صلاح فائق... كلما اتسعت الرؤية

يناير 31, 2016 اضف تعليق
 


" كلما إتسعت الرؤية
 إتسعت العبارة " .

 *

أحبّ ان ارقصَ الآن في غرفتي الضيقة
كي تتوسعَ .
كومبيوتري يذيعُ الموسيقى بصبرٍ
 أنا ضحيةُ رغبتي
 شركاؤها موسيقى , كومبيوتر
 وغرفة ضيقة : انا ضحيةٌ لأني لا ارقصُ الآن

*
استطيعُ , ما بقي من عمري , أن أكتبّ
 في هذه الجزيرة , لاتنتهي صورها
 التي تفاجئوني .
لهذا السبب لن أرحلُ عنها
 ولأني لا اعرفُ اين اذهبُ

*
مرّ , قبل ساعة , سرب خيول وحشية
 وقفت , إلتفت إليّ وكنتُ اطبخُ
 امام بيتي . عادت , إقتربت
 قدمت لها كل ما عندي , أكلت
 صهلت بقوة , إبتعدت , إختفت :
كنتُ أجهلُ وجودها في هذه الأنحاء

*
الشاعرُ بلا اسرار
 صمتهُ قصائد بلا نهاية
 لا يحتاج شمساً ليرى الأفق
 ولا مصباحاً في شرفتهِ , ليلاً , ليرشد البحر
 الى بيته .
الريح , احياناً , تقفُ أمام نافذته
 يفتحها لها وهو يبتسم .

*

ما بين «يقظة فينيجان» و«أولاد حارتنا»: هل كان نجيب محفوظ يتلصّص على جيمس جويس؟

يناير 31, 2016 اضف تعليق



منصف الوهايبي

 القدس العربي-  January 30, 2016


مؤثّرات كثيرة ألمّت بنجيب محفوظ الذي يشكّل علامة فارقة في تاريخ الرواية العربيّة، هذا الجنس الأدبي الوافد على ثقافتنا، منذ أكثر من قرن بقليل. ويتهيّأ لي وأنا أعيد قراءة جيمس جويس مستأنسا بشروحه بالفرنسيّة، وما تيسّر منها بالعربيّة؛ أنّ محفوظ كتب بعض ما كتب، بما في ذلك رواياته التاريخيّة التي استلهم فيها تاريخ مصر الفرعونيّة، و»ثرثرة فوق النيل» و»الشحّاذ»، و»أولاد حارتنا» وهي موضوع هذا المقال؛ بتأثير من هذا الكاتب الإيرلندي الذي لا يزال يفتن الكثيرين؛ حتى أنّنا لا نفتأ نتعلّم كيف نكون معاصرين له كما يقول ريشارد ألمان.
تخيّر جويس لروايته مكانا مخصوصا هو ضاحية شابليزود غرب مدينة دبلن، على نهر الليفي؛ حيث تدور الأحداث، ومنها تبدأ وإليها تؤول، وجعل لبطل الرواية أكثر من اسم  وهو آدم الذي ارتكب الخطيئة الأولى وزوجته»أنّا» ولهما أبناء في كلّ مكان (تل هوث ونصب ويلنجتون وحديقة فينيكس [جنّة عدن] والبنّاء تيم فينيجان الذي يشبّهه الدارسون بطائر العنقاء…). وتتغيّر أسماؤهم فهم: التوأمان شيم وشون، فجيري وكيفين، فمات وجيب، والأخت ايزابيل أو ايزولت. وكلّ من هذه الشخصيّات يحلّ محلّ الآخر، والأبناء يقتلون الأب، والبنت تحلّ محلّ الأم. ويلعب محفوظ لعبة الأسماء ذاتها. فـ»الجبلاوي» (الذات الإلهيّة) وعرفة (العلم) وأدهم (آدم) وأميمة (حواء) وولدا الجبلاوي: إدريس (ابليس وابنته هند التي تزوّجها قابيل القاتل) وأدهم وقد كلّفه الجبلاوي بإدارة الوقف بدل الحانة عند جويس. وقدري (قابيل) وهمام (هابيل). فالانتقال من آدم إلى موسى (جبل) وتاريخ بني اسرائيل وشعيب الحاوي الذي علّم موسى السحر. وربّما رأى البعض في ذلك استلهاما للقرآن في سورتي»طه» و»القصص» أو لسفر الخروج أو الاصحاح. وهذا حقّ لا جدال فيه. من ذلك أنّ موسى (جبل) وعيسى (رفاعة) ومحمد (قاسم) وقنديل خادم الجبلاوي (جبريل) وياسمينة (المجدليّة) ويوسف النجار (شفيع). وأنّ هناك ثلاثة أحياء في الحارة:حي رفاعة وحي آل جبل وحي الجرابيع (قوم قاسم) وزواج قاسم بعد بدريّة وقمر من يهودية حسناء (صفيّة) وأخرى مسيحيّة (مارية القبطيّة). وكذلك استخدام أسماء من قبيل دنجل وزفلة وجلطة وخردة وزنفل وحنش؛ بما يحيل على جويس وطريقته في اختزال بعض الأسماء وخلطها، وتوظيف الكلمات العاميّة أو المحكيّة، واللعب الماكر بالألفاظ؛ وما يسمّيه البعض بالانقطاعات المباغتة في السرد، والمفاتيح المضلّلة حيث اللغة تفلت من عقالها، وتكتسب الكلمات حياة خاصّة. والعنوان نفسه»أولاد حارتنا» إنّما يستمدّ حيويّته، من نكهته الدارجة، كما هو الشأن في رواية جويس التي تنهض على أغنية شعبيّة محورها البنّاء تيم فينيجان.
والحارة وهي الحيّ أو المحلّة التي  تتساند المنازل فيها، أو المدخل الضيِّق لمجموعة من البيوت، إنّما تحيل أيضا على الحركة الدائريّة «السايكلودراميّة» التي هي ميزة تاريخ العالم؛ في الروايتين.
والنصّان يغطّيان زمنيّة مطوّلة ويشتملان على شخصيّات عديدة. ولكنّ السارد يكتفي بوضع عدد محدود منها في الصّدارة على أساس دورها الأساسيّ والمفصليّ في مجريات القصّة . وكلاهما يحرص على إبراز فرديّة كلّ شخصيّة من هذه الشّخصيّات وتفرّدها إبرازا قويّا. ويتولّى توجيهها بحسب علاقاتها بمجمل الشخصيّات. ويمكن أن نشير في هذا السّياق إلى جورج لوكاتش في «نظريّة الرواية»، إذْ يقدّر أنّ هناك شكلا جديدا للملحمة يعلن عن نفسه في بعض أعمال دوستويفسكي. والروايتان يمكن تصنيفهما من حيث هما روايتان ملحميّتان ينتظمهما إيقاع سردي دائري.

لا غرابة إذًا أن ظفر نجيب محفوظ، وهو يكتب «أولاد حارتنا»، بضالّته في رواية جويس «فينيجانز ويك» [يقظة فينيجان] حيث تتمازج الأديان كلّها، أو هي تتبادل الأدوار، وتتداول مسرح الكون؛ وإنْ بأقنعة وصيغ مختلفة. على أنّ عقيدة مصر الفرعونيّة، هي التي وفّرت لجويس النماذج أو الأصول التي تستوقفنا في كلّ الديانات حيث الآلهة تجسّد قوى الطبيعة؛ ومآثرهم وصنائعهم تتمثّل النظام الشمسي و دوران الأفلاك والأجسام الفضائيّة. والأسطورة التي شغفت أكثر جويس هي أسطورة أوزوريس أوّل الفراعنة. وهو باختصار شديد المحسن الذي يغدق على البشر نعمه وخيراته، وصانع السلام، وربّ الكلام. وقد غار منه أخوه «سيث» فحبسه في تابوت، وتركه على ضفّة النيل. وما كان من أخته ورفيقته «إيزيس» إلاّ أن تحوّلت إلى سنونوّة، وحلّقت حتى وقعت عليه ميّتا، فردّت عليه الحياة، وهي تخفق فوقه بجناحيها؛ برهة كافية لتزاوجهما [سفادهما]. ومن هذا الزواج بالإله الميّت، ولد حورس. وقد أخفته عن سيث؛ في قصب دلتا النيل حيث يتجمّع الطمي، وتتشعّب المصابّ. وما كان من سيث إلاّ أن انتقم، فقطّع  جثمان أوزوريس 14 قطعة، ونثرها في البلاد كلّها. ولكنّ إيزيس تشكّله من جديد، وهي تسوّي من الصلصال عضوه الذي لم تعثر عليه؛ ثمّ  تقوم بتحنيطه. ومن جسده تنجم سنابل القمح والأشجار. وهكذا فإنّ الطبيعة التي جدّدتها إيزيس، هي التي تتمثّل انبعاث أوزوريس هذا الإله الميّت الذي يُجسّد عادة في هيئة رجل مستلق قضيبي، محفوف بالخضرة كل عام؛ وقد أخصبه فيضان النيل. ومن المعروف أنّ قدماء المصريّين عبدوا إيزيس  على أنّها الإلهة الأمّ والجوهر الأنثوي الفعّال الذي ارتبط بتعاقب الفصول وبحركة الأفلاك الدوريّة، والخصب والنماء. ويذهب البعض إلى أنّ بقايا أو رواسب من عبادتها، اندمجت بالمسيحيّة؛ فقد استعارت العذراء المقدّسة بعض سماتها. من ذلك «الوعاء» من حيث هو رمز الأرض البكر التي لم تحرث، أي بوصفها وعاء للبذور. ويدعَم هؤلاء رأيهم، بنقش لإيزيس وقد توجّت رأسها خصلة من الشعر؛ هي في تقديرهم رمز لانبساط نور القمر على الحشائش والأعشاب، وزانته سنابل القمح، وقد استقرّت على إكليل من الزهر، إشارة إلى سيطرتها على عالم النبات. وفوق رحمها يستقرّ هلال؛ فيما إحدى رجليها على الأرض، والأخرى في السماء. وفي هذا كلّه إشارة إلى هيمنتها على عناصر الكون.
وثمّة أيضا أسطورة مصريّة أخرى تتعاود في «فينيجانز ويك» هي رحلة مركبة الشمس التي أسْرت ليلا (أمون رع وابنه توت). ويبدو أنّ جويس كان يسعى إلى تحقيق نوع من التوفيقيّة الدينيّة أي التأليف أو التوفيق بين الأديان، على أُسٍّ من العبادات والشعائر في مصر الفرعونيّة. وربّما رأينا في ذلك نوعا من «التيوصوفيّة» أي الإشراقيّة الدينيّة التي تنشد الاتّحاد بالربّ، أو الإيمان بربّ قادر طيّب، لكنّه لا يحتاج إلى عبادة. وهذا وغيره ممّا يستوقفنا أيضا في «أولاد حارتنا». على أنّ جويس ـ وهذا ما يفعله محفوظ أيضا ـ لا يضمّ  العقائد بعضها إلى بعض، إلاّ ليشقّها، بواسطة الكلمة الحيّة التي  مصدرها التوراة (خروج شعب اسرائيل) حيث تلوح ايرلندا الكاثوليكيّة، كأنّها مصر أخرى جديدة. وكذلك «أولاد حارتنا» على ما نرجّح؛ ممّا يعزّز من وجاهة القول بإنّ النصّ الاستثنائي إنّما يحيا، ويبسط سلطانه، بواسطة التأويل الذي يغنيه، ويعدّد من دلالاته.
«التاريخ كابوس، أحاول أن أصحو منه». كما يقول ستيفان دوداليس في «عوليس». وهذا هو الخيط الذي ينتظم النصّين حيث نعيش حلما ملتبسا مشوّشا، يخترق التاريخ؛ منذ أفول الخطيئة الأولى، حتى فجر البعث. والكابوس إنّما هو كابوس العود الأبدي؛ من فصل إلى فصل، ومن جيل إلى جيل؛ بكلّ ما يحمل في مطاويه من متعارضات ومتآلفات يشدّ بعضها بعضا، أو هي تسبح جميعا في فلك واحد: حرب وسلام، وازدهار وانحطاط، ويقظة وسقوط، وخطيئة وخلاص… وهي محكومة كلّها بانتقال الانسان من الحياة الحيوانيّة إلى العالم الانساني؛ أي لحظة ولادة الكائن البشري في انسانيّته الخالصة وظهور الثقافة حيث الكائن البشري «انصار» (وهذا اشتقاق من الفعل صار، نجازف به) أو هو درج أوّل ما درج في العالم الانساني، بواسطة «قتل الأب». والابن في النصّين، إنّما يشارك الأب في جوهره أو طبيعته، أو هما متعايشان كائنان معا،  كما هو في أولاد حارتنا حيث يقتل عرفة الجبلاوي: ثنائيّة العلم والدين.
وقبل هذا الزمن الحسّي لا التاريخي، لم يكن هناك أيّ مجال للعيش معا، وإنّما  هناك عالم العشيرة أو القوم الرحّل؛ حيث سلطان الذكر الذي يزيح أو يقتل كلّ من يتهدّد سلطته أو ينافسه على ملكيّة الإناث. هذا الأب «الأوّلي» لا يخضع لشيء؛ وإنّما هو يتجلّى في كامل قوّته أو قدرته، ولا قانون يحتكم إليه سوى متعته اللامحدودة الملغزة التي يبسط بها سلطانه. والحقّ هو ليس أبا (بحرف التاج) إلاّ في عالم الاستيهامات، خاصّة أنّه يقع خارج أيّ نسب أو نسل. فهو مصدر نفسه أو أصل نفسه أو هو قانونه الخاصّ. إنّ «أبا العشيرة» هو «اللاّأب»، أي  هو بعبارة أخرى «أب» ينفي أن يكون «ابنا».
كيف نخلص من هذا الموت حيث الموتى يدفنون الموتى؟ كيف نهرب من التكرار؟ كيف يمكننا تحويل هذا الموت إلى شكل من أشكال الحياة الأبدية؟ لعلّه سؤال الروايتين.. أو هو العود الأبدي.. لعلّه!

 

الشعر الإباحي المغمور... من حسين مردان إلى جوزف نجيم

يناير 31, 2016 اضف تعليق

م. ح 
الشعر الإباحي المغمور... من حسين مردان إلى جوزف نجيم

إذا أردنا إجراء مقارنة عابرة، بين انتشار الشعر الإباحي (الماجن) في العصور العربية الغابرة، وانتشارها اليوم أو في سنوات القرن العشرين، نلاحظ فرقا شاسعاً في التعاطي مع هذا الموضوع. سنضحك كثيراً على أنفسنا، وعلى من يتغنى في المنابر بالدعوة الى "تابو الجنس". ربما سنقول أن أبناء العصور العربية الغابرة كانوا في لغتهم، أكثر "جرأة" وحرية منّا، نحن أبناء الألفية الثالثة و"غلاة الحداثة" وما بعدها وما قبلها.

كان الأسلاف يبوحون بكل شيء، من الحديث عن شهواتهم الى غزلهم بالجواري والحسناوات، من دون أن ننسى كتاباتهم في السخف والحماقة والهجاء، وحتى العلاقة الجنسية مع الحيوانات كما يرد في "البيان والتبيين" للجاحظ. كانوا يسمّون الأشياء بأسمائها بلا تردد، وبالغوا أحياناً في توصيف "الفحش"، وقالوا ما عكس واقعهم الاجتماعي والشفاهي. ما يحتقروا ألسنتهم وغرائزهم، ولا حتى الكلمات التي نسميها "سوقية" و"مبتذلة". وفي هذا الإطار لا تخلو سيرة شاعر جاهلي أو عباسي أو أموي من قصيدة إباحية أو ماجنة أو متهتكة، فيما معظم الشعر العربي المعاصر والحداثوي و"ما بعد الحداثوي"، يقع في خانة التهذيب والتشذيب، يغلب عليه الإيحاء والغموض. فمنذ أن تأثروا بالحداثة الأوروبية و"الأخلاق المسيحانية"، أهمل العرب أو المشرقيون، معظم الكتب التراثية "الماجنة" أو منعوها او أصدروها بطبعات مبتورة ومشوهة كما فعلوا بألف ليلة وليلة، وطردوا الكلمات الماجنة والإباحية من قصائدهم، باستثناءات قليلة، حتى التراث الشعبي الشفاهي فتكوا بلغته ونشروه بنسخ جديدة.

