرؤية التي لا حيلة فيها، والتي تحدث في أثناء الحزن. ذلك أن الموت يخلق حالة إدراك حادة تجعل أشياء العالم تتغير:
متَّ قبل ساعات.
ولم يكن موتك فجأة، لم يكن.
أنت تموت منذ زمن طال
حتى لم يعد شيء على حاله:
من شبَّاكك
يتلاعب صيادو السمك بالذهب
والشِبَاك تلتف على القمر.
"أنت تموت منذ زمن طال حتى لم يعد شيء على حاله". في اقتراب الموت الوئيد، يستحيل نور النجوم ذهبا. هذه استعارة رومنتيكية، منسوجة من أسى عذب. ولكن قصيدة "عن الرغبة في الحكي" ليست من نوعية القصائد التي تحيل نور النجوم ذهبا. وما هي بالعذبة أيضا. وفي نهاية المطاف يقبل الموت، وتختفي الاستعارة.
ها هو المطر الأسود أصبح الآن
مطرا أسود.
وليس سوى النبيذ مومضا
في نور الشمعة.
في الحزن، يكون مريحا أن تكتشف ـ ولو لدقيقة ـ أن العالم صار مرة أخرى نفسه، ولم يعد شيء "كَـ" أي شيء. دقيقة عادية في كون لم تكن أمي ميتة فيه، ولم يكن المطر محملا بالفقد. ولكن هذه الدقيقة، التي يكون فيها المطر هو المطر ببساطة، ليست حلا. عالم هذه القصيدة ليس طبيعيا. ونحن نعرف هذا من أولى الأبيات، قبل أن يرد أي ذكر للموت، حيث نصادف فتاة صغيرة تأكل عيون السمك.
كيف تطفو جدائلها المفكوكة
فوق كل سمكة فضية تنحني
لتقتلع عينيها
هل هناك بالفعل فتاة صغيرة تتحرك في الغرفة مقتلعة أعين السمك آكلة إياها؟ هل "أكل الأعين" استعارة؟ ليس واضحا. كل ما يمكن أن نقوله بثقة هو أن الناطقة بالقصيدة حاضرةٌ في حفل عشاء تحولت فيه من شخص عادي شارب للنبيذ إلى شخص لا يزال على قيد الحياة. تتكلم مع شخص ميت، راجية، ألا يكون ذلك استثمار للتواصل:
لو أنني أستطيع أن أجيئك
لأحْييك
لا بد أنك لا تزال حيا
ولو قليلا
في نهاية القصيدة، تُسأل الفتاة التي كانت تخدم نفسها بنفسها متناولة أعين السمك فيما يبدو، عن طعم ما أكلته. فيكون جوابها أن "طعمها كالعيون". تراجعت الاستعارة، ولا شرح ولا كشف عن حقيقة ولا رجوع عن الغرابة.
صوت سايبست في القصيدة كلها مسالم، منوَّم. وثمة حنان (حنان رهيب) في وصف أصابع الفتاة الممضوغة "الناعمة" و"الوردية". تلك الفتاة المقشعرة تحوم في ذلك المكان القلق القائم بين الاستعارة والواقع بينما القصيدة تتساءل عن الحدود بين من لا يزال حيا ومن لم يعد حيا.
تيد بيريجان 
قصيدة "الذين ماتوا" لـ تيد بيريجان لا تريد أن تضعني في موضع الفهم الفلسفي. فهي تخلو من الضربات الساطعة. هي تتحرك عن عمد حركة شخص يقوم بتسليم سلاحه. هذه القصيدة، حسب ما يتبين من العنوان، ليست أكثر من قائمة.
بات دوجان ..... جدي ..... سرطان الحنجرة .....1947.
إد بيريجان ..... أبي ..... سكتة قلبية ..... 1958.
الذين ماتوا هم أهل بيريجان وأصحابه. وذكرهم يلتزم منهجا كرونولوجيا، يمزج بين الأسطوري والغامض:
وودي جوثري ..... مات بمرض هنينجتن سنة 1968.
نيل..... نيل كاسادي ..... مات بالعراء، بنومه طيلة الليل تحت المطر على الطريق في المكسيك ..... 1969
فراني وينسن..... مجرد بنت ..... انقلبت سيارتها على طريق سريع وهي راجعة من عند طبيب الأسنان ..... سبتمبر 1969.
جاك ..... جاك كرواك .....مات بالشراب والغضب ..... 1969.
ليس الأمر أن القصيدة ترفض مواجهة غموض الموت  أو أن تجربة الحزن مفقودة في "الذين ماتوا". بل العكس بالضبط. الحزن قائم في شكل القصيدة. في كيفية ارتحال بيريجان، في مقاطعته لقائمته، في توقفه لهنيهة ثم مواصلته، كأنما يغفو وينتبه في حلم يقظة. جاك ..... جاك كرواك". في هذا التردد، أسشتعر التوتر. القصيدة لا تبين لي كيف أفسر هذه الغضبة، بوسعي أن أفهمها حزنا، أو تبلدا عاطفيا. قد يكون المحذوف صدعا،  بارقة من بوارق أرض الحزن اللانهائية. تفاصيل العلاقة مع الموتى غير مهمة. لقد كان من شأن ملحمية حياة كرواك أن تسحق هذه القصيدة. ولكن "مات بالشراب والغضب" تضغط كل هذه الحياة في ملء ملعقة صغيرة من خامة مشعة. وهي تشبع بداخلي ذلك الجزء الذي كان يريد من الكبار أن يقولوها بشكل مباشر.
وتنتهي القصيدة:
أصدقائي الذي أبطأوا بموتهم دقات قلبي باقون معي الآن.
ولا تختلف نبرة البيت الأخير عن نبرة القصيدة كلها اختلافا كبيرا. ثمة إشارة إلى الرضى، لا وصولا إلى الجلال الغنائي. إنها ملاحظة خافتة.
 "الذين أبطأ موتهم دقات قلبي" وصف لإيقاع القصيدة، الهادئ هدوء نبض، أو هدوء قطار في رحلة ليلية طويلة. "أصحابي الباقون معي إلى الآن" تضع للقصيدة حدا بأنها تقول شيئا عن بيريجان. "الذين ماتوا" لا تقول شيئا عن علاقتي أنا بالذين ماتوا. ولكن تواضع القصيدة الشديد هو الذي يجعلني أشعر أنني مدعوة إلى استمراريتها، مدعوة إلى قطارها الذي يحمل الموتى والأحياء الاثنين.

