أنطونيو غرامشي: لماذا أكره يوم رأس السنة

ديسمبر 31, 2016 اضف تعليق




ترجمة دعاء علي

(نُشر هذا المقال بالإنكليزية على مجلة Jacobin في ٢٠١٦/١/١).

كل صباح، حين أصحو مجددًا تحت بساط السماء، أشعر أن اليوم هو رأس السنة بالنسبة لي.

لهذا السبب، فأنا أكره أعياد رأس السنة التي يتم إسقاطها علينا كاستحقاقات ثابتة، تُحوّل الحياة والخيال البشري إلى موضوع تجاري، له حساب نهائي أنيق، ومبالغ غير مسددة، وميزانية للإدارة الجديدة. هذه الأعياد تُفقدنا استمرارية الحياة والخيال، إذ نبات نعتقد بجدية أن هناك فاصلًا بين السنة والأخرى؛ أن تاريخًا جديدًا يبدأ، فنضع القرارات ونندم على التململ، وهكذا. وهذه هي بعامة مشكلة التواريخ المحددة.

يقولون أن الترتيب الزمني هو عماد التاريخ. حسنًا، لكن علينا أن نتذكر كذلك أن هنالك أربع أو خمس تواريخ أساسية يحفظها الجميع في عقولهم، وقد تحايلت على التاريخ. هذه التواريخ هي أيضًا رؤوس سنة؛ رأس السنة للتاريخ الروماني، أو العصور الوسطى، أو العصر الحديث.

هذه التواريخ باتت توسعيّة وأحفورية لدرجة أننا نجد أنفسنا أحيانًا نعتقد أن الحياة بدأت في إيطاليا عام ٧٥٢، أو أن ١٤٩٠ أو ١٤٩٢ هي جبال قفزت الإنسانية عنها لتجد نفسها فجأة في عالم جديد، أو لتدخل حياة جديدة. عندها يصبح التاريخ المحدد عائقًا يمنعنا من إدراك أن التاريخ يستمر بكتابة نفسه في المسار الأساسي الثابت نفسه، دون انقطاعات مفاجئة، كما ينقطع شريط الفيلم في السينما لنشهد فاصلًا من الضوء الساطع.


لا أريد يومًا للاحتفال له أناشيد جمعية إجبارية، أقضيه مع كل الغرباء الذين لا آبه بأمرهم.

لهذا السبب أكره رأس السنة، فأنا أريد أن يكون كل يوم رأس السنة بالنسبة لي. أريد أن أتصالح مع نفسي وأجددها كل يوم، دون أن أفرد يومًا محددًا للراحة. أختار استراحاتي بنفسي حين يُنهكني صخب الحياة وأحتاج للغوص في الحيوانية لأستمد منها حماسة جديدة.

لا أريد تأدية واجبات معنوية. أريد أن تكون كل ساعة من حياتي جديدة، رغم اتصالها بسابقاتها. لا أريد يومًا للاحتفال له أناشيد جمعية إجبارية، أقضيه مع كل الغرباء الذين لا آبه بأمرهم. أن نكون مضطرين للاحتفال لمجرد أن أجداد أجدادنا وأجدادهم قد احتفلوا في هذا اليوم، هو أمر مثير للغثيان.

إنني أنشد الاشتراكية لهذا السبب كذلك؛ لأنها ستلقي في القمامة كل هذه التواريخ الخاصة التي ليس لها وقع في نفوسنا، وإن أنتجت تواريخ أخرى، فستكون على الأقل تواريخنا نحن، لا التواريخ التي أُجبرنا على تلقيها دون تحفظ من أسلافنا الحمقى.

أنطونيو غرامشي مفكر ماركسي إيطالي، كان عضوًا مؤسسًا للحزب الشيوعي في إيطاليا.
النشر الأول كان على صحيفة Avanti! في ١٩١٦/١/١، وترجمه إلى الإنكليزية ألبرتو توسكانو لمجلة Viewpoint.

الأدب والحياة/جيل دولوز

ديسمبر 31, 2016 اضف تعليق


ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

من المؤكد أن الكتابة ليست فرضَ شكل تعبير على محتوى مَعيش. يقع الأدب جهة اللاشكل أو عدم الاكتمال كما قال غومبرويش وفَعَل Gombrowicz. الكتابة قضية صيرورة، هي دائما غير مكتملة، دائما بصدد التكوّن، وهي تتجاوز كل محتوى معيش ومُعَانى. إنها حركة، أي معبر حياة يخترق المَعيش والمُعَانى. لا تنفصل الكتابة عن الصيرورة. عندما نكتب، نصير امرأة، نصير حيوانا أو نباتا، نصير جُزيْئة إلى حدّ أن نتمنّع عن الإدراك. تترابط هذه الصيرورات فيما بينها وفق خط معين، كما في قصة لوكليزيو، أو هي تتواجد في جميع المستويات تبعاً للأبواب والعتبات والمناطق التي تشكل العالم بأسره كما في الأعمال القويّة للوفيكرافط Lovecraft. لا تتحرك الصيرورة في الاتجاه الآخر، ونحن لا نصير رجلا، لكون الرجل يمثُل كشكل تعبير مهيمن يدَّعي فرض نفسه على كل محتوى، بينما المرأة والحيوان والجزيئة تتكون من خط هروب لاينكشف حتى عندما تتخذ شكلها بذاتها. الخجل من كوننا بشرا، هل هناك مبرر آخر أفضل من هذا للكتابة؟ حتى عندما تكون المرأة هي التي تصير، فسيكون عليها أن تصير امرأة، ولا علاقة لهذه الصيرورة بتاتا بحال قارة يمكن أن تدّعي أنها عليها. ليست الصيرورة هي التوصّل إلى اتخاذ شكل (تماهي، تقليد، محاكاة)، وإنما العثور على منطقة القرب، بلوغ درجة عدم التميّز، حدود المطابقة، بحيث لا يمكننا أن نتميز عن امرأة، أو حيوان، أو جُزَيْء: لا يتعلق الأمر بخلط وعدم دقة ولا بعموميات، وإنما بلا مُتَوقَّع، بغير السابق في الوجود، وهو لا يتحدد في شكل، إلى حدّ أنه يجد فرادته في مجموع. بإمكاننا إقامة منطقة قرب مع أيّ شيء، شريطة توفير الأدوات الأدبية المناسبة لذلك، مثلما يتمّ مع النبات النجمي حسب أندري دوتيل A.Dhotel. شيء ما يمر بين الجنسين، وبين الأجناس. الصيرورة تكون دائما «بين» أو «وسط»: نصير امرأة بين النساء، حيواناً بين حيوانات أخرى. بيد أن الصيغة النكرة لا تفعل فعلها إلا إذا كان الطرف الذي يعمل على أن يصير قد نزعت عنه الخصائص الشكلية التي تعطيه صورة المعرّف (هذا الحيوان المشار إليه). عندما يصير لوكليزيو هنديا، فهو هندي غير مكتمل، لا يعرف «فلاحة الذرة ولا تهييء قطع زورق»: يدخل في منطقة قرب أكثر مما يكتسب مميزات شكلية. الأمر ذاته بالنسبة لكافكا وبطل السباحة الذي لا يعرف العوم. كل كتابة تحتوي على جانب رياضي، ولكن بعيدا عن أن أوفّق بين الأدب والرياضة، أو أن أجعل الكتابة لعبة من الألعاب الأولمبية، فإن هذه الرياضة تتم في الهروب والخذلان العضوي: إنه رياضي فوق السرير كما كان يقول الشاعر ميشو. إننا نصير حيوانا بقدر ما يموت الحيوان، وعلى عكس ما يذهب إليه حكم مسبق ذي نزعة روحية، فإن الحيوان هو الذي يعرف كيف يموت، وهو الذي يُحس بذلك ويستشعره. يبدأ الأدب بموت الخنزير الملحمي، حسب تعبير لورانس، أو موت الفأرة حسب كافكا: «قوائمنا الصغيرة المسكينة الحمراء وقد امتدت في حركة استرحام». نكتب من أجل الثيران التي تموت، كما كان يقول موريتز Moritz. على اللغة أن تبلغ منعطفات نِسوية، حيوانية وجُزَيْئية، وكل منعطف هو صيرورة قاتلة. ليست هناك خطوط مستقيمة، لا في الأشياء ولا في اللغة. التراكيب هي مجموع المنعطفات الضرورية التي تُستحدث كل مرة للكشف عما في الأشياء من حياة.

الأوهام عن الأدب

ليست الكتابة هي أن تحكي ذكرياتك وأسفارك ومغامراتك العاطفية وأحزانك وأحلامك وأوهامك. أن تبالغ في الواقعية أو التخييل، فالأمر سيان: في الحالتين كلتيهما، يتعلق الأمر بحكاية بابا-ماما، والبنية الأوديبية التي نُسقطها على الواقع أو التي نستبطنها في الخيال. ففي نهاية المسار سيتعلق الأمر بالبحث عن أب، كما في الحلم، وذلك ضمن مفهوم عن الأدب يحيل إلى الطفولة. أكتب من أجل أبي-أمي. دفعَت المحللة النفسانية مارت روبير هذا المنزع نحو الطفولة، وهذا الإضفاء للتحليل النفسي على الأدب إلى حدّ أنها لم تترك للروائي أيّ اختيار عدا كونه ابنا غير شرعي، أو كونه ابنا عُثر عليه. حتى الصيرورة- حيونا لم تنج من الاختزال الأوديبي على غرار «قطي، كلبي». كما يقول لورنس، «إذا كنت زرافة، وكان الأنجليز العاديين الذين يكتبون عني كلابا ظريفة مهذبة، فإن كل الدواعي متوافرة، الحيوانات مختلفة فيما بينها.. وأنتم تكرهون الحيوان الذي أنا إياه». بصفة عامة، فإن الأوهام عن الأدب لا تعامل النكرة إلا كقناع يخفي معرّفا: فعوض القول «طفل ما قد ضُرب»، سرعان ما يقال «أبي ضربني». غير أن الأدب يتبع المسلك المعاكس، وهو لا يفرض نفسه إلا عندما يكشف وراء الأشخاص-المظاهر، قوة لا-شخصيّ لا يكون أبدا شيئا عاما، وإنما تفرّدا في منتهى الدقة: رجلٌ، امرأةٌ، حيوانٌ، بطنٌ، طفلٌ… ليست صيغتا المتكلم والمخاطب هما اللتان تستعملان في المنطوقات الأدبية، لا يبدأ الأدب إلا حينما تتولد فينا صيغة ثالثة تنزع عنا إمكانية قول أنا(المحايد عند بلانشو). صحيح أن الشخوص الأدبية تحلّ في أفراد، وهي ليست لا عائمة ولا عامة، إلا أن جميع سماتها الفردية ترفعها إلى مستوى رؤية ينقلها إلى نكرة كصيرورة تفوقها قوة: آشاب ورؤية موبي ديكMoby Dick.[ ].

ليس المرض حركة، وإنما هو توقف عن الحركة، مثلما هي «حالة نيتشه». وهكذا فالكاتب من حيث هو كذلك، ليس مريضا، هو بالأحرى طبيب، طبيب نفسه، وطبيب العالم. العالم هو مجموع أعراض مرض يمتزج مع الإنسان. يبدو العالم حينئذ كمشروع صحة: لا لأن الكاتب بالضرورة يتمتع بصحة جيدة، وإنما كونه يتمتع بقليل لا يقهر من الصحة مبعثه كونه رأى وسمع أشياء تفوقه عظمة وقوة، يضنيه المرور بها، فتفتحه على مصائر لا تقوى عليها صحة وعافية تامة. يخرج الكاتب من جراء ما رآه وسمعه مُحْمَرّ العينين، مثقوب طبلتي الأذنين. ما هي الصحة التي تكفي لتحرير الحياة حيثما كانت سجينة عند الإنسان وبواسطته، عند العضويات والأجناس؟ إنها الصحة الأقلية كما هي عند سبينوزا، مادامت مستمرة، شاهدة حتى النهاية على رؤية جديدة تنفتح عليها عند عبورها.

الصحة كأدب وكتابة، تقتضي ابتكار شعب تكون الحاجة ماسّة إليه. من مهام الخيال الأدبي ابتكار شعب. لا نكتب عن ذكرياتنا، اللهم إلا إذا جعلنا منها مصدرا أو قدرا جماعيا لمستقبل شعب مازال غارقا تحت خياناته وإنكاراته. يتمتع الأدب الأميركي بالقدرة الرائعة على إنتاج كتَّاب بإمكانهم أن يحكوا عن ذكرياتهم الخاصة، لكن كما لو أنها كانت ذكريات شعب كوني يتكون من مهاجري جميع البلدان. «يدوّن توماس فولف كل أميركا من حيث يمكنها أن توجد في تجربة إنسان واحد بعينه». أكيد أن الأمر لا يتعلق بشعب مدعو إلى السيطرة على العالم، بل بشعب أقلّي، شعب ضعيف على الدوام، مأخوذ في صيرورة ثورية. ربما لا وجود له إلا في دماغ الكاتب، شعب هجين، أقلي، لا حول له ولا قوة، دائما في صيرورة، دائما غير مكتمل. لا تعني الهجانة هنا وضعية عائلية، وإنما حركة الأعراق وانسياقها. أنا حيوان، زنجي من العرق الأقلي وهذا منذ الأزل. هذه صيرورة الكاتب. كافكا بالنسبة لأوروبا الوسطى، ميلفيل Melville بالنسبة لأميركا، كلاهما يقدم الأدب كتعبير جماعي لشعب أقلي، أو لجميع الشعوب الأقلية، التي لا تجد التعبير عنها إلا عند الكاتب وعن طريقه.[ ].