وخلال العقود الماضية، حضر المجون بشكل خجول في بعض الأعمال الشعرية. فهناك قصائد ماجنة بعناوين "سوقية" للشاعر المصري نجيب سرور، منشورة في الانترنت، وما زالت موضع تحريم ومنع. ومجون الفلسطيني ابراهيم طوقان، في عشيقاته "المسيحيات"، كان يُتناقل شفوياً ونسْخاً، ولم يُطبع حتى اليوم (لنا عودة لاحقة له). وثمة تجارب شعرية "ماجنة"، طُبعت في كتب، مثل أعمال اللبناني جوزف نجيم، والعراقي حسين مردان. وهذا الأخير، في ديوانه "قصائد عارية"، بقي شبه مغمور، حتى أعادت "دار الجديد" اللبنانية طباعته، بنسخة طبق الأصل، وكان طُبع أواخر العام 1949، فأثار عاصفة من النقد، وأحدث ضجة في الأوساط الأدبية في العراق. فأمرت الحكومة بمصادرته وتقديم الشاعر إلى المحاكمة، في 26 حزيران 1950، ومن بين الاسئلة التي وجهت للشاعر في المحكمة، سؤال عن سرّ تسمية الشاعر لديوانه بـ"قصائد عارية". فردّ على ذلك بقوله: "إن الشاعر يجب أن يكون صريحاً في تعبيره عما يختلج في نفسه. لم أتوخّ في قصائدي إلا إظهار الحقائق العارية، ليتبينها الناس". ثم ووجه بسؤال عما إذا كان في الأدب العربي القديم ما هو أكثر صراحة من مثل هذا الموضوع، فعدّد الشاعر المتهم بعض الأمثلة. وقد استمرت المحاكمة أكثر من شهر، وشُكّلت لها لجنة أدبية من كبار الأدباء، أعلنت في النهاية أنّ ما جاء في ديوان الشاعر لا يشكل جريمة، وعند ذاك قرّرت المحكمة الإفراج عن الشاعر وديوانه.
ديوان "قصائد عارية"، قاله مردان في عاهرات الميدان في بغداد، متأثراً بالشاعر الرجيم بودلير، وقد اعترف مردان في إحدى قصائده قائلاً: "لقد رضعت الفجور من ثدي أمي وترعرعت في ظلال الفجور!!". وافتتح قصيدة "براكين"، بعبارة: "أنا لم أرَ بركاناً يتفجر أشد مما يتفجّر به صدرُ امرأة"، وأعلن في قصيدة "زرع الموت" أن "ابليس والكأس والماخور أصحابي/ نذرتُ للشبق المحموم أعصابي/ مِنْ كل ريانة الثديين ضامرة/ تجيد فهم الهوى بالظفر والناب"... وعن قصيدته "لعنة ابليس" قال: "لم أؤمن بالحب يوماً. لكن هذه الفتاة لست أدري لمَ لا أستطيع نسيانها. لقد ذهبت، وقد لا أراها مرة ثانية. ولكن نظرتها ستظل تنبش في عظامي إلى الأبد"... ولعل مثل هذا العبارات التي تسبق القصيدة، أقوى من القصيدة نفسها، وربما يكون الاختزال بالنثر أعمق من النظم.
يبدو مردان ماجناً لكنه ليس متبذلاً. يقول واقع الأمور من دون مواربة: "لا تعبد المرأة إلا الرجل الذي يخضعها لشهوته". شكّلت صدمة "قصائد عارية" كسراً لحدود المطبوع المتعارف عليه من منظور قيمي للمجتمع، وخطوة في ما اصطلح عليه النقاد بـ"الأدب المكشوف"، واشتهر منه في زمن مضى ديوان "أفاعي الفردوس" للشاعر الياس أبو شبكة، وديوان "أغاني الربيع" للشاعر فؤاد بليبل. وثمة من يقارن بين حسين مردان والياس أبو شبكة، ويقارب شعره مع شعر بودلير لناحية تقارب المناخ في الحديث عن وجدانية العلاقة بالنساء بل عن الغريزية الخالصة. وبين هذه المصنفات "الماجنة"، كان جوزف نجيم أشبه بالغائب، والدراسات حوله نادرة.
أذكر في منتصف التسعينات من القرن الماضي، حين عرض عليّ صاحب إحدى المكتبات "الانتيكا" ديوان "جسد" لجوزف نجيم. كان يقدمه باعتباره "جوهرة"، غير متوافرة في المكتبات الأخرى، ويتضمن مواضيع نادرة (أي الشعر الإباحي) وغير منتشرة في الشعر العربي الحديث. لم أتشجع على اقتناء الكتاب بطبعته الأولى الجذابة والساحرة، أولاً بسبب ارتفاع ثمنه في مرحلة كانت ضحلة لناحية المدخول الشهري، وثانياً بسبب أني كنت أنفر من كل الشعر الكلاسيكي الذي تشربناه في المدرسة، وهذا قبل أن اعود إلى بعضه لاحقاً. لم أقتنِ الديوان، لكن عنوانه واسم صاحبه بقيا في ذاكرتي. كأن كلمة "جسد" في عنوان الكتاب كانت كافية لابقائه في الوجدان، أحفظه في ذاكرتي، لكني نادراً ما قرأت عنه في الصحف أو المجلات. وحين صدر في طبعة جديدة قبل أشهر، عن "دار نلسن"، بدا بعض متلقيه وكأنه يكتشفه للمرة الأولى، والبعض الآخر يعيد اكتشافه.. هو الشاعر الذي قتل بطريقة غامضة، العام 1983، وفي الوقت نفسه صارت كلمة "جسد"، التي كانت نقطة الجذب فيه، علامة للنفور بسبب كثرة استهلاكها وتحولها إلى كليشيه، ومشجب تُعلّق عليه الرَّداءات الثقافية..
حين حصلتُ على أعمال نجيم في طبعتها الجديدة، لم ترُق لي في مشهدها الجديد وورقها اللامع، كأني عشتُ حنيناً للكتاب بطبعته القديمة، كأن لهذه القصائد زمنها الغابر. ومقدمة الشاعر جوزيف صايغ، التي رافقت الطبعة الثانية، رغم غناها، لم تكن كافية للإضاءة على تجربة الشاعر. فهذه الأعمال تحتاج، قبل كل شيء، دراسة عن أحوال الشاعر بكل تجلياتها الشعرية والحياتية والسيكولوجية، وحتى طريقة موته الغامضة أو الملتبسة، والتي لا نعرف أي شيء عنها. وفي مجمل الأحوال، تضيء مقدمة صايغ على الجانب اللغوي في شعر نجيم: "كان شاعرَ الجسد. قاله ملءَ مجد السرير، ومجَّده ملءَ شِعره، وانتحر فيه، وفيه بُعِث. فما أَماته أَحياه. ما هو هذا الجسد الذي صنع منه جوزف نجَيم تُحَفَه؟ منه، ومن اللغة طبعاً. لغةٌ أَصيلة أَثيلة، تمكَّن منها، فاستغواها، فاستجدَّتْ وجادتْ على قلمه حتَّى لَتخالها غير ما اللغة". يضيف صايغ: "شاعر لا يترك قارئه حياديًّا. معه، إذا كان الشِّعرُ هواه. عليه، إذا كان من المخلِّقين. لكن هذه محسومةٌ في الجماليَّات. إن هذا الشعر، الذي يدور في ما يدور على العهر، ليس عاهراً، إنه شعر فحسبه".
وها هي أعمال نجيم الكاملة، تصدر بعد 31 عاماً من غيابه وتجاهله شعرياً، وهو كتب القصيدة العمودية والكلاسيكية معتمداً لغةً على "شفير الاباحية"، وتقترب لغته من مناخات لغة سعيد عقل، مع فارق أن الأخير يميل الى الجمالية، أما الأول فيغلّب على أعماله الطابع الأيروسي - الجمالي.
ورغم ان المرأة هي الحاضر الأبرز في قصائده، لكنها في الواقع تبدو غائبة عنه أو أم حسّها كان بعيداً منه، وهو ينشده، كأنه يعيش يُتمها، أو كأنه يتخيل امرأة ينبغي أن تكون في سريره ولا تكون:
أشم منها جسداً يسفكُ
فبعضها يريح في بارد
دغدغة مثل لقاء لها
تتقن أن تعرى فتعرى كما
فأبيضٌ ينزع من أبيض
فصدرها يضيء في لفتة
وتوقظ النهدين مغمورة

 ويسترسل في مكان آخر:
وفي سريرك انطفأنا معاً هل يذكر السرير كيف اشتعل؟


(*) هذه حلقة أولى من سلسلة مقالات ستتناول الكتب الجنسية والإباحية في الثقافة العربية.

- See more at:
http://www.almodon.com/culture/2015/3/4/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d9%85%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%b1%d8%af%d8%a7%d9%86-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ac%d9%88%d8%b2%d9%81-%d9%86%d8%ac%d9%8a%d9%85#sthash.pEG0UG3K.dpuf
شفيقة القبطية وبهية المحلاوية وزب عم عبده

شفيقة القبطية وبهية المحلاوية وزب عم عبده

يناير 30, 2016 اضف تعليق
 


أسطوانات أوديون رقم 45033 (وجه واحد)

حوالي 1912
 
يبدأ التسجيل بالصوت المميز لأسطوانات أوديون في ذلك الوقت (ما قبل 1919) المنطوق بلكنة فرنسية، ثم صوت سي عبده وهو القادم بعد لفه على كل المقاهي لمجالسة راقصة شهيرة هي شفيقة القبطية (المولودة 1851- المتوفية 1926) التي تطلب منه سيجارة حشيش ثم شمبانيا فيطلب لها زجاجة بيرة، ثم تطلب من سي توفيق بدء العزف.

يبدأ العزف بدولاب من العزف الآلي (الدولاب هو مقطوعة قصيرة يستهل بيها التخت العزف وتدل على المقام المستخدم) اشتهر باسم رقص شفيقة، لتبدأ الغناء العالمة المصاحبة للست شفيقة القبطية، وهي الست بهية المحلاوية التي، حسب منتديات السميعة على الإنترنت مثل سماعي وسمع الملوك، كانت أحد الأسطوات العوالم المغنيات اللائي صاحبن الغوازي والراقصات وعرفن طريق شركات الأسطوانات لكنهن في نفس الوقت حافظن على التقليد الشفاهي للغناء البلدي المؤدي من قبل عوالم المدينة.

تغني الست بهية المحلاوية أغنيتين شعبيتين إحداهما أشبه بالموال القصصي وهي "أول حكاية يا جمعية كانوا تلاتة أفندية” ثم تلحقها بأغنية أخرى أشهر وإيقاعها أسرع لكن بكلمات مختلفة عما نعرفها، وربما كانت الغنوة الشهيرة المعنية وهي “الله الله يا بدوي جاب اليُسرى” (اليُسرى كلمة محرفة عن الأسرى)هي مجرد وزن كلمات أو دولاب آخر شفاهي يتم تركيب الكلمات عليه مثلها مثل أغاني أخرى في وجه بحري وفي الصعيد، لكن الطريف إن الأسطى بهية تغنيها بكلمات مكشوفة أو بتعبير آخر خليعة مثل

“الله الله يا بدوي جاب اليُسرى

عم عبده زبه قده لو كان مده

فلق الشجرة

الله الله يا بدوي جاب اليُسرى

يكسف عرضك نتفوا خالتك

ما خالوش ولا شعرة“

في مثال لامتزاج الموروث الشعبي المقدس والمدنس معًا، فمن المعروف إن اللحن هو لتحية شيخ العرب أحد الأقطاب الأربعة في مصر وهو السيد أحمد البدوي، جالب الأسرى أو محررهن، لكن التقليد الشفاهي الشعبي احتفظ لنا بهذا التسجيل النادر الذي يتم فيه استخدام نفس الوزن المخصص للمديح للتعبير عن الخلاعة أو الانغماس في الحياة.

وتختتم الأسطوانة بضحكات إيروسية مرحة للست شفيقة القبطية وكلماتها التي ترددها طوال التسجيل وهي “ما أقدرش ما أقدرش” وتجعلنا نتخيل ما الذي لا تقدر عليه في ذاك الموقف.

التسجيل وثيقة نادرة على تاريخ مسكوت عنه ومهمش لصالح التأريخ الرسمي ونزعته الأخلاقية التطهرية المُهيمنة وأسطورتها الشهيرة عن الشعب المتدين بطبعه، كأن الأسطوانة هي تسريبات من زمن فات، فهي أشبه بمشهد تسجيلي منقول من مقاهي ومواخير حي وش البركة المجاور لحديقة الأزبكية، على الرغم من كونه مشهد ممثل بطريقة تشابه المسلسلات الإذاعية، ومسجل داخل ستديوهات شركة أوديون، التي كانت مُغرمة بالاحتفاظ بالتراث الشفاهي بشتى تنويعاته، فهي من سجلت لاحقًا لمشايخ ومنشدين مثل الشيخ علي محمود، لكنها هي كذلك التي سجلت موسيقا رقص راقصات مثل بديعة مصابني، والتي يمكن مقارنة موسيقا رقصها بموسيقا رقص شفيقة لندرك مدى القطع الحداثي الذي قامت به بديعة مصابني ومسرحها مع التراث البلدي السابق عليها، كذلك سجلت شركة أوديون طقاطيق بلدية لعوالم مثل الأختين عيشة ندا وآسية ندا وتسجيلات الأسطى بهية المحلاوية ومنها أسطوانة أخرى لزفة العروس بتفاصيل ليلة الدخلة وفض غشاء البكارة (سأتحدث عنها لاحقًا).
عن موقع طرب

التعذيب في الإسلام: تاريخ سَبَق "داعش"

يناير 29, 2016 اضف تعليق

محمد حجيري | المدن
خلال التسعينات من القرن الماضي، لم يجرؤ معظم الصحف العربية، حتى "الحرة" منها، على نشر خبر عن كتيب "تاريخ التعذيب في الإسلام" للكاتب العراقي هادي العلوي. كانت تتفادى ورطة هذا الموضوع الشائك والمثير للجدل، مخافة أن يهتزّ "الشارع الإسلامي" و"السلفي"، فيرفض ما يراه "تجنياً" على تاريخ الإسلام وصورته المثالية باعتباره "خير أمة". وكان أبرز مثال على الاقتراب من التاريخ الإسلامي، إهدار دم الروائي سلمان رشدي بعد رواية "آيات شيطانية"، وطعن الروائي نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا". ولاحقاً، تظاهرات وأعمال العنف بعد رسوم الكاريكاتير المسيئة لنبي الإسلام... إلخ.