نشرت هذه المقالة أصلا هنا ونشرت الترجمة في شرفات

كيف تحولت الموناليزا إلى أيقونة؟

أبريل 19, 2016 اضف تعليق
 
إيان ليزلي... ترجمة أحمد الشافعي

في عام 1993، كان عالم النفس جيمس كاتنج في زيارة لـ متحف دورسيه في باريس لمشاهدة لوحة حفل الباريسين "بال دو مولان دو لا جاليت" لرينوار، التي تعدُّ من أعظم الأعمال الفنية الانطباعية. ولكنه بدلا من ذلك وجد نفسه منجذبا إلى لوحة في الغرفة المجاورة: منظر غامض وساحر للجليد على الأسطح الباريسية. لم يكن قد سمع باللوحة من قبل ولا سمع باسم صاحبها "غوستاف كيليبوتيه.  وذلك ما جعله يفكر.
فهل حدث لك أن وقعت في غرام رواية واندهشت حين لم تجد لها وجودا في قوائم الروايات الكبرى؟ أو طفت بتمثال يعدُّ من الكلاسيكيات فلم تر مهما حاولت سر كل هذه الجلبة حوله؟ لو كان ذلك قد حدث لك، فلعلك انشغلت بالسؤال الذي طرحه كاتنج على نفسه في ذلك اليوم: ما الذي يجعل عملا فنيا ما يعد عملا عظيما؟
الإجابة البديهية هي أن ثمة أعمالا فنية عظيمة وحسب: جودتها فائقة بطبيعتها. اللوحات التي تتصدر مواقع العرض الأساسية في الغاليريهات، ويجري تدريسها في الفصول ويعاد نسخها في الكتب هي التي أثبتت وأكدت قيمها الفنية بمرور الزمان. ولو أنك لا ترى سر سموها هذا، فهي مشكلتك أنت. وهذا تفسير منضبط ومرعب. ولكنه لم يسلم من علماء اجتماع شككوا فيه وطرحوا حوله أسئلة صعبة، مثيرين احتمالية أن تكون المتون الفنية محض وقائع تاريخية متحجرة.
 
