جميل بشير..فريد الاطرش والموسيقى الشعبية

فبراير 24, 2016 اضف تعليق

تبقى الانشاءات الخاصة في موسيقى فريد الأطرش في جانبها (الشعبي) علامة غير قابلة للإمحاء إذ أن هذا التاريخ كان يحال برمته إلى فاعلية الذات الفنية باعتبارها الملجأ الحي، تلك التي انعقدت فيها المصالحات النغمية الشعبية العربية المتنوعة على نحو باهر في (اوبريت) بساط الريح تلك التجربة الفائقة الخطورة بأقصى ما تستطيع الطاقة الخلاقة الدفاقة التي يمتلكها الموسيقار أن تعطي مثل هذا العمل المعبر عن تنوع البيئة النغمية العربية،
 وقبل الحديث عن الخصائص الجوهرية في موسيقى فريد الأطرش الشعبية لابد أن نأتي على تعريف للأغنية الشعبية.
 
 ابتداء فهي قالب فني له لازمة موسيقية في الغالب تكون واحدة ثم يعقبها المذهب الغنائي والغصن الأول وعودة للمذهب. ثم الغصن الثاني وعودة للمذهب يصاغ المذهب عادة من مقام تكون الأغصان أيضا من نفس المقام ولضرورات التلوين اللحني يلجأ الملحن إلى تغيير مقامات الأغصان عن مقام المذهب الأصلي دون الخروج على القالبية المقامية للمذهب. لا يمكن القول أن الأغنية الشعبية انطلقت من فريد الأطرش فلقد سبقه في هذا المضمار سيد درويش بتلاحينه الرائعة وعظم الطاقة الإبداعية التي صاغ بها أغانيه الشعبية، غير انه يمكن التحديد تماما أن فريد الأطرش حقق وحدةالانسجام النغمي العربي في الأغنية الشعبية عن طريق استخدام آفاق مقامية متنوعة لبيئات عربية متعددة، فهي نتاج جمالي ثقافي ومحاولة لتدبر الدليل الإلهامي الساعي إلى تتابع للعناصر النغمية المشكلة وفقا لمعايير موسيقية تتم حيازتها بصورة واعية. ومن المؤكد أن فريد الأطرش استمد خلاصات تجاربه الفنية في التلاحين الشعبية من محتوى روحي اعتمادا على طاقاته الداخلية فهي نتاج لمزاياه وسجاياه وتجاربه. والمخطط العضوي لفن الأطرش الشعبي يستمد أنواره من التأمل الباطني الخازن لمعرفة بصيرة بالأنغام العربية المتعددة مصرية، سورية، لبنانية، عراقية، سعودية، سودانية،مغربية، تونسية، إلى آخره مع إضفاء طابع عصراني يتآلف ايجابيا مع اتجاهات الأسماع الفنية، إذا ما وضعنا في حسابنا أن فريد الأطرش كان يجيد الغناء وفقا للنص وهو عازف نادر على آلة العود وآلآت عربية وأجنبية أخرى منها (البيانو) وهاضم كبير للأنغام البدوية والريفية ومستوعب للأصول المقامية العربية والشرقية وصاحب صوت رخيم ممتد ومتنوع في المسافات، له قدرة عميقة في مجال الإبحار الصوتي كما يتمتع بملكة عجيبة على الصعود والهبوط، يتضح لنا بجلاء الأصل المعماري الفني للأغنية الشعبية الاطرشيةوعلى الرغم من أن لبنان وسوريا كانتا معقلا للموسيقى الشعبية، إلا أن مصر نجحت في تحوير هذه الأهمية وجعلها تتسم بالطابع المصري البالغ الشفافية، وهذا ما قام على جهود كبار من الملحنين، سيد درويش (طلعت يا محلا نورها، زوروني كل سنة مرة، الحلوة دي قامت) زكريا احمد (يا صلاة الزين، غني لي شوي شوي، القطن) فريد الأطرش (أحبابنايا عين، تطلع يا قمر بالليل، ياللا توكلنا على الله، يا بنت بلدي). 
 
هؤلاء كرسوا جزء اكبيرا من فنهم لهذا الجانب أكثر من غيرهم من الملحنين الكبار الآخرين. منهم محمدعبد الوهاب (يا للي زرعتوا البرتقال، هليت يا ربيع، مين زيك عندي يا خضرة، يامراكبي قدف عديني) والأخيرة غناها (محمد امين) في فيلم (ممنوع الحب)، فان الموسيقار محمدعبد الوهاب بثقله الفني اللامحدود لم يعط للأغنية الشعبية من تجليات عبقرية مثل ما أعطى لفنون الغناء الأخرى (القصيدة، الدور، المونولوج، الديالوج، الموال، الطقطوقة) فعبد الوهاب لم يجد في الأغنية الشعبية ا رضية حقيقية لانطلاق اهتماماته الرئيسة الواسعة في مجال التجديد الحي لملامح الفن الموسيقي العربي، بل هو حتى في كتابته لألحان الأغنية الشعبية طلع علينا بمزج فني لخطوط لحنية متوازنة بين عمارة الفن القالبي للأغنية الشعبية وبين الطابع اللوني والميلودي لفن الطقطوقة الممتلئ الفياض فان عبد الوهاب يريد لفنه كتابة موسيقية معقدة وبأنغام رحيبة وحوار مقامي أخاذ ذي حدوسات لونية فسيحة، وتلك لا يوفرها فن الأغنية الشعبية لهذا لم يطل الوقوف عند هذاالنوع من التأليف واتجه إلى طريقه المعروف، وهو ما عرف أيضا عن الموسيقار محمدالقصبجي، الذي لم يترك فنا ذا اثر في هذا الجانب من التآليف اللحنية العربية، بل اتجه إلى حصر ملكاته الإبداعية في مجال المونولوج؛ أما الموسيقار رياض السنباطي،فانه اكتفى بالحان محدودة في مجال الأغنية الشعبية لعل أبرزها (على بلد المحب وبوديني) التي أداها المطرب عبده السروجي في فيلم (وداد) ثم أدتها فيما بعد سيدةالغناء العربي أم كلثوم، إذ اتجه السنباطي إلى تطوير القالب الفني للقصيدةالكلاسيكية. من هنا يتضح عظم الدور الذي القي على عاتق فريد الأطرش، ويستطيع المتتبع الحاذق الملم بتفاصيل الأساليب الموسيقية العربية أن يكتشف في موسيقىالأطرش جميع التغييرات التي طرأت على فن تلحين الأغنية الشعبية، فقد عرف هذاالفنان الكبير، كيف يوفق بين فن البيئات العربية المتنوعة في التصميم والإنشاء وبينميل الحس الشرقي الى الميلوديا، كما انه استطاع أن يقبض على خصائص التكوين الأسلوبي لقالب (الموال) ومزجه بطابع الأغنية الشعبية كما في اغنية (ياديرتي مالك علينا لوم) تلك التي أدتها نبرات أسمهان الفياضة بالسحر في فيلم (غرام وانتقام).
وعبرالفترة التاريخية التي ملأها فن فريد الأطرش، أنتج لنا هذا الموسيقار الكثير من الأغاني الشعبية، التي شغلت الناس وملأت حياتهم، ففي الوقت الذي كان سيد درويش قدانتقل بالغناء الشعبي من غناء الأحرف والكلمات إلى غناء صدر البيت كاملا أو عجزه،وتفنن زكريا احمد في تلوين المقام الأصلي للأغنية الشعبية بمقامات قريبة منه وفي توسيع القاعدة الثقافية الفنية التي انطلقت منها الأغنية الشعبية فإن فريد الأطرش ادخل الإيقاعات السريعة، الحادة والعنيفة في بعض الأحيان على الأغنية الشعبية مازجاعلى نحو مبهر الأنغام العربية الشعبية مضيفا عليها الطابع الفني لشخصيته، مانحاإياها لونية جميلة من الوحدة الفنية (ليه تشتكي أرضنا والنيل ساقيها، جبر الخواطرعلى الله، الحياة حلوة، هل هلال العيد، من الموسكي لسوق الحميدية، حبيبة أمها،يا دلع، تؤمر على الرأس وعلى العين) وكثير غيرها. ويكشف لنا فن فريد الأطرش عن نزعات التطور التدريجي المشروع، كما انه يمثل نقطة البدء الجديدة التي تتساوق مع الاكتمال التطوري المتوفر على خاصتين أساسيتين، نقاء الأسلوب، والجمع الصحيح بين الشكل الغربي و المضمون المحلي.
حاول فريد الأطرش في الأغنية الشعبية أن يعتمد علىالرحابة النغمية للمقام الأصلي الذي يلحن منه الأغنية وذلك بجمعها الفذ بين العذوبةاللامحدودة والتوقد الفياض الخازن للحدوس الجمالية، مع احتفائها بالصيحات العاطفيةفي ذروات نشوانه، عندما يطلق صوته العريض في موال يقطع به سير الأغنية الشعبيةليبلغ فيه جدية التأملات الوجدانية العميقة للاسماع، ثم يعود إلى لحن الأغنية، اذيختار لمواله مقاما قريبا من المقام الأصلي. أما الإيقاعات المتنوعة التي استخدمهاالأطرش لتآليفه اللحنية الشعبية فهي صورة للاستحداث الذي أراده لفن الاغنية الشعبيةالتي اكتست بهذه الإيقاعات بالروح الحية الطريقة المدهشة. ورغم أن هذه الإيقاعات كان بعضها غربيا، فان هذا اللون الغربي لم يؤثر على عراقة الأصالة الشرقية للأغنيةالشعبية. ويمكن للأسماع أن تحس فعلا في أغنية شعبية واحدة مثل (ياللا توكلنا علىالله) بالتناسق والتآلف والرشاقة في الذوق الفني والصقل النغمي البيئوي مع الإجادةالفائقة في استخدام الألوان والجمع الزاهي بين التصميم واللون في أسلوبية بسيطةتوفرت على دقائقها الرائعة الشاعرية.
ومهما يكن من التباس في تجربته، ذاك الذي يكمن في تأخر الاستدعاء الثقافي الذي يتلاقى فيه الفن الذاتي بالفن الموضوعي، فأنه كان من الممكن أن يتحول الفن الشعبي عند فريد الأطرش إلى حض اجتماعي يجسد اكتشافات الصفاء الهدفي وليعكس في رشاقته وشاعريته وتماسكه النغمي العجيب أفضل فصيلة فنيةمتحضرة! ومن المهم القول أن فريد الأطرش بنى شهرته الواسعة على دوره الكبير في كتابة الألحان للاغاني الكلاسيكية الطويلة أكثر مما لعب من دور في الأغنية الشعبيةوالطقطوقة! وفريد الأطرش اتجه إلى مصادر متطورة وغنية من إيقاعات وقوالب موسيقيةأوروبية، لم تكن متداولة بالمعنى المعرفي في الموسيقى العربية، فلم يهدف فريدالأطرش إلى إدراج نغمة شعبية في أعماله الكلاسيكية الكبرى إلا تدعيما لطرائقهالتلحينية ذات الخصائص الفياضة بالتفرد، حيث أصبحت الكلمات والجمل تترجم إلىالموسيقى ترجمة دقيقة اعتمادا على تأثيرات أصيلة من التلوين والإلقاء و النبر. وإيقاع (السيراند) الجياش والعاطفي المعروف ضمن القوالب الأوروبية أدرجه فريدالأطرش في مونولوج (أفوت عليك بعد نص الليل) مع خطوط زاخرة بالظلال اللحنية الرقيقةالتي تتحلق بفرادة تتعالى بموهوبية أصيلة على مستوى الاقتباس والنقل إلى مستوىالخلق والمصانعة، ذلك أن دراسات فريد الأطرش الفنية في المعاهد الموسيقية الأجنبيةخلقت عنده نزوعا نحو هذه الموسيقى، كانت الدليل العظيم لتجاربه الناجحة والمؤثرة في أعماله الموسيقية التي مازالت تحتل أسماعنا.
وهذا أيضا ينطبق على المقطوعةالموسيقية الرائعة (رقصة العبيد) التي ألفها الأطرش في فيلم (أمير الانتقام) تميزت بإيقاع أوروبي (البوليرو) لما فيها من تأكيد درامي تعبيري وتلاوة القائية موسيقيةفي نبرات متهادية بعيدة عن القفزات النغمية الصاخبة، فهي تستهل بعزف مهيب من الطبول تمهيدا لظهور آلات أوروبية بحتة تنفرد بخصائص عزفية شاعرية خصبة، عميقة كآلات(الابوا والتشيلو والكمان) غير انه لا يمكن الإقرار بأن هذه المقطوعة لم تعتمد علىبعض النغمات الشعبية، فعلى العكس فإنها حوت على مهارة التناول الشعبي بالأسلوبالموسيقي الرصين المتوج بالإبداع، الحافل بطريقة التوزيع الاوركسترا لي وبأسلوبيةمبسطة خالية من التعقيد الأجوف! كما أن الموسيقار فريد الأطرش استغل الجانب النغمي الشعبي في اوبريتاته الغنائية المطعمة بنظام الكورال الأوروبي وخصائص التناول الصوتي للطبقات العالية الصادحة الجهيرة، وعلى وجه الخصوص الأغاني البديعة التي لحنها لأسمهان، تلك التي تتألق فيها طبقة (السوبرانو) الدرامية ذات المدى الواسع.
ومن خلال ما تقدم تتضح عراقة الفهم العميق لدور الأنغام الشعبية في أعمال فريدالأطرش، التي توفرت على تحويرات شعبية سامية مع اتصافها بالنضارة والبهجة، فهو في هذا يمكننا الادعاء بأن أحدا من الفنانين الكبار لم يضاهه في لونه الشعبي، فأن الغنى النغمي والمقامي الذي يحتويه لم يجهر به كاملا، اذ سد المرض عليه الكثير من مساعي موهبته الفنية، في حين أن فريد الأطرش أراد استجماع كل قدراته الفنية، غير أنما تركه لنا يبقى شاهدا على ثراء الآفاق الروحية لهذا الفنان العظيم.
عن كتاب عبد الحليم حافظ الذي اعده سعاد الهرمزي

نحو جماليات الرائحة، أو الكريه والعطر في الأدب المعاصر.

فبراير 24, 2016 اضف تعليق
 

 

دانوتا فجيلستيد[1]
ترجمة أماني لازار
بالرغم من كثافة الاهتمام النقدي بالجسد، ما زلنا متشبثين بالجماليات التي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي البصر والسمع. في محاولة لتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد تدرس المقالة المشاهد ذات العلاقة بالشم في كل من رواية توني موريسون (سولا )1973 ومذكرات أمي لجامايكا كينكايد (1996) ومكتوب على الجسد لجينيت وينترسن(1992) لإظهار ما تقدمه هذه الروايات من صور آسرة للغاية عن الشَّم، الجنس (الجندر)، والإثنية.
 يكشف التحليل عن اشتراك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم: الروائح الكريهة التي دلت خلال عصر التنوير على اللا منطق، الجنون، الهمجية، والحيوانية، قدمت مجدداً من قبل الكاتبات الثلاث بمعاني الحب والقربى، في حين أن الروائح العطرة صارت تشير إلى الَبهتان والموت. استفادت كل من موريسون، كينكايد، ووينترسن من التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول مؤنثة) وفضحن التقليدية في تقديم النساء بمصطلحات الروائح “اللطيفة” سواء من خلال إشارات صريحة لقوة العطور الجنسية وبتحميل الروائح “غير السارة” ما للعطور من قدرة على الجذب الجنسي. أخيراً تقترح المقالة أن حاسة الشم قد تكون بديلاً معرفياً متميزاً عن البصر والسمع.
 