ما يقوم به الأدب في اللغة يتجلى بكيفية أكثر وضوحا: فالأدب، كما يقول بروست، يرسم في اللغة نوعا من اللغة الأجنبية، التي ليست لغة أخرى، ولا لهجة مستعادة، وإنما صيرورة اللغة آخرَ، سعي أقلّي لهذه اللغة الأكثرية، هذيان يفرض ذاته، خط عجيب ينفلت من المنظومة المهيمنة. يجعل كافكا بطل السباحة يقول: «أنا أتكلم اللغة التي تتكلمها، ومع ذلك، لا أفهم ولو كلمة واحدة مما تقول». ابتكار في التراكيب والأسلوب، هذه هي صيرورة اللغة: لا ابتكار لكلمات، ولا لمصطلحات مستحدثة خارج مفعولات التركيب التي تتم فيها. إلى حدّ أن الأدب يتجلى في مظهرين، من حيث إنه يحدث شرخا في اللغة الأم، وأيضا من حيث إنه يبدع لغة في اللغة، بفضل ابتكار التراكيب. كتب بروست: «إن الكيفية الوحيدة للدفاع عن اللغة هي مهاجمتها.. كل كاتب مضطر لأن يصنع لنفسه لغته». فكما لو أن اللغة تدخل في هذيان يجعلها تحيد عن مسارها. أما المظهر الثالث، فإنه يعود لكون اللغة الأجنبية لا تنحت في اللغة نفسها من غير أن يهتز كيان اللغة ذاته ويبلغ حدّا، ويرتمي في خارج يتشكل من مرئيات ومسموعات لا تمتّ لأية لغة بصلة. هذه المرئيات ليست خيالات موهومة، وإنما أفكار حقيقية يراها الكاتب ويسمعها في ثنايا اللغة، وفجواتها. وهي ليست توقفات عن الحركة، وإنما محطات تشكل جزءا منها كخلود لا يتجلى إلا في الصيرورة، وكمنظر لا يظهر إلا في غضون الحركة. فهي لا توجد في مكان خارج عن اللغة، وإنما تشكل خارج اللغة. إنه الكاتب وهو يرى ويسمع، ذاك هو مرمى الأدب: الانتقال من الحياة نحو اللغة هو الذي يشكل الأفكار ويبني المعاني.

_________
*G.Deleuze، «La littérature et la vie »، in Critique et clinique
الاتحاد الثقافي

محمد الحجيري... بين الموقف الروسي والموقف الإيراني: آفاق المرحلة المقبلة.

ديسمبر 29, 2016 اضف تعليق

لقد تناولت بعض وسائل الإعلام موضوع "تخبط العلاقة" بين روسيا وإيران، متسائلة عن آفاق العلاقة بين الدولتين في المرحلة المقبلة في ما يتعلق بـ"الساحة" السورية. فإلى أي حد يمكن اعتبار مثل هذه الأحاديث معبرة عن واقع العلاقة بين الدولتين؟
أظن أنه من الصعب الحكم الآن على ذلك بسبب تعقد الوضع وتعدد المشاريع والمصالح واللاعبين على الساحة السورية، بخاصةٍ أننا في انتظار ما سيرسو عليه موقف الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية. لكن يمكن الحديث عن بعض المعطيات التي يمكن لها أن تضيء إلى حدٍ ما على احتمالات المستقبل.
أولاً، إن ما يجمع الروس والإيرانيين هو علاقة تحالفية دعماً للنظام في سوريا في مواجهة قوى المعارضة.
ثانياً، أن هذه العلاقة قد يحرص عليها الطرفان، إضافة إلى وجود مصالح اقتصادية مشتركة بين الدولتين.
لكن ما يريده الروس من سوريا غير ما يريده الإيرانيون.
الروس يريدون مصالحهم في سوريا، والتي كانت متحققة بنسبةٍ كبيرة مع النظام السوري الحالي. وهي متحققة الآن بنسبةٍ أكبر بكثير. بل هم اليوم من يقرر في سوريا ويعلن ما يريد نيابةً عن النظام، ولا أحد يستطيع الاعتراض على ذلك، كون استمرار النظام إلى اليوم مدين إلى المساعدات الروسية، بل إلى دخول روسيا الحرب مباشرة في سوريا.
والذي كان يقف في مواجهة ذلك هي المعارضة السورية، ربما بسبب دعم الروس للنظام، وربما لأسبابٍ إضافية أخرى، منها طبيعة المصادر التي كانت المعارضة تحصل منها على المساعدات.
بعد معركة حلب، تغير الموقف. فهو من ناحية أدى إلى تحقيق نصرٍ كبير لصالح النظام. لكنه من ناحية ثانية، وبعد الحديث عن معارضة الروس لاستمرار المعركة باتاجاه إدلب، وبعد الانفتاح الروسي الكبير تجاه العديد من قوى المعارضة، بما فيها الكثير من الفصائل الإسلامية، باستثناء جبهة فتح الشام وداعش، وبعد السعي الروسي لإحياء مسار التسوية السياسية بين الأفرقاء المتحاربة انطلاقاً من قرار مجلس الأمن رقم 2254، والذي يشير بشكل واضح إلى مرجعية بيان جنيف واحد عام 2012، والذي يشير إلى حكومة انتقالية وتعديلات دستورية، ثم انتخابات تشريعية يشترك فيها سوريو الخارج أيضاً وبإشراف من هيئات دولية..
إن هذا التوجه الروسي يبدو معتدلاً جداً بعد ما حققه الروس على الأرض على المستوى العسكري.. وبالتالي قد يجعل المعارضة السورية تغيّر نظرتها إلى الدور الروسي الذي كان بإمكانه أن يفرض ما هو أكثر تشدداً بكثير في موضوع التسوية السياسية.
وهذا يعني أن بإمكان الروس ضمان مصالحهم مهما كانت طبيعة التسوية وأحجام القوى المتخاصمة في الداخل، وتجعل جميع الأفرقاء بحاجة إلى هذا الدور، وعدم قدرة أيٍ منهم على الاعتراض عليه. أيّ أن بإمكان الروس المحافظة على مصالحهم بصرف النظر عن التركيبة الحاكمة في سوريا.
وأظن أن هذه نقطة الخلاف الأساسية بين وضع الروس ووضع الإيرانيين في سوريا.
فالإيرانيون على العكس من ذلك.
أولاً، لأن الإيرانيين يحاولون وضع اليد بالكامل على سوريا، لذلك فهم يصرون على استكمال المعركة العسكرية في إدلب وبقية المناطق.
وثانياً، لأن المصلحة الإيرانية لا يمكن أن تكون مضمونةً إلا من خلال الأسد بالذات، وهذه ليست حال الروس.
وبالتالي فإن التسوية التي تناسب الروس، والذين يجدون مصلحةً أكبر لهم من خلال إشراك المعارضة بشكل وازن، ودون استبعاد أي طرف في المعادلة السورية (باستثناء النصرة وداعش)، وهذا ما يجعل الوضع المستقبلي في سوريا أكثر انفتاحاً على احتمالات الاستقرار الطويلة، وبالتالي ضمان مصالحهم على المدى البعيد. نجد أن تسويةً كهذه لا تناسب الإيرانيين. 
ما يناسب الإيرانيين هو تحقيق الغلبة، وفرض تسوية سياسية تعكس هذه الغلبة، وهي بالضرورة ذات بعد طائفي أقلّوي، رغم كل الحديث عن الممانعة والتحرير، وبالتالي ستكون تسوية مفتوحة على احتمالات اضطرابات مقبلة وحروبٍ جديدة.
إذا صحت هذه الافتراضات، فيمكن القول بأن مرحلة التقاطع بين الاستراتيجية الروسية وتلك الخاصة بإيران قد شارفت على النهاية. وهي المرحلة التي كان يسعى فيها الطرفان إلى الحفاظ على النظام، وتحقيق نصرٍ عسكري على قوى المعارضة.
ويبدأ الافتراق مع الاكتفاء الروسي بذلك من أجل فرض تسوية سياسية يشارك فيها الجميع، بينما سيسعى الإيرانيون إلى متابعة المعركة (التي ستكون مستحيلة دون الدعم الروسي، فكيف في حال معارضة الروس لذلك؟)، كما سيسعى الإيرانيون إلى فرض تسوية سياسية تهمش قوى المعارضة للنظام أكثر من السابق.
طبعاً في هذه المقاربة نوع من الاختزال، بسبب وجود لاعبين آخرين، أهمهم الأتراك، والذين يبدو أن ما يجمعهم بالروس أكثر بكثير مما يجمع الإيرانيين بهم (أي بالروس). إضافة إلى الدور الأميركي الذي لا يمكن لنا أن نتنبأ به بشكل معقول إلا بعد استلام الإدارة الأميركية الجديدة مقاليد الحكم في الدولة العظمى الأولى في العالم.
(محمد الحجيري)
29/12/2016

«حُلْمُ لْوِيسْ كَارُولْ» للأرجنتيني خُورْخِي لْوِيسْ بُورْخِيسْ

ديسمبر 28, 2016 اضف تعليق


ترجمة حسن الكيري(القدس العربي)
 لقد سبق أن كتب غوستاف سبيلر بأن الأحلام تندرج في المستوى السفلي من نشاطنا الذهني. لا أُشاطِر هذا التصور الذي يبدو لي أنه يميل إلى الحط من الفن. لعل كل الفنون شكل من أشكال الحلم. هل حلمت بحياتي أم كانت حقيقة؟ 
بروعة يتساءل الشاعر النمساوي ولتر فون دير فيجيلوايد. وتجمع بين الأدب الإنكليزي والأحلام علاقة عريقة. يشير الراهب بيدا المبجل إلى أن كايدمون شاعر إنكلترا الأول، نظم أول قصيدة له وهو يحلم. ويعترف ستيفنسون بأنه حلم بتحول جيكيل إلى هايد وبالمشهد المركزي في قصته «أُولَالَا». كما أن حلما ثلاثيا مبنيا على الكلمات والهندسة والموسيقى أملى على كولريدج المقطوعة الرائعة «كوبلا خان». 
إن حالات الحلم كموضوع في الأدب أكثر من أن تُعد أو تُحصى، لكن مما لا شك فيه أن أشهرها متضمن في الكتب التي خلفها لنا لويس كارول. أليسيا تحلم بالملك الأحمر، الذي يحلم بها بينما يحذرها أحدهم بأنه إن حدث واستيقظ الملك فإنها ستنطفئ مثلما تنطفئ الشمعة، لأن الأمر لا يعدو كونه حلما لدى الملك، الذي تحلم به هي الأخرى. إن حلمي أليسيا يكادان يندرجان في دائرة الكابوس. إن تفسيرات تينييل التي باتت الآن مفتاحا لهذا العمل والتي لم تكن تروق لكارول، ما فتئت تشدد على التهديد الموحى به. منذ الوهلة الأولى، تبدو مغامرات أليسيا غير مسؤولة، بل واعتباطية تقريبا؛ غير أنه فيما بعد نتبين أنها تنطوي على مكر دقة لعبة الشطرنج ولعبة الورق، ولهذا فهي مغامرات من وحي الخيال. إن كارول، كما هو معلوم، كان أستاذا للرياضيات في جامعة أوكسفورد، والمفارقات ذات الطبيعة المنطقية الرياضية التي يقترحها علينا هذا العمل الإبداعي، لا تمنع من أن يكون هذا الأخير سحرا بالنسبة للأطفال.
في خلفية أحلام لويس كارول نستشف كآبة قابعة وبادية للعيان؛ إن وحدة أليسيا بين أشباحها ربما تعكس وحدة الأعزب الذي حاك هذه الخرافة الخالدة. عزلة رجل لم يجرؤ يوما على الحب أبدا، ولم يكن ذا أصدقاء آخرين غير بعض طفلات أمسى الزمن ينتزعهن منه انتزاعا، ولا حتى متعة أخرى غير فن التصوير المستهجن آنذاك. تبقت منطقة أخرى لم أقدر على تبينها والتي يحتقرها بعض العارفين وهي تلك المتعلقة بمؤلف «مشاكل وسادة» الذي نسجه الكاتب كي يملأ ليالي السهاد، كما يعترف هو نفسه بذلك، ولكي يبعد عنه الأفكار السلبية التي كانت تقض مضجعه. إن شخصية الفارس الأبيض الحزين، والقائم بأفعال عديمة الفائدة، هو صورةٌ طبق الأصل مقصودةٌ وإسقاطٌ ربما غير مقصود، على ذلك الريفي الذي أراد أن يكون دون كيخوتة. دون كيخوتة أو كيخانو الذي لا يعرف المرء ما إذا كان إنسانا فقيرا يحلم بأن يصبح ناصر المستضعفين قريبا من السحرة؟ أم ناصر مستضعفين يحلم بأن يصبح إنسانا فقيرا. أتذكر الآن أن مارتن غاردنر يتكلم لنا، في ما يتصل بهذه الأحلام المتبادلة، عن إحدى البدينات التي تحاول أن ترسم رسامة رشيقة، التي ترسم رسامة بدينة والتي ترسم رسامة رشيقة وهكذا إلى ما لا نهاية.
إن القصة التي لا تنسى من كل قصص أليسيا هي تلك المتعلقة بوداع الفارس الأبيض. ربما أن الفارس الأبيض كان متأثرا لأنه يعلم أنه كان هو الآخر حلما من أحلام أليسيا، كما كانت هي نفسها حلما للملك الأحمر، الذي يقترب من التلاشي. عن هذا الفارس، وهو كارول نفسه الذي يستودع الأحلام المحبوبة التي عمرت عزلته. إن من يكتب للأطفال يجازف بأن يتعرض لعدوى الصبيانية. المؤلف يذوب في المتلقين، تلك كانت حالة جون دولا فونتين وروبيرت لويس ستيفنسون ثم روديارد كبلينغ. إننا ننسى أن ستيفنسون كتب «حديقة للطفل أو الآيات» ولكن ألف كذلك «سيد بلانتري». وننسى أن كبلينغ ترك لنا «قصص كهذه» وقصصا أخرى تعد من أعقد القصص وأكثرها مأساة في قرننا هذا. فيما يتصل بكارول، أعتقد أن كتب أليسيا الرائعة يمكن أن تُقرأ وتُعاد قراءتُها، حسب التعبير الشائع اليوم، على أكثر من مستوى. إن تلك الأحلام تشكل جزءا من سعادتنا؛ ولربما أمكن أن يتقاسم هذه السعادة أولئك الذين ما زالوا مستمرين في تقليب صفحاتهم مثلي أنا، وذلك بعد مرور الزمان وطول السهر.