تساءل كاتنج الأستاذ في جامعة كورنيل عما لو كان "تأثير مجرد العرض" ـ وهي آلية سيكولوجية معروفة ـ قد لعب دورا في تحديد اللوحات التي ترقى إلى قمم المتن الثقافي. لقد حدث في تجربة أجريت سنة 1968 أن عرضت سلسلة من الأشكال التجريدية عرضا متتابعا سريعا على مجموعة من الناس. وتكرر بعض هذه الأشكال، ولكن بسبب سرعة ظهورها واختفائها، لم يلحظ المشاركون في التجربة أنها تتكرر. ولما سئل المشاركون عن هذه الأشكال العشوائية وأيها يبدو لهم الألطف، اختاروا الأشكال التي تكرر عرضها أكثر من مرة، وإن لم يعلموا أن عرضها تكرر. وذلك معناه أن الألفة ـ وإن لم تكن واعية ـ تولِّد الولع.
رجع كاتنج إلى كورنيل ليصمم تجربة يثبت بها ما ذهب إليه حدسه. فقد دأب على مدار فصل دراسي أن يعرض على الطلبة أعمالا انطباعية لمدة ثانيتين لكل عمل. من بينها أعمال تعد من أساسيات الفن المثبتة في كتب التاريخ. ومنها الأقل شهرة وإن تساوت في القيمة الفنية. وهذه كان يعرضها لمدة أربع ثوان في المرة. ثم عرضت اللوحات على مجموعة من الطلبة لم تشارك في التجربة، وعرضت عليهم بشكل عادي، فرأت هذه المجموعة أن الأعمال الأقل شهرة هي الأفضل. لقد أحب طلبة كاتنج الأعمال الأقل شهرة لأنها ببساطة الأعمال التي رأوها أكثر من غيرها.
بال دو مولان دو لا جاليت

يعتقد كاتنج أن تجربته تقدم مفتاحا لمعرفة الكيفية التي تكوّنت المتون. ويبيّن أن أعمال الانطباعية الأكثر استنساخا اليوم هي التي اشتراها خمسة أو ستة من أثرياء مقتني اللوحات في القرن التاسع عشر. فتفضيل أولئك الرجال المرموقين أضفى رونقا ومكانة على بعض الأعمال، فصارت أكثر ظهورا في قاعات العرض وفي كتب الفن. وازدادت الشهرة زخما بمرور السنين، مكتسبة ذلك من كثرة العرض والظهور. فكلما ازداد مشاهدو "بال دو مولان دو لا جاليت"، ازداد المشاهدون إعجابا بها، وازداد ظهور اللوحة في الكتب والملصقات والمعارض الكبرى. وفي الوقت نفسه اخترع الأكاديميون والنقاد  مبررات معقدة لهذا البروز، فليس العامة وحدهم هم الذين يعلون من قيمة ما يرونه أكثر مما يرون غيره. والثناء النقدي ـ مثلما فهم الفنانون المعاصورن من أمثال وارهول ودميان هيرست ـ يتواشج بعمق مع الانتشار. ويذهب كاتنج إلى أن "الباحثين لا يختلفون في شيء عن العوام في تأثرهم بمجرد العرض".
 
تستحضر هذه العملية التي يصفها كاتنج مبدأ يطلق عليه عالم الاجتماع "دنكان واطس" مصطلح "الميزة التراكمية": فلا يكاد شيء يشيع، حتى ينزع إلى أن يكون أكثر شيوعا. ولقد تعرض  واطس قبل سنوات قليلة ـ وهو الذي استعانت به شركة ميكروسوفت لدراسة ديناميكيات الشبكات الاجتماعية ـ لتجربة مماثلة للتي تعرض لها كاتنج، ولكن في متحف آخر من متاحف باريس. فبعدما انتظم في الرتل لرؤية "الموناليزا" في قاعتها منضبطة المناخ المضادة للرصاص داخل اللوفر، ابتعد مندهشا وهو يتساءل: لماذا تعد هذه اللوحة أهم وأرقى من أعمال ليوناردو الثلاثة في الغرفة السابقة التي لم يبد أن ثمة من يوليها أدنى اهتمام؟
 
ولما نظر واطس في تاريخ "أعظم اللوحات على مر الزمان" اكتشف أن الموناليزا بقيت طوال الجزء الأكبر من حياتها أسيرة غموض نسبي. وفي خمسينيات القرن التاسع عشر لم يكن ليوناردو دافنشي يطاول عمالقة فن عصر النهضة من أمثال تيتيان ورفائيل اللذين كانت قيمة أعمالهما تبلغ عشرات أضعاف قيمة الموناليزا. ولم يحدث إلا في القرن العشرين أن أصبح ذلك البورتريه الذي رسمه ليوناردو لزوجته في ذروة المعروضات قاطبة. والسبب الذي أدى إلى ذلك الصعود الصاروخي لم يكن إعادة تقييم بحثية، بل عملية سطو.
 