اكتب، الغائط ليس له رائحة.
-رولان بارت
في فعل الرؤية يبقى المرء نفسه، في الشَّم يتحلل.
-ماكس هوركهايمر وتيودور أودورنو.
 
تركز صناعة العطور بملايين الدولارات، والاهتمام المتنامي بطب الروائح، والإعلانات التجارية والتلفزيونية العديدة التي تقدم تشكيلة من مزيلات الرائحة-انتباهنا بقوة على ما يتعلق بالشم، العطر، والرائحة الكريهة في حياتنا اليومية. بإبادة الروائح الكريهة وتعزيز العطور الجذابة، نحن جميعاً نتورط يومياً بالتلاعب بعالمنا الشَّمي وبالهويات الشَّمية لأجسادنا.
هذه الرؤية العامة للشَّم (إني أخلط مجازاتي) ظاهرة حديثة. على مدى قرون، كان لما يتعلق بالشم أهمية هامشية في المحادثات الفلسفية، الدينية، العلمية. نبذُ كانط لحاسة الشم مثال عن كيف كانت حاسة الشم ” معيبةً من قبل الفلاسفة”: “لأي حاسة عضوية ندين بأقل ما يمكن ويبدو أنها غير ضرورية تقريباً؟ حاسة الشم. إنها لا تدفعنا لتهذيبها أو تنقيتها رغبة في كسب المتعة، يمكن لهذه الحاسة أن تلتقط ما يبعث على الاشمئزاز أكثر مما يسبب المتعة (لاسيما في الأماكن المزدحمة) إلى جانب أن المتعة المتأتية من حاسة الشم لا يمكن أن تكون إلا زائلة وقصيرة المدى.”
أشار العديد من النقاد إلى أن تهميش حاسة الشم يمكن ربطه بهدف المشروع التنويري لإزالة روائح وتوحيد الفضاءات العامة والخاصة وإلى تعميم الميل لمنح الفكر حظوة على حساب الجسد. كان تطهير الروائح مصحوباً باهتمام طبي متعاظم بالضوء، الذي مع حلول منتصف القرن التاسع عشر أدى إلى ” انقلاب عظيم في المواقف لمنح البصر تفوقاً غير متنازع عليه” كان انكفاء الشم يعتبر جزءً ضرورياً من العملية الحضارية بحسب كل من داروين وفرويد. افترض سيجموند فرويد، على سبيل المثال، صلة مباشرة بين الشم والجنسانية، يرى أن تحجيم الإثارة الشمية ارتبط بانتصاب قامة الانسان. كان الضمور التدريجي للشم، بحسب زعمه، مصحوباً بدور متصاعد للإثارة البصرية في الانجذاب الجنسي.
ظل الاهتمام العلمي حتى يومنا هذا قليل نسبياً بالشم، بالرغم من أن المرء يمكنه أن يجد بعض ما يدل على التغيير. منذ أقل من عقدين كانت الرائحة موضوعة على الخريطة التاريخية الاجتماعية التي وضعها آلان كوربين بدراسته الرائعة، الكريه والعطر: الرائحة و المخيلة الاجتماعية الفرنسية (نشرت في الأصل في فرنسا عام 1982، وترجمت إلى الإنجليزية في العام 1986)، وفيها يتتبع الكاتب التغيرات في ملاحظة الروائح في الدراسات الطبية، الصحة العامة، والمدنية، والمحادثات الأدبية في فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يبدي عالم النفس الهولندي بيت فرون في كتابه الشهير -الرائحة: المغوي السِّري (1994)، أن حاسة الشم حيوية لمعرفتنا للعالم. في ” عضو جاكوبسن ” (2000)، تستقصي ليال واتسن الأدوار المتنوعة للرائحة في البشر، النباتات، والحيوانات. هذه الكتب وكتب أخرى تشير إلى الاهتمام المتنامي بالشم بين العلماء.
لا شك أن حاسة الشم في النقد الأدبي واحدة من أكثر المواضيع تجاهلاً. يبدو أن التحقيق الوحيد على شكل كتاب في المخيلة الأدبية للشم حتى اليوم هو كتاب هانز ج. رينديسباخر ” رائحة الكتب: دراسة تاريخية ثقافية عن حاسة الشم في الأدب (1992)، الذي يناقش في معظمه النصوص الألمانية والفرنسية مع إشارة عرضية إلى الأدب الإيطالي والروسي. انعدام التحري النقدي عن تصوير حاسة الشم في الأدب مفاجئ بشكل خاص في ضوء الاهتمام العام المركز على تصوير الجسد في الثقافة الغربية. مع الكتابات الكثيرة عنه في المقالات النقدية المعاصرة، تم تصنيف الجسد جنسياً، عرقياً، طبقياً، لكنه يبقى بشكل غريب جسداً عديم الرائحة.
ومع ذلك يمكن للمرء أن يجد الكثير من الإشارات إلى حاسة الشم في الأدب. من المسلم به أن حاسة الشم نادراً ما تلعب دوراً بنيويا هاماً وموضوعياً في النصوص لاسيما في أدب ما قبل الحداثة. في الحداثة تظهر حاسة الشم أولاً كعنصر أساسي في حبكة الرواية. يذهب رينديسباخر إلى حد أنه ينشد في حاسة الشم السمة المعرفة للحداثة. بالفعل، حتى القارئ العادي للرواية الحديثة سيتذكر الوظيفة الفعالة للرائحة كمحور دارت عليه رواية بروست الضخمة “في تذكر الأشياء”. تشكل الروائح في رواية عوليس لجويس كوناً بنفسها: يبدو أن نتن الجسد المتفسخ في رواية “بينما أرقد محتضرة” لفوكنر ينبثق من صفحات الرواية كما لو أن الكتاب يحتوي على رقعة “اخدش وتنشق”، تشترك الروائح والعطور بشكل فعال في خلق الفضاء المخنث لرواية بارنيز “Nightwood“، في رواية “عالم جديد شجاع” لهكسلي تظهر كيف أن التلاعب بالروائح يمكن أن يستعمل لضبط العواطف.
بأية حال، الرواية التي تتمحور حول حاسة الشم هي رواية باتريك زوسكيند العطر، المنشورة في ألمانيا عام 1985، وترجمت إلى الإنجليزية بعد سنة واحدة، في عام 1986. رواية زوسكيند استثنائية في استعمالها للرائحة كموضوعة أساسية وأداة بناء. ” لم تكن حاسة الشم قبل زوسكيند مستعملة أبداً إلى هذا الحد في حمل بنية حبكة القصة”، يقول رينديسباخر. الرواية أيضاً استثنائية في تغليبها الشم على التخيلات البصرية، وفي غناها بالمفردات المرتبطة بحاسة الشم. أنه لمن الآسر أن ترى رواية العطر “كانعطافة شمية” مبشرة في الأدب.
في محاولة التبشير في هذه الانعطافة وتلافي تجاهل حاسة الشم في النقد، أستطلع فيما يلي المشاهد المتعلقة بالشم في كل من رواية توني موريسون سولا (1973)، ورواية جامايكا كينكايد سيرة أمي (1996)، ورواية جينيت وينترسن الكتابة على الجسد (1993) لأظهر كيف أن هذه الروايات تقدم صوراً فاتنة عن الشم، الجنس (الجندر)، والإثنيات. بصورة مؤثرة، مركزة على تدمير الروايات الثلاث للترميز التنويري للشم، أريد أن أعرض أن مواكبة حاسة الشم تساعدنا بشكل أفضل على فهم الآثار المزعزعة لمواضيع السرد عند موريسون، وينترسن، وكينكايد. ومن نافل القول، أن الشم في الأدب تماماً كالتذوق واللمس -ليست متاحة حسياً، إنها دوماً عبر وسيط لغوي. ليس للغة رائحة، كما عبر بارت عن ذلك مؤكداً. ولهذا استقصاءاتي عن حاسة الشم في الأدب تستتبع تفحص أية أفكار، رغبات، مشاعر، ومعتقدات سيَّرتها الإشارات النصية للرائحة في الروايات الثلاث.
دعني أبدأ بالقول إنَّ العوالم الشمية في الروايات الثلاث تدعو القارئ لإعادة النظر بالروابط التقليدية بين الغائط والموت، وانعدام الرائحة والحياة. بشكل غير تقليدي، غالباً ما يشير انعدام الرائحة و/ أو العطر في الروايات للموت، الجدب، والظلم في حين ينحو النتن ليكون مقدماً كحامل للحب، الحيوية، والتحرر من الأعراف الاجتماعية. علاوة على ذلك، تتحرر الراويات وغالباً ما تتصدين للترميز التنويري السائد للرائحة، طبقاً لـ ” يبدو أن الأنقاض التي تفوح منها رائحة نتنة تهدد النظام الاجتماعي، في حين يعد النصر المطمئن للصحية والعطر بدعم استقراره” (كوربين).
الفضلات ولاسيما الجسدية منها، منذ أن عرف في أواخر القرن الثامن عشر بأنها خطر على الصحة العامة، فهي محتواة في الثقافة الغربية المعاصرة في أماكن خاصة (مراحيض) تبعد الفضلات عن أعين العامة وأنوفهم وتخلق حوامل مادية ورمزية بين الحياة والموت، عامة وخاصة، نظيفة وقذرة، ومتحضرة وبدائية. في رواية سولا هناك فقرات طويلة عديدة مرتبطة بالمرحاض والحمام أو المرحاض الخارجي، أصبحت الفضلات والقذارة، لو جازفت بالقول، عنصراً بنيوياً في الرواية. رحلة هيلين ونيل الصادمة جنوباً، إنقاذ إيفا لحياة الطفل بلوم، استراق سولا السمع لاعتراف أمها عن إعجابها بها وليس حبها لها، رد فعل نيل المقرف تجاه خيانة زوجها وسولا، خذلان آجاكس لسولا، كل هذه الحوادث موسومة بإشارة إلى المرحاض الخارجي/ فضلات الجسد. أيضاً المعاني التي ينسجها النص معاً غالباً ما أفسدت الترميز الثقافي للبخر الجسدي والنتن بما يدل على الفنائية والتحلل.
على سبيل المثال في واحد من المشاهد اللافتة، تشكل الرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي الوسط الشمي لتصرف إيفا بحب أمومي. توقف تغوط ابنها الرضيع بلوم ويتقيأ الطفل وهو يصرخ متألماً، تأخذه ايفا إلى المرحاض الخارجي:
قرفصت في عمق ظلمته والرائحة الكريهة الشديدة البرودة، قلبت الطفل على ركبتيها، كشفت عجيزته وأقحمت آخر قضمة تملكها من الطعام في العالم (إلى جانب ثلاث شمندرات) في مؤخرته. مسهلة الإقحام بقطع من شحم الخنزير، جست بإصبعها الوسطى لتسهل تغوطه. تلقف ظفرها ما بدا أنه حصاة سحبتها وتبعتها أخر. توقف بلوم عن البكاء عندما ارتطم الغائط الأسود بأرض متجمدة. والآن بانتهائه، قرفصت ايفا هناك مستغربة لماذا كان عليها أن تمضي إلى هناك لتفرغ غائطه وما الذي كانت تفعله على وركيها مع طفلها المحبوب المدفأ بجسدها في ظلمة كلية بساقين وأسنان متجمدة ومنخرين يسيلان.
ما نراه هنا هو حبكة نصية لشبكة غنية من الصلات بين الطعام، الحياة، الحب، الموت، والغائط. يسم نتن المرحاض الخارجي منطقة الحد الأخير للحياة، إنه يشكل حداً بين الحياة والموت. في هذه المنطقة الشمية للتحلل تبعث إيفا المقرفصة الحياة في ابنها مجدداً.
لا يرتبط حب ايفا الأمومي فقط بالرائحة الكريهة للمرحاض الخارجي لكن أيضاً، مضاعفاً، برائحة أخرى هي رائحة “اللحم المطهي”. في الحادثة الأولى تصب الكيروسين على ابنها البالغ مدمن المخدرات بلوم وتشعل النار. لكن قبل أن توقد به النار تضم بلوم بين ذراعيها وتهزه كما لو أنه طفل رضيع. قتل ايفا لابنها هو فعل حب كما يطرحه النص، وهو أيضاً مفسر كذلك من قبل بلوم الذي يجد رائحة الكيروسين ” جذابة على نحو عميق” ويشعر بأنه معمد بها ومبارك. في المثال الثاني، رائحة لحم هانا المحترق يجعل ايفا بساقها الوحيدة ترمي بنفسها من النافذة في محاولة بطولية لإنقاذ ابنتها.
في حين تنشر روائح اللحم المطبوخ والغائط مشاهد الحب الأمومي، عطور زهور تصحب الموت والفساد الأخلاقي في عالم “سولا” الشمي. الرائحة الشذية للغاردينيا التي تشمها أم هيلين المومس من أجواء موكب جنازة جدة أم نيل. وجدت ايفا مع ابنتها الميتة بجانب شجيرات الفورسيثيا، البازلاء الحلوة، والبرسيم. ربما المثال الأكثر صراحة لإعادة الترميز النصية للرائحة هذه هو عنقود من صور شمية تدور حول ممارسة سولا للحب مع آجاكس. تنتهي علاقتهما الشغوفة بتنظيف سولا للحمام وترتيب السرير. بالنسبة لأجاكس تبعث النظافة الجديدة للمكان “رائحة العش”، معلية مخاوفه من أن يقع في فخ أسلوب الحياة العادية. الذروة تأتي عندما يرى آجاكس سولا “مستلقية على ملاءات بيضاء يانعة، ملتفة في الرائحة القاتلة لكولونيا مطبقة مؤخراً” ويقرر تركها. رائحة الكولونيا نفرت آجاكس، إنها تشير إلى خيانة سولا لكل ما كانت تعنيه حتى ذلك الحين، وأكثر ما خانته هو قدرتها على الرؤية من خلال(وتجاهل) قشرة سلوك الطبقة الوسطى المتحضرة. هذه القدرة الخارقة لسولا مستدعاة بتركيبة مدهشة من البصري والشمي عندما يزعم واحد من السكان الخائفين في الأسفل أن سولا تنظر إلى الناس كما لو أنها “تشمك بعينيها ولا تعجبها رائحة صابونك”.
حزينة بعد رحيل آجاكس، تغني سولا لنفسها لتنام في ” قشعريرة المرمر” التي تغادرها لتعود إلى “رائحة الصلصال الكريهة، العبقة، المظلمة “.  هذه الرائحة النتنة العبقة المظلمة للصلصال مرتبطة بالمشهد الذي تتقاسم فيه نيل وسولا الإثارة الجنسية وهما تحفران حفرة في الأرض بأغصانهما قبل وقت قصير من موت تشيكن ليتل. يفسر المشهد في الكثير مما كتب من نقد لرواية سولا على أنه علاقة جنسية بين سحاقيتين.  المهم في سياق تحليلي هو حقيقة أن الهالة الشمية للمشهد تصبح سمة في علاقات نيل وسولا. متألمة من اكتشاف علاقة الحب بين زوجها وسولا، تنسحب نيل إلى حمامها على أمل أن تتخلص من حزنها: ” جلست مرة في الداخل، على بلاط الأرضية بالقرب من المرحاض. على ركبتيها، يدها على الحافة الباردة لحوض الاستحمام، انتظرت حدوث شيء، في الداخل. كان هناك إثارة، حركة وحل وأوراق ميتة، فكرت بالنساء في جنازة تشيكن ليتل، النساء اللاتي زعقن على النعش وحافة القبر المفتوحة.” بخلاف النساء، لم تستطع نيل مع ذلك أن تتخلص من ألمها بالبكاء:” انتظرت. انزاح الطين، تحركت الأوراق، غلفتها رائحة الأشياء الخضراء المتفسخة وأعلنت عن طلائع عويلها. لكنه لم يخرج. الرائحة تبخرت، الأوراق كانت ساكنة، استقر الوحل. وأخيراً لم يكن هناك شيء سوى رقاقة من شيء جاف ومقرف في حلقها. نهضت خائفة.” لم تفهم نيل إلا بعد موت سولا أنها كانت حزينة على صديقتها وليس على زوجها جودي. عند هذا الحد، في نهاية الرواية، تشير الرائحة إلى عودة علاقة سولا ونيل منطلقة في صرخة الحزن:” الأوراق تهيج، الوحل يتقلب، كان هناك رائحة أشياء متفسخة خضراء…” يا رب، سولا” نيل تصرخ، يا فتاة، يا فتاة، يا فتاة،” كانت صرخة ممتازة، عالية وقوية-لكن لم يكن لها قعر ولا قمة، فقط حلقات وحلقات من الحزن”.