بقي كتيب العلوي ممنوعاً في معظم البلدان العربية إلى أن أتى طوفان الإنترنت وحطَّم جزءاً كبيراً من جدران الرقابة الغبية، إذ لجأ بعض المواقع الثقافية إلى نشر معظم كتابات العلوي عن الاغتيالات والمرأة والتصوف والتعذيب. بل ثمة أقلام عرضت تفصيلياً، الأحداث في التاريخ العربي والإسلامي. لكن ذلك لم يغيِّر شيئاً من نظرة العوام إلى ماضيهم.
أهمية كتيّب هادي العلوي عن التعذيب، في أنه يتطرّق إلى جانب معروف في كتب التراث وفي التاريخ الإسلامي، حيث ترد أخبار التعذيب كمرويات. لكن قلّما لجأ الباحثون العرب إلى قراءتها بطريقة اجتماعية فلسفية، كما فعل ميشال فوكو مع تاريخ الجنون في أوروبا. والأرجح أنه، طوال العقود الماضية، تمَّ "غض النظر" عن هذه المرويات الفظيعة خوفاً من أنياب الرقابة والتطرف. وكان كتَّاب التاريخ (الطبري وابن كثير...) يسردونها كأنها أمور نافلة وعابرة. الحكم بقطع اللسان، بحسب ما ينقل هادي العلوي، "تطوير مبكر لفن التعذيب يدلّ على السرعة التي تقدمت بها دولة الإسلام في طريق تكاملها كمؤسسة قمعية". وكان زياد ابن أبيه (مثلاً) مشرعاً لأمور عدة سارت عليها السلطة الإسلامية في ما بعد، مثل "منع التجول والقتل الكيفي، وكان يُعرف عندهم بالقتل على التهمة وعلى الظن، وقتل البريء لإخافة المذنب، وقد طبقه على فلاح خرج ليلاً للبحث عن بقرته الضائعة خلافاً لقراره منع التجول في الليل، وقتل النساء وهو غير مألوف عند العرب".
أمثلة بسيطة ينقلها هادي العلوي، وهو كان شخصية ثقافية فريدة تجمع بين الماركسية الشيوعية "الإلحادية" والصوفية الملتبسة في علاقتها بالدين. يستند في كتيّبه "الصاعق" إلى مراجع تراثية، وفيه يقدِّم صورة شنيعة عن المراحل الأموية والعباسية والحجاج بن يوسف الثقفي وزياد ابن أبيه.
كان الكتيب ليشكِّل بذرة كتاب حول أنواع العنف في العالم، لكن المؤلف اكتفى بالتركيز على مراحل معينة من التاريخ: الإسلامي (العباسيون، الأمويون) والمعاصر (هتلر).
في الزمن الداعشي، وكل ما نشهده من ذبح وبتر أعضاء، بات كتيب هادي العلوي هامشياً. لم يعد المرء يحتاج إلى كلمات لتوصيف التعذيب وقطع الرؤوس والتشميس، فالمَشاهد حاضرة بالصوت والصورة، وبأدق التفاصيل السادية، وهي في متناول الجميع. كأن دواعش اليوم يحاكون أسلافهم بطريقة أشد احترافية ووحشية، "يتلذذون" بالقتل أمام الكاميرا.
ظهَّرت داعش، بسلوكياتها الوحشية، تاريخ العنف في العالم من جديد. استعاد القراء بعضاً من ذاكرة الأمم والشعوب المليئة بالحقد والكراهية والدم، إذ تبين الوقائع أنّ أحداً لا ينجو من إثم التوحش وقطع الرؤوس. كثيرة الأمثلة في هذا المجال، فقد نشرت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لجنديين فرنسيين يحملان رأسين لجزائريين إبان "حرب التحرير" قبل عقود، صورة تدين تاريخ فرنسا التي رفعت شعار "حرية إخاء مساواة". وسبق للباحث الفلسطيني السوري، منير العكش، أن أصدر كتاب "أميركا الإبادات الجماعية" (دار رياض الريس)، يقول فيه: "منذ أن خلقت وأنا أسمع هذا الهراء والدجل عن أن الولايات المتحدة مثال للحرية ونبراس للديموقراطية، وأن هذا البلد فريد جداً في التنور والإنسانية، وأن التاريخ البشري لم يعرف بلداً آخر يحاكيه أو يضاهيه في ذلك، وأن هذه "أمة القوانين" لا تعتدي ولا تغزو كما تفعل بلدان أخرى. إنني على يقين من أنكم سمعتم بهذا أيضاً، فهذه هي الحقيقة الرسمية في الولايات المتحدة، وهذا ما يتعلمه الأطفال في المدارس، وما تُحشى به أدمغة العامة". يضيف العكش: "حسناً إن لدي خبراً مراً أزفه لكم: هذا كذب محض". ويشرح العكش بطريقة مغالية شبه إيديولوجية تاريخ أميركا الوحشي: "إنهم قبل أن يسلبوا الهنود جهودهم في حضارة الإنسانية ويعروهم من إنسانيتهم، أسقطوا عليهم أشنع فظاعاتهم كالعنف وسلخ فروة الرأس والتمثيل بالجثث". ويورد شهادات لبعض رموز أميركا المعاصرة، مثل جورج واشنطن الذي فسَّر المفهوم الأميركي للأضرار الهامشية التي ترافق انتشار الحضارة، قائلاً: "طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها".
لا يقتصر التعذيب على أميركا والإسلام. يروي كتاب "تاريخ التعذيب" لبراين اينز، قصة التعذيب في تاريخ أوروبا والشرق الأقصى، ويتطرق إلى تاريخ تقنيات التعذيب واختراع الأدوات وأشكالها التي صاحبت هذا التاريخ، وهي تتراوح بين أساليب الضجيج الوحشي وبين درجات التعذيب النفسي والعقلي الفاقد للرحمة، وبين المخلعة التي تشدّ أطراف الضحية، ومسامير الأصابع التي جلبت من روسيا في القرن السابع عشر.
ومع القرن العشرين، ظهرت أدوات وتقنيات مستحدثة، أبرزها الأسلاك الكهربائية والعقاقير الطبية، وذلك لتحطيم الضحية والتغلّب على مقاومتها.
للصين التاريخية والصين الشيوعية باع في أساليب التعذيب أيضاً، وللتاريخ الستاليني الشيوعي والتاريخ العروبي المخابراتي كذلك، من تذويب الشيوعي فرج الله الحلو بالأسيد في زمن عبد الحميد السراج، إلى إطعام المعارضين للكلاب في زمن صدام حسين.
لا تنجو حضارة أو دين، في الشرق أو الغرب، في الماضي أو المعاصر، من "خطيئة التعذيب"، وقد أصاب هادي العلوي في قوله: "كلما خضت في تاريخ هذه الهمجية الكبرى وددت لو أن البشرية لم توجد على هذه الأرض وأن الحياة بقيت عند حدود القردة العليا، وذلك لأن همجية الإنسان معززة بوجود العقل المدبر الذي يفتح أبواب الخيال الإجرامي على مصراعيها، بينما تقتصر همجية الحيوان على تمزيق الفريسة بسرعة تيسيراً لأكلها".
- See more at:
http://www.almodon.com/culture/2014/9/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%b0%d9%8a%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%b3%d8%a8%d9%82-%d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4#sthash.Q2lFjWch.dpuf

هل مهدت "الوهابية" الطريق لصعود فكر "داعش" التكفيري؟

يناير 29, 2016 اضف تعليق

يرصد الكاتب والمحلل علي أنوزلا مراحل التطور التاريخي للفكر "الداعشي" في أوساط الشباب المتدين الذي تبنى العنف داخل بلدانه لتحقيق قناعاته والذين شكلوا مقاتلي تنظيم "القاعدة"، ويشكلون اليوم إحدى أذرع جيش "داعش" وحطب حربها داخل العراق وسوريا، يغذيهم حلمهم بإعادة حكم الخلافة إلى بلاد العرب، وإقامة دولة الإسلام على الأرض بقوة الحديد والنار.
ينظر اليوم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، على اعتباره من أكثر التنظيمات عنفاً في تاريخ الحركات الإسلامية، التي تتبنى الفكر السلفي الجهادي التكفيري، بما فيها حتى التنظيم الأم الذي خرج منه، أي تنظيم "القاعدة" الذي انتمى إليه أبو مصعب الزرقاوي، الأب الشرعي لهذا التنظيم المتطرف.  وتعتمد قوة هذا التنظيم على أساس الاستقطاب الطائفي قبل الإيديولوجي. ويعتمد خطابا دينيا متعصبا موجها إلى طائفة بعينها هي طائفة السنة. كما يتبنى العنف والإرهاب كنهج لتحقيق أهدافه.



بداية التأسيس
التاريخ القريب لهذا التنظيم يبدأ في عام 2003  مع الأردني أبو مصعب الزرقاوي، عندما أسس  "جماعة التوحيد والجهاد" في العراق، وأعلن مبايعته لأسامة بن لادن زعيم تنظيم "القاعدة" آنذاك. ويمكن اعتبار "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" الذي كان يتزعمه الزرقاوي بمثابة النواة الأولى لـ "داعش"، حيث كان يستقطب أتباعه من طائفة السنة داخل العراق ومن دول أخرى.
وفي عام 2006 حاول الزرقاوي تجميع الجماعات الإسلامية المقاتلة تحت تنظيم "مجلس شورى المجاهدين"، بزعامة أبي عمر عبد الله رشيد البغدادي، لكن هذا المجلس لن يعمر أقل من عشرة أشهر، إذ تم حله في نفس السنة  بعد مقتل الزرقاوي، ليحل محله أبو حمزة المهاجر على رأس تنظيم القاعدة في العراق، لكن أبي عمر البغدادي لن يبايعه وسيؤسس"دولة العراق الإسلامية". وفي عام 2010 قتل أبي عمر  البغدادي لتتم مبايعة  أبي بكر البغدادي أميرا للتنظيم الجديد.



ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، سيجد هذا التنظيم في بلادها مرتعا له للتمدد غربا معلنا حربه المقدسة ضد "النظام النصيري السوري". وفي العام 2012 سيعلن التنظيم بسط نفوذ دولته في الشام والحرب ضد الحركات الجهادية الأخرى المنافسة له خاصة "جبهة النصرة"،  وسيٌسقط زعيمه بيعته لتنظيم "القاعدة". وفي عام 2013 أعلن البغدادي "الدولة الإسلامية في العراق والشام" التي سيتم تلخيصها في كلمة: "داعش".
ورغم تقاسمهما لنفس المرجعية الأيديولوجية المتطرفة، إلا أن تنظيم "النصرة" يتهم مقاتلي "داعش" بالتشدد في تطبيق الشريعة، وقد تحولت خلافاتهما إلى حرب طاحنة بينهما. ولم يستثن تعصب "داعش"، حتى حلفائها الموضوعيين في الأزمة السورية مثل "الجيش السوري الحري" الذي كفره التنظيم  واتهمه بالارتداد عن الدين الإسلامي.


جذور فكر "داعش" التكفيري والجهادي
هناك من يعيد جذور هذا الفكر السلفي الجهادي إلى أول خلاف في فجر الإسلام بين علي ابن أبي طالب ومعاوية ابن سفيان، بعد قضية التحكيم بينهما والتي كان من نتائجها انتهاء عهد الخلافة، وتأسيس أول نظام ملكي وراثي في الإسلام في في النصف الأول من القرن الهجري، وكان من نتائج ذلك التحكيم ظهور رافضين له، سموا بـ "الخوارج".
لكن إذا ما سلمنا بأن "الخوارج" هم من أسسوا لأول فكر متشدد في تاريخ الإسلام، إلا أن فكرهم كان ينطلق من موقف سياسي معارض للتحكيم، الذي اعتمد للحسم في الخلاف بين علي ومعاوية وبموجبه انتقل الحكم من زمن الخلافة إلى زمن الحكم  عن طريق الثوريت. وسيذهب الخوارج إلى حد تكفير خليفتهم علي إبن أبي طالب، بعد واقعة "التحكيم" ولم يعترفوا بحكم معاوية، وسيتبنون وجوب الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، أي الأئمة الذين يبررون نتائج التحكيم سواء بتبريره أو بقبوله كأمر واقع أو بالخنوع له.




هذا النوع من التفكير التكفيري سيجد من يؤسس له فقهيا. وسيتجسد بجلاء في المذهب الفقهي لأحمد بن حنبل (780-855م)، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي. ويقوم هذا المذهب الذي يعتبر من أكثر المذاهب السنية محافظة، على الاعتماد على النص والابتعاد عن الاجتهاد والتأويل واضعا بذلك البنيات الأولى لتأسيس الفكر التكفيري، رغم أن مؤسس هذا المذهب تورع في حياته عن تكفير من كان يحالفه من فرق أخرى كالشيعة والمرجئة والخوارج والمعتزلة.

وفي القرن الثامن الميلادي سيواجه صاحب هذا المذهب فكر "المعتزلة"، الذين كانوا يقولون بخلق القرآن، وهو نفس الرأي الذي كان يتبناه خلفاء تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي، وفرضوه على الفقهاء والقضاة، لكن ابن حنبل عارضهم فتعرض للسجن والتعذيب دون أن يثنيه ذلك عن مذهبه الذي صار له أتباع كثر من بعده.
ويعتقد دارسوا هذا المذهب أن المحنة التي تعرض لها مؤسسه هي التي أدت إلى تبلور وانتصار الاتجاه المتطرف داخل أهل السنة والجماعة في تاريخ الإسلام. لذلك ينظر إليه كثيرون على اعتباره المؤسس التاريخي للتوجه السلفي، الذي يعتبر اليوم مرجعا للحركات السلفية الجهادية، بما فيها حتى تلك التي لعبت دورا كبيرا في قيام الدولة السعودية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
بداية التشدد الفكري
لكن هذا الفكر سيتخذ منحى متشدد، وسيتجسد في فتاوي فقيه عاش قبل سبعة قرون، هو أحمد ابن تيمية (661–728م) اتخذ منه مرجعا لتبرير تشدده وتطرفه. فرغم مرور كل هذه القرون مازال فكر هذا الفقيه وفتاويه مثارا للجدل بين جمهور فقهاء الإسلام. فإذا كان أنصاره يعتبرونه مجددا أحيا الدين، فإن خصومه يصفون فكره بالغلو والتشدد، ويتهمونه بنشر الفكر المتطرف والإرهاب.
ويعد إبن تيمية الذي يوصف بـ "شيخ الإسلام" صاحب تأثير كبير على "الصحوة الإسلامية" بتياراتها المختلفة، وخاصة التيار السلفي الجهادي الذي تعتبر تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش" أحد نتاج هذا النوع من الفكر المتشدد الذي ينتصر للنص على حساب العقل.
فكر أحمد ابن تيمية سيجد من يحييه بعد ستة قرون من وفاته، إنها العقيدة "الوهابية" التي تشترك معه في الكثير من القواسم، بل ويعتبر أتباع هذا الفكر ابن تيمية الأب الروحي لهم. فـ "الوهابية" قامت على أساس أن المسلمين عاشوا ستة قرون في جهل وضياع منذ وفاة شيخ الإسلام، ابن تيمية، إلى أن ظهر محمد بن عبد الوهاب الذي يعتقد أتباعه أنه أحيا الدعوة وأعاد الناس إلى العقيدة الصحيحة. ومن أجل تحقيق هذه الغاية يتبنى فكرة الجهاد كأسلوب لإعادة إقامة دولة الإسلام أو دولة الخلافة.


ما أشبه الليلة بالبارحة
من يعيد استقراء تاريخ بدايات انتشار "الوهابية" في بداية القرن التاسع عشر، سيكتشف الكثير من أوجه الشبه ما بين النهج العنيف الذي كانت تتبعه هذه الحركة بعد تحالفها مع آل سعود لفرض وجودها، وما بين العنف الذي يتبناه تنظيم "داعش" لفرض أفكاره وبسط نفوذه.
فما تشهده اليوم مدن العراق وسوريا من تدمير للمساجد والحسينيات الشيعية وللمزارات والقبور الصوفية، ومن محاكمات شرعية تقيم الحدود وتنفذ الإعدامات الجماعية العشوائية، نكاد نجد شبيها له في تاريخ حركة آل سعود المسنودة بالفكر الوهابي، ما بين عامي 1904 و 1925، حيث قاموا بتدمير مقابر أهل البيت، وصحابة الرسول محمد، واجتثوا المساجد وبيوت الأولياء، ودكوا القباب والمزارات.

تذكر كتب التاريخ أن حرب آل سعود، المسنودة شرعيا من طرف "الوهابية"، ذهب ضحيتها سبعة آلاف قتيل، وانتهت بإقامة المملكة السعودية التي تعهد ملوكها بتنبي الفكر الوهابي المتشدد كمذهب رسمي للدولة، يقوم على فرض تطبيق الشريعة واعتماد قوانينها الصارمة، وهو ما يقول اليوم تنظيم "داعش" إنه يسعى إلى الوصول إليه.
يروي أمين الريحاني في كتابه "تاريخ نجد الحديث وملحقاته" (ص: 28 و 29) أن الحادث الخطير في دعوة محمد عبد الوهاب هو قطعه لشجرة "الذيب" في منطقة الجبيلة، التي كان يتبرك بها الناس، فتبعه أنصاره في تدمير القباب وتحطيم القبور بما فيها قبور أصحاب النبي محمد. أما الحادث الثاني الأكثر خطورة حسب الريحاني، في دعوة مؤسس الوهابية، فكان هو رجم إمرأة اتهمت بالزنا في ساحة عمومية. يصف الريحاني: "رجمت الزانية! فسرى خبرها سير البرق في البوادي والحضر، ووقع وقع الصاعقة في القلوب الأثيمة والقلوب الطاهرة، فسكت أناس، وصاح آخرون".
ويذكر الريحاني أن أمير منطقة الإحساء كتب إلى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ينذره ويدعوه إلى التراجع عن غيه، مما حمل الشيخ على الهجرة خوفا على حياته، فتلقفه أمير ذو طموح كبير هو محمد ابن سعود، أمير منطقة الدرعية آنذاك، فتعاهدا على عقد العهد الذي جمع بين عقيدة المصلح وسيادة الأمير. عهد "المذهب والسيف" الذي مازال يجمع بين الوهابيين وآل سعود إلى يوم الناس هذا ويجسده العلم الوطني السعودي الذي يجمع ما بين كلمة التوحيد وصورة السيف المسلول.
وتذكر كتب التاريخ أن حرب آل سعود، المسنودة شرعيا من طرف "الوهابية"، ذهب ضحيتها سبعة آلاف قتيل، وانتهت بإقامة المملكة السعودية التي تعهد ملوكها بتنبي الفكر الوهابي المتشدد كمذهب رسمي للدولة، يقوم على فرض تطبيق الشريعة واعتماد قوانينها الصارمة، وهو ما يقول اليوم تنظيم "داعش" إنه يسعى إلى الوصول إليه.
 



عودة الفكر الجهادي
هذا النوع من الفكر التكفيري الجهادي سيجد مبررا له للعودة مجددا إلى أرض الإسلام كرد فعل هذه المرة على القمع الذي تعرضت له بعض الحركات الإسلامية في دول قمعية في مصر وسوريا في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع حرب أمريكا في أفغانستان سيتم تشجيع هذا الفكر رسميا من قبل أنظمة عربية وقفت إلى جانب أمريكا في حربها ضد الروس في أفغانستان قبل أن ينتقل نفس الفكر إلى العراق، وهذه المرة ضد أمريكا وبدعم من أنظمة عربية كانت تقف ضد التدخل الأمريكي في العراق.
وما بين حرب أفغانستان واحتلال العراق، سينتشر هذا الفكر في أوساط الشباب المتدين الذي سيتبنى العنف داخل بلدانه لتحقيق قناعاته. وأغلب هؤلاء الشباب هم الذين شكلوا مقاتلي تنظيم "القاعدة"، ويشكلون اليوم إحدى أذرع جيش "داعش" وحطب حربها داخل العراق وسوريا، يغذيهم حلمهم بإعادة حكم الخلافة إلى بلاد العرب، وإقامة دولة الإسلام على الأرض بقوة الحديد والنار.