٭ كاتب ومترجم من المغرب

صادق جلال العظم: قاتَلَ الوثنية الإسلامية

ديسمبر 28, 2016 اضف تعليق


المحامي عبد الحميد الأحدب

ثلاثة كتّاب سوريين من الصف الأول قلّعوا الشوك بأظافرهم ليخطّوا الطريق الى عصر النهضة العربية الذي كلما تقدّمنا اليه خطوة بانَ بعيد المنال أكثر فأكثر. نزار قباني الشاعر وفيلسوف إنسانية المرأة العربية، وغادة السمان كاتبة الرواية الإنسانية العربية الاجتماعية، ثم صادق جلال العظم الذي غادرنا منذ أيام!
ومع صادق جلال العظم ذكريات تبدأ في بيروت أول السبعينيات حين انقضَّ رجال الدين عليه لإخراجه من لبنان بسبب كتابه "نقد الفكر الديني"، فتصدّى كمال جنبلاط للحملة وحماه وأبقاه في بيروت، وأبقى بيروت عاصمة الحرية والكلمة الحرة، ولكن الى حين!
عاش في مرحلة يحتضر فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد! وناضل في هذا الفاصل الذي فيه اعراض مرضية اجتماعية وسياسية كثيرة وعظيمة في تنوعها! وحمل فكره الحضاري التحديثي العصري، استاذاً في الجامعات الأميركية في اميركا وفي بيروت وفي دمشق وفي الأردن وفي المانيا.
كتب أكثر من 15 مؤلفاً أهمها "نقد الفكر الديني" و"ذهنية التحريم"، إذ انبرى يدافع عن سلمان رشدي حين صدرت فتوى الإمام الخميني بقتله لكتابته "آيات شيطانية"، فشرح دور الروائي ودافع عن حريته الأدبية وكتب "ذهنية التحريم". وهو كان أول المؤيدين للثورة الإيرانية، معتقداً أنها ثورة الحرية، ولكنها حين كشفت عن أنيابها الإستبدادية السلطوية الدينية كفر بها وانتقدها!
أحبّ عبد الناصر، واعتبره منقذ الأمة العربية، فلما حصلت النكسة سنة 1967 تجرأ على نقد الإستبداد وغياب الحرية وغياب الديموقراطية فكتب: "النقد الذاتي بعد الهزيمة". واعجاباً بالثورة الفرنسية كتب "أثر الثورة الفرنسية في عصر النهضة".
وكان واقعياً في نظرته الى التخلف في الإسلام، ومن واقعيته شقّ طريق النهضة والإصلاح، باحثاً عن اسلام عصري يخرج من التخلف. وكان يرد على دعاة القطيعة المطلقة مع الغرب فيقف مع الدعوات الحضارية الإسلامية لإلغاء الرّق في الإسلام وإلغاء الرَّجم والجَلد. ويقول عن تجربة الغاء الرّق في موريتانيا:
"وفقاً للأنباء المتسربة من موريتانيا أخيراً يبدو أن البلد يعاني حالياً من صراع داخلي بسبب مؤسسة الرق والمحاولات الجارية لإلغائها. يبدو كذلك ان القطاع الحديث و"المتغرب" (اللجنة العسكرية للخلاص الوطني) هو الذي اتخذ القرار بإلغاء العبودية، مما يشكل قطعاً مع الموروث الثقافي الإسلامي، وان القطاع التراثي العضوي في المجتمع هو الذي يقاوم هذا الإجراء التحديثي ويطالب الحكومة بدفع التعويضات لسادة العبيد (وليس للعبيد طبعاً). والعبد الذي يهرب من سيده يعاد اليه قسراً استناداً الى فتوى إسلامية رسمية ملزمة. (انظر "السفير"، 7/7/1980).
وانبرى يتصدّى ويرد على الحملة التي شنّها الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر على ممارسة التعذيب مجدداً في السجون الإيرانية، وقتها أعلن آية الله خلخالي "أن الجلد عقوبة نصت عليها الشريعة الإسلامية ولا علاقة لها بالديموقراطية الغربية والليبرالية ولا يسمى ذلك (أي جَلد السجناء وضربهم) تعذيباً". (انظر خطاب بني صدر بمناسبة يوم عاشوراء 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1980 و"السفير"، 1/12/1980).
ويرد العظم على دعاة القطيعة مع الغرب فيقول إن الحكم الجمهوري والإستفتاء الشعبي هما من المؤسسات الديموقراطية الغربية ومحو الأمية، كما التعليم الإلزامي والصحافة والفنون التشكيلية وتحديد ساعات العمل وكرة القدم الخ... جميع هذه العناصر غربية المنشأ وحديثة الإنتقال الى العالم الإسلامي، وتغلغلت بصورة أو بأخرى في نسيج الحياة العربية والإسلامية السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية.
ويتساءل العظم: "هل تعني دعوة الإسلاميين الى القَطع مع الغرب اقتلاع كل هذه العناصر الغربية المنشأ التي تغلغلت في نسيج الحياة العربية والإسلامية، وماذا يبقى اذذاك؟ ويضيف أن "هذه مؤسسات الديموقراطية الغربية التي ابتدعتها البورجوازية الأوروبية واستخدمتها الثورة الإسلامية في ايران بكثافة. وليس معروفاً أن الموروث الإسلامي الأموي – العباسي - الفاطمي - العثماني قد فكر في يوم من الأيام بالإستفتاء الشعبي لبت أي قضية تمُتُّ بصلة الى الحكم أو السلطة أو ما شابه ذلك. وتصدى لدعوة القذافي الذي اعتبر أن العروبة هي الإسلام ودعا المسيحيين الى التخلي عن دينهم، فردّ عليه بقسوة، وسأله: ماذا لو أقدمت انديرا غاندي مثلاً على طرح تحليل مشابه يوحّد بين الديانة الهندوسية والقومية الهندية، فماذا يحصل لمسلمي الهند؟ وكان آخر من وجه اليه نقده اللاذع هو نظام بشار الأسد. ورغم أنّ الإسلام اقتلع الوثنية وصفى قواعدها، إلاّ أنّ الوثنية الفكرية بقيت صامدة وبقي الوثنيون يحكمون الفكر الإسلامي والعربي ويسيطرون على حركته.

المحامي عبد الحميد الأحدب

21 كانون الأول 2016

- See more at: http://www.monliban.org/monliban/ui/topic.php?id=1738#sthash.1C7XFlCv.dpuf

ياسين الحاج صالح... صادق جلال العظم بين حزيرانين

ديسمبر 26, 2016 اضف تعليق

 عن  القدس العربي

خمسون عاماً من العمر المنتج لصادق جلال العظم بدأت بهزيمة الحركة القومية العربية في 5 حزيران (يونيو) 1967، وانتهت بوفاته في برلين في غمار هزيمة الثورة السورية.
كان كتابا صادق «النقد الذاتي بعد الهزيمة» و«نقد الفكر الديني» تفاعلاً مباشراً مع الهزيمة التي كان لها أثر مؤسس على المثقفين السوريين من مجايلي المثقف الدمشقي. عمل أستاذ الفلسفة الشاب وقتها على نقد المـجـــتـــمع والثقافة والدين، ورأى مثل أترابه أن جذور الهزيمة تمتد في بنى اجتماعية وفكرية يتعين إعمال مشرط النقد فيها بعبارة مجايله ياسين الحافظ.
نشر العظم في السبعينات كتباً أقل أثراً، من بينها «دراسات يسارية في القضية الفلسطينية»، و«سياسة كارتر ومنظرو الحقبة السعودية»، و«زيارة السادات وبؤس السلام العادل». في الحقل الإيديولوجي السياسي الذي ظهرت فيه هذه الكتب كان هناك نقاش يساري انحاز تيار سوري منه، ارتبط أكثر بياسين الحافظ وإلياس مرقص، إلى مقاربات تاريخانية، كانت تنتقد السياسوية نقداً «عقلانياً»، لكنها تبتعد عن السياسة ذاتها في واقع الأمر. كان ياسين الحافظ قائداً سياسياً، ولكن تاريخانيته المتأثرة بعبدالله العروي، وهي تذيب الحاضر في مخطط تاريخي مجرد معروف المآلات سلفاً (يمكن تعريفه بالعقلانية والعلمانية والحداثة بدلالات قلما كانت محددة لهذه المدركات) كانت تأخذه إلى مواقع خارج السياسة والصراع السياسي الفعلي. في المقابل، لم يكن صادق جلال العظم منخرطاً سياسياً، خلا تجربة قصيرة في إطار الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إلا أنه في تلك الفترة كان يقترب أكثر من السياسة وصراعاتها (على أرضية متمركزة فلسطينياً وقومياً عربياً). هذه جدلية لم تستكشف بعد بحدود ما نعلم، وهي جديرة اليوم بأن يعاد التفكير فيها على ضوء تجربة جيلين من الثقافة والسياسة في سوريا والمشرق. جديرة بالاستعادة أيضاً، وبالقراءة، كتب صادق في تلك الفترة. والمأمول أن يجري نشر الأعمال الكاملة للمثقف الدمشقي في وقت قريب، وتوضع بمتناول المهتمين.
بعد قليل كان اللاسياسي الذي يهتم بحوادث السياسة وصراعاتها، صادق جلال العظم، والسياسي المثقف الذي يقود حزباً، لكن تقوده كوامن تفكيره خارج السياسة، يخرجان من السياسة مثل الجميع، مطرودين. ياسين الحافظ توفي عام 1978 عشية الطرد العام للسوريين من السياسة بعد رحيله بعام أو عامين، وحزبه عاش بلا سياسة حتى نهاية القرن أو بعد، وصادق وجد نفسه يدرس اللغة الانكليزية في جامعة دمشق إلى حين يتوثق نازعو السياسة من أن «المشكلجي»، وهذا كان لقبه إثر كتبه النقدية المبكرة، لن يكون مشكلجياً جداً. لبعض الوقت في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين، كتب صادق منتقداً منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح تحديداً، في صحف رسمية سورية. وهذا وقت كان نظام حافظ الأسد يدخل في حرب تمزيق واستئصال لفتح. ليست معلومة الملابسات التي تسببت بذلك، لكن لا يبعد أن تكون ساقته إلى ذلك ضغوط سياسية مباشرة.
في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته كتب صادق «ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنية التحريم»، و«دفاعاً عن المادية والتاريخ». سجلت هذه الأعمال أقصى ابتعاد عن السياسة المباشرة للمثقف الذي لم يرد أن يبتعد عن السياسة، وهذا في زمن كانت السياسة العليا فيه هي نزع السياسة من العموم. لفهم ثقافة العقدين الأخيرين من القرن العشرين في سوريا، وبصورة ما في العالم العربي، يلزم أن يوضع في البال انتصار نخب الحكم على المجتمعات المحكومة بصور متنوعة، وتجريد المحكومين من القدرة على المقاومة. سوريا هي البلد الذي تحقق فيه ذلك بصورة تقارب الكمال. لكن كان هذا حال العراقيين أيضاً، والفلسطينيين الذين جرى تحطيم وطنهم السياسي، منظمة التحرير، ولم يستعيدوا قدراً من السياسة إلا عبر الانتفاضة الأولى عام 1987. في كل مكان من العالم العربي كانت نخب السلطة تستقر وتستمر، والجمهور العام ينكشف ويجرد من أي قدرة على الانتظام الذاتي، والمثقفون يجدون صيغاً للتعايش مع هذا الوضع تبقيهم على قيد… الثقافة. صادق وجد بُغيته في الكتب المشار إليها، الجابري في سلسلة كتب عن «العقل»، العروي في الشغل على المفاهيم. أما أدونيس فكان متحول الأفكار، ثابتاً حول ذاته.
لم يكن هذا الابتعاد العام عن السياسة خياراً شخصياً حراً لأي من جيل أساتذتنا، أو انحيازاً إلى استقلال الثقافة. لا يشبه الأمر بحال انشغال صادق بقضايا فكرية ودينية واجتماعية في أواخر ستينات القرن العشرين، وقت كان يستطيع أن يقول كلاماً في السياسة حين يشاء. لكن ينبغي القول إن سياسة المثقفين السابقة، أعني قبل ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته، كانت سياسة قومية عربية و«أممية» في عمومها، لا تكاد تجد ما تقوله عن أنماط ممارسة السلطة في بلداننا. حين سكت المثقفون عن قضايا السلطة والسياسة في الثمانينات لم يكونوا ينقطعون عن تقليد في نقد الدولة والسياسة. لم يكن هذا التقليد موجوداً.
على أن صادق كان أبرز مثقف سوري من جيله ينخرط في نشاط سياسي عملي في مستدار القرن مع موجة «ربيع دمشق». كان من مؤسسي «لجان إحياء المجتمع المدني» التي مثلت في سوريا بصورة ما سياسة المثقفين أو شكل عودة المثقفين إلى السياسة، بعد عقدين من الغياب. وهي سياسة «إصلاحية»، تدافع عن تصور «مدني» للديمقراطية، مناسب للطبقة الوسطى المتعلمة. شارك صادق أيضاً محاضراً ومناقشاً في ندوات تعقد في بيوت خاصة، وفي التوقيع على بيانات المثقفين السوريين المطالبة بالديمقراطية وعرائضهم. في هذا كان صادق على تعارض كبير مع مثقفين سوريين آخرين من أصول فكرية واجتماعية مقاربة، لكنهم استبطنوا الطرد من السياسة، وانقلب بعضهم عبيداً للدولة أو ملهمين فكريين لبِنائها وبنّائيها.
منذ بداية الثورة السورية كان صادق جلال العظم منحازاً لها بوضوح تام ودون لبس. كان الرجل في السابعة والسبعين حين تفجرت الثورة، ولم يكن غافلا عن تعقد المشهد، لكنه استطاع قول كلام واضح في كل وقت في شأن موقعه في هذا الصراع ومع من هو وضد من، ونال على ذلك الشتائم المألوفة من جيش الاحتياطي الاستراتيجي للدولة الأسدية وجلاديها الرمزيين.
لا ينبغي أن يمر وقت طويل قبل أن تكتب بتفصيل السيرة الفكرية والسياسية لصادق جلال العظم. بأطوارها المختلفة، وبتناقضاتها، وبما يحتمل أن يكشفه بحث منقب من توترات فيها، هي سيرة مثقف سوري بين حزيران القومية العربية وما يحتمل أنه اليوم حزيران الإسلاميين، فصل بينهما حزيران اجتماعي طويل، دُحر فيه مجتمعنا السوري وأذل إذلالاً خارقاً.
يوافق الواحد منا صادق أو لا يوافقه في قضايا متنوعة، لكن أليف بيرغسون وكانط، وماركس طبعاً، أراد دوماً أن يقول شيئاً لمواطنيه عن شأنهم المشترك. يخرج الواحد منا من تعريف المثقف بالذات إن لم يكن لديه ما يقوله للعموم عن الشأن العمومي.
صادق غاب فيما ينفتح أمامنا أفق بالغ القسوة، لا يعد المنتصرون فيه عموم المحكومين بأي شيء، ولا يزعمون هم بالذات لأنفسهم أي قيم إيجابية، وهذا في عالم أوسع يبدو اليوم في أدنى طاقة كامنة له من الديمقراطية والأفق العالمي المشترك.
لا يعيش المرء أطول من عمره. لكن حيال الأزمة الكبرى الجديدة، يتمنى المرء لو يكون صادق جلال العظم في الثلاثين، وأن يقف ممارساً نقد المجتمع والثقافة والسياسة من جديد. ما يعزي عن غياب صادق هو أن بيننا ثلاثينيون اليوم، وقلوبهم ليست أقل حرارة من قلب صادق قبل نصف قرن، وعقولهم ليست أقل نقدية.