تحليلي يكشف حتى الآن أن الرائحة الكريهة، المشادة طوال عصر التنوير كدلالة على الجنون، الحماقة، الهمجية، والحيوانية، صيغت مجدداً من قبل موريسون كدالة على الحب والقربى. تصبح الروائح العطرية من ناحية أخرى، علامات على البهتان والموت.  ولو أن قول هذا هو اقتراب محفوف بالمخاطر من ثنائية الروائح الفطرية مقابل المدنية، ولرؤية رواية سولا كتظهير لعالم الفطرية. الكون الشمي في سولا ليس بسيطاً جداً، إنه لا يقدم فقط إبطالاً للترميز التقليدي للروائح. روائح الزهور تنتمي للمملكة الفطرية، ولو أنها في الرواية ترتبط بالموت. موريسون أيضاً تصعب التمييز البسيط بين الروائح بالمحافظة على المعاني المتعارف عليها للشم. بالنسبة لشادراك على سبيل المثال، الرائحة الحلوة للدم مرعبة بالطريقة التي تقدح فيها زناد الذاكرة للقائه التصادمي مع الموت أثناء الحرب. موت تشيكن ليتل هو أيضاً مرتبط برائحة رهيبة.
البنية في سولا هي منظر شمي أدبي مليء بالتوتر والإبهام، موريسون تجعل القارئ يتجول في متاهة من الرغبات المحرمة. عملية مشابهة جداً يمكن أن ترى في رواية كينكايد “مذكرات أمي”. حبها لروائح جسدها هو بالنسبة لخويلا، بطلة الرواية وراويتها، طريقة لمقاومة الأحكام المحيطة بها، على أنها تافهة، غير محبوبة، ومستهجنة. في عيون الآخرين، تقول، “الشكل البشري والرائحة كانا فرصة لتكديس الازدراء “عليها، طريقتها في استرجاع الاعتراف والتقدير لنفسها بتأكيد متكرر لشذاها الشخصي أو لرائحة الجسد بالقول مراراً وتكراراً: ” أحب رائحة القذارة الرقيقة خلف أذني، رائحة فمي غير المغسول، رائحة ذلك العقيق بين ساقي، الرائحة في ثنية ذراعي، رائحة قدمي غير المغسولة.”  يمكن القول إن خويلا تدعي مكاناً لذاتها المختلفة عرقياً، بجذب انتباه القارئ لروائح جسدها الشخصية، إنها تصر على صلاح “جواز مرورها الشمي” بحسب تعبير فرون.  هي أيضاً تدعي مكاناً لجنسانيتها بالتأكيد على الشخصية المغرية لروائحها: ” تغيرت رائحة إبطي وما بين ساقي وهذا التغير سرني.  في تلك الأماكن تصبح الرائحة لاذعة، حادة، كما لو أن شيئاً ما يجري تخميره، ببطء، وفي السر، بين الحين والآخر، لم تغادر يداي هذه الأماكن، وعندما كنت بين الناس، لم تكن هاتين اليدين بعيدتان عن أنفي دوماً. وهكذا استمتعت على طريقتي في شمها، بين الحين والآخر.”
كما في سولا، عبث مشابه في “المذكرات”، العطور والروائح “الطيبة” مختبرة من قبل خويلا كشؤم ووعيد: ” أشم من إبطي ليز عطراً. صنع من عصير الزهور، هذه الرائحة ستعبق في الغرفة، ستعبق في منخري، تنتقل إلى معدتي، وتخرج من فمي، في موجات من التقيؤ…” رائحة والدها، تلك المشابهة ” لرائحة اليود ونبات كف الذئب البنفسجي وحمض الكاربوليك،” تبدو “منظمة ومعقولة” وتدعم إحساسها بكونه سجان وشرطي أكثر من كونه أباً.
في سياق دراستي المسألة المثيرة هي ما إذا كان مثل هذا السرد المخل بنيوياً كما في “مكتوب على الجسد”، التي تعلن صراحة ارتباطها بالجسد من خلال عنوانها، أيضا يتعدى على أعراف الصور الحسية، لاسيما من ناحية حاسة الشم التي في منزلة متدنية. الإجابة هي أنه، فيما يتعلق بالشم، رواية “مكتوب على الجسد” سرد يتبع في معظمه المتعارف عليه في الدلالة على الحب من خلال روائح الزهور وعلى التنافر عبر الروائح الكريهة، وإيهان وفضح هذه الأعراف بطريقة غير متوقعة ليس سوى في فصل ” الحواس الخاصة”، في نهاية الرواية. بخلاف “سولا “أو “مذكرات أمي”، في “مكتوب على الجسد” البيئة النظيفة الصحية والبرجوازية العديمة الرائحة تتقاطع عرضياً فقط مع روائح المبولة، الغائط، الدم الطمثي والبخر الجنسي.
تقدم الحكاية في الجزء الأكبر منها، لويز العاشقة المثالية (لأنها اختفت بغموض) وهي تشم الحطب، الزهور، والبحر. ينبثق هذا النمط من المخيلة الشمية التي تصل النساء بنبات اليوفي بدلاً من ربطها بعالم من روائح حيوانية كرائحة المسك، في القرن التاسع عشر ليصبح منتجاً رئيسياً للتصوير الفيكتوري للنساء. كان التحول عن عطر الحيوان وصعود موضة روائح الزهور بنتيجة رؤية جديدة للتصورات الأخلاقية للرائحة. عندما يعد التواضع فضيلة أنثوية أساسية، ” حلت صور نباتية محل تلك المقترضة من دورة اللواحم”، في حين “البخار الثخين للحم المشبع، روائح ثقيلة، ومساحيق مسكية كانت (لائقة) بحجرات المومسات أو حتى للمبغى”، يكتب كوربين. في قصة حب وينترسن تفوح لويز بالبراءة. براءتها تطرح رمزياً من خلال نظافتها: تخرج عدد مفاجئ من المرات من حمامها برائحة الصابون والزيوت العطرية. التقليدي (على الأقل بالنظر لتصوير النساء) هو أيضاً الربط النصي للويز برائحة القهوة والخبز. الطبيعة والبيت مكانين فيهما تموقع صور الراوي عن الرائحة لويز. مزالة الرائحة ورومانسية، لويز الشمية هي المرأة الفيكتورية الجامعة لا يمكن أن توصف رائحتها أبعد من الإشارة المكررة ثلاثاً إلى “رائحة لويز”.
بخلاف لويز النظيفة التي تفوح منها رائحة البحر، تتسم جاكلين، التي يتخلى عنها الراوي من أجل حبيبة جديدة، برائحة حيوان: لها رائحة حديقة الحيوان التي تعمل فيها. تستحم لتزيل الرائحة، وليس لتعطر جسدها. تصوير الراوي لجاكلين بمفردات روائح الحيوان بدلاً من الزهور التي تومي إلى معنى أنها قذرة ودنيئة. هذه التضمينات مكتشفة في واحدة من فقرات الرواية المحورية. أشير إلى المشهد الذي يعود فيه الراوي إلى البيت بعد ليلة أمضاها مع لويز ليجد أن شقته/ها خراباً. جاكلين خربت ما استطاعت، وقد حولت الغرفة إلى قن دجاج، والحمام إلى مكان يبدو كما لو أنه كان هدفاً لسباك سادي ومنحرف. اكتشاف الراوي لآثار حضور لجاكلين الغائبة الآن يبلغ منتهاه في إلقائه نظره على باب الحمام ليرى كلمة اللعنة مكتوبة بالغائط على ما يبدو من قبل جاكلين. هذا يسمح للراوي التعرف إلى مصدر الرائحة التي عبقت في الشقة. تصبح رائحة الغائط توقيعا للمرأة التي يربطها الراوي بعالم الحيوان: ” إنها غير متحضرة، فظة، وشاذة، إن المرأة الظريفة الفيكتورية هي أخرى. حيث بخر جسدها يعبق بالغرفة، يتجاوز حدود الأنا ويعتدي عليه. هكذا رائحة الغائط الذي اشارت به جاكلين إلى خروجها ليس فقط إمضاءاً رمزيا لموت الحب. يجتاح عالم الحب الناشئ بين الراوي ولويز، إنه ينتهك الحدود المتفق عليها بين الحياة والموت، يدمغ التحلل المادي إلى جنس، ويكتب عنفاً بالجسد، أو على نحو أصح ببقايا الجسد.
الروائح موظفة إذن من قبل الراوي أو ربما بشكل أصح من قبل وينترسن-ليسم حبيباته بشكل تقليدي إلى حد ما عندما يتخلص آلجين زوج لويز من حبوب النعناع التي تلقاها من أبيه، يخسر ماضيه ويقايض روائح طفولته اليهودية بأجواء مختبر طبي سويسري عديم الرائحة. انعدام رائحة آلجين نصياً مرتبط بعجزه العام وحياته الفارغة. عندما ينظف الراوي حمامه من غائط جاكلين ينهي علاقاته الجنسية المغامرة ويرسو للتقليدية ولقصة حب شاعرية. تعرف جدة لويز الراوي بأنه له” مظهر شيء من قسم النظافة.”
خلاصة القول، في معظم الصور الشمية في “مكتوب على الجسد” المنقولة ضمن المعارضات الثنائية التقليدية: الروائح ” السيئة”، تكون من الغائط أو الحيوانات، تنافر لافت، انحراف، فقر، وموت (الحب)، ” الروائح “الطيبة” (للزهور، خشب الصندل، والبحر) مرتبطة بالإثارة الجنسية والفضيلة، أو ربما بطريقة أصح، الشهوانية المتعففة، في حين انعدام الرائحة هو مساوي لانعدام الحياة.
مع نهاية الرواية، الروائح غير التقليدية المشار إليها رغبة في تحديد جسد لويز والإفصاح عن رغبة الراوي بها. في فصل “حواس خاصة”، يمعن الراوي في روائح لويز الجنسية مشيراً إلى” رائحة الخميرة” الصادرة عن لويز بعد ممارسة الجنس. ويلحظ كيف أن روائح لويز تتغير أثناء دورتها الشهرية.  عندما تكون لها “رائحة البارود”. يصور الراوي كون لويز الشمي كخليط من روائح الغائط والبخر. إنها “مركب غبش من قش ماشية شذي وبخور مريم. إنها لبان ومر روائح من الموت والايمان.” بتعبير آخر يكسر استعمال وينترسن للتخيلات الشمية التقاليد باكتشاف واضح لدور الرائحة في الانجذاب الجنسي. إقدام الراوي المحتمل على الانتهاك مرتبط بالشم أيضاً. قبل أن يصبحا عاشقين بقليل، يشعر الراوي بغواية تناول سروال لويز من سلة الغسيل ليشمه. هذا الانتهاك الجنسي توقف بسبب دخول لويز الغرفة تفوح منها “رائحة صابون خشب خام”.  لكن مع غياب جسد لويز، يصبح الراوي شفهياً “شمام سروال” لا يمكن له أن يكونه في حضور لويز كما لو أن الغياب فقط يمكن أن يثير إمكانية الشم الآثمة.
واحدة من المسائل التي لم أبحثها هي تجنيس الروائح في رواية “مكتوب على الجسد”، “مذكرات أمي” و “سولا”. كما هو معروف، بدءاً من عصر التنوير، أصبحت حاسة البصر بشكل متزايد محسوبة على الرجال،” الذين هم من المستكشفين، العلماء، السياسيين، أو الصناعيين-كان ينظر إليهم كمكتشفين ومسيطرين على العالم من خلال نظرتهم المتحمسة.” بخلاف البصر كانت حاسة الشم تعد “حاسة الإلهام والمشاعر، من الأعمال المنزلية والإغواء، كلها كانت تحسب على النساء”.  استغلت موريسون، كينكايد، ووينترسن هذا التجنيس التقليدي لحاسة الشم باعتبارها حاسة أنثى (ولا نقول أنثوية) لكن بطرق مختلفة في كل من سولا ومذكرات أمي، ارتبطت الروائح الكريهة غالباً بالحقل الدال على الحب، الفردانية، والوحدة، في حين أن الروائح “الطيبة” ارتبطت بالموت والانفصال. في “مكتوب على الجسد” وثانية في “مذكرات أمي” العرف في تصوير النساء بمصطلحات الروائح “الطيبة” كشف سواء بإشارات واضحة على القدرة الجنسية للعطور وبمنح الروائح “كريهة” نفس القوة الجنسية التي للعطور. تشترك الروايات الثلاث في إعادة ترميز المشاهد التقليدية المتعلقة بالشم. شيرة إلى أهمية الشم في المحادثات الأدبية، بالرغم من أن الحدود الدقيقة للخريطة الشمية للأدب لم ترسم حتى الآن.
من المفاجئ أنه برغم الاهتمام النقدي الشديد بالجسد وبالرغم من الادعاء بأن” علم الجمال ولد ليكون خطاباً عن الجسد”، نتشبث بشدة بالجماليات الذي ورثناها من القرن التاسع عشر حيث لا اعتبار إلا لحاستي النظر والسمع. حان الوقت لمراجعة هذه الجماليات بتضمين حاسة الشم وهي وفقاً لبعض النقاد حاسة ما بعد حداثية بامتياز معولين على مفاهيم بودريارد عن مافوق الواقع والصور الزائفة “المحاكاة”، Classen et alيكتب: ” العطور المركبة اليوم مثيرة لأشياء ليست موجودة، لحضرات غائبة… هذه الروائح المصطنعة هي إشارة دون مرجع، دخان بلا نار، صورة شمية نقية”. في حين لا أملك حجة لوجهة نظرهم عن الرائحة في الواقع اليومي ما بعد الحداثي، في رأيي إن الظهور المتنامي لحاسة الشم (لأخلط العيني والشمي مرة ثانية) والنقد المتنامي لترميزها التنويري (الترميز المتضمن للجندر، العرق، والطبقة) قد يسمح لنا بالتفكير بالشم باعتبارها حاسة ما بعد حداثية. الشم، هذه الحاسة الأكثر شعورية من بين الحواس، تحمل إمكانية عظيمة مدمرة في قدرتها على التعدي على الحدود، مهاجمة العقلانية، وتحرض مشاعر الاشمئزاز والانجذاب بفعالية. في الروايات التي تمت مناقشتها هنا، يهاجم الشم التراتبية المؤسسة على العرق، الإثنية، الجنس، والتوجه الجنسي. إنها تغير الاقتصاد العاطفي، تعيد تنظيم العالم الاجتماعي والأخلاقي، وتنتهك الانفصال. إن إعادة الترميز للشم هذه أيضاً كاكتشاف لقدراتها التدميرية التي أجدها واحدة من الظواهر المثيرة في أدب ما بعد الحداثة.
لابد من التأكيد على أن الأهمية المنسوبة للروائح هي ثقافة وزمن محددان. وطالما أن الروائح مستثمرة بقيم ثقافية، يطرح ترميزها الثقافي نماذجاً لوسم وتفسير الآخرين على أنهم آخرون ولكتابة مخطوطات عن التفاعل المتبادل بين الذات والآخر.  علاوة على ذلك، طالما أن حاسة الشم مثلها مثل باقي الحواس، متلاعب بها ومتأثرة بمعتقداتنا، كما أشار ميلر، تغيير المعتقدات عن الشم في عالمنا ما بعد الاستعماري المليء بـ”الآخرين”، إعادة ترميز الرائحة قد يكون لها أثر سياسي بعيد ونتائج اجتماعية، لاسيما لو قبلنا أن فعل الشم هو ذوبان ذاتي واندماج مع الآخر، كما يؤكد أودورنو و هوركهايمر. يبدو أن هناك بديلاً معرفياً مميزاً تقدمه الرائحة، البديل أيضاً مكتشف في “عطر” زوسكيند، الراوي مرتبط بشدة بالرائحة كارتباط الراوي الأوديبي بالنظر واللمس. حان الوقت للبدء باستكشاف البديل المعرفي الخاص بالشم والأرضية العاطفية، الأخلاقية، والمعرفية التي يمكن لها أن ترسمها.
http://cvc.cervantes.es/literatura/cauce/pdf/cauce24/cauce24_37.pdf
[1] أستاذة الدراسات الأميركية وما بعد الاستعمارية في معهد بليكنج في السويد.