علي أنوزلا
تحرير: لؤي المدهون
حقوق النشر: موقع قنطرة 2014

علي أنوزلا كاتب وصحفي من المغرب، مدير موقع "لكم. كوم" الذي منعته السلطات المغربية عام 2013، أسس ورأس تحرير عدة منابر صحفية ورقية. حاصل على جائزة "قادة من أجل الديمقراطية" 2013 من منظمة "بوميد" الأمريكية. اختارته منظمة "مراسلون بلا حدود" الفرنسية كأحد "أبطال الإعلام" في العالم عام 2014

 

أحمد شوقي علي... نهاية السعيدة لجمعة الغضب

يناير 28, 2016 اضف تعليق

(1)
لماذا وقد مرت على أحداثها سنوات خمس، تقودني –الآن- ذكرى "جمعة الغضب" بإلحاح نحو الكتابة؟
عبر صورة رأيتها بالفيس بوك منذ ثلاثة أيام في ذكرى اندلاع الثورة، لثائر في مواجهة أحد جنود الشرطة، كان وجه الثائر يصرخ وعينيه بالمثل، فيما تبحث خوذة الجندي لنفسها عن سبيل لمقاومة الانمحاء داخل الإطار، عبر تلك الصورة أطلت عليَّ "جمعة الغضب" ولم تمسسني رياح "يناير" رغم برودة الجو بالخارج.
لست أحمل من يوم الخامس والعشرين من يناير غير لمم الذكرى.
كنت أرتدي جينز أسود وقميصًا أبيض وبلوفر أحمر. لم أرتب ملابسي لتبدو وكأنها علم الدولة بألوانه الثلاث الأحمر والأبيض والأسود، وإنما اشتريت حذاءً جديدًا ارتديته للمرة الأولى في ذلك اليوم، وبدت قطع الملابس ثلاث أكثر أناقة من غيرها لتناسبه.
وصلت إلى ميدان التحرير في الرابعة عصرًا؛ نزلت إلى هناك لخلو التلفاز من أخبار المظاهرات، ولا يتبقى الآن في ذاكرتي من أحداث ذلك اليوم كله، إلا بلاء ذلك الحذاء الجديد، والأنفلونزا التي أصابتني جراء استخدام الشرطة لرشاشات المياه في تفريقهم المتظاهرين، ووجه الصديق "نائل الطوخي" وهو يجري هربًا من الرصاص المطاطي.
ربما لم يكن نائل الطوخي الذي رأيته يجري، ربما كنت أنا، وربما أيضًا لم يكن رصاصًا مطاطيًا ذلك الذي هربت منه، فلم يحدث أن واجهت رشاته من قبل، ولا أحمل على جسدي غير ذكرى رشقات وقعها أضعف من ضرب النبل.
لست أملك من 25 يناير، اليوم وليست الثورة، إلا ما يُمكنُ سارد مثلي من نسج قصة جيدة حوله، فالكتابة تقتات على النسيان، وبالرغم من ذلك لم أكتبها تلك القصة، أما "جمعة الغضب" فأتذكرها وكأنني للتو فارقت أحداثها، وأي كتابة يمكنها أن تنبع عن حدث لازلت أشعر بأنفاسه إلا مجرد التدوين!
(2)
الإنترنت مقطوع والاتصالات كذلك، وبيني وبين صديقي الصحافي والناشر محمد بعلي موعد للخروج في التظاهرات التي حملت اسم "جمعة الغضب" والمقرر انطلاقها من كل أرجاء مصر، لم أكن أعرف إذا كانت طائرته قد وصلت إلى القاهرة أم لم تصل بعد، حيث كان يعمل وقتها في جريدة الاتحاد الإماراتية، وقرر أن ينزل فجأة إلى القاهرة للمشاركة في "الجمعة الغضب الأولى"، واتفقنا ألا نتجه إلى التحرير ونشارك بدلا عن ذلك في المظاهرات التي تنطلق من "حلوان" كونه حينا الذي نسكنه سويًا.
نزلت من بيتي تلك المرة وأنا أرتدي سترتين اتقاءً لرشاشات المياه المتوقعة، وأنتعل في قدمي حذاءً قديمًا. كانت خطبة الجمعة على وشك الانتهاء عندما التقيت بـ"البعلي"، ولما وصلنا إلى مسجد "المراغي" كان المصلون في الركعة الأخيرة، وما أن انضممت إليهم حتى سلم الإمام، وقبل أن أنهض لاستكمال الصلاة التي فاتتني، خرجت "الله أكبر" هتافًا مزلزلا من جوف المسجد، وبدأت المظاهرة. وقفت يدي اليمنى فوق اليسرى ولا أعرف هل أكمل الصلاة أم أقطعها، فازداد صوت الهتاف علوًا، فحسمت أمري بقطع الصلاة وانضممت إلى المتظاهرين.
نجوب الشوارع وحناجرنا تهتف "يا أهالينا انضموا لينا"، فيأخذنا الطريق إلى "كابرتاج حلوان" في نصف ساعة أو يزيد، لقد قطعنا –فقط- نصف المسافة إلى الكورنيش، وكان طموحنا كبير في أن نصل بمسيرتنا تلك إلى ميدان التحرير، وبوتيرة السير هذه لن نصل إلى هناك إلا بحلول منتصف الليل، فقطعتْ المظاهرة نفسها بين جمعين، واحد يريد التجمهر أمام قسم الشرطة والآخر يبغي استكمال الطريق حتى التحرير، فسرت وصديقي مع السائرين إلى قسم الشرطة.
لم نملأ الشارع رغم كثر عددنا، وحدها ملأته، تلك السيدة الشابة التي خرجت من بيننا في جلبابها الأسود البسيط، لتقذف زجاج القسم بحجر، فنهرها دعاة الثورة النظيفة، وربما كان الذين نهروها من جماعة الإخوان، لكنها لم تتراجع، وردتهم بجملتها الحاسمة "لو بتم ليلة واحدة في عز برد الشتاء، أمام ذلك القسم، لأن أخوكم محبوسًا وأمناء الشرطة يذلونكم لتروه ثم يلقون بكم على هذا الصيف لفعلتم مثلي وأكثر"، ثم ألقمت الزجاج حجرًا ثانيًا، فسرت جلبة بين المتظاهرين، فيم لم تصدر أية مقاومة تذكر من قبل أفراد الشرطة المتراصين أمام القسم، بل دخل بعضنا في مناوشات لفظية معهم.
وجه أحد أمناء الشرطة الكلام لي ولصديقي ساخرًا :" كلها أيام ويتم الانتهاء منكم"، فرد البعلي "بل هي نهايتكم"، ففز أحد الضباط، وكان في هيئته يشبه البغل لزيادة وزنه، ليقارع البعلي بالكلام، وفي اللحظة التي قال له فيها صديقي "أنت تحتمي في سلاحك، أتركه ونازلني"، كان نصف المتظاهرين -الذين افترقوا في السابق باتجاه التحرير- قد حضروا إلى القسم وما أن صاروا أمامه حتى ألقوا على زجاجه الحجارة بشكل أوتوماتيكي، ليفر أفراد الشرطة لواءات وضباط وأمناء على وجوهم خشية أن تصيبهم الأحجار، وبالرغم من عبثية ذلك المشهد، وجنون سيارة الإطفاء التي انطلقت لتدهس راميي الأحجار لتفريقهم، بعده، لم أشعر بتفاهة الداخلية مثلما شعرت لدى رؤيتي ذلك الضابط الذي تجرد من سلاحه فعلا –قبل قليل- لينازل البعلي!
فرقتنا سيارة الإطفاء المجنونة، فصرت وحيدًا أجري مع وحيدين -وربما جماعات- إلى جواري، كان النهار قد انتصف، وبدأت الاشتباكات الحقيقية مع الشرطة خلف القسم وأمامه وفي الشوارع الموصلة إليه كلها، نصحنا المتمرسين في المظاهرات بشم البصل وبغسيل وجوهنا بالكوكاكولا أو الخل لاتقاء آثار الغاز المسيل للدموع، وجربت الطرق الثلاث، البصل لاينفع والكوكاكولا كذلك، أما الخل فيحرق الوجه، وإذا احتملته صارت لديك المناعة الأبدية من الغاز، أو كنت أظنه كذلك، حتى تزاملت في زجاجة مع رفيق "سلفي"، فتى طيب وهزيل كاد يموت إلى جواري بعد أن غسل عينيه بالخل. المحلات كلها في ذلك الوقت صارت تبيع الكوكا والخل، حيث رصت صناديقهم أمام واجهاتها، لتسهيل عملية البيع، فالإقبال على الشراء أوحى لهم بمكسب لن يتكرر مرة أخرى.
عثرت على البعلي في محيط محطة المترو، وبصحبته سيدة تضع البصل في فتحتي أنفها، وبينما نتحدث رأينا تصاعد النيران من فرع الحزب الوطني الكائن فوق محل "باتا" الشهير، فذهبنا إليه لنرقب احتراقه في سعادة، ساعتها لم نكن نعرف أي شيء عما يجري في باقي أنحاء الجمهورية، ولكننا هزمنا الشرطة هنا في حلوان، وأحرقنا النظام نفسه ممثلا في مقر الحزب، وفي تلك اللحظة بالذات تذكرت زوجتي "شيرين"، لم أكن قد تقدمت لخطبتها بعد في ذلك الوقت، خشيت أن يكون قد أصابها مكروه إن كانت قد شاركت في المظاهرات، وكان يكفيني الاتصال بالهاتف الأرضي لمنزلها للاطمئنان عليها، لكني قررت الذهاب إلى بيتها، فهي الأخرى إحدى ساكني حلوان.
ربما شعرت في لحظة الانتصار تلك بالفخر حد تقديم نفسي لوالدها للمرة الأولى دون رهبة أو خجل، كديكٍ في مقابل ديك، وعلى باب منزلهم تفحصت الهاتف الداخلي للعمارة حتى وصلت إلى اسم حماي، فطلبتْ شيرين مني الصعود، قابلت والدها على الباب فأدخلني، استرحت على الكرسي ورددت على دعوته لاحتساء مشروب بطلب الماء، لم يدم لقاءنا غير بضع دقائق، لم أسأل فيهم عن شيرين لأني توقعت ظهورها، ولم يسألني خلالهم حماي عن شيء مما جرى خلال اليوم، بل سألني إن كنت جائعًا فأجبت بالنفي رغم حاجتي للغذاء، واستأذنت للمغادرة، ولما هبطت إلى الشارع انتظرت نحو الساعة، فرغم خيبة الغرض من الزيارة، إلا أن رؤيتي لذاتي كفارس منتصر يستحق إنهاء يوم كهذا بعناق طويل وقبلة من حبيبته، جلعتني أنتظر ذلك الوقت كله، لكن حبيبتي لم تأت.
(3)
ربما ذكرتني صورة الثائر على فيس بوك بسيدة القسم أو موقعة "البعلي" والضابط، أو ربما ذكرني مشهد شوارع التحرير الفارغة في ذكرى الثورة بنفسي وأنا أنتظر حبيبتي أسفل منزلها، أو ربما يتراءى لي –الآن- وجه الثورة باهتًا تمامًا كوجهي وأنا أغادر ذلك المنزل إلى بيتي، لكنني في ذلك المساء، مساء جمعة الغضب الموافق 28 يناير 2011، مررت في طريق العودة بمقر الحزب الوطني الذي كان لايزال مشتعلا، فأبصرت أطفال الشارع وهم يرقبونه من بعيد بينما يرددون في سعادة "أحـه أحوه (...) جمال وأبوه"، فوقفت أشاركهم السعادة نفسها بترديد نشيدهم الجميل.

العري الصفوي الفارسي

يناير 27, 2016 اضف تعليق


 منمنمة فارسية تمثل شاه عباس في جلسة سمر، ريشة محمد قاسم، أصفهان،1627



عباس الأول يقدم الكأس لمحمد خان أوزبك، جدارية من قصر "چهل ‌ستون"، أصفهان، 1647
 

 
  منمنمة من أصفهان تعود إلى منتصف القرن السابع عشر، أي أنها من العهد الصفوي، وهي ليست فريدة من نوعها على الإطلاق


 
الصور غير المعرفة هي العري الصفوي في مجموعة منمنمات من القرن السابع عشر، وكل الصورة منشورة في صفحة الباحث في الايقونات محمود الزيباوي، ويأتي نشرها بعض تحجيب التماثيل في روما غدا زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الى العاصمة الايطالية 

مارلين مونرو... أضواء لا تنتهي

يناير 26, 2016 اضف تعليق

محمد الحجيري

تخرج النجمة الأميركية مارلين مونرو يوماً من تحت الأضواء لتعود أياماً، أو لنقل إنها لا تغادر الأضواء بتاتاً، فخلال الأشهر الماضية صدرت لها خواطر بعنوان «شذرات» حظيت باهتمام الكتاب والفلاسفة والناس العاديين، واليوم يدور الحديث حول رواية لأندرو أوهاغان بعنوان «حياة وآراء الكلب ماف وصديقته مارلين مونرو» وهي مرشّحة لجائزة «بوكر».


لكل شيء في حياة مونرو «هالته» الخاصة، من صورها الى أثاث منزلها وكتاباتها وكلبها وعشاقها و{غبائها» وفساتينها، وهي كانت محقّة حين خاطبت نفسها في خواطرها (شذراتها): «تذكري أن في مقدورك أن تتربعي على قمة العالم». لكن هذه القمة لم تجلب لها السعادة، بل إن القمة هي طيف الراحلة وحضورها بعد رحيلها، ففي مكان آخر قالت: «لقد وجدت نفسي غبية بشكل مخيف، فأنا لا أفقه شيئاً في الرسم ولا الموسيقى ولا الأدب ولا التاريخ ولا الجغرافيا».


كأن مونرو لم تكن مقتنعة بلعبة الأضواء وسحرها، وتبحث عن شيء يمسها من الداخل أو يرضي عقلها لا مظهرها. وهي تزوجت من ميلر في ما بعد، الرجل الذي أرادته معلماً لها، وكان محرضها على المطالعة، وتصورت أن الاقتران بمثقف يجعل منها مثقفة في غمضة عين. وعندما اكتشفت أن هذا الحلم لا يتحقق بهذه الطريقة، لم تتوقف عن المحاولة. فراحت تجبر نفسها على مطالعة الروايات الكلاسيكية ودراسات فرويد في علم النفس. ولها صورة وهي جالسةً على أرجوحة للأطفال، مرتدية بلوزة مخططة وسروالاً قصيراً يكشف عن ساقيها، تقرأ رواية «عوليس» لجيمس جويس. إنه مشهد سريالي إذا جاز التعبير، فالإغراء متحد مع الرواية الكلاسيكية، وعوليس يمثّل بطلاً ميثولوجياً يعاني عذاباً شديداً ويجتاز المهالك، منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصراً إلى المكان الذي انطلق منه... مونرو انتصرت على نفسها بالموت، أو صار انتحارها الغامض عنواناً للمراحل والحكايات كافة.

من بين الذين ورد ذكرهم في «الشذرات» آرثر ميلر وصموئيل بيكيت وجيمس جويس. قال ناشر الكتاب برنارد كومان: «تتحدث مارلين في كتاباتها الخاصة هذه عن جيمس جويس الذي اكتشفته في السادسة والعشرين من عمرها حين كانت تؤدي أدواراً تمثيلية فردية معه منذ نجاحاتها الأولى وحين كانت تتردد على استوديو الممثلين في نيويورك. كذلك، كانت معجبة بصموئيل بيكيت، والمدهش أكثر كان ولعها بالشاعر الملحمي والت وايتمان، مؤسس الشعر الأميركي الحديث».

بثت مونرو لوعتها على الورق في صيف 1959 حين اكتشفت أن (زوجها) ميلر كتب في يومياته خلال إقامتهما في بريطانيا أنها تحرجه أمام أصدقائه، وقد وصفته بـ «الوحش المسالم». وذات ليلة، بعدما خلد الى النوم، كتبت قصيدة عنوانها «آه يا سلام، أحتاجك، حتى وحشاً مسالماً». تعبيراً عن ألمها وحرقتها. ومضت مونرو تقول في القصيدة:

على شاشة ظلام دامس
تأتي أشكال وحوش
أصحابي الأشد صمودا...
والعالم نائم
آه يا سلام، احتاجك
حتى وحشا مسالما.
أما ميلر فوصفها بأنها كانت «نصف ملكة ونصف طفلة مهجورة، تركع أحياناً أمام جسدها ثم تنفر منه، في أحيان أخرى، وتصاب بالإحباط».