يوسف بزي.. عبدلكي ومعرضه الدمشقي: من أُمّ الشهيد إلى عارية هانئة

ديسمبر 23, 2016 اضف تعليق

عن المدن

معرض يوسف عبدلكي في دمشق. الخبر تم تداوله أولاً على "الفايسبوك" بكثير من الدهشة والحيرة، وبكثير من السخط أو الترحيب أيضاً، الإدانة والتشجيع، الاستنكار والتأييد. فالفنان التشكيلي السوري المعارض الذي قضى نحو 24 عاماً في منفاه الباريسي قبل أن يعود العام 2005 إلى دمشق، اعتُقل في العام 2013 لفترة وجيزة وخرج إثرها إلى المنفى مجدداً، وها هو اليوم يعود بغتة إلى دمشق "آمناً" و"حراً" و"ناشطاً" فيها، وعلى هذا النحو الاحتفالي بمعرض تشكيلي له، في لحظة سقوط حلب وتغول النظام وميليشياته أكثر من أي وقت مضى، وتفاقم النكبة السورية، وانتشاء رأس النظام بفائض الدم المسفوك.

يقول الخبر: تقيم غاليري "كامل" في دمشق معرضاً لأعمال يوسف عبدلكي. الافتتاح السبت 17 كانون الأول 2016. من الساعة الخامسة وحتى الثامنة مساءً. ويستمر المعرض لغاية 15 كانون الثاني 2017. العنوان:
مزة فيلات شرقية ـ مقابل اتحاد الكتاب العرب ـ بناء سفارة بيلا روسيا.

بالطبع، لا تشكيك في مبدئية يوسف عبدلكي كمُعارض قديم للنظام السوري، وللإستبداد عموماً، وفي عناده اليساري، وإصراره في معظم أعماله على تصوير أثار الظلم والتهميش والقمع، بلوحات طغى عليها باستمرار الرمادي والأسود وإيحاءات الغضب واليأس والاحتجاج. لا شك أيضاً أنه أحد رموز الثقافة السورية المستقلة عن الثقافة الرسمية البعثية. ولا شك في حق عبدلكي بالبقاء في بلده أو السفر منه ساعة يشاء. بل إن البقاء في بلده ليس تهمة، كما أن اختيار الهجرة والمنفى ليس عيباً.

قد يكون التشبث بالإقامة في دمشق أو اللاذقية أو طرطوس أو حمص أو حلب، وفي أي بقعة سورية، هو فعل "مقاومة" ضد "التغيير الديموغرافي"، وضد التطهير الطائفي، وضد إفراغ سوريا من نخبتها وشبابها وطاقاتها البشرية. قد يكون "النشاط الثقافي" هنا وهناك في زمن الحرب، تعبيراً عن قوة الحياة ضد الموت، بل وأحياناً فعلاً ثورياً ضد النظام نفسه. 

ليس واجباً على كل مؤيد للثورة النزوح إلى المناطق المحررة، أو الهجرة إلى اسطنبول أو باريس أو برلين، أو حَمل السلاح، أو الانضواء في تشكيل سياسي، أو ببساطة: أن يسهّل على النظام اعتقاله. بهذا المعنى، من حق كل سوري ثائر أو معارض، أن يأخذ خياره الفردي وبحسب ظروفه، في البقاء أو الرحيل، في العمل أو القعود، في المجاهرة أو الصمت.

مع ذلك، الريبة كبيرة إزاء ما "اقترفه" يوسف عبدلكي. فهذا الفنان الذي استطاع إنجاز "تسوية" ما مع النظام ليعود إلى دمشق العام 2005، في ذروة الحملة القمعية والاعتقالات ضد رموز المعارضة المدنية آنذاك لما كان يعرف باسم "ربيع دمشق"، وفي ذروة الصدام بين المجتمع الدولي ونظام الأسد، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. بدت عودته في ذاك التوقيت "هدية" مجانية لتجميل صورة النظام، بغض النظر عن دوافع عبدلكي الشخصية. وهو بالتأكيد ليس ساذجاً سياسياً، وكان يعرف أن النظام سيستثمر هذه المبادرة إعلامياً وسياسياً بوصفه نظاماً يرحب بـ"المعارضة الوطنية الشريفة"، وفق رطانته المعروفة. بل إن تلك "العودة" اندرجت ضمن حملة النظام الدعائية لـ"التلاحم الوطني"، بعد المهانة التي تلقاها بالانسحاب المذل لجيشه من لبنان، والعزلة الدولية الخانقة التي عانى منها. 

اليوم، تتفاقم تلك الريبة مع هذه العودة الثانية، وبمعرض تشكيلي احتفالي في قلب دمشق، حيث لا نشاط، مهما كانت صفته، من دون موافقة النظام وأجهزته الأمنية. بل لا تنقّل ولا تسوّق أو خروج وتجوال في العاصمة السورية، من دون عشرات الحواجز العسكرية والمخابراتية، ولا قول أو رسم أو تصوير أو نشر أو عيش عادياً من دون رضى النظام. وحين يكون يوسف عبدلكي، حاملاً صفة المُعارض السياسي والمثقف اليساري المناهض للإستبداد، هو نفسه الذي يبادر إلى علنية الإقامة الطوعية تحت سيطرة النظام، ويمارس نشاطه الثقافي الفني من غير تحفظ أو مانع، فإن صفة "المعارضة" هنا تتخذ تأويلاً مختلفاً عن تلك المعارضة التي تتعرض للقتل والإبادة والقمع الوحشي. ويجوز الظن أن عبدلكي والنظام توصلا إلى تفاهمٍ ما يتيح التعايش بينهما. ويمكن التخمين، بلا مجازفة، أن أصل التفاهم الافتراضي (وربما غير المكتوب) إقرار ضمني أو علني وعملي من الفنان ببقاء النظام وشرعيته، واستسلام له ولسلطته. ولا شطط في الاستنتاج أن عبدلكي اتخذ مسافة آمنة عن كل المعارضة السورية التي تطالب بإسقاط النظام، وتبرّأ عملياً من شعارات الثورة، حتى ولو ظل يتلفظ بها شفهياً على طريقة أدونيس أو قدري جميل، أو وفق ما يتلفظ به بعض اليسار التقليدي، وعلمانيو جريدة "الأخبار"، من "أولوية محاربة الإرهاب" أي: النظام أرحم من الإسلام السياسي، وإن الثورة انحرفت أو تمت مصادرتها.. إلخ، من مقولات تبريرية تهرباً من ثمن التمرد على النظام، وإراحة للضمير من عبء التضامن مع مئات آلاف الضحايا وملايين المشردين وعشرات آلاف المعتقلين ومئات آلاف المفقودين.

يدري عبدلكي أن صدى معرضه ليس "تشكيلياً" ولن يكون حول تحولاته الأسلوبية واللونية والشكلية، ولو توقف كثيرون عند لوحات العري المستجدة والمتشحة بالكآبة (!!)، فها أن أبرز المقالات الصحافية عن المعرض تُجمع على القول بأن مبادرة يوسف عبدلكي هي "إخصاء تام للرواية السخيفة التي أشاعها ويشيعها "مناضلون" و"ثوّار" لم يكتفوا بتفضيل السلامة بعيداً فحسب، بل كانوا الأعلى زعيقاً وتحريضاً على الموت بعدما غدوا في مأمن (...)"، في كلام موجّه إلى كل قوى الثورة السورية والمعارضة الجذرية للنظام، يعني في ما يعنيه، أن عبدلكي بخياره هذا، هو "الوطني"، وأن الآخرين المهددين بالإستئصال اليوم في حلب وكل سوريا هم "خونة" أو مضللون أو ظلاميون وإرهابيون.

يعي الفنان أن مساكنة النظام على هذا النحو، هي رسالة فحواها أن "الصواب" هو في إلقاء السلاح والاستسلام والقبول بالسقف الذي يضعه نظام الأسد لأي اعتراض: "كن معارضاً مبدئياً لكن تخلّى عن ثورتك". هذه بالضبط الفحوى الخفية لتحول لوحة عبدلكي من وجه "أم الشهيد" إلى "إيروتيكية" العري الهانئة.. الخالية من "السياسة".

في العام 2005، سُئل الفنان عن "شروط" عودته وظروفها، فقال نافياً أي "تسوية": "لا أريد أن أعود بواسطة. من حقي أن أعود إلى بلدي من دون اتفاق أمني مع جهة ما". يمكن عدم تصديق ذلك، نظراً إلى معرفة الجميع بطبيعة النظام الوحشية وغير المتساهلة مع معارضيه، أو يمكننا تصديق هذا الكلام بالنظر إلى لحظة ضعف النظام وحاجته إلى تبييض صورته آنذاك. مع ذلك، فثمة التباس أخلاقي وسياسي أكبر يغلف قرار عودته الثانية، راهناً، إلى دمشق بعد كل ما اقترفه النظام بحق رفاق عبدلكي وبحق ملايين السوريين. لا يمكن لعبدلكي أن يمنعنا من الانتباه إلى مغزى مبادرته فيما البراميل المتفجرة تنزل على المدن والبلدات والقرى، ويهيم مئات الآلاف من سكان حلب في عراء التهجير، وفيما عشرات الآلاف من مواطنيه يتعرضون للتعذيب في أقبية المخابرات على مقربة من معرضه بالذات. 

مبادرة عبدلكي، وبغض النظر عن نواياه، هي "خدمة" كبيرة لنظام الإجرام، بل هي شهادة تصديق على مقولة "الموالين": سوريا بخير. لا يمكن لعبدلكي تجاهل أثر معرضه بالمعنى السياسي: تهليل الموالين (والرماديين) لهذا الحدث، وتحفظ المعارضين عليه. في أفضل الأحوال، يبدو عبدلكي قريباً من سلوك "الذمية" المهادنة والخانعة.

التساؤل الأخلاقي والسياسي حول "معرض ومعارضة" يوسف عبدلكي، يمكن اختصاره في رأي ياسين الحاج صالح، الذي أجابنا: "لا وجه للوم أحد على عيشه في بلده أو عودته إليه بعد غياب. الطبيعي أن نعيش كلنا في بلدنا وليس في غيره. نبقى في البلد أو نخرج منه وفقاً لدرجات من الاضطرار والاختيار. فإن كنا مضطرين، انقطع كل كلام. وإن كنا مختارين، فالمعيار هو ما إذا كان بقاؤنا أو خروجنا يعطينا هامش حركة أوسع من أجل قضية التحرر السورية العامة. ليس هناك خيار بلا ثمن، وفي شروطنا العيانية ينبغي طرح أسئلة بخصوص الدور الذي قد نرتضي القيام به حين نكون مختارين، وما يحتمل أن نضطر للقبول به من تسويات ورقابة ذاتية، أو من أشكال من الصمت والمراعاة من دون إقرار منا بذلك، وربما من حسابات بغرض الاحتفاظ بهوامش حركة شخصية أوسع. المسألة في النهاية لا تنحصر في أن نكون في الداخل أو في الخارج. المسألة هي ما إذا كان نستطيع الخروج من البلد والعودة إليه، وبأي ثمن؟".

هذا الجواب يعود بنا إلى معنى الثورة السورية الأول: طلب الحرية. وهذا، على ما يبدو، أصبح رمادياً عند يوسف عبدلكي. 

فادي أبو خليل... شاعر الصورة خارج الشاشة

ديسمبر 22, 2016 اضف تعليق

محمد حجيري | الأربعاء 23/12/2015 

قد يكون من المفارقات، ان الشاعر والمسرحي فادي أبو خليل، الذي ذكره الروائي محمد أبي سمرا في مقاله "الخلاص الصوفي: بشير الجميل وميشال عون"، كنت ألتقيه يومياً في مقاهي شارع الحمرا الآفلة، وفجأة اختفى كأنه في غيبة سميناها على سبيل المزاح بـ"الصغرى". كان علامة من علامات عشق المكان ومشهديته ومدينيته، وفجأة انتبه كثيرون إلى أنه لم يعد يتسكع على رصيف رأس بيروت، ولا يلقي نظرة على الجالسين في المقهى ويمشي، لم يعد يقدم مسرحيات بأفكار جديدة مغايرة، وتوقف عن إصدار دواوين شعرٍية بلغة يومية حداثية مختلفة... وربما لم يكن سهلاً أن يمارس صاحب دواوين "فيديو" و"لا شيء تقريباً" و"غيوم طويلة" و"أني اتذكر"، قطيعة مع شارع كان صورة من صور يومياته وناسه ورواده.