ففي عام 1911 خرج عامل صيانة من متحف اللوفر حاملا معه الموناليزا، وقد خبأها في معطفه. شعر الباريسيون بالذعر لسرقة لوحة كانوا حتى ذلك الوقت لم يلتفتوا إليها بالقدر الكافي. فلما أعيد افتتاح المتحف اصطف الناس ليروا الفراغ الذي كانت الموناليزا معلقة فيه ذات يوم باهتمام لم يولوه للوحة نفسها حينما كانت معروضة. وارتبكت الشرطة. وفي لحظة معينة استدعي "بابلو بيكاسو" المذعور لمساءلته في الواقعة. ولم يتم العثور على موناليزا إلا بعد سنتين عندما اعتقل نجار إيطالي يدعى "فينسنزو بيروجيا" وهو يحاول بيعها لجاليري يوفيزي في فلورنسا.
وسادت الحمى الفرنسيين. فلقد اعتبر الإيطاليون بيروجيا بطلا قوميا أراد استعادة لوحتهم إلى وطنها. وأعادت صحف العالم نشر صورة للموناليزا فصارت أول عمل فني يحظى بشهرة عالمية. ومنذ ذلك الحين باتت موناليزا تمثِّل الثقافة الغربية ذاتها. وفي عام 1919، عندما أراد "مارسل دوشامب" أن يقوم بتشويه رمزي للفن الرفيع، رسم موناليزا وقد أضاف لها لحية وشاربا خفيفين، فما زادها ذلك إلى رسوخا في الذهن العام بوصفها خلاصة الفن العظيم (أو باعتبارها ـ على تعبير الناقد كينيث كلارك ـ "المثال الأمثل للكمال"). على مدار القرن العشرين، استعمل الموسيقيون والمعلنون والسينمائيون شهرة اللوحة في أغراضهم الخاصة بينما اللوحة، على حد تعبير واطس، قد "استعملتهم" هي الأخرى بطريقتها. فلعل بيروجيا فشل في استرداد موناليزا، لكنه أحالها إلى أيقونة.
 
وبرغم محاولات الكثيرين، يبدو من غير الممكن إيعاز مكانة اللوحة الفريدة إلى جودة ضربات الفرشاة التي أنتجتها وفقط. يقال مثلا إن عيني المرأة تتبعان المشاهد أينما هو من الغرفة. ولكن كاتب سيرة اللوحة "دونالد ساسون" يقول بفظاظة إن "هذا التأثير يمكن الحصول عليه  من أي بورتريه". ويذهب دنكان واطس إلى أن موناليزا مجرد مثال متطرفة على قاعدة عامة. فاللوحات، والقصائد، والأغنيات الجماهيرية، تعلو أو تدنو بسبب أحداث أو أذواق عشوائية تتحول إلى موجات من التأثير تتهادى عابرة للأجيال.
 
ولقد كتب "بريان إينو" يقول ذات مرة إن "القول بأن للمواد الثقافية قيمة كالقول بأن للهواتف محادثات". تكاد تكون جميع المواد الثقافية التي نستهلكها أن تكون وصلت إلينا مغلفة في رأي موروث، فتفضيلاتنا دائما، أو إلى حد ما، هي تفضيلات غيرنا. وزوار موناليزا يعرفون أنهم يوشكون على زيارة أعظم عمل فني على الإطلاق، فيستولي عليهم إما الانبهار أو خيبة الرجاء. وجمهور عرض هاملت يعرف أنه يعد عملا عبقريا، ولذلك فالعبقرية هي ما يرونه. حتى أن واطس يعتبر مكانة شكسبير "ضربة حظ تاريخية".
 