أيقونة

مارلين مونرو «الأيقونة» كانت حجة لعشرات الأفلام والسير والروايات. كُتبت عنها 60 سيرة و40 فيلماً و10 روايات و20 مسرحية. وآخر رواية في هذا المجال جاءت عن كلبها «ماف» الذي قيل إنه سيصوّر في فيلم سينمائي.
ماف الذي يعد اختصاراً لكلمة «مافيا» على ما يبدو، كلب مرح، «صلب الرأي»، من سلالة الكلاب «المالطية» أهداه النجم الأميركي الراحل فرانك سيناترا لمونرو. إنه أيضاً الراوي والمعلق في كتاب أندرو أوهاغان الذي تناول واقع الولايات المتحدة خلال الستينات والعامين الأخيرين من حياة مونرو.

روى ماف كيف أن قربه من مالكته جعله يصاحبها لمقابلة جون كينيدي وآخرين، والتوجه في رحلة إلى المكسيك لإنهاء زواجها من آرثر ميلر. تحدث ماف كثيراً عن الأدب والفلسفة وأي شيء يلفت انتباهه. عالمه مليء بقطط تنطق شعراً، وبالبق المسكون بأرواح مواطنين روس بؤساء، وبفراشات تطير بسرعة مذهلة... وهو عالم استغرق أوهاغان سنوات في تأليفه.

قالت مونرو يوماً إن «الرجال استغلوها والنساء حكمن عليها والكلب فقط هو الذي أحبها»، أما الكلب في الرواية فقال: «مارلين كانت كائنة غريبة وغير سعيدة، لكنها في الوقت نفسه، كانت تتحلى بحس فكاهة فطري أكثر من أي شخص عرفته». والملاحظ أن أخباراً كثيرة تنشر عن مونرو يحضر فيها شيء ما عن ثقافتها والكتب التي كانت تختارها للقراءة سواء كتب علم النفس أو الروايات والدواوين. لذا يمكن للمتابع رصد علاقة مونرو بالثقافة من خلال سيرها أو كتابات الروائيين عنها. يعترف آرثر ميلر في مذكراته أنه لم يتمالك نفسه عن الوقوع في شراك مونرو ولم ينكر هوسه وانجذابه الجارف نحو الجمال الصارخ، ولهذا ظل طيفها يرافقه كالظل حتى لحظة وفاته، فكانت شخصيتها هي الطاغية في مسرحياته الأخيرة، إذ حاول من خلال «إنهاء المشهد» معالجة موضوع مونرو فبدت البطلة غير مستقرة وغير قادرة على التحكم بمشاعرها وعواطفها، وهذه شخصية ترمز الى مونرو التي كانت في سنواتها الأخيرة ضائعة وتثير غضب المخرجين والممثلين لعدم تقيّدها بمواعيد التصوير.


المشكلة الأساسية التي حاول ميلر معالجتها تكمن في محاولته المستمرة إخراج «الشقراء» من المقولة التي جعلتها مجرد رمز للإثارة الاستهلاكية و{التلصص»، فهو رأى أنها كانت مثقفة وتميل الى قراءة الكتب الأدبية التي كانت تصلها هدايا من كبار الكتاب والشعراء.


أقنعة
اختلفت صورة مونرو من كاتب الى آخر، فهي المثقفة في رأي ميلر، ومثقفة حقيقية كتبت الشعر ودرست الأدب والفن طوال حياتها بحسب رواية «الشقراء» لكارول أوتيس، لكنها استخدمت صورة الشقراء البلهاء كي تحمي نفسها.
تشكّل قراءات هذه النجمة وجوهاً عن حياتها، فحين نقول جيمس جويس يتخيل إلينا صبر الشقراء في متابعة روائي من الدرجة الأولى عُرف بالسرد الغامض والصعب، أمّا صموئيل بيكيت فهو الرمز للعدمية في كتاباته وكان يستمد الضحك من بؤس الواقع، وحين نقول كافكا نفكر فوراً بذلك الروائي الكابوسي المضطرب من سلطوية والده، والفاشل في علاقته مع النساء... يبدو أن علاقة مونرو بالرجال أشبه بعلاقة كافكا بالنساء.

بدوره، عُرف الشاعر ريلكه بأنه كان «ضحية» واندريا سالومي التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأحبها ثلاثة من مشاهير القرن، وهم فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد وريلكه.‏ أما دوستويفسكي فهو أبو الرواية الروسية وأصيب بالصرع في بداية حياته ورواياته سفر عميق في التحليل النفسي، وحين نذكر الشاعر ويتمان نتذكر عباراته بأن الحب والديمقراطية وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الإنساني. على هذا، فمونرو رمز الاستهلاك والجنس كانت تختار روايات النخبة لتقرأها، وهي روايات تخص الوجود الإنساني وليست مجرد كتابات عابرة أو كتابات للتسلية.


نورمان مايلر

لا عجب في أن تستهوي مونرو كثيراً من الكتاب فهي شخصية التناقضات والأخبار والروايات الكثيرة، خصوصاً في ما يتعلق بموتها وعلاقتها ببعض الشخصيات الأدبية والسياسية والرياضية. قالت عن نفسها في مذكراتها التي اعتمد عليها نورمان مايلر في كتابه عنها: «كنت أوحي ببعض الغموض في الوسط الفني. إذ لا يشاهدني أحد بصحبة مشاهير هوليوود. وفي عالم السينما كان عدد كبير من الناس يعتبر أنني طائر غريب. لا بد من أنهم كانوا يحسبون أنني أقف أمام المرآة وأنعق منفردة. باستثناء جو ديماجيو، وفي أوقات قليلة السيد فرانك سيناترا الذي كان صديقاً لجو ديماجيو، لم يكن يراني أحد لا في السهرات ولا في زيارات أهل الوسط الفني...». وكانت تمضي ساعات وهي ممدة فوق الأريكة تلتهم الحلوى وتزيد يأس المخرجين العاملين معها.

ومن هذا الرمز استوحى مئات الكتاب أعمالهم، من بينهم نورمان مايلر الذي منح مونرو لغة مُنَمّقة مبهرجة من خلال سرد روائي لطيف مشبع بالحقائق وبعض الخيال. كتب في أحد المقاطع: «تريدين أن تصبحي أعظم ممثلة في العالم، أردف ميلتون، لكنك تعاملين بوصفك الشقراء البلهاء، وأنت لا تبالين، يجب أن تسلكي طريقاً مختلفة، لا تتجولي بين الناس وكأنك نكرة، ولا تنسي أنك على الشاشة كائن رائع الجمال».

اقتطف مايلر من ديانا ترللينغ: «ليس هناك من أحد غير مارلين مونرو قد يوحي بمثل طهارة الجنس وبهجته، فالجرأة تستعرض نفسها من خلالها من دون أية بذاءة. تبجحها يتنفس من هواء الغموض والتحفظ، وصوتها الذي يحمل تلك النغمة الريانة المفعمة بالإثارة الإيروسية، يبقى صوت طفلة - هذه المُركّبات أكملت موهبتها- في الوقت الذي يصفون فيه فتاة يانعة وقعت في شرك عالم خيالي غافل».

رواية مايلر ربما هي الرواية الوحيدة المترجمة الى العربية عن مونرو مع أن المكتبات الأجنبية تحفل بكثير من الروايات الجديدة والمتخيلة عن الشقراء، من بينها رواية لكارول أوتيس التي استطاعت تقديم سيرة جديدة عن حياة مونرو منذ ولادتها في عام 1926 وحتى وفاتها عام 1962. فقدمت تجربة مفصلية ميدانية عن أداء شخصية مونرو في أفلامها مسقطةً أحداثاً جوهرية من حياتها الخاصة الحقيقية لتسبغها على طبيعة شخصياتها السينمائية. أما رواية المكسيكي راميريث بعنوان «الحرف ميم في مارلين»، ففيها عاود الروائي رسم حياة مونرو من خلال دقائق زيارتها إلى المكسيك في أكثر لحظات حياتها تعاسة.



 

مارلين مونرو… الفتنة النائمة

يناير 26, 2016 اضف تعليق

محمد الحجيري

"بالنسبة لي أجمل شئ هو النوم، فعلى الأقل بإمكاني الحلم".
                                               ماريلين مونرو

ينتشر على صفحات الـ"فايسبوك" ألبوم صور للنجمة الأميركية مارلين مونرو وهي نائمة، صور توحي بكلمات كثيرة عن هذه النجمة التي تحول كل شيء حولها إلى أسطورة.


كثيراً ما نشاهد نجمات اليوم في غرف النوم يستعرضن مفاتنهن، لكن نادراً ما نجد صورة عفوية لمغنية نائمة في العالم العربي، صورة تتسم بالحسن فحسب. أما مارلين مونرو فيبدو أنها اقتنصت كل لحظة في حياتها لتوظفها في الصور، وهي نائمة، ترقص، يطيّر الهواء فستانها، عارية في الهواء الطلق، تغني، حتى في لحظة انتحارها أو مقتلها الملتبس كانت لها صورتها التي شغلت العالم.

حين نشاهد صور مارلين مونرو نائمة تصبح قصة "الأميرة النائمة" رتيبة ونهملها وننسى أننا تابعناها على الشاشة، فنوم مارلين فيه وقع آخر ولغة أخرى، ففي صورة واحدة يهيم المرء في تأمل على «الشقراء الغبية» التي خطفت بهشاشتها أبصار العالم، وما زالت الأكثر نضارة بصورها، ولم تتخطاها أي من النجمات الجديدات، لا مادونا ولا الليدي غاغا… مارلين هي الأساس والأخريات يدرن في فلكها على رغم أنها كانت من البساطة ما يكفي، لكنها تمتعت بهالة خاصة ثبتتها في الزمن ولم يستطع أحد إزاحتها من اللحظة الأيقونية.

كيف نرى مارلين وهي نائمة؟ هل نكتب عنها قصة، أم نحاول أن نضفي مشاهد متخيلة على نومها البارد والأنيق؟ هل هي تمثِّل في نومها؟ وبماذا كانت تحلم، ومن التقط لها الصور؟ المفارقة أن مارلين حين سئلت ذات مرة حول ما ترتديه للنوم، أجابت: «فقط بضع قطرات من عطر شانيلNo5 } (في مناسبة الاحتفال بتسعين عاماً على إطلاق No5). بدت في إجابتها الإعلانية والاستهلاكية كثيرة الشاعرية إلى حد الإغراء، وكأنها كانت مجنونة في حاسة الشم.

نتأمل صور مارلين نائمة ونتذكر رواية "الجميلات النائمات" للياباني ياسوناري كواباتا. تحكي هذه الرواية عن العجوز إيغوشي الغني والمرهف الحس والذي يعيش توحد الشيخوخة. يدخل إيغوشي منزلاً غامضاً ليقضي الليل متأملاً فتاة مراهقة تستسلم لنوم عميق، واقعة تحت تأثير مخدر قوي، هناك إلى جانب الدمية الحية، يدخل العجائز ربما ليستعيدوا وهم شبابهم الضائع، من دون انزعاج أو شعور بالذنب.


الشيخوخة المطلقة
إنها فرصة ليتذكر إيغوشي النساء وللوصول إلى عتبة الموت أو الطفولة، أيكون حضوره إلى هنا اكتشافاً لهول الشيخوخة المطلق؟ لا يفكر بانتهاك المحرمات هنا، ولن يخالف التوصيات، لكن ارتباك الشيخوخة يجتاحه. يتذكر أنه عندما توقف للمرة الأولى في هذا المنزل كان مدفوعاً بحبه لكل ما هو غريب. تساءل: هل ثمة مسنون أكثر عجزاً منه؟ كان إيغوشي الأكثر حساسية بين العجائز المترددين، كان يشعر بإغواء الإثم، وبشيء فظيع مصحوب برعب، يرتعد ويطفو على روحه، من دون أن يتخذ شكلاً محدداً في الحقيقة، هو إثم كبير يرتكبه بعض الرجال في حق الإنسانية.
ارتعد تناول قرص المخدر وتساءل: ما الذي سيحدث لو غرق هو أيضاً في نوم قاتل؟ أمَّا مارلين فماتت قبل أن تشيخ، حتى إن الجمهور يشيخ وصورتها ما زالت في قمة شبابها، هي مثال الفتنة الغواية لا الفتنة الشريرة التي تتشبث بأهل السياسية، مارلين النائمة توقظ الخيال من جموده وتدفعه نحو أحلام كبيرة، بل وتكون مصدراً لأسئلة بلا إجابات: لماذا هذا الهوس بمارلين، وماذا لو كانت خارج الصورة، وماذا لو وجدت قبل اختراع الكاميرا؟ أسئلة ساذجة عن أيقونة عالمية تحمل في الوقت نفسه ما يوحي بأنها ساذجة، علماً أن كل لبيب ربما يتمنى أن يكون في ممكلة سذاجتها.

صور مارلين النائمة على الـ"فايسبوك" كانت تعوزها صورتها وهي نائمة إلى الأبد، فالنافل أن العالم استيقظ في 5 أغسطس عام 1962 على خبر وفاة مارلين مونرو حيث وجدت عارية في سريرها في بيتها في لوس أنجليس وعمرها 36 سنة، وقالت السلطات آنذاك إنها انتحرت عن طريق الحبوب المنومة والكحوليات. إلا أن الكثير من معجبيها أرجعوا وفاتها إلى المخابرات للحصول على يومياتها وبعض الوثائق المهمة، وبقي موتها في دائرة الالتباس ونائماً في أدراج الأسرار العميقة، ماتت النجمة ولكن شبح جسدها ما زال يخيم في الأروقة، وعريها ونومها مثل أطياف تنقذ العالم من الجمود.


 2012-05-28

غسان سلامة...ديموقراطية يتيمة: أسّسها الوجهاء وألغاها العسكر بلا اعتراض

يناير 26, 2016 اضف تعليق
محاضرة القيت في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أيام، في ذكرى الخامسة للثورات العربية