آخر مرة سمعت خبراً عن فادي أبو خليل، كان في العام 2008، عندما قال الشاعر فيديل سبيتي للصديق رضوان الأمين: "لقد التقيت بفادي أبو خليل في متاجر abc الأشرفية، وبعدما تعارفنا من جديد، سألني: هل أنت فيديل؟ أجبته: فادي أينك لا نراك؟ فقال لي: "يا فيديل الوضع مش منيح".. وانتهى الحديث هنا، قبل أن يغادر فيديل المنطقة وهو دائماً يطمح إلى قراءة قصيدة جديدة لفادي أبو خليل الممثّل والشاعر والمسرحي.


وأتذكّر آخر مرّة شاهدتُ فيها فادي أبو خليل، ليس في الشارع بل في فيلم "خلص" (إخراج برهان علوية)، وهو قصّة صديقَين حميمَين من أيام الحرب الأهلية (فادي أبو خليل وريمون حصني) يتحوّلان إلى السرقة بعدما فشلا في تحقيق الآمال المعلّقة. أحدهما يعتقد أنه يستطيع أن يفعل كل شيء بما في ذلك الانتقام من حبيبته، لكنه في الحقيقة لا يستطيع سوى الهرب، إليها حيناً، وبعيداً منها حيناً آخر (تشبه القصة علاقة فادي والكثير من المثقفين بشارع الحمراء).


حين فتشت في الانترنت عن صور للشاعر المختفي، لم أجد إلا صورة له في مقهى "الروضة" من الفيلم المذكور، وآخر أخباره تعود إلى بداية الألفية الثالثة، وكان فادي أبو خليل في يومياته البيروتية، يتجوّل في سيارته الشيروكي وقبلها الرينو، أو يتمشّى ذهاباً وإياباً على الرصيف، ويجلس في المقهى متأمّلاً وممازحاً الجميع. غادر أبو خليل الشارع بإصرار ومن دون إعلان، وفي المقابل تبدّلت الأمكنة التي كان يرتادها، من مقهى "المودكا" إلى مقهى "الويمبي" (أصبحا محالاً لبيع الألبسة الجاهزة)، و"الكافيه دو باري" (باتت مطعماً للوجبات السريعة). ربما يكون شِعر أبو خليل خير معبّر عن أحوال المدينة وشوارعها. يقول في كتابه "فيديو" (منشورات دار الجديد) أن محل "Red Shoe" يبدّل كثيراً من لافتاته، والأمر ينطبق على معظم المحال التجارية في الحمرا: حانة "شي أندريه" التي كانت تعتبر الاقدم في المنطقة، واستقبلت الكثير من المشاهير اللبنانيين (مثل جورجينا رزق وزياد الرحباني) وحتى بعض العالميين (مثل جوني هوليداي)، فضَّل صاحبها إعدامها والخروج منها الى محل جديد متجاهلاً روادها التاريخيين وعلاقتهم بالمكان. واجهات السينما اندثرت ولم يعد للأفيشات الضخمة أي حضور. معظم المعالم القديمة استسلمت إلى تحوّلات المدينة التي غرقت في خضم الاستهلاك، مع تنامي ثقافي النراجيل وكثرة رواد الكحول والليل.

فادي أبو خليل ابن منطقة الأشرفية والمتحدر من بلدة اللويزة(جبل لبنان)، كان من عشاق شارع الحمراء، وحتى في خضم الحرب الأهلية اللبنانية اخترق خطوط التماس، وقيل إنه كان شيوعياً في الوسط الكتائبي، وتردّد أنه دوّن كتابه الأول عندما كان يقف في شارع الحمراء بسيارته. أما كتابه "فيديو" فكتبه عن محال شارع الحمراء وشخوصه وكتّابه وشعرائه (ثمة من اقترح عليه أن يسمّيه "ويمبي")، ويكتب فيه عن الشاعر بول شاوول "الملل كوشاح على وجهه"، ويهدي قصائد لبعض الشعراء، ويقول في مقدّمته: "تلهمني المباشرة، أن أرى نفسي أتكلّم مباشرة، بواسطة الشعر أو شاشة فيديو". أيضاً، يعلن أبو خليل في المقدّمة ذاتها: "النثر والمعدن والفيديو من علامات حياتنا الواضحة. ما عاد بالإمكان الاستمرار بدونها". وقصائد أبو خليل، عموما يتمّ التركيز فيها على الذاكرة السينمائية وعلى إيحاءاتها كما يقول الشاعر يوسف بزّي. كتب قصيدة بعنوان "فيلم" من "لا شيء تقريباً": "عندما أشعلت لولا سيجارتها/ وتمدّدت على السرير/ وقف "سيلر" على باب الحمّام/ يسترجع ماضيها بدون "سيلر"/ ماضيها الذي تألم كثيراً/ تلك اللحظة".
بل إنه كتب قصيدة أخرى، أيضاً بعنوان "فيلم" يقول فيها: "لست البطل/ ولا الظلّ/ في هذا/ الفيلم". وله قصيدة بعنوان Fiction: "أسماك قرش/ تسبح في التلفزيون/ ضفادع وعارضات أزياء/ مسوخ وأرقام/ مذيعون وأفلام كرتون/ لما أفقت/ كان كل شيء/ قد عاد الى أصله".

كان أبو خليل مُقلّاً في اصدار الشعر واختزالياً في الكتابة، وحجم الكثير من قصائده ربما مثل "سيستام" حجم قصيدة الهايكو. وعدا عن خروجه عن مشهد ثقافة المدينة، فهو كان ينعي موقع الشعر في آرائه، ويعتبر أنه(أي الشعر) "ينتمي الى العالم القديم الذي نعرفه نحن(..). وهو أيضاً مركز للكلمة الصافية التي تصفى الى درجة تشع معها. لقد جاءت الشاشة وخربت المواقع، (...) يقال مثلاً: موقع على الانترنت، وهو في قلب شاشة، والشاشة أمامك وحدك، لا يشاركك الآخرون فيها. بينما الشعر في زمنه كان لغة في الهواء، تصل الناس بعضهم ببعض، وتجعلهم يسهرون ويغنون ويحلمون معاً. ما نكتبه نحن اليوم، هو تماماً ما بعد الشعر... ربما كان جثة الشعر".


ولا يمكن اختصار تجربة ابو خليل في الشعر. فهو قام بالتمثيل في بعض الأفلام والمسلسلات اللبنانية، وكان أكثر حضورا في المسرح. عرفه الجمهور ممثلا في مسرحيّة جوزيف بونصّار "العائلة طوط" أوائل الثمانينات، وقدم تجارب مسرحية وصفت بالمحيرة، باعتبار أنه آت من خارج المدارس والاتجاهات الرسميّة. واشتهر بمسرحية "بوب كورن" ومسرحية "راديو وشعر وحديث" التي أحدثت صدمة، وتناول قصائد شعراء خمسة، هم حسب توالي نصوصهم على الخشبة: عبّاس بيضون، أنسي الحاج، بول شاوول، محمد الماغوط، رشيد الضعيف. يهتمّ أبو خليل باستخراج المادة المسرحيّة من النصّ، ويطرح أسئلة حول كيفيّة اداء المشهد الشعري. 


منذ أن غادر أبو خليل شارع الحمراء كثرت التساؤلات حوله: أين هو؟ ماذا يفعل؟ هل ترونه؟ كيف نصل إليه؟ هل لديه رقم هاتف؟... صديقه الشاعر يحيى جابر كتب عنه نصاً عنوانه "عن شاعر مفقود يُدعى فادي أبو خليل"، قال إنه سيهديها إلى روح فادي الذي لم يمت. لا أحد ينكر أن أبو خليل كان من وجوه الشعر الحديث في لبنان، وقد سُمّي مع مجموعة من أبناء جيله بأنهم "جيل شعراء الحرب"، وهذه التسمية انتهت وباتت تلاقي اعتراض بعضهم... واللافت أن الكثير من معدي الانطولوجيات الشعرية تناسوا صاحب "فيديو"، ربما لأنه غادر الصورة النمطية للثقافة السائدة.


من قصائده:
دائرة الساعة
الواقفون في الخامسة،
الأشخاصُ الذين يلبسونَ دائرة الساعة
بطريقةٍ معكوسة.
ماذا يفعلون بالعقرب الصغير
بماذا يلوّنون وراءهم،
بصباغ الأحذية؟
لو أضاعوا طاقة أيديهم
في غرف التسلية؟
أو توزعوا إلى حركاتٍ حرةٍ،
كالمشي بأصبع واحدةٍ
على سِيركٍ طويلٍ
يصل إلى طاولةٍ مستديرةٍ محيِّرة.
تلمعُ الرئةُ بالدخان دون أن يشعر الشخص
بشيءٍ يذكر.
تُلقى مفاتيح الألعاب من الجوارير
على جبال الساعات،
دون أن تحدث صرخةٌ في المسافة.
الأشخاص الواقفون على رؤوسهم
في دائرة الساعة،
يحركون في الطناجر هزّةً كبيرةً بحجم طابقٍ
يأكلون روحاً حتى قدميها.

***

الضوء أيضاً
الحبُ نفسه هذا المساء
الضوء أيضاً خلف القماش
يقيسُ وجهكِ
اليدُ نفسها
كلما اقتربنا.
وجهةُ التماثيل على الطاولة
الإنحناءةُ في الهواء
حركة السرير.
النظرةُ نفسُها على الوسادة
الدبابيس المبعثرة
ولاّعتكِ
الدفاتر المحفوظة
الفسحةُ نفسها كلما تباعدنا
الرقةُ التاكيةُ على الكرسي
التمدّدُ في المرآة
الكلمات.
***

نائمون كعيون الأسماك

تلك المرأة
الرائحة المنقولة
بخطواتها الباحثة عن سمائنا
تحت الأرض،
حيث نسحب ببطءٍ
أسلاك أرواحنا
وتتأهب الجدران بعيوننا المدوّرة
كإنفجارات خفيفةٍ متلاحقة.
كنا فضائيين كمنازل
قد تخرجُ من نوافذها.
نُمسكُ جلودَنا
نعلق بالتحرّك الثقيل للعددِ والأقدام.
من عينيها المبعثرتين داخلها
إنفتحتْ صرخةٌ في أول الجدار،
فراشةٌ حول تراب أكتافها.
كأضلاع البناية التي غابت من
كثافة الفضاء المتواصل
ما بعد الباب الذي يلمع عليه الإنفجار
كنا ضعفاء،
نائمين كعيون الأسماك.
كنا لشدة أجسادنا وأماكننا
لشدّة دخاننا وابتعادنا تحت الطوابق.

***

للصمت آلاته وحركاته العازفة
للصمت ورقة خلف جسد الإختباء.
عينٌ مشدودةٌ بأقنعة العلب الداخلية
وأوتارٌ ملفوفة.
للصمت عبورٌ مالسٌ إذاً
فرصةٌ للتمرئي.
أزياحٌ إذاً،
لمساتٌ عاريةٌ لحفظ الرسائل.
للصمت كثافة الجلوس
خفّة الأقفال حطبُ الأرقام.
... بقايا طعامٍ وطاولاتٍ
راحاتٌ للذقون
أظافرٌ لجلد الصفحات والمساء.
... خدمٌ ذهبٌ وأجبانٌ مشعّة
أمشاطٌ للذهاب إلى نهاية
المرايا.
للصمت جوانبُ بارزة الأضراس.
للصمت
يدٌ تسحبُ وسادةً مغمياً عليها
من التفكير في هواءٍ دائريّ.
عتمة في الطناجر
وحياةُ الحشرات الخفيفة.
... عَرقُ عضلاتٍ
ومراقصُ لكائنات الغيظ.
- See more at: http://www.almodon.com/culture/2015/12/23/%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b4%d8%a9#sthash.1MIX0Jes.dpuf

قصيدة للشاعر قوباد جليزاده

ديسمبر 22, 2016 اضف تعليق

قبلَ أن تذهبَ الوردةُ الی الحرب 

ترجمة عن الكردية:عبدللە طاهر البرزنجي وقباد جلیزادە
ذهبتُ الی الحربِ..
روحي ملأی بفراشاتٍ مغتالةٍ،
حقيبةُ ظهري مترعةٌ بالأراملِ،
غارقةٌ زمزمیَّتي بعيونٍ مُفقّأة.

ذهبتُ الی الحربِ؛
كان یطلقُ النارَ
مُتَّخذا من صخرةٍ متراساً.
حاصرناه..
رفعَ یدَەُ مستسلما،
لکننا افعمْنا بالرصاصِ فمَە.
حَظِيَ هذا بعلبةِ سجائره وولاّعتِە،
ذاكَ أخذَ مسبَحتَەُ و یشماغَەُ،
ونلتُ أنا
جیبَەُ الملطَّخَ بالیتامی.

ذهبتُ الی الحربِ..
في خندقٍ من خنادقِ “العدو!” جثة هامدة..
لي رمّانتَەُ،
لـ “الثورة !” کرامةُ بندقیتِەِ
زوجتُە لفلانٍ، وابنتُە….
وللکلابِ السائبةٍ ذکریاتُە.

ذهبتُ الی الحرب..
وعلی بُعدِ سبعمائە مترٍ أصَبتُ رأسا
فانفجرَتْ حناجرُ رفاقي مقهقهةً :
-“براڤو براڤو براڤو..!”