 

قصائد مختارة لجويس منصور

فبراير 24, 2016 اضف تعليق

|ترجمة: بشير السباعي

1
المنون زهرة ربيع تنام


عند قدمي سيدة عذراء وقت الهياج
والعفونات الناعمة الألف
الداكنة كإبط، الدامية كقلب
تنام هي أيضا في أجساد النساء العاريات

2
الراقدات في الحقول، أو الباحثات في الشوارع
عن ثمرة الحب المرة المذهبة.
القدمان الجامدتان غير المدركتين
للصياد العجوز المتكئ على زورقه
تسحقان بيبوستهما المصفرة
الأسماك النائمة على الطحالب المهدهدة
العجوز يدخن يد طفل
عيناه الزرقاوان المحتقنتان بالدم وبالأحلام
تبحثان في البعيد عن الوجه المضيء
للطفل الذي لا يعرف السباحة.
أقدام عارية تماماً
وجه ملطخ بالدم
دمك سيء التجلط
الذي لزنجي
من شعرك يتدلى
القط الصغير المعلق
واقفاً على بركاني
أنت حقيقتي.
سأتبع دائما نعشك
يا روحي، يا روحي
سيكون دائماً أمام عيني
يا روحي، يا روحي
لن أكف عن السير في حركة إيقاعية
خلف جسدك فاقد الحياة
يا روحي، يا حبي.
امرأة مستسلمة في الصقيع الكئيب
لسن يأسها
تفكر وهي تحبك في الحملان المصلوبة
في ملذات المطبخ
وفي السنوات الوسخة الطويلة
للمجاعة الكبرى
القادمة.
أريد أن أرحل بلا حقائب إلى السماء
يخنقني اشمئزازي فلساني طاهر.
أريد أن أرحل بعيداً عن النساء ذوات الأيادي السمينة.
اللاتي يداعبن ثديي العاريين
واللاتي يقذفن بولهن
في حسائي.
أريد أن أرحل بلا صخب في الليل
أريد أن أقضي الشتاء في ضباب النسيان
معتمرة فأراً
ملطومة بالريح
ساعية إلى تصديق أكاذيب عاشقي.
فراشك جبن
عليه تتمخض امرأتك.
خبز ومخاطيات
رحم وصرخات
عيون تبكي.
ملصقة على الجدار، مسمرة على الفراش
وأنت بالأرض، مكتسياً الأسود – مجمد الدم
أيها اليهودي الميت قتيلاً
الرضيع ينام في مهده الأسود
أسنانه القذرة تبين بين شفتيه المشدوفتين
وأنت تهدهدينه.
الغرفة هادئة بالرغم من الكلب الذي يموت
النوافذ محكمة الإغلاق لإحكام حبس الليل
وأنت تنتظرين.
الرضيع يستيقظ من أحلامه المعذبة
الموت ينتظره، مرضعة رقيقة
وأنت تبتهجين، أيتها الأم الصغيرة.
في غرفتك المفروشة بالأمعاء المزهرة


3
انتظر زيارة الرخويات المحزونة
تحبكين كالعادة في صمت
الحبكة التي لا تنتهي لأيد غير راضية
أما أنا، فاقرأ على وجهك المعبر
متفرقات مدينة مبادة
ونترقب في صبر دون تعجل
الوصول المهيب للرخويات ولأصدقائها
الديدان.
لا تستخدموا كطعم
روح الخنزير الشاحبة
لكي تجتذبوا الرجال الشائخين
الذين لهم طعم السمكة.
خاصة خلال الأسبوع.
لا تنتزعوا البصقات
من أفواه الأطفال
الذين يبيعون مؤخرتهم
للحمير.
لا تجمعوا الأثداء الطرية
لقردة بلا حياء
فقد يأخذونكم
دون عذر ولا اشتياق
على أنكم امرأة.
عين الطاهية الحلوة
تستوي في حساء خثر.
ساقا الطاهية الملتويتان
المعلقتان كتعويذة
تدقان على الجدار المغطى ببنات وردان
علي إيقاع صرخاتنا المتحفزة
وأنت تفصل الشيطان عن عينيه
عيني الكلب الوفي .
اصعدوا معي السلالم الهابطة
عاهرات مفتوحات الأفخاذ تضحكن على كل درجة
عارضات أسماكهن مبدلات الأوضاع
ملاحقات لنا بضحكاتهن
بالرغم من حيائنا.
تعالوا معي إلى بيت الميتة
الراقدة على فراشها، شبه متعفنة
تسمع الأطفال المنهمكين في ألعابهم البريئة وتراقب
العجائز الذين يحسبون غائطهم .
الشموع تسود الغرفة المهمهمة
حاجبة الميتة عن أعين العابرين
الميتة التي تراقب الأثاث والأحياء
منذ عشرة أو خمسة عشر يوما
وربما منذ زمن سحيق .
قدم بلا حذاء
أسيفة وبلا عمل
قدم خشنة لزنجية غير متوقعة
حلكة الليلة الأخيرة
الزنجية تغني في الشوارع الغافلة
أغنية مسامير الرجل والتكلكلات الحمراء
أغنية الأقدام الأسيفة والتي بلا عمل
جالسا على رصيف رملي
يداه مجمدتان بالبول الراكد في الشمس
الرجل الذي يرتدي أسمالا يمص مكشرا
عين زنجي بلهاء.
القمر يثب من السماء عاويا
الكهنة يبشرون الأرض
لكن الرجل الذي يرتدي أسمالا يواصل مص
عين الزنجي
البلهاء.
ارقص معي، أيها الفيولونسيل الصغير
على العشب البنفسجي السحري
لليالي البدر.
ارقصي معي، أيتها النوتة الموسيقية الصغيرة


4
بين البيض المسلوق، والكمنجات، والحقن الشرجية. ارقصي معي، أيتها الساحرة الصغيرة
لأن الأحجار تدور محومة
حول طاسات الحساء
حيث تغرق موسيقى الفوانيس .
بقدمين مقيدتين
وبقلب مشوش
انتظر جنينه
حتى أموت مشدودة إلى السماء
كنجمة سعيدة.
زرعت يد طفل
مصفرة من المرض، غاصة بالديدان
في بستاني ذي الأشجار المزهرة .
أحكمت غرسها في التربة المخملية
أحسنت ريها وتطهيرها وتسميتها
عارفة أن عذراء ستنمو في هذا المكان
عذراء مشرقة بالنور وبالحياة
عقيدة جديده في أماكن قديمة.
سددت أنف ميت
فانتفضت روحه، انتفضت
أرادت التخلص من جسد ماضيها
التمست رحمتي لأن موعدها مر
وتعب هو من انتظارها
عين حارسة داري الكابية
تتدلى من ثريا برونزية
تتدلى حالمة معلقة بالأهداب
عين حارسة داري المكرمة بالخمر
تتأرجح برقة، برقة
طوال الليل على بعد إصبعين من أنفي
مثبتة إياي، مغشيا عليها دون أن يطرف لها رمش أبدا
العين الرطبة ذات الابتسامات المشجعة
التي تخصب رحمي القاحل
ببولها.
عندي ما يكفي من الفئران
الأكلة النهمة للأجنة وللمولاس
عندي ما يكفي من الصحون
عندي ما يكفي من الأسماك ذات الشوكات الخبيثة
التي ترقص في حلقومي
عندي ما يكفي من التعساء
عندي ما يكفي من اللعنات
التي أصبها على رأسهم
غير مستثنية حتى الصلع
عندي ما يكفي من الجرائم
عندي ما يكفي من قبري
الذي ينتظرني في ظل الغد.
عندي ما يكفي من كل شيء
واشمئزازي ميت من الضجر.
الهاتف يرن ويرد صوته الأجش، صوت المغني
يرعش ضجري
وترتجف البيضة المسلوقة التي هي
قلبي.
رؤيا تتسكع في العيادة الزرقاء
رؤيا هاربة لدماغ مخدر
رؤيا صغيرة ذات ذيول ملتوية
تبحث بلا طائل عن فأرة كريمة
لتأخذ مكان الجسد النائم
للرجل المثقوب الجمجمة الذي فقد أفكاره
عبر الثقب الأسود والمستدير لدماغه الهائج.
التشنجات التي ترج جسدك البدين


5
تطالني بالرغم مني في عالمي، عالم طريحة الفراش .
وأنت هناك مكتوب عليك أن تكابد ، ظمآن،
عيناك تعذبانني بين ثيابي، ثياب العاجز،
وشهوتك ترتجف من الانفعال
عربتي التي يسحبها الجواد تلقيك مهملا في ركنها
مذكرة إياك بساقي المصفرتين، اللتين بلا عظام .
تناديك ثيابي من الدولاب الموارب،
عطورها المسكرة لا تحكي عذابي .
كل ليلة أحبس نفسي في نعاسي المريض،
حتى لا أسمع شخيرك الفاحش،
بينما أنت تهدئ نفسك. تشبع نفسك ،تستمع
باغتصاب ما .
فتح فمه الذي بلا شفتين
لكي يحرك لسانا ضامرا.
حجب عضوه المعطر
بيد زرقاء من الموت ومن الخجل
ثم بخطوة ثابتة ومجلجلة
اجتاز رأسي في نحيب .
أحييكم. يا خراف الصحراء الهزيلة
في صوفكم تختبئ أزهار الطفولة الناضجة
أحييك. أيها الحمار الأبيض ذو القدمين المقيدتين
في قلبك يتردد صدى الحب .
أرسم الجحيم على تربة رأسي حيث تسقط عيناي الميتتان وأحييك، يا اله روحي
لأن الصحراء تشحب
والقمر يأفل
حاملا على ظهره
الفجر .
بيضة على السطح
حكت لنهدي الليل الطريين النتنين
غرامياتها .
عين بقرة في جحر
قضت الشتاء متنكرة
وسط الدببة .
وأنا أغزل دون صوف ودون ابر
ملابس اللاواقع الداخلية
انتظارا للمسيح المخلص .
المد يصعد تحت بدر العميان .
وحده مع المحارات والماء الأخضر- الأزرق لأول النهار وحيدا على الشاطئ يغرق فراشي ببطء .
المد يصعد في السماء المترنحة من الحب
بلا نواجذ في الإحراج، أترقب موتي، صامتة
والمد يصد في حلقي حيث تموت فراشة .
أطلب خبزا
خبزا قوامه الشفقة
أطلب خمرا .
لم أعد أشتهي ألمي
خلصني من لحظة بلا حركة
تنيخ على عنقي
تتلكأ بين فخذي وتذوب .
امنحني لذة الشهد والبرونز
وربما أصلي غدا.
سرقت العصفور الأصفر
الذي يحيا في عضو الشيطان
سوف يعلمني كيف أغوي
الرجال والأيائل والطيور ذات ا لأجنحة المزدوجة،
سوف ينتزع عطشي، ثيابي، أوهامي،
وينام،
بينما أنا، ونعاس قصير على الأسطح
أتمتم، أومئ، أمارس الحب بعنف
مع القطط.