يرى "شمُس خان" أستاذ علم الاجتماع بجامعة كولمبيا أن طريقة تعريفنا لـ "العظيم" لا تعتمد فقط على القيمة الفنية. ويوضح أنه في أمريكا القرن التاسع عشر، كان الخط الفاصل بين الثقافة "الرفيعة" و"الدنيا" مرسوما برقة شديدة. فكانت فكرة السهرة المسلية تتضمن الإنصات إلى مطرب أوبرالي أو مشاهدة بهلوان، ببساطة. ولكن في مستهل القرن العشرين، انخرط الأثرياء في النضال رغبة في تأكيد سموهم على الطبقة الوسطى الناشئة. وفعلوا ذلك باصطفافهم مع نوعية ضيقة للغاية من "الفن الرفيع". فبات الحصول على تذكرة لشرفة في الأوبرا أو اقتناء الأعمال الانطباعية بمثابة ضمان عضوية في قبيلة.
 
وبرغم أن التمييز الصارم بين الرفيع والدنيء تحطم في ستينيات القرن العشرين، إلا أننا لا نزال نستخدم الثقافة لافتة للهوية، وإن بطرق أرق. فالصرعة الانتقائية اليوم ـ "أنا أحب باخ، وأبا وجاي زد" ـ هي بحسب ما يذهب إليه خان طريقة جديدة للطبقة الوسطى البوهيمية لفصل نفسها عن ما يعتبرونه الأذواق الضيقة لمن دونهم في الهيراركية الاجتماعية.
أما جودة العمل الفني الأساسية فيبدو أنها باتت الأقل أهمية فيه. ولكن ربما تكون هناك دلالات أهم من تلك التي يستنبطها علماء الاجتماع. أولا، كل عمل يحتاج إلى قدر معين من الجودة تؤهله للاكتساح وصولا إلى القمة. وقد لا تكون الموناليزا جديرة بأن تكون بطلة العالم في الفن، لكنها كانت في اللوفر في المقام الأول، ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة.
ثانيا، بعض الأشياء ببساطة أفضل من البعض الآخر. واقرأوا "هاملت" بعد قراءتكم لأعظم معاصري شكسبير، فلعلكم تجدون الفارق مذهلا لا سبيل إلى المنازعة فيه. قارنوا مونولوج "أكون أو لا أكون" بكل ما يثيره في الفكر الواعي، وبكل ما يكمله من تردد واستطراد وتلعثم، بأي مناجاة كتبها [كرستوفر] مارلو أو [جون] وبستر، وسترون أن شكسبير يقف على طبقة وحده. قد يقول واطس إنني أخدع نفسي وأضللها، وكذلك عدد لا نهاية له من القراء والباحثين الذين وصلوا إلى مثل ما وصلت إليه. ولكن أي التفسيرين لعظمة شكسبير أقل كرما؟
 
 تشير دراسة في مجلة الاستطيقا البريطانية إلى أن تأثير الظهور ليس واحدا في كل الحالات، وتخلص إلى نتيجة مختلفة للطريقة التي تكوَّنت بها المتون الأدبية والفنية. بناء على تجربة كاتنج، قام الباحثون بتكرار عرض مجموعة من الأعمال لاثنين من الفنانين على عدد من الطلبة. وكانت هذه الأعمال لـجون إيفرت ميلايس البريطاني من مرحلة ما قبل رفائيل والشعبوي الأميركي توماس كينكادي. أعمال كينكادي الريفية تمثل ذروة الكيتش، فهي معيار ذهبي للفن الرديء. ورأى الباحثون أن الطلبة يميلون إلى الإعجاب بميلايس أكثر، كما لعلكم تتوقعون، في ضوء تكرار عرض لوحاته. ولكنهم ـ أي الباحثون ـ رأوا أيضا أن إعجاب الطلبة بكينكاردي يقل  برغم تكرار عرض أعماله عليهم أيضا. فالعرض بمرور الوقت يحابي الفنان الأعظم.
 
يصيب علماء الاجتماع حينما يقولون إننا ينبغي أن نتشكك قليلا في العظمة، وفي أن علينا دائما أن ننظر إلى ما في الغرفة التالية. فقد تغيم الحدود بين الفن العظيم والفن المتواضع حتى على الخبراء. ولكن هذا هو السبب الذي يدعونا إلى المشاهدة، والقراءة، بأكثر ما نستطيع. وكلما ازددنا تعرضا للجيد والرديء، ازددنا قدرة على تحديد الفارق. وكذلك هم الانتقائيون.


نشر الموضوع أصلا في إنتيليجنت لايف ونشرت ترجمته اليوم في شرفات