جرَّتني بندقیتي کثورٍهائجٍ
الی ساحةِ القتالِ؛
رَمیتُ یمینا ویسارا،
قتلتُ الماءَ والهواءَ والنار،
قتلتُ الجوزَ والسنجابَ،
قتلتُ المطرَ والسحابَ،
قتلتُ الصفصافَ واللبلاب،
قتلتُ الحجرَ والترابَ،
قتلتُ الأنوثةَ والرجولةَ،
قتلتُ الحَبْوَ والطفولةَ
قتلتُ الخیلَ والنخیل
قتلتُ الخریرَ والهدیل
قتلتُ الشمعةَ والقندیل
قتلتُ هابیلَ وقابیل
قتلتُ القتیلَ
قتلتُ حتی زعلَ مني عزرائيلَ
قتلتُ ثم قتلتُ
قتلتُ وما ارتویت،
قتلتُ، ولِحربِ غدٍ نوَیتُ

قبلَ أن اذهبَ الی الحربِ
کادت کتفي تحتكُّ وکتفَ فتیً
فقلتُ لە: “عفوكَ یا أخي”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
التمستْ زوجتي لیلاً أن اهجرَها
کي تصومَ في الغد..
-” تأمرینَ یا عزیزتي”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
قلتُ لراکبٍ کان جالسا بجنبي:
-“أتسمح لي أن أدخنَ سیجارةَ ضجر؟”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
وأنا أغرقُ خجلاً،
بحیاءٍ قلت لها،
وهي تسیر أمامي مسرعة:
– “سحّابُ تنورتكِ مفتوح!”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
قلتُ لبصیرٍ وهو یشرعُ بعبورِ شارعٍ
مبللٍ بضجیجِ الموت:
-“خذ یدي کي أغذّي عکازتكَ بالنور”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
قلتُ لنادلِ نادٍ:
-” هاتِ، لو سمحتَ، قارورةَ خیالٍ
وحفنةً من زیتونِ الجمال”

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
قلتُ لعجوزٍ ثکلی:
-“انظَمّي الی مظلتي
لئلا تبتڵ جدائلُكِ البِیضُ برذاذِ اليأس″

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
حزنتُ لدجاجةٍ عانسٍ
نسیَتْ کیف تبیضُ
تحتَ ابطِ صاحبِها کلَّ صباح.

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
بکیتُ لنملٍ أتاهَ بیتَ الحبیبةِ
بینَ أنقاضِ البَعَرِ.

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
سمحتُ لقِطَّةٍ عطشی
أن تحفرَ في راحة یدي بلسانها المالحِ
بئراً من ماءِ زمزمَ

قبلَ أن اقصدَ الحربَ
قلتُ لفراشةٍ عروسٍ
عائدةٍ لتوِّها من الحمّام:
-“کمِ الساعةُ الانَ؟”
فاحمرَّتْ اجنحتُها خجلا وقالت:
-“لم تبقَ الا دقیقةٌ واحدةٌ حتى السلام”!!

هيدغر: ما الإنسان؟ ترجمة وتعليق موسى وهبه

ديسمبر 22, 2016 اضف تعليق

[مقاطع من رسالته إلى جان بوفريه: في الأنسية]
(نص هيدغر مرقّم وبين معقوفين، الباقي تعليق المترجم)
لا أحبّذ الكلام على غائب، بالعربي المعيش: "ما بحب الحكي بالقفا". وهذا ليس موقفا أخلاقيا بل موقف فلسفي. فالفلسفة عندي ليست مجموعة أفكار تُتداول، أو مواعظ تلقى، بل نصوص تُعاقر.

وهيدغر غائب أكبر عن ساحة القول العربي أو هو حاضر جزئيا في ترجمات صعبة التناول. فلا حيلة لي إذًا سوى مبادرته في بعض نصّ له مقتطف من جوابه عن سؤال الفرنسي جان بوفريه بُعيْدَ محاضرة سارتر "الوجودية أنسية (humanisme)" خريف 1946 . والجواب يهم بقدر ما يتميّز من نظرته إلى الإنسان الواردة في الكون والزمان [S.Z.]

[يكتب هيدغر:
1- إن عبارة: "الإنسان يُبِرّ" لا تجيب عن سؤال ما إذا كان الإنسان متحققًا أم لا، بل تجيب عن السؤال عن "حضرة" [Wesen] الإنسان. ويساء طرح السؤال ذاك بقدر ما يساء إذا ما سألنا: ما هو الإنسان، أو من هو الإنسان؟ لأنّنا بهذا الـ من؟ wer أو الـ ما؟was نكون نرى إليه في قيد الشخص أو الموضوع. والحال، إن القيد الشخصي، وبما لا يقل عن الموضوعي، يخطئ، ويحجب معا، حضور الإبرار الحَدَثيّ...
في S.Z. وضع لفظ "حضرة" بين مزدوجين للإشارة إلى أن الـ "حضرة" لم تعد تتعيّن انطلاقا من إنّ الماهية.. ولا من إنّ الوجود..، بل من إبرار الهٰذيّة Dasein . ]
أقول: يُبِرّ بمعنى ينزل إلى البرّ أو يقيم في برّانيّه بدلا من القول: يوجد بإزاء ek-sistiert؛ فهيدغر بإظهار فصل –ek يؤكد على البراني، ويوفّر لي مناسبة لاستعادة معنى يوجد والوجود بالعربية بمعنى القيام بالإزاء والحضور، في مواجهة الخلط الحاصل بالعربي اليوم بين الكائن والموجود (والكون والوجود).
وهذا يقودني إلى التوقف عند اللفظ الألماني Wesen المقابل في نظر هيدغر لـ أوسيه اليوناني المنقول إلى العربي بـ ماهية وبـ جوهر، وإلى اللاتيني بـ essentia وبـ substantia واستطرادا إلى بعض ألسنة أوربا الحية. وأستند إلى فهم هيدغر نفسه لـ اوسيه لأؤدّيه بـ "حضرة " التي لم تعد تتعيّن انطلاقا من.." ويسعدني أنّ المعجم يورد: "حضرة الرجل فِناؤه، وهو مكان حضوره". 
وأذكّر بما يشير إليه هيدغر من سوء طرح السؤال بصيغة عنوان هذه الورقة :ما الإنسان؟ لأؤكد أني طرحت السؤال بهدف اقتحام نص هيدغر استنادا إلى نصه نفسه ودفعه إلى الإفصاح عن كامل أبعاد معاندته للقول الفلسفي الرائج في عصره مثل: رفض الكلام على الإنسان بعدّه شخصا مريدا أو موضوعا لعلوم الإنسان، والتبرؤ من كل أنتروبولجيا ممكنة.
المهمّ أنّ "الحضرة" تتعيّن من إبرار الهٰذيّة: Dasein التي يحار النقلة إلى العربيّة في تأديتها، مراوحة بين الطبيعة الإنسانيّة و"الكائن-هنا"، وصولا إلى تعريبها ببساطة: دازَيْنْ (جريًا على مراوحة النقلة إلى الفرنسية). وأقول هٰذيّة، بعد إذ عدلتُ عن هوذيّة كمصدر صناعي من هوذا الذي يشير إلى الأثر الإنجيلي: "هوذا ابني الحبيب الذي...) وعدتُ إلى الهٰذيّة الواردة في التراث الفلسفي بالعربيّة في مقابل العِنْديّة، مع التنبيه إلى أنّ الملحق sein شأنه شأن heit و keit الذي يفيد المصدر الصناعي غالبا: هٰذا هٰذيّة، وتنفيذا لرغبة هيدغر نفسه حين اعترض على ترجمة سارتر être-là قائلا لو أمكن للفرنسية أن تتصرّف لوجب القول: la laïté.
(للإفادة، أشير إلى أنّ التبرّؤ من السؤال عن ماهية الإنسان برز في الرسالة المعنيّة هنا، التي ترد بعد "الانعطاف" الحاصل في تفكير هيدغر، بعد أن كان السؤال مشروعا، إنّما بصيغة أخرى، سواء في الميتافيزيقا الخاصة، عبر قراءة كنط، حيث تؤدي السيكولجيا والكوسمولجيا واللاهوت إلى الإجابة عن ماذا يمكنني أن أعرف وماذا عليّ أن أعمل وماذا يمكنني أن آمل، أي ما هو الإنسان؟ أو في الميتافيزيقا العامة أو الأنطولجيا الأساسية، كما يسميها هو في الكون والزمان، حيث يجري البحث عبر تحليلات الهٰذيّة وتزمّنها).
[2- الإنسان، من حيث هو مُبِرّ، يتحمّل الهٰذيّة حين يتلقّى، في "الانهمام"، الـ ذاDa بوصفه منور الكون. ... فالكون هو بالأحرى من "يرمي" الإنسان في حقيقة الكون كي يسهر، إذ يٌبِرّ، على حقيقة الكون حتى يظهر الكائن بوصفه الكائن الذي هو، في نور الكون. أما ما إذا الكائن يظهر وكيف يظهر، ما إذا الإله والآلهة، التاريخ والطبيعة، يظهرون وكيف يظهرون، فلا يقرّره الإنسان... الكون هو الذي يقدّر الإنسان إلى انبراء الهٰذيّة بوصفها جوهره. هذا القدر يتأتى بوصفه منور الكون؛ والمنور هو الذي يُنعِم بالقرب من الكون. في هذا القرب، في منور الـ "ذا" يقطن الإنسان. [وتلك هي الـ خيمة (هَيْمَتْ) وافتقاد الخيمة يصبح قدرا عالميّا].
القول: إنّ الإنسان مُبِرٌّ، هو كلام على المجاز لا على الحقيقة (بالمعنى الأشعري: أنبت الربيع البقل كلام على المجاز لا على الحقيقة التي هي: أنبت الله البقل) لأن المقصود هو: الإنسان مُبَرٌّ به؛ في تفكير هيدغر الكون هو الذي يُّبِرُّ بالإنسان ، يدفع به إلى البرّان، حيث يفسح له موضعا هو منور الكون. ( يمكن تصوّر المنور على غرار ما يلقى في الغابة الكثيفة من فرجة عارية من الشجر ومنكشفة للضوء). يُّبَرُّ إذن بالإنسان أو يُرمى في المنور، حيث عليه أن يتحمّل هذا الوزر حين يفهم أنّه يكون للموت. وهو ينهض، إن كان أصيلا (أو خاصيّا من الخاصة وليس عامّيا من العامّة)، للحمل بانهمام، أي باهتمام وبحمل همّ. وهو يرمى في المنور، أي في الحقيقة، والحقيقة عند هيدغر، بالعودة إلى اللفظ اليوناني ألاتٰيَه اليوناني، تعني كشف الغطاء، لا المطابقة أي لا الصّواب كما يقال بالعربية. 
ويُرمى الإنسان في ذلك الكشف ليسهر على هذه الحقيقة، ليدرك أيّ كائن هو. أما ما تبقّى من أسئلة، حول طبيعة الكائن والإله والطّبيعة، فليس هو من يقرّر في شأنها، بل يعود القرار إلى القدر، لما يمكن قوله أيضا الحِدثان: ما يحدث عن الكون (تاريخه). فإذا ما تساءلنا عن معنى أن يسهر الإنسان على حقيقة الكون لن يسعفنا نصّ الرسالة في العثور على إجابة شافية؛ لكن سيتبيّن لاحقا أن السهر يعني الإصغاء والحفظ (يذكّر ذلك بالفرق بين سفر التكوين حيث أحضر الربّ الإله كلّ حيوانات الأرض وكلّ طيور السماء" إلى آدم ليرى ماذا يدعوها وكلّ ما دعا به ادم ذات نفس حيّة فهو اسمها" وما جاء في القرآن : "وعلّم آدم الأسماء كلّها").
المهم أن المنور يُنعِمُ، أو لا يُنعِمُ، على الإنسان بالقرب. وفي هذا القرب يقطن الإنسان أو يفترض أن يقطن؛ والحظوة بالقرب هي الخيمة (Heimat)؛ لكن في زمن سيطرة الميتافيزيقا، القائمة على نسيان الكون ونسيان هذا النسيان، يصبح الافتقار إلى الخيمة قدرّا عالميّا، (بالعربي المعيش: ما حدا فيه خيمة فوق راسه" للإشارة إلى أنّ الجميع في مهبّ الريح).
[ 3- تسأل: كيف نُعطي من جديد معنى للفظ "أنسية"؟ وأتساءل ما إذا كان ذلك ضروريّا. أو ما إذا لم تتضح كفاية بعد المصيبة المترتبة على مثل هذا النوع من العناوين؟ يُتوجس من زمان من الـ"..ئيّة" ، هذا صحيح، لكن الرأي العام يطلب بلا توقف المزيد منها. .... التأويلات الأنسية للإنسان - كحيوان عاقل، كـ"شخص"، ككائن روحي ذي نفس وجسد- لا تحمل على محمل الغلط بذاك التعيين للإنسان كـ"حضرة"، ولا تهمل. الفكرة هي بالأحرى أن أسمى التعيينات الأنسية لجوهر الإنسان لم تختبر بعد الكرامة الخاصة بالإنسان. بهذا المعنى، التفكير في " الكون والزمان" هو ضدّ الأنسيّة.... الرفع من شأن الإنسان لا يقوم صراحة في أنه جوهر الكائن كـ "ذات" [فاعل] له كي يذيب، بوصفه وكيل سلطان الكون، كائنيّة الكائن في "الموضوعية" الذائعة الصيت.]
منذ البداية يرفض هيدغر إعطاء معنى جديد للأنسيّة بل يرفض اللفظ نفسه بعدّه بضاعة "عاميّة"، في حين أنّ التفكير شغل "الخاصّة". كان أفلاطون قد عارض ذوقسا (الرأي) بصوفيا (الحكمة) وحسب كنط أنّ الفلسفة ليست شعبية، لكنّ الغريب والعبد يشاركان في حوارات أفلاطون في الوصول إلى الحقيقة، وأحكام الفلسفة عند كنط يونيفرساليّة تلزم كلّ ذي عقل سليم، ذاك الذي قال عنه ديكارت: "العقل السليم أعدل الأشياء قسمة بين الناس"؛ الفرق بين الناس ليس تكوينيّا على عكس ما يذهب إليه نقّاد الحداثة وبخاصّة نتشه يميّز السيّد من العبد من حيث الطّبع والخلق والنّظر؛ وتمييز هيدغر الخاصّيّ من العامّيّ يتصل بتمييز نتشه ويتّفق معه على رذل الحداثة التي هي تعبير عن غلبة العبد (نتشه) أو عن غفلة الخاصّيّ وغلبة الرأي العامّ (هيدغر).
هذه الغلبة لا يدينها هيدغر بل يحسبها حدثا أو مجرى من مجريات (= ما جرى ويجري) الكون. (المجريات أو الحدثان‘ أي ما يجري أو يحدث هو ما أفهمه من لفظ Geschichte، عند هيدغر وما ينقل عادة ب: تاريخ). وحيث إن ما حصل ويحصل، لم يكن قرارا اتخذه الإنسان الذي لا يقرّر شيئا أصلا، بل يقوم بما يتيحه الكون، غلى غرار ما يفعل روح العالم عند هيغل، فإنّ مل تقدّم من تأويلات أنسيّة للإنسان لا تحمل على محمل الغلط ولا تهمل لأن لها مشروعيّتها التي تعبّر عن مجريات مضت، وجلّ ما صار يمكن، ويجب، الانتباه إليه هو عدم كفاية تلك التأويلات الأنسيّة أمام ما ينكشف الآن للتفكير في الإنسان كـ"حضرة" ويضفي على الإنسان الكرامة التي يستحق جرّاء أنه يقطن في منور الكون بالقرب من الكون‘ على عكس تلك الكرامة الموهومة في عدّ الإنسان كائنا عاقلا ومريدا وسيدا على الكائنات، أي في ما يعرف بالأنسيّة، أي تركة الحداثة التي "يناضل" ضدّها هيدغر. ويورث ذلك "النضال" للعصر الفلسفي الفرنسي، بخاصّة: فيصبح إعلان موت "الذات" والإنسان ورفض الأنسيّة جواز مرور إلى التفكير المعاصر، تدعمه أسماء بحجم لاكان وألتوسير وفوكو آخرون، وسرعان ما يضاف إلى ذلك التبرّؤ من الميتافيزيقا والقول بـ "ما بعد الحداثة".
[4- التفكير ينجز صلة الكون بـ"حضرة" الإنسان. هو لا ينشئ ولا يحدث الصلة تلك. التفكير يقدّمها فقط للكون. التقدمة هذه تقوم في أنّ الكون يأتي إلى اللغة بالتفكير. اللغة بيت الكون. في ملجأ البيت يكنّ الإنسان. المفكرون والشعراء يسهرون على الملجأ هذا. سهرهم هو إنجاز انكشاف الكون من حيث إنهم في قولهم يحملون هذا الانكشاف إلى اللغة ويحفظونه فيها. اللغة لا ترتفع إلى الفعل بمجرّد أنّ أثرا يخرج منها أو أنّها تطبّق على... التفكير يفعل من حيث يفكّر. هذا الفعل ربّما كان الأبسط أو الأسمى لأنّه يخصّ صلة الكون بالإنسان. إلا أنّ التأثير كلّه يكمن في الكون ومن هناك يروح إلى الكائن. في المقابل، يترك التفكير الكونَ يستدعيه ليقول حقيقة الكون. التفكير ينجز الترك هذا. أن تفكّر يعني أن تلتزم بالكون للكون.... التفكير التزام بـ ولـ حقيقة الكون، هذا الذي حدثانه لا ينقضي البتّة، بل يُتوقّع أبدًا. تاريخ الكون يجرّ معه كل شرط ووضع إنسانيّ ويعيّنه. فلكي نتعلّم، بدءًا، مجرّد اختبار جوهر التفكير المذكور، بما يعني إنجازه، علينا أن نحرّر التفكير من التأويل التقانيّ؛ الذي تعود بدايته حتّى أفلاطون وأرسطو. عندها كان التفكير نفسه تقانة، توسّل التفكّر في خدمة العمل والاستطاعة.... ومذ ذاك صار بالفلسفة حاجة إلى تسويغ وجودها أمام "العلوم". وتظنّ أنّها تحظى بذلك على نحو أوثق إن هي ارتقت إلى مصافّ علم من العلوم. لكن هذا الجهد هو التخلّي عن جوهر التفكير. …. والكون بما هو عنصر التفكير يتمّ التخلي عنه في التأويل التقاني للتفكير. و"المنطق" هو مكافأة هذا التأويل الساري منذ السفسطائيين وأفلاطون. يحاكم التفكير بمعيار غير مناسب له. ومثَلُ هذه المحاكمة مثَلُ محاولة تقييم جوهر السمك وقدراته بالقدرة على العيش على اليابسة. من زمان، زمان طويل، سقط التفكير على اليابسة. فهل يمكن أن نسمي الجهد الآيل إلى إعادة التفكير إلى عنصره، "لاعقلانيّة".
بعد الانعطاف، وبتأثير من نتشه ربّما، يتخلّى هيدغر عن سعيه إلى تأسيس الميتافيزيقا (أي الفلسفة) على غير نسيان الكون، بل يكتب بين 1935 و1946 تخطّي الميتافيزيقا؛ أو بلوغها شأوها حيث ينحدر التفكير، إذ ينحرف عن عنصره، ويعوض الخسارة هذه بتأمين قيمة له كتقانة، كأداة تثقيف، ليتحول على الفور إلى تمرين مدرسي وينتهي كمشروع ثقافي. رويدا رويدا تصير الفلسفة تقنية تفسير بالأسباب الأخيرة. لا يعود المرء يُفكّر بل ينهمك بالفلسفة. وتنحدر اللغة. وهذا الانحدار يعود إلى أفلاطون وأرسطو حين تمّ توسّل التفكير في خدمة العمل والاستطاعة أي توظيفه في "العلم" حيث رفع العلم إلى المصافّ الأعلى، وصار على الفلسفة نفسها أن تتشبّه بالعلم كي تحافظ على كرامتها. لكنّ "العلم لا يفكّر" على ما سيقول هيدغر لأنه محكوم بالفائدة منه، بالتقانة. لذا يعتمد "المنطق" و"الموضوعية" ويقتل التفكير إذ يزيحه عن عنصره. فماذا عن التفكير؟ 
يمكنني القول، بانتظار توسيع مستقلّ لاحق، إنّ التفكير لا يتعلّق بالمنطق ولا بالعلم؛ بل هو بالأحرى استجابة لدعوة من ذاك الذي يدعو إلى التفكير وممّا يجب أن يفكَّر؛ لكن هذا الأخير يصرف وجهه عنّا، وهذا منذ هيمنة الميتافيزيقا وانهماكها بالكائن ونسيانها للكون. لكن ثمّة إشارة على النبيه أن يلتقطها ويستجيب للدعوة: يترك الكون يستدعيه ليقول حقيقة الكون، لتتكلم اللغة فيه، ليتجلى الكون في بيته اللغة ويحظى الإنسان المفكّر أو الشاعر بنعمة السهر على البيت، وفي ذلك كلّ كرامته.
[ 5- التفكير القادم لن يكون فلسفة لأنه سيفكر على نحو أكثر أصالة من الميتافيزيقا...سينحدر إلى فقر ماهيته الموقتة. سيشبه اللغة في بسيط القول. وهكذا تصير اللغة لغة الكون كما هي الغيوم غيوم السماء. سيرسم التفكير، بقوله، أثلاما غير ظاهرة في اللغة، أثلاما أقل ظهورا بعد من تلك التي يحفرها الفلاح، بخطى بطيئة، عبر الحقول].