لن تجد بين العرب والعجم إلا في ما ندر من يجاهر بنبذه للديموقراطية، فلا مصلحة فعلية لأحد ان يصرح بوقوفه ضدها او أن يعتبرها أمراً سلبياً مذموماً، حتى لو لم تكن تلك بالعمق قناعته. فأنت ترى على العكس العديد من التيارات السياسية التي لم تنشأ على
حب الديموقراطية بات يجعل من إرسائها واحداً من أهدافه. رأينا بالأمس كيف أدخلها الماركسيون في أطروحاتهم وكيف راحت الأحزاب الشيوعية تدعو لها وتصور نفسها في عداد دعاتها. ورأينا القوميين بعد تحفظ عليها، او تجاهل لها، يدخلونها بأكثريتهم في صلب معتقداتهم المعلنة، ان لم يكن في صميم قناعاتهم المضمرة. ومع صعود تيارات الإسلام السياسي، على تنوعها الكبير، رأينا الفصيل منها تلو الآخر يتبناها، بل رأينا بعض تلك الفصائل ترجُمها فقهياً ثم تشترك بحماسة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً. فإن انت نظرت في مختلف مواقع الطيف الايديولوجي، أمكنك القول من دون كبير مبالغة ان من بقي خارج ذلك التوافق الواسع حول مزايا الديموقراطية يشكل أقلية، قد تكون حازمة في مواقفها او عالية الصوت في التعبير عنها، لكنها بالتأكيد لا تمثل أغلبية العاملين في الشأن العام من مدنيين او حتى من عسكريين، من علمانيين او حتى من دينيين، من يمينيين او حتى من يساريين، بل قد يكون التمسك، على الأقل اللفظي، بالديموقراطية من نقاط الاتفاق النادرة بين كل هذه التيارات التي لا تكاد تجمع على شيء قدر التقائها عليها.
إن كان هذا الالتقاء بهذا الاتساع، فما سبب ذلك الشعور المقيم في صدورنا بأن الديموقراطية في بلاد العرب يتيمة في بلاد العرب يتيمة لا أهل لها يتماهون معها ويذودون عنها ويناضلون في سبيلها، فينجحون في إقامة صروحها، ويقفون حاجزاً امام كل القوى التي قد تهدّدها؟ ذلك أن المسألة ليست مسألة تبنٍّ شكلي للديموقراطية بل مسألة اعتبار إقامة مؤسسات ديموقراطية هدفاً قائماً بنفسه يستحق ان نعمل في سبيله وان ندافع عنه ضد أيٍ كان يستهدف المساسَ به. وليست المسألة هي في قبول الاشتراك في الانتخابات، بل هي في العمل الدؤوب لحصول تلك الانتخابات فعلاً، وفي التأكد من نزاهتها، وفي احترامٍ مبدئيٍ لإجرائها في مواعيدها، وفي القبول المسبق بنتائجها مهما كانت، من دون ربطِ هذا التمسك بأي شرط آخر.
فأهل الديموقراطية الحقيقيون ليسوا كل أولئك الذين قد يجربونها كطريق للوصول الى السلطة، وقد يجرّبون أيضاً غيرها من الوسائل، بل هم أولئك الذين لا يهمهم بالضرورة الاستحواذ على السلطة بقدر اصرارهم على العيش في ظل نظام ينبثق من الشرعية الدستورية، ويقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويضمن الحريات العامة على تنوعها، كما يضمن حقوق المعارضة بالتعبير عن نفسها وبتنظيم صفوفها. يعتبر اهل الديموقراطية الحقيقيون اذاً انها هدف لا وسيلة، وان الانتخاب الحر المفتوح لكل عناصر المجتمع الوطني مجرد أداة لتحقيقها. لكن اهل الديموقراطية قليلو العدد، هامشيو الموقع، ضعيفو التأثير، وهي أُعدمت بالتالي من يذود عنها ويستبسل في سبيلها، وهي عاشت في دنيا العرب، الى حد كبير، يتيمة.
< لم يأت «عُسر التحوُّل الديموقراطي» من عدم. ويصعب علينا واقعاً ان نحاول فهم الفرصةِ التي افتتحها البوعزيزي في سيدي بوزيد (تونس) لسنوات خمس خلت، ولا الخيبةِ التي أُصبنا بها من ذبول الفرصة ومن هدرها المحتمل، ان لم نضعها في سياقٍ تاريخيٍ ما.
تذوق العرب في تاريخهم الحديث لحظاتٍ ليبراليةٍ متكررة مرت عليهم كالسحاب. فمن منهم كان يعيش في ظل السلطنة العثمانية لحقه بعض من طعمها حين ذهبت إسطنبول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مذهب الإصلاحات الدستورية مع تأمين قدر من التمثيل النيابي في «مجلس المبعوثان».
ولكن الولايات العربية كانت بعيدة جداً عن روحية «التنظيمات» العثمانية ولم يشترك الا عربي واحد (عراقي) في لجنة اعداد الدستور الأول سنة 1876، بل إن ما بقي لنا من تلك المرحلة يشي بقدر من التحفُّظ العربي على منحىً دستوري عثماني رأى فيه عرب عديدون مشروعاً مريباً لأوربة السلطنة ولتخليها الضمني عن شرعيتها الإسلامية، وهي شرعية كانت تروق للعرب إلى درجة أنهم لم يبدوا أي اعتراض يوم تخلّى السلطان عبد الحميد عن نزوته الدستورية وعاد الى تسلّط اسلافه. واطلع بعض المشرق على مسألة المشروطية الإيرانية وما رافقها مطلع القرن العشرين من محاولات، اشترك بها بعض رجال الدين، للحد من تسلط الأسرة القجارية، ولكن التجربة الإيرانية كانت بعيدة عنهم، باستثناء بعض اهتمام بين علماء النجف. وفي مصر عرف الناس شيئا منها حين ذهب الخديوي إسماعيل منحى تمثيل الشعب في «مجلس للمندوبين» سنة 1866 ولكن الخديوي ما فعل ذلك الا لأنه كان بحاجة لموافقة كبار الملاكين على جمع المزيد من الضرائب بينما ما انفك يعتبر سلطته مطلقةً، وكان من الصعب بالتالي ان يذكرها الجمهور المصري الا بالترابط مع النظام الضريبي الذي كان علّة وجودها، ومع ذكرى تدخلات الدائنين الأجانب الذين كانوا يدفعون بفظاظة لاعتماده.
وحدثت لحظة ليبرالية ثانية بعد الاستقلال، كان نموذجها تلك التي ارسى قواعدَها دستورُ عام 1923 في مصر.
ولكن حزب الوفد، الذي كان يفوز بالانتخابات في كل مرة أُجريت فيها وفق ذلك الدستور، لم يتسلم الحكومة فعلا الا لفترات متقطعة لم تدم أكثر من ثماني سنوات من أصل ثلاثين تفصل تاريخ اعتماد الدستور عن ثورة يوليو، مما كان يتناقض بوضوح مع روحية الملكية الدستورية والنظام البرلماني المعلن، لدرجة ان القاصي والداني فهم ان لا تأثير فعلياً للانتخابات، ولا لنتائجها، على حكم الخديوي او نفوذ الإنكليز. فأشاح المصريون النظر عن البرلمان وخواء ابهته (والشعور بالخواء الذي يسعى الضجيج المصطنع ان يخفيه عن الأبصار يعود بقوة هذه الايام بالذات وللمكان عينه) وراحوا يهتمون بمسلك الجيش او الاخوان المسلمين او حركة أحمد حسين، أي لأصناف المعارضة غير البرلمانية بوصفها أكثر تمثيلا لمشاعرهم، ولم يحزنوا كثيراً يوم وضع عبد الناصر حداً لتلك التجربة الملتبسة.
اما في العراق فرأى الحكم الاستقلالي الأول فائدة في استقدام الوجهاء الذين كانوا قد شاركوا في التجارب العثمانية المتقطّعة ليكتبوا دستوراً وقانوناً انتخابياً، وجرت فعلاً 16 دورة انتخابية خلال الـ 33 عاماً من الحكم الملكي.
ولكن اشتراط بريطانيا فرض معاهدة دفاعية على العراق ذات وزن يفوق قوة الدستور لقاء مجرد قبول لندن بدستور، وتلاعب وجهاء المرحلة العثمانية وكبار الملاكين بنتائج الانتخابات بالتواطؤ مع القصر، واستعمال السلطة التشريعية المكشوف لتعزيز مصالح النخبة الحاكمة مالياً وعقارياً، كلها عناصر لم تجعل العراقيين يهبّون هبة رجل واحد يوم قاد عبد الكريم قاسم دباباته ليضع حدا للحكم الملكي وللتجربة البرلمانية الناقصة التي واكبته من 1925 الى 1958. ولم تكن التجارب المماثلة أفضل بكثير في دول أخرى كسورية.

ماض بلا حنين
لذلك، بعد قيام العسكر بتسلُّم السلطة في مختلف تلك البلدان، لم يبقَ من حنين لتلك اللحظات الملتبسة إلا في وسط أبناء وأحفاد الباشوات ووجهاء المدن والملاّكين الكبار الذين كانوا قد استفادوا من تلك الومضات، الجزئية في مضمونها، والعابرة في تزمينها، والذين سيقاسون لاحقاً من تهميشهم الاجتماعي وإفقارهم الاقتصادي على يد العسكر. وكان يصعب ان تجد عبر العقود المتأخرة من القرن العشرين شرائحَ واسعة تتذكر بقدر كاف من التماهي تلك التجارب شبه الديموقراطية. بل نجحت أنظمة الحزب الواحد، تلك التي قامت على أنقاض تلك التجارب، ناهيك عن الملكيات التي تمكنت من الثبات، من جعل تلك التجارب المتواضعة من المشاركة الشعبية أثراً بعد عين. يقول غي هيرميه في دراسته المرجعية عن الديموقراطية في اميركا اللاتينية ان مسلك «النخبة المؤسِّسة للنظام الديموقراطي» محوري لتثبيت مستقبلها. ولكن اهل الديموقراطية في مصر وسورية والعراق وغيرها من الدول العربية المستقلة حديثاً كانوا يؤلفون رهطاً صغيراً من الوجهاء الذين لم يروا في الديموقراطية الوليدة إلا سبيلاً لإشراكهم الدوني في السلطة وللاستفادة من فتاتها، بينما بدت علاقتهم بالديموقراطية كنظام سياسي متكامل في أحسن الأحوال ملتبسة، هذا عندما لم يقاربوها كمجرد تشبه خاوي المضمون ببعض ما عرفوه عن دول أوروبا. ولم يكن انتخاب الناس لهم يؤسس لزعاماتهم بقدر ما كان يؤكد وجودها في نظر منافسيهم من الوجهاء، كما بنظر أتباعهم من الناس.
وكان يصعب بالتالي أن يشعر هؤلاء المناصرون بنقصانٍ في حقوقهم او بتراجع في موقعهم حين انتهت اللحظة الليبرالية على يد ضابط طموح نجح انقلابُه، إذ جاءت أنظمة الحزب الواحد إجمالاً لتُحرّر الأتباع من ولائهم لوجيه محلي أو لزعيم طائفي أو لباشا تملّك جل الأراضي التي كانوا يعملون عليها. فمهما قلنا في تجبّر الأنظمة التسلطية التي قامت في النصف الثاني من القرن المنصرم، علينا أيضاً ان نعترف بأنها لم تكن وبالاً على الناس بل، على العكس، فقد استهوتهم شعبويتها التي بدت وكأنها تحرّرهم، فتركوا لأبناء وجهاء دمشق والموصل ودمنهور حزن تذكُّر «الماضي الجميل» بمفردهم بينما انخرطوا هم، وبحماسة، في الشعبوية الجديدة. لم تكن هذه الشعبوية تعدهم بالكثير في مجال الحريات او في مجال تداول السلطة، ولكنها كانت تفتح امامهم سبلاً للترقّي الاجتماعي لم يشعروا بوجودها يوماً في السابق، فأداروا ظهرهم لذلك الزمن الذي استمر احفاد وجهاء الأمس في التغنّي به، إذ لم يشعروا يوماً بأنهم فقدوا شيئاً ثميناً عندما اندثرت حقب من الديموقراطية المبتسرة، الجزئية، والشديدة النخبوية لتحل مكانها صنوف منوعة من عسكر واحزاب تسلطية.
لذا لم يكن أبناء جيلي شديدي التعلق بالديموقراطية. كانت رموز القومية العربية تتنافس في تهميشها ان لم يكن في نبذها لتلك الفكرة، بدءاً ببطلها الأول جمال عبد الناصر، مروراً بالنظامين البعثيين المتنافسين في كل من سورية والعراق، وانتهاء بكل الشلل الناشطة باسم القومية في أزقة بيروت او مقاهي القاهرة. وبدا تدريجياً ان قطيعة بدأت تتعمق بين معسكر ضم القوميين الكلاسيكيين وأنصار الإسلام السياسي، الذي قوي ساعده بعد انتصار الثورة الإيرانية واغتيال أنور السادات، والذي كان يعتبر طرح موضوع المشاركة السياسية، او نقد الاستبداد السياسي، نوعاً من الترف الفكري الذي غرسته دراستنا في الغرب في أذهاننا بينما يجب ان تبقى الأولوية المطلقة في اهتماماتنا للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي او من هيمنة الغرب، ومعسكر آخر، أصغر بكثير، كان يعزو مصائب العرب المختلفة، من احتلال وهامشية واستتباع وتخلف، الى ضعف مؤسسات المشاركة السياسية في اوطاننا والى الاستبداد السياسي الذي كان يرسي بقسوته على المجتمعات المدنية العاجزة فيمنعها من لعب دورها المحوري في تقدم بلداننا وتحررها ورفاهيتها. ولقد حاولت السلطات المحلية والأحزاب القومية والتيارات الإسلامية، وهي واقعاً نجحت على الرغم من كل ما كان يفرّقها، جعل الثقافة السياسية الطاغية تعتبر مسألة المشاركة السياسية هامشيةً، او سابقةً لأوانها او حتى مجرد ايحاء خارجي. والارجح ان شيئاً ما عميق الجذور في ثقافتنا وفي تكويناتنا الانثروبولوجية سهّل هذا النجاح.
وأذكر ان «مركز دراسات الوحدة العربية» قرر تنظيم ندوة كبرى عن «الديموقراطية في العالم العربي» ولم يجد مكاناً آمناً للبحث فيها في مطلع الثمانينيات، إلا مدينة لارنكا القبرصية وغاب عنها عموم القوميين التقليديين الذين كانوا يدورون في فلك المركز. وحين دعاني الأمين العام لـ «منتدى الفكر العربي» في عمان لإلقاء محاضرة أمام وزراء العدل المجتمعين هناك حول مسألة الشرعية الدستورية، كتبتها على ما أذكر في ثلاثة ايام وكان التفكير يسابق القلم، رأت السلطات الأردنية، لمّا اطلعت على النص، ان تمنع إلقاءه في تلك المناسبة فنشرتُهُ كتيّباً تحت عنوان «نحو عقد اجتماعي عربي جديد». ولم يكن اليسار التقليدي أكثر انشغالاً بالمسألة الديموقراطية، فبينما اعتبرها القوميون في مختلف مشاربهم نوعاً من الانحراف للثانوي على حساب الجوهري، كان اليسار التقليدي يعتبر الهم الديموقراطي نوعاً من السقوط في المنطق البورجوازي المتمسك بالديموقراطية بشكلياتها وحسب.
في شبابي كان لتحرير فلسطين أهل ولو راحوا يتناقصون غداة اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو، وكان للوحدة العربية أهل ولو ان تجاربها المتكررة انتهت الى فشل، وكان للاشتراكية أهل ولو ان انهيار الاتحاد السوفياتي وتحول الصين نحو نظام السوق سيصيبهم بالشلل والعقم، وكان لتطبيق الشريعة الإسلامية اهل ازدادت اعدادهم بصورة هائلة في العقود الأخيرة، ولكن اهل الديموقراطية، الساعين لها بما هي ولما هي، من دون ربطها بغيرها من الأهداف، ومن دون اعتبارها وسيلة بين أخرى لتسلق السلطة، فانهم بقوا قلة محدودة التقوا أحيانا في جمعيات هامشية لحقوق الانسان وفي أحزاب هزيلة محرومة من المد الجماهيري، او كانوا افرادا امتهنوا انتقاد التسلط والاستبداد من دون ان يلقوا الصدى المرجو بين مواطنيهم، هذا عندما لم تلاحقهم تهمة التشبه بالغرب والتماهي معه وتبني قيمه ومؤسساته على حساب التراث والأصالة والاستقلال.

الهزائم تقوّض الشرعية
ومر عقدان او ثلاثة وإذ بالأنظمة الشعبوية تصاب هي الأخرى بالوهن. تعددت الأسباب واختلفت الآراء حول أهمية كل واحد من تلك الأسباب. وان كان علينا الاعتراف بخصوصية كل حالة، فان بعض مسببات الوهن كانت عامة. فالهزائم العسكرية المتلاحقة قوضت الكثير من شرعية الأنظمة التي خاضتها ضد إسرائيل أساسا، ولكن في اليمن أيضاً، ناهيك عن الكويت. وعجزت الدول غير المحظوظة بعائدات الريع النفطي عن مواكبة التفجر السكاني الهائل الذي ضرب المجتمعات العربية من خلال الاستمرار بتوفير تقديمات اجتماعية مناسبة، كما عجزت عن فرملة الانتقال العشوائي المتفاقم نحو المدينة، وربما هي لم تحاول ذلك بالأساس. وتمركزت السلطة تدريجياً في ايدي نوع من الأسر الحاكمة داخل الأنظمة الجمهورية، فنشأ شعور انها باتت تتملك أجهزة الدولة وتسيطر على مصادر الاثراء السريع المواكب للاستحواذ على السلطة، وتوزّع المغانم على افراد اسرها وطائفتها ودُفعتها العسكرية وعلى مواليها من رجال الأعمال، مما عمم الشعور بأن الجمهوريات ليست أكثر اتاحة لفرص الترقي السياسي والاقتصادي من الملكيات الريعية. فغلب منطق النظام على منطق الدولة، وحلت مكان شعبوية الأمس نخبوية جديدة لا تخفي تميزها عن العوام، ولا جشعها في السعي إلى السلطة والثروة والوجاهة. وجاء صعود نجم الزوجات ليؤكد الشعور بنشأة السلالات الجديدة. ولاحقا مع بروز ظاهرة التوريث، شاع الشعور ان الاستحواذ الفئوي على الدولة قد وصل الى حد اعتبار الدولة مِلكاً خاصاً يورّثه الرئيس عشية رحيله، مثله مثل شقة او عقار او سيارة، مما فاقم طبعاً من تناثر شرعية تلك الأنظمة.
كان لا بد ان يعي الكثيرون هذا الوهن الضارب بالأنظمة العربية وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي ليظهر ان النموذج الذي استلهمت منه جمهورياتنا بعضاً من مؤسساتها ومسالكها كان اقل قوة وثباتا مما كنا جميعا نعتقد، مما زاد من التفكير بإمكانية استبدالها في لحظة ليبرالية جديدة (ثالثة) بدت عناصرها وكأنها تتكامل تدريجيا، من وهن يضرب الأنظمة بالداخل، إلى تسارع الموجة الديموقراطية العالمية بالخارج، الى تفتح الأذهان على بدائل سياسية ممكنة بفضل انتشار الأقنية الفضائية وثورة المعلومات. لكن العقبات امام حصول تلك النقلة ما لبثت ان تراكمت وضاعت فرصة نادرة للحاق بركب الموجة الديموقراطية الواسعة التي واكبت سقوط جدار برلين. وأعود هنا إلى اوراقي من تلك المرحلة للتبيان على ذلك المزيج من الآمال والمعوقات التي واجهت الفكرة الديموقراطية بين العامين 1990 و2010 اي بين سقوط جدار برلين وما سيسمى ب»الربيع العربي».