6
وزنوا الرجل الأشيب كالجير
وزنوا قدمي دون أصابعها
وزنوا الثمار الناضجة لأحشائك
على ميزان الكنائس غير الدقيق
ووجدوا أن ثقل روحي
يساوي ثقل طائر بطريق
دون أجنحته .
بأيد ممدودة في الهواء نلتمس
بأيد ممدودة في الهواء ننتظر
رحمتك .
ماء خطايانا الفائر
يتمتم حول معابدك المرتجة
ويغرق صلواتنا التي تسقط في أفواهنا
متسلسلة بأيد مفتوحة نسأل
بأيد مفتوحة نلعن
والليل الذي بلا حراك يكف عن التنفس
لكي يسمع صدى رد
لم يتم صوغه بعد.
المطر الذي يهطل مرة في العام
يغسل بدموعه المواسية
قلوب الموتى الذين يحرسون تحت الرمال المتأرجحة
الضباع والنجوم والأحياء الذين بلا مأوى،
يدفئون رفاتهم بأكفانهم المختزلة
ويناضلون بشراسة ضد الديدان وآبائهم .
المطر الذي يهطل صدفة مرة في العام
على الصحراء الكئيبة
يفتح الأزهار على وجهها السوداوي،
الأزهار عديمة اللون التي تموت بسرعة
لأن الشمس معجبة بالصحراء صديقتها
وتريدها جرداء نهمة وعارية
كل ليلة .
رميت عيني إلى البحر
انتزعت أحلامي من يدي
مزقت سرتي المائلة إلى الزرقة
وفي طحالب شعري المتموج الخضراء
أغرقت الجنين .
الفحم يخرج من أفواه حديدية
النساء يغنين ورؤوسهن في الهواء
ينظرن بعيدا إلى سماء الجحيم الزرقاء
بين المداخن السوداء لمدينة بلا صلاة.
يضغطن بين أفخاذهن على ابر الحياة البطيئة
بينما رجالهن، وأفواههن ملتصقة ببلاط التعاسة
المنتصب
ينفجرن .
وجهي يتألق في المرآة الفاترة
دموعي تتفتح وتتأرجح
الصمت الذي يتضرع في غرفتي المشمولة بالحنان
يموت وعضوك يندلع .
فرح خوفي المخبوء في يدي
بعيد سلامي الفوار الصباحي
ضحكتك تزهر في ظل فراشي
والماء يصعد في آبار الليل المرصعة بالنجوم .
لم أعد أريد وجهك ، وجه الحكيم
الذي يبتسم لي عبر غلالات الطفولة الفارغة.
لم أعد أريد أيدي الموت القاسية
التي تجرني من قدمي إلى ضبابات الفضاء
لم أعد أريد العيون الرخوة التي تضمني
والأواني التي تبصق مني الأشباح البارد
في أذني .
لم أعد أريد سماع أصوات الأكاذيب الهامسة
لم أعد أريد التجديف كل ليالي البدر.
خذني رهينة . شمعة، شرابا،
لم أعد أريد تزييف حقيقتك
ليكن لك ما شئت.

هناك كاتب مصري وحيد غير مهدد بالسجن: اسمه أحمد ناجي

فبراير 22, 2016 اضف تعليق

أحمد الشافعي
2016-02-22
17:58


من المؤكد أن هذه ليست اللحظة الملائمة للكتابة. لكن لو قُدِّر لي أن أنتهي من كتابة هذه السطور، ولو قدِّر لك أن تقرأها، فلن يكون معنى هذا إلا أحد اثنين: إما أنني غلبت خوفي وكتبت ما لا بد -في تقديري- من كتابته، أو غلبني الخوف وعلَّمني كيف أتمومس (بما أن "أتشرمط" قد تزج بي في السجن) فأكتب من موقع الخائف.
ليست هذه لحظة مناسبة للكتابة، لأنني منذ علمت بخبر الحكم على الروائي أحمد ناجي بالحبس لسنتين بدعوى خدش الحياء العام، وأنا لا أعرف حقًا فيم ينبغي أن أفكر. في ناجي الذي حاولت فلم أحتمل أن أتخيل كيف هو في سجنه، أم في نفسي وفي فزعي وفي إحساسي بانعدام الحيلة وفي الأفكار التي لم تخطر لي أيٌّ منها إلا مصحوبة بما ينقضها ويعرِّي عورتها. هذه ليست لحظة مناسبة للكتابة لأنها لحظة اضطراب بالغ. لحظة خطرت لي فيها كل الأفكار الجبانة التي أثارت الاستياء، وكل الأفكار الشجاعة التي نعتت بالحماقة. لحظة غضبت فيها من القانون ومن المجتمع ومن نفسي. لحظة لا أعرف فيها، بصدق، على من ينبغي أن أطلق الرصاص.
ليته كان اختفاءً قسريًا. أو رصاصة أطلقها أمين شرطة في الموضع الذي يشغله مواطن من الهواء. ليتها كانت قضية ملفقة بالتخابر لحساب المجلس الأعلى للعالم. ليته كان حبسًا احتياطيًا يطول بلا نهاية ولا مسوغ من قانون أو دستور. ليت المشكلة كانت مع انتهاك القانون. لكنها مع القانون. مع حكم صدر على أحمد ناجي باسم الشعب. باسمي أنا. أنا الذي لا أرضى بسجن ناجي، ولا أرضى أن يكون سجنه باسمي.
***
ولكن هل أنا فعلا من حُكم باسمه على ناجي؟ هل الشعب المصري متورط حقا في ارتكاب جريمة تقييد حرية إنسان لمجرد تأليفه قصة ونشره صفحات منها في جريدة؟ يفترض أن جهة تشريع القوانين في بلدنا هي البرلمان، الذي يمثل نوابه الشعب، ومن ثم فالقانون المصري قانون أقره الشعب. وهذا كما نعلم جميعا كلام فارغ. فنحن لم نختر نوابنا قط، إنما توارثت اختيارهم بالنيابة عنا قوى أخرى، ولا نوابنا هم الذين يقرون القوانين أو يشرعونها، إنما هم على مدار التاريخ بصمجية يساقون فينساقون. ولكن مع هذا، مع أن القانون الذي أدين به ناجي ليس قانون الشعب، فتغيير هذا القانون (وهو الحل الوحيد الذي أتصور أنه يمكن أن يجعلني آمن على نفسي أن أعيش وأبدع في هذا البلد) يستوجب إرادة من الشعب، ولا أعرف إن كانت هذه الإرادة متوفرة لدى الشعب الذي تآمرت عليه مؤسساته فحملته في لحظة اختيار زائف على بيع عصافير الحرية العشرة التي كانت جميعها بين يديه بوهم عصفور الأمان.
***
ماذا لو أن مؤلف "استخدام الحياة" ليس مجرد أحمد ناجي، بل الرائد أحمد ناجي، الضابط بالقوات المسلحة المصرية؟
كان الرائد ناجي ليمثل أمام قضاء مخصوص، قضاء عسكري مثله، يحاكمه فيه زملاؤه الذين يحملون على أكتافهم نفس النسر الذي يحمله هو على كتفيه مضافا إليه نجوم وسيوف وغير ذلك من رموز الجيش البراقة. من وضع قانون هذا القضاء؟ الشعب؟ نواب الشعب؟ لا أعتقد. قانون الجيش وضعه الجيش، أو وضعه قانونيون محترفون وفقهاء متمرسون ثم أقره الجيش. ناجي في هذه الحالة كان ليحاكم بقانون ملاكي، ويسجن في سجن ملاكي أيضا. ما كان ليقيد وثاقه أو يقتاده إلى سجنه إلا ضابط في رتبته أو أعلى منه رتبة. كان ناجي ليأمن تمامًا، فهو في جميع المراحل بين أمثاله وزملائه وأشباهه. ثم إنه كان في النهاية، بفرض إدانته، ليسجن في سجن خاص، ربما لا يرقى إلى سجن حسني مبارك لكنه لا يختلف عنه في الجوهر.
طيب ماذا لو أن كاتب هذه الرواية هو المستشار أحمد ناجي رئيس هذه المحكمة أو تلك؟ هل كان ليزج به في السجن مع المجرمين الجنائيين؟ إطلاقًا، كان ليحظى بسجن مخصوص هو حكر على المدانين من رجال القضاء فلا يختلطون إلا بأمثالهم.
ماذا لو كان من فلول نظام حسني مبارك؟ كانت لتحميه الحصانة البرلمانية.
ماذا لو كان رجل أعمال؟ كانت لتبدأ إجراءات تصالح، وهين قرشك ولا تهين نفسك.
وإذا كنت تعلمت من سنوات ما بعد الثورة المصرية شيئا، فهو أن هذا البلد، صاحب أقدم دولة في التاريخ، طالما كان قبليًّا في جوهره، لا أمان فيه لمن ليس فردًا في قبيلة. ونحن الأدباء موزعون، لا تجمعنا قبيلة يخشى جانبها. ولا تتصوروا أنني أوشك أن أتكلم عن تقوية اتحاد الكتاب، أو إنشاء نقابة كنقابة الصحفيين (وناجي عضو فيها لم تنفعه عضويته) أو أي كيان من هذا المستوى. أنا أتكلم عن دولة.
أتخيل أن تكون لنا نحن الأدباء دولتنا الصغيرة داخل مصر. لا أتكلم عن حدود (ولكنها ستكون في وسط البلد) أو علم (ربما يكفينا لوجو يصممه محترف أغلفة) ولا أتكلم قطعا عن جيش (لأننا نعلم جميعا أنه سيتحول إلى دولة داخل الدولة داخل الدولة، وهذا كريه علاوة على أنه ركيك). أتكلم عن مجرد دولة بريئة مسالمة لها قانونها وقضاؤها وسجونها ونصيبها من المعونة الأمريكية ومستشفياتها وبنزيناتها ونواديها ومصايفها، وعندما ينشأ نزاع بين أحد مواطنيها ومواطني دولة أخرى (من دولة الجيش مثلا أو دولة القضاء أو دولة الشرطة) يذهب كل مواطن إلى قضاء دولته الملاكي فيرى في أمره ما يشاء.
أنا لا أفكر الآن في حل لمشكلة ناجي، لأن أمره الآن، وأمر إسلام البحيري أيضًا إذا كنا نسينا، بين يدي سادة دولة لا يسمعون صوتنا، ولا يفكرون فينا. سيخرج ناجي من محبسه إن رأى السادة أن في خروجه تجميلًا لصورتهم، أو أن في استمرار سجنه عبئًا عليهم أمام أصدقائهم وأرباب نعمتهم في الغرب. إنما أفكر في نفسي، وفي أدباء آخرين لا قيمة لهم بغير هذه الدولة. علينا أن نعترف ببساطة أن مصر ليست المكان المناسب لحياة فرد مستقل، ومهما كان نفورنا من التكتل أصيلًا، علينا أن نتجاهله، ونكبته، ونتحرك ككتلة.
ليس كلامي هذا هزلًا. وليس بالقطع جدًا. هو ببساطة شديدة مرارة من يرى كيف هي بلده، مرارة من ينظر إلى كل ذوي السلطات من حولنا فيرى مبلغ كراهيتهم لكل صاحب عقل مستقل وقدرة على الإبداع وتصور لما ينبغي أن يكون عليه وطنه، ويرى مبلغ احتقارهم لكل من لا يحمل سلاحًا أو لا يملك ثروة أو لا يختال برتبة، ويرى مبلغ إصرارهم على قهر كل من يبرز بمجرد وجوده خواءهم وبلادتهم.
أعرف أن هذه ليست اللحظة المناسبة لهذه الكتابة، أو لأي كتابة. بل هي لحظة عمل لعل الخوف هو الذي يمنعني أن أراه، عمل ينبغي القيام به، لا لإخراج ناجي من سجنه فقط، بل لكي نزيل تماما هذا السجن الذي قد يكون ناجي داخله وأنا وأنتم خارجه، لكن مواقعنا جميعا باتت تتحدد قياسًا إليه.
--------------
* يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع "مدى مصر"، "زائد 18"، "قل" و"زحمة" للتضامن مع الكاتب أحمد ناجي.