لا تعليق.
ترجم النص وعلّق عليه وقرأه لطلبة الدكتوراه 
في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانيّة
موسى وهبه

رسائل إدوارد سعيد إلى صادق جلال العظم

ديسمبر 21, 2016 اضف تعليق


محمد الدخاخني
باحث ومترجم من مصر
عن الترا صوت
كتب صادق جلال العظم (1934-2016) مراجعةً لكتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد (1935-2003)، بعنوان "الاستشراق والاستشراق معكوسًا"، وأرسلها إلى مجلة "الدراسات العربية" الفصلية، التي كان يقوم على تحريرها في ذلك الوقت سعيد وفؤاد المغربي. وعلى إثرها كانت هذه المراسلات بما فيها من مناورات ومشاكسات من طرف إدوارد سعيد تجاه ما قدمه أحد أهم المفكرين والنقاد العرب في العصر الحديث، أي العظم، لكتاب سعيد "الاستشراق"، فكانت حيل المحررين وتغليف ردات فعلهم بادية في دفاع سعيد المبطن عن نرجسيته وليس منتجه بالضرورة.

10 تشرين الثاني/نوفمبر 1980

عزيزي صادق،
جزيل الشكر على إرسال تحليلك المطوَّل "للاستشراق": إنه، كما أعتقد، مشغول بعناية فائقة، ويقدِّم -من خلال مصطلحاتك الخاصَّة- وثيقةً مقنعةً ومثيرةً للإعجاب حقًا. غير أن فؤاد [المغربي]، وأنا، نعتقدُ أنه طويل جدًا بحيث يصعب نشره كما هو. بالتالي، هناك خياران: الأول، أن تقوم باختصاره نحو 15 صفحة (يمكن استبعاد الكثير منها بسبب التكرار والحشو اللفظي)؛ الثاني، أن نختصره نحن، أو بالأحرى، يختصره المحرر ونرسله إليك للموافقة عليه. دعنا نعرف ردَّك في أقرب وقت ممكن، حتى نتمكن من المضي قدمًا في عملية نشره. وعلى أي حال، ريثما يتسنى لك الرد سنقترح عليك الاختصارات المطلوبة، بحيث، إذا اخترت ثاني الخيارين (المذكورين أعلاه)، يكون لدينا نص مهيأ للنظر من جانبك دون تأخير.

لقد تلقيتُ العديد من المراجعات بخصوص "الاستشراق"، كما تعلم، وقررتُ عدم الرد على غالبيتها العظمى. وفيما يتعلق بمقالتك، سأقدِم على فعل غير مسبوق بالنسبة إلي: سأقوم بالرد عليك. دعني أكن أمينًا معك كصديق معجب بك ومحب لك. في كتاباتك الأخيرة، اكتشفتُ ضيق أفق ودوغمائية مؤسفين أضعفا عملك: وتلك هي الحال مع القراءة التي قدَّمتها لكتابي. أجدُ بعض نقاطك مصقولةً ومقدمةً بشكل جيد. بيد أن دفاعك عن ماركس والنقاط المتعلقة بـ "نُصحي" للمستثمرين الأمريكيين، في اعتقادي، غير ناضجة وسطحية، وسأقوم في ردّي بالبرهنة على شيء من خواء بلاغتك. لا أعتقدُ أنك، في أي وقت سابق، قد اشتبكت مع مُجادل من نوعيتي: إن هجماتك ضد أناسٍ هزيلي الحجة، تُمسك بهم من خلال تعبيراتك المملة، قد ذهبت إلى غير رجعة. من هنا، أعتزمُ أن ألقنك درسًا في كيفية الجدال وبلورة النقاط، ليس لشيء غير الرغبة في حس تعليمي. لعل أسوأ ما في كتابتك هو المدى الذي عليه سوء قراءتك: في الأخير، كما ترى، حين نقرأ ونكتب، نتعاطى مع كلمات، وطريقة تعاطيك مع الكلمات حَرفية جدًا وغير حَرفية كفاية، في الوقت نفسه، وليس بإمكانك أن تمضي في كلا الاتجاهين. حين تقتبس تسيء الاقتباس وحين تُفسِّر تسيء التفسير، وكلا النشاطين بـ "دقة" و"صحة" حجتهما. كمثال على ذلك، خُذ زعمك أن مفهومي حول الاستشراق أحادي الخط (unilinear): ببساطة، أنت لا تقرأ ما أقوله في كل موضع، أن الاستشراق كلمة متعددة المعاني، وعلى المرء أن يكون حساسًا تجاه تلك المعاني. وإذا كان هنالك أي شيء يمكن اعتباره أحادي الخط، فهو [أي الاستشراق] كذلك ليس كمفهوم (ما عدا عند القارئ الكسول وقليل الإحساس)، لكني سأشرح لك هذا أيضًا.


أعتقد أن الفرق الحقيقي بيني وبينك أنك دوغمائي وحَرفي لم يمضِ أبعد من ماركسية الأممية الثانية؛ وإنني شكوكي، في كثير من الأحيان، وأناركي لا يؤمن على طريقتك، بالقوانين، أو الأنظمة، أو أيًا كان ذلك الهراء الذي يثبط فكرك ويحد من أفق كتابتك. وماركس بالنسبة إليك يُشبه الخميني بالنسبة إلى أتباعه: في واقع الحال، إنك خمينيّ يسار لم ينتمِ أبدًا أبطالي، غرامشي ولوكاش، إليه.

لا بُدَّ لي أن أقول، أخيرًا، إنني وجدتُ تلميحاتك حول علاقاتي الوهمية بالإمبريالية الأمريكية دون مستواك، وغير جديرة بك. ويمكنني فقط أن أرجعها إلى مجاري الصحافة اللبنانية، التي أمضيت فيها الكثير من وقتك. بالنسبة إلى باحث ومفكر مثلك، أن تُلمح إلى أشياء من هذا القبيل يعني أن تترك نفسك مفتوحةً على تُهم أسوأ، على سبيل المثال، كونك (حرفيًا) خادم طوعي وصامت للنظام السوري، الذي يوظِّفك حاليًا ويطلب صمتك، ثمن - كما قلتُ لك سابقًا، أنت قبلت بدفعه للأسف. لكني لا يمكن أن أصرّح بذلك علانيةً؛ وهذا هو الفرق بيننا. سأقولها لك سرًا كما أفعل الآن، ليس أكثر. ولعل الأمر برمته جزء من متلازمة إخصاء الذات التي أجدها في عملك؛ متلازمة مَن لديه الكثير ليقوله ويُسهم به، لكن يقوِّض ويدمر نفسه في كتاباته. هذا ما أعتقدُ أنك قد أقدمت عليه؛ لقد ضحيتَ بتأثيرك المحتمل لصالح ضجة وتشهير، لن يجعلانك، في النهاية، إلا أقل تأثيرًا بكثير مما كان متوقعًا منك. أيضًا، السؤال الذي سيكون علي أن أحاول الجواب عليه هو: لماذا يؤذي صادق نفسه وقضيته طواعيةً، ولماذا يشل مقدرته في ذات النَفَس الذي يعبِّر فيه عنها؟ هذا سؤال ثقافي من المفيد جدًا طرحه.