انتخابات الجزائر مثالاً
بدأت تلك المرحلة عربياً بانتخابات الجزائر. ذهبت في محاضرة مطولة ألقيتها في «معهد العالم العربي» في باريس مطلع سنة 1990 الى الاستهزاء بالرعب السائد من اي تحركات مجتمعية وبوصفها شبه التلقائي بالفتنة. واذكر ان الصديق الراحل والشاعر الكبير محمود درويش، والذي كان يناصب الحركات الإسلامية العداء، اخذني جانباً بعد المحاضرة قائلاً: «الا تدرك يا غسان ان اي انتخاب في اي بلد عربي سيأتي بالإسلاميين الى السلطة؟ دعك من الديموقراطية ومنهم... ارجوك». لم يكن موقف محمود معزولاً وكان يطرح بالفعل سؤالاً أصبح محورياً بعد انتخابات الجزائر، وهو: هل نقدم على إجراء انتخابات إن كانت حظوظ أحزاب ليست ديموقراطية، لا في ايديولوجيتها، ولا في اصولها الفكرية، ولا في سبل تعبئتها، كبيرة بالفوز بها؟ كان البعض مثل محمود يفضلون ارجاء القضية الى أيام أخرى، بينما رأى آخرون ان المشاركة في الانتخابات لا ينبغي ان تُفتح امام الجميع ويجب بالذات الا يسمح للأحزاب الدينية ان تتبارى فيها. لكني، بعد تفكير طويل ومع تقبلي لآراء الآخرين، وجدت ان إلحاح الديموقراطية بات كبيراً لدرجة ان مخاطر فوز الإسلاميين بها تبقى اقل سلبية بكثير من تأجيل جديد لها، بل كنت اميل إلى ضرورة إشراك تلك الجماعات في الحياة السياسية، لا كخطر يحيق بإحلال الديموقراطية بل، على العكس، كشرط لحماية السلم الأهلي من التصدع. ولكن الأنظمة القائمة كانت على رأي مختلف، وهي راحت، لاسيما بعدما حصل في الجزائر، تؤلب العالم كله ضد دعاة الديموقراطية واصفة إياهم «بالسذج الذين لا يدرون ما يفعلون، اذ يعتقدون انهم يعملون في سبيل تأمين المشاركة السياسية بينما هم في الواقع يسهلون للإسلاميين استحواذهم على السلطة قبل ان يتحولوا هم بالذات الى اول ضحايا ذلك الاستحواذ»، وفق ما قال رئيس جمهورية عربية يوماً بحضوري.
كان الرد على هكذا مقولة ممكناً لو ان اهل الديموقراطية كانوا يشكلون يومها كثرة غالبة قادرة على اقناع الناس بأنهم ليسوا مجرد أولاد ساذجين بل كتلة شعبية قادرة لا على فرض الانتقال الديموقراطي وحسب، بل أيضا على منع خطفه لاحقا من قبل أي كان. وللدلالة على شعورنا يومها بغياب هذا الشرط الهام، أقتبس من حديث إذاعي في خريف ١٩٩١ قلت فيه: « بعد كل ما حصل في الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية واميركا اللاتينية وحتى في افريقيا السوداء، صح التساؤل عن احوالنا السياسية العربية: هل نحن ذاهبون بدورنا نحو صندوق الاقتراع نستمد منه شرعية مفتقدة، وتمثيلا حقيقياً لمطامح الناس ولتطلعاتهم، وتجديداً واسعاً في النخب السياسية الحاكمة، ام اننا مبقون على انظمتنا السياسية الهرمة وعلى صنوف التسلط والاستبداد التي عرفناها عقدا بعد عقد؟» واضفت:» المسألة ليست في الانظمة الحاكمة بقدر ما هي في المجتمعات نفسها. المسألة الاساس ليست في غياب الديموقراطية بل في خفوت الاصوات المطالبة بها. المسألة ليست في انعدام حرية التعبير بل في التعبير عن انعدام الحرية... المشكلة ليست في الحكومات الفاعلة بقدر ما هي في المجتمعات الساكنة، وليست في السلطات الظالمة بقدر ما هي في ذهن كل مظلوم ساكت». كان بعضنا يتطلع من دون جدوى إلى تحرك شعبي عربي مشابه لما حصل في اماكن اخرى في العالم وكنا نشعر بالخيبة. واذكر ان جلسة من جلسات الحوار العربي - الأوروبي كانت منعقدة في أحد قصور باريس في أواخر العام 1989 عندما قطع وزير خارجية فرنسا النقاش ليعلن سقوط الطاغية تشاوشسكو في رومانيا فصفق الأوروبيون فرحا بينما أصاب الوفود العربية وجوم شبه شامل.
من الشعور بغياب تلك الكتلة الفاعلة، نشأت فكرة كتاب «ديموقراطية بلا ديموقراطيين» وهي تنطلق من سؤال أساس عن احتمال قيام نظام من المشاركة السياسية في غياب قوى منظمة وفاعلة تطالب به. اجتمعت يومها ثلة من المختصين بالسياسة والمجتمع على اخذ العلم بعدم وجود قوى عربية كتلك التي كنا شهدنا في حالات أخرى من ساحة تيان ان مان في بيجينغ، الى شوارع بوخارست وبوينس ايريس، الى مدن اندونيسيا. وتساءلنا ما العمل لتجنب الوقوع في القنوط واليأس، فحاولنا البحث عن إمكانيات بزوغ مؤسسات ديموقراطية لا كنتاج تحرك شعبي ضد التسلط، وهو مفتقد، انما كحلول واقعية لمعضلات متفاقمة. فقد تنشأ الديموقراطية من حاجة الحكومات، في مصر مثلا او في المغرب، لفرض مزيد من الضرائب فلا تقدم على خطوة كهذه الا بعد تأمين رضى مجالس منتخبة لها تؤمن شرعنتها. وقد تنبثق شرارة من حاجة مجتمعات انهكتها الحروب الأهلية، كلبنان مثلا او السودان او اليمن آنذاك، الى ابتكار مكنزمات لتوزيع للسلطة على مختلف القوى الفئوية المتحاربة مع ادراكنا بأن أياً من تلك القوى ليست ديموقراطية الهوى. وقد نرى ثغرة واعدة في حاجة سلطات، كتلك التي قامت في الجزائر مثلا، لمصدر جديد للشرعية بعد تآكل شرعيتها التاريخية المستمدة من النضال في سبيل الاستقلال. كانت سوابق غير عربية تدفعنا صوب ذلك التفكير، لا سيما ان ديموقراطيات العالم لم تنشأ دوماً بفضل المطالبة بها، بل اجمالا كحلول واقعية لأزمات أصيبت بها الملكيات المطلقة. وان نُشر ذلك الكتاب بلغات عديدة وتحول الى مرجع في مجاله فالسبب لا يعود فقط لتألق الأكاديميين الذين أسهموا بذلك الاختبار الذهني، وانما اساسا لطغيان الشعور المحبط بيتم الديموقراطية، وبالتالي بضرورة تصور سيناريوات بديلة للفوز بها كنتاج لسيرورات اقتصادية واجتماعية وأمنية لا تشترط بالضرورة توفر قوى فاعلة تعمل لها.


في نهاية التسعينات، شاءت الأقدار أن الموت راح يغيّب عدداً من القادة العرب المزمنين ليحل مكانهم أنجالهم الشباب. ووجد بعضنا ان هذا الانتقال الى جيل شاب من القادة في سورية والأردن والبحرين والمغرب وربما في مصر وليبيا قد يتحول، حتى لو بقيت الديموقراطية على يتمها الجماهيري، الى فرصة لتبني هؤلاء أساليب حكم اقل تسلطاً من تلك التي لجأ اليها آباؤهم. وأقتبس هنا من حديث إذاعي مطلع 1999 ما يعطي لمحة عن الشعور الغالب يومها:» استقرار ام استمرار؟ هذا ليس لعباً بالمفردات. فالاستقرار الحقيقي، ذلك الذي توصلت إليه الدول الثابتة والأنظمة القوية يختلف تماماً عن الاستمرار. الاستقرار يقتضي في الغالب اصلاحاً في المؤسسات وتغييراً في السياسات وتبديلاً في هوية المسؤولين. الاستقرار استقرار للمؤسسات والاستمرار استمرار للشخصيات، وشتان ما بين الاثنين. فالاستقرار من دون تطور يؤدي إلى التكلّس والتجمّد وينتهي اجمالاً بدورات من العنف. أما خرق الاستمرار من خلال تداول السلطة والتناوب على الإمساك بزمامها فشرط مسبق لأي استقرار. والعرب مهووسون باستمرار الأبطال على الحلبة لا باستقرار قواعد اللعبة السياسية. اما وقد بلغنا مرحلة خريف الزعماء المخضرمين في جلّ دول المنطقة، فالأحرى بنا ان نقلع عن هذا الاهتمام الطفولي بالأسماء وأن نشرع في بناء المؤسسات. وحين يفخر عربي امام أجنبي بزعيمه المحبوب الذي عاصر دزينة من رؤساء اميركا او نصف دزينة من زعماء اوروبا، فإن مخاطبه الأجنبي لن يشاركه الفخر بل سيشعر بالشفقة على بلدان تتمسك بالزعامات ذاتها عقوداً متواصلة من الزمن وتحرم نفسها من الخبرات المتوالية في السلطة. بل انه قد يضيف في أذن مخاطبه العربي: لا يا صاح: الاستقرار الحقيقي وفي معظم الحالات ليس مرادفاً للاستمرار بل هو بالفعل نقيضه». ولكن الانتقال إلى جيل الورثة الشباب ما لبث ان أثار الخيبة، ربما باستثتاء وحيد هو المغرب حيث عدّل ذلك الانتقال بصورة ملموسة ولو بعيدة من ان تكون كاملة من قواعد اللعبة السياسية، بينما صدر عن جيل الورثة في البلدان الأخرى ما يشي بالقسوة المعروفة عن آبائهم».

حريات غير متوقّعة
وانتقل الأمل بعدها الى ثورة الاتصالات كحاضنة لحركة ديموقراطية جديدة. وحصل بالفعل تقدم إيجابي ملموس في مسألة الحريات العامة كان سببها الحقيقي عجز الأنظمة التسلطية عن الاستحواذ على بعض فتات حركة العولمة من دون القبول بتأمين مستلزمات ثورة الاتصالات. وبدأ الرهان بالذات على تلك الثورة. كنا نقول: كيف يمكن لتلك الأنظمة ان تستقطب المستثمرين والسياح من دون ان تقدّم لهم خدمة انترنت محترمة، وبالتالي كيف لها ان تقدّم تلك الخدمة للأجانب وتحرم منها مواطنيها، وبالتالي كيف سيمكنها بعد ذاك ان تستمر في مراقبة انتشار المعلومات والأفكار والآراء، وبالتالي كيف سيمكنها الإبقاء على مجتمعات مقفلة؟ وما لبثت ثورة الاتصالات التي اندفع معظم العرب بشراهة اليها ان كمّلت ما كانت الأقنية الفضائية قد بدأت به وهو إلغاء إمكانية الرقابة وحرمان السلطات القائمة من إمكانية الاستئثار بالخبر او من تملُّك وسائل فرض الرأي الواحد. وساهمت ثورة الاتصالات إسهاماً هائلاً، وما زالت، في إرساء الديموقراطية بوصفها تعدداً في الآراء وحرية في التعبير عنها، وتوسيعاً لرقعة النقاش وللتواصل وللتفاعل وللعدوى. وحدهم أولئك الذين لم يعرفوا عن قرب عصر الرقيب ومقصه، وأيام إذاعة الدولة من دون غيرها، وتلفزيون النظام الأوحد، ولوائح الكتب الممنوعة من التداول، عاجزون عن تقدير التطور الهائل الذي احدثته ثورة الاتصالات في مجتمعاتنا العربية. ولكن تلك الثورة لم تنجح في تسهيل بزوغ فجر الديموقراطية في معناها الآخر، والذي لا يقل اهمية، كتداول سلمي للسلطة، ولا في ترجمة الاتساع الحقيقي في مساحة التعبير الى مؤسسات ثابتة تحتضنه وإلى تعديلات عضوية في بنية السلطات القائمة، اذ تبدّى لنا ان الناس في بلداننا راحوا يستمتعون بالوسائل الحديثة للتواصل والتنكيت والانتقاد والشكوى، انما نادراً ما لجأوا اليها لتكوين جماعة ضاغطة فعالة في سبيل مؤسسات ديموقراطية. هكذا توسعت فعلاً رقعة الحرية ولكن الديموقراطية بقيت على يتمها.
وزاد الطين بلة اننا، ونحن نتمتع بهذه الحريات غير المتوقعة وغير المسبوقة، ما لبثنا ان وقعنا امام تحدّ جديد، اذ بدأت تباشير فكرة غرس الديموقراطية من طريق التدخّل العسكري الخارجي تظهر للعيان، واضعة أهل الديموقراطية، على قلتهم وهامشيتهم، امام امتحان عسير. وبدأ المحافظون الجدد في الولايات المتحدة، حتى قبل وصولهم إلى السلطة في جعبة بوش الابن، يطرحون مشاريع من هذا النوع، لاسيما في العراق. وكنا سمعنا أفكاراً مشابهة مطلع ١٩٩١ من دعاة الاستفادة من حرب الكويت للانقضاض على بغداد وإطاحة نظام البعث فيها، وتخوفتُ يومها من هذا الجنوح قائلاً ان من شأن هكذا عملية «ان تمزّق العراق وتدفعه الى أتون حرب اهلية مديدة تكوي العراقيين بنارها وترعب الخليج بأسره، ناهيك عن تناقضها الصارخ مع القرارات الدولية التي تتحدث عن اعادة الكويت الى أهلها وحسب». وحين صوّت الكونغرس الأميركي في صيف ١٩٩٨ على «قانون تحرير العراق»، كتبت: «... ويريدون ألاّ نرى اي رابط بين مشاريع الكونغرس لإسقاط النظام العراقي وبين شفاه المستر بتلر المقلوبة وهو يتحدث عن فشل مهمته الأممية في بغداد، وكأن هذه وتلك لم تحصلا في اليوم نفسه، ووفق المنطق ذاته، وللأهداف ذاتها؟ لست أدري كيف تصمت الدول العربية عن اختراق بهذه الخطورة؟». وأضفتُ في تعليق لاحق: «هناك ألف سبب شرعي لكي تنشأ في العراق، كما في الدول الاخرى من دون استثناء، معارضة سياسية تعمل على تغيير الحكام والحكومات واستبدال السياسة والسياسيين. فالمعارضة أمر شرعي، وأمر صحي ايضاً، في العراق كما في الدول التي تناصبه العداء. أما ان تضع المعارضة العراقية شأن تنظيمها وتمويلها وتدريب اعضائها على عاتق الادارة الاميركية وهيئة استخباراتها، فهو ما لا يمكن القبول به وهو تجاوز لكل الخطوط الحمر التي يمكن تصورها».
لكن النتيجة بقيت في الواقع مخيبة، فلا أُصبنا بعدوى الموجة الديموقراطية التي اجتاحت العالم في الثمانينات، ولا نَفَعَ بعدها التماس الأوضاع الواقعية لابتكار مكنزمات ديموقراطية في غياب قوى تحميها، أي «ديموقراطيات بلا ديموقراطيين»، ولا وجدنا دواءً للتسلط العربي في تبني القوى السياسية الشكلي للمفردات الديموقراطية، كما لم ينفع في شيء يذكر انتقالُ القيادة بالوراثة الى جيل جديد، ولا تمكنّا من ترجمة اتساع رقعة الحرية الى مؤسسات سياسية تحدُّ من التسلط. لم تبق معضلة إرساء الديموقراطية على حالها وحسب، بل باتت أصعب حلاً بسبب اندفاع الغير لفرضها علينا بالقوة. كانت الديموقراطية العربية يتيمة ولكنها وجدت في الغرب المنتشي بخروجه فائزاً من الحرب الباردة عمّاً أميركياً يتبنّاها، ما ضاعف من حرج أهلها الاصليين الذين بات عليهم ان يستمروا بالمطالبة بها بينما هم يحاولون الحفاظ على استقلالهم عن العمّ الأميركي التدخلي والفظ الذي أعلن أبوته لها. وسنرى من أعمال ذلك العمّ الدخيل في العراق وفي غيره من البلدان ما يجعلنا نترحم على تلك الأيام التي كانت ديموقراطيتنا يتيمة لا يدّعي مشاركتنا حبها أحد من الغزاة القساة، ولا من ركب، من أبناء جلدتنا، على دباباتهم للتنعُّم بها. والحق يقال ان محاولات كوندي رايس والناتو ولاحقاً هيلاري كلينتون الوصول للهدف نفسه من خلال مشاريع فضفاضة كالشرق الأوسط الموسع، بلا دبابات وإنما مع قدر من التمويل الخارجي، وتدريب المئات من الناشطين في صربيا وبلغاريا، وتعمّد التقاء المسؤولين الغربيين الذين كانوا يزورون بلادنا بمدّعي تمثيل المجتمعات المدنية، ما كانت اقل ضرراً بكثير من دبابات بوش، اذ امتعضت منها حكوماتنا من دون ان تعطي اولئك النشطاء الكثير بل هي أضعفت صدقيتهم الشعبية كمحظيين بالحماية والدعم الغربيين.
تقدُّم ملموس في مجال الحريات بفضل ثورة الاتصالات، خيبة تكاد ان تكون شاملة من الحكام الشباب، ارتباك ازاء صعود التيارات الدينية، حرج بسبب هوس الغرب بتصدير الديموقراطية الجلف إلينا. تلك كانت بالأرجح عناصر الصورة العامة، مع بعض الاستثناءات المحلية في أواخر عام 2010 يوم أحرق بائع جوال من جنوب تونس نفسه وفتح الباب واسعاً امام فرصة جديدة لكي تجد الديموقراطية العربية أخيراً أهلها.