راقصات الباليه في إيران: ممارسة الفن في الخفاء

فبراير 22, 2016 اضف تعليق

الثلاثاء, شباط (فبراير) 16, 2016 - 17:32
بيلوا دافيني
ترجمة:
محمود حسني


يعد الرقص فعلاً غير قانوني في إيران -الدولة شرق الأوسطية، لكن هذا لم يمنع مُعلِمات الباليه وتلميذاتهن الساخطات على الوضع من إقامة فصول تعلّم الرقص في السر.
المرة الأولى التي قابلت فيها "أدا" كانت في سهرة بأمستردام. كنا قد اتجهنا لطاولة المقبِّلات، مترددتيّن في ترك مكاننا المتقدم بالقرب من الطاولة، والذي مكننا من مدّ أيدينا لتناول المقرمشات بينما نشاهد السياح الثملين وهم يرتمون في قناة "برينسينجراتشت" المائية. بدأنا بتبادل القصص. تعمل "أدا" مطوّرة مواقع على الإنترنت في إيران، وقد أخبرتني عن مراوغتها وهروبها من شرطة الأخلاق في طهران عندما كانت في سن المراهقة، حيث اندفعت مرة إلى داخل محل على أمل أن تفقد الشرطة أثرها، ومن ناحية أخرى لكي تتأكد إن كانت بالفعل تلاحقها.
تقول ضاحكة: "اعتادوا التحقق من أن طلاء أظافرنا غير لامع بدرجة لافتة أو يمكن أن يجذب الانتباه. جميع رجال الشرطة لديهم أفكار حول ما الذي بإمكانه جذب الرجال بشكل كبير بينما تصعب معرفة كيف يحدث هذا الأمر أو كيف يتفاعل معه الرجال. ولكنني كنت أعلم أنهم يكرهون اللون الأرجواني لطلاء الأظافر، لذا ركضت إلى داخل المحل. رآني صاحب المحل وفتح لي الباب الخلفي وركضت خارجة منه إلى الزقاق الخلفي بينما يخبر هو الشرطة أنه لم يرني".
"تبدو وكأنها إحدى قصص المقاومة الفرنسية".
"كان الأمر مقاومة بالفعل! عندما نكون خارج المنزل، يجب علينا دائمًا ارتداء قفازات لإخفاء أيدينا واستخدام حيل لارتداء ما نريد ولوضع أكبر قدر ممكن من "الميك أب". هذا ما تفعله الحكومة معنا. تجعلنا نشعر أن طلاء أظافرنا فعل تمردي. تجعلك تهتم بتلك الأشياء الصغيرة، ومن ثم لا تتبقى لديك الطاقة الكافية لتحارب من أجل المشاكل الكبيرة".
بعد تلك المحادثة بستة أشهر، أرسلت لي "أدا" إيميلًا من طهران، تخبرني فيه أنها بدأت توًا أول دروس تعلّم الباليه، وكان الأمر مُربِكًا. أخبرتني أنها تفحصت سرًا الجرائد المحلية، بالإضافة إلى مساحات الإعلانات الإلكترونية، اتصلت بأرقام غريبة، بحثت بين أصدقائها عن أشخاص مناسبين كمرجع لهذا الأمر، وفي النهاية، حصلت على ما تريد وانضمت لفصول سرية من أجل تعلّم الباليه.
يعد الرقص غير قانوني في إيران، فقبل الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979، كانت أموال طائلة تُنفق على الفنون، خاصة برامج الرقص التي تجمع بين عناصر الرقص الإيراني التقليدي وأنواع الرقص الغربي مثل الباليه. وبعد أن أُطيح بحكومة الشاه، أُعلِن الرقص كفعل آثم. حُلّت الشركة الوطنية الإيرانية للباليه عام 1979 بعد وقت قصير من هروب جميع راقصيها الأجانب من البلاد.
تُرِك نظراؤهم الإيرانيون أمام ثلاثة خيارات: إما ترك هذا العمل بلا رجعة والبحث عن طريقة أخرى تمكنهم من العيش؛ أو مغادرة إيران وإعادة إحياء الشركة في مكان آخر ("راقصات الباليه الفارسي" هي فرقة تُقيم عروضها الآن في ستوكهولهم)، أو البقاء في إيران والاستمرار في الرقص، عبر توليفة من الحيلة، والرشوة، والتحدي الصريح للمجتمع المحافط.
كانت "أدا" في العشرين من عمرها عندما حضرت أول دروس تعلّم الباليه، وهي الآن في الثامنة والعشرين من عمرها. "لست شخصًا مجازفًا، ولم أذهب من قبل إلى أي من الحفلات غير القانونية المقامة في الكلية، لكن ’دروس الرقص‘ بدت لي فكرة تستحق المجازفة". ليس الرقص فقط هو الممنوع في إيران، بل إن أي نوع من الموسيقى يمكن أن يجعل جسدك يتحرّك عفويًا يعد فعلًا آثمًا. توضح "أدا": "تسير الأمور بدون مشكلات طالما أن الشيء لا يجلب المتعة أو السعادة. في الوقت نفسه يجلب لك الرقص أو أي حركة على إيقاع موسيقي متعة ما، إذن هو خطيئة".
أن تكون آتيًا من مدينة إنجليزية، ومهووسًا لمدة ثلاث سنوات من عمرك بالتنورات الوردية المتمايلة لراقصات باليه "بحيرة البجع"، يجعل من الصعب عليك تصور الباليه نشاطًا غير مشروع أو به مجازفة خطرة. فبينما كنت أبكي أمام أمي لأنني أريد حذاء باليه أحمرًا وليس ورديًا، كان على "أدا" الحفاظ على إخفاء أمر دروس الباليه التي تتلقاها عن والديها لأنه كان من المتوقع أن يمنعاها عن الحضور. عادة ما توقف الشرطة تلك الفصول، خاصة لو لم تدفع مُعلِّماتها رشوة كبيرة بشكل كافٍ. والقبض على "أدا" كان يمكن أن يعني دخولها السجن وطردها من الجامعة.
تقام الدروس هذه الأيام في قاعات المستشفيات والمكاتب غير المأهولة، أو في منازل المعلّمات أنفسهن بصمت. في معظم الأحيان، تعوِّل المعلمات على إيقاع الراقصات أنفسهن، بدلًا من المغامرة وتشغيل موسيقى يمكنها جذب انتباه الجيران.
مُعلِّمة الباليه القديمة، وتدعى "آذار"، تحكي لـ "أدا" عن التهديد الدائم والخوف من تدخلات الشرطة: "في أي وقت، هناك احتمال أن تأتي الشرطة وتقبض علينا جميعًا، كثيرًا ما أقول لتلميذاتي إنني لا أستطيع ضمان سلامتهن. ومع ذلك، أحاول أن أكون حريصة جدًا. أقبل فقط التلميذات اللاتي تُوصّي بهن تلميذاتي الأخريات. لا أحاول ملء كل وقتي بالإعلان عن دروسي كما تفعل المعلّمات الأخريات اللاتي يوزع بعضهن (بيزنس كارد) على المارة في الشوارع".
يجب أن يكون الإعلان عن فصول الباليه متوازنًا ودقيقًا: "القليل جدًا من الدعاية يقود إلى فصول خاوية، بينما الكثير منها يمكن أن يجذب النوع الخاطئ من الانتباه. "ياسي" مُعلِّمة متدربة تتذكر التوازن الدقيق الذي كانت تقوم به مشرفة الرقص التي تدربت تحت إمرتها. "كانت حريصة جدًا، فكثيرًا ما كانت تتلقى مكالمات من أناس في الحكومة، أحيانًا حتى من مكاتب تحت الأمر المباشر لـ "علي الخميني" (المرشد الأعلى لإيران)، يدعونها إلى تقديم رقصات من الفلكلور الإيراني، سواءً خارج إيران في مناسبات دولية بعينها، أو في سفارات دول أخرى في إيران. كانوا يعرضون مكافآت سخية، ولكنها كانت ترفض". غادرت مشرفة "ياسي" إيران في النهاية وأخذت "ياسي" مكانها في فصولها، مؤكدة على عدم قبولها هي أيضًا أية دعوات مُغرية من السلطة للرقص في مناسبات عامة.
أنهت ثورة الخميني عام 1979 عمل الكثير من الراقصات، إلا أنها في الوقت نفسه خلقت فرصًا غير تقليدية لأناس مثل "نَسرين"، راقصة شابة أصبحت -بالصدفة غالبًا- واحدة من المزوِّدات القليلات بالأحذية المناسبة للباليه في طهران. قبل الثورة، كان يمكن للراقصات المحترفات أو غيرهن شراء أحذيتهن من أماكن متعددة وبأسعار مختلفة، بداية من الرخيص ذي المواصفات الأساسية إلى الأحذية عالية الجودة. بعد مرور 35 عامًا على ذلك، انتقلت صانعات تلك الأحذية من طهران إلى مدن أخرى أو قضين نحبهن، أو  يئسن من الوضع. تعلن "نَسرين" عن منتجاتها عبر حسابها على أنستجرام، ولها نظرة فلسفية إلى حد ما بخصوص مخاطر هذا الأمر كله: "أنا أصنع أحذية رقص. لا يمكنهم تحريم صناعة الأحذية".
"أضع صور الأحذية المخصصة للباليه على حسابي في أنستجرام، والمهتمون بهذا متابعون معروفون. أغلب الناس لا يعرفون ماهية تلك الأحذية. عندما يرى بعض أصدقائي هذه الصور لا يستطيعون تحديد ماهية استخدامها."
ما تقوم به "نَسرين" أدى لتطور ما في مشهد الرقص الحالي في طهران. عندما بدأت "أدا" دروسها، كان الكثيرون قلقين حيال احتمالية القبض عليها. الآن، تخبرني أنهن توصلن إلى ما يمكن أن يكون تسوية مع الشرطة. "هم (الحكومة) لا يزالون يقولون إن الرقص فعل آثم، لذا يجب ألا ترقص، إلا إن كنت ستدفع رشوة، وحينها يمكنك الرقص، ولكن فقط في السر... لأنه فعل آثم".
لا يزال على الراقصات الحفاظ على إبقاء دروسهن في الخفاء بعيدًا عن أسرهن، والمُعلمات مستمرات في الاعتماد على إيقاع الراقصات في غرف صامتة، وصانعات الأحذية قليلات وبعيدات عن بعضهن البعض. ومع ذلك، تزداد فرص الرقص في المناسبات العامة، مع أن رقص النساء أمام الرجال لا يزال أمرًا غير قانوني، والحضور المسموح به من النساء فقط.
تقول "ياسي" إن الأمور تغيّرت مع انتخاب الرئيس حسن روحاني عام 2013. "هناك الكثير من فرص تقديم عروض الأداء ولكنهم يطلبون الكثير من المال لقاء ذلك. علينا أن ندفع مبلغًا ضخمًا من المال لقاء كل عرض، ويكلّفنا الأمر تقريبا 6.630 دولاراً للعرض الواحد، وهذا مبلغ ضخم من المال".
تم التوصل إلى تسوية غير رسمية بعد عقود من الصراع بين الإسلاميين الأصوليين والمعارضة الإيرانية حول تصنيف الرقص كفعل آثم: ادفع لترقص. عندما عادت "أدا" مؤخرًا إلى طهران، ذكّرتني أن التقدم في هذا الشأن لا يزال بطيئًا للغاية.
"هذا الاتفاق الجديد (ادفع لترقص) يبدو تطورًا جيدًا بالنسبة للراقصات الإيرانيات، ولكن السلطة لا تزال مستفيدة من عدم وجود حدود واضحة بين ما هو قانوني وما هو غير قانوني. وهذا كله يجعل تحديهم أمرًا صعبًا. غير أن غالبية الناس تعيش حياة محدودة، محاولين البقاء بعيدًا عن الخطر. فالغموض والخوف هما الطرق الأسهل للسيطرة على الناس".
هناك شيء سخيف في حد ذاته فيما يخص فكرة أن غرفة لتعلّم الرقص عمرها سبع سنوات ظلّت تؤدي بإصرار باليه "La Bayadère" تُعد كيانًا آثمًا. ولكن حتى تعترف الحكومة الإيرانية بذلك، يجب على "أدا" وشريكاتها في الرقص الاستمرار في النظر إلى أن كل فرصة أداء في المساحات العامة هي انتصار في المعركة الأكبر: "الحفاظ على أن يظل الباليه على قيد الحياة في إيران".
ــــــــــــــــــــــــــــ
*الأسماء الواردة في الموضوع غير حقيقية.
*هذه الترجمة الكاملة لموضوع The Illegal, Underground Ballerians od Iran، المنشور في موقع Braodly

يحيا الفن المنحط

فبراير 21, 2016 اضف تعليق


من المعروف أن المجتمع الحاضر ينظر بعين الاشمئزاز إلى كل خلق جديد في الفن والأدب، طالما يهدد النظم الثقافية التي تثبت قدم المجتمع، سواء أكان من ناحية التفكير أو من ناحية المعنى.
ويظهر هذا الشعور بالاشمئزاز جلياً في البلاد الأتوقراطية النزعة، وخصوصاً في ألمانيا، حيث يتجسم التعدي الشنيع ضد الفن الحر الذي دعاه هؤلاء الغشم "الفن المنحط".
 فمن سيزان إلى بيكاسو وكل ما أنجزته العبقرية الفنية المعاصرة، هذا الإنتاج الكثير الحرية والقوي الشعور بالإنسانية، قد قوبل بالشتائم وديس بالأقدام. ونحن نعتقد أن التعصب للدين والجنس أو للوطن الذي يريد بعض الأفراد أن يخضع له مصير الفن الحديث ما هو إلا مجرد هزء وسخرية.
نحن لا نرى في هذه الأساطير الرجعية إلا سجوناً للفكر. إن الفن بصفته مبادلة فكرية وعاطفية دائمة تشترك فيها الإنسانية جمعاء لن يقبل مثل هذه الحدود المصطنعة. في فيينا المتروكة الآن للهمج، يمزقون صور رينوار ويحرقون مؤلفات فرويد في الميادين العامة. إن ألمع منتجات كبار الفنانين الألمان أمثال ماكس أرنست وبول كلي وهوفر وكوكشكا وجورج جروس وكاندنسكي قد صودرت وأحل محلها الفن النازي العديم القيمة. كذلك في روما أخيراً شكلت لجنة لتنظيف الأدب!! وقد قامت بمهمتها وقررت سحب كل ما هو ضد القومية وضد الجنسية وكذلك كل ما يدعو إلى التشاؤم.
يا رجال الأدب ويا رجال الفن لنقف معاً ونقبل التحدي. يجب أن نقف في صف هذا "الفن المنحط" ففيه كل آمال المستقبل، لنعمل لنصرته ضد العصور الوسطى الجديدة التي يحاولون بعثها في قلب أوروبا مرة أخرى.




وقد وقع الفنانون والكتاب والصحفيون والمحامون على هذا البيان وأسماؤهم كما يلي:
إبراهيم واسيلي- أحمد فهمي - أدوار بولاك - أدوار ليفي - إرمان انتيس - ألبير إسرائيل - ألبير قصيري - التلمساني - ألكسندرا ميتشكويفسكا - أميل سيمون - أنجلو بولو - أنجلو دريز - أنور كامل - أنيت فديدا - أ . بوليتس - ل . كانتي - جرمين إسرائيل- - جورج حنين - حسن صبحي - أ . رافو - زكريا العزوني (عضو نقابة المحامين) سامي رياض -سامي هانوكا - اسكاليت - عبدالخالق العزوني - فاطمة نعمت راشد - سيف الدين - محمد نور - نداف سيلير - هاسيا - هنري دوماني..
القاهرة في 22 ديسمبر 1938

مفردات الجنس عند العرب

فبراير 19, 2016 اضف تعليق
  كامل النجار
 

حفظت لنا كتب التاريخ قصصاً كثيرة عرفنا منها أن عرب ما قبل الإسلام كانوا مولعين بالجنس ويمارسونه بمشاعية لا تقل عن مشاعية معابد الآلهة عشتار وزوارها من المسافرين والمتعبدين. ولكن بدل راهبات عشتار اللاتي كن يمارسن الجنس المقدس مع زوار المعبد لإرضاء الآلهة، كان نساء مكة يفتحن بيوتهن للدعارة العلنية ويرفعن عليها الرايات حتى يعرف المسافر أبن يجد ضالته. وقد حفظت لنا كتب التاريخ أسماء عدد كبير من هؤلاء البغايا، منهن:
• النابغة سلمى بنت حرملة، أم عمرو بن العاص، والتي وقع عليها في يوم واحد أبو لهب بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل.
• مرجانة بنت نوف، أم عبّاد بن زياد وعبيد الله بن زياد
• الزرقاء بنت وهب، زوجة أبي العاص بن أمية وجدة مروان بن الحكم
• أم أبي سفيان بن حرب، واسمها حمامة
• سمية بنت المعطل، أم زياد بن أبيه
• قطام بنت شختة التميمية، صاحبة عبد الله بن ملجم
• نضلة بنت أسماء الكلبية، زوجة ربيعة بن عبد شمس، وأم عُقبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة
وهذا غيض من فيض من بغايا مكة وما جاورها. ولم يكن هذا ليكفيهم فاخترعوا عادة “الاستبضاع” وهي عادة كان الغرض منها تحسين النسل. فإذا اشتهر رجلٌ في القرية بالشجاعة أو الشعر، كان الرجل منهم يعتزل زوجته ويطلب منها أن تستبضع من ذلك الرجل المشهور إلى أن تحبل منه، ثم يرجع إليها زوجها ليمارس حياته الزوجية. وكان بعض نساء العرب قبل الإسلام يملكن حق الطلاق وكانت الواحدة منهن تعلن طلاقها من زوجها بتغيير موضع باب خيمتها فيعرف زوجها أنه طالق، ويعرف الرجال الأخرون أنها قابلة للنكاح فيتوافدون عليها لتختار من تريد منهم. وقيل أنه كانت هناك امرأة بمكة تُدعى أم خارجة، كانت تطلق من تزوجت من الرجال بعد أيام أو أشهر فيأتي إلى باب خيمتها الراغبون من الرجال ويقول أحدهم “خِطبٌ” فترد هي “نِكحٌ” فيتزوجها. وصار نكاح أم خارجة مضرب المثل، فقالوا (أسرع من نكاح أم خارجة). وكان لأم خارجة عدة أبناء.
ولم يكن العري يثير فيهم أي مشاعر جنسية تدفعهم إلى الهجوم على النساء الحمس اللاتي كن يطفن حول الكعبة عاريات كما ولدتهن أمهاتهن. (والحمس هم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس ” تاج العروس 4/ 132″. تضاف اليهم خزاعة والاوس والخزرج وجُشم وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة وجذم وزبيد وبنو ذكوان من بني سليم وعمرو اللات وثقيف وغطفان والغوث وعدوان وقضاعة علي رواية الازرقي ” الازرقي 1/115″. وكانوا اذا زوجوا امرأة منهم لغريب عنهم اشترطوا عليه ان كل من ولدت له فهو احمس علي دينهم.) (جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، ج5، ص227). ويتضح من أسماء القبائل هذه أن طواف العراة كان منتشراً في أغلب القبائل العربية.
ولم يكن عرب ما قبل الإسلام يستحون من ممارسة الجنس في أوضاع مختلفة ولم يستحوا من الحديث عن هذه الأوضاع. (قال ابن عباس إن هذا الحي من قريش كانوا يتزوجون النساء ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات فلما قدموا المدينة تزوجوا من الانصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة فأنكرن ذلك وقلن هذا شئ لم نكن نُؤتى عليه. فأنتشر الحديث حتى انتهى الى رسول الله-ص- فانزل الله تعالى في ذلك ” نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم”(البقرة/223). قال: إن شئت مقبلة وإن شئت باركة وانما يعني بذلك موضع الولد) (اسباب النزول للواحدي ص 47 ويقال رواه الحاكم، ولباب النقول في اسباب النزول للسيوطي ص 31 ). وحتى عمر بن الخطاب مارس الجنس مع زوجته في الدبر وأتى النبي فقال له: (هلكت يارسول الله. قلبت رحلي البارحة) فصمت عنه النبي.
ثم جاء الإسلام وأباح لهم جماع من شاءوا من النساء وملك اليمين حتى أن المغيرة بن شعبة تزوج من سبعين امرأة، غير الجواري. (قال عبد الله بن شوذب: إن المغيرة أحصن أربعة من بنات أبي سفيان بن حرب. وقال المغيرة نفسه: تزوجت سبعين امرأة. وكان ينكح أربعاً، ثم يطلقهن جميعاً) (تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 229). ويقال إن المغيرة طاف على تسعة من جواريه في ليلة واحدة. ورغم هذا كان مجتمع المدينة ملئ بالخيانة الزوجية مما استوجب نزول آية الملاعنة لأن الرجال كانوا يشكون إلى النبي من أنهم وجدوا رجالاً مع زوجاتهم. فمثلاً اشتكى هلال بن أمية للنبي واشتكى عويمر بن زيد العجلاني لأنه وجد شريك بن السحماء مع زوجته.
ويظهر ولع العرب بالجنس في لغتهم التي احتوت على أسماء لا حصر لها للعضو التناسلي عند المرأة وفي أوصافه كذلك. وحتى عملية الممارسة الجنسية أعطوها اسماء تختلف من حيوان للأخر. فقالوا مثلاً: نكح الإنسان، وكام الفرس، وباك الحمار، وقاع الجمل، ونزا التيس والسبع، وعاظل الكلب، وسفد الطائر، وقمط الديك (فقه اللغة للثعالبي). أما نكاح المرأة فقد تفننوا في تسميته. فقالوا: باضعها، وذخمها، وخجأها، ووطأها، وناكها، ونكحها، وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب الوطء المباح (لسان العرب). ومن شدة غرامهم بالنكاح فقد وصفوا نزول المطر على الأرض به، فقالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينيه. بل قالوا: ناك المطر الأرض وناك النعاس عينيه (لسان العرب). وهناك كلمات مثل (بؤأ الرجل) إذا نكح. والباءة هي النكاح. وقالوا: ضرب الفحل ضراباً إذا نكح. وضربت الناقة: شالت بذنبها فضربت فرجها فمشت، وهي ضارب (القاموس المحيط للفيروزآبادي).
ثم وصفوا نوعية النكاح بأوصاف مختلفة، فقالوا: ارتطم الرجل: إذا نكح بكل ذكره. والمرأة الرطوم: هي المرأة الضيقة الجهاز والضيقة الحِياء (بكسر الحاء) من النوق (القاموس المحيط). وقالوا: رطمها، يرطمها رطماً: إذا نكحها، وتستعمل للمرأة والأتان (الحمارة). (لسان العرب). وامرأة رطوم: امرأة واسعة الجهاز كثيرة الماء (عكس التعريف الأول). وقال أبو عمرو: الرطوم: الضيقة الحياء من النوق وهي من النساء الرتقاء. (الرتقاء تعني امرأة لا خرق لها إلا للبول. ولذلك يصعب جماعها).
وقالوا كذلك: شفتن: يعني جامع ونكح.
ولحبِ، يلحبُ: يعني نكح.
وقال سيبويه: ذقطها ذقطاً: يعني نكحها. والذاقط: الذباب الكثير السفد. وذقط الطائر أنثاه، يذقطها ذقطاً: يعني سفدها. (لسان العرب لابن منظور).
والنيك معروف، والفاعل نائك والمفعول به منيك ومنيوك. والانثى منيكة. والنيّاك: الكثير النيك، شُدد للكثرة. ولكن عندمل يقولون: تنايك القوم، فإنهم يقصدون: غلبهم النعاس. وتنايكت الأجفان: غلبها النعاس وانطبق بعضها على بعض (لسان العرب). حتى الجفن الأعلى عندما ينزل على الجفن الأسفل يذّكّر العرب بالجنس لأن أحدهما فوق الأخر.
أما عضو المرأة التناسلي فقد فاز بقصب السبق في عدد الكلمات العربية التي تسميه وتصفه. فغير الكلمات المعروفة مثل المهبل والفرج، نجد كلمات تصف ضيقه ووسعه وجفافه ورطوبته. فنجد مثلاً: الهن، بفتح الهاء، والحر، بكسر الحاء، وكلاهما يعني الفرج. أما الضلفع: فهي المرأة الواسعة الهن (القاموس المحيط ولسان العرب). وكذلك الخجام: المرأة الواسعة الهن. والمرأة الرهوى والرهو: هي المرأة الواسعة الهن. وقد أنشد ابن بري الشاعر:
لقد ولدت أبا قابوس رهو **** نؤوم الفرج حمراء العجان
وكلمة الرهو أصلاً تعني مستنقع الماء. وقال أبو سعيد: هو ما اطمأن (انخفض) من الأرض وارتفع ما حوله. وهو الحوبة تكون في محلة القوم يسيل إليها المطر. وفي الصحاح:( يسيل فيها المطر.) والرمز إلى فرج المرأة بالأرض المنخفضة التي يسيل فيها المطر، يُظهر مكانة المرأة عند العربي.
وهناك كذلك كلمات مثل الحفش، بكسر الحاء، وتعني الهن (لسان العرب). ومن الكلمات التي يصعب نطقها نجد: المعرنفط، وتعني الهن كذلك. وقد أنشد إعرابي لرجل قالت له امرأته وقد كبر:
يا حبذا ذباذبك *** إذا الشباب غالبك
فأجابها:
يا حبذا معرنفطك *** إذ أنا لا أفرّطك
والفلفق من النساء هي الرطبة الهن. (لسان العرب).
وكانوا يشتمون بأسماء الفرج، فيقولون إذا أرادوا سب رجلٍ: يا ابن الخجام. والخجام هي المرأة الواسهة الهن.
أما النيزج فهو جهاز المرأة إذا نزا بظره، أي انتصب بظره.
والشفلح هو الهن أو الحِر الغليظ الحروف المسترخي، العظيم الشفتين المسترخيها. والمرأة الضخمة الأسكتين، الواسعة.
أما الزردان فهو الهن لأنه يزدرد الأيور، أو أنه يزردها لضيقه (القاموس المحيط)
والبيظة: تعني الرحم. قال الشاعر يصف القطا يحمل الماء إلى أطفاله:
حملن لها مياهاً في الأداوي **** كما يحملن في البيظ الفظيظا
والفظيظ هو ماء الرجل. فشبه حملهن الماء في مناقيرهن كحمل المرأة ماء الرجل في رحمها
أما الإسب: فهو شعر الفرج أو الأست (القاموس المحيط).
والرّكب: هو العانة أو الفرج، لأن الرجل يركب عليه
الميقاب: الرجل الكثير الشرب للماء أو المرأة الواسعة الفرج (القاموس المحيط)
الدمّاج أو الدّماح: هو الفرج
السفطاح، بكسر السين: الناقة الرحيبة الفرج
الضاد: فرج المرأة (القاموس المحيط) وربما لهذا سموا اللغة العربية “لغة الضاد” وليس كما يقولون “لأن حرف الضاد لا يوجد في لغة أخرى”.
الشفر أو الشفير: حرف الفرج
العُقر، بضم العين: دية الفرج المغصوب
الكُظر، بضم الكاف: حرف أو طرف الفرج
الطنبريز، كزنجبيل: فرج المرأة
القحفليز، كزنجبيل: فرج المرأة
أبو دراس: فرج المرأة
الأكبس: الفرج الناتئ أي البارز
العضارطي، بضم العين: الفرج الرخو والأست
العُمارطي، بضم العين: فرج المرأة العظيم
التوليص: النكاح خارج الفرج
الدعظ: إدخال الذكر في الفرج كله. ويقولون: دعظها به ودعظها فيه.
البُضع، بضم الباء: الجماع أو الفرج نفسه
المرأة اللطفاء: اليابسة الفرج والمهزولة والصغيرة الفرج (القاموس المحيط)
الرفغ: الإبط وما حول فرج المرأة.
المرفوغة: المرأة الصغيرة الهن، لا يصل إليها الرجل
استحصف الفرج: ضاق ويبس عند الجماع
الرشوف: المرأة الطيبة الفم اليابسة الفرج
التلجيف: الحفر في جوانب البئر وإدخال الذكر في نواحي الفرج
الخاق باق: صوت الفرج عند الجماع
الخفق: تغييب القضيب في الفرج
الخفوق: الأتان الواسعة الدبر والتي يُسمع صوت حيائها، وكذا المرأة.
القرن: ظهر فرج المرأة
العفلق: الفرج الواسع الرخو (لا علاقة لهذا الإسم بحزب البعث)
الخشنفل: فرج المرأة
الفَعل، بفتح الفاء: حياء الناقة وفرج كل أنثى
الفلهم، كجعفر: فرج المرأة والبئر الواسعة
الكين: لحم باطن الفرج أو غدد فيه كأطراف النوى، وتعني كذلك البظر
اللخن: قبح ريح الفرج
ونسبة لهوس العرب بالجنس فقد استعملوه في الهجاء، كما قال جرير يهجو أم الفرزدق:
عجوز قد زنت ستين عاماً *** وعاشت بعد ذلك أربعينا
فراحت واشترت تيساً وعنزاً *** لتنظر لذة المتناكحينا

وحتى ذكر الحصان لم يفلت من مفردات اللغة العربية، فنظموا فيه شعراً واخترعوا كلمات تصفه وهو قائم أو مسترخي. فقد أنشد شمر اللعين المنقري يصف ذكر حصان كان منتصباً، فقال:
وقاسِحٍ كَعمُودِ الأَثْلِ يَحْفِزُه * دَرْكاً حِصان، وصُلْب غَيْر مَعْرُوقِ
مِثْل الهِراوة مِيثام، إِذا وقَبَتْ * في مَهْبِلٍ، صادَفَتْ داء اللخاقِيقِ
واللخاقيق هي الشقوق الضيقة
وقالت العرب: استخق الفرس، واخق وامتخض، إذا استرخى ذكره (لسان العرب).

فهذا الشعب العربي المولع بالجنس وبأعضاء المرأة التناسلية لدرجة أنه أعطى هذا العضو أسماء تفوق في عددها أسماء السيف الذي يفتخر به العربي، والذي كان يمارس الجنس بشبه مشاعية كادت تفوق مشاعية الجنس في العالم الغربي في العصور الحديثة، ما الذي تغير وجعله من أكثر الشعوب كبتاً وتحسراً على الجنس؟ لا اعتقد أن الإسلام كما كان في أيام محمد هو السبب. فقد حاول الإسلام في زمن النبي أن يبيح لهم الجنس كما شاءوا من تعدد الزوجات وملك اليمين وزواج المتعة، وجعل إثبات جريمة الزنا من المستحيلات حتى يسهل على النساء ممارسة الجنس مع غير الزوج إذا لم يكن الزوج كافياً لاشباعهن. فما الذي حل بهذا الشعب العربي وجعله محروماً من الجنس، لا تختلط نساؤه برجاله ولا يرى الرجال النساء إطلاقاً، حتى في غرفة النوم التي لا يحق للرجل أن يرى فيها زوجته عارية تماماً، وإلا غضب الله عليه ولعنته الملائكة، كما قال الشيخ علي جمعة، مفتي مصر حديثاً. لماذا تعنست نساؤهم وكاد شبابهم أن يشيب قبل أن يقدم على الزواج وإشباع رغبته الجنسية؟
إنهم الفقهاء الذين حرّموا ما أحل الدين للناس وجعلوا الإسلام دينَ عسر بعد أن قال نبيه إنه دين يسر. الفقهاء الذين لا عمل لهم ينفعهم أو ينفع غيرهم في المجتمع، الذين كرسوا كل وقتهم لدراسة الحيض والاستحاضة، والطهارة من البول والنجاسة، وعذاب القبر والثعبان الأقرع. إنهم الفقهاء الذين سجنوا الأعضاء التناسلية عند المرأة والرجل كما سجنوا العقول. فقد كبتوا الرجال والنساء حتى وصل الكبت حد الانفجار كما حدث في قاهرة المعز عندما تحرش الشباب بالفتيات، المحجبات والسافرات، في محاولة منهم للتنفيس عن الكبت الذي يعانون منه. وهذه مجرد البداية والانفجار قادم لا محالة. وإذا لم تنفجر المجتمعات العربية فسوف تصبح تدريجياً مثل دول الخليج التي تعنست نساؤها وتضاعفت بها أعداد النساء العربيات من المغرب والجزائر والعراق ومصر وغيرها، والنساء الأجنبيات من روسيا ودول شرق أوربا، اللاتي تجبرهن عصابات الدعارة المنظمة على بيع أجسادهن لشباب محروم لايستطيع تكاليف الزواج ولا يستطيع ممارسة الحب مع بنات بلده، أو لشيوخ ورجال أعمال أغنياء ما عادت تثيرهم نساؤهم المترهلات.
هل من أمل في أن يفهم القرضاويون والوهابيون والمتعممون من إيران والعراق ومصر والسودان واليمن أن محاولاتهم تكحيل المجتمعات العربية بفرض حجاب أسود من لون الكحل ذاته، قد أعمت المجتمع العربي فراح يتخبط دون رؤية، وأخصت الدين الذي يحاولون، كذباً، إحياءه، بل أماتوه إلا من الطقوس التي ظلوا يتشبسون بها بعد أن فقدوا الجيل الجديد من الشباب؟ لا أعتقد أن هناك أي أمل لهذا الشعب إلا إذا تمردوا على المعممين وأباحوا الاختلاط في المدارس والجامعات وباشروا تدريس ابجديات الجنس في المدارس حتى لا يتخبط الشباب في جهله عن الجنس ويخيل إليهم إذا رأوا الجفن الأعلى نازلاً على الجفن الأسفل أنه ينكحه.

 

شوارعنا وشوارعهم

فبراير 18, 2016 اضف تعليق
حسين الموزاني(عن الفايسبوك)
بعدما وضعت الحرب الثانية العالمية أوزارها واعترف الألمان بهزيمتهم الع
 سكرية والسيّاسية وتقسيم بلدهم إلى شطر شيوعي وآخر رأسمالي واحتلال ألمانيا من قبل الجيش الأحمر السوفيتيّ وقوّات الحلفاء، استلهم الألمان، وخاصةً النساء منهم، هذا الدرس التاريخيّ القاسي. فأعادوا ما دمرّته الحرب خلال فترة قياسية، لكنّهم لم يتمكنوا بالطبع من إعادة القتلى إلى الحياة من جديد. وقد أسفرت هذه الحرب عن مصرع ستة ملايين ألمانيّ وخمسين مليون جنديّ ومدنيّ في جميع أنحاء العالم الأخرى.
فما الذي فعله الألمان المهزومون آنذاك؟
ما فعله الألمان آنذاك كان معجزةً في جميع المقاييس، فحولوا هزيمتهم الكبرى إلى "انتصار"، واستيقظت الروح الوطنية الحقيقية لديهم، فنبذوا الشعارات التي تدعو إلى الحرب وعبادة الشخصية والأفكار المتطرّفة وروح الانتقام. وكانت الحرب قد دمّرت مصانعهم ومدنهم وبينتهم التحتية، لكنّهم أعادوا بناء ذلك كلّه، اعتماداً على معرفتهم المسبقة. إذ أنّ الحرب لم تهدم فيهم ما هو مهّم وأساسي لإعادة بناء الدولة والمجتمع، ونعني بذلك العلم والمعرفة. فأصبحت ألمانيا من الدول الليبرالية والصناعية والاقتصادية الكبرى في العالم، بل تحوّلت إلى المحرّك الفعّال للقارة الأوروبيّة برمّتها. ونستطيع أن ندوّن كتاباً كاملاً عن
الإنجازات التي حققها الألمان في مرحلة ما بعد الحرب، وقد كتبنا عن ذلك كثيراً.
لكنّنا نودّ أن نشير إلى ما فعله العراقيون بعد الهزيمة العسكرية لنظام البعث وسقوط نظام صدّام واحتلال العراق؟
فبعدما رجعت إلى العراق من "المنفى" الذي لا يريد "مثقفو" البعث وصدّام، المهيمنون الآن على المؤسسات الثقافية والمالية والإرهابية معاً، اعتباره منفى، بل نزهةً سياحية، لأنّهم آثروا عليه سياط صدام وحروبه وحصاراته وجرائمه، نعم، بعدما رجعت رأيت هذه الرسوم واللافتات معلقةً في مدخل "سوق السراي" ببغداد، وهو الرئة الثقافية للعراق، فأدركت ومذ البداية بأنّ العراق دخل في نفق مظلم لن يخرج منها سلماً معافى أبد الدهر. وعرفت بأنّ ساسة العراق الجديد ورجال دينه قد اتفقوا على تمزيق العراق وسرقة ثرواته وسوق مواطنيه إلى المجازر الطائفية دون أدنى رادع. وكان الحقد هو المحرّك الرئيسي لغرائزهم الانتقامية. فتوحدت قلوبهم السوداء الخالية من الرحمة على الشرّ وتدمير ما بقي من هذا البلد الذي لم ير خيراً منذ سقوط بغداد على يد المغول إلى يومنا هذا، وربّما قبل ذلك بكثير. وإذا ما اعتقدنا جزافاً بأنّ العراق لم ير حاكماً نزيهاً وعادلاً في تاريخيه الإسلامي الذي يعود إلى ألف وأربعمائة عام باستثناء علي بن أبي طالب وعبد الكريم قاسم، فإنّنا نرى حتّى علي ابن أبي طالب وعبد الكريم قاسم وقد
استهلا حكمهما بمجزرة أو مجازر دمويّة، لا تزال تداعياتها قائمةً ولا نزال ندفع ثمنها غالياً إلى يومنا هذا. وما نقوله عن العراق ينطبق بلا شكّ على دول العالم العربي الأخرى، عملاً بالمثل القائل: إيّاك أعني واسمعي يا جاره!



وثائق ليلى مراد:لجأت لمحمد نجيب فأجبرها ناصر على الاعتزال!

فبراير 17, 2016 اضف تعليق


أسامة فاروق|  الثلاثاء 09/02/2016
  

الان وبعد أكثر من 20 عاما على رحيل ليلى مراد يؤكد الكاتب الصحافي أشرف غريب أنه لم يتم حتى الآن الكشف عن الكثير من جوانب حياتها، أو تصويب ما لحق بها من مغالطات متعمدة أو غير متعمدة، حتى مع ظهور مجموعة من الكتب حاول أصحابها بقدر اجتهادهم أو بحسب ما توافر لهم من معلومات سبر أغوار حياة تلك الفنانة الكبيرة. لذا يحاول في كتابة "الوثائق الخاصة لليلى مراد"(*) أن يختلف عما سبقه، من خلال الاعتماد على مجموعة من الوثائق الرسمية والخاصة التي لا تقبل الشك أو التأويل، محاولا التأريخ لحياها بشكل منضبط.


"ليلى مراد لم تكتب مذكراتها، ولم تروها لأحد، وهذا كلام واضح لأنني أتوقع كتباً ستظهر بعناوين مثيرة: "أسرار ليلى مراد"، و"الحياة الخاصة لليلى مراد" وما إلى ذلك، وأي شيء من هذا القبيل سيكون من خيال كاتبه". ربما كانت تلك الكلمات التي جاءت على لسان ابنها أشرف أباظة دافعا لغريب أن يبحث لكتابه عن فكرة أخرى ومدخلا جديدا خاصة وأنه كان هو نفسه ناشر كلمات الابن بعد رحيل والدته.

 
تفاصيل كثيرة يقدمها الكتاب عبر وثائق مختلفة يحاول من خلالها تصويب كثير من الأخطاء التاريخية المتعلقة بالميلاد (1918) وبالبدايات والزواج من أنور وجدى حيث يستعرض وثيقة الزواج التى كتبت أمام رئيس قلم المأذونية في محكمة مصر الابتدائية فى الساعة 12 ظهر 15 يوليو 1945 ووثيقة إسلامها رسمياً أمام قاضى المحكمة الشرعية فى 7 ديسمبر 1947، لكن الملفت هو تأكيد المؤلف على أن توقف ليلى مراد عن التمثيل واعتزالها المفاجئ عقب فيلم "الحبيب المجهول"، لم يكن قرارها وأنها أجبرت عليه. يقول إنها –ومحمد فوزي- لم يقرآ المشهد السياسي جيدا في سنوات مضطربة من عمر الثورة المصرية ورجالها، حيث أظهرا ولاءهما علانية للواء محمد نجيب وغنّيا له بعكس أم كلثوم التي استوعبت ما حدث جيداً، بمساعدة المقربين منها وعلى رأسهم مصطفى أمين، ووضعت رهانها على الجواد الرابح جمال عبد الناصر منذ أزمة منع أغنياتها في الإذاعة المصرية في الأسبوع الأول للثورة، وكذلك عبد الوهاب وعبد الحليم ارتميا في أحضان القيادة الشابة بعيداً من نجيب، فنأيا بنفسيهما ومصالحهما عن أن تطاولهما أيدي السلطة الجديدة.
يستشهد المؤلف بقيام الثورة بتأميم شركة "مصرفون" لمحمد فوزي، في حين جنبت شركة "صوت الفن" لعبد الوهاب وعبد الحليم هذا القرار من دون مبررات منطقية، أما ليلى مراد فقد أكدت الأحداث المتتالية في تلك السنوات أنها اعتمدت على الرئيس محمد نجيب خاصة في ملف أزمتها مع إسرائيل حيث ينشر الكتاب وثيقة مهمة عبارة عن رسالة مطولة بخط يد ليلى مراد أشارت له فيها بشكل مباشر إلى سوء معاملة رجال الثورة لها وهي المعاملة التي لم تتوقف إلا بعد أن طالبهم نجيب بنفسه برفع أيديهم عنها، فضلاً عن أنها غنت للرئيس نجيب، وشدت بنشيد التحرير الذي كان انعكاسا لشعار الثورة الذي رفعه نجيب "الاتحاد والنظام والعمل".

 
رهانها على الشخص الخطأ دعمه تقدم العمر وإدراكها أن الزمن لم يعد زمنها، وأن الثمن سوف يكون فادحاً لو أصرت على العودة، لكنها رغم ذلك لم تفقد الأمل في العودة أبدا وهو ما تؤكده هي نفسها حين سألتها الإذاعية الشهيرة آمال العمدة عن سبب غيابها فقالت:"طبعا غلطة المسؤولين ما فيش كلام، ده كان فاضل شوية ويقولولي فوتي علينا بكرة مش فاضيين النهاردة، يعني بعد ما خسست نفسي وبقيت أوكيه اتقدمت، رحت لهم بنفسي مش همه اللي طلبوني، أخذت موعدا من المرحوم عبد الحميد جودة السحار (رئيس المؤسسة العامة للسينما آنذاك) وقابلته وطبعا رحب بي وقاللي: أنا تحت أمرك وتعالي اليوم الفلاني. رحت اليوم الفلاني وعرضت عليه الفكرة في إني عاوزة أرجع السينما تاني. رحب جدا وخرجت من عنده بمقابله عظيمة، وبعدين أربع خمس شهور مافيش رد".
يتساءل المؤلف: فهل هذا يشير من قريب أو من بعيد إلى أنها فكرت في اعتزال التمثيل وعدم الظهور مرة أخرى أمام الكاميرات؟ ويجيب في ثنايا الكتاب بأن كل الموافقات والمشاريع المعطلة إلى جانب عدم توقفها عن الغناء بالإذاعة لا يعني إلا شيئا واحدا هو أنها كانت متمسكة بالاستمرار على الشاشة وأنها حاولت العودة أكثر من مرة لكن شيئا ما كان أقوى من تلك الرغبة "وإلا لماذا توقفت فجأة جلسات عبد الوهاب معها بخصوص فيلمهما المشترك؟ ولماذا أحجم الموزع الخارجي عن التعامل مع مشروع فيلمها مع محمد فوزي وتراخى حلمي رفله عن البحث عن موزع آخر؟ ولماذا رفض الموزعون فيلم "امرأة على الهامش" فاضطر إبراهيم مراد لبيع قصة الفيلم إلى المنتج والموزع جبرائيل تلحمي الذي اتفقت مع المخرج حسن الإمام على استبعاد ليلى مراد لصالح ممثلته المفضلة هند رستم".

 
يقول غريب إن ليلى مراد دفعت ثمن ولائها لمحمد نجيب. لكن ماذا عن تفاصيل استنجادها به من الأساس؟ هذا ما يوضحه في فصل مهم بعنوان "ليلى مراد وإسرائيل..الماضي المجهول". ففي ذروة نجاحها وقعت أكبر صدمة يمكن أن تهدد مستقبلها خصوصا أنها لعبت على وتر الوطنية في توقيت بالغ الحساسية عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، والتفاصيل كما يرويها المؤلف تقول إن ليلى مراد فوجئت صبيحة 12 سبتمبر 1952 بخبر منشور في صحيفة الأهرام جاء فيه أن الحكومة السورية منعت عرض أفلام ليلى مراد وإذاعة أغنياتها من راديو دمشق لأنها زارت إسرائيل وتبرعت بخمسين ألف جنيه لحكومتها. الخبر القصير قلب حياتها رأساً على عقب. دافعت ليلى مراد عن نفسها بإثبات وجودها في باريس في التوقيت نفسه، مستعينة بالسفارة المصرية هناك، التي أصدرت "بيان تحركات" يؤكد كلامها، كما قدمت أيضا بيانات حساباتها في البنوك المصرية لتؤكد أنها لم تخرج المبلغ لأي جهة. وينشر الكتاب بيانا بخط يد ليلى مراد بعد براءتها مما نسب إليها قالت فيه: "إن مستقبلي مع العرب والإسلام، وحياتي مع العرب والإسلام، وأموالي في بلاد العرب والإسلام، وأهلي وزوجي كلهم عرب ومسلمون، فهل من المعقول أن أضحى بكل هؤلاء وأنضم إلى دولة زائلة لا تربطني بها أي رابطة؟". وهو البيان الذي ردت فيه على كل القضايا المثارة حولها في وقت واحد بتأكيد مصريتها وإسلامها وعدم اعترافها بإسرائيل من الأساس.
حاول المؤلف تحليل أبعاد وأطراف تلك الأزمة للتوصل إلى صاحب الشائعة، وكان من ضمن المشتبه بهم أنور وجدي نفسه، خصوصاً أنه كان قد انفصل عنها مؤخراً، وربما كانت إحدى وسائلة للانتقام، لكن تضامنه السريع وتصريحاته في ذلك الوقت أبعدت عنه التهمة، كما انه كان أيضا في فرنسا في التوقيت نفسه. واستقر المؤلف أخيرا إلى أنها قد تكون صناعة إسرائيلية لتضييق الخناق على النجمة الشهيرة وتحقيق المسعى الأهم لتهجيرها إلى إسرائيل، خصوصاً وأن تلك المساعي لم تتوقف بعدها، ولاحقتها في إحدى زيارتها الخارجية بطلب صريح ووعود بحياة واعدة هناك لكنها لم تتأثر وعادت وحكت ما جرى لعبد الوهاب الذي نصحها باللجوء لقادة الثورة. لكن ليلى مراد فوجئت بأنها مطلوبة للتحقيق مرات عديدة بشأن الواقعة التي أبلغت هي بنفسها عنها، وهو ما دفعها للجوء إلى محمد نجيب في رسالة مطولة حكت له فيها الأمر بالتفصيل، ومعربة عن استيائها من تعامل رجال الثورة معها. وهي الرسالة التي دفعت ثمنها غاليا في ما بعد.
من أجمل فصول الكتاب، الفصل الذي يعيد نشر مقالات ليلى مراد نفسها. مقالات كتبتها في مناسبات عديدة، ربما أبرزها مقال "أنا" الذي تصف فيه نفسها ويكشف عن موهبة ولحظة صدق نادرة وتقول فيه: "دارت بي عجلة الحياة في غير الدورة التي كنت أمني النفس بها، دارت بي متخذة وجهة غير التي كنت أريدها. قال الناس عني: مطربة ذات صوت شجي أخاذ. وقال الناس عني: محظوظة ذات طالع سعد نادر. وأقول عن نفسي: أنا ليلى مراد التي تعذبت في حياتها الماضية، وتتعذب في حياتها الحالية، وسوف يطاردها العذاب في حياتها الآتية".
وتقول في المقال نفسه الذي يشير غريب إلى أنه جاء بعد زيجتين فاشلتين من أنور وجدي ثم قائد الجناح وجيه أباظة أنها لم تكن تريد أن تعمل ممثلة أو مطربة كانت تتمنى أن تكون مدرسة أو زوجة كباقي الزوجات!
وتختتم مقالها بقولها: "باعدت حياتي الجديدة بيني وبين الزواج الموفق. الزواج في كنف ظليل لا حسد فيه ولا وقيعة ولا ضغينة. وهل أستحق أنا الشهرة التي نلتها في حياتي كفنانة؟ الجواب حاضر منتزع من النفس المشوبة بالأنانية وهو يقول: نعم نعم، لأنني أذبت روح قلبي في الفن لكي أصعد، وسهرت الليالي مؤرقة لكي أنام بعدها قريرة العين، وبكيت الشهور خوفا من الفشل. ثم. لم أستعد ذوب قلبي، ولم أنم قريرة العين، وما زلت أبكى، لا خوفا من الفشل؛ بل أسفا على ما فات".



(*) صدر عن دار الشروق في القاهرة