آمل أن تأخذ نقاطي بالروح التي قصدتُ منها. لكن سيكون من الجيد للمجلة أن نناقش بعضنا البعض بتأدُّبٍ على صفحاتها: لهذا، فكِّر في المواضع التي ستختصرها. على أي حال، لن يكون لدي وقت للرد عليك حتى الأول من كانون الأول/يناير. فأنا، حاليًا، غارقٌ في العديد من الواجبات والأوراق: ومع ذلك، أتطلع بشغفٍ إلى الرد عليك تفصيلًا.

مريم تُرسل مودتها لفوز ولك - وأنا أيضًا.
احترامي،
إدوارد



2 كانون الأول/ديسمبر 1980

عزيزي إدوارد،
شكرًا جزيلًا لك على الخطاب الذي أرسلته في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1980. عرفتُ أن مقالتي ستكون مزعجةً، لكنني لم أتوقَّع مثل هذا الانفجار العنيف من جانبك، خاصةً الهجوم على شخصي. وحقيقةً، أعتقدُ أن حدة ردة فعلك لا تتناسب و"الجرائم" التي يبدو أنني اقترفتها في انتقاد بعض جوانب كتابك.


لقد خضتُ، كما تعلم، نقاشات ومناظرات أشد مرارةً من قبل ونجحتُ في الاعتصام بموقف مستقل إلى حد معقول. ومن ثمَّ، أتجنَّبُ اتهاماتك التعسفية، وأتغاضى عن المقارنة التي عقدتها بين الصفات والفضائل المتعلقة بك وتلك الخاصَّة بشخصي المتواضع، والتي تقود كلها، كما هو متوقَّع بما فيه الكفاية، إلى نتيجة محتَّمة تتمثَّل في تفوقك. أعتقدُ أن أمورًا كهذه ينبغي أن تترك للآخرين كي يتحدثوا ويتناقشوا بشأنها (لو كان ينبغي)، لأننا لا نُقدِّم الكثير لأنفسنا حين ننغمس في مثل هذه المقارنات والتقييمات الأنانية. كما أحبُ أن أنوِّه إلى أن "هزيلي الحجة" الذين اشتبكتُ معهم لم يكونوا أساتذةً متعكري المزاج أو مثقفين هادئين، وإنما أشخاص، ومؤسسات، وحكومات مدججة بالسلاح وخطيرة بشكل لا يقبل الجدال. وغارقين في تقاليد "الاستبداد الشرقي"، يُعرف عنهم الميل إلى تسوية الاختلافات في الرأي مع النُقَّاد والمجادلين عبر اللجوء إلى الرصاص والمتفجرات والحرق والقمع والاغتيال.


يؤسفني إصرارك على إساءة فهم الصفحات القليلة الأخيرة من الجزء الأول من مقالتي. فكما يبدو لي، ثمة اختلافٌ واضح بين القول إن "س" لديه علاقات (من نوع أو آخر) مع الإمبريالية الأمريكية، والقول إن "س" يحمل آراءً ويُعبِّر عن وجهات نظرٍ تلعب دورًا (أو قد تلعب دورًا) أو تقدِّم منفعةً للإمبريالية الأمريكية، ينبغي تنبيهه بخصوصها والنقاش صراحةً بشأنها. وتكون هذه المهمَّة أكثر أهميةً وإلحاحًا إذا كان "س" مشهورًا بموقفه المناهض للإمبريالية.

إن الصفحات المعنيَّة توضح لك أن الإمبريالية الأمريكية يسرّها: (أ) حكمك أن علاقة التبعية العربية-الأمريكية غير مأساوية؛ (ب) إصرارك أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تسير على ما هي عليه لأن المخيال الاستشراقي ما زال يسيطر على عقول واضعي السياسات وغيرهم من الخبراء الذين يوجِّهون هذه السياسة. يبدو لي، بشكل وجيه، أن هذه المواقف لا يمكن أن تنسجم مع موقف حقيقي مناهض للإمبريالية. وددتُ لو أراك تُجادل عكس ذلك بدلًا من أن تكون غاضبًا جدًا معي. وبشكل مماثل، إذا كنت ترغبُ في الدفاع عن الشرق ضد الاستشراق الغربي والإمبريالية فإنه ينبغي أن تتوقف عن الالتزام بالنقطتين (أ) و(ب)، أو عليك أن تخبر الزعماء الأمريكيين أن عليهم تطهير رؤوسهم الإمبريالية من التوهمات والتجريدات الاستشراقية. وعندي أن هؤلاء الزعماء وخبراءهم هم أناس عديمي المشاعر يمتلكون في العموم عددًا قليلًا من الأوهام ويعرفون بالضبط ماذا يفعلون وفي سبيل أية أهداف. ربما أكون مخطئًا. لكني أرغبُ في رؤيتك تجادل أن الموقف المعارض يمكن الاستمرار في الدفاع عنه بجانب التزامٍ حقيقيٍ بمناهضة الإمبريالية، بدلًا من نعتي بأوصافٍ لا تليق.

أعتقدُ أننا ننتمي إلى هذا النوع من الناس الذي يمتلك وجهات نظر قوية حول مسائل الحياة المهمَّة وقضاياها المشتعلة، وأننا ندافع عن قناعاتنا بقوة وننتقد الآخرين بحماسة، لكن هذا لا يقدِّم حجةً لأي منا أن يُظهر توفقه الأخلاقي، ويحمِّل المواقف أقدس مما ينبغي، ويزعم قدرات متفوقة في إعطاء الآخرين دروسًا نموذجية. وسواء كانت وجهات نظر ماركس بشأن الهند ناتجة عن استلاب أفكاره من قِبل رطانة المستشرقين وتعريفاتهم القاموسية، أو ناتجة عن نظرته العامَّة بشأن التغير التاريخي؛ وسواء كان هناك تصور أحادي الخط للاستشراق في كتابك أم لا، كلها تساؤلات قيمة يمكن نقاشها وتوضيحها بعقلانية دونما التلمظ بمتلازمات ونظريات الإخصاء، أو اللجوء إلى أشكال أخرى من الاغتيال الشخصي.

فيما يتعلق بنشر مقالتي في مجلة "الدراسات العربية"، لدي نقطتان: (أ) بالنظر إلى أن مقالتي تتعاطى مباشرةً مع كتابك وبالنظر إلى أن ردة فعلك قد جاءت حادة على محتوياتها (إلى حد كسر تعهداتك بعدم الرد على المنتقدين)، ظننت أنك ستمتنع تمامًا عن أخذ أي نوع من القرارات أو الاقتراحات التحريرية وما إلى ذلك، بخصوص هذا النص. (ب) أصرُّ على نشر مقالتي دون حذف كلمة واحدة وكما هي، مهما كانت مشاكلها. وهذا أمر نهائي وغير قابل لمزيد من النقاش. وفي حال وجدت المجلة طلبي غير معقول (أو من المستحيل تلبيته لسبب أو لآخر)، سأقدِّر إعادة نسختي على عنواني في بيروت في أسرع وقت ممكن.

نتمنى لكم جميعًا عيد ميلاد سعيد وسنةً جديدةً سعيدة.
خالص الاحترام،
صادق



10 كانون الأول/ديسمبر 1980

عزيزي صادق،
مَن يُبالغ الآن في ردة فعله؟ لم أذكر في خطابي أي شيء يمس شخصك غير خنوعك للنظام، وسرعان ما تخطيتُ الأمر. أما أن خطابي يشير أو يتضمن ادعاء تفوقي عليك، فهذا محض هراء. لستُ أنا من يستخدم هذه الأساليب، ولكن ما قلتُه -وهذه مرة أخرى تسيء فيها القراءة- إنني متفوق كمجادلٍ أو مشتبكٍ مع هجماتك، في الجدالات على الأقل، مقارنةً بخصومك المعتادين. وها أنت تؤكد ذلك عبر قولك إن خصومك عمومًا كانوا مستبدين شرقيين يُعملون السيف. تلك بالضبط هي وجهة نظري، التي لا شك أنها فاتتك.


بالنسبة إلى نقطتك الأخرى، حول النُصح أو تقديم المنفعة للإمبريالية. إذا قرأت المقطعين المعنيين، ستعرف 1) ما أقوله حول أن سياسة الولايات المتحدة يجري بناؤها على المخيال الاستشراقي ليس أكثر من إعراب عن حقيقة، لا تتضمن توجيهي النُصح بشأن ما هو الشرق، ولا أني أود أن أكون معاونًا في تغيير تلك السياسات. بل على العكس تمامًا، أقول ما يجب أن يُقال كوصف لما يحصل، و -إذا كنت تكمِل القراءة- أقول أيضًا إنه ما من سياسة مختلفة ممكنة نظرًا لطبيعة المؤسسات والنظام وما إلى ذلك. 2) أما الفقرة الثانية، عن العلاقة التبعية -ما قلتُه أن العلاقات التبعية بحد ذاتها لاحظ أني استثنيت العلاقات الاقتصادية (حيث إن كل منظري الإمبريالية الذين ذكرتهم، فرانك وجاليه وأمين إلخ، يتكلمون عن علاقات التبعية الاقتصادية)- ليست سيئة تعريفيًا. ما أعنيه هو أنه من المستحيل أن تكون كل الثقافات متساوية في عالم ثقافي معقد، وأن كل هذه الثقافات مستقلة ومبدعة ولا تستنسخ غيرها: هل يمكننا القول إن علاقة التبعية بين روما واليونان كانت سيئة نتيجة أنها كانت علاقة تبعية من الناحية الثقافية، كما كان الحال في العلاقة التبعية بين ألمانيا وإمبراطورية النمسا؟ لا. فبعض العلاقات من هذه النوعية قائمة نتيجة شكل العلاقة - ومثالًا على ذلك علاقة العالم العربي مع الغرب، حيث إن العلاقة أحادية الاتجاه، وبالتالي هي علاقة استنساخ، ومن ثم غير متكافئة. هذه هي النقطة التي أردتُ أن أثيرها. أما حجتك حول ماركس فلن أكلف نفسي عناء التعاطي معها هنا، لأنها تنطوي على أشياء أكثر تعقيدًا، كما أنها مثيرة للاهتمام لأسباب أخرى.


على أي حال، افترضتُ أن رسالتي ستثير الغضب بعض الشيء، وأنا آسف لذلك. وشكرًا لأنك دعوتي بالأستاذ متعكر المزاج: لكن كيف أدعوك، الناقد الهادئ والأولمبي لأخطاء الآخرين؟ وهو كذلك - أنت ناقد هادئ وأولمبي لأخطاء الآخرين.

من العار أن تشير إلى أنه، بسبب انخراطي شخصيًا في المسألة، لا ينبغي عليّ اقتراح تغييرات وتعديلات على نصّك. الحقيقة أنني أكثر نزاهةً وعدلًا من ذلك: أتمنى أن ترى ذلك ولو لمرةٍ واحدة. قبل أن أكتب إليك، راجعتُ الأمر مع المحررين المشاركين، فؤاد وإبراهيم أبو لغد: في واقع الأمر، عندما وصل نصك إلى يدي فؤاد، أخبرني، قبل أن أفعل، أنه طويل جدًا. وقد رفضتُ قراءته حتى قدّم لي هو وإبراهيم انتقاداتهم. ويعتقدُ الأخير أن نصك ينبغي أن يُختصر إلى خمس، نعم خمس، صفحات. بالتالي، ما كنت أقوله لا يعبِّر عن تعليق شخصي، ولكن عن عمل تحرير جماعي. وردّك، برأيي، جاء غبيًا جدًا وطنانًا، لأن الاختصارات من الأمور المعتادة حتى في أفضل المجلات، أيضًا لماذا تعتقد، بطريقة أو بأخرى، أن كل كلمة لك مقدسة وفوق النقد؟ من المضحك أن يتخذ المرء مواقف كتلك التي تتخذها. على كل حال، سنعقدُ اجتماعًا في نهاية هذا الأسبوع. وسيكون موقفي مع نشر نصك بالكامل، حتى آخر كلمة، وكما هو. وإذا رفض المحررون موقفي سيعود إليك نصك. وإذا لم يرفضوا، سأنشر حقي في الرد إلى جانبك. هل يعجبك هذا؟

أظن أن الضغينة التي بيننا سيبددها الوقت. وما زلتُ أعتقد أنك لم تكتب هذا النص بنية صافية (نية فكرية صافية)، ولم تقرأ كتابي بالعناية والذكاء المعهودين منك. كما أعربُ عن ندمي على أي شيء قلته وبدا انفعاليًا (لكن هذا لا يشمل الكلام الدقيق الذي قلته لك، حيث إن أغلب ما قلته لك كان دقيقًا) ومسيئًا، لكني لستُ نادمًا على إخبارك شعوري تجاه النقودات التي تكتبها الآن، وتسلطها، بشكل أو آخر، على من يلوح في أفقك. لعله من النافع الإشارة إلى أنني عندما أكتب كتابًا من هذا النوع أكون في حالة معينة وأكتبه لجمهور عمومي وليس لشخص واحد، وما إليه، لكن ذلك لم يؤخذ بعين الاعتبار كفاية في مقالتك.

أنا على استعداد لقول إن الاستشراق ليس كتابًا جيدًا جدًا، ولكني أصر على أنه يحتوي، مع استثناءات قليلة، على قراءات وتفسيرات ممتازة. شكواي الرئيسة منك أنك لا تقرأ جيدًا، أو أنك تكتب أفضل مما تقرأ. وآمل أن تفهم ما أعنيه. ما من جراح بالغة، على الرغم من وجود بعض الكدمات. وعمومًا، قد لا يكون الوضع بالغ السوء. سأكون في بيروت إجازة الأسبوع الموافقة 9-11 كانون الثاني/يناير عند أمي. هل يمكننا أن نلتقي، إذا كان في وقتك متسع؟

كل التحية لأربعتكم-
احترامي،
إدوارد