نوع من الاختناق
بدا لنا فجأة ان العناصر المواتية لتحول ديموقراطي التي كما لمسناها في السنوات السابقة لم تكن عقيمة فعلاً بل هي كانت تعتمل في احشاء مجتمعاتنا وتختمر وكأنها تنتظر يومها لتُثمر. واعتقدنا ايضاً بأن المعوّقات التي اصطدمت بها مسيرة الديموقراطية قد انحسرت تدريجاً وبات تجاوزها ممكناً ان لم يكن مضموناً. وانتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم من تونس الى مصر، ومن ليبيا الى سورية، ومن البحرين إلى اليمن، وشعرنا في لحظة ان يُتم الديموقراطية قد انتهى بعد انتظار فاق قرناً من الزمن وأن أهلها قد خرجوا في الشوارع يطالبون برحيل الأنظمة الهرمة وبالحرية وبالمشاركة الشعبية، وأن حاجز الخوف قد انكسر من دون رجعة، وأن مرحلة ليبرالية ثالثة من تاريخنا باتت في المنال.
لكن الأمل تحول تدريجاً الى خوف، ودخل العنف أداة للقمع ثم أداة للاحتجاج أيضاً. شهدنا رحيل بن علي ومبارك والقذافي ونصف رحيل لعلي عبدالله صالح، لكن الحركة اصطدمت بعوائق متينة في سورية والعراق، وما لبثنا ان رأينا كلاً من هذه الحالات التي كانت تبدو متماثلة تأخذ طابعها الخاص ومسلكها المتمايز. فلم تقم في ليبيا دولة على أنقاض النظام المنهار، ولم يسلّم المسلحون سلاحهم بل تكاثرت اعدادهم. اما في اليمن فبدا ان قيام نظام دستوري جديد امر ممكن تعززه مصالحة نتاج حوار موسع قبل ان ينهار كل شيء، من سقوط العاصمة في ايدي فريق مسلح بذاته الى قيام تحالف اقليمي بالرد عسكرياً، ما اوصلنا إلى المأساة التي نرى. اما في مصر فرحل رئيس وتعددت الدورات الانتخابية الى حد الملل، ودخل الجيش معترك السياسة بتسلم القرار، ثم بما بدا لحين وكأنه قبل بنتيجة الانتخابات الرئاسية قبل ان يعود مجدداً إلى واجهة القرار بعد مزيج من الاحتجاج والانقلاب. أما في سورية فلا حاجة للشرح عن مأساة نالت من حياة نحو 300000 مواطن وشردت الملايين على طرقات النزوح. وبدت تونس نوعاً من الاستثناء الهش لهذه التحولات السلبية الدامية، وفيها ما يثير القلق من عنف دفين او عودة منطق سابق. لست ممن تحدثوا عن «ربيع» بالأمس لكي اتحدث اليوم عن «خريف» ولا اعتقد بأن استعارة فصول الطبيعة مفيد في فهم ما يحصل امامنا، لكننا لا ريب نُجمع على القول إنه ليس عُسراً وحسب بل نوع من الاختناق الدامي لأي امل بتحول حتى في تلك الدول المستقرة ظاهراً، فلا تقدم ملموساً للفكرة الديموقراطية في دول الخليج باستثناءات قليلة ضيقة، ولا في الاردن، وهناك تراجع خطير في حيوية المؤسسات الدستورية في لبنان، وقلق على الغد في الجزائر.
هناك ألف سبب لتعثّر التحول الديموقراطي، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، منها ما هو امتداد لمراحل التسلط ومنها ما هو انعدام الخبرة عند الحكام الجدد، منها ما هو عام على مسافة المنطقة ومنها ما هو خاص بساحة من دون غيرها. وآمل بأن نتمكن من تبيان جل هذه الاسباب كما من توصيفها وتوزينها، وأذكر منها بالذات توافر المال الريعي بكثرة، وهشاشة الطبقات المتوسطة، وضعف مؤسسات الدولة، كما آمل بأن نتعرف بدقة اكبر على هوية المحتجين وعلى حقيقة ما كانوا يعتبرونه اساسياً بين مطالبهم، وعن مدى معرفتهم بشروط الحياة الديموقراطية واقتناعهم بضرورتها. فليس كل اعتراض على تسلط مؤشراً إلى المطالبة الديموقراطية، فقد تعترض على مستبد لأنك تفضل استبداد غيره، وقد تستهويك الديموقراطية شرط انها تساعد مشروعك ولكنك تنبذها ان لم تفعل.
وبالارتكاز على عدد كبير من اللقاءات والمداولات مع اشخاص انخرطوا في هذه السيرورات، سأكتفي من جانبي من هذه الأسباب بواحد هو تماماً ما ذكره زميلي هيرميه عن مسلك «النخبة المؤسِسة» بوصفه عنصراً شديد التأثير في حظوظ نجاح التحول الديموقراطي من عدمه. فمن شروط النجاح ان تكون تلك النخبة غير ملتزمة إسقاط النظام السابق وحسب، وغير ساعية إلى الحلول مكانه وحسب، انما حريصة ايضاً على ابراز تعلقها بنظام بديل لا يكون صورة مقلوبة للنظام الذي وقع بل بديلاً حقيقياً عنه.

اعتماد المراحل
أولى مزايا تلك النخبة هي عدم الخلط بين المراحل. ففي المرحلة الانتقالية حين يكون الهدف الأساس هو وضع قوانين اللعبة من دستور وقوانين انتخابية، من المفيد ان يغلب منطق الحوار والتوافق، كما الاحتكام لمؤسسات المجتمع المدني، كما قد يكون مفيداً طلب العون من مؤسسات خارجية وعدم اعتماد قاعدة التصويت بمن حضر اطلاقاً. ومن المهم تماماً عدم سلق المراحل، خصوصاً في صياغة الدستور. ان تحديد زمن للسيولة السياسية غير المجمدة مؤسسياً امر مفيد، ومن الافضل ان يكون ذلك الزمن محدداً مسبقاً بما لا يقل عن عام، تتسلم خلاله دفة الأمور بالأفضل مجموعة لها صفة تمثيلية من دون ان تكون لها مطامح بدور بارز بعد انتهاء الفترة الانتقالية. وإذا تسلم الجيش السلطة في تلك المرحلة فعليه الاكتفاء بحفظ الامن وحماية العملية السياسية من دون التدخل المباشر او غير المباشر بها. ومن المهم في تلك الفترة ان تتنبه النخبة المؤسِسة الى عدم مضاعفة عدد الاطراف التي قد تعرقل العملية، ويكون ذلك بالتسامح مع الأقليات الفئوية، لغوية او مذهبية، وبإعطائها تمثيلاً في المؤسسات الجديدة يفوق نسبتها في المجتمع، كما من المهم عدم إطلاق التهديد والوعيد بحق قوى الجيش والأمن ولا العمل على الثأر منها ما يحولها بالضرورة الى قوى كابحة، بل قد يكون ضرورياً ان تعطى المؤسسة العسكرية بعض الضمانات المرحلية بحيث لا تطبّق قاعدة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وهي من اهم عناصر الحياة الديموقراطية، إلا تدريجاً.
اما بعد اعتماد قوانين اللعبة فينبغي الانتقال الى ما يشبه تقديسها وفي الأقل احترامها والانتقال تدريجاً من منطق التوافق الى منطق حكم الغالبية. لقد تشرفت بالمساعدة على توصل الاحزاب التونسية الى ميثاق متكامل لمسلكها قبل انتخابات 2015 الأخيرة وخلالها وبعدها، وجرى التوقيع عليه في اجتماع مهيب في آخر تموز (يوليو) الذي سبقها. ومن اهم الأمور التمسك بعدم اعادة عقارب الساعة مراراً وتكراراً الى الوراء بالتعهد بقبول نتائج الانتخابات الأولى بعد المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة الهادئ لمن فاز بها. وهذا يعني بالذات انه تقع على النخبة المؤسسة مسؤولية تحضير الأذهان بأن مقولات بعضهم السابقة عن سعة شعبيته وعن عدد مناصريه قد تكون اوهاماً، وأن على كل عضو من اعضاء تلك النخبة ان يهيّء مناصريه لتقبُّل نتائج من الصندوق غير تلك التي توهموها او غير تلك التي يعتقدون بأنها تعود لهم بالنظر إلى دورهم في إسقاط النظام السابق.
وحين تكون عناصر المجتمع السياسي غير مكتملة، لاسيما بسبب ضعف او انهيار اجهزة الدولة او حتى عدم وجودها بالأساس، فالأولوية هي للاهتمام بمصالح الناس الاساسية، من أمن وعدل قبل الشروع بأي شيء آخر، ومن الضروري ان تعتبر النخبة المؤسسة ان من مسؤولياتها العمل على عودة اجهزة الدولة للعمل، وعلى تأمين الحد الأدنى من التقديمات الاجتماعية لئلا يُنظر اليها وكأنها مهتمة بالشأن السياسي والنزاع على السلطة وحسب، ما يضعف شرعية المؤسسات الجديدة قبل تدشينها. أما عندما يكون المجتمع منقسماً وفي حال من التحارب الداخلي الساخن أو البارد فإن تغليب المصالحة على الانتخاب امر بديهي. وإذا كان تأجيل الانتخابات الى ما لا نهاية امر خطر فإن اجراءها قبل ان تتأمن لها فرص النجاح والنزاهة امر أخطر بكثير. ليس بوسعك انتقاد انتخابات تتحكم بها اجهزة الأمن وأنت في المعارضة وأن تؤيد انتخابات تحت بندقية الميليشيات بعد ان تنتصر ثورتك، فالانتخابات في ظل الانقسامات الفئوية الحادة ليست أكثر من تعداد سكاني طائفي. والانتخابات من دون تأمين مسبق وحقيقي لحرية الترشح والاختيار هي مجرد شرعنة للبندقية الميليشيوية.
ومن الضرورة القصوى اعتماد المنهج الاحتوائي لا الإقصائي. وأود القول بصراحة انني عندما وصلت إلى العراق غداة سقوط نظام البعث لم يفاجئني امر، قدر استعداد المئات ممن كنت اعرفهم سابقاً او كنت تعرفت عليهم هناك، من موظفين عسكريين ومدنيين، للعمل في مؤسسات الدولة حتى وهي تحت سيطرة الاحتلال. كان في مسلكهم بعض انتهازية ربما، ولكن كان فيها عنصر اهم وأقوى وهو أنهم كانوا يميزون بوضوح بين النظام المنهار وبين الدولة المستمرة. وأعتقد جازماً بأن «داعش» ما كان ما هو عليه اليوم وأن العراق ما كان على ذلك التشظّي الذي هو عليه الآن، لولا القرارات الصادرة بعد الحرب، لاسيما حل الجيش واجتثاث البعث. وأذكر تحديداً عشرات الضباط الذين كانوا يعبّرون عن عدم تفهمهم لإقصائهم كما لا أنسى ما أجابني به مسؤول أميركي أرسلني كوفي انان لمقابلته ولمحاولة إقناعه بعدم تطبيق قانون الاجتثاث، على الأقل في القطاع التعليمي: «أفضل ان يتسلّم قطاع التعليم امّيون من ان يبقى بيد بعثيين». ورأيي ان القيادات الليبية اخطأت تماماً باعتماد مبدأ إقصاء من عمل في النظام السابق، فهي أقدمت بذلك عملياً على التصرف مثل النظام البائد بالخلط بين منطق الدولة ومنطق النظام، وزادت من الشروخ داخل النخبة البديلة، كما حرمت نفسها من خبرات كانت في أشد الحاجة إليها.
اما بالنسبة إلى علاقة الديموقراطية بالتنظيم الجغرافي فإن تجربة السنوات الخمس الماضية تثبت برأيي بما لا يدع مجالاً للشك إلحاح إعادة النظر برؤيتنا لمركزية السلطة من توزُّعها. وإذا قبلنا ان الديموقراطية تتطلب توزعاً للسلطة على مختلف المؤسسات فلا ضير ان نقبل ايضاً بتوزعها على مختلف المناطق. اما هوس نخبنا بالمركزية فهو صورة عن روح التسلط المتجذّرة في ثقافتنا، اذ يصعب على الثقافة المتسلطة القبول بالتعددية في مختلف أشكالها بما فيها الجغرافية. اما إلحاح المراجعة فسببه ان ليس من نظام ديموقراطي لا يقبل بنسبة ملموسة من نقل السلطة من المركز إلى الأطراف، وسببه الآخر، وهو أكثر حدة، هو ان اللامركزية بل الفيديرالية لها معنى عندما تُطرح كبديل لسلطة مركزية قائمة ولها وظيفة مختلفة تماماً عندما تكون وسيلة لإعادة لململة ما تشظى وافترق.

أخلاقيات القادة الجدد
ومن المزايا المطلوبة من النخبة المؤسسة، خصوصاً حين كان الاحتجاج موجهاً نحو فساد النخبة السابقة هو طبعاً قدر من التعفف والزهد لا استمرار منطق النهب والاستحواذ على حساب الممتلكات العامة او الافراد. كتبت بعد «ثورة الياسمين» ان فيها بعداً اخلاقياً واضحاً ولكني لم ار شبيهاً له خارجها بالفعل، مع بعض الاستثناءات في مصر. ان تميّز النخبة المؤسسة بما يشي بوضوح انها لا تستغل موقفها الانتقالي للإثراء او للحياة الرغيدة، في غاية الأهمية لبناء شرعيتها الهشة غير المبنية بعد لا على تفويض ولا على انتخاب. ففي المراحل الانتقالية، وقبل ان يتمكن الناس من اختيار ممثليهم بحرية، تبرز اخلاقيات القادة الانتقاليين كأمر حيوي يحل بديلاً من الشرعية المؤسسية التي ما اكتملت عناصرها بعد. فإن كانت النخبة المؤسسة على قدر من الفساد او العنف او الاستهتار بمصالح الناس او الجبن او الارتماء بحضن الأجانب، فإن خواء شرعيتها السياسية يبرز للعيان بصورة اقوى وتتزعزع المؤسسات الجديدة قبل ان تتجذر.
ليس من قياس يناسب كل تجارب التحوّل، وما هذه الارشادات العامة الا بعض من المؤشرات الدالة على تحوّل واعد. يقيني ان ليس فيها ما يخالف المنطق، وأن النخبة المؤسسة قادرة على فهمها واستيعابها بل على تطويرها. اما لماذا لم تلجأ اليها فمرده ليس بالضرورة ضعف وعيها بقدر ما هو ضعف تعلقها بالديموقراطية، لأنها لا ترى فيها أكثر من وسيلة متاحة بين غيرها للوصول الى السلطة، او لأنها ترى مهمتها التاريخية في اسقاط نظام لا في استبداله، او لأنها تعتبر الديموقراطية اقل نبلاً وسمواً من اهداف اخرى كالتحرر او تطبيق الشريعة أو ما شابه. ويقيني ان العُسر الذي ضرب محاولات التحول الراهنة لن ينحسر الا إذا تعلمنا من هذه التجربة ان الديموقراطية هدف سام بذاته ولذاته. يومها يكون للديموقراطية اهل ونكون نحن اهلها وأهلاً لها.


* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس. والنص محاضرة ألقاها في مؤتمر «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديموقراطي ومآلاته» الذي نظمه الأسبوع الماضي في الجامعة الأميركية في بيروت، «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» بالتعاون مع «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات».